النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
من طريق حميد بن هلال مرسلاً: كان مائة ألف، وأنه أرسل به العلاء بن الحضرمي
من خراج البحرين، قال: وهو أول مال حمل إليه عـ
وسايره جابر على حمل له، فقال عليه الصلاة والسلام: بعني جملك، فقال:
هو لك يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فقال: بل بعنيه، فباعه إياه وأمر بلالاً أن
ينقده ثمنه فنقده، ثم قال له عَّ: اذهب بالثمن والجمل بارك الله لك فيهما.
مكافأة لقوله: هو لك، فأعطاه الثمن
من طريق حميد بن هلال) العدوي، أبي نصر البصري، التابعي، الثقة، العالم، روى له الستة
(مرسلاً، كان) المال (مائة ألف) من الدراهم، (وأنه أرسل به العلاء بن الحضرمي من خراج
البحرين، قال: وهو أول مال حمل إليه عَّة(،) زاد في الفتح، وعند البخاري في المغازي من
حديث عمرو بن عوف، أن رسول اللَّه عَّ صالح أهل البحرين، وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي،
وبعث أبا عبيدة بن الجراح إليهم، فقدم أبو عبيدة بمال، فسمعت الأنصار بقدومه، الحديث،
فيستفاد منه تعيين الآتي المال، لكن في الردة للواقدي أن رسول العلاء ابن الحضرمي بالمال،
هو العلاء بن جارية الثقفي، فلعله كان رفيق أبي عبيدة.
وأما حديث جابر، ففي الصحيح أنه عَّةِ، قال له: لو جاء مال البحرين أعطيتك))، وفيه،
فلم يقدم مال البحرين حتى مات عَّه، فلا يعارض ما تقدم، بل المراد أنه قدم في السنة التي
مات فيها، لأنه كان مال خراج، أو جزية، فكان يقدم من سنة إلى سنة، (وسايره جابر بن عبد الله
في انصرافه من غزوة ذات الرقاع، كما رواه ابن إسحق عن جابر، وفي البخاري أن ذلك كان في
غزوة تبوك، وفي مسلم في غزوة الفتح، (على حمل له) كان قد أبطأ، فلا يكاد يسير، فأمره
بإناخته، ونخسه نخسات بعصا، وضربه برجله، ودعا، فوثب الجمل، فقال عَّةٍ: ((إركب))، فقال
جابر: إني أرضى أن يساق معنا، قال: (إركب))، فركبت، فوالذي نفسي بيده لقد رأيتني، وأنا
أكنه عنه عَّه، إرادة أن لا يسبقه، (فقال عليه الصلاة والسلام: (بعني جملك))، فقال: هو) هبة
(لك يا رسول اللَّه))) بلا ثمن قديتك، (بأبي أنت، وأمي،) أي: لو كان لي إلى الفداء سبيل
لفديتك بهما: (فقال: ((بل بعنيه)،) فلا أقبله هبة، (فباعه إياه) بأوقية، أو أربع، أو خمس، أو
خمسة دنانير، أو أربعة دنانير، أو دينارين ودرهمين روايات ذكرها البخاري، (وأمر بلالاً) بعدما
رجع إلى المدينة (أن ينقده،) بفتح الياء، وضم القاف على الأكثر، ويجوز ضم الياء، وكسر
القاف، ثمنه، (فنقده) ثمنه، وزاده عليه شيئًا يسيرًا، كما عند ابن إسحق، (ثم قال له عَّه:
(إذهب بالثمن والجمل، بارك اللَّه لك فيهما)))) قال ذلك (مكافأة لقوله هو لك، فأعطاه الثمن،

١٢٢
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
ورد عليه الجمل وزاده الدعاء بالبركة فيهما. وحديثه في البخاري ومسلم.
وقد كان جوده عليه الصلاة والسلام كله لله وفي ابتغاء مرضاته، فإنه كان
يبذل المال تارة لفقير أو لمحتاج وتارة ينفقه في سبيل الله، وتارة يتألف به على
الإسلام من يقوى الإسلام بإسلامه.
وكان يؤثر على نفسه وأولاده، فيعطي عطاء يعجز عند الملوك مثل كسرى
وقيصر، ويعيش في نفسه عيش الفقراء، فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في
بيته نار، وربما ربط الحجر على بطنه الشريفة من الجوع.
وكان ◌َّ لّه قد أتاه سبي، فشكت إليه فاطمة ما تلقى من خدمة البيت
وطلبت منه خادمًا يكفيها مؤنة بيتها، فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير
والتحمید،
ورد عليه الجمل، وزاده الدعاء بالبركة فيهما، وحديثه في البخاري) في عشرين موضعًا
(ومسلم،) وفي ذكره مع التكلم عليه طول يخرج عن المقصود، وقد تقدم إلمام ببعضه في ذات
الرقاع.
(وقد كان جوده عليه الصلاة والسلام كله لله، وفي ابتغاء مرضاته،) عطف تفسير،
وعلله، بقوله: (فإنه كان يبذل المال تارة الفقير، أو لمحتاج، وتارة ينفقه في سبيل اللّه،)
الجهاد، ونحوه، (وتارة يتألف به،) أي: يطلب به الإلفة (على الإِسلام من يقوي الإِسلام
بإسلامه؛) بأن يطلب دخوله فيه، ومحبته له، وتارة لإنقاذ المتألف من النار، وإن لم يقوِ الإِسلام
به، (وكان يؤثر) يقدم (على نفسه، وأولاده،) فيعطي ما بيده للمحتاج، ويتحمل المشقة هو
وعياله، (فيعطي عطاء يعجز،) بكسر الجيم، أفصح من فتحها، (عند الملوك) العظام، (مثل
كسرى) بكسر الكاف، وقد تفتح، (وقيصر) ملك الروم (ويعيش في نفسه عيش الفقراء فيأتي
عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار) كما ورد في الحديث (وربما ربط الحجر على بطنه
خلاف الظهر مذكر، وتأنيثه لغة حكاها أبو عبيدة، وعليها جرى قوله (الشريفة من الجوع).
(وكان عَّ، قد أتاه) قوم (سبى) وصف بالمصدر، (فشكت إليه) ابنته (فاطمة) رضي اللَّه
عنها (ما تلقى،) أي: المشقة التي تلقاها، (من خدمة البيت، وطلبت منه خادمًا،) يقع على
الأنثى، والذكر (يكفيها مؤنة بيتها،) من السبي، (فأمرها أن تستعين بالتسبيح،) أي: قول سبحان
اللَّه عند النوم ثلاثًا وثلاثين، (والتكبير،) أي: قول اللَّه أكبر كذلك، (والتحميد))) قول: الحمد لله

١٢٣
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
وقال: لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع.
وأتته امرأة ببردة
كذلك، (وقال: ((لا أعطيك) خادمًا من السبي، (وأدع أهل الصفة) الفقراء (تطوى بطونهم من
الجوع)»،) فمنع أحب أهله إليه شفقة على الفقراء، وهذا الحديث رواه أحمد، عن علي أنه قال
لفاطمة: لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقد جاء اللَّه أباك بسبي، فاذهبي، فاستخدميه،
فقالت: وأنا، والله لقد طحنت حتى مجلت يداي، فأنت رسول اللَّه عَ لَه، فقال: ((ما جاء بك أي
بنية)؟، قالت: جئت لأسلم عليك، واستحيت أن تسأله، ورجعت فقال: ((ما فعلت))؟، قالت:
أستحييت أن أسأله، فأتيا جميعًا النبي عَِّ، فقال علي: يا رسول اللَّه، لقد سنوت حتى اشتكيت
صدري.
وقالت فاطمة: لقد طحنت حتى مجلت يداي، وقد جاء اللَّه بسبي وسعة، فاخدمنا، فقال:
(واللَّه لا أعطيكم، وأدع أهل الصفة تطوي بطونهم من الجوع، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكن
أبيعهم، وأنفق عليهم أثمانهم))، فرجعا، فأتاهما النبي صَّله، وقد دخلا في قطيفتهما، إذا غطت
رؤسهما كشفت أقدامهما، وإذا غطت أقدامهما كشفت رؤوسهما، فثارا، فقال: مكانكما. ثم
قال: ((ألا أخبركما بخير مما سألتماني))؟، قالا: بلى. قال: ((كلمات علمنيهن جبريل: تسبحان
في دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدان عشرًا، وتكبران عشرًا، فإذا أويتما إلى فراشكما، فسبحا ثلاثًا
وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبرا أربعا وثلاثين.
ومجلت، بفتح الجيم، وكسرها، انقطعت من كثرة الطحن، والحديث في البخاري،
ومسلم عن علي؛ إن فاطمة شكت ما تلقى من أثر الرحى، فأتى النبي عَّةُ سبى، فانطلقت، فلم
تجده، فوجدت عائشة فأخبرتها، فلما جاء النبي عَّ أخبرته عائشة بمجيء فاطمة، فجاء
النبي عَّةٍ إلينا، وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبت لأقوم، فقال: ((على مكانكما))، فقعد بيننا حتى
وجدت برد قدميه على صدري، وقال: ((ألا أعلمكما خيرًا مما سألتماني، إذا أخذتما مضاجعكما
من الليل، تكبران ثلاثًا وثلاثين، تسبحان ثلاثًا وثلاثين، وتحمدان ثلاثًا وثلاثين، فهو خير لكما
من خادم.
قال القاضي عياض: معنى الخيرية أن عمل الآخرة أفضل من أمور الدنيا، وقال ابن تيمية:
فيه أن من واظب على هذا الذكر عند النوم، ولم يصبه إعياء، لأن فاطمة شكت التعب من
العمل، فأحالها عليه، (وأنته امرأة).
قال الحافظ: لم أقف على اسمها (ببرده) منسوجة فيها حاشيتها، كما في البخاري،
مرفوع بمنسوجة، لأن اسم المفعول يعمل عمل فعله، كاسم الفاعل، قال الداودي: يعني أنها لم

١٢٤
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
فقالت: يا رسول الله أكسوك هذه، فأخذها النبي ◌َِّ محتاجًا إليه فلبسها، فرآها
عليه رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله ما أحسن هذه فاكسنيها فقال
نعم، فلما قام معٍَّ لامه
تقطع من ثوب، فتكون بلا حاشية، وقال: غيره حاشية الثوب هديه، وكأنه أراد أنها جديدة لم
يقطع هدبها، ولم تلبس، وقال القزاز: حاشيتا الثوب ناحيتاه اللتان في طرفيهما الهدب، ولفظ
البخاري في الأدب جاءت امرأة ببردة، فقال: سهل للقوم أتدرون ما البردة، قالوا: الشملة قال
سهل: هي شملة منسوجة فيها حاشيتها، (فقالت: يا رسول اللَّه أكسوك هذه؟،) وفي رواية
الجنائز، قال: نعم قالت: قد نسجتها بيدي، فجئت لأكسوكها.
قال الحافظ: وتفسير البردة بالشملة تجوز، لأن البردة كساء والشملة ما اشتمل به، فهي
أعم، لكن لما كان أكثر اشتمالهم، بها أطلقوا عليها اسمها، (فأخذها النبي عَِّ محتاجًا إليها،)
كأنهم عرفوا ذلك بقرينة حال، أو تقدم قول صريح، (فلبسها) لفظ الأدب، وفي رواية الجنائز،
فخرج إلينا، وأنها إزاره، ولابن ماجه.
فخرج إلينا فيها، وللطبراني، فأتزر بها، ثم خرج، (فرآها عليه رجل من الصحابة،) أفاد
المحب الطبري في الأحكام أنه عبد الرحمن بن عوف، وعزاه للطبراني، ولم أره في المعجم
الكبير، لا في مسند سهل، ولا في مسند عبد الرحمن، وقد أخرج الطبراني الحديث.
وقال في آخره قال قتيبة: هو سعد بن أبي وقاص، وأخرجه البخاري في اللباس، والنسائي
في الزينة عن قتيبة، ولم يذكرا عنه ذلك، ورواه ابن ماجه.
وقال فيه: فجاء رجل سماه يومئذٍ، وهو دال على أن الراوي ربما سماه، وفي رواية أخرى
للطبراني، من طريق زمعة بن صالح عن أبي حازم عن سهل، أن السائل المذكور أعرابي، فلو لم
يكن زمعة ضعيفًا، لانتفى أن يكون هو عبد الرحمن بن عوف، أو سعد بن أبي وقاص، أو يقال:
تعددت القصة على ما فيه من بعد، وقول شيخنا ابن الملقن أنه سهل ابن سعد غلط، التبس عليه
اسم القائل باسم الراوي، قاله الحافظ، (فقال: يا رسول اللَّه ما أحسن،) بنصبه تعجبًا، (هذه)
البردة (فاسكنيها)، لفظ الأدب ولفظ الجنائز عقب أنها إزاره فحسنها، فلان، فقال: اكسنيها ما
أحسنها.
قال الحافظ: فحسنها كذا، في جميع الروايات هنا، أي: في الجنائز. بمهملتين. من
التحسين، وللبخاري، وفي اللباس، فجسها، بجيم، بلا نون، وكذا للطبراني، والإسلمعيلي من
طريق آخر، (فقال عَّهُ: ((نعم))) اكسوكها، وللبخاري في اللباس، فجلس ما شاء اللَّه في
المجلس، ثم رجع، فطواها، فأرسل بها إليه، (فلما قام عَِّ لامه)، أي: السائل، (أصحابه،

١٢٥
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
أصحابه، وقالوا: ما أحسنت حين رأيت النبي عَِّ أخذها محتاجًا إليها ثم سألته
إياها، وقد عرفت أنه لا يسأل شيئًا فيمنعه. رواه البخاري من حديث سهل بن
سعد.
وفي رواية ابن ماجه والطبراني قال: نعم. فلما دخل طواها وأرسل بها إليه.
وأفاد الطبراني في رواية زمعة بن صالح أنه عَِّ أمر أن يصنع له غيرها
فمات قبل أن يفرغ منها.
وفي هذا الحديث من الفوائد: حسن خلقه عَِّ وسعة جوده.
واستنبط منه السادة الصوفية: جواز استدعاء المريد خرقة التصوّف من
وقالوا: ما) نافية (أحسنت حين رأيت النبي عَّ أخذها).
وفي رواية لبسها (محتاجًا إليها، ثم سألته إياها، وقد عرفت أنه لا يسأل شيئًا، فيمنعه،)
وفي رواية لا يرد سائلاً بقيته في البخاري، فقال: رجوت بركتها حينٍ لبسها النبي عَّه، لعلي
أكفن فيها، وفي رواية للبخاري أيضًا، فقال الرجل: واللَّه ما سألتها إلاَّ لتكون كفني يوم أموت،
قال سهل: فكانت كفنه، وبين في رواية الطبراني المعاتب له من الصحابة، ولفظه قال سهل:
فقلت للرجل لم سألته، وقد رأيت حاجته إليها، فقال: رأيت ما رأيتم، ولكني أردت أن أخبأها
حتى أكفن فيها، وفي رواية الباري في الجنائز، قال: والله إني ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون
كفني، قال: سهل فكانت كفنه، (رواه البخاري،) في الجنائز، والبيوع، والأُدب، واللباس، (من
حديث سهل بن سعد) الساعدي.
(وفي رواية ابن ماجه، والطبراني، قال: نعم) أكسوكها، (فلما دخل طواها، وأرسل بها
إليه،) وكذا البخاري في اللباس، بعد قوله قال: ((نعم))، وقيل قوله، فلما قام، وإنما أوقع المصنف
أنه نقل هذا من الفتح، في الجنائز مع أنه؛ إنما صدر بعزوه لهما لقوله من هذا الوجه، أي: الذي
أخرجه منه البخاري في الجنائز، وقال عقبة: وهو للمصنف، أي: البخاري في اللباس، من طريق
يعقوب بن عبد الرحمن، بلفظ، فقال: نعم، فجلس ما شاء اللَّه في المجلس، ثم رجع، فطواها،
ثم أرسل بها إليه، (وأفاد الطبراني في رواية زمعة،) بسكون الميم، (ابن صالح،) الجندي، بضم
الجيم، والنون، اليماني نزيل مكة ضعيف من السادسة، أي: في روايته، من طريق زمعة، عن أبي
حازم، عن سهل بن سعد، (أنه عَّةٍ أمر أن يصنع له غيرها،) يحتمل بناؤه للفاعل، فالمأمور
بالصنع من دفعت إليه البردة، أو للمفعول، فالصانع المرأة، أو غيرها، (فمات قبل أن يفرغ منها)
عَّةٍ، (وفي هذا الحديث من الفوائد حسن خلقه معَّله. وسعة جوده،) وقبوله الهدية، وغير ذلك،
(واستنبط منه السادة الصوفية، جواز استدعاء المريد خرقة التصوف، من المشايخ تبركًا بهم،

١٢٦
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
المشايخ تبركًا بهم وبلباسهم، كما استدلوا لإلباس الشيخ للمريد بحديث أنه عَّه.
ألبس أم خالد خميصة سوداء ذات علم. رواه البخاري.
لكن قال شيخنا: ما يذكرونه من أن الحسن البصري لبسها من علي بن أبي
طالب، فقال ابن دحية وابن الصلاح: إنه باطل، وقال شيخ الإسلام الحافظ بن
حجر ليس في شىء من طرقها ما يثبت، ولم يرد في خبر صحيح ولا حسن ولا
ضعيف أنه عَّةِ ألبس الخرقة على الصورة المتعارفة بين الصوفية لأحد من
أصحابه، ولا أمر أحدًا من أصحابه بفعلها، وكل ما يروى صريحًا في ذلك فباطل.
قال: ثم إن من الكذب
وبلباسهم، كما استدلوا لإلباس الشيخ للمريد، بحديث أنه عٍَّ ألبس أم خالد) أمة، بفتح
الهمزة، والميم، بنت خالد بن سعيد بن العاصي، القرشية الأموية، ولأبويها صحبة، وكانا ممن
هاجر إلى الحبشة وولدت بها، وقدما بها، وهي صغيرة، وتزوجها الزبير بن العوام، فولدت منه
خالدًا، وبه تكنى، وعمرت لحقها موسى بن عقبة (خميصة سوداء،) بفتح الخاء المعجمة، وكسر
الميم، وسكون التحتية، فصاد مهملة، ثوب من حرير، أو ثوب معلم، أو كساء مربع له علمًا، أو
كساء رقيق من، أي: لون كان، أو لا يكون خميصة إلاّ إذا كانت سوداء معلمة.
ذكره المصنف (ذات علم، رواه البخاري) في مواضع عن أم خالد أتى النبي عَّه، بثياب
فيها خميصة سوداء صغيرة، فقال: من ترون نكسو الخميصة؟، فسكت القوم، قال: ((ائتوني بأم
خالد»، فأتى بها تحمل، فأخذ الخميصة بيده، فألبسها، وقال: ((أبلي وأخلقي، وكان فيها علم
أخضر، أو أصفر، فقال: أم خالد هذا سناه، وسناه، بالحبشة حسن، وهو بفتح السين المهملة،
والنون، فألف، فهاء ساكنة، فكلمها عليه السلام بلغة الحبشة لولادتها بها، وفي رواية له عنها
أتيت رسول اللَّه عَ لَّه مع أبي، وعليّ قميص أصفر، قال عَ له: سنّه سنّه، فذهبت ألعب بخاتم
النبوة، فزبرني أبي، فقال عَّ: دعها أبلى، وأخلقي أبلى، وأخلقي، أبلي، وأخلقي، قال ابن
المبارك: فبقيت حتى ذكر، أي: الراوي وزمنًا طويلاً، أي: طال عمرها بدعائه عَّله، (لكن قال
شيخنا) السخاوي: (ما يذكرونه،) أي: الصوفية، (من أن الحسن البصري لبسها من علي بن أبي
طالب، فقال ابن دحية، وابن الصلاح: أنه باطل، وقال شيخ الإِسلام الحافظ بن حجر: ليس في
شيء من طرقها ما يثبت، ولم يرد في خبر صحيح، ولا حسن، ولا ضعيف، أنه معَِّ ألبس
الخرقة على الصورة المتعارفة بين الصوفية، لأحد من أصحابه، ولا أمر أحدًا من أصحابه
بفعلها، وكل ما يروى صريحًا في ذلك فباطل، قال:) أي: الحافظ: (ثم إن من الكذب المفترى

١٢٧
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
المفترى قول من قال: إن عليًا ألبس الخرقة الحسن البصري، فإن أئمة الحديث
لم يثبتوا للحسن من على سماعًا فضلاً عن أن يلبسه الخرقة.
وكذا قال الدمياطي والذهبي والعلائي ومغلطاي والعراقي والأبناسي والحلبي
وغيرهم مع كون جماعة منهم لبسوها وألبسوها تشبهًا بالقوم،
قول من قال: إن عليًا ألبس الخرقة الحسن البصري، فإن أئمة الحديث،) أي: جمهورهم، (لم
يثبتوا للحسن من علي سماعًا فضلاً عن أن يلبسه الخرقة).
قال السخاوي: ولم ينفرد شيخنا يعني الحافظ بذلك، بل سبقه إليه جماعة حتى ممن
لبسها، وألبسها، كالدمياطي، والذهبي إلخ ... ، فاختصره المصنف، فقال: (وكذا قال الدمياطي،
والذهبي، والعلائي، ومغلطاي، والعراقي، والأبناسي،) بفتح الهمزة، وسكون الموحدة، بعدها
نون، ثم سين مهملة، نسبة إلى إبناس، قرية صغيرة بالوجه البحري من أرض مصر، منها العلامة
البرهان إبراهيم بن موسى بن موسى، بن أيوب الشافعي الورع الزاهد المحقق، شيخ الشيوخ بمصر
ولد سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وصنف، وأخذ عن الأسنوي وغيره، وولي مشيخة سعيد
السعداء، وعين لقضاء الشافعية، فاحتفى، وكان مشهورًا بالصلاح تقرأ عليه الجن، مات سنة
اثنتين وثمانمائة راجعًا من الحج، ودفن بعيون القصب، وليس ضبطه في الأنساب للسيوطي، كما
زعم، (والحلبي) الحافظ برهان الدين صاحب النور، والمقتفي، وشرح البخاري، وغير ذلك،
(وغيرهم،) کالھکاري، وابن الملقن، وابن ناصر الدين، وتكلم عليها في جزء مفرد، (مع كون
جماعة منهم لبسوها، وألبسوها، تشبهًا بالقوم) إلى هنا كلام شيخه السخاوي، وللحافظ السيوطي
مؤلف سماه إتحاف الفرقة برفو الخرقة، ذكر فيه أن جمعًا من الحفاظ أثبتوا سماع الحسن من
علي، والحافظ ضياء الدين في المختارة رجحه، وتعبه الحافظ في أطرافها، وهو الراجح عندي
لقاعدة الأصول أن المثبت مقدم على النافي، لأن معه زيادة علم، ولأن الحسن ولد اتفاقًا لسنتين
بقيتا من خلافة عمر، وكانت أمه خيرة مولاة أم سلمة، فكانت أم سلمة تخرجه إلى الصحابة،
فيباركون عليه، وأخرجته إلى عمر، فدعا له، فقال: اللهم فقهه في الدين، وحببه إلى الناس،
أخرجه العسكري بسنده، وذكر المزي أنه حضر يوم الدار، وله أربع عشرة سنة، ومعلوم أنه من
حين بلغ سبع سنين أمر بالصلاة، فكان يحضر الجماعة، ويصلي خلف عثمن، حتى قتل، ولم
يخرج عليّ للكوفة إلاّ بعد قتله، فكيف ينكر سماع الحسن منه، وهو كل يوم يجتمع به خمس
مرات، من حين ميز إلى أن بلغ أربع عشرة سنة، وقد كان علي يزور أمهات المؤمنين، ومنهم أم
سلمة، والحسن في بيتها هو، وأمه، وقد ورد عن الحسن ما يدل على سماعه منه، روى المزي

١٢٨
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
نعم ورد لبسهم لها مع الصحبة المتصلة إلى كهيل بن زياد، وهو صحب علي بن
أبي طالب من غير خلف في صحبته له بين أئمة الجرح والتعديل.
وفي بعض الطرق اتصالها بأويس القرني، وهو اجتمع بعمر بن الخطاب
وعلي بن أبي طالب. وهذه صحبة لا مطعن فيها، وكثير من السادة يكتفي بمجرد
٠
الصحبة
من طريق أبي نعيم أن يونس بن عبيد قال الحسن: إنك تقول: قال رسول اللَّه عَلّه، ولم تذكره
قال: يا ابن أخي لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك،
أني في زمان، كما ترى، وكان في عمل الحجاج كل شىء، سمعتني أقول قال:
رسول اللَّه عَّه، فهو عن علي غير أني لا أستطيع أن أذكر عليًا.
ثم ذكر ما أخرجه الحفاظ من رواية الحسن عن علي، فبلغ عشرة أحاديث ساقها، وذكر في
خلالها قول ابن المديني، الحسن رأى عليًا بالمدينة، وهو غلام، وقال أبو زرعة: كان الحسن
البصري يوم بويع علي ابن أربع عشرة سنة، ورأى عليًا بالمدينة، وقال: رأيت الزبير. [بايع] عليًا، ثم
خرج إلى الكوفة والبصرة، ولم يلقه الحسن بعد ذلك، ففي هذا القدر كفاية، ويحمل قول النافي
على ما بعد خروج علي من المدينة، وروى أبو يعلى حدثنا جويرية بن أشرس، قال: أخبرنا عقبة بن
أبي الصهباء الباهلي، قال: سمعت الحسن يقول. سمعت عليًا يقول: قال رسول اللَّه عَله: مثل أمتي
مثل المطر الحديث.
قال الحافظ: في تهذيب التهذيب، قال محمد بن الحسن الصيرفي، شيخ شيوخنا هذا نص
في سماع الحسن من علي، ورجاله، ثقات، انتهى ملخصًا.
وليس في [ذاك الرفع] كله إثبات الدعوى، أن عليًا ألبس الحسن الخرقة على متعارف
الصوفية، وكذا قول المصنف (نعم ورد لبسهم لها، مع الصحبة المتصلة إلى كهيل،) بضم
الكاف، وفتح الهاء، (ابن زياد) النخيع، ثقة رمي بالتشيع، وكان شريفًا مطاعًا في قومه.
قال خليفة: قتله الحجاج سنة اثنتي وثمانين، وحكى ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين مات
كهيل سنة ثمان وثمانين، وهو ابن سبعين سنة، روى له النسائي، (وهو صحب علي بن أبي
طالب،) وروى عنه وعن عمر، وعثمن، وابن مسعود، وأبي مسعود، وأبي هريرة وروى عنه
الأعمش، وأبو إسحق السبيعي، وغيرهما (من غير خلف في صحبته له بين أئمة الجرح
والتعديل،) لا دلالة فيه على الدعوى، وهو أن عليًا ألبسها كهيلاً، إنما هو احتمال، ولا تقوم به
حجة، (وفي بعض الطرق) للخرقة، (اتصالها بأويس) بن عامر (القرني)، بفتحتين، خير التابعين،
(وهو اجتمع بعمر بن الخطاب، وعلي ابن أبي طالب، وهذه صحبة لا مطعن فيها،) لكن لا تدل
على الدعوى نصّا إنما هو احتمال، (وكثير من السادة) الصوفية (يكتفي بمجرد الصحبة،

١٢٩
الفصل الثالث فيما تدعو ضرورته إليه من غذائه
كالشاذلي وشيخنا أبي إسحق المتبولي.
٠٫٠
وكان يوسف العجمي يجمع بين تلقين الذكر وأخذ العهود واللبس وله في
ذلك رسالته ريحان القلوب، قرأتها على ولد ولده العارف بالله تعالى المسلك
سيدي علي، مع إلباسه لى الخرقة والتلقين والعهد.
وللشيخ قطب الدين القسطلاني ((ارتقاء الرتبة في اللباس والصحبة)) ولله
تعالى يهدينا إلى سواء السبيل.
الفصل الثالث
فيما تدعو ضرورته إليه من غذائه وملبسه ومنكحه وما يلحق بذلك
وفيه أربعة أنواع:
كالشاذلي)، أمام الطريقة، (وشيخنا أبي إسحق) إبراهيم بن علي بن عمر الأنصاري (المتبولي)
الأحمدي الصوفي، كان ذا عقل راجح، وتمكن قوي من نفسه، فلا تحكم عليه الأعراض
النفسانية، وله معرفة تامة بالتربية، مع كون أميامات ذاهبًا إلى القدس بسدوس، وبها دفن سنة
نيف وثمانين وثمانمائة، (وكان يوسف) بن عبد الله بن عمر (العجمي)، أبو المحاسن الكرواني، ثم
المصري، المتجرد من الدنيا لا يبيت على معلوم، عرضت عليه الإِقطاعات، فأباها، وكان
أعجوبة زمانه، في التسلیك، وله أتباع، ومریدون کثیر.
(يجمع بين تلقين الذكر، وأخذ العهود، واللبس، وله في ذلك رسالته ريحان القلوب،
قرأتها على ولد ولده، العارف بالله تعالى المسلك سيدي علي مع إلباسه لي الخرقة، والتلقين
والعهد،) على طريق جده، (وللشيخ قطب الدين القسطلاني) كتاب (ارتقاء الرتبة في اللباس
والصحبة، والله تعالى يهدينا إلى سواء السبيل) الطريق السوي.
(الفصل الثالث:)
من المقصد الثالث: (فيما،) أي: أشياء (تدعو ضرورته:) حاجته الشديدة (إليه،) أي: الأشياء،
وأفرد الضمير رعاية للفظ ما، ويجوز تفسيره بشيء، فالإِفراد في محله، ولم يقل حاجته، للإِشارة لي أنه
لا يلتفت لدفع الحاجة، إلاّ إذا اشتدت، فإن خفت لم يلتفت لدفعها إلاّ بالنسبة ولا لأهله، ومقتضى
القاموس أن الحاجة أعم من الضرورة، (من غذائه،) بكسر الغين، والدال المعجمتين، والمد، ما به
نماء الجسم، وقوامه من طعام وشراب، (وملبسه،) بوزن مذهب ما يلبسه، (ومنکحه) ما ينكحه من
زوجة أو أمة، (وما يلحق بذلك) من كل هو محتاج إليه، كزيت وطيب، وفرش ومركوب، ووجه
إلحاقها شدة الاحتياج لها، كالغداء وتابعيه؛ (وفيه أربعة أنواع) من ظرفية الكل إلى إجرائه.

١٣٠
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
النوع الأول
في عيشه عَّةِ في المأكل والمشرب
اعلم أن تناول الطعام أصل كبير، يحتاج إلى علوم كثيرة، لاشتماله على
المصالح الدينية والدنيوية، وتعلق أثره بالقلب والقالب، وبه قوام البدن بإجراء سنة
الله تعالى بذلك، والقالب مركب القلب،
(النوع الأول)
(في عيشه،) أي: ما كان يتناوله من طعام وشراب، مدة حياته عَّهِ. قال: المجد، العيش،
الحياة والطعام، وما يعاش به، والخبز (في المأكل والمشرب،) بدل كل من كل بيان للمراد
من العيش، أي: لا غيره، مما يتعلق بالحياة من لبس ونحوه.
(اعلم أن تناول الطعام) لغة ما يؤكل، وربما خص بالبر، والمراد هنا ما يشمل الماء واللبن
وغيرهما، من مأكول ومشروب (أصل كبير،) شيء عظيم يهتم به، ويترتب عليه منافع كثيرة؛
وأصل كل شيء ما يستند إليه، فيسمى الأكل أصلاً، لأن به قوام البنية، فكأنها مستندة إليه،
(يحتاج إلى علوم كثيرة،) شرعية وطبية، (لاشتماله)،) أي: التناول (على المصالح الدينية،)
أي: استلزامه لها لأنه سبب في حصولها، فجعله مشتملاً عليها فيه تجوز، (والدنيوية، وتعلق أثره
بالقلب، والقالب،) بفتح اللام، أكثر من كسرها، والمراد بأثره، ما يحصل في القلب، والبدن من
الصحة والقوى، المحصلة لكل خير، (وبه،) أي: الطعام (قوام،) بفتح القاف، وكسرها، ويجوز
قلب الواو ياءه مع الكر، أي: صلاح (البدن،) ونموه، ودفع العاهات عنه، وذلك القوام إنما هو
(بإجراء ستة اللَّه تعالى،) طريقته (بذلك،) لا بذاته عند أهل السنّة، فيحصل الشبع، والريّ، بخلق
اللَّه ذلك عند حصولهما في الجوف، وقد يتخلف لمانع، فلا يقع ريّ، ولا شبع، ثم المراد
بالقلب العقل، نحو: ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب﴾، [ق/ ٣٧]، لا الشكل
الصنوبري، لقوله: (والقالب مركب القلب،) إذ القالب الهيكل المخصوص، والمضغة لا حكم لها
عليه، حتى يكون مركبًا لها، وإنما ذلك للعقل، وكان وجه تسمية الهيكل قالبًا، أنه لما كان ظرفًا
للقلب، أشبه المثال الذي تصب فيه الجواهر، هكذا قرر شيخنا، وحمله في الشرح على
المضغة، فقال: يعني المصنف، كان البدن مركوب للقلب يحركه كيف شاء، ومصداقه قوله
عَّهِ: ((ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد
كله، ألا وهي القلب)).
وذلك، لأنه مبدأ الحركات البدنية، والإرادات النفسانية، فإذا صدرت عنه إرادة صالحة

١٣١
النوع الأول في عيشه عٍَّ في المأكل والمشرب
وبهما عمارة الدنيا والآخرة، والقالب بمفرده على طبيعة الحيوانات يستعان به على
عمارة الدنيا، والروح والقلب على طبيعة الملائكة يستعان بهما على عمارة الآخرة،
وباجتماعهما يصلحان لعمارة الدارين.
قال الغزالي: ولا طريق إلى الوصول إلى اللقاء إلا بالعلم والعمل، ولا تمكن
المواظبة عليهما إلا بسلامة البدن، ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة والأقوات،
والتناول منها بقدر الحاجات، على تكرر الأوقات.
فمن هذا الوجه، قال بعض السلف الصالحين: إن الأکل من الدین،
.....
لسلامته، من الأمراض الباطنة، كحسد، وشح، وغل، وكبر، أو فاسدة لعدم سلامته من ذلك
تحرك البدن بتلك الحركة، فهو كالملك، والجسد، وأعضاؤه، كالرعية؛ يصلح بصلاح الملك،
وتفسد بفساده، ولذا كان (بهما عمارة الدنيا والآخرة،) وبين وجه هذا بقوله: (والقالب بمفرده
على طبيعة الحيوانات،) من حيث تركيب شهوة البطن والفرج، وغيرهما، من القوى البشرية
التي تكون سببًا للسفر والزراعة، وغيرهما مما (يستعان به على عمارة الدنيا،) فهذا سبب كون
القالب به عمارتها، (والروح والقلب على طبيعة الملائكة،) فيحملان على الطاعة، كصوم،
وصدقة، وصلة رحم، وغير ذلك من القربات، ويمنعان من الحرام، كزنا، وشرب، وبذلك (يستعان
بهما على عمارة الآخرة،) فهذا سبب كون القلب به عمارتها، (وباجتماعهما) القلب والقالب
(يصلحان لعمارة الدارين،) وليس ضمير اجتماعهما للروح والبدن، لقوله أولاً وبهما، أي: القلب
والقالب، عمارة الدنيا والآخرة.
(قال الغزالي، ولا طريق إلى الوصول إلى اللقاء) للّه تعالى بقربه منه قرب مكانة لإمكان،
بحيث يتجلى عليه بالرحمة والإِنعام في الآخرة، (إلاَّ بالعلم والعمل، ولا تمكن المواظبة عليهما
إلاّ بسلامة البدن، ولا تصفو سلامة البدن إلاَّ بالأطعمة والأقوات،) عطف خاص على عام، عطف
عليها، وفي نسخة منهما، فكأنه لما فرق، بالواو ثني الضمير، (والتناول منها بقدر الحاجات
على تكرر الأوقات،) لإِجراء اللَّه عادته بذلك، (فمن هذا الوجه، قال بعض السلف الصالحين:
إن الأكل،) بفتح، وسكون مصدر، أي: تناول ما يؤكل ويشرب (من الدين) الأحكام المشروعة،
فيكون واجبًا، ومستحبًا، وغيرهما، وقد قسمه صاحب الأحياء والمدخل سبعة أقسام، ما تقوم به
الحياة والزيادة حتى يصوم ويصلي من قيام، وهذان واجبان، وأن يزيد حتى يقوى على النوافل،
ويزيد حتى يقدر على التكسب، وهذان مستحبان، الخامس أن يملأ الثلث وهو جائز، السادس أن
يزيد على ذلك، فيثقل البدن، ويكثر النوم، وهذا مكروه، السابع أن يزيد حتى يتضرر، وهي البطنة
المنهي عنها وهذا حرام.

١٣٢
النوع الأول في عيشه عٍَّ في المأكل والمشرب
وعليه نبه رب العالمين بقوله، وهو أصدق القائلين: ﴿كلوا من الطيبات واعملوا
صالحًا﴾ [المؤمنون/ ٥١]، فمن تناول الأكل ليستعين به على العلم والعمل،
ويقوى به على التقوى فلا ينبغي أن يترك نفسه سدى، يسترسل في الأكل استرسال
البهائم في الرعي، فإنما هو ذريعة إلى الدين ووسيلة إليه، ينبغي أن تظهر أنوار
الدين عليه، وإنما نور الدين وآدابه
قال الحافظ: ويمكن دخول الثالث في الرابع والأول في الثاني، انتهى، ونظمها ابن العماد
في قوله:
والأكل أنواعه في سبعة حصرت في مدخل عدها خذها بلا جدل
فأول واجب حفظ الحياة فقط وثانها قم به للفرض واشتغل
وثالث سنة أدى نوافلها حال القيام فقم للفرض والنفل
يقيم صلب الفتى للكسب والعمل
ورابع شبع في الشرع قوته
جاءت إباحته عن سيد الرسل
وخامس شبع غشى به ثلثا
وسادس زائد جاءت كراهته وفعله جالب للنوم والكسل
وسابع بطنة تقضي إلى مرض فالنقل تحريمها واحذر من الدغل
(وعليه نبه رب العالمين بقوله، وهو أصدق القائلين:) ﴿يا أيها الرسل (كلوا من
الطيبات﴾) الآية، ما يستلذ من المباحات، أو الحلال الصافي القوام، فالحلال ما لا يعصى الله
تعالى فيه، والصافي ما لا ينسى اللَّه فيه، والقوام ما يمسك النفس، ويحفظ العقل، كما في
البيضاوي: (﴿واعملوا صالحًا﴾) من الفروض والنوافل، وقال عَّ له: (يا أيها الناس إن اللَّه طيب
لا يقبل إلاَّ طيبًا، وأن اللَّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يا أيها الرسل كلوا من
الطيبات واعملوا صالحًا﴾ [المؤمنون/٥١] الآية، وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾
[البقرة/١٧٢] الحديث رواه مسلم.
(فمن تناول الأكل، ليستعين به على العلم والعمل، ويقوي به على التقوى، فلا ينبغي أن
يترك نفسه سدى،) أي: مهملة، فلا يمنعها مما يضرها ويقصرها على ما ينفعها، (ويسترسل في
الأكل استرسال البهائم في الرعي،) فيكون كهي، (فإنما هو،) أي: الأكل (ذريعة،) وسيلة (إلى
الدين) الأحكام، أي: القيام به، فلما كان سببًا لإظهار جعل منه، (ووسيلة إليه،) عطف تفسير،
(ينبغي) لمتناوله (أن تظهر أنوار الدين عليه،) من القيام بأحكامه وإظهار شعائرها، أو معناه، حيث
كان من الدين، فيحسن أن تظهر علاماته عليه، فيستعين به على إظهار شعائره ومعالمه، (وإنما
نور الدين وآدابه،) عطف تفسير، والنور في الأصل كيفية تدركها الباصرة أولاً؛ وبواسطتها سائر

١٣٣
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
وسننه، التي يزم العبد بزمامها، ويلجم المتقي بلجامها، حتى يزن بميزان الشرع،
شهوة الطعام في إقدامها واحجامها، فتصير بسببها مدفعة للوزر ومجلبة للأجر.
واعلم أن الشبع بدعة ظهرت بعد القرن الأول، وقد روى النسائي وابن ماجه
وصححه الحاكم من حديث المقدام بن معد يكرب أن رسول الله عَ ◌ّم قال: ما ملأ
ابن آدم وعاء شرا من بطنه،
المبصرات، كالكيفية الفائضة من النيرين، أي: الشمس والقمر، على الأجرام الكثيفة، المحاذية
لهما، قاله البيضاوي، وهو بهذا المعنى لا تصح إضافته إلاَّ بتأويل، أن المحافظة على تجنب
الحرام من المأكل؛ والاقتصار على الحلال الخاص، مع مراعاة ما يكون سببًا للنشاط على
العبادة على وجهها، كتهجد ومكملات صلاة وصوم، تظهر به آثار الشرع، كظهور آثار النيرين
في العالم؛ فيهتدي بهما لتمييز الحسن من غيره، وسلوك الطرق المؤدية إلى ما ينتفع به.
(وسننه التي يزم العبد بزمامها،) أي: ينقاد إلى امتثال أوامره واجتناب نواهيه، بما بين من
الجزاء للمطيع والعاصي، فالنعيم المرتب على امتثال الأمر، والعقاب على النهي يمنع المكلف من
المخالفة، كما يمنع الزمم، وهو الخيط الذي يشد في البرة، ثم يشد في طرفه المقود للبعير،
ليمنعه من خروجه عن الاستقامة في السير، ويذلله للانقياد على حسب مراد صاحبه؛ (ويلجم
المتقي بلجامها حتى يزن بميزان الشرع) ما يريد فعله، بعرضه على قواعده، فما وافقها فعله،
وما خالفها تركه، فمفعول يزن محذوف قوله (شهوة الطعام،) بالرفع خبر، إنما نور الدين، بتقدير
مضاف، أي: مراعاة شهوة الطعام، بتناول الحلال وترك الحرام، بل ما فيه شبهة، ومن حيث القلة
والكثرة، ويدل على أن شهوة خبر قوله، حال كون ذلك (في إقدامها وإحجامها) امتناعها منه،
(فتصير بسببها مدفعة،) بالدال مصدر ميمي، أو بمعنى دافع (للوزر،) أي: الوقوع فيه، وفي نسخة
بالراء، أي: رافعًا له، (ومجلبة للأجر،) أي: تكون شهوة الطعام من حيث المحافظة فيها على
أكل الحلال وترك غيره، دافعة للوزر، جالبة للأجر، (واعلم أن الشبع بدعة ظهرت بعد القرن
الأول.
قال بعضهم: الشبع نهر في النفس يرده الشيطان، والجوع نهر في الروح ترده الملائكة،
(وقد روى النسائي، وابن ماجه،) والترمذي (وصححه الحاكم،) قال في الفتح: وإسناده حسن
(من حديث المقدام،) بالميم أوله وآخره، (ابن معد يكرب،) ابن عمر، والكندي صحب
النبي عَّةٍ وروى عنه أحاديث، ونزل حمص، ومات سنة سبع وثمانين على الصحيح، وهو ابن
إحدى وتسعين سنة؛ (أن رسول اللَّه عَّ، قال: ((ما ملأ ابن آدم))، وفي رواية آدمي («وعاء شرًا
من بطنه))،) لما فاته من الخير الكثير، حيث جعل بطنه، كالأوعية التي تجعل ظروفًا، توهيئًا

١٣٤
النوع الأول في عيشه عَُّ في المأكل والمشرب
حسب الآدمي لقيمات يقمن صلبه، فإن غلبت الآدمي نفسه فثلث للطعام وثلث
للشراب وثلث للنفس.
قال القرطبي في شرح ((الأسماء)) كما نقله شيخ الإسلام والحافظ بن حجر:
لو سمع بقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة.
وقال غيره: إنما خص الثلاثة بالذكر لأنها أسباب حياة
لشأنه، ثم جعله شرًّا لأوعية، لأنها تستعمل في غير ما هي له، والبطن خلق ليتقوم به الصلب
بالطعام، وامتلاؤه يفضي إلى إفساد الدين والدنيا، فيكون شرًا منها، ووجه ثبوت الوصف في
المفضل عليه، إن ملء الأوعية لا يخلو عن طمع، أو حرص؛ وكلاهما شر، والشبع يوقع في
مداحض، فيزيغ عن الحق، ويغلب عليه الكل، فيمنعه التعبد، وتكثر فيه مواد الفضول، فيكثر
غضبه وشهوته، ويزيد حرصه، فيطلب الزائد عن الحاجة.
(حسب الآدمي،) أي: يكفيه، وفي رواية حسب ابن آدم (لقيمات) جمع لقمة، فهو لما
دون العشرة، قاله الغزالي، وفي رواية أكلات، بفتح الهمزة، والكاف: جمع أكلة بالضم، وهي
اللقمة، أي: يكفيه هذا القدر في سد الرمق، وإمساك القوة، ولذا قال: (يقمن صلبه،) أي: ظهره،
تسمية للكل باسم جزئه إذ كل شيء من الظهر فيه فقار، فهو صلب، كناية عن أنه لا يتجاوز ما
يحفظه من السقوط، ويتقوى به على الطاعة، (فإن غلبت الآدمي نفسه،) وفي رواية، فإن كان
لا محالة؛ (فثلث للطعام وثلث) يجعله (للشراب،) أي: المشروب، (وثلث للنفس،) بفتحتين، في
رواية لطعامه، لشرابه لنفسه، بالضمير في الثلاثة، وهذا غاية ما اختير للأكل، وهو أنفع للبدن
والقلب، فإن البدن إذا امتلأ طعامًا ضاق عن الشراب، فإذا ورد عليه الشراب ضاق عن النفس،
وعرض الكرب والثقل وقسم إلى الثلاثة: لأن الإنسان فيه أرضى، ومائي، وهوائي، وترك الناري،
لأنه ليس في البدن جزء ناري، كما قاله جمع من الأطباء، قاله ابن القيم.
(قال القرطبي في شرح الأسماء) الحسنى، (كما نقله شيخ الإِسلام الحافظ بن حجر،)
في فتح الباري، وفي نسخة، والحافظ بزيادة واو على أنهما صفة لشخص واحد، وفي أخرى،
والحفاظ بالجمع، وهي ظاهرة: (لو سمع بقراط هذه القسمة؛ لعجب من هذه الحكمة،) لأنها
أرجع وأتم مما يتخيلونه في نفوسهم، إذ هو بالحدس والتخمين، وهذا ممن لا ينطق عن الهوى،
وقال الغزالي: ذكر هذا الحديث لبعض الفلاسفة، فقال: ما سمعت كلامًا في قلة الأكل أحكم
منه، (وقال غيره: إنما خص الثلاثة) الطعام، والشراب، والنفس (بالذكر، لأنها أسباب حياة

١٣٥
النوع الأول في عيشه عَّةٍ في المأكل والمشرب
الحيوان، ولأنه لا يدخل البطن سواها.
وهل المراد بالثلث المساوي على ظاهر الخبر، أو التقسيم إلى ثلاثة أقسام
متقاربة؟ محل احتمال.
وقد صح، المؤمن يأكل في معى واحد - بكسر الميم مقصور: المصارين -
والكافر يأكل في سبعة أمعاء وليست حقيقة العدد مرادة،
الحيوان؛) إذ لا بدّ له من الثلاثة، (ولأنه لا يدخل البطن سواها، وهل المراد بالثلث المساوي)
حقيقة (على ظاهر الخبر،) والطريق إليه غلبة الظن، (أو التقسيم إلى ثلاثة أقسام متقاربة،) وإن
لم يغلب ظنه بالثلث الحقيقي (محل احتمال).
قال الحافظ: والأول أولى، ويحتمل أنه لمح بذكر الثلث إلى قوله في الحديث الآخر،
والثلث کثیر، انتھی.
وقال غيره: أرجح الاحتمالين الأول إذ هو المتبادر، والثاني يحتاج لدليل، (وقد صح) في
الصحيحين، والمواطىء، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد من حديث ابن عمر وأحمد، والبخاري،
ومسلم، وابن ماجه من حديث أبي هريرة، ومسلم وابن ماجه من حديث أبي موسى، وأحمد،
ومسلم من حديث جابر؛ أن النبي عَّهِ، قال: ((المؤمن يأكل في معي واحد»») عدي بفي على
معنى دفع الأكل فيها، وجعلها مكانًا للمأكول، كقوله تعالى: ﴿إنما يأكلون في بطونهم نارًا﴾
[النساء/ ١٠] الآية، أي: ملء بطونهم، قاله المصنف: (بكسر الميم، مقصور،) كما إِقتصر عليه
شراح الحديث، كالحافظ والمصنف، والسيوطي وغيرهم أما لأنه الرواية، أو لأنه أشهر، كما في
المصباح، وإلاّ، ففيه، الفتح، والمد، وجمع المقصور، إمعاء، كعنب وأعناب، والممدود أمعية،
كحمار وأحمرة، (المصارين) صوابه المصير بوزن رغيف إذ المعي مفرد، ولا يصح الإخبار عنه
بالجمع، وجمع مصير مصران، كرغفان وجمعه مصارين، فهي جمع الجمع، أو في العبارة سقط،
وأصله والجمع إمعاء، وهي المصارين، كما عبر به هو في شرح البخاري، تبعًا لغيره، (والكافر
يأكل في سبعة أمعاء،) هذا بقية الحديث فصله بضبط معي، وتفسيره قال ابن عبد البرّ: ولا سبيل
إلى حمله على ظاهره، لأن المشاهدة تدفعه، فكم من كافر يكون أقل أكلاً وشربًا من مسلم،
وعكسه، وكم من كافر أسلم، فلم يتغير مقدار أكله وشربه؛ فاختلف في معناه على عشرة وجوه،
ذكر المصنف بعضها، فقال: (وليست حقيقة العدد مرادة،) بل المراد قلة أكل المؤمن، وكثرة
أكل الكافر، ويؤيده قوله تعالى: ﴿والذين كفروا يتمتعون ويأكلون، كما تأكل الأنعام﴾ [محمد/
١٢] الآية، والنار مثوى لهم.

١٣٦
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
وتخصيص السبعة للمبالغة في التكثير، والمعنى: أن المؤمن من شأنه التقلل في
المآكل لاشتغاله بأسباب العبادة ولعلمه بأن مقصود الشرع من الأكل ما سد
الجوع، ويعين على العبادة، ولخشيته أيضًا من حساب ما زاد على ذلك، والكافر
بخلاف ذلك.
وعند أهل التشريح أن أمعاء الإنسان سبعة؛ المعدة ثم ثلاثة أمعاء بعدها
متصلة بها: البوّاب ثم الصائم ثم الرقيق، والثلاثة رقاق، ثم الأعور والقولون
والمستقيم وطرفه الدبر، وكلها غلاظ، وقد نظمها زين الدين العراقي في قوله:
سبعة أمعاء لكل آدمي معدة بوابها مع صائم
ثم الرقيق أعور قولون مع المستقيم مسلك المطاعم
(وتخصيص السبعة للمبالغة في التكثير،) كقوله تعالى: ﴿والبحر يمده من بعده سبعة
أبحر﴾ [لقمان/ ٢٧] الآية، (والمعنى أن المؤمن من شأنه التقلل في المأكل، لاشتغاله بأسباب
العبادة،) فيشبع بالقليل، (ولعلمه بأن مقصود الشرع من الأكل، ما سد الجوع، ويعين على
العبادة،) عبره بالماضي في جانب الجوع، لأن المأكول لدفع صفة قامت به، وبالمضارع في
العبادة، لأن المأكول لدفع صفة ماضية قامت به، وللتقوى على تحصيل شيء غير حاصل وفي
نسخة ما يسد، (ولخشيته أيضًا من حساب ما زاد على ذلك،) أما الأمر الضروري، فلا حساب
عليه، لقوله مَّله: ((ثلاث لا يحاسب بهن العبد: ظل خص يستظل به، وكسرة يشد بها صلبه،
وثوب يواري به عورته، رواه أحمد في الزهد، والبيهقي من مرسل الحسن، (والكافر بخلاف
ذلك) في الثلاث، إذ لا عبادة له، ولا علم بمقصد الشرع، ولا يخشى حساب الزائد، فهو مثل
ضرب للمؤمن، وزهده في الدنيا، والكافر، وحرصه عليها، وشدة رغبته، فمثل ما بينهما من
التفاوت في الشره، بما بين من يأكل في معي واحد، ومن يأكل في سبعة أمعاء، قال القرطبي:
وهذا أرجح، (وعند أهل التشريح،) كما نقله عياض عنهم، (إن أمعاء الإِنسان سبعة: المعدة،)
بفتح الميم، وكسر العين، وتخفف، بكسر الميم، وإسكان العين: مقر الطعام من الإِنسان، (ثم
ثلاثة أمعاء بعدها متصلة، بها البواب، ثم الصائم، ثم الرقيق، والثلاثة رقاق، ثم الأعور، والقولون،
والمستقيم، وطرفه الدبر وكلها،) أي: الثلاثة الأخيرة، (غلاظ، وقد نظمها الحافظ زين الدين
العراقي في قوله:
(سبعة أمعاء لكل آدمي (معدة بوابها مع صائم
(ثم الرقيق أعور قولون مع (المستقيم مسلك المطاعم

١٣٧
النوع الأول في عيشه عٍَّ في المأكل والمشرب
فيكون المعنى: أن الكافر لكونه يأكله بشرهه لا يشبعه إلا ملء أمعائه
السبعة، والمؤمن يشبعه ملء معى واحد.
ولا يلزم من هذا الحديث اطراده في حق كل مؤمن وكافر، فقد يكون في
المؤمن من يأكل كثيرًا، إما بحسب العادة وإما لعارض يعرض له من مرض باطنه
أو لغير ذلك. ويكون في الكفار من يأكل قليلاً إما لمراعاة الصحة على رأي
الأطباء. وما للرياضة على رأي الرهبان، وإما لعارض كضعف المعدة.
ومحصل القول إن من شاء المؤمن الحرص على الزهادة والاقتناع بالبلغة،
بخلاف الكافر. وقيل: المراد أن المؤمن يسمى الله تعالى عند طعامه وشرابه فلا
يشركه الشيطان فيكفيه القليل بخلاف الكافر. وقيل: المراد بالمؤمن - في هذا
الحديث - التام الإيمان، لأن من حسن إسلامه وكمل إيمانه اشتغل فكره فيما يصير
إليه من الموت وما بعده، فيمنعه شدة الخوف وكثرة الفكر والإشفاق على نفسه
من استيفاء
(فيكون المعنى) على هذا، (أن الكافر لكونه يأكل بشرهه:) غلبة حرصه، (لا يشبعه إلاَّ
ملء أمعائه السبعة، والمؤمن يشبعه ملء معي واحد؛) لقلة حرصه وشرهه على الطعام، وأشار
النووي إلى اختيار هذا القول، (ولا يلزم من هذا الحديث اطراده في حق كل مؤمن وكافر، فقد
يكون في المؤمنين من يأكل كثيرًا، إما بحسب العادة، وأما لعارض يعرض له من مرض باطنه،)
فيحترق الطعام بمجرد نزوله فيه، فلا يشبعه قليل، (أو لغير ذلك،) كاستعمال دواء يكثر الأكل؛
(ويكون في الكفار من يأكل قليلاً، إما لمراعاة الصحة على رأي الأطباء،) إذ من أسباب
حفظها طبا قلة الأكل، (وما للرياضة على رأي الرهبان، وأما العارض، كضعف المعدة،)
فلا يقدر على كثير؛ (ومحصل القول) في ذا المقام (إن من شأن المؤمن، الحرص على
الزهادة،) مصدر زهد، كزهد الترك، والأعراض (والاقتناع بالبلغة،) أي: الرضا بما يتبلغ به من
العيش، (بخلاف الكافر،) فإذا وجد مؤمن، أو كافر على خلاف هذا الوصف، لا يقدح في
الحديث، قاله الطيبي وغيره.
(وقيل: المراد أن المؤمن يسمى اللَّه تعالى عند طعامه وشرابه، فلا يشركه،) بفتح الراء
(الشيطان، فيكفيه القليل بخلاف الكافر) لا يسمى فيأكل معه الشيطان، وهذه الأقوال الثلاثة
على أن المراد مطلق مؤمن وكافر، (وقيل المراد بالمؤمن في هذا الحديث التام الإيمان، لأن
من حسن إسلامه وكمال إيمانه، اشتغل فكره فيما يصير إليه من الموت، وما بعده) من القبر
والقيامة وأهوالها، (فيمنعه شدة الخوف، وكثرة الفكرة، والإشفاق على نفسه من استيفاء

١٣٨
النوع الأول في عيشه عَّةٍ في المأكل والمشرب
شهوته كما ورد في حديث لأبي أمامة رفعه: من كثرة تفكره قل مطعمه، ومن قل
تفكره كثر مطمعه، وقسا قلبه. وقالوا: لا تدخل الحكمة معدة ملئت طعامًا، ومن
قل طعامه قل شربه وخف نومه، ومن خف منامه ظهرت بركة عمره، ومن امتلأ
بطنه كثر شربه، ومن كثر شربه ثقل نومه، ومن ثقل نومه محقت بركة عمره، فإذا
اكتفى بدون الشبع حسن اغتذاء بدنه، وصلح حال نفسه وقلبه، ومن تملأ من
الطعام ساء غذاء بدنه وأشرت نفسه وقسا قلبه.
وعن ابن عباس قال: قال عَّ إن أهل الشبع في الدنيا هم أهل الجوع غدًا
في الآخرة. رواه الطبراني.
وعن سلمان
شهوته) من الطعام، (كما ورد في حديث لأبي أمامة) صدى بن عجلان، الباهلي، (رفعه: من
كثر تفكره قل مطعمه، ومن قل تفكره كثر مطمعه، وقسا قلبه،) إذ كثرة المطعم تورث قسوة
القلب، زاد في الفتح، ويشير إلى ذلك حديث أبي سعيد في الصحيح؛ أن هذا المال خضرة
حلوة، فمن أخذه بإشراف نفس، كان كالذي يأكل، ولا يشبع، فدل على أن المراد بالمؤمن من
يقصد في مطعمه، وأما الكافر، فمن شأنه الشره، فيأكل بالنهم كالبهيمة، ولا يأكل بالمصلحة
القيام البنية، وقد رد هذا الخطابي، وقال: قد ذكر عن غير واحد من أفاضل السلف الأكل
الكثير، فلم يكن ذلك نقصًا في إيمانهم.
(وقالوا:) أي: الحكماء، (لا تدخل الحكمة معدة ملئت طعامًا،) وقال جمع من الصحابة،
كعمرو بن العاصي: البطنة تذهب الفطنة، (ومن قل طعامه قل شربه، وخف نومه، ومن خف منامه
ظهرت بركة عمره،) لما يباشره من الطاعات في يقظته، (ومن امتلأ بطنه كثر شربه، ومن كثر
شربه، ثقل نومه، ومن كثر نومه، محقت،) نقصت وذهبت (بركة عمره،) وقيل المحق ذهاب
الشيء كله حتى لا يرى له أثر، ومنه يمحق اللَّه الربا، (فإذا اكتفى بدون الشبع حسن اغتذاء
بدنه) أي: تنميته وإصلاحه، (وصلح حال نفسه وقلبه، ومن تملأ،) امتلأ جوفه (من الطعام،) يقال
امتلأ وتملأ، بمعنى (ساء غذاء بدنه وأشرت،) بكسر الشين، بطرت (نفسه، وقسا قلبه،) صلب
واشتد، فلا ینجع فيه عظة، ولا يدخله حكمة.
(وعن ابن عباس، قال: قال عَّله: ((إن أهل الشبع))) المذموم ((في الدنيا))) حقيقة، ((هم
أهل الجوع غدا في الآخرة))،) لأن من كثر شبعه ورغب فيه، ربما حصل ما يأكله من غير
وجهه، فيجازى بالجوع في الآخرة، أما في الموقف، أو في النار إن دخلها للتطهير، لا بعد
دخول الجنة، إذ لا عذاب فيها، والجوع عذاب؛ (رواه الطبراني) سليمن بن أحمد، (وعن

١٣٩
النوع الأول في عيشه عَّة في المأكل والمشرب
وأبي جحيفة أن النبي عَّه قال: إن أكثر الناس شبعًا في الدنيا أطولهم جوعًا في
الآخرة.
وقالت عائشة: لم يمتلىء جوف النبي عَِّ شبعًا قط.
سلمان) الفارسي، عند ابن ماجه، والحاكم بسند لين، كما قال الحافظ، (وأبي جحيفة،) بضم
الجيم، وفتح المهملة وهب بن عبد الله السوائي، عند البزار بسند ضعيف، (أن النبي عَّهِ، قال:
(إن أكثر) بمثلثة، (الناس شبعًا في الدنيا، أطولهم جوعًا في الآخرة،) فيعذبون به في الموقف،
حيث يؤذن لبعض أهله في الأكل من أرض المحشر، التي هي خبزة بيضاء، والقصد التنفير من
الشبع، لأنه مذموم، وفوائد قلة الأكل الآجلة والعاجلة المتكفلة، برفعة الدارين لا تحصى، فمن
أرادها، فعليه بنحو إحياء هذا.
وقيل في حديث المؤمن أن المراد المؤمن يأكل الحلال، والكافر يأكل الحرام، والحلال
أقل، وقيل المراد حض المؤمن على قلة الأكل، إذا علم أن كثرته من صفات الكافر.
وقال القرطبي: شهوات الطعام سبع: شهوة الطبع والنفس، والعين، والفم، والأذن، والأنف
والجوع، وهي الضرورية التي يأكل بها المؤمن، وأما الكافر فيأكل بالجميع، وقال النووي:
يحتمل أن يريد بالسبعة في الكافر، صفات هي: الحرص، والشره، وطول الأمل، والطمع،
والحسد، وحب السمن، وسوء الطبع، وبالواحد في المؤمن سد خلته، وقال ابن العربي: السبعة
كناية عن الحواس الخمس، والشهوة والحاجة، وقيل اللام في الكافر عهدية، فهو خاص بمعنى
كان كافراً فأسلم، فاختلف في أنه جهجاه الغفاري.
رواه ابن أبي شيبة، والبزار، وغيرهما، أو نضلة بن عمرو، رواه أحمد، وأبو مسلم الكجي،
وقُسم بن ثابت في الدلائل، أو أبو بصرة الغفاري، ذكره أبو عبيد، وعبد الغني، أو تمامة بن أثال؛
ذكره ابن إسحق، وابن بطال، لأن في بعض طرق الحديث في البخاري، عن أبي هريرة: أن
رجلاً كان يأكل أكلاً كثيرًا، فأسلم، فكان يأكل أكلاً قليلاً، فذكر ذلك للنبي عَّه، فقال: ((إن
المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء)).
وفي مسلم عن أبي هريرة: أن النبي عَّ ضافه ضيف، وهو كافر، فأمر له بشاة، فحلبت،
فشرب حلابها، ثم أخرى، ثم أخرى حتى شرب سبع شياه، ثم أصبح، فأسلم، فأمر له بشاة،
فشرب حلابها، ثم بأخرى، فلم يستتمها، فقال: ((إن المؤمن))، الحديث، وصح مثل ذلك في
الشرب أيضًا وفيه ما فيه من التوجيه، روى أحمد، ومسلم، والترمذي عن أبي هريرة، عن
النبي ◌َّهُ: ((المؤمن يشرب في معى واحد، والكافر يشرب في سبعة أمعاء))، (وقالت عائشة: لم
يمتلىء جوف النبي عَِّ شبعًا قط،) بل كان إذا تغدى لم يتعش، وإذا تعشى لم يتغد، رواه أبو
1

١٤٠
النوع الأول في عيشه عَّة في المأكل والمشرب
وإنه كان في أهله لا يسألهم طعامًا ولا يتشهاه، إن أطعموه أكل، وما أُطعموه قبله،
وما سقوه شرب رواه.
وقولها: لم يمتلىء جوف النبي عَُّ شبعًا قط، محمول على الشبع الذي
يثقل المعدة ويثبط عن القيام بالعبادة، ويفضي إلى البطر والأشر والنوم والكسل،
وقد تنتهى كراهته إلى التحريم بحسب ما يترتب عله من المفسدة، وليس المراد
الشبع النسبي المعتاد في الجملة، ففي صحيح مسلم: خروجه عَّهِ وصاحبيه من
الجوع وذهابهم إلى بيت الأنصاري، وذبحه الشاة. وفيه: فلما أن شبعوا ورووا.
قال النووي: فيه جواز الشبع، وما جاء في كراهته محمول على المداومة عليه.
وعن أبي هريرة قال: ما شبع آل محمد عليه.
نعيم عن أبي سعيد، (وأنه كان في أهله لا يسألهم طعامًا،) أي: لا يكلفهم شيئًا ليس عندهم، أو
ما لا يريدون إحضاره، لغرض آخر يتعلق بهم، فلا ينافيه قوله هل عندكم من غداء؟، (ولا يتشهاه)
إذ التشهي آية الحب، وهو منزه عنه (إن أطعموه أكل، وما أُطعموه،) قدموه له ليأكله (قبله،) منهم
فيأكل منه، (وما سقوه) من الأشربة لبن، أو غيره (شرب رواه،) بيض لراويه، واحتمال أنه رواه،
بكسر الراء، ممدود من الريّ، أي: شرب ما يرويه لا يسمع.
(وقولها: لم يمتلىء جوف النبي عَّ شبعًا قط، محمول على الشبع الذي يثقل المعدة،
ويثبط:) يعقد، ويشغل، ويخذل (عن القيام بالعبادة، ويفضي إلى البطر والأشر): البطر، وكفران
النعمة بعدم شكرها، فالعطف مساوٍ، (والنوم والكسل) عدم النشاط، فهو مكروه، (وقد تنتهي
كراهته إلى التحريم، بحسب ما يترتب عليه من المفسدة،) وفي شرح التنقيح للقرافي، يحرم
على الآكل على مائدة الغير أن يزيد على الشبع، بخلاف الآكل على سماط نفسه، إلاّ أن يعلم
رضا الداعي بأكل الزائد، فله ذلك؛ (وليس المراد الشبع النسبي، المعتاد في الجملة، ففي
صحيح مسلم: خروجه عَّةٍ وصاحبيه) أبي بكر، وعمر، كما يأتي قريبًا، (من الجوع، وذهابهم
إلى بيت الأنصاري) أبي الهيم، أو أبي أيوب، (وذبحه الشاة، وفيه: فلما أن شبعوا ورووا، قال
النووي: فيه جواز الشبع، وما جاء في كراهته محمول على المداومة عليه،) فلا ينافي هذا
الحديث وغيره من الأحاديث الدالة على جوازه، وقد ترجم البخاري باب من أكل حتى شبع،
وأورد حديث دخوله عَّه منزل أبي طلحة، وقوله له إئذن لعشرة، ثم عشرة، فأكل القوم كلهم
وشبعوا وهم ثمانون، وحديث أبي بكر: كنا مع النبي ثلاثين ومائة الحديث، وفيه: فأكلنا
أجمعون وشبعنا.
(وعن أبي هريرة، قال: ما شبع آل محمد عَّه) والمراد بآله هو وآله، ففي رواية لمسلم: