النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١٠
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
قال النووي: واختلف أصحابنا في حكم الثوم في حقه عليه الصلاة والسلام
وكذلك البصل والكراث ونحوها، فقال بعض أصحابنا: هي محرمة عليه، والأصح
عندهم أنها مكروهة في حقه كراهة تنزيه ليست محرمة لعموم قوله عليه الصلاة
والسلام: لا، في جواب قوله: أحرام هي؟ ومن قال بالأول يقول: معنى الحديث:
ليس بحرام في حقكم. انتهى.
فينبغي لمحبه موافقته عليه الصلاة والسلام في ترك الثوم ونحوه، وكراهة ما
يكرهه، فإن من أوصاف المحب الصادق أن يحب ما يحبه محبوبه ويكره ما
یکرهه.
وكان عليه الصلاة والسلام يأكل بأصابعه الثلاث.
قال النووي: واختلف أصحابنا في حكم الثوم،) بضم المثلثة، كما في القاموس وغيره، (في حقه
عليه الصلاة والسلام، وكذلك البصل، والكراث، ونحوها) من كل ما له رائحة كريهة، (فقال
بعض أصحابنا: هي محرمة عليه،) وهو مذهب لملك، (والأصح عندهم إنها مكروهة في حقه،
كراهة تنزيه، ليست محرمة لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: لا في جواب قوله،) أي: السائل
(أحرام هي؟ ومن قال بالأول يقول معنى الحديث، ليس بحرام في حقكم) دوني، لأني أناجي
من لا تناجون، (انتهى).
قال في الفتح: وحجة التحريم، أن العلة في المنع ملازمة الملك له، وأنه ما من ساعة إلاَّ
والملك يمكن أن يلقاه فيها عَّة، (فينبغي لمحبه موافقته عليه الصلاة والسلام، في ترك الثوم
ونحوه،) وإن جاز له، (وكراهة ما يكرهه، فإن من أوصاف المحب الصادق، أن يحب ما يحبه
محبوبه،) أي: يسعى في الأسباب المحصلة لذلك، (ويكره ما يكرهه) لأجل الموافقة؛ وإن
كانت الحكمة التي ترك المصطفى الأكل لأجلها ليست في غيره.
وذكر الدولابي: إن أهل أيلة أهدوا إلى النبي عَِّ قلقاسًا، فأكله، وأعجبه، وقال: ما هذا؟،
قالوا: شحمة الأرض، فقال: إن شحمة الأرض الطيبة، (وكان عليه الصلاة والسلام يأكل بأصابعه
الثلاث) الإِبهام، والسبابة، والوسطى، كما تفيده أخبار أخر؛ ولذا تورع بعض السلف عن الأكل
بالملاعق، لأن الوارد إنما هو الأكل بالأصابع.
وفي الكشاف أحضر الرشيد طعامًا، فدعا الملاعق، وعنده أبو يوسف، فقال: جاء في
تفسير جدك ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ جعلنا لهم أصابع يأكلون بها
الآية، فأحضرت الملاعق، فردها وأكل بأصابعه، فيستحب الأكل بالثلاث فقط، إن كفت، وإلاّ

٢٠٢
النوع الأول في عيشه عَّةٍ في المأكل والمشرب
رواه الترمذي في الشمائل.
وهذا - كما في الهدي- أنفع ما يكون من الأكلات، فإن الأكل بأصبع أكل
المتكبر، ولا يستلذ به الآكل ولا يمريه ولا يشبعه إلا بعد طول، ولا يفرح آلات
الطعام والمعدة مما ينالها في كل أكلة فيأخذها على إغماض كما يأخذ الرجل حقه
حبة حبة أو نحو ذلك، فلا يلتذ بأخذه، والأكل بالخمسة والراحة يوجب ازدحام
الطعام على آلاته وعلى المعدة، وربما استدت الآلات فمات، وتغصب الآلات على
دفعه، والمعدة على احتماله، ولا يجد له لذة ولا استمراء، فأنفع الأكل أكله عَّ ل﴾،
وكل من اقتدى به بالأصابع الثلاثة.
زاد بقدر الحاجة، لقول عارم بن ربيعة: كان عَُّ يأكل بثلاث أصابع، ويستعين بالرابعة، أخرجه
الطبراني في الكبير.
قال ابن العربي: إن شاء أحد أن يأكل، فليأكل، فقد كان عَّ يتعرق العظم وينهش
اللحم، ولا يمكن عادة إلاّ بالخمس.
قال الحافظ العراقي: وفيه نظر، لأنه يمكن بالثلاث سلمنا، لكنه ممسك بكلها، لا آكل
بها سلمنا، لكن المحل محل ضرورة، لا يدل على عموم الأحوال، فهو كمن لا يمين له، يأكل
بشماله.
(رواه الترمذي في الشمائل) من حديث كعب بن لملك، وأخرجه أحمد، ومسلم، وأبو
داود، عنه قال: كان عَّة يأكل بثلاث أصابع، ويلعق يده قبل أن يمسها، (وهذا كما في الهدى
أنفع ما يكون من الأكلات،) بفتح الهمزة، والكاف جمع أكلة، (فإن الأكل بإصبع أكل المتكبر؛
ولا يستلذ به الآكل، ولا يمريه)، بضم، فسكون، (ولا يشبعه إلاَّ بعد طول، ولا يفرح آلات
الطعام،) بحاء مهملة، أي: لا يصبرها فرحة عبر بذلك، تجوزا حيث جعل لها حالة كحالة الذي
يفرح بما ينتفع به، ويناسبه قوله الآتي: فلا يلتذ، وفي نسخ، بجيم، من باب ضرب، (والمعدة
مما ينالها في كل أكلة، فيأخذها على أغماض٤) بمعجمتين، كراهية، (كما يأخذ الرجل حقه
حبة حبة، أو نحو ذلك، فلا يلتذ بأخذه،) وأن يرسل إليه، (والأكل بالخمسة والراحة) باطن
الكف، (يوجب ازدحام الطعام على آلاته وعلى المعدة، وربما استدت الآلات، فمات وتغصب
الآلات) كالفم والحلق، (على دفعه) إلى المعدة، (والمعدة على احتماله، ولا تجد له لذة،
ولا استمراء، فأنفع الأكل أكله عَِّ، وكل من اقتدى به بالأصابع الثلاثة) الأولى الثلاث؛ كما هو
لفظ الحديث إذ الأصابع مؤنثة.

٢٠٣٠
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
وكان عليه الصلاة والسلام يلعق أصابعه إذا فرغ ثلاثًا: رواه الترمذي في
الشمائل.
وفي رواية مسلم ويلعق يده قبل أن يمسحها. وفي رواية أنه أمر بلعق
الأصابع والصحفة.
وقد روى الترمذي عن أم عاصم
وقد روى الحافظ أبو أحمد، محمد بن أحمد، بن الحسن الغطريف، وابن النجار، عن أبي
هريرة: الأكل يإصبع أكل الشيطان، وبالإصبعين أكل الجبابرة، وبالثلاث أكل الأنبياء.
وروى الدارقطني في الأفراد، عن ابن عباس: أنه عٍَّ لم يأكل بإصبعين، وقال: إنه أكل
الشياطين، وأخرج أيضًا عنه بسند ضعيف، لا يأكل بإصبع، فإنه أكل الملوك، ولا بإصبعين، فإنه
أكل الشياطين، وفي الأحياء: الأكل بإصبع من المقت؛ ويإصبعين من الكبر، وبثلاث من السنة،
وبأربع أو خمس من الشره، (وكان عليه الصلاة والسلام يلعق،) بفتح العين، يلحس (أصابعه إذا
فرغ) من الأكل، لا في أثنائه، لأنه يقذر الطعام؛ (ثلاثً) مفعول مطلق، أي: لعقًا ثلاثًا لكل من
الثلاث، كما في رواية أخرى، وبه تجتمع الروايتان، من غير إخراج لهذه عن ظاهرها، بإعرابها
حالاً من أصابعه، كما ادعى بعض؛ وهل كان يلعق كل أصبع ثلاثًا متوالية؟، أو يلعق الثلاث، ثم
يلعق الظاهر الأول، لكمال تنظيف كل أصبع قبل الانتقال لغيرها.
(رواه الترمذي في الشمائل) عن كعب بن لملك، لكن تسمح في العزو فلفظه عن كعب
كان يلعق أصابعه ثلاثًا، وفي رواية كان يلعق أصابعه الثلاث، ثم روي عن أنس: كان عَّةٍ إذا
أكل طعامًا لعق أصابعه الثلاث؛ ثم روي عن كعب: كان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقها، فلم يقع
في الشمائل لفظ إذا فرغ، نعم وقع ذلك في رواية غيره، كما أفاده قوله: (وفي رواية مسلم،)
وأبي داود، وعن كعب: كان يأكل بثلاث أصابع، (ويلعق يده،) أي: أصابعه، أطلق اليد عليها
تجوزًا، وقيل أراد الكف كلها، فيشمل الحكم من أكل بها كلها، أو بأصبعه فقط، أو ببعضها،
قيل وهذا أولى، لكن الكلام في فعل المصطفى (قبل أن يمسحها؛) محافظة على بركة الطعام،
فيستحب ذلك، كما يستحب الاقتصار على الأكل بالثلاث، وهذا صريح في أن لعقه بعد تمام
أكله لا في أثنائه، (وفي رواية أنه أمر بلعق الأصابع؛) وتأتي قريبًا عن مسلم (والصحفة) بقوله:
ولا ترفع القصعة حتى يلعقها، أو يلعقها، رواه ابن السني، ولابن حبان: ولا ترفع الصحفة حتى
يلعقها، فإن آخر الطعام البركة.
(وقد روى الترمذي، عن أم عاصم،) لم تستم، وهي أم ولد سنان بن سلمة، وجدة

٢٠٤
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
قالت: دخل علينا نبيشة الخير، ونحن نأكل في قصعة فحدثنا أن رسول الله عَ ليه
قال: من أكل ثم لحسها استغفرت له القصعة، وكذا أخرجه ابن ماجه وأحمد وابن
شاهين والدارمي وغيرهم. وقال الترمذي: إنه حديث غريب. وأورده بعضهم بلفظ:
تستغفر الصحفة للاحسها.
وفي حديث جابر مرفوعًا عند أبي الشيخ في الثواب: من أكل ما يسقط من
الخوان .
المعلى بن راشد، تابعية مقبولة، (قالت: دخل علينا نبيشة،) بضم النون، وفتح الموحدة، ثم ياء
ساكنة، ثم شين معجمة (الخير،) الهذلي، صحابي، خرج له مسلم حديث: أيام التشريق أيام
أكل وشرب، وروى له أصحاب السنن، قال أبو عمر: سكن البصرة، ويقال: إنه دخل على
النبي عَّةٍ، وعنده أسارى، فقال: يا رسول اللَّه إما أن تفاديهم، وإما أن تمن عليهم، فقال: (أمرت
بخير، أنت نبيشة الخير))، وهو نبيشة بن عمرو بن عوف، وقيل ابن عبد الله بن عمرو بن عوف بن
الحرث بن نصر، وقيل في نسبه غير ذلك، (ونحن نأكل في قصعة، فحدثنا أن رسول اللَّه مَ ◌ّم قال: ((من
أكل) طعامًا آنية (قصعة) أو غيرها، (ثم لحسها)، بكسر الحاء تواضعًا، واستكانة،
وتعظيمًا لما أنعم الله به، وصيانة لها عن الشيطان، (استغفرت له القصعة))،) حقيقة شكر الفعلة،
ولا مانع شرعًا، ولا عقلاً من أن يخلق اللَّه في الجماد تمييزًا ونطقًا، ويؤيده رواية الديلمي:
استغفرت له القصعة، فتقول: اللهم أجره من النار، كما أجارني من لعق الشيطان، وقيل هو كناية
عن حصول المغفرة له ابتداء، لأنه لما كان حصول المغفرة بواسطة لحسها غفر له، ولما كانت
المغفرة بسبب لحسها، جعلت كأنها تطلب له الغفران، ولا يقال التمسية عند الأكل دافعة
للشيطان، فلا حاجة إلى لحسها لدفعه، لأنا نقول إذا سمي على أكله، ثم رفض الباقي، ذهب
سلطان التسمية وحراسته، فإذا استقصى لحسها، شكرت له، فسألت ربها المغفرة له، وهي ستر
ذنوبه حيث سترها، (وكذا أخرجه ابن ماجه وأحمد، وابن شاهين، والدارمي وغيرهم،) كالبغوي،
وابن أبي خيثمة، وابن السكن، (و) قد (قال الترمذي: إنه حديث غريب)، وكذا قال الدارقطني:
(وأورده بعضهم بلفظ: تستغفر الصحفة للاحسها) بلسانه أو أصبعه، فإذا سلت الطعام به كان
لاحسًا لها، بواسطة الإصبع، خلافًا لزعم ابن العربي؛ إنه إنما يكون باللسان، قاله العراقي، ولم
يثبت شرب الماء الذي تغسل به، وفعل إجلاف المريدين من بيعه، والنداء عليه بدعة وضلالة،
ذكره بعضهم.
(وفي حديث جابر مرفوعًا عند أبي الشيخ في) كتاب (الثواب، من أكل ما يسقط من
الخوان،) بكسر الخاء، أفصح من ضمها، قال الجوهري: ما يؤكل عليه معرب، وقال المصنف:

٢٠٥
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
أو القصعة أمن من الفقر والبرص والجذام وصرف من ولده الحمق.
وللديلمي من طريق الرشيد عن آبائه عن ابن عباس رفعه: من أكل ما يسقط
من المائدة خرج ولده صباح الوجوه، ونفي عنه الفقر. وأورده الغزالي في الإحياء
بلفظ: عاش في سعة وعوفي في ولده. وكلها مناكير.
لكن في مسلم عن جابر وأنس مرفوعًا: إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها
فليمط ما كان بها من أذى ولا يدعها للشيطان،
هو طبق تحته كرسي يلزق به، يوضع بين يدي المترفين، وفي الصحيحين عن أنس: ما أكل
النبي صَّ على خوان، (أو) أكل ما يسقط من (القصعة،) تنويع لا شك، (أمن من الفقر والبرص
والجذام، وصرف عن ولده الحمق).
وأخرجه أبو الشيخ أيضًا عن الحجاج بن علاط مرفوعًا، بلفظ أعطي سعة من الرزق، ووقى
الحمق في ولده، وولد ولده، (وللديلمي من طريق الرشيد) لهرون الخليفة العباسي؛ ابن محمد
المهدي بن أبي جعفر المنصور، عبد الله بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس، كان مع عظم
ملکه يعتريه خوف اللَّه، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة (عن آبائه؛) بمعنى أنه روى عن أبيه عن
جده حتى قال: (عن ابن عباس رفعه: من أكل ما يسقط من المائدة خرج ولده،) أي: أولاده،
فالولد لغة يكون واحدًا وجمعًا كالولد بزنة قفل، ولذا قال: (صباح،) بضم لمهملة، بزنة غراب،
أي: حسان (الوجوه؛) ولم يقل صبيح الوجه، (ونفي عنه الفقر).
ورواه الخطيب أيضًا وضعفه، (وأورده الغزالي في الأحياء بلفظ عاش في سعة، وعوفي
في ولده) من الحمق، (وكلها مناكير) ضعيفة (لكن في مسلم؛ عن جابر وأنس مرفوعًا إذا
وقعت،) وفي رواية: إذا سقطت (لقمة أحدكم) عند إرادة أكلها من يده أو فمه بعد وضعها فيه،
وذلك آكد لما فيه من استقذار الحاضرين، قال الولي العراقي: ويتأكد ذلك بالمضغ، لأنها بعد
رميها على هذه الحالة لا ينتفع بها، لعياقة النفوس لها.
قال ابن العربي: وسقوطها إما من منازعة الشيطان له فيها، حين لم يسم اللَّه عليها، أو
بسبب آخر، ويرجع الأول قوله: ولا يدعها للشيطان إذ هو إنما يستحل الطعام، إذا لم يسم عليه،
انتهى، وتعقب بأن صريحة؛ إنه إذا سمى، ثم سقطت، لا يستحب له أخذها، ويكاد أنه باطل
لمنافاته، لإطلاق الحديث بلا موجب، (فليأخذها، فليمط) بلام الأمر فيهما، (ما كان) وجد (بها
من أذى)، كتراب، ونحوه مما يعاف وأن تنجست طهرت إن أمكن، ولا أطعمها حيوانًا كالهر،
وفي رواية: فليمط ما بها من الأذى وليأكلها، (ولا يدعها،) أي: يتركها ندبًا (للشيطان،) إبليس

٢٠٦
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه لأنه لا يدري في أي طعامه البركة.
وفي حديث كعب بن عجرة عند الطبراني في الأوسط صفة لعق الأصابع،
ولفظه: رأيت رسول الله عَ ليه يأكل بأصابعه الثلاث، بالإبهام والتي تليها والوسطى،
ثم رأيته يلعق أصابعه الثلاث قبل أن يمسحها، الوسطى ثم التي تليها ثم الإبهام.
قال الحافظ زين الدين العراقي في شرح الترمذي: كأن السر فيه أن الوسطى
أكثر تلويثًا لأنها أطول فيبقى فيها الطعام أكثر من غيرها، ولأنها لطول أول ما ينزل
الطعام.
أو الجنس، لما فيه من إضاعة نعمة الله واحتقارها، والمانع من تناولها الكبر غالبًا، وذلك مما
يحبه الشيطان، ويرضاه ويدعو إليه، لا أنه يأخذها ويأكلها، ولا بديل قد يأكلها وقد لا، (ولا يمسح
يده بالمنديل حتى يلعق،) بفتح العين، يلحس (أصابعه)،) وفي رواية حتى يلعقها، أو يلعقها، أي:
يلعقها هو بنفسه؛ أو يلعقها، بضم أوله غيره من إنسان لا يتقذرها، كزوجته وولده، وخادمه، أو
حيوان طاهر، (لأنه لا يدري في، أي: طعامه البركة) أي: الخير الكثير؛ والتغذية والتقوية على
الطاعة، أهو فيما بقي على الأصابع، أو الاناء أو اللقمة الساقطة، فإن كان فيها فاته بفواتها خير
كثير، وفيه حل المنديل بعد الطعام.
قال ابن العربي: وقد كانوا يلعقون، ويمسحون، ويغسلون وقد لا، وكذا تفعل العرب، لا
تغسل يدها حتى تمسح، وحكمته إن الماء إذا ورد على اليد قبل مسحها، نزل ما عليها من زفر
ودسم، وزاد قذرًا، وإذا مسحها لم يبق إلاَّ أثر قليل يزيله الماء.
(وفي حديث كعب بن عجرة،) بضم المهملة، وسكون الجيم، أبي محمد الأنصاري،
المدني، الصحابي المشهور، مات بعد الخمسين، وله نيف وسبعون، وله أحاديث في الكتب
الستة، وغيرها (عند الطبراني في الأوسط؛ صفة لعق الأصابع، ولفظه: رأيت رسول اللَّه معهاّ.
يأكل بأصابعه الثلاث بالإِبهام والتي تليها،) السبابة (والوسطى،) وهذا بيان للأصابع التي كان
يأكلها بها، فتفسر به الروايات المطلقة، (ثم رأيته يلعق أصابعه الثلاث) المذكورة (قبل أن
يمسحها، الوسطى، ثم التي تليها، ثم الإِبهام).
(قال الحافظ زيد الدين العراقي)، عبد الرحيم (في شرح الترمذي: كأن السر)، النكتة
(فيه؛ أن الوسطى أكثر تلويثًا، لأنها أطول، فيبقى فيها الطعام أكثر من غيرها، ولأنها لطول
أول ما ينزل الطعام؛) وهي أقرب إلى الفم حين يرتفع، فزعم أن نسبة الأصابع إلى الفم على

٢٠٧
النوع الأول في عيشه عَّة في المأكل والمشرب
وقد وقع في مرسل ابن شهاب عند سعيد بن أن النبي عَّهِ كان إذا أكل
أكل بخمس. فيجتمع بينه وبين ما تقدم باختلاف الحال.
وقد جاءت علة اللعق مبينة - في بعض الروايات - بأنه لا يدري أحدكم في
أي طعامه البركة.
وفي الحديث رد على من كره لعق الأصابع استقذارًا ممن ينسب إلى
الرياسة والإمرة في الدنيا. نعم، يحصل ذلك لو فعله في أثناء الأكل لأنه يعيد
أصابعه في الطعام، وعليها أثر ريقه.
قال الخطابي: عاب قوم أفسد عقلهم الترفه لعق الأصابع، وزعموا أنه
مستقبح، كأنهم لم يعلموا أن الطعام الذي علق بالأصابع. والصحفة جزء من أجزاء
ما أكلوه، وإذا لم يكن سائر أجزائه مستقذرًا لم يكن الجزء
...
السواء ساقط، (وقد وقع في مرسل ابن شهاب) الزهري، (عند سعيد بن منصور) الخراساني؛ أحد
الأعلام؛ (أن النبي صٍَّ كان إذا أكل أكل بخمس، فيجتمع بينه وبين ما تقدم) من أكله بثلاث،
(باختلاف الحال،) فأكثرها بالثلاث، وبعضها بالخمس، وحمل على ما إذا كان الطعام مائعًا،
(وقد جاءت علة اللعق مبينة في بعض الروايات،) هي رواية مسلم السابقة، (بأنه لا يدري في
أي طعامه البركة؟،) هل في الباقي في الإِناء، أو على الأصابع.
قال ابن دقيق العيد: وقد يعلل بأن مسحها قبل لعقها فيه زيادة تلويث لما يمسح به، مع
الاستغناء عنه بالريق، لكن إذا صح الحديث بالتعليل لم يتعد عنه.
قال الحافظ: العلة المذكورة لا تمنع ما ذكره الشيخ، فقد يكون للحكم علتان أو أكثر،
والنص على واحدة لا ينفي الزيادة، قال: وقد أبدى عياض علة أخرى، هي أنه لا يتهاون بقليل
الطعام، انتهى.
(وفي الحديث رد على من كره لعق الأصابع، استقذارًا ممن ينسب إلى الرياسة،
والإمرة في الدنيا نعم يحصل ذلك) الاستقذار، (لو فعله) اللعق (في أثناء الأكل؛ لأنه يعيد
أصابعه في الطعام، وعليها أثر ريقه،) والمصطفى إنما كان يلعق بعد الفراغ من الأكل، وبذلك
أمر.
(قال الخطابي: عاب قوم أفسد عقلهم الترفه،) التنعم، (لعق الأصابع، وزعموا أنه
مستقبح؟) وبين فساد العقل بقوله: (كأنهم لم يعلموا أن الطعام الذي علق،) بالكسر، (بالأصابع،
والصحفة، جزء من أجزاء ما أكلوه، وإذا لم يكن سائر أجزائه مستقذرًا، لم يكن الجزء اليسير

٢٠٨
النوع الأول في عيشه عَّة في المأكل والمشرب
اليسير منه مستقذرًا، وليس في ذلك أكثر من مصه أصابعه بباطن شفتيه، ولا يشك
عاقل أنه لا بأس بذلك، فقد يتمضمض الإنسان فيدخل أصابعه في فيه فيدلك
أسنانه وباطن فمه، ثم لم يقل أحد أن ذلك قذارة وسوء أدب، انتهى.
ولا ريب أن من استقذر ما نسب إلى رسول الله عَ لّ سيء الأدب، يخشى
عليه أمر عظيم، فنسأل الله بوجاهة وجهه الكريم أن لا يسلك بنا غير سبيل سنته
وأن يديم لنا حلاوة محبته.
وقد كان عٍَّ لا يأكل متكمًا، كما صح أنه قال: لا آكل متكئًا. رواه
البخاري.
وقال: إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد.
وروى ابن ماجه والطبراني بإسناد حسن قال:
منه مستقذرًا، وليس في ذلك أكثر من مصه أصابعه بباطن شفتيه، ولا يشك عاقل أنه لا بأس
بذلك،) فكيف يزعمون قبحه؟، (فقد يتمضمض الإنسان فيدخل أصابعه في فيه، فيدلك أسنانه
وباطن فمه، ثم لم يقل أحد أن ذلك قذارة وسوء أدب،) فما الفرق، (انتهى.
(ولا ريب أن من استقذر ما نسب إلى الرسول عَّه سيء الأدب، يخشى عليه أمر عظيم، فنسأل
اللَّه تعالى بوجاهة وجهه الكريم، أن لا يسلك بنا غير سبيل سنته، وأن يديم لنا حلاوة محبته، وقد كان
عَ ليه لا يأكل متكثًا) من ابتداء أمره، لما جبل عليه من التواضع، ولذا لما اتكأ
مرة في الأكل نهاه جبريل، كما يأتي، (كما صح) بكاف التعليل، كما هداكم، وفي نسخ
باللام (أنه قال: لا آكل،) وفي رواية: إني لا آكل، وأخرى: أما أنا فلا آكل (متكنًا).
(رواه البخاري) والترمذي، عن أبي جحيفة، (وقال): كما رواه أبو داود، وابن ماجه عن أبي
أمامة قال: خرج علينا رسول اللَّه عَ لّهِ متوكئًا على عصا، فقمنا له فقال: لا تقوموا كما تقوم
الأعاجم، يعظم بعضهم بعضًا، (إنما أنا عبد،) حصر إضافي، أي: لست بملك، فأن أريد به الرقيق،
فهو استعارة؛ شبه نفسه تواضعًا لله بالرقيق، فقوله: (أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل
العبد،) بيان لوجه الشبه، وإن أريد عبد اللَّه، وكل الخلق عبيده الملوك وغيرهم، فالمراد أنه
متمحض لهذه العبودية، لا يشوبها بشيء من أمور الدنيا، ولا يتحلق بشيء من أخلاق أهلها، في
جلوس، وأكل وغيرهما؛ بل كان يجلس على الأرض، ولا يأكل على خوان، ولا یغلق عليه باب،
وليس له بواب، ويأكل مستوفًا.
(وروى ابن ماجه) في الأطعمة، (والطبراني بإسناد حسن،) عن عبد اللَّه بن بسر، (قال:

٢٠٩
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
أهديت للنبي عَِّ شاة، فجنى على ركبتيه يأكل فقال له أعرابي: ما هذه الجلسة؟
فقال: إن الله جعلني كريمًا ولم يجعلني جبارًا عنيدًا.
قال ابن بطال: إنما فعل النبي عَ له ذلك تواضعًا لله، ثم ذكر من طريق أيوب
عن الزهري قال: أتى النبي عَّه ملك لم يأته قبله فقال: إن ربك يخيرك بين أن
تكون نبيًا أو ملكا، فنظر إلى جبريل كالمستشير له، فأوماً إليه أن تواضع، فقال:
بل نبيًا عبدًا قال فما أكل متكئًا.
وهذا مرسل أو معضل، وقد وصله النسائي من طريق الزبيدي
أهديت للنبي عَّ شاة، فجثى على ركبتيه،) بيان لصفة جيثه عليه الصلاة والسلام، فإنه يطلق
أيضًا على الجلوس على أطراف الأصابع، كما في القاموس، (يأكل، فقال له أعرابي:) لم يسم
(ما هذه الجلسة،) بالكسر، إذ هو سؤال عن هيئة جلوسه، (فقال: ((اللَّه جعلني كريمًا) سخيًا،
كذا فسره بعضهم، وقال شيخنا: أي شريف الأصل، ففي القاموس الكرم محركة ضد اللؤم، أي:
واللهيم دنيء الأصل، ((ولم يجعلني جبارًا))) أي: مستكبرًا، متمردًا، عاتيًّا، (عنيدًا،) أي: جائرًا
عن القصد، برد الخلق، مع العلم به، أي: وهذه الجلسة جلسة الكرام المتواضعين.
(قال ابن بطال: إنما فعل النبي ◌َِّ ذلك تواضعًا للَّه،) أي: تذللاً له، (ثم ذكر من طريق
أيوب) بن أبي تميمة، كيسان السختياني، بفتح المهملة، فمعجمة، ففوقية، فألف، فنون،
البصري، ثقة، ثبت حجة من كبار الفقهاء العباد، ورجال الجميع، مات سنة إحدى وثلاثين
ومائة، وله خمس وستون.
(عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب، (قال: أتى النبي عَّ ملك) هو إسرافيل، كما
في روايات أخر، (لم يأته قبلها فقال: إن ربك يخيرك بين أن تكون عبدًا نبيًّا، أو نبيًا ملكًا،)
وقدم العبودية إشارة إلى أنه يختارها، (فنظر إلى جبريل،) وكان معه قبل نزول هذا الملك على
الصفا، فقال له: ما أمسى لآل محمد سفة من دقيق، كما قدم المصنف الحديث بطوله قريبًا،
(كالمستشير له،) لاعتياده أنه يأتيه بالوحي، ويرشده إلى الأليق به، (فأومأ إليه أن تواضع، فقال:
بل نبيًّا عبدًا) ثلاثًا، كما في رواية الطبراني السابقة، (قال) الزهري: (فما أكل متكنّاً) بعد ذلك،
وقبله اتكى فيه مرة، أما في غير الأكل، فكان يتكىء كما في الأحاديث، منها حديث
الصحيحين: أيكم ابن عبد المطلب، فقالوا: ذلك الأبيض المتكىء، وفيهما أيضًا أكبر الكبائر
الحديث، وفيه كان متكثًا، فجلس، (وهذا مرسل) إذ ابن شهاب تابعي، وقد رفعه، (أو معضل،)
لاحتمال أنه سقط منه راويان فأكثر، (وقد وصله النسائي من طريق) محمد بن الوليد بن عامر

٢١٠
النوع الأول في عيشه عَّةٍ في المأكل والمشرب
عن الزهري عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: ما رؤي النبي صَّة.
يأكل متكئًا قط.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: ما أكل النبي عَِّ متكفًا إلا مرة
واحدة.
ويمكن الجمع بأن تلك المرة التي في أثر مجاهد لم يطلع عليها عبد الله بن
عمرو. فقد أخرج ابن شاهين ((في ناسخه)) من مرسل عطاء بن يسار: أن جبريل رأى
النبي عٍَّ يأكل متكمًا فنهاه،
(الزبيدي،) بالزاي، والموحدة، مصغر الحمصي، ثقة، ثبت من رجال الصحيحين، والسنن إلاّ
الترمذي، مات سنة ست أو سبع أو تسع وأربعين ومائة، (عن الزهري، عن محمد بن عبد الله بن
عمرو بن العاصي،) السهمي، الطائفي، من أواسط التابعين، مقبول روى له أبو داود، والترمذي،
والنسائي، وهذا أيضًا مرسل، فمحمد تابعي، كما رأيت، لكن هذا وهم من المصنف، فالذي في
النسائي، عن محمد بن عبد الله بن عباس، قال: كان ابن عباس يحدث، ونشأ له هذا الوهم عن
سقط، ولفظ فتح الباري، وقد وصله النسائي من طريق الزبيدي، عن الزهري، عن محمد بن
عبد الله بن عباس، قال: كان ابن عباس يحدث، فذكر نحوه، وأخرج أبو داود من حديث
عبد الله بن عمرو بن العاصي، (قال: ما رؤي النبي ◌َّه يأكل متكئًا قط، وأخرج ابن أبي شيبة
عن مجاهد) مرسلاً، (قال: ما أكل النبي عَّ متكئًا إلاّ مرة واحدة،) فقال: ((اللهم إني عبدك
ورسولك))، هذا بقية حديث مجاهد عند راويه، فيعارض الاستثناء إطلاق عبد الله بن عمرو،
(ويمكن الجمع؛ بأن تلك المرة التي في أثر مجاهد، (لم يطلع عليها،) أي: لم يعلمها
(عبد الله بن عمرو) بن العاصي، لكن إنما يتم هذا الجمع لو قال: ما رأيت، وإنما قال: ما رؤي،
فيدل على أنه ما رآه هو، ولا غيره، فلعله أراد نفي رؤيته، لا مطلقًا، وكانت هذه المرة قبل النهي.
(فقد أخرج ابن شاهين في ناسخه،) أي: كتاب الناسخ والمنسوخ له، (من مرسل عطاء بن
يسار) ضد يمين، الهلالي، المدني، مولى ميمونة، ثقة، فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، روى له
الستة، ومات سنة أربع وتسعين، وقيل بعدها، (أن جبريل رأى النبي عَّةٍ يأكل متكئًا) مرة،
(فنهاه) عتابًا لا بصريح النهي، فقد روى سعيد بن منصور، وابن سعد هذا الحديث، عن عطاء
نفسه، أن جبريل أتى النبي عَّةِ، وهو بأعلى مكة يأكل متكثًا، فقال له: يا محمد أكل الملوك يا
محمد، فجلس، فأكل بالنصب استفهام يتضمن، أي: أتأكل أكل الملوك، لا يبتغي لك.
وعند ابن شاهين أيضًا عن أنس أن النبي عٍَّ لما نهاه جبريل عن الأكل متكمًا، لم يأكل

٢١١
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
وروى ابن ماجه أنه عَُّ نهى أن يأكل الرجل وهو منبطح على وجهه.
وقد فسر القاضي عياض في الشفاء الاتكاء بالتمكن للأكل والتقعدد
للجلوس له كالمتربع وشبهه من تمكن الجلسات التي يعتمد فيها الجالس على ما
تحته. والجالس على هذه الهيئة يستدعي الأكل ويستكثر منه. والنبي عَّةٍ إنما كان
جلوسه للأكل جلوس المستوفز مقعيًا. وليس معنى الحديث في الاتكاء الميل ...
متكثًا بعد ذلك، فما في مسلم، عن أنس: أتى النبي عَِّ بتمر، فرأيته يأكل متكنّا، ليس المراد به
حقيقة الاتكاء؛ بل الاحتفاز لروايه مسلم، عنه أيضًا: أتى عَِّ بتمر هديه، فجعل يقسمه، وهو
محتفز يأكل منه ذريعًا، قال في النهاية، وهو محتفز، أي: مستعجل، مستوفز يريد القيام، وحديث
واثلة عند الطبراني لما افتتح خيبر، جعلت مائدة، فأكل متكثًا ضعيف، لأن بقية بن الوليد يدلس
أشد التدليس، وهو النسوية، وقد رواه بالعنعنة، عن عمرو الشامي، وهو أبو حفص الدمشقي،
متروك، كما في التقريب، فقصر من قال لم يعلم حاله، وكيف يتوهم أن أنسا رآه يأكل متكئًا
حقيقة، أو أنه أكل بعد فتح خيبر متكثًا، وفتحها، واجتماع أنس به إنما كان بعد النهي بمدة، إذ
قد كان بمكة لتصريحه في الحديث المار قريبًا، بأنه لم يكن متكئًا بعد تخييره بين العبودية
والملك، وهو كان بمكة على الصفا قبل الهجرة، وبهذا علم أن الأحاديث المقتضية للزيادة على
المرة صحيحها، وهو ما في مسلم قابل للتأويل، وغيرها كذلك على تقدير الصحة، وإلاّ فلا عبرة
به، ومن ثم لم يعرج المصنف تبعًا للحفاظ، على ما زاد عليها.
(وروى ابن ماجه: أنه عَّ نهى أن يأكل الرجل،) وصف أغلبي، (وهو منبطح،) أي: ملقى
(على وجهه،) لأنه مضر، (وقد فسر القاضي عياض في الشفاء الإِتكاء) في الحديث (بالتمكن
للأكل والتقعدد،) تفعلل من القعود، أي: التثبت والتمكن منه؛ واعترض بأنه لم يوجد من هذه
المادة تفعل، ورد بأن عياضًا ثقة، فما يقوله بمنزلة ما يرويه، (للجلوس له كالمتربع،) نوع
الجلوس من جعل الشيء أرباعًا، لبسط أربعة من أعضائه، الساقين والوركين مع انضمامهما على
الصفة المعلومة، (وشبهه من تمكن الجلسات، التي يعتمد فيها الجالس على ما تحته) من
أرض وفراش ونحوه، على ظاهر عمومه، (والجالس على هذه الهيئة يستدعي الأكل،) أي: يطلبه
ويرغب فيه، (ويستكثر منه،) أي: يكثر منه كثرته مفرطة، متجاوزة حد الاعتدال، حتى كأنه يطلبه
من نفسه، لإِقباله عليه، وقوة شهوته لغلبة حيوانيته، (والنبي عَّهُ) لإِعراضه عن مثله، وتناوله
مقدارًا ضروريًّا بسرعة، (إنما كان جلوسه للأكل جلوس المستوفز،) المستعجل للقيام، (مقعيًا) بين
به صفة الاستيفاز، لأنه يكون مع الإِقعاء تارة، وبدونه أخرى، (وليس معنى الحديث في الاتكاء

٢١٢
النوع الأول في عيشه عَّةٍ في المأكل والمشرب
على شق عند المحققين، انتهى.
والإقعاء: أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويتساند إلى ظهره، وهو
المنهي عنه في الصلاة.
وتفسير القاضي عياض الاتكاء بما فسره به حكاه في الإكمال عن الخطابي،
وقال: إن الخطابي خالف في هذا التأويل أكثر الناس، وأنهم إنما حملوا الاتكاء
على أنه الميل على أحد الجانبين. انتهى.
والذي رأيته يعزى للخطابي: تحسب العامة أن المتكىء هو الآكل على
أحد شقيه وليس كذلك، بل هو المعتمد على الوطاء الذي تحته. انتهى.
الميل على شق، عند المحققين) من أهل اللغة والحديث، (انتهى).
وتعقب بأن حقيقة الاتكاء لغة الاعتماد الحسي، فالمتربع معتمد، والماثل معتمد على أحد
شقيه، والمراد به في الحديث صالح لكل منهما على التحقيق.
قال الصغاني: رجل تكأة مثل تؤدة، كثير الاتكاء، وأصله وكأة والتكأ أيضًا اسم لما يتكأ
عليه، وهو المتكأ، قال تعالى: ﴿واعتدت لهن متكأ﴾، الآية، قال الأخفش: هو في معنى مجلس
يجلس عليه، وطعنه حتى اتكأه، أي: ألقاه على هيئة المتكىء، وأوكأت فلانًا، نصبت له متكأ،
وفي نوادر أبي زيدًا، وكأت عليه، أي: توكأت.
(والاقعاء أن يلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويتساند إلى ظهره، وهو المنهي عنه
في الصلاة،) تعقبه شيخنا؛ بأنهم لم يعتبروا في مفهوم الإِقعاء المكروه، والاستناد في الصلاة إلى
شيء، بل الجلوس على وكريه ناصبًا لركبتيه؛ (وتفسير القاضي عياض الاتكاء بما فسره به، حكاه)
عياض نفسه، (في الإكمال)،) شرح مسلم له، المسمى إكمال المعلم على مسلم، (عن
الخطابي) لأمر تضيأ له بل رده، (وقال: أن الخطابي خالف في هذا التأويل أكثر الناس؛ وأنهم
إنما حملوا الاتكاء على أنه الميل على أحد الجانبين،) وهو واضح، لأنه عادة المتكبرين،
والمشهور في الاستعمال، فالتفسير به أظهر، ( انتهى) كلام الإكمال، (والذي رأيته يعزي
للخطابي، تحسب،) تظن (العامة أن المتكىء، هو الأكل على أحد شقيه، وليس كذلك، بل
هو المعتمد على الوطاء الذي تحته، انتهى) وسياقه على وجه التعقب لا يظهر، إذ هو معنى ما
تقدم عن الشفاء الذي حكاه في الإكمال، عن الخطابي، غايته إن ما هنا عنه أخص، من حيث
أنه قيد بالوطاء إلى آخره، وما قبله عام؛ فيحمل العام على ذا الخاص، لأنه الواقع في أصل
كلامه، أو يدعى عموم الوطاء الأرض والفرش، فيساوي السابق، وقول شيخنا التفاوت بين هذا،

٢١٣
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
وقد فسر أيضًا بالميل على أحد الشقين، وبه جزم ابن الجوزي.
وقيل هو الاعتماد على الشىء، وقيل: أن يعتمد على يده اليسرى من
الأرض.
وقد أخرج ابن عدي بسند ضعيف: زجر النبي عَّ أن يعتمد الرجل على
يده اليسرى عند الأكل.
قال الإمام لملك: هو نوع من الاتكاء، قال الحافظ أبو الفضل العسقلاني:
وفي هذا إشارة من لملك إلى كراهة كل ما يعد الآكل فيه متكثًا، ولا يختص
بصفة بعينها.
وحكى ابن الأثير في النهاية أن من فسر الاتكاء بالميل على أحد الشقين
تأوله على مذهب الطب.
وقال ابن القيم: إنه يضر بالآكل، فإنه يمنع مجرى الطعام الطبيعي عن هيئته
ويعوقه عن سرعة نفوذه إلى المعدة فلا يستحكم فتحها للغذاء.
وما قدمه أنه يفيد الجزم؛ بأنه المراد في الحديث؛ بخلاف هذا فيه نظرَأَدَّ نفيه ثم أصر أبه،
صريح في الجزم بذلك، (وقد فسر أيضًا بالميل على أحد الشقين،) كما نقله الإِكمال عن
الأكثرين، (وبه جزم ابن الجوزي،) ولم يلتفت لإنكار الخطابي، ورجحه بعضهم؛ (وقيل هو
الاعتماد على الشيء،) أعم من أن يكون وطاء أو ميلاً على أحد الشقين، (وقيل أن يعتمد على
يده اليسرى من الأرض،» بأن يضعها عليها وتيكىء.
(وقد أخرج ابن عدي، بسند ضعيف زجر،) أي منع (النبي عَّة، أن يعتمد الرجل على
يده اليسرى عند الأكل) فهذا دليل ذلك القول.
(قال الإِمام ملك: هو نوع من الاتكاء)، فلذا زجر عنه، (قال الحافظ أبو الفضل العسقلاني: وفي
هذا إشارة من لملك إلى كراهة كل ما يعد فيه الآكل متكثًا، ولا يختص بصفة
بعينها،) بل يشمل الجميع، (وحكى ابن الأثير في النهاية: أن من فسر الاتكاء بالميل على أحد
الشقين، تأوله،) أي: حمله (على مذهب) أهل (الطب،) بأنه لا ينحدر في مجاري الطعام سهلاً،
ولا يسيغه هنيًا، وربما تأذى به. إلى هنا كلام النهاية.
(وقال ابن القيم: أنه يضر،) بضم أوله، (بالآكل، فإنه يمنع مجرى،) مصدر ميمي، أي:
جرى (الطعام الطبيعي، عن هيئته، ويعوقه،) بفتح، فضم، فسكون، بزنة يقول، يحبسه، (عن سرعة
نفوذه إلى المعدة، فلا يستحكم،) بفتح الياء، وكسر الكاف، من استحكم، أي: لا يتم (فتحها

٢١٤
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
وأما الاعتماد على الشىء فهو جلوس الجبابرة المنافي للعبودية، ولهذا قال
عليه الصلاة والسلام: آكل كما يأكل العبد.
وإن كان المراد بالاتكاء الاعتماد على الوسائد والوطاء الذي تحت الجالس
- كما ذكرته عن الخطابي - فيكون المعنى: أني إذا أكلت لم أقعد متكئًا على
الأوطئة والوسائد كفعل الجبابرة ومن يريد الإكثار من الطعام، لكني آكل بلغة من
الزاد، فلذلك أقعد مستوفزًا.
وفي حديث أنس أنه عَّةِ أكل تمرًا وهو مقع، من الجوع.
وفي رواية: وهو محتفز. والمراد الجلوس على وركيه غير متمكن.
واختلف السلف في حكم الأكل متكثًا، فزعم ابن القاص: أنه ذلك في
ـلىالله
الأكل من خصائصه
للغذاء، وأما الاعتماد على الشيء، فهو من جلوس الجبابرة المنافي للعبودية، ولذا قال عليه
الصلاة والسلام: ((آكل، كما يأكل العبد)،) المشتغل بخدمة سيده، لا يستقر، ولا يطمئن، فهو
مستوفز، مستعجل، والمعنى لست مخلوقًا للدنيا وترفهاتها، فنظري إنما هو لعبادة اللَّه وتبليغ
أوامره، فلا ألتفت إليها، وإنما أتناول منها بسرعة مقدارًا، يسيرًا الدفع الجوع، كالعبد الموكل
بخدمة سيده، (وإن كان المراد بالاتكاء، الاعتماد على الوسائد والوطاء الذي تحت الجالس،
كما ذكرته عن الخطابي، فيكون المعنى: إني إذا أكلت لم أقعد متكئًا على الأَوطئة
والوسائد، كفعل الجبابرة، ومن يريد الإكثار من الطعام، لكني آكل بلغة،) بضم، فسکون، ما
يتبلغ به (من الزاد،) ولا يفضل، (فلذلك أقعد مستوفزًا).
(وفي حديث أنس) عند الترمذي؛ (أنه عَّةٍ أكل تمرًا، وهو مقع)، بضم، فسكون، أي:
متساند إلى ما وراءه (من) الضعف الحاصل له بسبب (الجوع،) فهو لضرورة.
(وفي رواية) لمسلم عن أنس: أتى عَِّ بتمر هدية، فجعل يقسمه، (وهو محتفز،) بضم
الميم، وإسكان المهملة، وفتح الفوقية، وكسر الفاء، وزاي منقوطة، أي: مستعجل مستفوز يريد
القيام، وبقية هذه الرواية يأكل منه ذريعًا، أي: سريعًا كثيرًا، (والمراد) بالاحتفاز، والإِقعاء:
(الجلوس على وركيه غير متمكن) فليس من الاتكاء، (واختلف السلف في حكم الأكل
متكثًا)، هل هو حرام، أو مكروه، وهو الأصح لغيره، وأما هو عليه السلام، (فزعم ابن القاص) أبو
العباس أحمد، أحد أعاظم الشافعية، وفي نسخة: فزعم القاضي عياض، والصواب الأول، والذي
في الفتح ابن القاص؛ (أنه ذلك) أي: كراهة الاتكاء (في الأكل من خصائصه عَّ(،) ومذهب

٢١٥
النوع الأول في عيشه علّ في المأكل والمشرب
وتعقبه السهيلي فقال: قد يكره لغيره أيضًا لأنه من فعل المتعظمين، وأصله
مأخوذ من ملوك العجم، قال: فإن كان بالمرء مانع لا يتمكن معه من الأكل إلا
متكثًا لم يكن في ذلك كراهة، ثم ساق عن جماعة من السلف أنهم أكلوا
كذلك، وأشار إلى حمل ذلك عنهم على الضرورة.
قال في فتح الباري: وفي الحمل نظر، وقد أخرج ابن أبي شيبة عن ابن
عباس. وخالد بن الوليد ومحمد بن سيرين وعطاء بن يسار وغيرهم جواز ذلك
مطلقًا، وإذا ثبت كونه مكروهًا أو خلاف الأولى، فالمستحب في صفة الجلوس
للآكل أن يكون جائيًا على ركبتيه وظهور قدميه، أو ينصب الرجل اليمنى ويجلس
علی الیسری. انتهى.
وقال ابن القيم: ويذكر عنه عَّ له أنه كان يجلس للأكل متوركًا على ركبتيه
ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر اليمنى تواضعًا لله عز وجل وأدبًا بين يديه.
وقال: هذه الهيئة
ملك أنه حرام عليه، مكروه لغيره.
(وتعقبه السهيلي، فقال: قد يكره لغيره أيضًا، لأنه من فعل المتعظمين، وأصله مأخوذ من)
فعل (ملوك العجم، قال: فإن كان بالمرء مانع، لا يتمكن معه من الأكل إلاَّ متكئًا لم يكن في
ذلك كراهة) للعذر، كمن لا يمين له أو شلاء يأكل بشماله، (ثم ساق عن جماعة من السلف؛
أنهم أكلوا كذلك) متكئين، (وأشار إلى حمل ذلك عنهم على الضرورة،) أي: الحاجة، وإن لم
تشتد، كذا ينبغي.
(قال في فتح الباري: وفي الحمل نظر،) لجواز أن مذهبهم الجواز، في حالة عدم
الضرورة بلا كراهة.
(وقد أخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس، وخالد بن الوليد) الصحابيين، (ومحمد بن
سيرين، وعطاء بن يسار،) التابعيين (وغيرهم؛) وهو عبيدة السلماني والزهري (جواز ذلك
مطلقًا،) سواء الضرورة والاختيار، أي: مستوى طرفين، فجعلوه مباحًا، وليس المراد بالجواز مقابل
الحرام، فيشمل المكروه، (وإذا ثبت كونه مكروهًا أو خلاف الأولى، فالمستحب في صفة
الجلوس للأكل أن يكون جاثيًا على ركبتيه، وظهور قدميه أو ينصب الرجل اليمنى، ويجلس
علی الیسری، انتھی) کلام فتح الباري.
(وقال ابن القيم: ويذكر عنه عَّله أنه كان يجلس للأكل متوركا على ركبتيه، ويضع بطن
قدمه اليسرى على ظهر اليمنى تواضعًا لله وأدبًا بين يديه، (وقال) ابن القيم: (هذه الهيئة) الصفة

٢١٦
النوع الأول في عيشه عَّة في المأكل والمشرب
أنفع هيئات الأكل وأفضلها. لأن الأعضاء تكون على وضعها الطبيعي الذي خلقها
الله تعالی علیه. انتھی.
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم النخعي والمعجمة الكوفي الفقيه الثقة
قال: كانوا يكرهون أن يأكلوا تكأة مخافة أن تعظم بطونهم.
وكان عَّ إذا وضع يده في الطعام يسمي الله تعالى.
وأما قول النووي في آداب الأكل من الأذكار: والأفضل أن يقول: بسم الله
الرحمن الرحيم، فإن قال: بسم الله كفاه وحصلت السنة. فقال في فتح الباري: لم
أر لما أدعاه من الأفضلية دليلاً خاصًا.
وكان عليه الصلاة والسلام يحمد الله في آخره فيقول: الحمد لله حمدًا
التي كان يجلس عليها المصطفى للأكل، (أنفع هيئات الأكل، وأفضلها، لأن الأعضاء تكون
على وضعها الطبيعي، الذي خلقها اللَّه تعالى عليه انتهى) كلام ابن القيم.
(وأخرج ابن أبي شيبة، من طريق إبراهيم) بن يزيد بن قيس بن الأسود (النخعي،) بفتح
النون، (والمعجمة، الكوفي الفقيه، الثقة، قال: كانوا يكرهون أن يأكلوا تكأة،) بزنة همزة، ما
يتكأ عليه، ورجل تكأة، كثير الاتكاء، كما في النهاية، فهو اسم مصدر، وفي نسخة اتكاءة بهمزة
قبل التاء، مصدر اتكأُ بزيادة التاء، لأن المرة من المزيد بزيادة التاء، والاسم منه تكأة، كرطبة
(مخافة أن تعظم بطونهم،) فتمنعهم عن العبادة.
(وكان عَّ إذا وضع يده في الطعام يسمي اللَّه تعالى،) بأن يقول: بسم اللَّه مرة، كما
هو ظاهر الأحاديث، ومن أصرحها ما روى أحمد، كان عَّ إذا قرب إليه طعامه قال: بسم اللَّه.
(وأما قول النووي في آداب الأكل من الأذكار، والأفضل أن يقول بسم الله الرحمن
الرحيم، فإن قال بسم اللَّه كفاه، وحصلت السنة، فقال: في فتح الباري: لم أرَ لما ادعاه من
الأفضلية دليلاً خاصًّا،) وقول الغزالي يستحب أن يقول مع الأولى بسم اللَّه، ومع الثانية بسم
اللَّه الرحمن، ومع الثالثة بسم اللَّه الرحمن الرحيم، فإن سمي مع كل لقمة، فهو أحسن حتى
لا يشغله الأكل عن ذكر اللَّه، ويزيد بعد التسمية اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، وأنت خير الرازقين،
وقنا عذاب النار، قال: في الفتح أيضًا لم أرَ لاستحباب ذلك دليلاً، وفي نقل بعض عن الحافظ
لا أصل لذلك كله.
(وكان عليه الصلاة والسلام يحمد اللَّه في آخره، فيقول) كما في البخاري وغيره، عن
أبي أمامة؛ أن النبي عَّةٍ، كان إذا رفع مائدته، قال: ((الحمد لله حمدًا))،) مفعول مطلق، أما

٢١٧
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
كثيرًا طيبًا مباركًا فيه غير مودع ولا مستغنى عنه ربنا. رواه الترمذي.
وقوله: غير مودع - بفتح الدال الثقيلة - أي غير متروك.
ولا مستغنى: بفتح النون.
وربنا: بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو ربنا،
باعتبار ذاته أو تضمنه معنى الفعل أو الفعل مقدر، (كثيرًا طيبًا،) خالصًا عن الرياء والسمعة،
والأوصاف التي لا تليق بجنابه تقدس، لأنه طيب لا يقبل إلاَّ طيبًا، أو خالصًا عن أن يرى
الحامدان قضى حق نعمته، (مباركًا فيه،) بفتح الراء (غير،» بالنصب، والرفع، (مودع،) بضم
الميم، وفتح الواو، والدال المهملة المشددة، أي: غير متروك، بكسر الدال أي: حال كوني غير
تارك له، فمؤدي الروايتين واحد، وهو دوام الحمد واستمراره، ثم هذا لفظ الترمذي، ولفظ
البخاري غير مكفي ولا مودع، ومكفي، بفتح الميم، وسكون الكاف، وشد التحتية، أي: غير
مردود ولا مقلوب، والضمير راجع للطعام الدال عليه السياق، أو هو من الكفاية، فيكون من
المعتل، يعني أنه تعالى هو المطعم لعباده والكافي لهم؛ فالضمير راجع إلى اللَّه.
وقال العتبي: هو من الكفاية اسم مفعول، أصله مكفوي على وزن مفعول، فلما اجتمعت
الواو والياء، قلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، ثم أبدلت ضمة الفاء كسرة، لأجل الياء، والمعنى
هذا الذي أكلت، ليس فيه كفاية عما بعده؛ بحيث ينقطع، بل نعمك مستمرة لنا طول أعمارنا،
غير منقطعة، وقيل الضمير راجع إلى الحمد، أي: أن الحمد غير مكفي، ولا مودع، (ولا مستغنى
عنه) بفتح النون، والتنوين، أي: حمدًا، لا يكتفى به، بل يعود إليه كرة، بعد كرة، ولا يتركه
ولا يستغنى عنه أحد، بل حمدًا يحتاج إليه كل متكلم لبقاء نعمه واستمرارها، ولم يصب من
جعله عطف تفسير، محتجًا، بأن المتروك هو المستغنى عنه، لظهور أن فيه فائدة، لم يفدها ما
قبله، هي أنه لا استغناء لأحد عن الحمد، إذ لا فيض إلاّ منه سبحانه، فيجب على كل مكلف إذ
لا يخلو أحد عن نعمة، بل نعم لا تحصى، وهو في مقابلة النعم واجب؛ فالآتي به في مقابلتها
يثاب عليه ثواب الواجب، ومن أتى به لا في مقابلة شيء، أثيب ثواب المستحب، أما شكر
المنعم بمعنى امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فوجب على كل مكلف شرعًا، ويأثم بتركه إجماعًا
(ربنا).
(رواه الترمذي في الدعوات من جامعة، وفي شمائله، والنسائي في الوليمة، والبخاري،
وابن ماجه في الأطعمة، فالعز وللبخاري هو اصطلاح أهل الفن، (وقوله: غير مودع، بفتح الدال
الثقيلة، أي: غير متروك،) وفي رواية، بكسرها، ومآلهما واحد، كما مر، (ولا مستغنى، بفتح
النون،) والتنوين، (وربنا بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو ربنا،) أو مبتدأ خبره ما

٢١٨
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
ويجوز النصب على المدح، أو الاختصاص، أو إضمار أعني. وقال ابن الجوزي:
بالنصب على النداء مع حذف أداة النداء.
وفي رواية: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين.
وللنسائي من طريق عبد الرحمن بن جبير المصري أنه حدثه رجل خدم
النبي عَّ ثمان سنين أنه كان يسمع
سبق، (ويجوز النصب على المدح، أو الاختصاص، أو إضمار أعني) مثله في الفتح، ومقتضاه
أن الرواية بالرفع وعكس المصنف في شرحه، فضبطه بالنصب على الأوجه الثلاث، ثم قال:
ويجوز الرفع، ومقتضى غيرهما أنه روي بالوجهين، بل والجر.
(وقال ابن الجوزي: بالنصب على النداء مع حذف أداة النداء،) أي: يا ربنا اسمع
حمدنا، واستبعد بأن المقام للثناء، وليس منه النداء في ذا المقام.
قال الحافظ: قال ابن التين، ويجوز الجر على البدل من الضمير في عنه، وقال غيره: من
اللَّه في قوله الحمد لله.
قال الكرماني: وباعتبار مرجع الضمير ورفع غير، ونصبه، ورفع ربنا، ونصبه تکثر
التوجيهات بعددها انتهى.
لكن تعقب جره بدلاً من ضمير عنه، لأنه للحمد، والبدل على نية تكرار العامل، فيصير
التقدير، ولا مستغنى عن ربنا، وهو، وإن صح في نفسه لا يصح هنا؛ إذ لا معنى لقولنا حمدًا غير
مستغنی عن ربنا.
(وفي رواية) عند أحمد، والأربعة، وصححة الضياء، عن أبي سعيد، قال: كان
رسول اللَّه عَّه، إذا فرغ من طعامه، قال: ((الحمد لله الذي أطعمنا)))) لما كان الحمد على
النعم يرتبط به العبيد، ويستجلب به المزيد، أتى له تحريضًا لأمته على التأسي به، ولما كان
الباعث على الحمد هو الطعام، ذكره أولاً لزيادة الاهتمام، وكان السقي من تتمته، قال:
(وسقانا،) لأن الطعام لا يخلو عن الشرب في أثنائه، غالبًا ختمه قوله: ((وجعلنا مسلمين))،)
للجمع بين الحمد على النعم الدنيوية، والأخروية، إشارة إلى أن الأولى بالحامد أن لا يجرد
حمده إلى دقائق النعم، بل ينظر إلى جلائلها، فيحمد عليها، لأنها بذلك أحق، ولأن الإتيان
بحمده من نتائج الإِسلام.
(وللنسائي، من طريق عبد الرحمن بن جبير،) بجيم، وموحدة مصغر، (المصري،) المؤذن،
العامري، ثقة، من أواسط التابعين، روى له مسلم والثلاثة، مات سنة سبع وتسعين، وقيل بعدها
(أنه حدثه رجل) زاد في رواية لأحمد من بني سليم، (خدم النبي عَّهُ ثمان سنين، أنه كان

٢١٩
النوع الأول في عيشه عَّةِ في المأكل والمشرب
النبيِ عٍَّ إذا قرب إليه الطعام يقول: بسم الله، فإذا فرغ قال: اللَّهم أطعمت
وسقيت وأغنيت وأقنيت وهديت واجتبيت فلك الحمد على ما أعطيت وسنده
صحیح.
وقد كان عليه الصلاة والسلام يحب التيامن في شأنه كله،
يسمع النبي عَّ إذا قرب إليه الطعام) ليأكل، (يقول: ((بسم اللَّه)) فقط في ابتدائه، في رواية
أبي الحسن بن الضحاك، من طريق ميسرة، عن أنس: رأيت رسول اللَّه عَّه، وهو يأكل طعامه
يسمى عند ثلاث لقم، عند كل لقمة مرة، فلعله فعل ذلك إن صح مرة، (فإذا فرغ) من الأكل،
(قال: ((اللهم أطعمت، سقيت، وأغنيت، وأقنيت))،) أي: أعطيت القنية، وهي ما بتأثل من
الأموال وهذا تلميح بآية ﴿وأنه هو أغنى وأقنى﴾ الآية، (وهديت واجتبيت،) كذا في نسخ من
الاجتباء تلميحًا لقوله: وهديناهم واجتبيناهم، وفي نسخ: وأحييت من الأحياء والأولى أنسب،
(فلك الحمد على ما أعطيت،) وفي رواية لأحمد، فلك الحمد غير مكفور، أي: مجحود فضله
ونعمته، ونبه بهذا الحديث، ونحوه على أن الحمد، كما يشرع عند ابتداء الأمور، يشرع عند
اختتامها، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) وقوله: ﴿وقضي
بينهم بالحق وقبل الحمد لله رب العالمين) الآية،(وسنده صحيح)) كما قاله في فتح الباري:
فقيه تعقب على قول الأذكار، إسناده حسن، (وقد كان عليه الصلاة والسلام يحب التيامن،)
وفي رواية التيمن، ما استطاع في طهوره، وتنعله، وترجله، و(في شأنه كله).
رواه الأئمة الستة عن عائشة هكذا، فاقتصر المصنف على غرضه منه، وهو آخر، لأنه
عطف عام على خاص، وفي رواية في شأنه بلا واو، اكتفاء بالقرينة.
قال ابن دقيق العيد: هذا عام مخصوص، لأن دخول الخلاء والخروج من المسجد
ونحوهما، يبدأ فيها باليسار، وتأكيد الشأن بكله على التعميم، لأن التأكيد يرفع المجاز، فقد
يقال: حقيقة الشأن ما كان فعلاً مقصودًا ومالاً مقصودًا، وما لا يندب فيه التيامن، ليس من
الأفعال المقصودة، بل هي أما تروك، أو غير مقصودة، وهذا على رواية الواو، أما على حذفها،
فهو متعلق بيجب لا بالتيامن أي: يجب في شأنه كله التيامن، أي: الأخذ باليمين فيما هو من
باب التكريم، لأن أصحاب اليمين أهل الجنة، ومحل ذلك حيث لا مانع، كما أفادته بقولها ما
استطاع.
قال الحافظ: ويحتمل أنه احتراز عما لا يستطاع فيه التيمن شرعًا، كفعل الأشياء
المستقذرة، كالاستنجاء، والتمخط.

٢٢٠
النوع الأول في عيشه عَّة في المأكل والمشرب
وقال عليه الصلاة والسلام: يا غلام، سم الله بيمينك وكل ما يليك.
قال الحافظ زين الدين العراقي في شرح الترمذي: حمله أكثر الشافعية على
الندب، وبه جزم الغزالي ثم النووي. لكن نص الشافعي في الرسالة وفي موضع آخر
من الأم على الوجوب، وكذا نقله عنه الصيرفي في شرح الرسالة.
ونقل البويطي في مختصره: أن الأكل من رأس الثريد، والتعريس على
الطريق، والقران في .
(وقال عليه الصلاة والسلام،) فيما أخرجه الأئمة الستة ولملك في الموطأ، عن وهب بن
كيسان، أنه سمع عمر بن أبي سلمة يقول: كنت غلامًا في حجر رسول اللَّه عَّه، وكانت يدي
تطيش في الصحفة، فقال لي رسول اللَّه عَلَّهِ: ((يا غلام سم اللَّه))،) ندبًا، طردًا للشيطان، ومنعًا له
من الأكل، والخطاب، وإن خص الغلام، لكن الحكم عام، (بيمينك،) أي: وكل بيمينك، كما
ثبت في بعض طرق الحديث، لأن الشيطان يأكل بالشمال، (وكل مما يليك،) لأن الأكل من
موضع يد صاحبه سوء عشرة، وترك مودة لنفور النفس؛ لا سيما في الأمراق منه، ولما فيه من
إظهار الحرص، والنهم، وسوء الأدب، وأشباهها، فإن كان تمرًا، فنقلوا إباحة اختلاف الأيدي في
الطبق، والذي ينبغي التعميم حملاً على عمومه، حتى يثبت دليل مخصص.
كذا قال المصنف: وفيه تقصير، فقد روى ابن ماجه وغيره، عن عائشة كان عٍَّ إذا أتى
بطعام أكل مما يليه، وإذا أتى بالتمر جالت يده فيه، وبقية حديث عمر بن أبي سلمة، فما زالت
تلك طعمتي بعد، بكسر الطاء، أي: صفة أكلي، أي: لزمت ذلك، وصار عادة لي.
قال الكرماني: وفي بعض الروايات بالضم، يقال: طعم إذا أكل والطعمة الأكل، والمراد
جميع ما مر من الابتداء بالتسمية، والأكل باليمين، والأكل مما يليه، وبعد بالبناء على الضم،
أي: استمر ذلك صنيعي في الأكل، قاله الحافظ.
(قال الحافظ زين الدين العراقي في شرح الترمذي: حمله،) أي: الأمر في هذا الحديث
(أكثر الشافعية) وغيرهم (على الندب، وبه جزم الغزالي، ثم النووي،) فيجوز مع الكراهة الأكل
بالشمال؛ (لكن نص الشافعي في الرسالة، وفي موضع آخر من الأم على الوجوب،) ظاهره في
الثلاثة التسمية والأكل باليمين، ومما يلي، وقصره بعضهم على الأخيرين، (وكذا نقله عنه
الصيرفي) أبو بكر، محمد بن عبد اللَّه (في شرح الرسالة) للإِمام الشافعي، (ونقل البويطي)
بالتصغير، نسبة إلى بويط، قرية بصعيد مصر الأدنى (في مختصره أن الأكل من رأس الثريد،
والتعريس على الطريق،) أي: النزول في الطريق، لأنها مأوى الهوام (والقران،) بكسر القاف،