النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
الصلاة والسلام: وجدناه بحرًا، أي واسع الجري.
وفيه قطاف: يقال: قطف الفرس في مشية إذا تضايق خطوه وأسرع مشيه.
قال القاضي عياض: وقد كان في أفراسه عَِّ فرس مندوب، فلعله صار إليه
بعد أبي طلحة. وقال النووي: يحتمل أنهما فرسان اتفقا في الاسم.
وقال ابن عمر: ما رأيت أشجع ولا أنجد من رسول الله عَّله.
وذكر ابن إسحق في كتابه وغيره: أنه كان بمكة رجل شديد القوّة يحسن
الصراع وكان الناس يأتونه من البلاد للمصارعة فيصرعهم. فبينما هو ذات يوم في
شعب من شعاب مكة إذا لقيه رسول الله عَّه فقال له: يا ركانة ألا تتقي الله وتقبل ما
قوله عليه الصلاة والسلام: ((وجدناه بحرًا))، أي: واسع الجري،) ففيه إشارة إلى أنه لم يكن
كذلك، (و) قوله في الحديث: (فيه قطاف) معناه أن في مشيه ضيق خطا، ودليله أنه، (يقال قطف
الفرس في مشيه، إذا تضايق خطوه، وأسرع مشيه،) بالنصب مفعول، أسرع على التوسع، أي: في
مشيه بناءً على قول القاموس، الأصل إن أسرع متعد، وبالرفع على أنه لازم، والإِسناد مجازي،
ومقتضى المصباح أنه أشهر، وفي التوشيح القطوف المتقارب الخطور، وقيل: الضيق المشي،
يقال: قطفت الدابة تقطف، بكسر الطاء، وضمها، قطافًا.
(قال القاضي عياض: وقد كان في أفراسه عَّ فرس) اسمه (مندوب)، وصرح الحديث،
بأنه لأبي طلحة، (فلعله صار إليه بعد أبي طلحة) بهبة أو بيع منه له، لا بعد موته، لأنه عاش
بعد النبي عليه.
(وقال النووي: يحتمل أنهما فرسان اتفقا في الاسم،) وهذا أولى، (وقال ابن عمر: ما
رأيت أشجع ولا أنجد،) أكثر نجدة (من رسول اللَّه عَظ له)) والنجدة الشجاعة والشدة، فالعطف
مساوٍ، ولعله مأخوذ من نجد الرجل فهو نجيد، كقرب فهو قريب، إذا كان ذا نجدة أو من
نجدة، كنصر إذا أعانه لأن اسم التفضيل يكون من اللازم والمتعدي، وهذا الحديث رواه أحمد،
والنسائي، وغيرهما، بزيادة، ولا أجود، ولا أرضى من رسول اللَّه عَّه، وعطف أجود على أنجد
للمناسبة بينهما، إذ الجواد لا يخاف الفقر، والشجاع لا يخاف الموت، ولأن الأول بذل النفس،
والثاني بذل المال، والجود بالنفس أقصى غاية الجود، (وذكر) محمد (بن إسحق) ابن يسار
المطلبي، مولاهم، المدني، نزيل العراق (في كتابه) السيرة، (و) ذكر (غيره؛ أنه كان بمكة رجل
شديد القوة، يحسن الصراع،) بكسر الصاد، مصدر صارع مصارعة وصراعًا، (وكان الناس يأتونه
من البلاد للمصارعة، فيصرعهم) بابه نفع، (فبينما هو ذات يوم في شعب،) بالكسر، الطريق، أو
في الجبل، (من شعاب مكة، إذا لقيه رسول اللَّه عَِّ، فقال له: ((يا ركانة ألا تتقي الله، وتقبل ما

١٠٢
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
أدعوك إليه - أو كما قال له رسول الله عَّله - فقال له ركانة: يا محمد، هل لك من
شاهد يدل على صدقك؟ فقال: أرأيت إن صرعتك أتؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم
يا محمد، فقال له: تهيأ للمصارعة، قال: تهيأت، فدنا منه رسول الله عَ لّهِ فأخذه ثم
صرعه، قال فتعجب من ذلك ركانة، ثم سأله الإقالة والعودة، ففعل به ذلك ثانيًا
وثالثًا. فوقف ركانة متعجبًا وقال: إن شأنك لعجيب. رواه الحاكم في مستدركه
عن أبي جعفر محمد بن ركانة المصارع،
أدعوك إليه)»؟،) فتؤمن باللَّه ورسوله، (أو كما قال له رسول اللَّه عَّه) شك الراوي، (فقال له
ركانة: يا محمد هل لك من شاهد يدل على صدقك) فيما تقوله؟، (فقال: أرأيت) أي: أخبرني
(إن صرعتك أتؤمن بالله ورسوله؟») بهمزة الاستفهام، (قال: نعم يا محمد،) وصريح هذا أن
السائل له في المصارعة المصطفى، وفي رواية، البلاذري: أن السائل ركانة، فيحتمل أن كلا
منهما توارد مع الآخر في السؤال، (فقال له: تهيأ للمصارعة، فقال: تهيأت، فدنا منه
رسول اللَّه عٍَّ، فأخذه، ثم صرعه، قال: فتعجب من ذلك ركانة،) لأنه كان مستحيلاً عنده أن
أحدًا يصرعه، (ثم سأله الإقالة) مما توافقا عليه، وهو الإِيمان إن صرعه لا على قطيع من الغنم،
لأن المعاقدة على الغنم إنما كانت مع ابنه يزيد، كما في الإصابة، (والعودة) إلى المصارعة،
(ففعل به ذلك ثانيًا وثالثًا، فوقف ركانة متعجبًا، وقال: إن شأنك لعجيب،) وأسلم عقبها في
قول، والآخر في فتح مكة، قال في الإصابة: ركانة بن عبد يزيد، بن هاشم، بن المطلب، بن عبد
مناف، المطلبي: روى البلاذري؛ أنه قدم من سفر، فأخبر خبر النبي عَّةِ بمكة، قبل الإِسلام وكان
أشد الناس، فقال: يا محمد إن صرعتني آمنت بك، فصرعه، فقال: أشهد أنك ساحر، ثم أسلم
بعد، وأطعمه النبي عَّهِ خمسين وسقًا، وقيل لقيه في بضع جبال مكة، فقال: يا ابن أخي بلغني
عنك شيء، فإن صرعتني علمت أنك صادق، فصارعه، فصرعه، وأسلم ركانة في فتح مكة،
وقيل عقب مصارعته، ومات في خلافة مطوية، قال الزبير، وقال أبو نعيم، في خلافة عثمن، وقيل
عاش إلى سنة إحدى وأربعين، انتهى.
باختصار (رواه الحاكم في مستدركه عن أبي جعفر، محمد بن ركانة المصارع) كذا
وقع للمصنف، وصوابه عن أبي جعفر، عن أبيه محمد الخ ... ، قال في التقريب أبو جعفر بن
محمد بن ركانة، مجهول من السادسة، وفيه أيضًا محمد بن ركانة مجهول من الثالثة، ووهم من
ذكره في الصحابة، وقال في الإِصابة محمد بن ركانة، القرشي، المطلبي، لأبيه صحبة، وأما
هو، فأرسل شيئًا، فذكره البغوي في الصحابة، فقال: حدثنا داود بن رشید، حدثنا محمد بن
ربيعة، عن أبي جعفر، بن محمد، بن ركانة، عن أبيه أنه صارع النبي ◌َّله، فصرعه النبي، قال:

١٠٣
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
ورواه أبو داود والترمذي وكذا البيهقي من رواية سعيد بن جبير.
وقد صارع عليه الصلاة والسلام جماعة غير ركانة، منهم أبو الأسود
الجمحي، كما قاله السهيلي. ورواه البيهقي، وكان شديدًا بلغ من
وسمعت النبي عَّه، يقول: ((فرق ما بيننا وبين أهل الكتاب العمائم على القلانس)).
قال ابن منده: ذكره البغوي في الصحابة، وهو تابعي، وقال ابن فتحون: حديث المصارعة
مشهور عن ركانة، وكذا حديث العمائم، كان محمدًا أرسله، أو سقط من السند عن أبيه، قلت:
الاحتمال الثاني أقرب، وهو موجود في رواية أبي داود عن قتيبة، عن محمد بن ربيعة، بهذا
الإِسناد لكن قال بعد المصارعة: قال: سمعت رسول اللَّه، فظهر أن محمدًا أرسل حديث
المصارعة، وأسند حديث العمامة، فسقط من رواية داود بن رشيد، قال ركانة: وسمعت، فصار
ظاهره إن قائل سمعت محمد، فلو كان كذلك، لكان صحابيًا، بلا ريب، لكن جزم ابن حبان
في الثقات، بأنه تابعي، (ورواه أبو داود الترمذي) من رواية أبي الحسن العسقلاني، عن أبي
جعفر، بن محمد بن ركانة، عن أبيه أن ركانة صارع النبي عَّة الحديث.
قال الترمذي: قريب، وليس إسناده بالقائم، وقال ابن حبان في إسناد خبره: قاله الإِصابة،
(وكذا) أخرجه (البيهقي، من رواية سعيد بن جبير،) التابعي المشهور، (وقد صارع عليه الصلاة
والسلام جماعة غير ركانة، منهم) ابنه يزيد بن ركانة.
قال أبو عمر: له ولأبيه صحبة، ورواية روى عنه إبناه علي، وعبد الرحمن، وأبو جعفر
الباقر، وأخرج ابن قانع من طريق يزيد ابن أبي صالح، عن علي بن يزيد بن ركانة، أن أباه أخبره
أن رسول اللَّه عَ طِّ دعا ركانة بأعلى مكة، فقال: ((يا ركانة أسلم))، فأبى، فقال: أرأيت إن دعوت
هذه الشجرة لشجرة قائمة؟، فأجابتني تجيبني إلى الإِسلام، قال: نعم، فذكر الحديث، وقصة
الصراع مشهورة لركانة، لكن جاء من وجه آخر أنه يزيد بن ركانة، فأخرج الخطيب في المؤتلف
عن ابن عباس، قال: جاء يزيد بن ركانة إلى النبي عَّةٍ، ومعه ثلثمائة من الغنم، فقال: يا محمد
هل لك أن تصارعني، قال: ((وما تجعل لي إن صرعتك))؟، قال: مائة من الغنم، فصارعه،
فصرعه، ثم قال: هل لك في العود؟، قال: ((وما تجعل لي))؟، قال: مائة أخرى، فصارعه فصرعه،
وذكر الثالثة، فقال: يا محمد ما وضع جنبي في الأرض أحد قبلك، وما كان أحد أبغض إليّ
منك، وأنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأنك رسول اللَّه، فقام عنه، ورد عليه غنمه، ذكره في الإِصابة،
فقد صارع ركانة، وابنه جميعًا، ومنهم (أبو الأسود الجمحي،) بضم الجيم، وفتح الميم،
ومهملة، إلى جمع بطن من قريش، (كما قاله السهيلي، ورواه البيهقي، وكان شديدًا، بلغ من

١٠٤
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
شدته أنه كان يقف على جلد البقرة، ويتجاذب أطرافه عشرة لينزعوه من تحت
قدميه، فيتفرى الجلد ولم يتزحزح عنه، فدعا رسول الله عَّةٍ إلى المصارعة وقال:
إن صرعتني آمنت بك، فصرعه رسول الله عَُّلِّ فلم يؤمن. وفي قصته طول.
وفي البخاري من حديث البراء، وسأله رجل من قيس: أفررتم عن
رسول الله عَّ يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله عَّه لم يفر. كانت هوازن رماه
وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكبينا على الغنائم فاستقبلنا بالسهام.
....
شدته؛ أنه كان يقف على جلد البقرة، ويتجاذب أطرافه عشرة لينزعوه من تحت قدميه،
فيتغرى الجلد) ينشق، وينقطع، (ولم يتزحزح عنه، فدعا) هو (رسول اللَّه عٍَّ إلى المصارعة،
وقال: إن صرعتني آمنت بك، فصرعه رسول اللَّه عَّةٍ، فلم يؤمن، وفي قصته طول، وفي
البخاري من حديث البراء) بن عازب، (وسأله رجل من قيس).
قال الحافظ: لم أقف على اسمه، (أفررتم عن رسول اللَّه عَّ يوم حنين؟) وفي رواية
للبخاري أيضًا: أفررتم مع النبي، وجمع بينهما بحمل المعية على ما قبل الهزيمة، فبادر إلى
إخراجه، (فقال: لكن رسول اللَّه عٍَّ لم يفر،) فهو استدراك على ما قد يتوهم من فراره حين فروا
عنه، الواقع عند السائل أخذا من عموم، ثم وليتم مدبرين، فبين له أنه من العموم الذي أريد به
الخصوص والتقدير فررنا، ولكنه ثبت، وثبت معه علي، والعباس، وأبو سفين بن الحرث،
وابن مسعود.
رواه ابن أبي شيبة مرسلاً، وللترمذي بإسناد حسن، عن ابن عمر: لقد رأيتنا يوم حنين، وأن
الناس لمولون، وما مع رسول اللَّه عَّله مائة رجل، ولأحمد والحاكم عن ابن مسعود: فولى الناس
عنه، وبقي معه ثمانون رجلاً من المهاجرين والأنصار، وفي شعر العباس: أن الذين ثبتوا عشرة
فقط، قال الحافظ: ولعله الثبت، ومن زاد عليهم عجل الرجوع، فعد فيمن لم يفر، ثم بين سبب
التولي بقوله: (كانت هوازن رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا) انهزموا، كما هو لفظ رواية
البخاري في الجهاد، (فأكبينا،) بفتح الموحدة الأولى، وإسكان الثانية، ونون، أي: وقعنا (على
الغنائم،) وفي الجهاد، فأقبل الناس على الغنائم، (فاستقبلنا،) بضم التاء، وكسر الموحدة، أي:
استقبلتهم هوازن، وفي الجهاد، فاستقبلونا (بالسهام،) أي: فولينا، وفي مسلم، فرموهم برشق من
نبل، كأنها رجل جراد، وفيه أيضًا عن أنس جاء المشركون بأحسن صفوف، رأيت صف الخيل،
ثم المقاتلة، ثم النساء من وراء ذلك، ثم الغنم، ثم النعم، ونحن بشر كثير، وعلى خيلنا خالد بن
الوليد، فجعلت خيلنا تلوذ خلف ظهورنا، فلم نلبث أن انكشفت خيلنا، وفرت الأعراب، ومن

١٠٥
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
ولقد رأيت النبي عَ ◌ٍّ على بغلته البيضاء، وإن أبا سفين بن الحرث آخذ
بزمامها وهو يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب.
وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة، لأنه في مثل هذا اليوم في
حومة الوغى وقد انكشف عنه جيشه، وهو مع هذا على بغلة ليست بسريعة
الجري، ولا تصلح لكر ولا فر ولا هرب وهو مع ذلك يركضها إلى وجوههم،
وینوه
تعلم من الناس.
قال ابن جرير: الانهزام المنهي عنه، هو ما يقع على غير نية العود، وأما الاستطراد للكثرة،
فهو كالمتحيز إلى فئة، (ولقد رأيت النبي،) وفي رواية رسول اللَّه (عَّ، على بغلته البيضاء)
التي أهداها له فروة، كما في مسلم عن العباس، وعند ابن سعد وأتباعه، على بغلته دلدل.
قال الحافظ: وفيه نظر، لأن دلدل أهداها له المقوقس، قال القطب الحلبي، فيحتمل أنه
ركب يومئذٍ كلا من البغلتين، إن ثبت أن دلدل كانت معه، وإلا فما في الصحيح أصح، (وإن أبا
سفين بن الحرث)، بن عبد المطلب (آخذ بزمانها)، أولاً، فلما ركضها مَّةِ إلى جهة المشركين
خشى عليه العباس، فأخذ زمامها، وأخذ أبو سفين بالركاب، فلا يخالف هذا ما في مسلم؛ أن
العباس كان آخذاً بزمامها، وللبخاري في الجهاد، فنزل، أي: عن البغلة، فاستنصر، وفي مسلم،
فقال: ((اللهم أنزل نصرك، (وهو يقول أنا النبي) حقًّا، (لا كذب) في ذلك، أو والنبي لا يكذب،
فلست بكاذب، حتى انهزم، (أنا ابن عبد المطلب).
قال الخطابي: خصه بالذكر، تثبيتاً لنبوته، وإزالة للشك، لما اشتهر من رؤيا عبد المطلب
المبشرة به عَّةٍ، ولما أنبأت به الأحبار والكهان، فكأنه يقول: أنا ذاك، فلا بد مما وعدت به لئلا
ينهزموا عنه، أو يظنوا أنه مغلوب، أو مقتول، فليس من الفخر بالآباء في شيء، وليس بشعر، وإن
كان موزونًا، لأنه لم يقصده، ولا أراده، وهما من شرط كونه شعرًا، وهذا أعدل الأجوبة،
ولا يجوز فتح الباء الأولى، وكسر الثانية ليخرج عن الوزن، لأنه تغيير للرواية بمجرد خيال يقوم
في النفس، ولأنه وقع في إشكال أصعب مما فر منه، لأن فيه نسبة اللحن إلى أفصح الفصحاء،
فالعرب لا تقف على متحرك، (وهذا) يعد (في غاية ما يكون من الشجاعة التامة، لأنه مثل
هذا اليوم في حومة الوغى،) بالقصر، والمعجمة، الحرب أي: في أشد موضع في القتال، (وقد
انكشف عنه جيشه، وهو مع هذا على بغلة، ليست) من مراكب الحرب، بل الطمأنينة إذ ليست
بسريعة، ولا تصلح لكر، ولا فر، ولا هرب،) فركوبها دليل النهاية في الشجاعة، والثبات، وإن
الحرب عنده كالسلم، (وهو مع ذلك يركضها إلى وجوههم، وينوه،) يرفع نفسه من بينهم

١٠٦
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
باسمه ليعرفه من ليس يعرفه صلوات الله وسلامه عليه.
وفي حديث البراء: كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله عَظ له أي جعلناه
قدامنا واستقبلنا العدو به، وقمنا خلفه.
وأما ما ذكر من سخائه وجوده وكرمه، فاعلم أن السخاء صفة غريزية، وفي
مقابلته الشح، والشح من لوازم صفة النفس، قال الله تعالى: ﴿ومن
...
(باسمه، ليعرفه من ليس يعرفه صلوات الله وسلامه عليه،) مبالغة في الشجاعة وعدم المبالاة
بالعدو.
(وفي حديث) رواه مسلم عن (البراء: كنا إذا احمر البأس،) أي: اشتد، (اتقينا
برسول اللَّه عَّة،) وإن الشجاع منا الذي يحاذيه، (أي: جعلناه قدامنا، واستقبلنا العدو به، وقمنا
خلفه،) وروى أحمد، والنسائي، وغيرهما، عن علي: كنا إذا حمى البأس، وفي رواية إذا اشتد
البأس، واحمرت الحدق، اتقينا برسول اللَّه، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، ولقد رأيتني يوم
بدر، ونحن نلوذ بالنبي عٍَّ، وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس بأسًا، وتقدم للمصنف
في حنين، وقبله في أحد، أن من زعم أنه هزم يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل عند الشافعية،
ووافقهم ابن المرابط من الملكية، وإن مذهب لملك يقتل، بلا استتابة، وفرقوا بينه، وبين من قال:
جرح، أو أوذي؛ بأن الأخبار عن الأذى نقص في المؤذي لا عليه، والأخبار بالانهزام نقص له
عَّهِ، لأنه فعله، لو وقع، كما أن الأذى فعل المؤذي، قال ابن دحية: وأما تغيبه في الغار، فكان
قبل الإذن بالقتال، وأما مظاهرته بين درعين يوم أحد، فهو من الاستعداد للإقدام، وليقتدي به
أصحابه، والمنهزم خارج عن الإقدام جملة، بخلاف المستعد له، انتهى.
(وأما) معنى (ما ذكر،) أو الصفة المرادة (من سخائه، وجوده، وكرمه،) والأول أولى
الإِطراده في جميع ما يأتي، والجواب محذوف، أي: ففيه خلاف، وإذا أردت معرفته، (فاعلم أن
السخاء صفة غريزية،) طبيعية قائمة بالموصوف، كقيام الأوصاف الحسية بمحالها، قال بعض:
وهي سهولة الانفاق، وتجنب اكتساب، ما لا يحمد من الصنائع المذمومة، كالحجامة، وأکل ما
لا يحل مأخوذ من الأرض السخاوية، وهي الرخوة اللينة، ولذا وصف اللَّه تعالى بجواد دون
سخى، لأنه أوسع في معنى العطاء، وأدخل في صفة العلاء، فعلى هذا هو أخص منه، وقيل هما
مترادفان لقول الشاعر:
وما الجود من يعطي إذا ما سألته ولكن من يعطي بغير سؤال
(وفي مقابلته الشح:) أشد البخل، (والشح من لوازم صفة النفس، قال الله تعالى: ﴿ومن

١٠٧
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ [الحشر/ ٩] فحكم بالفلاح لمن وقي
الشح، وحكم بالفلاح أيضًا لمن أنفق وبذل فقال: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾
﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ [البقرة/ ٣، ٥] والفلاح
أجمع اسم لسعادة الدارين.
وليس الشح من الآدمي بعجيب، لأنه جبلي فيه، وإنما العجب وجود السخاء
في الغريزة.
والسخاء أتم وأكمل من الجود، وفي مقابلته البخل. وفي مقابلة السخاء
الشح، والجود والبخل يتطرق إليهما الاكتساب بطريق العادة، بخلاف الشح
والسخاء إذ كان ذلك من ضرورة الغريزة، فكل سخي جواد
يوق شح نفسه) حرصها على المال، فأولئك هم المفلحون﴾ [الحشر/٩] الآية، (فحكم
بالفلاح لمن وقي الشح، وحكم بالفلاح أيضًا لمن أنفق، وبذل، فقال: ﴿ومما رزقناهم﴾ أعطيناهم
(﴿ينفقون﴾) [البقرة/٣] في طاعة الله، (﴿أولئك﴾) الموصوفون بما ذكر (﴿على هدى من ربهم،
وأولئك هم المفلحون) الفائزون بالجنة الناجون من النار﴾ [البقرة/ ٥] الآية، (والفلاح أجمع
اسم لسعادة الدارين، وليس الشح من الآدمي بعجيب، لأنه جبلي فيه، وإنما العجب وجود
السخاء في الغريزة(،) مقتضاه تغاير الغريزة والجبلة، وفي المصباح الجبلة، بكسرتين، وتثقيل
اللام، والطبيعة، والخلقة، والغريزة، بمعنى واحد، (والسخاء أتم، وأكمل من الجود) بناءً على
تغايرهما، والأصح إن السخاء أدنى منه، ولذا لم يوصف اللَّه به، كما مر، (وفي مقابلته،) أي:
الجود (البخل، وفي مقابلة السخاء الشح،) ويأتي أن الجود إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، فذكر
تعريفه، كالسخاء، ولم يذكر الكرم مع أنه ترجم به، كأنه لأنه مأخوذ عنده في معنى الجود، وفي
الشامي الكرم، بفتحتين، الانفاق بطيب نفس فيما يعظم خطره، وفي نسخة قدره.
وفي القاموس الكرم محركة ضد اللؤم، كرم، بضم الراء، كرامة كرامًا، فهو كريم، وفيه
اللؤم ضد الكرم، (والجود، والبخل يتطرق إليهما الاكتساب بطريق العادة،) وذلك أن الجواد
إذا رأى من أنفق ماله، فصار فقيرًا غلب عليه الحرص، فمنع نفسه من الجود، حتى لا يصير
كذلك والبخيل يعلم خسة الدنيا، وما يؤل إليه، وإن ذا المال يموت، فيأخذ غيره ماله، فيعالج
نفسه على إعطاء ما ينبغي، فيصير له طبيعة (بخلاف الشح، والسخاء، إذا كان) تعليلية، أي:
الكون (ذلك من ضرورة الغريزة،) فلا يمكن اكتسابهما، وهذه التفرقة بناءً على أن الشح أشد من
البخل، وإن السخاء أتم من الجود أما على ترادفهما، وأن الجود أعلى فلا، (فكل سخى جواد،)

١٠٨
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
وليس كل جواد سخيًا. والجود يتطرق إليه الرباء، ويأتي به الإنسان متطلعًا إلى غرض من
الخلق أو الحق بمقابلة من الثناء أو غيره من الخلق والثواب من الله تعالى، ولا
يتطرق الرباء إلى السخاء لأنه ينبع من النفس الزكية المرتفعة من الأغراض. أشار
إليه في عوارف المعارف.
وقد كان رسول الله عَّ أحسن الناس وأشجع الناس وأجود الناس. رواه
البخاري ومسلم من حديث أنس.
وأجود: أفعل تفضيل، من الجود وهو إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، ومعناه: هو
أسخى الناس، ولما كانت نفسه أشرف النفوس ومزاجه أعدل الأمزجة لا بد أن
یکون فعله أحسن الأفعال،
لأن السخاء إعطاء ما ينبغي بحسب الطبيعة، (وليس كل جواد سخيًا،) لأن الجود إعطاء ما
ينبغي أيضًا، لكن قد يكون بمعالجة النفس على اكتسابه.
(والجود يتطرق إليه الرباء، ويأتي به الإِنسان متطلعًا إلى غرض من الخلق أو الحق،)
سبحانه وبين الغرض بقوله (بمقابلة من الثناء، أو غيره من الخلق، والثواب من اللَّه تعالى؛) كمن
جاد بالمال لذلك، (ولا يتطرق الرباء إلى السخاء، لأنه) غريزة، لا صنع فيه، فلا يقصد به غرضًا
إذ هو (ينبع،) يتفجر (من النفس الزكية، المرتفعة عن الأغراض، أشار إليه) العارف، العلامة،
السهروردي، بمعنى ذكره (في) كتابه (عوارف المعارف،) بلفظه من أول قوله: فاعلم إلى هنا،
(وقد كان رسول اللَّه عَِّ أحسن الناس،) لأن اللَّه تعالى أعطاه كل الحسن، (وأشجع الناس،)
أقواهم قلبًا في حالة البأس؛ (وأجود الناس) لتخلقه بصفات اللَّه، التي منها الجود والكرم، (رواه
البخاري، ومسلم من حديث أنس،) بزيادة تقدمت قريباً في قوله: لقد فزع أهل المدينة الخ ... ،
وإنه لفظ مسلم، ولفظ البخاري، ولقد فزع أهل المدينة ليلاً، فكان النبي عَّه سبقهم على فرس،
وقال: وجدناه بحرًا، (وأجود أفعل تفضيل من الجود،) بضم الجيم، مصدر جاد، (وهو إعطاء ما
ينبغي) شرعًا (لمن ينبغي أن يعطي)، لاستحقاقه للصفة القائمة به، كالفقر، فلا حاجة لزيادة بعض
لا لغرض لدخوله فيما ينبغي، وقيل الجود تجنب اكتساب ما لا يحمد، وهو ضد التقتير،
والجواد الذي يتفضل على من يستحق، ويعطي من لا يسأل، ويعطي الكثير ولا يخاف الفقر،
والسخي اللين عند الحاجة.
قال الأستاذ القشيري: قال القوم: من أعطى البعض، فهو سخي، ومن أعطى الأكثر، وأبقى
لنفسه شيئًا، فهو جواد، ومن قاسى الضر، وآثر غيره بالبلغة، فهو مؤثر، (ومعناه هو أسخى الناس،
لما كانت نفسه أشرف النفوس، ومزاجه أعدل الأمزجة، لا بدّ أن يكون فعله أحسن الأفعال،)

١٠٩
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
وشكله أملح الأشكال، وخلقه أحسن الأخلاق، فلا شك يكون أجود الناس،
وكيف لا وهو مستغن عن الفانيات بالباقيات الصالحات.
واقتصار أنس على هذه الأوصاف الثلاثة من جوامع الكلم، فإنها أمهات
الأخلاق، فإن في كل إنسان ثلاث قوى: أحدها الغضبية، وكمالها الشجاعة، ثانيها
الشهوانية وكمالها الجود، وثالثها العقلية وكمالها النطق بالحكمة.
وفي رواية لمسلم عنه: ما سئل رسول الله عَّ له شيئًا إلا أعطاه، فجاءه رجل
فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدًا يعطي
عطاء من لا يخاف الفقر.
وعنده أيضًا عن صفوان بن أمية
وهو كونه أسخى الناس، (وشكله أملح الأشكال) من الملاحة، (وخلقه أحسن الأخلاق،
فلا شك يكون أجود الناس) وأنداهم يدًا، (وكيف لا) يكون كذلك؟، (وهو مستغنٍ عن
الفانيات) من متاع الدنيا، (بالباقيات الصالحات،) لعله أراد بها هنا الطاعات التي ثوابها عظيم
عند اللَّه، لا خصوص سبحان اللَّه، والحمد للّه، ولا إله إلا اللّه، واللَّه أكبر.
(واقتصار أنس على هذه الأوصاف الثلاثة من جوامع الكلم، فإنها أمهات) أصول
(الأخلاق، فإن في كل إنسان ثلاث قوى: أحدها الغضبية، وكمالها الشجاعة، ثانيها
الشهوانية،) بفتح، فسكون، ففتح، نسبة إلى الشهوة على خلاف القياس، والقياس الشهوية، وهو
كذلك في نسخة، وهي اشتياق النفس إلى الشيء، وجمعها شهوات، (وكمالها الجود، ثالثها
العقلية، وكمالها النطق بالحكمة،) وفي الفتح جمع أنس صفات القوى الثلاثة، العقلية،
والغضبية، والشهوانية، فالشجاعة، تدل على الغضبية، والجود يدل على الشهوة، والحسن تابع
لاعتدال المزاج المتتبع لصفاء النفس، الذي به جودة القريحة، الدال على العقل، فوصف
بالأحسنية في الجميع، انتھی.
(وفي رواية لمسلم عنه،) عن أنس (ما سئل رسول اللَّه عَ لِّ شيئًا إلا أعطاه،) لما جبل
عليه من الجود والحياء، (فجاءه رجل) هو صفوان بن أمية، كما قال: غير واحد: (فأعطاه غنمًا
بين جبلين،) مبالغة في الكثرة، أي: أنها لكثرتها سدت ما بينهما، (فرجع إلى قومه،) وهم
قريش، (فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخاف الفقر،) وذلك آية لنبوته،
وفي رواية: من لا يخشى الفاقة وهي الفقر، أو الشدة، (وعنده،) أي: مسلم (أيضًا،) والترمذي من
طريق سعيد بن المسيب، (عن صفوان بن أمية) بن خلف بن وهب، بن قدامة بن جمح القرشي،

١١٠
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
قال: لقد أعطاني رسول الله عَ لَّه ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح
يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي.
قال ابن شهاب: أعطاه يوم حنين مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة.
وفي مغازي الواقدي: إن النبي عَِّ أعطى صفوان يومئذٍ واديًا مملوءًا إبلاً
ونعمًا، قال صفوان: أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي.
ويرحم الله بن جابر حيث قال:
هذا الذي لا يتقي فقرًا إذا أعطى ولو كثر الأنام وداموا
واد من الأنعام أعطى آملا فتحيرت لعطائه الأوهام
وإنما .
الجمحي، المكي، صحابي من المؤلفة، مات أيام قتل عثمن، وقيل سنة إحدى أو اثنتين وأربعين،
روى له مسلم، وأصحاب السنن، وعلق له البخاري، (قال: لقد أعطاني، رسول اللَّه عَ لَيه ما
أعطاني، وأنه لأبغض الناس إلى، فما برح يعطيني حتى أنه لأحب الناس إليّ، قال ابن شهاب)
الزهري، بيانًا لمبهم قوله، أعطاني ما أعطاني، (أعطاه يوم حنين مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة،)
والحكمة في كونه لم يعطها دفعة واحدة؛ إن هذا العطاء دواء لدائه، والحكيم لا يعطي الدواء
دفعة واحدة، لأنه أقرب للشفاء، (وفي مغازي الواقدي أن النبي عَّةٍ أُعطى صفوان يومئذٍ،) أي:
يوم حنين، وكان حضرها مشركًا (واديًا مملوءًا إبلاًّ ونعمًا،) عطف تفسير، إذ النعم اسم للإِبل،
خاصة قاله أبو عبيد: لكن قيل تطلق النعم على الإِبل والغنم، وعليه هو عطف عام على خاص،
وفي نسخة وغنمًا، (قال صفوان: أشهد ما طابت بهذا إلاَّ نفس نبي،) ولفظ الواقدي، يقال: إن
صفوان طاف معه عَّةٍ يتصفح الغنائم، إذ مر بشعب مملوء إبلاً، وغنمًا، فأعجبه، وجعل ينظر
إليه، فقال عَّه: ((أعجبك هذا الشعب يا أبا وهب))؟، قال: نعم، قال: ((هو لك بما فيه))، فقال
صفوان: أشهد أنك رسول اللَّه، ما طابت بهذا نفس أحد قط إلاَّ نفس نبي.
(ويرحم اللَّه) أبا عبد اللَّه محمد (بن جابر حيث قال: هذا الذي لا يتقي،) لا يتلبس بما
يدفع (فقرًا إذا).
(أعطى،) بل يعطي لقوة يقينه ورجائه في اللَّه، (ولو كثر الأنام وداموا،) استمروا على
الطلب منه، فيستمر على الإِعطاء، ولا يترك خوف الفقر، (واد) بدال مهملة على حذف
مضاف، أي: ملء وادٍ (من الأنعام،) بفتح الهمزة، وسكون النون: الإبل إشارة لقصة صفوان
(أعطي) حذف مفعوله الثاني، أي: أعطاه (آملاً)، راجيًا (فتحيرت لعطائه،) لأجله (الأوهام:)

١١١
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
أعطاه ذلك لأنه عليه الصلاة والسلام علم أن داءه لا يزول إلا بهذا الدواء وهو الإحسان
فعالجه به حتى برىء من داء الكفر وأسلم، وهذا من كمال شفقته ورحمته ورأفته عليه
الصلاة والسلام إذ عامله بكمال الإحسان، وأنقذه من خر النيران إلى برد لطف الجنان.
وكان علي إذا وصفه عَِّ قال: كان أجود الناس كفّا، وأصدق الناس لهجة.
وخرج ابن عدي - بإسناد فيه ضعف - من حديث أنس مرفوعًا: أنا أجود بني
آدم.
فهو عَِّ بلا ريب أجود بني آدم على الإطلاق، كما أنه أفضلهم وأعلمهم
العقول، لأنه خارق للعادة، (وإنما أعطاه ذلك، لأنه عليه الصلاة والسلام، علم أن داءه:) مرضه،
وهو الكفر، (لا يزول إلاّ بهذا الدواء، وهو الإحسان؛ فعالجه به حتى برىء،) بكسر الراء،
وفتحها، (من داء الكفر) مرضه، (وأسلم) رضي اللَّه عنه، (وهذا من كمال شفقته، ورحمته،
ورأفته عليه الصلاة والسلام، إذ عامله بكمال الإحسان، وأنقذه من حر النيران) لو مات على
الكفر، (إلى برد لطف الجنان،) فجره إليها، ولم يتركه يقع في النار، كما قال عَظله: ((إني
لأعطي الرجل وغيره، أحب إليّ منه مخافة أن يكبه اللَّه في النار على وجهه)، رواه البخاري.
(وكان علي،) كما رواه الترمذي في حديث (إذا وصفه عَّةٍ، قال: كان أجود الناس،)
أكثرهم عطاءً، (كفا) تمييز عن نسبة أجود إلى ضميره عَّه، وكذا كان قلبه أجود القلوب،
وأسخاها بالمال والمعارف، لا يبخل بشيء منها على مستحقه، وفي رواية أجود الناس صدرًا،
وأخرى أوسع الناس صدرًا، (وأصدق الناس لهجة،) بسكون الهاء، وفتح الجيم، أي: لسانًا، يعني
كلامًا، وإطلاقه على آلة الكلام، الذي هو اللسان مبالغة، والمعنى كلامه أصدق الكلام، لا مجال
لجريان صورة الكذب عليه، فوضع المظهر موضع المضمر، فلم يقل أصدقهم لزيادة التمكن،
كما في: ﴿قل هو الله أحد، اللَّه الصمد﴾ [الإِخلاص/١، ٢] الآية، حيث لم يقل هو الصمد،
﴿وبالحق أنزلناه وبالحق نزل﴾ [الإسراء/ ١٠٥] الآية، فما قال: وبه نزل وهاتان من صفاته من
قبل أن يبعث، قالت خديجة: إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري
الضيف؛ وتعين على نوائب الحق.
زاد في رواية: وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، (وخرج ابن عدي بإسناد فيه ضعف من
حديث أنس مرفوعًا، ((أنا أجود بني ادم))،) ورواه أبو يعلى وبقي بن مخلد في مسنديهما، عن
أنس رفعه: ألا أخبركم عن الأجود للّه الأجود، وأنا أجود ولد آدم، وأجودهم من بعدي رجل
تعلم علمًا، فنشر علمه، يبعث يوم القيامة أمة وحده، ورجل جاهد في سبيل اللَّه حتى يقتل، (فهو
عٍَّ بلا ريب) شك، (أجود بني ادم على الإطلاق، كما أنه أفضلهم؛ وأعلمهم، وأشجعهم،

١١٢
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
وأشجعهم وأكملهم في جميع الأوصاف الحميدة، وكان جوده بجميع أنواع
الجود، من بذل العلم والمال، وبذل نفسه لله في إظهار دينه وهدايته عباده إيصال
النفع إليهم بكل طريق، من إطعام جائعهم ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم،
وتحمل أثقالهم، ولقد أحسن ابن جابر حيث قال:
يروى حديث الندى والبشر عن يده ووجهه بين منهل ومنسجم
من وجه أحمد لي بدر ومن يده بحر ومن فمه در لمنتظم
يمم نبيًّا يباري الريح أنمله والمزن من كل هامى الودق مرتكم
لم تلق أعظم بحر منه إن تعم
لو عامت الفلك فيما فاض من يده
وأكملهم في جميع الأوصاف الحميدة، وكان جوده بجميع أنواع الجود من بذل العلم،
والمال وبذل نفسه للّه في إظهار دينه)، كما ظهر يوم حنين واحد إذ بقي بين العدو وحده، (وهدايته عباده:
إيصال النفع إليهم بكل طريق، من) بيان الجملة الطرق التي بان فيها جوده؛ (إطعام
جائعهم، ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمل أثقالهم، ولقد أحسن ابن جابر، حيث قال:
يروي حديث الندى،) كثرة الإِعطاء، (والبشر،) بكسر الموحدة، وسكون المعجمة، طلاقة الوجه
(عن يده) عائد للندى، (و) عن (وجهه) عائد للبشر، فهو لف ونشر مرتب، وهذا خير من رفع
وجهه، على أنه جملة حالية، لأن البشر لا تعلق له باليد، (بين منهل،) بضم الميم، وفتح الهاء،
وشد اللام، أي مطر كثير، (ومنسجم،) بضم الميم وسكون النون، وفتح السين، وكسر الجيم،
متوسط يريد أن عطاياه وطلاقة وجهه لا زمان له، لا ينفكان عنه غايته أنهما دائران بين الكثرة
والتوسط، والجملة صلة يروى، أو حال من الندى والبشر، (من وجه أحمد،) ولاح (لي بدر،) نور
كنوره (ومن يده بحر) عطاء، كالبحر، (ومن فمه در:) كبار اللؤلؤ، أي: ثنايا كدر، (لمنتظم) في
سلكه، فهو تشبيه بليغ في الثلاثة، أو استعارة تصريحية؛ (يمم،) اقصد في مهماتك (نبيًا) كثير
الخير والرحمة، بحيث (يباري،) بضم الفوقية، أو التحتية، والأكثر تأنيث الريح، فألف، فموحدة،
فراء، فتحتية، يغالب ويعارض (الريح) فعل (أمله) فتريد الريح فعل مثلها في سرعة الحصول،
والوصول إلى المحتاج، فلا تقدر على ذلك، وإن لم تنفك عن الهبوب (والمزن،) جمع مزنة
سحابة بيضاء، عطف على الريح، حال كون المزن (من كل هامي) سائل (الودق) المطر
(مرتكم:) مجتمع ماؤه لكثرته، أي: من كل سحاب كثير المطر، احترازًا عن سحاب لا مطر فيه،
والمعنى أن ما سأل منه، شابه أنملة في الإِعطاء، وإن افترقا، في أن عطاءه أتم وأرجح، (لو عامت
الفلك فيما فاض،) أي: في البحار التي فاضت (من يده، لم تلق أعظم بحر منه أن تعم،) فلا
تعوم إلاَّ فيه:

١١٣
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
يحيط كفاه بالبحر المحيط فلذ به ودع كل طامي الموج ملتطم
لو لم تحط كفه بالبحر ما شملت كل الأنام وروت قلب كل ظمي
فسبحان من أطلع أنوار الجمال من أفق جبينه، وأنشأ أمطار السحائب من
غمائم يمينه.
روى البخاري من حديث جابر: ما سئل رسول الله عَّ له عن شىء قط فقال:
لا، وكذا عند مسلم، أي ما طلب منه شىء من أمر الدنيا فمنعه.
قال الفرزدق:
ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم
يحيط كفاه بالبحر المحيط فلذ به ودع كل طامي الموج ملتطم
أي: اترك الأمواج الكثيرة التي دخل بعضها في بعض، لكثرتها والجأ إلى ما فاض من يده،
فما عداه بالنسبة له كالعدم، والمعنى إن عطاء غيره بالنسبة له لا يعد شيئًا:
لو لم تحط كفه بالبحر ما شملت كل الأنام وروت قلب كل ظمي
ظمآن لكنها شاملة كل العالم، فهو استدلال على دعواه إحاطة كفيه بالبحر، وذلك لأن
هدايته وإنقاذه من الضلال وشفقته شاملة لجميع العالم، قال تعالى وما أرسلناك ألا رحمة للعالمين،
فهو قياس استثنائى، فاستثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم، (فسبحان من أطلع أنوار الجمال من
أفق جبينه، وأنشأ أمطار السحائب من غمائم يمينه،) ثم استدل على دعواه كثرة إنعامه، فقال:
(روى البخاري، من حديث جابر بن عبد اللَّه، قال: (ما سئل رسول اللَّه عَ ل عن شيء قط)،
يقدر عليه من الخير، (فقال: لا) بل يعطيه إن كان عنده، أو يعده بميسور من القول، إن ساغ، وإلاّ
سكت، أو دعا، (وكذا عند مسلم) عن جابر، ولو قال: أولاً روى البخاري، ومسلم لا غناه عن هذا
(أي: ما طلب منه شيء من أمر الدنيا، فمنعه، قال الفرزدق:) همام بن غالب بن صعصعة، بن
ناجية التميمي، قال المرزباني: كان سيدًا جوادًا، فاضلاً وجيهًا، عند الأمراء، والخلفاء، وأكثر العلماء
يقدمونه على جرير، مات سنة عشر ومائة، وقد قارب، المائة، وقيل بلغ مائة وثلاثين سنة، والأول
أثبت، وصح أنه قال الشعر أربعًا وسبعين سنة، لأن أباه أتى إلى علي في سنة ست وثلاثين، فقال: إن
ابني شاعر، فقال علي: علمه القرءان، فإنه خير له من الشعر، فكان ذلك في نفس الفرزدق، فقيد
نفسه، وآلى أن لا يحل نفسه حتى يحفظ القرءان، ووهم من زعم؛ أنه صحابي، كما بينه في
· الإِصابة، (ما قال لا قط إلاَّ في تشهده).
أي نطقه بكلمة التوحيد، سواء كان في صلاة أم لا، (لولا التشهد كانت لاؤه نعم،) مرفوع،
على الحكاية، أي: هذا اللفظ، أي: لولا أنه ينطق، بلا في التشهد لم ينطق إلّ بنعم، وظاهر

١١٤
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
لكن قال شيخ مشايخنا الحافظ أبو الفضل بن حجر: ليس المراد أنه يعطي
ما يطلب منه جزمًا، بل المراد: أنه لا ينطق بالرد، بل إن كان عنده شيء أعطاه
إن كان الإعطاء سائغًا وإلا سكت. قال: وقد ورد بيان ذلك في حديث مرسل
لابن الحنفية عند ابن سعد ولفظه: كان إذا سئل فأراد أن يفعل قال: نعم،
سوق المصنف هذا البيت، وتبعه تلميذه الشامي أنه في مدح النبي عَّه، والذي في القصيدة، أنه
في زين العابدين علي بن الحسين، قال: في حياة الحيوان ينسب إلى الفرزدق، مكرمة يرجى له
بها الجنة، وهي أن هشام بن عبد الملك، لما حج أيام أبيه طاف بالبيت، وجهد أن يصل إلى
الحجر الأسود، فلم يقدر لكثرة الزحام، فجلس على كرسي ينظر الناس، ومعه جماعة من أعيان
الشام، فأقبل زين العابدين علي بن الحسين، فطاف، فلما انتهى إلى الحجر تنحى له الناس، حتى
استلمه، فقال شامي لهشام: من ذا الذي هابه الناس هذه الهيبة؟، فقال هشام: ما أعرفه مخافة أن
يرغب فيه أهل الشام، فقال الفرزدق: أنا أعرفه، فقال الشامي: من هو؟، فقال:
هذا ابن خير عباد اللَّه كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم
إلى أن قال:
وليس قولك من هذا يضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم
يستوكفان ولا يعروهما عدم
كلتا يديه غياث عم نفعهما
سهل الخليقة لا تخشى بوادره
يزينه إثنان حسن الخلق والكرم
حمال أثقال أقوام إذا فدجوا حلو الشمائل تحلو عنده نعم
وبعده ما قال لا البيت، وبعده:
عم البرية بالإحسان فانقشعت عنها الغياهب والأملاق والعدم
من معشر حبهم دين وبغضهم كفر وقربهم منجا ومعتصم
وهي خمسة وعشرون بيتًا، فغضب هشام، وحبس الفرزدق، فأنفذ له زين العابدين اثني
عشر ألف درهم، فردها، وقال: مدحته للَّه لا للعطاء، فأرسل يقول له: أنا أهل بيت إذا وهبنا شيئًا،
لا نستعيده، والله يعلم نيتك، ويثيبك عليها، فقبلها، (لكن قال: شيخ مشايخنا الحافظ أبو
الفضل بن حجر:) في فتح الباريسي (ليس المراد،) يقول جابر، فقال: لا (إنه يعطي ما يطلب
منه جزمًا،) لأنه خلاف الواقع، (بل المراد أنه لا ينطق بالرد، بل إن كان عنده شيء،) المطلوب،
أو غيره (أعطاه إن كان الإِعطاء سائقًا)، كالمباح، (وإلاّ سكت،) أو اعتذر، كما يأتي، أو دعا،
كما قال بعض، (قال: وقد ورد بيان ذلك في حديث مرسل لابن الحنفية،) محمد بن علي بن
أبي طالب اشتهر بأمه، (عند ابن سعد، ولفظه كان) عَِّ (إذا سئل، فأراد أن يفعل، قال: ((نعم)،

١١٥
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
وإن لم يرد أن يفعل سكت. وهو قريب من حديث أبي هريرة؛ ما عاب طعامًا
قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه.
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام معناه: لم يقع: لا منعًا للعطاء، ولا يلزم
من ذلك أن لا يقولها اعتذارًا كما في قوله تعالى: ﴿قلتَ لا أجد ما أحملكم
عليه﴾ [التوبة / ٩٢]، ولا يخفى الفرق بين قوله: لا أجد ما أحملكم وبين لا
أحملکم انتهى.
وهو نظير ما في حديث أبي موسى الأشعري: لما سأله الأشعريون الحملان
فقال عَّهِ: ما عندي ما أحملكم عليه.
لكن يشكل عليه أنه معَِّ حلف لا يحملهم فقال: والله لا أحملكم على
شىء فيمكن أن يخص من عموم حديث جابر، ما إذا سئل ما ليس عنده والسائل
يتحقق أنه ليس عنده ذلك، أو حيث كان المقام لا يقتضي الاقتصار على
السكوت من الحالة الواقعة، أو من حال السائل، كأن لم يكن يعرف العادة، فلو
وإن لم يرد أن يفعل سكت، وهو قريب من حديث أبي هريرة) السابق، (ما عاب طعامًا قط، إن
اشتهاه أكله، وإلاَّ تركه) كالضب، وبهذا لا يخالف ما ورد أن من سأله حاجة، لم يرده إلاَّ بها،
أو بميسور من القول، (وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام معناه،) أي: قول جابر، (لم يقع
لا منعًا للعطاء، ولا يلزم من ذلك أن لا يقولها اعتذارًا،) كذا في النسخ الصحيحة، بلا بعد أن،
وفي نسخة حذفها، وهي خطأ، (كما في قوله تعالى: ﴿قلت لا أجد ما أحملكم عليه﴾ الآية،
ولا يخفي الفرق بين قوله: لا أجد ما أحملكم،) لأن فيه الاعتذار بعدم الوجدان، (وبين
لا أحملکم،) لأنه منع، بلا اعتذار، (انتهى.
كلام العز، (وهو نظير ما في حديث أبي موسى،) عبد الله بن قيس (الأشعري، لما سأله
الأشعريون الحملان،) بضم، المهملة، وسكون الميم، أي: الشيء الذي یر کبون عليه، ويحملهم
في غزوة تبوك، (فقال عَّهِ: ((ما عندي ما أحملكم عليه،))) كما في رواية للشيخين، (لكن يشكل
عليه أنه عَّ، حلف لا يحملهم، فقال:) كما في رواية لهما أيضًا، ((والله لا أحملكم على
شيء»،) ووافقته، وهو غضبان، ولا أشعر، (فيمكن أن يخص من عموم حديث جابر، ما إذا سئل
ما ليس عنده، والسائل يتحقق أنه ليس عنده ذلك،) فلا تنافي بینه، وبین حديث أبي موسى،
(أو) يقال: يخص منه (حيث كان المقام، لا يقتضي الاقتصار على السكوت، من الحالة الواقعة،
أو من حال السائل، كأن لم يكن يعرف العادة،) من أنه إذا لم يرد الإِعطاء سكت، (فلو اقتصر

١١٦
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
اقتصر في جوابه على السكوت مع حاجة السائل لتمادى على السؤال مثلاً، ويكون
القسم على ذلك تأكيدًا لقطع طمع السائل، والسر في الجمع بين قوله: لا أجد ما
أحملكم وقوله: والله لا أحملكم إن الأول لبيان إن الذي سأله لم يكن موجودًا
عنده، والثاني أنه لا يتكلف الإجابة إلى ما سئل بالفرض مثلاً أو بالاستيهاب، إذ لا
اضطرار حينئذٍ.
وروى الترمذي أنه حمل إليه تسعون ألف درهم فوضعت على حصير، ثم
قام إليها يقسمها، فما رد سائلاً حتى فرغ منها.
قال: وجاءه رجل،
في جوابه على السكوت، مع حاجة السائل لتمادي على السؤال مثلاً، ويكون القسم على ذلك
تأكيدًا لقطع طمع السائل) عن السؤال، (والسر) الحكمة (في الجمع بين قوله: ((لا أجد ما
أحملكم))، وقوله: ((واللَّه لا أحملكم)، إن الأول لبيان إن الذي سأله لم يكن موجودًا عنده)
فاعتذر بعدمه (والثاني أنه لا يتكلف الأجابة إلى ما سئل بالفرض) السلف (مثلاً، أو
بالاستيهاب)، أي: طلب الهبة من أحد (إذ لا اضطرار حينئذ) لذلك، وفي الحديث أنه عَّة.
ابتاع ستة أبعرة بعد سويعة، وحملهم عليها.
(وروى الترمذي أنه حمل إليه تسعون،) بفوقية قبل السين، وفي رواية ابن أبي الحسن بن
الضحاك، في شمائله مرسلاً، ثمانون (ألف درهم) بغلية، أو طبرية، أو منهما، لا بقيد النصف من
كل، والدراهم التي في عهده منهما، ووزن أحدهما ثمانية دوائق، والأخرى أربعة، هذا والمبتادر
من صنيع المصنف، إن هذه الدراهم غير الدراهم الآتية من البحرين، فإنه أول مال حمل إليه،
فيكون هذا المجيء متأخرًا عن مال البحرين، وانظر أي زمان تأخر عنه، ومن أين قدومه، وما
سببه، كذا قال شيخنا: وفي بعض الهوامش، الجزم بأن هذه الدراهم هي التي حملت إليه من
البحرين، اختلف في عدتها؛ وأن الحديثين واحد، وهذا هو الأصل، والمتبادر، (فوضعت على
حصير، ثم قام إليها،) لعل المراد شرع (يقسمها،) أو أخذ يقسمها؛ بأن أمر به، وإن لم يقم
بالفعل، ولا باشر القسم بيده، (فما رد سائلاً،) لا يؤخذ منه أنه لم يعط إلاَّ من سأله، بل يصدق
بذلك، وبإعطاء من علم حاجته، فيدفع له إن كان عنده، بلا سؤال، أو يبعث إليه (حتى فرغ
منها) غاية لقوله: قسمها، أو لقوله: فما رد سائلاً، وليس المراد أنه يرد بعد الفراغ، فهو ونحو
حديث: أن اللَّه لا يمل حتى تملوا، (قال:) أي روى الترمذي في الشمائل بتصرف، قليل لا يغير
المعنى، (وجاءه رجل) لفظ الشمائل، عن عمر بن الخطاب أن رجلاً جاء إلى رسول اللَّه عَ لَّه.

١١٧
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
فقال ما عندي شىء ولكن ابتع علي، فإذا جاءنا شىء قضيناه، فقال له عمر: ما
كلفك الله ما لا تقدر، فكره النبي عَّهِ، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أنفق
ولا تخف من ذي العرش إقلالاً،
يسأله أن يعطيه، (فقال: ما عندي شيء، ولكن ابتع علي،) روي، بموحدة ساكنة، بعد همزة
الوصل، ففوقية، أي: اشترٍ واعدد، أو احسب علي، قال الزمخشري: البيع هنا الاشتراء، قال
طرفة :
ويأتيك بالأخبار من لا تبع له بتاتًا ولم تضرب له وقت موعد
وروى، بتقديم التاء الفوقية على الموحدة، أي: أحل علي، قال الزمخشري: اتبعت فلانًا
على فلان أحلته، ومنه خبر إذا اتبع أحدكم على ملىء، فليتبع، انتهى.
وفي رواية البزار عن عمر، فقال: ما عندي شيء أعطيك، ولكن استقرض حتى يأتينا
شيء، فنعطيك، فلا مانع من تفسير ابتع، أو اتبع باستقرض، تجوز الرواية البزار إذ الحديث واحد،
وليس بضمان، بل وعد منه، ووعده ملتزم الوفاء، إذ وعد الكريم دين، ولذا صح أنه لما توفي
نادى الصديق، لما جاءه مال البحرين من كان له عند رسول اللَّه عدة، أو دين، فليأتنا، فجاء
جابر، وقال أنه وعدني كذا، فأعطاه له الحديث في الصحيح، (فإذا جاءنا شيء) من غنائم، أو
غيرها (قضيناه،) أي: أديناه، وعبر بالجمع للتعظيم، أي: قضيته قضاء أنال به التعظيم من اللَّه، ولذا
لم يقل جاءني، وقضيته مع قوله علي، والقضاي، يشعر؛ بأنه لزم ذمته كذا وجهه بعض شراح
الشفاء، لأنه وقع فيها بالجمع، كما هنا، لكن لفظ الشمائل، فإذا جاء شيء قضيته، (فقال له
عمر:) القياس، فقلت له: فهو التفات عند بعض، أو رواية بالمعنى، قال: المصنف، وهو بعيد،
(ما كلفك اللَّه ما لا تقدر،) أي: ما ليس حاصلاً عندك، (فكره النبي عَّهُ) قول عمر، كما هو
لفظ الترمذي، أي: من حيث استلزامه قنوط السائل، وحرمانه، ولأن مثله ما لا يعد تكليفًا، لما
لا يقدر عليه، لما عوده اللَّه من فيض نعمه عليه، (فقال رجل من الأنصار،) حين رأى كراهة
المصطفى لذلك: (يا رسول اللَّه أنفق)، بفتح الهمزة، أمر من الإِنفاق، (ولا تخف) قال بعض:
كذا في غالب النسخ، ولعل الصواب، ولا تخش، فإنه يصير نصف بيت موزون، وليس هذا
الترجي بشيء (من ذي العرش،) قيد للمنفي، لا للنفي (إقلالاً،) فقرأ من قل، بمعنى افتقر، وهو
في الأصل، بمعنى صار ذا قلة، وما أحسن من ذي العرش هنا، أي: لا تخف أن يضيع مثلك، من
هو مدبر الأمر من السماء إلى الأرض، قال البرهان: في المقتفى هذا الرجل، لا أعرفه، وفي
حفظي أنه بلال لكنه مهاجري، لا أنصاري، فيكون قد قال ذلك بلال، والأنصاري، أو أن الذي
فيه ذكر بلال قصة أخرى، المأمور فيها بالإنفاق بلال روى الطبراني، والبزار عن ابن مسعود

١١٨
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
فتبسم عَّةٍ وعرف البشر في وجهه. وقال: بهذا أمرت.
وإنما فعل ذلك للمصلحة الداعية لذلك كالاستيلاف ونحوه.
وذكر ابن فارس في كتابه «أسماء النبي عَّ)) أنه في يوم حنين جاءت
امرأة فأنشدت شعرًا تذكره أيام رضاعته في هوازن فرد عليهم ما أخذه وأعطاهم
عطاء كثيرًا حتى قوّم ما أعطاهم ذلك اليوم فكان خمسمائة ألف
دخل النبي عَُّ على بلال، وعنده صبرة من تمر، فقال: ((ما هذا يا بلال)؟، قال: يا رسول اللَّه
دخرته لك، ولضيفانك، قال: ألا تخشى أن يفور لها بخار من جهنم؟، أنفق يا بلال، ولا تخشى
من ذي العرش إقلالاً، انتهى.
فما في حفظه؛ إنما هو في هذه القصة، فلا يصح تفسير المبهم ببلال لوجهين، (فتبسم
مَّ) فرحاً، بقول الأنصاري، (وعرف البشر في وجهه) بانبساطه، وتهلله، (وقال: بهذا،) أي
الانفاق من غير مخافة فقر، (أمرت) بنحو، وما أنفقتم من شيء، فهو يخلفه، لا بما، قال عمر:
فقدم الظرف ليفيد قصر القلب رد الاعتقاد عمر، (وإنما فعل ذلك، للمصلحة الداعية لذلك،
كالاستيلاف،» بسكون الياء، وأصله الهمزة، (ونحوه،) كدفع الضرر، واستشكل الحديث؛ بأن
اللَّه قال: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك﴾ [إِسراء/ ٢٩] الآية، وأجاب القاضي أبو يعلى، بأن
المراد بهذا الخطاب غيره عَّه، وغير خلص المؤمنين الذين كانوا ينفقون جميع ما عندهم، عن
طيب قلب لتوكلهم، وثقتهم بما عند اللَّه، أما من كان ليس كذلك يتحسر على ما ذهب منه،
فهم المحمود منهم التوسط ﴿الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا﴾ [الفرقان/٦٧] الآية،
لأنهم لا صبر لهم على الفاقة، ولذا صعب عليه عَّ كلام عمر، لما راعى ظاهر الحال، وأمره
بصيانة المال، شفقة عليه لعلمه بكثرة السائلين له، وتهافتهم عليه، والأنصاري راعى حاله عَّةٍ،
فلذا سره كلامه، فقوله: بهذا أمرت إشارة إلى أنه أمر خاص به، وبمن يمشي على قدمه، (وذكر
ابن فارس في كتابه أسماء النبي،) وفي نسخة في أسماء، أي: المؤلف في أسماء النبي (عَّ
أنه في يوم حنين جاءت،) وفي نسخة جاءته (امرأة، فأنشدت شعرًا تذكره أيام رضاعته في
هوازن، فرد عليهم، ما أخذه) من النساء، والبنين، ونسب إليه لأنه الأمير، وفي نسخة، بحذف
الهاء، مبني للفاعل، أي: ما أخذ مما نابه من الخمس، أو المفعول، أي: المسلمون، (وأعطاهم،)
عطف تفسير، أي: كان المردود، (عطاء كثيرًا،) لأنه لم يكن معه مال غير المأخوذ من الغنيمة،
وسمي المردود عطاء الملك الغانمين له، (حتى قوم ما أعطاهم ذلك اليوم، فكان خمسمائة ألف
ألف) من السبايا، وأما أموالهم، فلم يردها عليهم، لأنه كان قسم الجميع، فلما جائه مسلمين

١١٩
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
ألف. قال ابن دحية: وهذا نهاية الجود الذي لم يسمع بمثله في الوجود.
وفي البخاري من حديث أنس: أنه عَِّ أتي بمال من البحرين فقال: انثروه
- يعني صبوه - في المسجد، وكان أكثر مال أتي به عَّهِ، فخرج إلى المسجد
ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدًا إلا
أعطاه، إذ جاء العباس فقال: يا رسول الله أعطني، فإني فاديت نفسي وفاديت
عقیلاً،
خيرهم بين رد المال، أو السبايا، فاختاروا السبابا، فردهم، كما مر مفصلاً (قال ابن دحية، وهذا
نهاية الجود، الذي لم يسمع بمثله في الوجود،) وقال ابن إسحق: حدثني عبد اللَّه ابن أبي بكر،
عن رجل من العرب مشيت خلف رسول اللَّه عَّه يوم حنين، وفي رجلي نعل كثيفة، فوطئت بها
على رجله، فنفحني نفحة بسوط في يده، وقال: ((بسم الله أوجعتني))، فبت لنفسي لائمًا أقول:
أوجعت رسول اللَّه عَّهِ، فبت بليلة، كما يعلم اللَّه، فلما أصبحنا إذا رجل يقول ابن فلان،
فقلت: هذا الذي، واللّه كان مني بالأمس، فانطلقت، وأنا متخوف، فقال لي عَّهِ: (إنك وطئت
رجلي بالأمس، فأوجعتني، فنفحتك بسوط، فهذه ثمانون نعجة فخذها))، ونفحني، بنون، ففاء،
فمهملة، دفعني، ولعله أتى بالتسمية مع نفحة، إرادة أن لا يؤلمه الدفع، (وفي البخاري) في
مواضع (من حديث أنس أنه عَّةٍ أتى،) بضم الهمزة، مبني للمفعول، (بمال من) خراج
(البحرين،) لفظ تثنية بحر بلدة بين بصرة، وعمان، (فقال: الثروه،) بمثلثة (يعني صبوه،) فسره به
لدفع توهم أنه أمر بنثره مفرقًا (في المسجد) النبوي، وفيه جواز وضع ما يشترك المسلمون فيه
من صدقة، ونحوها في المسجد، ومحله ما لم يمنع مما وضع المسجد له من صلاة وغيرها،
مما بني المسجد لأجله، ونحو هذا الوضع وضع زكاة الفطر، ويستفاد منه جواز وضع ما يعم
نفعه في المسجد، كالماء لشرب من عطش، ويحتمل التفرقة، بين ما بوضع للخزن للتفرقة، وبين
ما يوضع للخزن، فيمنع الثاني دون الأول، قاله الحافظ: (وكان أكثر مال أتى به معٌَّ) من
الدراهم، أو من الخراج، فلا ينافي أنه غنم في حنين ما هو أكثر منه وقسمه، (فخرج إلى
المسجد، ولم يلتفت إليه) أي: المال، أي: لم يتعلق نظره بأخذ شيء منه لنفسه، ولا لأحد من
أصحابه به بعينه، ففيه غاية كرمه، وأنه لا يلتفت إلى المال قل، أو كثر.
(فلما قضي الصلاة جاء، فجلس إليه،) أي: عنده، (فما كان يرى أحداً إلاَّ أعطاه) منه (إذ
جاء العباس) عمه، من غير موعد سابق، قال في المصابيح: المعنى، فبينما هو على ذلك، إذ
جاءه العباس، (فقال: يا رسول اللَّه أعطني) منه، (فإني فاديت،) أي: أعطيت فداء (نفسي) يوم
بدر، (وفاديت عقيلاً،) بفتح العين، وكسر القاف ابن أبي طالب، وكان أسر مع عمه في غزوة

١٢٠
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
فقال له خذ، فحتى في ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال يا رسول الله، مر
بعضهم يرفعه علي، قال: لا، قال: فارفعه أنت علي، فقال: لا، فنثر منه ثم ذهب
يقله فلم يستطع فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه على، قال: لا، قال: فارفعه
أنت علي، قال: لا، فنثر منه ثم احتمله فألقاه على كاهله فانطلق، فما زال عَهـ
التر
يتبعه بصره حتى خفي علينا عجبًا من حرصه، فما قام عليه الصلاة والسلام وثم
منها درهم.
وفي رواية ابن أبي شيبة
بدر، (فقال له خذ فحثى،) بمهملة، ومثلثة، من الحثية، وهي ملء اليد (في ثوبه) أي: حتى
العباس في ثوب نفسه، (ثم ذهب يقله،) بضم أوله، من الإقلال، وهو الرفع والحمل، أي: يرفعه،
(فلم يستطع) حمله، (فقال: يا رسول اللَّه مر بعضهم،) بضم الميم، وسكون الراء، وفي رواية:
أؤمر بالهمز (يرفعه عليّ) بالجزم لأنه جواب الأمر ويجوز الرفع أي فهو يدفعه قاله الحافظ وقال
المصنف أؤمر بهمزة مضمومة، فأخرى ساكنة، وبحذف الأولى، وتصير الثانية ساكنة، وهذا جار على
الأصل، وللأصيلي مر على وزن على، حذف منه فاء الفعل لاجتماع المثلين في أول كلمة، وهو مؤد
إلى الاستثقال، فصار أمر، فاستغنى عن همزة الوصل المتحرك ما بعدها، فحذفت، ولأبي ذر في
نسخة، برفعه بموحدة مكسورة، وسكون الفاء، (قال: ((لا) آمر أحدًا برفعه))، (قال: فأرفعه أنت عليّ،
فقال: ((لا) أرفعه))، وإنما فعل ذلك تنبيهًا له على الاقتصاد، وترك الاستكثار من المال، (فنثر)
العباس (منه، ثم ذهب يقله، فلم يستطع، فقال: يا رسول اللَّه مر بعضهم يرفعه علي، قال:
(لا) قال: فارفعه أنت علي، قال: ((لا) أرفعه)، وكأن العباس فهم أنه لا يكلف بعض أصحابه
برفعه، فسأله أن يرفعه هو إدلالاً عليه، (فنثر منه، ثم احتمله، فألقاه على كاهله،) أي: بين كتفيه.
قاله الحافظ وغيره، قال ابن كثير: كان العباس شديدًا طويلاً نبيلاً، قلما احتمل شيئًا
يقارب أربعين ألفًا، (فانطلق،) وفي رواية، ثم انطلق، وهو يقول: إنما أخذت ما وعد اللَّه، فقد أنجز
يشير إلى قوله تعالى: ﴿أن يعلم الله في قلوبكم خيرًا يؤتكم خيرًا مما أخذ منكم﴾ [الأنفال/
٧٠] الآية، (فما زال عَّ يتبعه،) بضم أوله، وسكون ثانية، وكسر ثالثه، أي: يتبع العباس، (بصره
حتى خفي علينا) غاب شخصه عنا، بحيث لا نراه (عجبًا،) بالنصب مفعول مطلق، (من حرصه،
فما قام عليه الصلاة والسلام) من ذلك المجلس، (وثم،) بفتح المثلثة، أي: هناك (منها) أي:
الدراهم (درهم) جملة حالية من مبتدّاً مأخر، وهو درهم، وخبره منها، ومراده نفي أن يكون
هناك درهم، فالحال قيد للمنفي، لا للنفي، فالمجموع منتف بانتفاء القيد لانتفاء المقيد، وإن
كان ظاهره نفي القيام حالة ثبوت الدراهم، قاله البرماوي، والعيني، (وفي رواية ابن أبي شيبة،