النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب الطبري - كما حكاه في فتح الباري - أن ذلك كان منهم في حالة دون حالة لا لعوز وضيق، بل تارة للإيثار وتارة لكراهة الشبع وكثرة الأكل، انتهى. وتعقب: بأن ما نفاه مطلقًا فيه نظر لما تقدم من الأحاديث. وأخرج ابن حبان في صحيحه عن عائشة: من حدثكم أنا كنا نشبع من التمر فقد كذبكم، فلما افتتحت قريظة أصبنا شيئًا من التمر والودك إلى غير ذلك. قال الحافظ بن حجر: والحق أن الكثير منهم كانوا في حال ضيق قبل الهجرة، حيث كانوا بمكة ثم لما هاجروا إلى المدينة كان أكثرهم كذلك، فواساهم الأنصار بالمنازل والمنائح، فلما فتحت لهم النضير وما بعدها ردوا عليهم منائحهم كما تقدم. وقد قال عليه الصلاة والسلام: لقد أخفت في الإشكال (الطبري) بن جرير، (كما حكاه في فتح الباري: أن)، أي: بأن (ذلك كان منهم، في حالة دون حالة، لا لعوز،) بفتح العين، وفتح الواو إسكانها، يقال عوز من باب تعب عز، فلم يوجد، وعزت الشيء أعوزه، من باب، قال: احتجب إليه، فلم أجده، كما في المصباح، فإن أخذ من الأول فتحت، الواو، أي: لا لعدم وجد أن، أو من الثاني سكنت، أي: لا لاحتياج (وضيق) تفسيري، ولا يرد على ذا الجواب، أنه لم يعرج على قول الإِشكال، كان يرفع لأهله قوت سنة، لأنه أشار للجواب عنه، بقوله: (بل تارة للإِيثار،) فقد كان يدخر قوت عام، ثم يجد المحاويج، فيدفعه إليهم ويترك أهله، (وتارة لكراهة الشبع و) كراهة (كثرة الأكل، انتهى) جواب الطبري، (وتعقب بأن ما نفاه مطلقًا) في قوله لا لعوز وضيق، (فيه نظر، لما تقدم من الأحاديث) الدالة على أنه للعوز. (وأخرج ابن حبان في صحيحه عن عائشة، من حدثكم: أنا كنا نشبع من التمر، فقد كذبكم،) بخفة الذال، أخبركم بالكذب، (فلما افتتحت قريظة، أصبنا شيئًا من التمر والودك) بفتحتين دسم اللحم، والشحم، وهو ما يتحلب من ذلك، كما في المصباح، (إلى غير ذلك، قال الحافظ ابن حجر: والحق أن الكثير منهم كانوا في حال ضيق قبل الهجرة، حيث كانوا بمكة، ثم لما هاجروا إلى المدينة، كان أكثرهم كذلك، فواساهم الأنصار بالمنازل والمنائح،) تمليكًا للمنافع لا للقراب، وذكر البيضاوي أن من كان عنده امرأتان نزل عن واحدة وزوجها من . أحدهم، (فلما فتحت لهم النضير، وما بعدها ردوا عليهم منائحهم، كما تقدم) ومنازلهم، (وقد قال عليه الصلاة والسلام: لقد أخفت،) ماض مجهول من الإِخافة، (في) إظهار دين (اللّه،) أي: ١٦٢ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من يوم وليلة ما لي ولبلال طعام يأكله أحد إلا شىء يواريه ابط بلال. رواه الترمذي وصححه. أخافني المشركون بالتهديد والإيذاء الشديد في أمر اللَّه، أو للَّه، نحو دخلت النار امرأة في هرة، أي: هرة، (و) الحال أنه (ما يخاف أحد) غيري من الناس، لأنهم في حال إلاَّ من، وكنت وحيدًا في ابتداء الدين، ولم يكن أحد يوافقني في تحمل أذية الكفار، أو هو دعاء، أي: حفظ اللَّه المسلمين عن الإِخافة، أو مبالغة في الإِخافة، وذلك معروف لغة، يقال لي: بلية لا يبلى بها أحد، (ولقد أوذيت،) ماض مجهول من الإِيذاء، (في اللَّه) بقولهم: ساحر، شاعر، مجنون وغير ذلك، (وما يؤذي أحد) غيري بشيء من ذلك، بل كنت المخصوص بالإِيذاء، لنهي إياهم عن عبادة الأوثان، وأمري لهم بعبادة الرحمن. وقال ابن القيم: قوله في كثير من الأحاديث في اللَّه يحتمل معنيين، أحدهما: أن ذلك في مرضاة اللَّه وطاعته، وهذا فيما يصيبه باختياره، والثاني أنه بسببه، ومن جهته حصل ذلك وهذا فيما يصيبه بغير اختياره، وغالب ما يجيء من الثاني، وليست في للظرفية، ولا لمجرد السببية، وإن كانت السببية أصلها، ألا ترى إلى خبر دخلت النار امرأة في هرة، فإن فيه معنى زائدًا على السببية، فقولك فعلت كذا في مرضاتك فيه معنى زائد على فعلته؛ لرضاك وإن قلت أوذيت في الله لا تقوم مقامه بسبب، انتھی. وقد ناله عٍَّ من الأذى ما يطول تفصيله، وتقدم بعضه في المقصد الأول، (ولقد أتت على ثلاثون من يوم وليلة،) لفظ الترمذي في جامعه وشمائله، من بين يوم وليلة، وهو بيان للتوالي، أي: ثلاثون متواليات غير متفرقات، لا ينقص منها شيء. قال الطيبي: وهو للتأكيد الشمولي، ووجه إفادة الشمول؛ أنه يفيد أنه لم يتكلم بالتسامح والتساهل، بل ضبط أول الثلاثين وآخرها، (ما لي ولبلال طعام يأكله أحد)؛ لفظ الترمذي في الجامع والشمائل: يأكله ذو كبد، أي حيوان عاقل، أو دابة، (إلاَّ شيء) قليل جدًا، ولذا كان (يواريه) يستره (إبط بلال،) بالكسر: ما تحت الجناح يذكر ويؤنث، يعني كان ذلك الوقت رفيقي ولم يكن لنا طعام، إلاّ بقدر ما يأخذه بلال تحت إبطه، ولم يكن لنا ظرف نضع الطعام فيه كناية عن كمال القلة. قال الترمذي: كان ذلك، لما خرج من مكة هاربًا، واعترض بأن بلالاً لم يكن معه حين الهجرة، ورد بأنه لم يردها، بل خروجه قبلها إلى الطائف وغيره. (رواه الترمذي) في الزهد من سننه وفي شمائله، (وصححه،) حيث، قال في السنن حسن ١٦٣ النوع الأول في عيشه عَّةٍ في المأكل والمشرب نعم كان عَّ يختار ذلك مع إمكان حصول التوسع والتبسط في الدنيا له، كما أخرجه الترمذي من حديث أبي أمامة، أن رسول الله عَّه قال: عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبًا، فقلت: لا، يا رب ولكني أشبع يومًا وأجوع يومًا، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك. وحكمة هذا التفصيل الاستلذاذ بالخطاب، وإلا فالله تعالى أعلم بالأشياء جملاً وتفصيلاً. وعن ابن عباس قال: كان رسول الله عَّ ذات يوم وجبريل على الصفا، فقال رسول الله عَّله: يا جبريل والذي بعثك بالحق ما أمسى لآل محمد سفة من دقيق، ولا كف من سويق، فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدة من السماء أفزعته فقال رسول الله عَّله: أمر الله القيامة أن تقوم؟ قال: لا، ولكن أمر إسرافيل فنزل إليك حين سمع كلامك، صحيح. وكذا صححه ابن حبان، ورواه ابن ماجه، وأحمد، كلهم من حديث أنس: (نعم كان عٍَّ يختار ذلك مع إمكان حصول التوسع والتبسط في الدنيا له، كما أخرجه) أحمد، و (الترمذي،) وحسنه ونوزع (من حديث أبي أمامة، أن رسول اللَّه عَّة، قال: عرض عليّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة،) أي: حصباءها. قال الطيبي: تنازع فيه عرض وليجعل، أي: عرض على بطحاء مكة ليجعلها لي (ذهبًا،) فلا حاجة لجعل شيخنا مفعول عرض محذوفًا، بقوله: أي: أسباب الغنى، (فقلت: لا يا رب، ولكني أشبع يومًا؛ وأجوع يومًا،) هذا ورد على منهج التقسيم، وهو ذكر متعدد، ثم إضافة ما لكل على التعيين، فذكر أولاً الشبع والجوع في أيامهما، ثم أضاف لكل ما يناسبه بقوله: (فإذا جعت تضرعت إليك) بذلة وخضوع، (وذكرتك) في نفسي وبلساني، (وإذا شبعت شكرتك، وحمدتك) عطفه على سابقه، لما بينهما من عموم الحمد موردًا وخصوصه متعلقًا، وخصوص الشكر موردًا، وعمومه متعلقًا، (وحكمة هذا التفصيل الإِستلذاذ بالخطاب، وإلاَّ فاللَّه تعالى أعلم بالأشياء جملاً وتفصيلاً). (وعن ابن عباس، قال: كان رسول اللَّه عَِّ ذات يوم وجبريل على الصفا) بمكة، (فقال رسول اللَّه عَ ل: ((يا جبريل والذي بعثك بالحق) رسولاً إلى أنبيائه، (ما أمسى لآل محمد سفة،) بضم السين: قبضة (من دقيق، ولا كف من سويق؛ فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدة) صوتًا قويًا (من السماء، أفزعته) خوفته، (فقال رسول اللَّه عٍَّ:) لجبريل: مستفهمًا بحذف همزته. ((أمر اللَّه القيامة أن تقوم))؟، قال: لا ولكن أمر إسرافيل، فنزل إليك حين سمع كلامك) لي، ١٦٤ النوع الأول في عيشه عَّةُ في المأكل والمشرب فأتاه إسرافيل فقال: إن الله سمع ما ذكرت فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض عليك أسير معكِ جبال تهامة زمردًا وياقوتًا وذهبًا وفضة، فإن رضيت فعلت، فإن شئت نبيًا ملكًا، وإن شئت نبيًا عبدًا، فأومأ إليه جبريل أن تواضع فقال: بل نبيًا عبدًا ثلاثًا، رواه الطبراني بإسناد حسن. فانظر إلى همته العلية عَّ له كيف عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فأباها، ومعلوم أنه لو أخذها لأنفقها في طاعة ربه، فأبى ذلك، فيا لها من همة شريفة رفيعة ما أسناها ونفس زكية ما أبهاها. ولله در صاحب بردة المديح حيث قال: وراودته الجبال الشم عن ذهب نفسه فأراها أيما شمم وأكدت زهده فيها ضرورته إن الضرورة ولعل حكمة نزوله بتلك الهدة، الإِشارة إلى قدرته على فعل ما يعرضه عليه؛ (فأتاه إسرافيل، فقال: إن الله قد سمع ما ذكرت) لجبريل، (فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض،) المعادن، أو البلاد التي فيها، أو الممالك التي فتحت لأمته بعده، وظاهر الحديث أنها مفاتيح وخزائن حقيقية، وهو الأصل؛ وذكر الزمخشري فيه وما أشبهه؛ أنه من قبيل التمثيل والاستعارة، قال في قوله: وإن من شيء إلاّ عندنا خزائنه، ذكر الخزائن تمثيل، والمعنى: وما من شيء ينتفع به العباد، إلاَّ ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه والأنعام به، فضرب الخزائن مثلاً، (وأمرني أن أعرض عليك أسير،) بدل من أعرض، أو أن مقدرة، أي: أن أسير (معك جبال تهامة، زمردًا) بزاي أوله، وذال معجمة آخره، (وياقوتًا، وذهبًا وفضة، فإن رضيت) ذلك (فعلت، فإن شئت نبيًّا ملكًا، وإن شئت نبيًّا عبدًا، فأومأ إليه جبريل،) لما استشاره (أن تواضع، فقال: ((بل نبيًا عبدًا،) قالها (ثلاثًا))). (رواه الطبراني بإسناد حسن،) كما قال المنذري وغيره، ولا يعارضه قوله عَّ أتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق، جاءني به جبريل، رواه أحمد برجال الصحيح، وصححه ابن حبان عن جابر، لأن هذا بعد ذلك للإشارة إلى ما ستملكه أمته من بعده، (فانظر إلى همته العلية عَ ليه كيف عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض، فأباها، ومعلوم أنه لو أخذها لأنفقها في طاعة ربه، فأبى ذلك،) مع أن النبوة معطاة له على التقديرين، (فيا لها من همة شريفة رفيعة، ما أسناها ونفس زكية،) بشد الياء (ما أبهاها،) وقد عوضه اللَّه بالتصرف في خزائن السماء، رد الشمس بعد غروبها، وشق القمر، ورجم النجوم، واختراق السموات، وحبس المطر، وإرساله، وإرسال الريح، وإمساكها، وغير ذلك، (ولله در صاحب بردة المديح حيث قال: وراودته) طلبت منه (الجبال الشم،) بضم الشين، المرتفعة (عن ذهب نفسه)،) ونسبة المراودة إليها مجاز، (فأراها،) بفتحتين ١٦٥ النوع الأول في عيشه عَةٍ في المأكل والمشرب لا تعدو على العصم وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من لولاه لم تخرج الدنيا من العدم أي كيف تدعو ضرورة سيدة المعصومين إلى زخرف الدنيا، وهي ما فيها إنما برزت لأجله، فكيف يضطر إليها. لكن في كلامه شىء، فإنه في مقام المدح فلا يليق منه الوصف بالزهد ولا بالضرورة. قال الحليمي في شعب الإيمان: من تعظيم النبي عَّ أن لا يوصف بما هو عند الناس من أوصاف الضعة، فلا يقال كان فقيرًا. وأنكر بعضهم إطلاق الزهد في حقه عَّ. وقد حكى صاحب ((نثر الدر)) عن محمد بن واسع أنه قيل له: فلان زاهد، فقال: وما قدر الدنيا حتى يزهد فيها. وقد ذكر القاضي عياض في الشفاء، ونقله عنه الشيخ تقي الدين السبكي في كتابه ((السيف المسلول)) أن فقهاء الأندلس أفتوا بقتل حاتم المتفقه الطليطلي وصلبه الاستخفافه بحق النبي ◌َّه وتسميته إياه أثناء مناظرته . (أيما شمم،) بفتح المعجمة، والميم، (وأكدت زهده،) مفعول (فيها ضرورته،) فاعل (إن الضرورة لا تعدو على العصم،) بكسر، ففتح متعلق بتعدو، (وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من لولاه لم تخرج الدنيا من العدم، أي: كيف تدعو ضرورة سيد المعصومين، إلى زخرف الدنيا، وهي ما فيها، إنما برزت لأجله، فكيف يضطر إليها، لكن في كلامه،) أي: قوله أكدت الخ ... ، (شيء، فإنه في مقام المدح، فلا يليق منه الوصف بالزهد) لاقتضائه رغبة ما فيما زهد فيه، (ولا بالضرورة) لاقتضائها الحاجة. (قال الحليمي في شعب الإِيمان: من تعظيم النبي عَّهِ أن لا يوصف بما هو عند الناس، من أوصاف الضعة،) بفتح المعجمة، وكسرها، وعين مهملة، بعدها تاء النقص، وسقوط القدر، (فلا يقال كان فقيرًا، وأنكر بعضهم إطلاق الزهد في حقه عَّة) إذ لا قدر للدنيا عنده، (وقد حكى صاحب) كتاب (نثر الدر) وهو أبو سعيد منصور بن الحسين الآبي، بالمنسوب إلى آية من قرى ساوة، كما في التبصير، (عن محمد بن واسع، بن جابر الأزدي، البصري، ثقة، عابد، كثير المناقب، مات سنة ثلاث وعشرين ومائة، (أنه قيل له فلان زاهد، فقال: وما قدر الدنيا حتى يزهد فيها،) فإذا قيل هذا في حق غير المصطفى، فما بالك به، (وقد ذكر القاضي عياض في الشفاء، ونقله عنه الشيخ تقي الدين السبكي في كتابه السيف المسلول، أن فقهاء الأندلس،) بفتح الهمزة، والدال المهملة، وضم اللام، ومهملة إقليم بالمغرب، (أفتوا بقتل حاتم، المتفقه، الطليطلي،) بضم الطاء، وفتح اللام، وإسكان التحتية، وكسر الطاء الثانية، ولام نسبة إلى ١٦٦ النوع الأول في عيشه عَّة في المأكل والمشرب باليتيم، وزعمه أن زهده لم يكن قصدًا، ولو قدر على الطيبات أكلها. انتهى. وذكر الشيخ بدر الدين الزركشي عن بعض الفقهاء المتأخرين أنه كان يقول: لم يكن النبي عٍَّ فقيرًا من المال قط، ولا حاله حال فقير، بل كان أغنى الناس فقد كفي أمر دنياه في نفسه وعياله، وكان يقول في قوله عَّهِ: ((اللَّهم أحيني مسكينًا))، إن المراد به استكانة القلب لا المسكنة التي هي أن لا يجد ما يقع موقعًا من كفايته. وكان يشدد النكير على من يعتقد خلاف ذلك انتهى. طليطلة مدينة بالأندلس، (وصلبه لاستخفافه بحق النبي عَّةٍ، وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم، وزعمه أن زهده لم يكن قصدًا، ولو قدر على الطيبات أكلها، انتهى). وكل واحدة من الثلاث كافية في القتل، بلا استتابه عند لملك رحمه اللَّه، (وذكر الشيخ بدر الدين الزركشي عن بعض الفقهاء المتأخرين،) هو التقى السبكي حكاه عنه ابنه في التوشيح؛ (أنه كان يقول: لم يكن النبي عَّ فقيرًا من المال قط، ولا حاله حال فقير، بل كان أغنى الناس، فقد كفي أمر دنياه في نفسه وعياله، وكان يقول في قوله عَّله) عند ابن ماجه، وعبد بن حميد، وغيرهما صحيحًا، ((اللهم أحيني مسكينًا،) وتوفني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين، أي: اجمعني في جماعتهم؛ بمعنى اجعلني منهم. قال في الصحاح: الحشر الجمع، والزمرة بالضم الجماعة. قال اليافعي: وناهيك بهذا شرفًا، ولو قال: واحشر المساكين في زمرتي لكفاهم شرفًا، ثم أنه لم يسأل مسكنة ترجع إلى القلة، بل إلى الأخبات والتواضع، ذكره البيهقي، ونحوه قول الغزالي: استعاذته من الفقر لا تنافي طلبه المسكنة، لأن الفقر مشترك بين معنيين: الأول الافتقار إلى اللّه، والاعتراف بالذل والمسكنة له، والثاني فقر الاضطرار، وهو فقد الملا المضطر إليه، كجائع فقد الخبر، فهذا هو الذي استعاذ منه، والأول هو الذي سأله، انتهى، ولذا قال شيخ الإِسلام زكريا معنى الحديث، طلب التواضع والخضوع، وأن لا يكون من الجبابرة المتكبرين، والأغنياء المسرفين، ومن ثم قال السبكي: (إن المراد به استكانة القلب،) خضوعه، وتواضعه، وانكساره إلى الله، (لا المسكنة التي هي أن لا يجد ما يقع موقعًا من كفايته؛ وكان يشدد النكير على من يعتقد خلاف ذلك، انتهى)، وهو حسن نفيس، وحاصله أن المنفي سؤال مسكنة، ترجع إلى القلة وعدم الكفاية، فلا يرد عليه أن ظاهر سياق الحديث، وفهم رواية يقتضي خلافة، فأخرج ابن ماجه؛ والطبراني، عن أبي سعيد الخدري، قال: أحبوا المساكين، فإني سمعت عَّ يقول في دعائه، وذكره ورواه الحاكم بزيادة، وأن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه رسول اللَّه عََّ الـ فقر الدنيا وعذاب الآخرة. ١٦٧ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب وأما ما يروى أنه عليه الصلاة والسلام قال: الفقر فخري وبه أفتخر. فقال شيخ الإسلام والحافظ بن حجر: هو باطل موضوع. انتهى. وعلم أنه لم يكن من عادته الكريمة ◌َّه حبس نفسه الشريفة على نوع واحد من الأغذية لا يتعداه إلى سواه، لأن ذلك يضر بالطبيعة جدًا، ولو أنه أفضل الأغذية، بل كان عَّ يأكل مما جرت عادة أهل بلده بأكله من اللحم والفاكهة والخبز والتمر وغيره مما سيأتي، فأكل عَّة الحلوى والعسل قال الحاكم: صحيح وأقره الذهبي في التلخيص، قال الحافظ: وأساء ابن الجوزي بذكره في الموضوعات، بل صححه الضياء في المختارة، فرواه هو والطبراني في الكبير، من حديث عبادة، قال: وكان ابن الجوزي أقدم عليه، لما رآه مباينًا للحال التي مات عليها عَّه، لأنه مات مکفیًا. ورواه البيهقي عن أبي سعيد أيضًا بلفظ: ((يا أيها الناس، لا يحملنكم العسر على أن تطلبوا الرزق من غير حله))، فإني سمعت رسول اللَّه عَّه يقول، فذكره بالزيادة، وروى الترمذي، والبيهقي، عن أنس مرفوعًا: ((اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة))، فقالت عائشة: لم يا رسول الله؟، قال: ((أنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفًا، يا عائشة لا تردي المساكين، ولو بشق تمرة، يا عائشة أحبي المساكين، وقربيهم، فإن اللَّه يقربك يوم القيامة)، فقد فهمه راويه أبو سعيد على المتبادر منه، ولفهمه مزية على غيره، وأيده فهم عائشة ذلك بحضرة النبي عَّه وإقراره لها عليه، وتعليله بأنهم يدخلون الخ ... (وأما ما يروى أنه عليه الصلاة والسلام، قال: ((الفقر فخري) وعظمتي لو كنت ذا فخر، (وبه افتخر))، فقال شيخ الإِسلام، الحافظ بن حجر هو باطل موضوع، انتهى،) وسبقه إلى ذلك شيخه الحافظ، وابن تيمية وغيرهما، (واعلم أنه لم يكن من عادته) حالته (الكريمة) المستمرة متر، حبس،) أي: منع (نفسه الشريفة،) أي: قصرها (على نوع واحد من الأغذية،) فأطلق القصر على الحبس، لأنه لازمه، إذ من قصر نفسه على شيء منعها من غيره، فقوله: (لا يتعداه إلى سواه،) بيان للمراد من الحبس هنا، (لأن ذلك يضر،) بضم الياء من أضر، لأنه متعد بالباء، والقاصر يتعدى بنفسه، فيفتح أوله نحو لن يضروكم إلاَّ أذى، (بالطبيعة جدًا، ولو أنه أفضل الأغذية، بل كان عَّ يأكل ما جرت عادة أهل بلده،) وذلك حاصل (بأكله من اللحم والفاكهة، والخبز والتمر، وغيره، مما سيأتي، فأكل عَّ الحلوى والعسل) النحل، عطف خاص على عام لشرفه؛ كقوله تعالى: ﴿وملائكته ورسله، وجبريل وميكال فما خلق لنا﴾ الآية، في معناه أفضل ١٦٨ النوع الأول في عيشه عَّةٍ في المأكل والمشرب وكان يحبهما، رواه البخاري والترمذي. والحلوى: بالقصر والمد، كل حلو، وقال الخطابي: اسم الحلوى لا يقع إلا على ما دخلته الصنعة، وقال ابن سيده: ما عولج من الطعام بحلو، وقد تطلق على الفاكهة. قال الخطابي: ولم يكن حبه عَّلّ لها على معنى كثرة التشهي لها، وشدة نزاع النفس إليها، وإنما معناه أنه كان ينال منها إذا حضرت إليه نيلاً صالحًا فيعلم من ذلك أنها تعجبه، ووقع في منه، ولا مثله، ولا قريبًا منه، إذ هو غذاءً من الأغذية، شراب من الأشربة، دواء من الأدوية، حلو من الحلواء، طلاء من الأطلية، مفرح من المفرحات، (وكان يحبهما، رواه البخاري) في الأطعمة، والأشربة، والطب، (والترمذي،) وابن ماجه في الأطعمة من حديث عائشة، قالت: كان رسول اللَّه عَ لَّه يحب الحلواء، ويحب العسل، (والحلوى بالقصر،) فتكتب، بالياء، (والمد،) فتكتب بالألف لغتان حكاهما غير واحد، كأبي علي، واقتصر الليث على المد، والأصمعي على القصر وجمع الممدود حلاوى، مثل صحراء وصحاري بالتشديد، وجمع المقصور حلاوي، بفتح الواو، ثم ظاهر المصنف كغيره تساوي اللغتين، ومقتضى قول القاموس الحلواء، وتقصر أرجحية المد، (كل حلو) دخلته النار أولاً، مفردًا كان أم مركبًا من نوعين: فشمل العسل والسكر (وقال الخطابي: اسم الحلوى لا يقع إلاّ على ما دخلته الصنعة)، كالسكر، فلا يقع على عسل النحل، وعليه، فالعطف مباين. (وقال ابن سيده،) بكسر المهملة، وإسكان التحتية، وفتح المهملة، وهاء ساكنة، علي بن إسمعيل بن سيده، العلامة، النحوي، اللغوي، الإِمام، صنف المحكم، والمخصص في اللغة، وغير ذلك، وهو ضرير كأبيه، مات سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وله نحو ستين سنة، (ما عولج من الطعام بحلو،) كالحلو المتخذ من دقيق وعسل، وبهذا قطع الأزهري، فقال: الحلو اسم لما يؤكل من الطعام، إذا كان معالجًا بحلاوة، (وقد تطلق على الفاكهة،) وإن لم يكن بها حلاوة على ظاهره. وفي المصباح الفاكهة: ما يتفكه، أي يتنعم بأهله رطبًا كان أو يابسًا، كالبطيخ، والزبيب، والرطب الرمان. (قال الخطابي،) وتبعه ابن التين، (ولم يكن حبه عَّ لها على معنى كثرة التشهي لها، وشدة نزاع،) أي: اشتياق (النفس إليها،) إذ هو أجل من لك (وإنما معناه أنه كان ينال منها إذا حضرت إليه نيلاً صالحًا،) أكثر مما يناله من غيرها، (فيعلم من ذلك أنها تعجبه، وقع في ١٦٩ النوع الأول في عيشه عَّهِ في المأكل والمشرب كتابه فقه اللغة للثعالبي: أن حلوى النبي عَِّ التي كان يحبها هي المجيع - بالميم والجيم، بوزن عظيم - وهو تمر يعجن بلبن، حكاه في فتح الباري. ولم يصح ورود أنه عليه الصلاة والسلام كان يحب السكر ولا أنه تصدق به ولا أنه رآه. لكن أخرج أبو جعفر الطحاوي والبيهقي في سننه من حديث لمازة عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل: أن رسول الله عَ لّه حضر ملاك رجل من الأنصار، فجاءت الجواري معهن الأطباق عليها اللوز والسكر فأمسك القوم كتاب فقه اللغة للثعالبي، أن حلوى النبي عَِّ التي كان يحبها، هي المجيع،) فأل عهدية، والعسل مباين، (بالميم، والجيم، بوزن عظيم، وهو تمر يعجن،) أي: يصنع على هيئة العجين، على مفاده: تعبيره بيعجن دون يخلط (بلبن، حكاه في فتح الباري) قائلاً: صح هذا، وإلاّ فلفط الحلوى يعمّ كل ما فيه حلو، وما شابه الحلو أو العسل من المآكل اللذيذة؛ وفيه رد على من زعم أن حلوى النبي عَّه؛ أنه كان يشرب كل يوم، قدح عسل ممزوج بالماء، وأما الحلواء المصنوعة، فما كان يعرفها، وقيل المراد بالحلوا الفالوذج، لا المصنوعة على النار؛ وفيه جواز اتخاذ الأطعمة من أنواع شتى، وكره ذلك بعض أهل الورع، ولم يرخص إلاَّ في حلو خلقة كعسل وتمر، وهذا الحديث يرد عليه، وإنما تورع عن ذلك من السلف؛ من آثر تأخير تناول الطيبات إلى الآخرة، مع القدرة عليها في الدنيا، تواضعًا لا شحًا انتهى. (ولم يصح ورود أنه عليه الصلاة والسلام كان يحب السكر،) خلافًا لزاعمه، وروى بسند واهٍ، أنه أكل البطيخ بالسكر، (ولا أنه تصدق به، ولا أنه رآه) فضلاً عن حبه أكله وتصدقه به، (لكن أخرج أبو جعفر الطحاوي، والبيهقي في سنته من حديث لمازة،) بضم اللام، وتخفيف الميم، وزاي، كما في التبصير والجامع، وهو ابن المغيرة، مجهول، كما سيأتي، ولم يذكره في التقريب، لأنه ليس من رواة الكتب الستة؛ إنما فيه لمازة بن زبار، وضبطه، بكسر اللام، وأباه، بفتح الزاي، وتثقيل الموحدة وراء آخره، فلا معنى لنقله هنا إذ هو رجل آخر، (عن ثور بن يزيد)) بتحتية في أول اسم أبيه الحمصي، ثقة ثبت روى له الستة، إلاّ أنه يرى القدر، مات سنة خمسين، أو ثلاث، أو خمس وخمسين ومائة، (عن خالد بن معدان) الكلاعي، الحمصي، ثقة، عابد، تابعي يرسل كثيرًا، روى له الجميع، مات سنة ثلاث ومائة، وقيل بعدها، (عن معاذ بن جبل أن رسول اللَّه عٍَّ، حضر ملاك») بكسر الميم، اسم بمعنى أملاك، أي: نكاح وتزويج، (رجل من الأنصار) لم يسم، زاد في رواية العقيلي، فخطب عَّه، وأنكح الأنصاري، وقال: على الألفة والخير، والطائر الميمون، دففوا على رأس صاحبكم، فدفف عليه، (فجاءت الجواري معهن الأطباق:) جمع طبق، (عليها اللوز والسكر،) زاد العقيلي، فنثر عليهم، (فأمسك القوم أيديهم،) ١٧٠ النوع الأول في عيشه عٍَّ في المأكل والمشرب أيديهم، فقال عليه الصلاة والسلام: ألا تنتهبون؟ قالوا: إنك نهيت عن النهبة، قال: أما العرسان فلا، قال: فرأيت رسول الله عٍَّ يجاذبهم ويجاذبونه. واحتج به الطحاوي على أن النثار غير مكروه، كما ذهب إليه أبو حنيفة، وقضى به على الأحاديث الصحيحة التي فيها النهي عن النهبة. لكن قال البيهقي بعد رواية هذا الحديث: وهذا لا يثبت، ثم قال: وروي من حديث عائشة عنه عَّةٍ، ولا يثبت في هذا المعنى شىء، وشنع على الطحاوي القول في ذلك جدًا في كتاب المعرفة وقال: إنما يروى عن عون بن عمارة وعصمة بن سليمن وكلاهما لا يحتج به، وشيخهما لمازة بن المغيرة مجهول، فهاتان علتان كل منهما منفردة توجب ضعف الحديث فكيف بهما مجتمعان؟! فلم يمدوها إلى الأطباق، (فقال عليه الصلاة والسلام: ((ألا تنتهبون))؟، قالوا: إنك نهيت عن النهبة،) بضم النون، بتقدير مضاف، أي: أخذ النهبة، (قال:) ((إنما نهيت عن نهبة العساكر، (أما العرسان،) أي: أما نهبة العرسان، وهو ما يأتي به للمجتمعين في العرس، بالضم: طعام الزفاف، (فلا) أنها كم عنه)). وفي رواية العقيلي: فأمسك القوم، ولم ينتهبوا، فقال عَّةٍ: ((ما أزين الحلم ألا تنتهبون))؟، قالوا: نهيتنا عن النهبة يوم كذا، وكذا، فقال: ((إنما نهيتكم عن نهبة العساكر، ولم أنهكم عن نهبة الولائم))، (قال) معاذ: (فرأيت رسول اللَّه عٍَّ يجاذبهم، ويجاذبونه) في الانتهاب، (واحتج به الطحاوي على أن النثار) لنحو اللوز والسكر، (غير مكروه، كما ذهب إليه أبو حنيفة، وقضى به على الأحاديث الصحيحة التي فيها النهي عن النهبة؛ لكن) لا حجة فيه لضعفه. (قال البيهقي: بعد رواية هذا الحديث، وهذا لا يثبت، ثم قال: وروي من حديث عائشة، عنه عَّهِ) نحوه أيضًا، (ولا يثبت في هذا المعنى شيء، وشنع على الطحاوي القول في ذلك جدًا في كتاب المعرفة،) لأنه من حفاظ الحديث العالمين بعلله، وصحيحه، وسقيمه، فكيف يقضي بحديث ضعيف، انتصارًا لمذهبه على الأحاديث الصحيحة، فاستحق زيادة التشنيع، إذ ليس من يعلم، كمن لا يعلم، (وقال) في بيان ضعف الحديث: (إنما يروي عن عون بن عمارة) القيسي، البصري، ضعيف، مات سنة اثنتي عشرة ومائتين، (وعصمة بن سليمن، وكلاهما لا يحتج به) لضعفه، (وشيخهما لمازة بن المغيرة مجهول، فهاتان علتان كل منهما منفردة، توجب ضعف الحديث، فكيف بهما) وهما (مجتمعان؟،) فهو خبر محذوف جملة حالية، وفي نسخة يجتمعان، بياء بدل الميم، فعل، وكان الأظهر مجتمعين على الحالية، بلا تقدير، (هذا، ١٧١ النوع الأول في عيشه عَّةٍ في المأكل والمشرب هذا وخالد بن معدان منقطع ولا حجة في منقطع. فهذه ثلاث علل يضعف الحديث بدونها. وقد أفرد الكلام على ذلك ابن مفلح اليوسفي والله أعلم. وعن ليث بن أبي سالم قال: أول من خبص في الإسلام عثمن بن عفان رضي الله عنه قدمت عليه عير تحمل الدقيق والعسل فخلط بينهما وبعث إلى رسول الله عَ فأكل فاستطابه. قال المحب الطبري في الرياض: خرجه خيثمة في فضائل عثمن. وعن عبد الله بن سلام قال: قدمت عير فيها جمل لعثمن رضي الله عنه عليه دقيق حوارى وسمن وعسل، فأتى بها إلى النبي عَِّ فدعا فيها بالبركة ثم دعا عليه بيرمة فنصبت على النار وجعل فيها من العسل والدقيق وخالد بن معدان،) عن معاذ (منقطع،) لأنه لم يسمع معاذًا، (ولا حجة في منقطع،) وقد أخرجه العقيلي من حديث عائشة، قالت: حدثني معاذ بن جبل، أنه شهد مع رسول اللَّه مَّةٍ، ملاك، رجل من الأنصار الحديث، لكن قال عبد الحق في إسناده: بشير بن إبراهيم، الأنصاري، البصري، وهو ضعيف، (فهذه ثلاث علل يضعف الحديث بدونها،) أي: بأقل منها، كواحدة، فكيف إذا اجتمعت؟، (وقد أفرد الكلام على ذلك ابن مفلح اليوسفي،) نسبة إلى جده، (والله أعلم) بضعفه في نفس الأمر أم لا، إذ إنما هو بحسب الظاهر. (وعن ليث بن أبي سالم قال: أول من خبص في الإِسلام عثمن بن عفان رضي اللّه عنه، قدمت عليه عير تحمل الدقيق والعسل، فخلط بينهما،) فالخبص الخلط، خبصت الشيء خبصًا من باب ضرب خلطته، (وبعث إلى رسول اللَّه عَ لّهِ، فأكل، فاستطابه:) أعجبه، (قال المحب الطبري في الرياض) النضرة، (خرجه خيثمة) بن سليمن بن حيدرة، الإمام الحافظ، أبو الحسن، القرشي، الطرابلسي، أحد الثقات الرحالة، قال ابن منده: كتبت عنه بطرابلس ألف جزء (في فضائل عثمن،) من كتابه فضائل الصحابة، (وعن عبد الله بن سلام،) بالتخفيف الأسرائيلي، أبي يوسف، حليف بني الخزرج، قيل: كان اسمه الحصين، فسماه النبي عَِّ عبد الله، صحابي مشهور، مبشر بالجنة، له أحاديث وفضل، مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين رضي اللَّه عنه، (قال: قدمت عير فيها جمل لعثمن رضي اللَّه عنه، عليه دقيق حواري») أبيض، ناعم، (وسمن وعسل، فأتى بها إلى النبي عٌَّ). وفي الحاكم وغيره عن ابن سلام، خرج عَّة إلى المربد، فرأى عثمن يقود ناقة تحمل دقيقًا حواري، وسمنًا وعسلاً، فقال له: أنخ، فأناخ ( فدعا فيها بالبركة، ثم دعا عَلآه ببرمة) قدر من حجر، والجمع برم، كغرفة وغرف، (فنصبت على النار، وجعل فيها من العسل والدقيق، ١٧٢ النوع الأول في عيشه عَّة في المأكل والمشرب والسمن ثم عصد حتى نضج أو كاد ينضج ثم أنزل فقال النبي عَِّ: كلوا هذا شىء تسميه فارس الخبيص قال الطبري: خرجه تمام في فوائده والطبراني في معجمه ورجاله ثقات. وأكل عليه الصلاة والسلام لحم الضأن. وهذه الثلاثي - أعني: الحلواء والعسل واللحم .. من أفضل الأغذية وأنفعها للبدن والكبد والأعضاء، ولا ينفر منها إلا من به علة وآفة. واللحم سيد طعام أهل الجنة، وفي رواية: هو سيد الطعام لأهل الدنيا والآخرة، رواه ابن ماجه وابن أبي الدنيا من حديث أبي الدرداء مرفوعًا. والسمن، ثم عصد حتى نضج،) بكسر الضاد، استوى، (أو كاد ينضج،) بفتح الضاد، كتعب، والاسم النضج، بضم النون، وفتحها لغة، والفاعل ناضج ونضيج، كما في المصباح، (ثم أنزل، فقال النبي عَّ: ((كلوا هذا شيء تسميه فارس الخبيص))،) فعيل بمعنى مفعول. (قال الطبري،) الحافظ، محب الدين المكي، (خرجه،) أي: حديث عبد الله بن سلام هذا، (تمام في فوائده) الحديثية، (والطبراني في) جنس (معجمه،) فيشمل الثلاثة، لأن الواقع أنه خرجه في معاجيمه الثلاث، (ورجاله ثقات،) وفي الشامي، رحال الأوسط، والصغير ثقات، وقد أخرجه الحاكم، وصححه، وبقي بن مخلد، انتهى. ومقتضاه أن أول من خبص في الإِسلام النبي عَّة، فيخالف قوله قبل أول من خبص عثمن، ویحتمل أن نسبته إلیه لکونه کان سببًا في فعله بإهدائه، إلیه، لکن روی الحرث بسند منقطع؛ صنع عثمن خبيصًا بالعسل والسمن والبر، وأتى به في قصعة إلى النبي، فقال: ما هذا، قال: هذا شيءٍ تصنعه الأعاجم تسميه الخبيص، فأكل، ويمكن الجمع أيضًا بتكرر ذلك، فيكون عثمن فعله أولاً بنفسه، ثم عرضه على المصطفى، فأمر بأن يصنع له منه، ففعل، (وأكل عليه الصلاة والسلام كم الضأن، وهذه الثلاثي أعني الحلواء، والعسل، واللحم من أفضل الأغذية،! وأنفعها للبدن، والكبد، والأعضاء، ولا ينفر منها إلاَّ من به علة وآفة،) تفسيري، (واللحم سيد،) أي: أفضل، إذ السيد الأفضل، كخير: قوموا إلى سيدكم، أي: أفضلكم، (طعام أهل الجنة، وفي رواية: هو سيد الطعام لأهل الدنيا والآخرة). (رواه ابن ماجه وابن أبي الدنيا من حديث أبي الدرداء، مرفوعًا) بلفظ سيد طعام أهل الدنيا، وأهل الجنة اللحم بدل والآخرة، كما أفاده السخاوي، فلم يرويا باللفظ الذي ساقه المصنف، كما أوهمه صنيعه، نعم رواه الديلمي، عن صهيب، رفعه سيد الطعام في الدنيا ١٧٣ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب وسنده ضعيف وله شواهد منها: عن على رفعه: سيد طعام الدنيا اللحم ثم الأرز، أخرجه أبو نعيم في الطب النبوي. وأكل اللحم يزيد سبعين قوّة. قاله الزهري. وعن علي رضي الله عنه: أنه يصفي اللون ويحسن الخلق ومن تركه أربعين ليلة ساء خلقه. ولأبي الشيخ بن حیان والآخرة اللحم، ثم الأرز، وسيد الشراب في الدنيا والآخرة الماء، (وسنده ضعيف) فقط، لضعف راوية سليمن بن عطاء، لا موضوع، كما زعم ابن الجوزي. قال الحافظ: لم يتبين لي الحكم بالوضع عليه، فإن سليلمن ضعيف، وشيخه مسلمة الجزري غير مجروح، (وله شواهد، منها عن علي رفعه: سيد طعام الدنيا اللحم، ثم الأرز، أخرجه أبو نعيم) أحمد بن عبد اللَّه الأصبهاني، (في) كتاب (الطب النبوي،) وأورده ابن الجوزي في الموضوع أيضًا، ونوزع منها خبر صهيب السابق، ومنها عن بريدة مرفوعًا، سيد الأدام في الدنيا والآخرة اللحم، وسيد الشراب في الدنيا والآخرة الماء، وسيد الرياحين في الدنيا والآخرة الفاغية. رواه الطبراني وغيره، ورواه أبو نعيم في الطب بلفظ خير، ومنها، عن ربيعة بن كعب، رفعه: أفضل طعام الدنيا والآخرة اللحم. رواه العقيلي، وأبو نعيم في الحلية، وكلها ضعيفة، لكن بانضمامها تقوى، كما أشار إليه السخاوي، (وأكل اللحم يزيد سبعين قوة، قاله الزهري) بن شهاب، (و) لكن ينبغي أن لا يواظب على أكله، كما قال الغزالي لما جاء (عن علي رضي اللَّه عنه، أنه يصفي اللون، ويحسن الخلق،) بضم اللام، (ومن تركه أربعين ليلة، ساء خلقه،) ومن داوم عليه أربعين يومًا قسا قلبه، كما هو بقية ما نقله الغزالي عن علي، وقال ابن القيم: ينبغي عدم المداومة على أكل اللحم، فإنه يورث الأمراض الدموية، والامتلاثية، والحميات الحادة، وقال بقراط: لا تجعلوا بطونكم مقابر للحيوان، تركه أربعين ليلة، ساء خلقه، ومن داوم عليه أربعين يومًا قسا قلبه، كما هو بقية ما نقله الغزالي عن علي، وقال ابن القيم: ينبغي عدم المداومة على أكل اللحم، فإنه يورث الأمراض الدموية، والامتلاثية والحميات الحادة، وقال بقراط: لا تجعلوا بطونكم مقابر للحيوان، (لأبي الشيخ) الحافظ عبد الله بن جعفر (بن حيان)، بفتحت المهملة، والتحتية الحياتي، نسبة إلى ١٧٤ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب من رواية ابن سمعان قال: سمعت علماءنا يقولون: كان أحب الطعام إلى رسول الله عَّلِ اللحم، ويقول وهو يزيد في السمع، وهو سيد الطعام في الدنيا والآخرة، ولو سألت ربي أن يطعمنيه كل يوم لفعل. وقال الإمام الشافعي: إن أكله يزيد في العقل. وكان عليه الصلاة والسلام يعجبه الذراع ولذلك سم فيه، وعن أبي رافع أنه أهديت له شاة فجعلها في قدر، فدخل رسول الله عَّ فقال ما هذا يا أبا رافع؟ قال: شاة أهديت لنا يا رسول الله فطبختها في القدر. قال: ناولني الذراع يا أبا رافع، فناولته الذراع، ثم جده، هذا، كما في التبصير وغيره، الأصبهاني، أحد الأعلام، واسع العلم، غزير الحفظ، صالح، خير، قانت، صدوق، مأمون، ثقة، متقن له مصنفات ولد سنة أربع وسبعين ومائتين) ومات في محرم سنة تسع وستين وثلثمائة. (من رواية ابن سمعن) محمد ابن أبي يحيى، وهو سمعن، الأسلمي، المدني، صدوق من الخامسة، مات سنة سبع وأربعين ومائة، كما في التقريب، وليس هو أبا منصور السمعاني محمد بن محمد بن سمعن، بكسر السين، المذكور في التبصير، لأن أبا منصور متأخر عن أبي الشيخ، فلا یروى عنه. (قال: سمعت علماءنا،) أي: التابعين، (يقولون: كان أحب الطعام إلى رسول اللَّه عَّ. اللحم، ويقول: وهو يزيد في السمع، وهو سيد (أفضل (الطعام في الدنيا والآخرة، ولو سألت ربي أن يطعمنيه كل يوم لفعل،) لكني لم أسأله، ولذا كان لا يأكل اللحم إلاَّ غبًا، كما يأتي. (وقال الإِمام الشافعي: إن أكله يزيد في العقل، وكان عليه الصلاة والسلام يعجبه الذراع،) بكسر المعجمة، فراء، فألف، فعين مهملة: اليد من كل حيوان، لكنها من الإِنسان من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى، تؤنث، وقد تذكر، ومن البقر والغنم ما فوق الكراع، وهو المراد هنا، وزعم أنه الساعد، مردود ليس في محله، كما قاله المكي وغيره، (ولذلك سم فيه،) كما مر في خيبر. (وعن أبي رافع) القبطي، مولى النبي عَة، اسمه إبراهيم، وقيل أسلم، أو ثابت، أو هرمز إلى تمام عشرة أقوال، مرة أشهرها أسلم؛ مات في أول خلافة علي، على الصحيح، (أنه أهديت له شاة، فجعلها في قدر، فدخل رسول اللَّه مَّهُ) عليه، (فقال: ((ما هذا) الذي في القدر (يا أبا رافع))؟ قال: شاة أهديت لنا يا رسول اللّه، فطبختها في القدر،) بالكسر: آنية يطبخ فيها مؤنثة، ولذا صغرت على قديرة، وجمعها قدور، (قال: ((ناولني الذراع يا أبا رافع))، فناولته الذراع، ثم ١٧٥ النوع الأول في عيشه عَّم في المأكل والمشرب قال: ناولني الذراع الآخر، فناولته الذراغ الآخر، فقال: ناولني الذراع الآخر. فقال: يا رسول الله، إنما للشاة ذراعان فقال له عَّ: أما إنك لو سكت لناولتني ذراعًا فذراعًا ما سكت، ثم دعا بماء فمضمض فاه وغسل أطراف أصابعه ثم قام فصلى. الحديث رواه أحمد. ورواه الدارمي والترمذي عن أبي عبيد بلفظ: طبخت له عَِّ قدرًا، ...... قال: ((ناولني الذراع الآخر))، فناولته الذراع الآخر، فقال: ((ناولني الذراع الآخر))، فقال:) التفات والقياس، فقلت: (يا رسول اللَّه إنما للشاة ذراعان،) وقد ناولتك إياهما، (فقال له عَّهِ: ((أما إنك لو سكت لناولتي ذراعًا فذراعًا)»،) قال الطيبي: الفاء للتعاقب، كما في قوله الأمثل فالأمثل، وما في (ما سكت) للمدة، أي: مدة سكوتك، لأنه سبحانه يخلق فيها ذراعًا فذراعًا، معجزة له عَّه، فحملت المناول، عجلته المركبة في الإِنسان على قوله: إنما للشاة ذراعان، فانقطع المدد، لأنه إنما كان من مدد الكريم سبحانه، إكرامًا لخلاصة خلقه، فلو تلقاه المناول بالأدب ساكتا مصغيًا إلى ذلك لعجب؛ لكان شكرًا منه مقتضيًا لتشريفه، بإجراء هذا المدد على يديه، لكنه تلقاه بصورة الإِنكار، فرجع الكرم موليًا لما لم يجد قابلاً، إذ لا يليق لمشاهدة هذه المعجزة العظيمة، إذ في شهودها نوع تشريف للمطلع عليها، إلاَّ من كمل تسليمه، ولم يبق فيه أدنى حظ ولا إرادة، (ثم دعا بماء، فمضمض فاه، وغسل أطراف أصابعه) التي أكل بها، (ثم قام، فصلى الحديث، رواه أحمد) بن حنبل، (ورواه) أي: الحديث، لا بقيد صحابيه، أي: روى مثله، وإلاّ فهي قصة أخرى لاختلاف المخرج المناول (الدارمي،) عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام السمرقندي، أبو محمد، الحافظ، صاحب المسند، ثقة، فاضل، متقن، شيخ مسلم، (والترمذي) وأبي داود، مات سنة خمس وسبعين ومائتين، وله أربع وسبعون، (و) تلميذه الترمذي في الجامع والشمائل، (عن أبي عبيد،) مولى النبي عَةٍ، ذكره الحاكم أبو أحمد، فيمن لم يعرف اسمه من الصحابة، هكذا في نسخ المصنف أبي عبيد، بلا هاء، على المعروف، ولعله الواقع عند الدارمي، وإلاّ فالذي في الترمذي أبي عبيدة، بها قال الحافظ العراقي: هكذا في أصل سماعنا من كتاب الشمائل، أبي عبيدة، بزيادة تاء التأنيث. وهكذا ذكره المؤلف في الجامع، والمعروف أنه أبو عبيد، بلا تاء، وهكذا هو في بعض نسخ الشمائل، وهكذا ذكره المزي في الأطراف، (بلفظ،) قال: (طبخت،) أي: أنضجت، (له) اختصار لقوله للنبي (عَّ قدرًا،) أي: شاة في قدر، يقال طبخت اللحم طبخًا، أنضجته، قاله الأزهري: ومن ثم قال: بعضهم، لا يسمى طبيخًا فعيلاً، بمعنى مفعول إلّ إذا كان بمرق، ويكون ١٧٦ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب وكان يعجبه الذراع، فناولته الذراع، ثم قال: ناولني الذراع، فقلت يا رسول الله وكم للشاة من ذراع؟ فقال: والذي نفسي بيده لو سكت لناولتني الذراع ما دعوت. وقالت عائشة: وكان الذراع أحب إليه، وكان لا يأكل اللحم إلا غبًا، وكان یعجل إليها لأنها أعجل نضجًا، الطبخ في غير اللحم أيضًا، فيقال خبزة جيدة الطبخ؛ كما في الصحاح وغيره. (وكان يعجبه الذراع، فناولته الذراع) بلا طلب، لعلمه أنه يعجبه، وذلك لا ينافي طلبه في حديث أبي رافع، لأنهما قصتان؛ (ثم قال: ناولني الذراع،) فناولته الذراع، ثم قال: ناولني الذراع، (فقلت: يا رسول اللَّه، وكم للشاة من ذراع؟) استفهام استبعاد، أو تعجب من طلبه لا إنكار، إذ لا يليق به، ويحتمل حقيقة الاستفهام، أي: كم لها من ذراع، معجزة للرسول، لكنه بعيد إلاَّ أن الجواب منطبق عليه، (فقال: والذي نفسي،) أي: روحي، أو جسدي، أو هما (بيده))) بقوته وقدرته وإرادته، إن شاء أبقاه، وإن شاء أفناه، وكان يقسم به كثيرًا، والظاهر أنه يريد به؛ أن ذاته منقادة له، لا يفعل إلاَّ ما يريد، (لو سكت) عما قلت (لناولتني الذراع ما دعوت) أي: مدة طلبه منك، لأنه يخلق اللَّه معجزة لي، لكنك لم تسكت، فمنعت رؤية تلك المعجزة التي فيها نوع تشريف لمشاهدها، لأنه لا يليق إلاّ بكامل التسليم الذي لا یستفهم، ولا یتعجب، ولا يستبعد، بأن يناول بأناة وسعة صدر وحياء، حتى ينظر ماذا يكون، وقيل: منع رؤيتها لاشتغاله عَّةٍ عن التوجه إلى ربه في إيجادها بالتوجه إلى جوابه. (وقالت عائشة: كان الذراع أحب إليه))) قال الحافظ: الزين العراقي، كذا وقع في أصل سماعنا من جامع الترمذي بالإِثبات، ووقع في أصل سماعنا من الشمائل، ما كان الذراع أحب إلى رسول اللَّه عَّه بحرف النفي؛ وهو الصواب، وإسقاطه ليس بجيد، إذ لا يناسبه الاستدراك بقولها، (و) لكنه (كان لا يأكل اللحم إلاَّ غبًا)، فهو إما سقط من بعض الرواة؛ أو أصلحه بعض المتجاسرين ليناسب بقية الأحاديث، في كون الذراع كانت تعجبه، أي: غافلاً عن الاستدارك، فإنه ثابت في الرواية، وإن سقط من قلم المصنف، وقوله غبًا، بالكسر، أي: بعد أيام، لما في الصحيحين عنها كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارًا، إنما هو التمر والماء، (وكان يعجل إليها، لأنها أعجل) في رواية أعجلها، أي: أعجل اللحوم، (نضجًا،) فالمرجع مذكور ضمنًا، لأن نفي وجدان اللحم على العموم يتضمن ذكر اللحوم، ومعنى الحديث أن الذراع ما كان أحب إليه، وإنما يعجل حين طبخ اللحم إليه لسرعة نضجه، لكونه كان لا يجد اللحم إلاَّ غبًا، قال الحافظ العراقي: وليس فيه منافاة لبقية الأحاديث، أنه كان يعجبه الذراع، إذ يجوز أن يعجبه، وليست ١٧٧ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب رواه الترمذي. وكذلك كان يحب لحم الرقبة. فعن ضباعة بنت الزبير أنها ذبحت في بيتها شاة، فأرسل رسول الله عَّ له أن أطعمينا من شاتكم، فقالت: ما بقي عندنا إلا الرقبة، وإني لأستحي أن أرسل بها إلى النبي عَّه. فرجع الرسول فأخبره بقولها، فقال: ارجع إليها فقل لها: أرسلي بها فإنها هادية الشاة وأقرب الشاة إلى الخير وأبعدها عن الأذى رواه. ولا ريب أن أخف لحم الشاة لحم الرقبة ولحم الذراع والعضد، وهو أخف على المعدة وأسرع انهضامًا، وفي هذا أنه بأحب اللحم إليه، ويؤيده تصريحه في الحديث الآخر، إن أطيب اللحم لحم الظهر. وقال غيره: هذا بحسب فهم عائشة، والذي دلت عليه الأخبار، أنه كان يحبه محبة طبيعية، هبه فقد اللحم أولاً، ولا محذور فيه، لأنه من كمال الخلقة؛ والمحذور المنافي للكمال عناء النفس في تحصيله، وتأثرها لفقده، وتعقب بأن نسبة قصور الفهم إلى عائشة لا تليق. (رواه الترمذي) في الجامع والشمائل، بإسناد فيه مقال، (وكذلك كان يحب لحم الرقبة،) وفي رواية الكتف، وأخرى لحم الذراع، والكتف، وأخرى الظهر، والجمع إنه كان يحب ذلك كله، وربما قدم بعضها على بعض في بعض الأحيان، فأخبر كل راوٍ عما رآه يتعطاه، (فعن ضباعة)، بمعجمة مضمومة، فموحدة، فألف، فمهملة، فتاء تأنيث، (بنت الزبير) بن عبد المطلب الهاشمية، بنت عمه عَّةٍ، زوج المقداد بن الأسود، وولدت له عبد اللَّه، وكريمة، وليس للزبير عقب إلاَّ منها، روت عن النبي عَّه، وعن زوجها، وعنها ابن عباس، وعائشة، وبنتها كريمة وآخرون: (إنها ذبحت في بيتها شاة، فأرسل رسول اللَّه عَلَّ؛ أن أطعمينا من شاتكم) يا أهل البيت، أو قصد تعظيمها؛ وإلاّ فالقياس من شاتك، (فقالت: ما بقي عندنا إلاّ الرقبة، وإني لأستحي أن أرسل بها إلى النبي عَدٍ،) لحقارتها عند العرب، لكثرة عظمها قال: أم الحليس لعجوز شهر به ترضى من اللحم بعظم الرقبة (فرجع الرسول، فأخبره بقولها، فقال: ((ارجع إليها، فقل لها أرسلي بها،) ولا تستحي إذ هي عظيمة فيها منافع، (فإنها هادية الشاة، وأقرب الشاة إلى الخير، وأبعدها عن الأذى))،) البول والرجيع، ولذا قيل أنها أفضل الشاة، والأصح أن الأفضل الذراع، (رواه)،) كذا في نسخ، وبعده بياض، وقد رواه الإمام أحمد، والنسائي، والبيهقي، (ولا ريب إن أخف لحم الشاة لحم الرقبة، ولحم الذراع، والعضد، وهو أخف على المعدة، وأسرع انهضامًا، وفي هذا) دليل على (أنه ١٧٨ النوع الأول في عيشه عَّةٍ في المأكل والمشرب ينبغي مراعاة الأغذية التي تجمع ثلاث خواص: أحدها: كثرة نفعها وتأثيرها في القوى، ثانيها: خفتها على المعدة وسرعة انحدارها عنها، ثالثها: سرعة هضمها، وهذا أفضل ما يكون من الغذاء. وقال عليه الصلاة والسلام: أطيب اللحم لحم الظهر، رواه الترمذي. وأما حديث أنه معَِّ كان يكره الكليتين لمكانهما من البول، فقال الحافظ العراقي رويناه في جزء من حديث أبي بكر محمد بن عبد الله بن الشخير من حديث ابن عباس پاسناد فيه ضعف. ينبغي مراعاة الأغذية، التي يجمع ثلاث خواص أحدها كثرة نفعها، وتأثيرها في القوى،) تفسير للنفع، (ثانيها خفتها على المعدة، وسرة انحدارها عنها، ثالثها سرعة هضمها، وهذا أفضل ما يكون من الغذاء،) لاشتماله على النفع، وعدم الضرر، (وقال عليه الصلاة والسلام أطيب اللحم،) أي: ألذه وأحسنه، (لحم الظهر،) وقيل من الطيب، أي: الظاهر لبعده عن الأذى، ورد؛ بأن بعض الأعضاء كذلك، بل أبعد من الطيب، بمعنى الحل، ورد؛ بأنه لم يجيء، بمعنى الحل نعم اشتهر الطيب في الحلال والتفضيل نسبي إضافي، أو من مقدرة، أي: من أطيب، فلا ينافي أن الذراع أطيب منه، ومن الرقبة، قال الحافظ العراقي: وتفضيل لحم الرقبة في الحديث السابق ونحوه، لا يقتضي تفضيله على لحم الظهر، ولا على لحم الذراع، وإنما فيه مدحه بالأوصاف المتقدمة أي: وحده؛ إنما فيه فضيلته لا أفضليته على غيره، قال: ويجوز أن يكون صَّةٍ قال ذلك جبرًا لمن أخبره، أنه ليس عنده إلاّ الرقبة، فمدحه بما هو صادق عليها، كما قال: نعم الآدام الخل، حيث طلب آدامًا، فلم يجد عندهم إلاَّ الخل. (رواه الترمذي))) والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، والحاكم، والبيهقي، كلهم من حديث عبد الله بن جعفر، (وأما حديث أنه عَّ كان يكره الكليتين،) تثنية كلية: الأحشاء معروفة، وبالواو لغة لأهل اليمن، وهما بضم الأول، ولا یکسر. قال الأزهري: الكليتان للإِنسان، ولكل حيوان، وهما منبت زرع الولد، (لمكانهما،) أي: قربهما (من البول،) لأنهما، كما في التهذيب لحمتان حمراوتان، لاصقتان بعظم الصلب، عند الخاصرتين، فهما محاورتان، لتكون البول، ولجمعه، فتعافهما النفس، ومع ذلك يحل أكلهما، (فقال الحافظ العراقي: رويناه في جزء) ابن السني، (من حديث أبي بكر محمد بن عبد اللَّه بن الشخير،) بكسر الشين، وتشديد الخاء المعجمتين، ابن عوف العامري، ربعي، وأبوه، صحابي من مسلمة الفتح، (من حديث ابن عباس بإسناد فيه ضعف). ١٧٩ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب وكان عليه الصلاة والسلام ينهش اللحم، أي يقبض عليه بفمه ويزيله من العظم أو غيره، وينتشله أي يقتلعه من المرق. والنهش بعد الانتشال. وفي البخاري: أنه عليه الصلاة والسلام احتز من كتف شاة في يده، فدعي إلي الصلاة، فألقاها والسكين التي يحتز بها، ثم قام إلى الصلاة، ولم يتوضأ. قال ابن بطال: هذا الحديث يرد حديث أبي وروى الطبراني عن ابن عمر، وابن عدي، والبيهقي عن ابن عباس: كان عَّ يكره من الشاة سبعًا: المرارة، والمثانة، والحياء، والذكر، والأنثيين، والغدة، والدم وكان أحب الشاة إليه مقدمها، وسنده ضعيف، كما قال العراقي: (وكان عليه الصلاة والسلام ينهش اللحم،) بسين مهملة، أو معجمة، (أي: يقبض عليه بفمه،) أي: أطراف أسنانه، (ويزيله من العظم، أو غيره،) وقيل هو بالمهملة ما ذكر، وبالمعجمة تناوله بجميع الأسنان، كذا في النهاية، وفي غيرها تناوله بالأضراس، وفي الفتح تناوله بمقدم الفم، (وينتشله،) بنون ساكنة، ففوقية، فشين معجمة، فلام، (أي: يقتلعه من المرق،) لا كفعل المترفين، (والنهش بعد الانتشال،) وفي الصحيحين، وغيرهما، عن أبي هريرة: أتى النبي ◌َّ بلحم، فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها، وبوب البخاري في الأطعمة باب النهش، وانتشال اللحم، وأورد فيه حديث ابن عباس: تعرق عَِّ كتبًا، ثم صلى، ولم يتوضأ، وفي رواية انتشل عَّ عرقًا من قدر، فأكل، ثم صلى، ولم يتوضأ، وتعرق كتفًا، أي: تناول اللحم الذي عليه بفمه، وهذا هو النهش، (وفي البخاري) في مواضع، منها الأطعمة من حديث عمرو بن أمية الضمري، (أنه عليه الصلاة والسلام اجتز،) بحاء مهملة، وزاي قطع، (من كتف،) بفتح الكاف، وكسر التاء، وبكسر الكاف، وسكون التاء (شاة في يده، فدعي،) بضم الدال. وفي النسائي عن أم سلمة، أن الذي دعاه بلال (إلى الصلاة، فألقاها و) ألقى (السكين التي يحتز بها،) وأخرج أصحاب السنن الثلاثة عن المغيرة ابن شعبة، بت عند رسول اللّه عَ لّه، وكان يحز لي من جنب، حتى أذن بلال، فطرح السكين، وقال: ((ماله تربت يداه))؟، (ثم قام إلى الصلاة، ولم يتوضأ،) ففيه أنه لا وضوء مما مسته النار، وقد كان الخلاف فيه معروفًا بين الصحابة، والتابعين، ثم استقر الأمر على أنه لا وضوء، لما في أبي داود، والنسائي، وصححه ابنا خزيمة، وحبان عن جابر، قال: كان آخر الأمرين من رسول اللَّه عَّ له ترك الوضوء مما مست النار، إلاّ أن أحمد قال: من أكل لحم إبل نيئًا، أو مطبوخًا، فعليه الوضوء. (قال ابن بطال: هذا الحديث) يدل على جواز قطع اللحم بالسكين، و (يرد حديث أبي ١٨٠ النوع الأول في عيشه عٍَّ في المأكل والمشرب معشر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رفعته: لا تقطعوا اللحم بالسكين فإنه من صنيع الأعاجم ونهشوه فإنه أهنا وأمراً. قال أبو داود هو حديث ليس بالقوي. قال الحافظ أبو الفضل العسقلاني رحمه الله تعالى، له شاهد من حديث صفوان بن أمية. أخرجه الترمذي بلفظ: انهشوا اللحم نهشًا، فإنه أهنا وأمرأ، وقال: لا نعرفه إلا من حديث عبد الكريم. انتهى. قال: وعبد الكريم هو أبو أمية بن أبي المخارق، ضعيف، لكن أخرجه ابن أبي عاصم من وجه آخر عن معشر) نجيح، بفتح النون وكسر الجيم فتحتية فمهملة، ابن عبد الرحمن السندي، بكسر المهملة، وسكون النون، الهاشمي، مولاهم المدني، صاحب المغازي، ضعيف أسن، واختلط روى له أصحاب السنن، ومات سنة سبعين ومائة، (عن هشام بن عروة بن الزبير، (عن أبيه، عن عائشة، رفعته: لا تقطعوا اللحم بالسكين، فإنه من صنيع الأعاجم ونهشوه،) بالسين أو الشين، (فإنه أهناً وأمرأ). (قال أبو داود) عقب روايته له: (هو حديث ليس بالقوى)، لأجل أبي معشر، فقد قال البخاري وغيره أنه منكر الحديث، ومن مناكيره حديث لا تقطعوا اللحم بالسكين، هذا، فلا حجة فيه، لكن (قال الحافظ أبو الفضل العسقلاني، رحمه اللَّه تعالى، له شاهد من حديث صفوان بن أمية، أخرجه الترمذي،) وأحمد، والحاكم، (بلفظ انهشوا اللحم نهشًا،) بشين معجمة فيهما، كما قال بعض الحفاظ، وضبطه العراقي، بمهملة فيهما، ولعلهما روايتان، وهما بمعنى عند الأصمعي، وبه جزم الجوهري، أي: أزيلوه عن العظم بالفم، قال العراقي والأمر للإِرشاد بدليل تعليله بقوله: (فإنه) أشهى و(أهناً وأمراً،) بالميم، وفي رواية وأبرأ، أي: من السوء، يقال: هنيء، الطعام يهنأ، فهو هنيء ومرأ فهو مرىء، وهو أن لا يثقل على المعدة، وينهضم عنها، وهنأني الطعام ومرأني، أي: ساغ لي، فإذا أفردوا قالوا: أمرأني، بألف، وفي الكشاف الهنيء والمريء صفتان، من هنؤ الطعام ومرؤ، إذا كان سائغًا، ما ينقبض، قيل الهنيء ما يلذ الآكل، والمريء ما تحمد عاقبته؛ وقيل هو ما ينساغ في مجراه، (وقال) الترمذي (لا نعرفه إلاَّ من حديث عبد الكريم انتھی). (قال) العسقلاني (وعبد الكريم: هو أبو أمية بن أبي المخارق)، بضم الميم، وبالخاء المعجمة، واسمه قيس، وقيل طارق البصري، نزيل مكة، (ضعيف،) مات سنة ست وعشرين ومائة، (لكن) قوله لا نعرفه تقصير، فقد (أخرجه ابن أبي عاصم،) في كتاب الأطعمة، (من وجه