النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية بيدي الليل والنهار. وعند مسلم في حديث: لا يسب أحدكم الدهر. ابن آدم بسب. الدهر، قال القرطبي: معناه يخاطبني من القول بما يتأذى به، من يجوز في حقه التأذي واللَّه منزه عن أن يصل إليه الأذى، وإنما هذا من التوسع في الكلام والمعنى، أن من وقع ذلك منه، تعرض لسخط اللَّه، قال الحافظ: وهذا السياق مختصر، وقد رواه الطبري. عن أبي هريرة عن النبي عَّةُ، قال: كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، هو الذي يميتنا ويحيينا، فقال اللَّه تعالى في كتابه: ﴿وقالوا ما هي إلاَّ حياتنا الدنيا﴾ [الجاثية/ ٢٤] الآية، قال: فيسبون الدهر، قال اللَّه تعالى: ﴿يؤذيني ابن آدم يسب الدهر (وأنا الدهر﴾)، قال الخطابي: معناه أنا صاحب الدهر، ومدبر الأمور التي تنسبونها إلى الدهر، فمن سب الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور، عاد سبه إلى ربه الذي هو فاعلها، وإنما الدهر زمان جعل ظرفًا لمواقع الأمور، وكانت عادتهم إذا أصابهم مكروه أضافوه إلى الدهر، فقالوا: بؤسًا للدهر، وتبًا للدهر، وقال النووي: أنا الدهر، بالرفع في ضبط الأكثرين والمحققين، ويقال بالنصب على الظرف أي أنا باقٍ أبدًا، والموافق لقوله فإن اللَّه هو الدهر، الرفع، وهو مجاز، وذلك لأن العرب كانت تسب الدهر عند الحوادث، فقال: لا تسبوه، فإن فاعلها هو اللَّه، فإن سببتموه سببتموني، أو الدهر هنا بمعنى الداهر، فقد حكى الراغب أن الدهر في يسب بنو آدم الدهر، هو الزمان، وفي، فإن اللَّه هو الدهر، المدبر، المصرف، لما يحدث، ثم استضعفه لعدم الدليل عليه، وبأنه لو كان كذلك لعد من أسماء اللَّه، وكذا قال محمد بن داود الظاهري، محتجًا لروايته، بفتح الراء، بأنه لو كان بضمها، لكان من أسماء اللَّه، وتعقب بأن ذلك ليس بلازم، ولا سيما مع رواية، فإن اللَّه هو الدهر. قال ابن الجوزي: يصوّب ضم الراء من أوجه، أحدها، إن الضم رواية المحدثين، ثانيها لو نصب صار، التقدير، فإنا لدهر أقلبه، فلا تكون علة النهي. عن سبه مذكورة، لأنه تعالى يقلب الخير والشر، فلا يستلزم ذلك منع الذم، ثالثها رواية: فإن اللَّه هو الدهر انتهى. وهذه الأخيرة لا تعين الرفع، لأن للمخالف أن يقول التقدير، فإن اللَّه هو الدهر يقلبه لترجع للراوية الأخرى، وكذا ترك علة النهي لا يعين، لأنها تعرف من السياق، أي: لا ذنب له، فلا تسبوه انتھی. (بيدي الليل والنهار،) وفي رواية أحمد، ولا تسبوا الدهر، فإن الله تعالى، قال: أنا الدهر، الأيام والليالي لي، أحددها، وأبليها، وأتي بملوك بعد ملوك، (وعند مسلم في حديث لا يسب أحدكم الدهر). قال في الفتح: ومعنى النهي عن سبه، إن من اعتقد أنه فاعل للمكروه، فسبه أخطأ، فإن ٨٢ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية ومحصل ما قيل في تأويله، ثلاثة أوجه: أحدها: أن المراد بقوله: إن الله هو الدهر، أي: المدبر للأمور. ثانيها: أنه على حذف مضاف. أي: صاحب الدهر. ثالثها: التقدير: مقلب الدهر. ولذلك عقب في رواية البخاري: بيدي الليل والنهار. وقال المحققون: من نسب شيئًا من الأفعال إلى الدهر حقيقة كفر، ومن جرى على لسانه غير معتقد لذلك فليس بكافر، لكن يكره له ذلك لتشبهه بأهل الكفر في الإطلاق. اللَّه هو الفاعل، فإذا سبه رجع إلى اللَّه، قال: (ومحصل ما قيل في تأويله) لعدم جواز بقائه على ظاهره، (ثلاثة أوجه، أحدها أن المراد بقوله: إن اللَّه هو الدهر، أي: المدبر للأمور،) ومنها جلب الحوادث ودفعها، (ثانيها أنه على حذف مضاف اي صاحب الدهر) اي الخالق له إذ هو مده زمان الدنيا كما قال القاضي عياض (ثالثها) انه أيضًا، لكن (التقدير مقلب الدهر،) بالإِضافة، وعدمها (ولذلك عقب في رواية البخاري))) المذكورة (بيدي الليل والنهار) أقلبهما، كيف شئت، وأجددهما، وأبليهما، (وقال المحققون: من نسب شيئًا من الأفعال إلى الدهر حقيقة كفر،) لأنه ذهب مذهب الدهرية من الكفار المنكرين للصنع، زاعمين أن مرور الأيام والليالي هو المؤثر في هلاك النفوس، منكرين ملك الموت، وقبضه للأرواح بأمر اللَّه، ويضيفون كل حادثة تحدث إلى الدهر والزمان، وأشعارهم ناطقة بشكواه، ويعتقدون أن في كل ثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذا، قد تكرر مرات لا تتناهى، فكابروا القول، وكذبوا النقول، ووافقهم مشركوا العرب، وذهب إليه آخرون، لكنهم اعترفوا بوجود الصانع، الإِله الحق عزّ وجلّ، إلاَّ أنهم نزهوه أن تنسب إليه المكاره، فأضافوها إلى الدهر، فسبوه. (ومن جرى على لسانه؛) بأن قصد النطق حالة کونه (غير معتقد، لذلك فليس بكافر، لكن يكره له ذلك، لتشبهه بأهل الكفر في الإطلاق،) زاد في الفتح، وهذا نحو التفصيل في قولهم مطرنا، بنوء كذا وقال عياض: زعم بعض من لا تحقيق له أن الدهر من أسماء اللَّه، وهو غلط، فإن الدهر مدة زمان لدنيا، وعرفه بعضهم؛ بأنه أمد مفعولات اللَّه في الدنيا، أو فعله، لما قبل الموت، وقد تمسك الجهلة من الدهرية والمعطلة، بظاهر هذا الحديث، واحتجوا به على من لا رسوخ له في العلم، وهو بنفسه حجة عليهم، لأن الدهر عندهم حركات الفلك، وأمد العالم، ولا شيء عندهم، ولا صانع سواه، وكفى في الرد عليهم قوله في بقية الحديث: أنا لدهر أقلبه ليله ونهاره، فكيف يقلب الشيء نفسه تعالى اللَّه عن قولهم علوًا كبيرًا، وقال ابن أبي جمرة، ٨٣ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية وما خير عَُّلِّ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه. رواه البخاري. أي بين أمرين من أمور الدنيا لا إثم فيهما، وأبهم (فاعل)» خير ليكون أعم. من قبل الله أو من قبل المخلوقين. وقوله: إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا: أي ما لم يكن الأسهل مقتضيًا للإِثم فإنه حينئذٍ يختار . لا يخفى أن من سب الصنعة، فقد سب صانعها، فمن سب الليل والنهار، أقدم على أمر عظيم بغير معنى، ومن سب ما يجري فيهما من الحوادث، وذلك هو أغلب ما يقع من الناس، وهو الذي يعطيه سياق الحديث، حيث نفي عنهما التأثير، فكأنه قال: لا ذنب لهما في ذلك. وأما الحوادث، فمنها ما يجري بواسطة العاقل المكلف، فهذا يضاف شرعًا ولغة إلى الذي أجرى على يديه، ويضاف إلى اللَّه، لكونه بتقديره، فأفعال العباد من اكتسابهم، ولذا تترتب عليها الأحكام، وهي في الابتداء خلق اللَّه، ومنها ما يجري، بلا واسطة، فهو منسوب إلى قدرة القادر، وليس الليل والنهار، فعل، ولا تأثير، لا لغة، ولا عقلاً، ولا شرعًا، وهو المعنى في هذا الحديث، ويلتحق بذلك ما يجري من الحيوان غير العاقل، ثم النهي عن سب الدهر، تنبيه بالأعلى الأدنى، فلا يسب شيء مطلقًا، إلاَّ ما أذن الشرع فيه، لأن العلة واحدة، واستنبط منه أيضًا منع الحيلة في البيوع، مثل العينة، لأنه نهى عن سب الدهر، لما يؤول إليه من حيث المعنى، وجعله سبًا لخالقه، انتھی. (وما خير عٍَّ بين أمرين، إلا اختار) وفي رواية: إلاَّ أخذ (أيسرهما،) أسهلهما، (ما لم یکن إثمًا، فإن كان) الأيسر (إثمًا كان أبعد الناس منه). (رواه البخاري) في الصفة النبوية والأدب، ومسلم في الفضائل، وأبو داود في الأدب، كلهم من حديث عائشة، وتمامه، وما انتقم رسول اللَّه عَّظالم لنفسه، إلاَّ أن تنتهك حرمة اللَّه، فينتقم لله بها، (أي بين أمرين من أمور الدنيا) يدل عليه قوله: ما لم يكن إثما، لأن أمور الدين، لا إثم فيها، هكذا شرحه الحافظ بإفراده ضمير فيها، فسقط من قلم المصنف بعض الكلام، فأتى بقوله: (لا إثم فيهما،) مثنى عائدًا على الأمرين، فضاع قوله ما لم يكن إثمًا، فاللائق بقاء الأمرين على عمومهما، اللهم إلاَّ أن يكون قيد بذلك، نظرًا لكونه عَّه لا يخير بين حرامين، ولا حرام وغيره، (وأبهم) الشخص الراوي عائشة، (فاعل خير،) بمعنى بناءً للمجهول، (ليكون أعم) من أن يكون التخيير (من قبل اللَّه تعالى، أو من قبل المخلوقين،) أي جهتهم، (وقوله: إلاَّ اختار، أيسرهما) وقوله، أي: مع قوله: (ما لم يكن إثمًا، أي: ما لم يكن الأسهل مقتضيًا للإِثم، فإنه ٨٤ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية الأشد. وفي حديث أنس عند الطبراني في الأوسط: إلا اختار أيسرهما ما لم يكن لله فيه سخط. ووقوع التخيير بين ما فيه إثم وما لا إثم فيه من قبل المخلوقين واضح. ومن تواضعه عليه الصلاة والسلام أنه لم يكن له بواب راتب، كما جاء عن أنس أنه قال: مر النبي عَّه بامرأة وهي تبكي عند قبر، فقال: اتقي الله واصبري، فقالت: إليك عني فإنك خلو من مصيبتي، قال فحاوزها ومضى. فمر بها رجل فقال لها: ما قال لك رسول الله عٍَّ؟ قالت: ما عرفته، قال: إنه لرسول الله عَ ليه حينئذٍ يختار الأشد) على النفس، لما فيه من عدم الجر إلى الإِثم، (وفي حديث أنس عند الطبراني في الأوسط: إلاَّ اختار أيسرهما، ما لم يكن للّه فيه سخط، ووقوع التخيير بين ما فيه إثم، وما لا إثم فيه من قبل المخلوقين واضح،) زاد الحافظ، وأما من قبل اللَّه ففيه إشكال، لأن التخيير إنما يكون بين جائزين، لكن إذا حملناه على ما يفضي إلى الإِثم أمكن ذلك، بأن يخيره بين أن يفتح عليه من كنوز الأرض ما يخشى من الاشتغال به، أن لا يتفرغ لعبادة مثلاً، وبين أن لا يؤتيه من الدنيا إلاَّ الكفر، فيختار الكفاف، وإن كانت السعة أسهل منه، والإِثم على هذا أمر نسبي، لا يراد منه معنى الخطيئة، لثبوت العصمة له، انتهى. (ومن تواضعه عليه الصلاة والسلام، أنه لم يكن له بواب راتب،) فلا ينافي وجود بواب أحيانًا، لأمر ما، (كما جاء عن أنس، أنه قال: مر النبي ◌َّ بامرأة،) لم يعرف الحافظ اسمها، (وهي تبكي عند قبر،) زاد في رواية عبد الرزاق: مرسلاً، فسمع منها ما يكره، أي: من نوح، أو غيره، ولم يعرف الحافظ أيضًا اسم المقبور، قال: لكن في رواية مسلم إشعار بأنه ولدها، ولفظه تبكي على صبي لها، وصرح به عبد الرزاق في مرسل يحيى بن أبي كثير، ولفظه قد أصيبت بولدها، (فقال) لها: ((يا أمة اللَّه (اتقى الله،) خافي غضبه (واصبري،) لا تجزعي ليحصل لك الثواب، (فقالت: إليك)،) اسم فعل، بمعنى تنح وابعد، (عني فإنك خلو،) بكسر المعجمة، وسكون اللام، وبالواو، فارغ خالي البال (من مصيبتي،) وفي رواية، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، (قال: فحاوزها ومضى، فمر بها رجل،) هو الفضل بن عباس، كما عند الطبراني في الأوسط، (فقال لها: ما قال لك رسول اللَّه عَّه؟، قالت: ما عرفته،) لأنه من تواضعه، لم يكن يستتبع الناس وراءه، إذا مشى، كعادة الملوك والكبراء، مع ما كانت فيه من شدة الوجد والبكاء، (قال: إنه لرسول اللَّه عَّه)) زاد مسلم في رواية، فأخذها مثل الموت من شدة الكرب الذي ٨٥ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية قال فجاءت إلى بابه فلم تجد عليه بوابًا. الحديث رواه البخاري. لكن في حديث أبي موسى الأشعري: أنه كان بوابًا للنبي عٍَّ لما جلس على القف. وجمع بينهما: بأنه كان عليه الصلاة والسلام إذا لم يكن في شغل من أهله ولا انفراد من أمره أنه كان يرفع حجابه بينه وبين الناس ويبرز لطالب الحاجة إليه. أصابها، لما عرفت أنه رسول اللَّه، (قال: فجاءت إلى بابه فلم تجد عليه بوابًا،) بالأفراد عند البخاري في الأحكام، وله في الجنائز، فلم تجد عنده بوابين بالجمع، وفائدة هذه الجملة؛ أنه، لما، قيل لها أنه لرسول اللَّه، استشعرت خوفًا وهيبة في نفسها، فتصورت أنه، كالملوك له حاجب وبواب، يمنع الناس من الوصول إليه، فوجدت الأمر بخلاف ما تصورته، كذا قال الطيب: (الحديث) بقيته، فقالت لم أعرفك، فقال: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى)). (رواه البخاري) في الجنائز والأحكام، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي في الجنائز، وهو صريح، في أنه لم يكن له بواب، (لكن في حديث أبي موسى الأشعري؛ أنه كان بوابًا للنبي عَّهِ، لما جلس على القف،) بضم القاف، وبالفاء: الدكة تجعل حول البثر، أو حافة البئر، روى البخاري، ومسلم أن أبا موسى توضأُ في بيته، ثم خرج، فقلت: لألزمن رسول اللَّهُ عَّهِ، ولأكونن معه يومي هذا، فجاء المسجد، فسأل عنه، فقالوا: خرج ووجه ههنا، فخرجت أثره أسأل عنه، حتى وجدته دخل بئر أريس، فجلست عند الباب، وبابها من جريد، حتى قضى عَّمِ حاجته وتوضأ، فقمت إليه، فإذا هو جالس على بثر أريس، وتوسط قفها، وكشف عن ساقيه، ودلاهما في البئر، فسلمت عليه، ثم انصرفت، فجلست عند الباب، فقلت: لأكونن بواب رسول اللَّه اليوم، زاد البخاري في الأدب: ولم يأمرني الحديث في مجيء أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمن، واستئذانه لهم، وقوله عليه السلام، في كل افتح له وبشره بالجنة، وفي رواية أبي عوانة، فقال لي: (أملك على الباب، فلا يدخل عليَّ أحد))، وجمع النووي باحتمال أنه أمره بحفظ الباب، حتى يقضي حاجته ويتوضأ، لأنها حالة تستر، ثم حفظه أبو موسى من تلقاء نفسه، وادعى الشارح أن عبارة المصنف تشعر بأنه اتخذه بوابًا، وهو خلاف الحديث: إلاَّ أن يكون، لما أقرِهِ نسب إليه، وليت شعري من أين الإِشعار، مع أن لفظه أنه كان بوابًا، ولم يقل اتخذه بوابًا إلاّ أن ادعى أن الإشعار من الجمع المذكور بقوله: (وجمع بينهما؛ بأنه كان عليه الصلاة والسلام، إذا لم يكن في شغل من أهله، ولا انفراد من أمره، أنه) الأولى، حذفها وكأنه أتى بها مذكرة للسابقة، (كان يرفع حجابه بينه وبين الناس، ويبرز لطالب الحاجة إليه،) أي: ٨٦ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية وفي حديث عمر رضي الله عنه حين استأذن له الأسود في قصة حلفه عَِّ أن لا يدخل على نسائه شهرًا، ففيه: أنه كان في وقت خلوته يتخذ البوّاب، ولولا ذلك لاستأذن عمر بنفسه ولم يحتج إلى قوله يا رباح استأذن لي. ولكن يحتمل أن يكون سبب استئذان عمر أنه خشي أن يكون وجد عليه بسبب ابنته، فأراد أن يختبر ذلك باستئذانه عليه، فلما أذن له اطمأن. وقد اختلف في مشروعية الحجاب للحاكم. فقال الشافعي وجماعة: ينبغي للحاكم أن لا يتخذ حاجبًا. وذهب آخرون: إلى جوازه. وحمل الأول على زمن سكون الناس واجتماعهم على الخير وطواعيتهم للحاكم، وقال آخرون: بل يستحب ذلك ليرتب الخصوم ويمنع المستطيل، ويدفع الشرير، والله تعالى أعلم. وإذا اشتغل بأمر نفسه اتخذ بوابًا. (وفي حديث عمر رضي الله عنه، حين استأذن له) العبد (الأسود) رباح، الآتي (في قصة حلفه ◌َّةٍ، أن لا يدخل على نسائه شهرًا، ففيه أنه كان في وقت خلوته)، وهو يتخذ البواب وقتها، (ولولا ذلك لاستأذن عمر بنفسه، ولم يحتج إلى قوله: يا رباح استأذن لي، ولكن) لا دليل فيه، إذ (يحتمل أن يكون سبب استئذان عمر، أنه خشي أن يكون) المصطفى (وجد) غضب (عليه، بسبب ابنته) حفصة أم المؤمنين إذ كانت من جملة سبب الحلف، كما تقدم في القصة، (فأراد أن يختبر ذلك باستئذانه عليه، فلما أذن له اطمأن،) سكن ودخل عليه، (وقد اختلف في مشروعية الحجاب، للحاكم، فقال الشافعي، وجماعة: ينبغي للحاكم أن لا يتخذ حاجبًا،) لأنه المعروف من حال المصطفى، وقد روى أحمد في الزهد، وغيره، عن الحسن: واللَّه ما كان رسول اللَّه عَ ◌ّ تغلق دونه الأبواب، ولا تقوم دونه الحجاب، ولا يغدي عليه بالجفان، ولا يراح بها عليه، ولكنه كان بارزًا من أراد أن يلقى نبي اللَّه لقيه، كان يجلس على الأرض ويطعم الطعام بالأرض، ويلبس الغليظ، ويركب الحمار، ويردف خلفه، ويلعق يده، (وذهب آخرون إلى جوازه، وحمل الأول على زمن سكون الناس، واجتماعهم على الخير، وطواعيتهم للحاكم، وقال آخرون: بل يستحب ذلك ليرتب الخصوم، ويمنع المستطيل ويدفع الشرير، واللَّه تعالى أعلم) بالحق من ذلك. ٨٧ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية وأما ما روي من حيائه عَّ، فحسبك ما في البخاري من حديث أبي سعيد: كان رسول الله عَّ أشد حياء من العذراء في خدرها. والعذراء هي البكر. والخدر : - بكسر الخاء المعجمة - أي في سترها. وهو من باب التتميم، لأن العذراء في الخدر يشتد حياؤها أكثر مما تكون خارجها، لكون الخلوة مظنة وقوع الفعل بها. فالظاهر: أن المراد تقييده بما إذا دخل عليها (وأما ما روي من حياته مَّ) لم يقل، وأما حياؤه على منوال سابقه ولاحقه، إذ الفصل معقود لبيان الصفات، لا المروي كأنه، لأن حياءه وقوته علم من مواضع، كالصريحة في كلامه،. ولأن اتصافه به ثابت، مشهور عند الناس، خاصتهم وعامتهم، لا يحتاج لبيان، فلم يجعله مقصودًا، وإنما القصد بيان الروايات، الواردة فيه، وجواب أما محذوف، أي: ففيه أحاديث كثيرة، (فحسبك) أي: يكفيك عن طلب حقيقة حيائه، لأنك إذا علمت وصفه بما ذكر، علمت أنه لا يساويه فيه أحد، (ما في البخاري) في الصفة النبوية، والأدب، ومسلم في الفضائل، وابن ماجه في الزهد، (من حديث أبي سعيد) الخدري، قال: (كان رسول اللَّه عَّ أشد حياءً) نصب على التمييز، وهو تغير وانكسار عند خوف، ما يعاب، أو يذم، (من العذراء)،) بالذال المعجمة، البكر، لأن عذرتها، وهي جلدة البكارة باقية، (في خدرها،) وأخرجه البخاري من وجه آخر، عن أبي سعيد بزيادة، وإذا كره شيئًا عرف في وجهه، وهو إشارة إلى أنه لم يكن يواجه أحد، إنما يكرهه، بل يتغير وجهه، فيفهم أصحابه كراهته لذلك، كما في الفتح: (والعذراء) بالمد، (هي البكر) ذات العذرة، وجمعها عذارى، بفتح الراء، وكسرها، فهما مترادفان لغة، وأما شرعًا، فالعذراء أخص من البكر، لأنها من لم تزل عذرتها بشيء، والبكر من لم تزل بكارتها بوطء، ولو أزيلت بسقطة وحدة حيض، ونحوهما، (والخدر، بكسر الخاء المعجمة،) وإسكان الدال المهملة مبتدأ وخبر، وقوله: (أي: في سترها) تفسير لقوله في خدرها، والإِضافة عهدية أي في الستر المعهود اتخاذه لها، قال المجد: الخدر: ستر يمد للجارية، أي: البنت في ناحية البيت، کالأخدور، و كل ما، واراك من بیت ونحوه، جمعه خدور واخدار. (وهو من باب التتميم، لأن العذراء في الخلوة، يشتد حياؤها أكثر مما تكون خارجها، لكون الخلوة مظنة وقوع الفعل،) الوطء (بها، فالظاهر أن المراد تقييده،) أي قوة حيائها في خدرها، (بما إذا دخل عليها،) بالبناء للفاعل، أي: من تحتشمه أخذًا من قوله أولاً، لكون الخلوة ٨٨ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية في خدرها لا حيث تكون منفردة فيه. والحياء - بالمد - وهو من الحياة، ومنه: الحيا للمطر، لكن هو مقصور. وعلى حسب حياة القلب تكون فيه قوّة خلق الحياء، وقلة الحياء من موت القلب والروح، وكلما كان القلب حيًّا كان الحياء أتم. وهو في اللغة: تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، وقد يطلق على مجرد ترك الشىء بسبب. والترك إنما هو من لوازمه. وفي الشرع: خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق. الخ ... ، أو المفعول، أي: دخل أحد، ولو امرأة (في خدرها،) فحينئذٍ يشتد حياؤها، (لا حيث تكون منفردة فيه،) فقد لا يحصل لها حياء، أو لا يشتد لعدم مقتضيه. زاد الحافظ: ومحل وجود الحياء منه عَُّ في غير حدود اللَّه، ولهذا قال للذي اعترف بالزنا: أنكتها لا يكنى، كما في الصحيح في كتاب الحدود، وأخرج البزار هذا الحديث، عن أنس، وزاد في آخره، وكان يقول الحياء خير كله، وأخرج عن ابن عباس: كان عَّ يغتسل من وراء الحجرات، وما رأى أحد عورته قط، وإسناده، حسن انتهى. وروى أحمد، وأبو داود والبخاري في الأدب المفرد، والنسائي، والترمذي في الشمائل، عن أنس: كان عٍَّ لا يواجه أحدًا في وجهه بشيء يكرهه، فدخل عليه يومًا رجل، وعليه أثر صفرة، فلما قام، قال لأصحابه: لو غير، أو نزع هذه الصفة، وفي رواية: لو أمرتم هذا أن يغسل هذه الصفرة، (والحياء، بالمد) مبتدأ وخبر، (وهو) مأخوذ (من الحياة،) لأنه ينشأ عن تمييز الحسن من القبيح، ومنشأ ذلك وجود الحياة التي هي صفة تصبر ذا الروح حيّا، (ومنه) أي: المعنى المأخوذ منه الحياء الممدود، (الحيا للمطر، لكن هو مقصور على المشهور، ويمد كما في القاموس، (وعلى حسب حياة القلب،) يقظته، ومعرفته، لما يضره وينفعه في الدارين، (تكون فيه قوة خلق الحياء، وقلة الحياء من موت القلب والروح،) أي: فقد صفاتها المقتضية للكمال لا الجسم اللطيف، (وكلما كان القلب حيًا كان الحياء أتم،) ولذا كان تمام الحياء في المصطفى، إذ لا قلب أحيى من قلبه، (وهو في اللغة تغير وانكسار، يعتري الإِنسان من خوف ما يعاب به، وقد يطلق على مجرد ترك الشيء بسبب، والترك إنما هو من لوازمه،) فتسميته حياء مجاز من تسمية اللازم باسم ملزومه، (وفي الشرع خلق يبعث،) يحمل من قام به (على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق،) وهو اللَّه تعالى في حق عباده، والصديق في حق صديقه، والسيد في حق عبده إلى غير ذلك، ولذا جاء في الحديث: الحياء من الإِيمان، والحياء ٨٩ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية وقال ذو النون: الحياء وجود الهيبة في الخلق، مع وحشة ما يسبق منك إلى ربك، والحب ينطق والحياء خير كله، والحياء لا يأتي إلاَّ بخير، وهذا التعريف الذي ذكره المصنف لغة، وشرعًا لفظ الفتح في باب أمور الإِيمان، ثم قال: فيه في باب الحياء من الإِيمان، ما لفظه، قال: الراغب الحياء انقباض النفس عن القبيح، وهو من خصائص الإنسان ليرتدع عن ارتكاب كل ما يشتهي، فلا يكون، كالبهيمة، وهو مركب من خير وعفة، فلذا لا يكون المستحي فاسقًا، وقلما يكون الشجاع مستحيًّا، وقد يكون لمطلق الانقباض، كما في بعض الصبيان انتهى ملخصًا. وقال غيره: هو انقباض النفس خشية ارتكاب ما يكره، أعم من أن يكون شرعيًا، أو عقليًا، أو عرفيًا، ومقابل الأول فاسق، والثاني مجنون، والثالث أبله. وقال الحليمي: حقيقة الحياء خوف الذم بنسبة الشر إليه، وقال غيره: إن كان في محرم، فهو واجب، وإن كان في مكروه، فهو مندوب، وإن كان في مباح، فهو العرفي، وهو المراد بقوله: الحياء لا يأتي إلاّ بخير، ويجمع كل ذلك؛ أن المباح إنما هو ما يقع على نهي الشرع، إثباتًا ونفيًا، وجاء عن بعض السلف: رأيت المعاصي نذالة، فتركتها مروأة، فصارت ديانة، وقد يتولد الحياء من اللَّه تعالى، من التقلب في نعمة، فيستحي العاقل أن يستعين بها على معصيته، وقد قال بعض السلف: خف اللَّه على قدر قدرته عليك، واستحي منه على قدر قربه منك، انتهى كلام الفتح رحمه الله. (وقال ذو النون،) المصري، ثوبان بن إبراهيم، أبو الفيض، أحد المشايخ المذكورين في رسالة القشيري، ولد بأخميم، وحدث عن لملك، والليث، وابن لهيعة، وعنه الجنيد، وغيره، وكان أوحد وقته علمًا، وأدبًا، وورعًا، وهو أول من عبر عن علوم المنازلات، وأنكر عليه أهل مصر، وقالوا: أحدث علمًا لم يتكلم فيه الصحابة، وسعوا به إلى الخليفة المتوكل، ورموه بالزندقة، فأحضره من مصر على البريد، فلما دخل عليه وعظه، فبكى المتوكل، ورده مكر ما، مات في ذي القعدة، سنة خمس وأربعين ومائتين، وقد قارب السبعين، فأظلت الطير الخضر جنازته، ترفرف عليه، حتى وصل إلى قبره، فلما دفن غابت، فاحترم أهل مصر قبره، وكانوا يسمونه الزنديق، (الحياء وجود الهيبة في الخلق،) بفتح، فسكون، أي النوع الإِنساني، احترازًا عن البهائم، وفي نسخ في القلب بدل في الخلق، (مع وحشة،) أي: خوف (ما) شىء (يسبق) يصدر (منك، إلى ربك،) مما يخالف أمره، أو نهيه، أو أصل الوحشة بين الناس، الانقطاع، وبعد القلوب من المودات، (والحب ينطق،) يحمل المحب على التكلم بما في ضميره، مما يريد إخفاءه قهرًا عليه، (والحياء يسكت) عن التكلم بما يريده، (والخوف يقلق،) يزعج، يعني أن خوف العبد ٩٠ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية يسكت، والخوف يقلق. وقال يحيى بن معاذ: من استحى من الله مطيعًا استحى الله منه وهو مذنب. وهذا الكلام يحتاج إلى شرح ومعناه: أن من غلب عليه خلق الحياء من الله حتى في حال طاعته فقلبه مطرق بين يديه إطراق مستحي خجل، فإنه إذا وقع منه ذنب استحى الله من نظره إليه في تلك الحالة لكرامته عليه، فيستحي أن يرى من وليه ما يشينه عنده. وفي الشاهد شاهد لذلك، فإن الرجل إذا اطلع على أخص الناس به وأحبهم إليه وأقربهم منه، من صاحب أو ولد أو من يحبه، وهو يخونه، فإنه يلحقه من ذلك الاطلاع عليه حياء عجيب حتى كأنه هو الجاني. وهذا غاية الكرم. وللحياء أقسام ثمانية يطول استقصاؤها. منها: حياء الكرم، كحياته عٍَّ من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب، وطوّلوا عنده المقام، واستحيا أن يزعجه مخافة أن يصيبه ما يخاف منه، (وقال يحيى بن معاذ) الرازي، أحد الأولياء الكبار المشهورين، الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، المتوفى بنيسابور، سنة ثمان وخمسين ومائتين، (من استحى من اللَّه مطيعًا، استحى اللَّه منه، وهو مذنب،) أي: عامله معاملة المستحي منه إذا لتغير الخ ... محال على اللَّه، (وهذا الكلام يحتاج إلى شرح، ومعناه: أن من غلب عليه خلق الحياء من اللَّه، حتى في حال طاعته))) إذ لا يقدر على الإِتيان بها، كما أمر، (فقلبه مطرق،) ساكن في مقام الخوف، (بين يديه إطراق مستحي خجل، فإنه إذا وقع منه ذنب استحى اللَّه من نظره إليه)، أي: ترك، نظره إليه نظر انتقام (في تلك الحالة لكرامته عليه، فيستحي أن يرى من وليه،) رؤية غضب وعقاب، (ما يشينه،) بفتح أوله، وكسر الشين، يعيبه (عنده، وفي الشاهد،) أي: المشاهد المرئي، (شاهد) دليل (لذلك) ظاهر، (فإن الرجل إذا اطلع على أخص الناس به، وأحبهم إليه، وأقربهم منه، من صاحب، أو ولد، أو من يحبه، وهو يخونه فإنه يلحقه،) أي: المطلع (من ذلك الاطلاع حياء عجيب، حتى كأنه هو الجاني، وهذا غاية الكرم،) أي: النفاسة والعزة فيمن قام، يقال: كرّم الشيء كرمًا نفس وعز، فهو كريم، والجمع كرام، وكرماء، كما في المصباح، (وللحياء أقسام ثمانية، يطول استقصاؤها). (منها حياء الكرم، كحيائه عَبد من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب) بنت جحش، لما تزوجها، وكانت خبزًا ولحمًا، أشبع المسلمين، (وطولوا عنده المقام) بعد الأكل، (واستحيا ٩١ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية يقول لهم انصرفوا. ومنها: حياء العبودية، وهو حياء يمتزج بين محبة وخوف ومشاهدة عدم صلاحية عبوديته لمعبوده، وأن قدره أعلى وأجل منها، فعبوديته له توجب استحياء منه لا محالة. ومنها: حياء المرء من نفسه، وهو حياء النفوس الشريفة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص، وقنعها بالدون، فيجد نفسه مستحييًا من نفسه، حتى كأن له نفسين، يستحي بإحداهما من الأخرى، وهذا أكمل ما يكون من الحياء، فإن العبد إذا استحيا من نفسه فهو بأن يستحي من غيره أجدر. والحياء - كما قال عليه الصلاة والسلام - لا يأتي إلا بخير، وهو من الإيمان. أن يقول لهم انصرفوا،) فقام فقاموا، إلاّ ثلاثة، أو اثنين، فمكثوا حتى انطلق إلى أزواجه، فسلم عليهن، ثم قاموا، فأخبره أنس، فجاء، فدخل على زينب. ومنها حياء المحب من محبوبه، حتى أنه إذا خطر على قلبه في حال غيبته، هاج تحرك الحياء من قلبه، وأحس به في وجهه، فلا يدري هو، أي: المحب ما سببه. (ومنها حياء العبودية، وهو حياء يمتزج،) يختلط (بين محبة وخوف، ومشاهدة عدم صلاحية، عبودية لمعبوده، وإن قدره أعلى وأجل منها؛ فعبوديته له توجب استحياء منه، لا محالة) بفتح الميم. (ومنها حياء المرء من نفسه، وهو حياء النفوس الشريفة الرفيعة، من رضاها لنفسه بالنقص، وقنعها بالدون) في المطلوب دنيويًا، أو أخرويًا؛ (فيجد نفسه مستحييًا من نفسه، حتى كأن له نفسين يستحيي بإحداهما من الأخرى، وهذا أكمل ما يكون من الحياء، فإن العبد إذا استحيا من نفسه، فهو بأن يستحيي من غيره أجدر) أحق، وهذه أربعة من الثمانية. (والحياء، كما قال عليه الصلاة والسلام: لا يأتي إلاَّ بخير،) لأن من استحيا أن يراه الناس يأتي بقبيح، دعاه ذلك إلى أن يكون حياؤه من ربه أشد، فلا يضيع فريضة، ولا يرتكب خطيئة، (وهو من الإِيمان،) لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي، كما يمنع الإِيمان، فسمي إيمانًا، كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه، قاله ابن قتيبة: ومن للتبعيض، فهو كرواية: الحياء شعبة من الإِيمان، ولا يرد إذا كان بعضه ينتفي الإِيمان بانتفائه، لأن الحياء من مكملات الإِيمان، ونفي الكمال لا يستلزم نفي الحقيقة، فأول الحياء، وأولاه الحياء من اللَّه، وهو أن لا يراك حيث نهاك، ٩٢ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية كما رواهما البخاري. قال القاضي عياض وغيره: وإنما جعل الحياء من الإيمان - وإن كان غريزة - لأن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى قصد واكتساب وعلم. وقال القرطبي: الحياء المكتسب هو الذي جعله الشارع من الإيمان، وهو المكلف به دون الغريزي، غير أن من كان فيه غريزة منه فإنها تعينه على المكتسب، حتى يكاد يكون غريزة، قال: وكان عَّ قد جمع له النوعان، فكان في الغريزي أشد حياء من العذراء في خدرها. وقال القاضي عياض: وروي عنه عَّ: أنه كان من حياته لا يثبت بصره في وجه أحد. وأما خوفه مع ربه جل وعلا، ولا يفقدك حيث أمرك، وكماله إنما ينشأ عن المعرفة ودوام المراقبة، (كما رواهما) الحديثين (البخاري،) ومسلم، فحديث الحياء لا يأتي إلاّ بخير، روياه عن عمران بن حصين، وحديث الحياء من الإيمان، أخرجاه عن ابن عمر، (قال القاضي عياض: وغيره: وإنما جعل الحياء من الإِيمان، وإن كان غريزة) جبلة، (لأن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى قصده،) أراده، (واكتساب، وعلم،) فهو غريزي أصلاً؛ واكتسابي كمالاً، (وقال القرطبي،) وأبو العباس في شرح مسلم: (الحياء المكتسب هو الذي جعله الشارع من الإِيمان، وهو المكلف به دون الغريزي، غير أن من كان فيه غريزة منه، فإنها تعينه على المكتسب؛ حتى يكاد يكون) المكتسب (غريزة). (قال: وكان عَّ، قد جمع له النوعان: فكان في الغريزي أشد حيًا من العذراء في خدرها،) وسئل بعضهم هل الحياء من الإِيمان مقيدًا ومطلق؟، فقال: مقيد بترك الحياء في المذموم شرعًا، فعدمه مطلوب في النصح والأمر والنهي الشرعي، أن اللَّه لا يستحيي أن يضرب مثلاً، واللَّه لا يستحيي من الحق، (وقال القاضي عياض) في الشفاء: (وروي عنه عَّله؛ أنه كان من حيائه لا يثبت،) بضم أوله رباعي، لا بفتحها ثلاثي، لإِيهامه العجز (بصره،) أي: لا يديم نظره (في وجه أحد،) ولا يتأمله، فإثبات البصر بمعنى إطالة النظر، من غير تخلل إغماض الجفن ونحوه، حتى كان بصره صار قارًا في المرئي، كما قال المتنبي: وخصر تثبت الأبصار فيه كأن عليه من حدق نطاقا قال السيوطي: هذا الحديث ذكره صاحب الأحياء، ولم يجده العراقي. (وأما خوفه مَُّ ربه جل وعلا،) فكان على غاية لا يساويه أحد فيه، فالجواب محذوف، ٩٣ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية فاعلم أن الخوف والوجل والهيبة والرهبة ألفاظ متقاربة غير مرادفة. قال الجنيد: الخوف توقع العقوبة على مجاري الأنفاس. وقيل الخوف: اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوّف. وقيل الخوف: قوة العلم بمجاري الأحكام، وهذا سبب الخوف، لا أنه نفسه. وقيل: الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره. والخشية أخص من الخوف، فإن الخشية للعلماء بالله تعالى: قال الله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر / ٢٨]، فهو خوف مقرون بمعرفة. وقال عَّ ◌ُله: أنا أتقاكم الله وأشدكم له خشية، دلت عليه الأحاديث الآتية: وإذا أردت بيان معنى الخوف، (فاعلم أن الخوف، والوجل، والهيبة؛ والرهبة ألفاظ متقاربة غير مرادفة،) لأن المترادفين: كل لفظين اتحدا في المفهوم وإلى ما صدق، وهذه الألفاظ ليست متحدة في المفهوم، كما علم من تعاريفها. (قال الجنيد: الخوف توقع العقوبة على مجاري الأنفاس،) بأن يتصور أن كل نفس يقوم به، يخشى أن تحل به عقوبة عنده، وهو من إضافة الصفة للموصوف، أي: الأنفاس الجارية، أي: عقب كل نفس جار، والمجاري: جمع مجرى مصدر جرى، ويطلق أيضًا على أواخر الكلم، فإن فسرت به المجاري، حملت على الأثر الحاصل عقب كل نفس، (وقيل: الخوف اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوّف،) أي: الأمر الذي يخاف وقوعه به، (وقيل الخوف قوة العلم،) ثبوته وتحققه (بمجاري الأحكام،) من إضافة الصفة للموصوف، أي: بالأحكام الجارية (وهذا) التعريف (سبب الخوف،) لأن من تحقق عواقب الأمور وراقبها خاف وقوعها، فالعقوبات مخوفة، وقوة العلم سبب لخوف وقوعها، (لا أنه نفسه،) أي الخوف، (وقيل الخوف هرب القلب،) نفرته وجزعه (من حلول المكروه عند استشعاره، والخشية أخص من الخوف، فإن الخشية للعلماء بالله تعالى، قال اللَّه تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾) لا الجهال [فاطر / ٢٨] الآية، (فهو خوف مقرون بمعرفة،) أي: فخشية الله هي خوف عقابه، مع تعظيمه بأنه غير ظالم في فعله، بخلاف مطلق الخوف، فإنه يتحقق عند تهديد الظالم له. (وقال عَّةٍ: ((أنا أتقاكم للّه)))) لأني أعلمكم به، وكلما زاد العلم زادت التقوى والخوف، ولذا قال: ((وأشدكم له خشية)،) فلا ينبغي لكم التنزه عن مباح فعلته، وفي الصحيحين عن عائشة، صنع النبي معَّه شيئًا ترخص فيه، وتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي عَّله، فقال: ما بال أقوام ٩٤ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية فالخوف حركة والخشية انجماع وانقباض وسكون، فإن الذي يرى العدو والسيل ونحوهما له حالتان: إحداهما حركته للهرب منه وهي حالة الخوف، والثانية سكونه وقراره في مكان لا يصل إليه وهي الخشية. وأما الرهبة: فهي الإمعان في الهرب من المكروه، وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه. يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني لأعلمهم باللّه وأشدهم له خشية، قال الداودي: التنزه عما رخص فيه من أعظم الذنوب، لأنه يرى نفسه أتقى للّه من رسوله، وهذا الحاد، قال في فتح الباري: لا شك في الحاد من اعتقد ذلك، لكن في حديث أنس عند البخاري جاء ثلاثة إلى أزواجه عَِّ يسألون عن عبادته، فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن منه، وقد غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر، ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبدًا، فجاء عَّةِ إليهم فقال: أنتم الذين قلتم، كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولعبد الرزاق من مرسل سعيد بن المسيب: أن الثلاثة عليّ، وعبد الله بن عمرو بن العاصي، وعثمن بن مظعون. قال الحافظ: ومرادهم أن بيننا وبينه بونا بعيدًا، فأنا على حذر التفريط وسوء العاقبة، وهو معصوم، مأمون العاقبة، وأعمالنا جنة منا لعقاب، وأعماله مجلبة للثواب، فرد عَّهِ ما اختاروا لأنفسهم بأن ما استأثرتم به من الإفراط في الرياضة، لو كان أحسن من العدل الذي أنا عليه، لكنت أنا أولى بذلك، ففيه الحث على الاقتداء به؛ والنهي عن التعمق، وذم التنزه عن المباح، شكا في إباحته، وأن العلم باللّه يوجب اشتداد الخشية. وقال الحافظ: في محل آخر فيه ردمًا بنوا عليه أمرهم، من أن المغفور له لا يحتاج إلى مزيد في العبادة، بخلاف غيره، فأعلمهم أنه مع كونه لم يبالغ في التشديد، أخشى اللَّه وأتقى من الذين يشددون، وإنما كان كذلك، لأن المشدد لا يأمن من الملل، بخلاف المقتصد، فإنه أمكن لاستمراره، وخير العمل ما داوم عليه صاحبه، (فالخوف حركة) على أن الخوف اضطراب القلب؛ أما على بقية الأقوال السابقة، فلعل المراد أنه ينشأ عنه ما يرى في الخارج. (والخشية: الجماع، وانقباض، وسكون،) وأشار إلى الفرق بينهما بالمحسوس، (فإن الذي يرى العدو والسيل، ونحوهما له حالتان: إحداهما حركته للهرب منه، وهي حالة الخوف، والثانية سكونه وقراره) ثباته، (في مكان لا يصل إليه، وهي الخشية، وأما الرهبة،) بالفتح، اسم من رهب من باب تعب، (فهي الإِمعان في الهرب من المكروه، وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه،) أي: طلبه له، فسمي الطلب سفرًا لمشابهته له في قطع ٩٥ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية وأما الوجل: فرجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته. وأما الهيبة: فخوف مقارن للتعظيم والإجلال، وأكثر ما يكون مع المعرفة والمحبة. والإجلال: تعظيم مقرون بالحب. فالخوف لعامة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين، والهيبة للمحبين، والإجلال للمقربين. وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية، كما قال عَّله: إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية، رواه البخاري، وقال عليه الصلاة والسلام: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبکیتم کثیرًا، المسافة، لتحصيل المطلوب، أو لأن الطلب لازم للسفر، (وأما الوجل: فرجفان القلب والصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته). (وأما الهيبة: فخوف مقارن للتعظيم والإِجلال، وأكثر ما يكون مع المعرفة، والمحبة، والإِجلال: تعظيم مقرون بالحب،) وهذا استطرادي ذكر لتمام الصفات التي عند الصوفية؛ كالخشية، إذ المذكور في قوله أولاً فأعلم ليس فيه واحد من الثلاثة، (فالخوف لعامة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين،) وفي نسخة العاملين، (والهيبة للمحبين، والإِجلال للمقربين، وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية، كما قال عَّهِ: ((إني لأعلمكم باللّه، وأشدكم له خشية،) قال العز بن عبد السلام: فيه إشكال، لأن الخوف والخشية، حالة تنشأ عن ملاحظة شدة النقمة الممكن وقوعها بالخائف، وقد دلت القواطع على أنه عَّةٍ غير معذب، وقال تعالى: ﴿يوم لا يخزى اللَّه النبي﴾ الآية، فكيف يتصور منه الخوف؟، فكيف أشد الخوف؟، قال: والجواب أن الذهول جائز عليه، فإذا ذهل عن موجبات نفي العقاب، حدث له الخوف، (رواه البخاري) ومسلم من حديث عائشة. (وقال عليه الصلاة والسلام: ((لو تعلمون ما أعلم))) من عظمة اللَّه وانتقامه ممن يعصيه، والأهوال التي تقع عند النزع والموت، وفي القبر ويوم القيامة، ((لضحكتم قليلاً)،) أي: لما ضحكتم أصلاً؛ إذ القليل، بمعنى العديم، لأن لو حرف امتناع لامتناع، وقيل: معناه لو تعلمون ما أعلم مما أعد في الجنة من النعيم، وما حفت عليه من الحجب، لسهل عليكم ما كلفتم به، ثم إذا تأملتم ما وراء ذلك من الأمور الخطرة، وانكشاف الغطاء يوم العرض على اللَّه، لاشتد خوفكم، فلم تضحكوا، (ولبكيتم كثيرًا،) لغلبة الحزن واستيلاء الخوف؛ واستحكام الوجل. قال الكرماني: فيه من البديع مقابلة الضحك بالبكاء، والقلة بالكثرة، ومطابقة كل منهما، ٩٦ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية رواه البخاري من حديث أبي هريرة، وفيه دلالة على اختصاصه عَّه بمعارف بصرية وقلبية. وقد يطلع الله عليها غيره من المخلصين من أمته لكن بطريق الإجمال، وأما تفاصیلها فاختص بها عيد. وفي صحيح مسلم من حديث أنس أنه عليه الصلاة والسلام قال: والذي نفس محمد بيده، لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار. فقد جمع الله له بين علم اليقين (رواه البخاري من حديث أبي هريرة،) في حديث طويل. قال في الفتح: ومناسبة كثرة البكاء، وقلة الضحك في هذا المقام: واضحة، والمراد به التخويف، وقد جاء لهذا الحديث سبب، أخرجه سنيد في تفسيره بسند، رواه الطبراني، عن ابن عمر: خرج ◌َّ إلى المسجد، فإذا بقوم يتحدثون ويضحكون، فقال: والذي نفسي بيده، لو تعلمون، فذ کره، انتھی. (وفيه دلالة على اختصاصه عَِّ بمعارف بصرية)، كرؤية الجنة والنار وأهوالها، (وقلبية) كالأحكام التي لم يطلع عليها غيره، (وقد يطلع اللَّه عليها غيره من المخلصين من أمته، لكن بطريق الإِجمال، وأما تفاصيلها، فاختص بها عَّه) زيادة في كرامته، ولأنه هو الذي يحتملها. (وفي صحيح مسلم، من حديث أنس؛ أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((والذي نفس محمد بيده لو رأيتم ما رأيت)»،) أي: لو علمتم ما علمته من الأمور ومنه رؤية بصري وعلمي بإلهام ووحي أحوال البعث والنشور، وعذاب القبر وغير ذلك، مما لم يقع ولا يدرك بالبصر؛ (لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا،) فرأى علمية، والمتبادر أنها بصرية، لأنهم (قالوا: وما رأيت يا رسول اللَّه؟، قال: رأيت الجنة والنار) إذ هو رآهما رؤية بصرية، ليلة المعراج، وفي صلاة الكسوف. وروى ابن أبي شيبة برجال ثقات، والطبراني عن أبي سعيد كنا يومًا عند رسول اللَّه عَلِّ، فرأيناه كئيبًا، فقال بعضنا: بأبي أنت وأمي ما سبب هذا؟، فقال: سمعت هدة لم أسمع مثلها، فأتاني جبريل، فسألته عنها، فقال: هذه صخرة هوت من شفير جهنم منذ سبعين خريفاً، فهذا حين بلغت قعرها، فأحب أن يسمعك صوتها، فما رؤي ضاحكًا بعد حتى قبضه الله تعالى، ورواه ابن أبي الدنيا عن أنس؛ وهذا مما يؤيد حملها على العلمية، وهو أولى لشمولها للبصرية، (فقد جمع اللَّه له بين علم اليقين،) وهو قبول ما ظهر من الحق وما غاب، ويجري فيه النقل ٩٧ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية وعين اليقين مع الخشية القلبية، واستحضار العظمة الإلهية على وجه لم يجتمع لغيره، ولذا قال: إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا، وهو في الصحيح من حديث عائشة. وكان عَّه يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء، رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه بلفظ: كأنين الرحى، أي خنين من الخوف - بالخاء المعجمة - وهو صوت البكاء. وقيل: هو أن يجيش جوف ويغلي بالبكاء. وأما ما روي من شجاعته والاستدلال. (وعين اليقين) وهو شهود الأشياء، كما هي كشفًا عيانًا، (مع الخشية القلبية، واستحضار العظمة الإلهية، على وجه لم يجتمع لغيره، ولذا قال: إن أتقاكم) اسم أن (وأعلمكم باللّه،) عطف عليه (أنا) خبرها. قال الحافظ: وفيه إقامة الضمير المنفصل مقام المتصل، ومنعه أكثر النحاة إلا لضرورة، وأولوا قوله، وإنما يدافع عن إحسابهم أنا أو مثلي، بأن الاستثناء مقدر، أي: وما يدافع إلا أنا. قال بعض الشراح: والحديث يشهد للجواز بلا ضرورة، (وهو في الصحيح) للبخاري (من حديث عائشة،) قالت: كان عَِّ إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون، قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول اللَّه، قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب حتى عرف الغضب في وجهه، ثم يقول: ((إن أتقاكم وأعلمكم باللَّه أنا))، (وكان عَُّ يصلي ولجوفه أزيز) بزاءين منقوطتين: صوت (كأزيز المرجل،) بكسر الميم، وسكون الراء، وفتح الجيم، ولام، قدر من نحاس (من البكاء،) لغلبة الخشية عليه، يسيل دمعه، فيسمع لجوفه ذلك، ولا يرد إن شدة البكاء في الصلاة تبطلها، لأن بكاءه لم يكن بصوت، بل تدمع عيناه حتى تهملا، كما قدمه المصنف في مبحث ضحكه. (رواه النسائي،) وأبو داود، (وابن خزيمة، وابن حبان،) كل منهما (في صحيحه، بلفظ كأنين الرحى،» أي: صوت كصوتها، يقال: أزت الرحى إذا صوتت، كما في الترغيب، (أي: خنين،) بفتح الخاء المعجمة، وكسر النون، ضرب من البكاء، دون الانتحاب، كما في النهاية، (من الخوف) من اللَّه، وقوله: (بالخاء المعجمة، وهو صوت البكاء،) ضبط بقوله خنين، (وقيل هو أن يجيش،» بجيم، ومعجمة، (ويغلي بالبكاء،) عطف تفسير، ففي المصباح جاشت القدر، يجيش جيشًا، غلت، وقوله بالخاء إلى هنا لفظ النهاية. (وأما ما روى من شجاعته،) مثلث الشين، مصدر شجع بالضم، شجاعة، فهو شجيع، ٩٨ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية عليه الصلاة والسلام وقوته في الله وشدته، فعن أنس، قال: كان رسول الله عَ ليه أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس، لقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله عَّة راجعًا قد سبقهم إلى الصوت واستبرأ الخبر وشجاع، بضم الشين، وبنو عقيل، بفتحها، حملاً على نقيضه، وهو جبان، وبعضهم كسرها للتخفيف، فرارًا من توالى حركات متوالية، من جنس واحد، وهو الشديد القلب، عند البأس المستهين بالحروب، (عليه الصلاة والسلام وقوته،) يعني: كما أنه تام لقوة في أعضائه، فهو تامِها في حقوق اللَّه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، مراقب لحدوده، حافظ لها، لا يخاف (في اللَّه) لومة لائم، (وشدته،) وظاهر المصنف تغاير هذا الألفاظ، والمفهوم من كلام غيره ترادفها، وأنها، وإن اختلفت مفهومًا متحدة ما صدقا. قال الشامي: الشجاعة انقياد النفس مع قوة غضبية وملكة يصدر عنها انقيادها في أقدامها، متدربة على ما ينبغي في زمن ينبغي، وحال ينبغي، ومن في المصنف بيانية بتقدير مضاف، أي: من دال شجاعته، إذ الشجاعة ليست مروية، ولما كانت شجاعته معلومة لكل الناس، لم يحتج إلى بيانها، بل بين المروي، فقال: (فعن أنس، قال: كان رسول اللَّه عَ ل أحسن الناس) صورة وسيرة، لأن اللَّه أعطاه كل الحسن، (وأجود الناس) لتحليه بصفات اللَّه، التي منها الجود والكرم، أي: بكل ما ينفع، فحذف للتعميم، أو لفوت إحصائه كثرة، لأن من كان أعظمهم شرفًا، وأيقظهم قلبًا؛ وألطفهم طبعًا، وأعدلهم مزاجًا جدير بأن يكون أسمحهم صورة، وأنداهم يدًا، ولأنه مستغنٍ عن الفانيات بالباقيات الصالحات. (وأشجع الناس:) أقواهم قلبًا في حال البأس، فكان الشجاع منهم الذي يلوذ بجانبه عند التحام الحرب، وما ولى قط ولا تحدث أحد بفراره؛ وقد ثبتت أشجعيته بالتواتر النقلي، بل أخذه بعضهم من النص القرآني لقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي، جاهد الكفار والمنافقين﴾ الآية، فكلفه وهو فرد جهاد الكل، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولا ضير في كون المراد هو ومن معه، إذ غايته أنه قوبل بالجميع، وذلك مفيد للمقصود، وهذه الثلاث أمهات الأخلاق الفاضلة، فلذا اقتصر عليها، كما يأتي للمصنف بيانه، (لقد فزع،) بكسر الزاي، خاف (أهل المدينة ذات ليلة،) من صوت سمعوه، كما أفاده بقوله: (فانطلق الناس قبل،) بكسر، ففتح، جهة (الصوت،) ليعرفوا خبره، لظنهم أنه عدو، (فتلقاهم رسول اللَّه عَّ- راجعًا،) حال كونه (قد سبقهم إلى الصوت) وحده، وذلك دليل على كمال شجاعته، لمبادرته منفردًا للخروج، (واستبرأ الخبر،) بمهملة، وفوقية، وموحدة، وهمزة، وقد تبدل ألفًا، أي: كشفه، ووقف على حقيقته. ٩٩ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية على فرس لأبي طلحة عري والسيف في عنقه وهو يقول: لن تراعوا. وفي رواية: كان فزع بالمدينة فاستعار النبي عَّ فرسًا من أبي طلحة يقال له المندوب، فركبه عليه الصلاة والسلام فلما رجع قال: ما رأينا من شىء، وإن وجدناه لبحرًا، أو إنه لبحر. قال وكان فرسًا يبطؤ. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي. وللبخاري: إن أهل المدينة فزعوا مرة، فركب عَ لّه فرسًا لأبي طلحة كان يقطف، قال في الأساس: استبرأت الشيء، طلبت آخره لأقطع الشبهة عني، (على فرس لأبي طلحة،) زيد بن سهل، زوج أم أنس، استعاره منه، (عري،) بضم المهملة، وسكون الراء، ليس عليه سرج، ولا أداة، ولا يقال في الآدميين، إنما يقال: عريان (والسيف في عنقه،) أي: حمائله معلقة في عنقه الشريف، متقلدًا به، وهذا هو السنة في حمل السيف، كما قاله ابن الجوزي: لأشده في وسطه، كما هو العرف الآن، (وهو يقول لن تراعوا،) لن هنا، بمعنى لم، بدليل الرواية الآتية، والمراد نفي سبب الروع، أي: الخوف، أي: ليس هناك شيء تخافونه، وهذا أخرجه البخاري في باب مدح الشجاعة في الحرب من كتاب الجهاد، وفي الأدب ومسلم في فضائل النبي ◌َّ واللفظ له، (وفي رواية) عن أنس: (كان فزع) بفتح الفاء، والزاي، أي خوف من عدو (بالمدينة، فاستعار النبي عَِّ فرسًا من أبي طلحة، يقال له المندوب،) قيل: سمي بذلك من الندب وهو الرهن عند السباق، وقيل لندب كان في جسمه، وهو أثر الجرح، وقال عياض: يحتمل أنه لقب أو اسم لغير معنى كسائر الأسماء. (فركبه عليه الصلاة والسلام، فلما رجع قال: ما رأينا من شيء) يوجب الفزع، (وإن وجدناه،) أي: الفرس (لبحرا،) أي: واسع الجري، ومنه سمي البحر بحرًا لسعته، وتبحر فلان في العلم، إذا اتسع فيه، وقيل شبهه بالبحر، لأن جريه لا ينفذ، كما لا ينفذ ماء البحر، (أو أنه البحر) بالشك، وفي رواية المستملي، وإن وجدنا بحذف الضمير. قال الخطابي: إن هي النافية، واللام في لبحرًّا، بمعنى إلا، أي: ما وجدناه إلا بحرًا. قال ابن التين: هذا مذهب الكوفيين، وعند البصريين؛ أن إن مخففة من الثقيلة، واللام زائدة، وكذا قال الأصمعي: وزيدت للفرق بين أن المخففة والنافية، (قال: وكان فرسًا يبطؤ،) بفتح الياء، وسكون الموحدة، وضم الطاء، مخففًا، وبالهز، أي: لا يسرع في مشيه، (رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وللبخاري) في الجهاد، عن أنس: (إن أهل المدينة فزعوا مرة) ليلاً، (فركب ◌َّةٍ فرسًا لأبي طلحة، كان يقطف،) بكسر الطاء، وتضم، قاله المصنف، (أو فيه ١٠٠ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية أو فيه قطافًا، فلما رجع قال: وجدنا فرسكم هذا بحرًا، فكان بعد لايجاري. وفي أخرى له: ثم خرج يركض الفرس وحده فركب الناس يركضون خلفه فقال: لن تراعوا، إنه لبحر، فما سبق بعد ذلك اليوم. وقوله لن تراعوا: أي روعًا مستقرًا، أو روعًا يضركم. وفي هذا الحديث بيان شجاعته عٍَّ من شدة عجلته في الخروج إلى العدو قبل الناس كلهم، بحيث كشف الحال ورجع قبل وصول الناس. وفيه: بيان عظيم بركته ومعجزته في انقلاب الفرس سريعًا بعد أن كان بطيئًا وهو معنى قوله عليه قطافاً،) بكسر القاف، والشك من الراوي، والمراد أنه كان بطيء المشي، وعند البخاري في باب آخر، فركب فرسًا لأبي طلحة بطيئًا، (فلما رجع) بعد أن استبرأ الخبر، (قال: وجدنا فرسكم هذا بجرّا،) لسرعة جريه، (فكان بعد لا يجاري،) بضم أوله، وفتح الراء، مبني للمجهول، أي: لا يسابق في الجري، ولا يطيق فرس الجري معه ببركته عَّله، قاله المصنف وغيره، وقال شيخنا: أي لا يسابق لعلمهم؛ بأنه لا يسبقه فرس غيره، (وفي أخرى له») للبخاري في باب السرعة والركض، في الفزع من كتاب الجهاد، عن أنس قال: فزع الناس، فركب عَِّ فرسًا لأبي طلحة بطيئًا، (ثم خرج يركض الفرس وحده) من غير رفيق، (فركب الناس، يركضون خلفه، فقال:) حسين رجع: (لن تراعوا) كذا في النسخ لن، والذي في البخاري في الباب المذكور: لم تراعوا بالمیم. قال المصنف: ولم، بمعنى، لا مجزوم بحذف النون (إنه،) أي: الفرس (لبحر،) أي: : كالبحر في سرعة سيره، (فما سبق،) بضم السين، مبني للمفعول، (بعد ذلك اليوم، وقوله: لن تراعوا، أي: روعًا مستقرًا، أو روعًا يضركم،) فلا ينافي وقوع الفزع لهم، وحاصل الجواب أن فزعهم زال سريعًا، فكأنه لم يقع، لكن هذا التأويل ظاهر، على ما في البخاري، بالميم، أما على ما في نسخ المتن لن بالنون، فلا يظهر، لأن لن لنفي المستقبل، ولم يعلم حاله، ولذا احتاجوا إلى تأويل رواية لن في الحديث الأول، بأنها بمعنى لم إلا أن يقال: أنه بشارة منه لأهل المدينة، علمها بالوحي، والمراد في حياته، فلا يرد روعهم بعده في وقعة الحرة وغيرها، (وفي هذا الحديث بيان شجاعته عَّ من شدة عجلته،) من تعليلية (في الخروج إلى العدو قبل الناس كلهم،) أي: قبل كل واحد من الناس، فأل للعموم، (بحيث كشف الحال، ورجع قبل وصول الناس، وفيه بيان عظيم بركته، ومعجزته في انقلاب الفرس سريعًا، بعد أن كان بطيئًا، وهو معنى