النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية التألم بما يفعل بها، ولهذا شق عليه عٍَّ نسبته إلى الجور في القسمة، لكنه عليه الصلاة والسلام حلم على القائل وصبر، لما علم من جزيل ثواب الصابر وأن الله يأجره بغير حساب. وصبره عليه الصلاة والسلام على الأذى إنما هو فيما كان في حق نفسه، وأما إذا كان لله فإنه يمتثل فيه أمر الله من الشدة كما قال له تعالى: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ [التوبة/ ٧٣] للانتقام من المؤلم، ومع ذلك، فهو عَُّ لكمال حلمه، تحمله من فاعله، فلم ينتقم منه، (ولهذا شق عليه عَّ نسبته إلى الجور في القسمة،) يوم حنين آثر ناسًا فيها ليؤلفهم، فقال رجل: واللَّه إن هذه لقسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه اللَّه، فأخبره ابن مسعود، فتغير وجهه، ثم قال: فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله!، ثم قال: يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر. رواه مسلم، والبخاري، عن ابن مسعود، وسمي الواقدي، الرجل القائل معتب بن قشير المنافق، وعند أبي الشيخ وغيره، عن جابر، أنه عَّ جعل يقبض يوم حنين من فضة في ثوب بلال، ويفرقها، فقال له رجل: يا نبي اللَّه أعدل، فقال: ويحك من يعدل إذا أنا لم أعدل؟، قد خبت، وخسرت إن كنت لا أعدل، فقال عمر: ألا أضرب عنقه؟، فإنه منافق فقال: معاذ اللَّه أن تتحدث الناس أني أقتل أصحابي، (لكنه عليه الصلاة والسلام حلم،) بفتح فضم، صفح، وستر (على القائل، وصبر،) عطف جزء على كل صرح به لأنه مقصودة هنا بالثناء، على النبي عَه، وفي الشامية الحلم حالة توقير، وثبات في الأمور، وتصبر على الأذى، لا يستفز صاحبه الغضب عند الأسباب المحركة له، ولا يحمله على الانتقاء، وهو شعار العقلاء، (لما علم من جزيل ثواب الصابر،) من إضافة الصفة للموصوف، أي: ثواب جزيل معد للصابر، (وإن اللَّه يأجره،) بضم الجيم، وكسرها، (بغير حساب) تفسير لثواب الصابر الجزيل، إذ الثواب العطاء بلا حساب، (وصبره عليه الصلاة والسلام) استئناف في جواب سؤال، أكان صبره في سائر الأحوال، أم يختلف باختلافها؟، فأجاب بأنه يختلف، فصبره (على الأذى، إنما هو فيما كان في حق نفسه، وأما إذا كان للَّه، فإنه يمتثل فيه أمر اللَّه))) لم يقل، فإنه لا يصبر عليه، إشارة إلى أن انتهاك حرماته تارة، كانت تفعل على وجه، لا يفيد معه الشدة، وتارة بخلاف ذلك (من الشدة،) بالكسر، اسم من الاشتداد، أي: يفعل ما أمر به، وإن كان فيه تشديد على مستحقه، لكن بعد المبالغة في الرفق، كما في البيضاوي، (كما قال له تعالى:) مثال للأمر بالشدة، لا لنفسها (﴿يا أيها النبي جاهد الكفار﴾) بالسيف، (والمنافقين) باللسان والحجة، ((وأغلظ عليهم﴾) بالانتهار ٢٢ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية وقد وقع له عليه الصلاة والسلام أنه غضب لأسباب مختلفة مرجعها إلى أن ذلك كان في أمر الله تعالى، وأظهر الغضب فيها ليكون أوكد في الزجر. فصبره وعفوه إنما كان فيما يتعلق بنفسه الشريفة عَّله. وقد روى الطبراني وابن حبان والحاكم والبيهقي عن زيد بن سعنه بالمهملة والنون المفتوحتين، كما قيده به عبد الغني وذكره الدارقطني: وبالمثناة التحتية، ثبت في الشفاء وصحح عليه مؤلفه بخطه، وهو الذي ذكره ابن إسحق، وهو كما قاله النووي: أجل أحبار اليهود الذين أسلموا - أنه قال: لم يبق من علامات النبوّة شىء إلا وقد عرفته والمقت، وفي البيضاوي واستعمل الخشونة فيما تجاهدهم، إذا بلغ الرفق مداه، أي: غايته، (وقد وقع له عليه الصلاة والسلام، أنه غضب لأسباب مختلفة، مرجعها إلى أن ذلك كان في أمر اللَّه تعالى، وأظهر الغضب فيها، ليكون أوكد في الزجر، فصبره وعفوه، إنما كان فيما يتعلق بنفسه الشريفة عَّةِ،) أتى بهذا مع أنه قدمه لزيادة، وعفوه إذ الصبر، لا يستلزم العفو (وقد روى الطبراني، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، وأبو الشيخ في كتاب الأخلاق النبوية وغيرهم، برجال ثقات، عن عبد الله بن سلام، (عن زيد بن سعنة، بالمهملة)، أي: السين، (والنون المفتوحتين،) والعين ساكنة، كما في التبصير وغيره، وصرح النووي بأن، السين مفتوحة، وأن بعضهم ضمها، وهو غريب، ووقع في الشامية ضبطه، بفتح العين، (كما قيده به عبد الغني) الحافظ، (وذكره الدارقطني، وبالمثناة التحتية) بدل النون، (ثبت في الشفاء، وصحح عليه مؤلفه بخطه، وهو الذي ذكره ابن إسحق،) وحكى ابن عبد البر: وغيره الوجهين، قال: ابن عبد البر والنون أكثر، واقتصر الجمهور على النون، قال الذهبي: وهو أصح، (وهو كما قاله النووي أجل،) بجيم ولام، كذا في النسخ، والذي في تهذيب النووي أحد، بحاء، ودال مهملتين، (أحبار اليهود الذين أسلموا،) وأكثرهم علمًا، ومالاً أسلم، وحسن إسلامه، وشهد معه مشاهد كثيرة، وتوفي في غزوة تبوك، مقبلاً إلى المدينة انتهى. فكان المصنف غير أحد بأجل، لأن قوله أكثرهم علمًا ومالاً يفيد أنه أجلهم، ثم يرد على هذا ابن سلام، إذ ظاهر الأحاديث أنه أجل المسلمين من اليهود، إلاّ أن تكون الجلالة باعتبار مجموع العلم والمال، (أنه قال لم يبق من علامات النبوة شىء،) وفي رواية عند ابن سعد: ما بقي شيء من نعت محمد في التوراة، (إلاَّ وقد عرفته،) أي: شاهدته، ويروى عرفتها، باعتبار أن ٢٣ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية في وجه محمد حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا. فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله، فابتعت منه تمرًا إلى أجل فأعطيته الثمن، فلما كان قبل مجيء الأجل بيومين أو ثلاثة أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه على عنقه، ونظرت إليه بوجه غليظ ثم قلت: ألا تقضيني يا محمد حقي، فوالله إنكم يا بني عبد المطلب مطل، فقال عمر: أي عدو الله، أتقول لرسول الله عَّ ما أسمع فوالله لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله عَة ينظر الشىء بمعنى العلامة، (في وجه محمد حين نظرت إليه إلاّ اثنتين) في رواية الأخصلتين، (لم أخبرهما،) بفتح الهمزة، وإسكان الخاء، وضم الباء، أي: لم أعلمهما (منه) على حقيقتهما، إذ علمهما لا يكون بالمشاهدة، بل بالاختيار، (يسبق حلمه جهله)،) مقابل الحلم من الغضب والانتقام، ممن آذاه، قال الشاعر: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا فالمراد أن حلمه يغلب حدته، كقوله: سبقت رحمتي غضبي، فليس الجهل هنا مقابل العلم، وهو عدم إدراك الشيء، أو إدراكه على خلاف ما هو عليه، كما توهمه من لم يعرف لغة العرب، حيث قال: لو كان له جهل نحو: ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ الآية، وهذه إحدى الخصلتين، (و) الثانية (لا تزيده شدة الجهل)، أي: جهل غيره، أي: سفاهته (عليه،) وأُذيته (إلاّ حلمًا،) فكلما زادت واشتدت، زاد حلمه عَية، (فكنت أتلطف:) أتخشع، وأترفق (له،) توصلاً، (لأن أُخالطه، فأعرف حلمه وجهله، فابتعت،) أي: اشتريت (منه تمرًا إلى أجل،) وفي رواية أبي نعيم، وأعطاه زيد بن سعنة قبل إسلامه ثمانين مثقالاً ذهبًا، في تمر معلوم إلى أجل معلوم، (فأعطيته الثمن، فلما كان قبل مجيء الأجل بيومين، أو ثلاثة،) وفي رواية أبي نعيم بيوم، أو يومين، (أتيته، فأخذت بمجامع،) جمع مجمع، كمقعد ومنزل، موضع الاجتماع، كما في القاموس وغيره، أي: بما اجتمع من (قميصه وردائه على عنقه، ونظرت إليه بوجه غليظ،) أي: عابس، مقطب، (ثم قلت: ألا تقضيني يا محمد حقي؟ فوالله أنكم يا بني عبد المطلب مطل،) بضم الميم، والطاء جمع ماطل، أي: تمتنعون من أداء الحق، وتسوفون بالوعد مرة بعد أخرى، (فقال عمر) في رواية أبي نعيم: فنظر إليه عمر وعيناه تدوران في وجهه، كالفلك المستدير، فقال: (أي عدو اللَّه أتقول لرسول اللَّه عَّ ما أسمع؟،) زاد أبو نعيم، وتفعل به ما أرى، (فوالله لولا ما أحاذر،) بمعنى أحذر، أي: شيء أخاف (فوته) من بقاء الصلح بين المسلمين وبين قومه. وفي رواية أبي نعيم لولا ما أحاذر قومك (لضربت بسيفي رأسك، ورسول اللَّه عَظّه ينظر ٢٤ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية إلى عمر بسكون وتؤدة وتبسم ثم قال: أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التباعة، إذهب به يا عمر فاقضه حقه وزده عشرين صاعًا مكان ما رعته، ففعل، فقلت يا عمر، كل علامات النبوّة قد عرفتها في وجه رسول الله عَّ﴾ حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا، فقد اختبرتهما، فأشهد أني قد رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينا وبمحمد عَّ اللّه نبيًا. وعن أبي هريرة قال حدثنا رسول الله عَّةٍ يومًا ثم قام، فقمنا حين قام فنظرنا إلى أعرابي قد أدر كه فجذبه بردائه إلى عمر، بسكون) ضد الحركة، (وتؤدة:) التأني فتغايرا مفهومًا لا ما صدقا، (وتبسم) من مقالهما لشدة حلمه، ولعله كوشف بمراد ابن سعنة، وأن عمر لو کشف له لم يصعب عليه ذلك، (ثم قال: ((أنا وهو))،) أي: صاحب الحق ((كنا أحوج إلى غير هذا،) الذي قلته (منك يا عمر))،) وأبدل منه قوله: ((أن تأمرني بحسن الأداء)))) أي: وفاء ما عليّ، (وتأمره بحسن التباعة،) بالكسر المطالبة بالحق، وفي الشفاء تأمرني بحسن القضاء، وتأمره بحسن التقاضي، ثم قال: لقد بقي من أجله ثلاث اهـ. فتكرم مَِّ، فعجلها قبل الأجل وزيادة، فقال: (إذهب به يا عمر، فاقضه حقه وزده عشرين صاعًا مكان ما رعته؟،) فزعته، وما مصدريته، أي: في مقابلة روعك له، (ففعل) ذلك عمر، قال زيد: (فقلت يا عمر، كل علامات النبوة، قد عرفتها في وجه رسول اللَّه عَ لّه، حين نظرت إليه إلاَّ اثنتين لم أخبرهما،) أي: لم أعلمهما، (يسبق حلمه) ثباته، وصفحه وصبره (جهله،) حدته، فلا يتنقم، (ولا تزيده شدة الجهل عليه إلاَّ حلمًا، فقد اختبرتهما،) أي: صاحبهما، إذ الاختبار الامتحان، وهو لم يختبر الخصلتين، والمذكور بخط الشامي خبرتهما، بلا ألف، أي: علمتهما منه بما رأيت من فعله عَِّ (فاشهد) يا عمر (أني، قد رضيت بالله ربًا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمد عَّ الله نبيًا). وفي رواية: وما حملني على ما رأيتني صنعت يا عمر، إلاَّ أني كنت رأيت صفاته التي في التوراة كلها، إلاّ الحلم، فاختبرت حلمه اليوم، فوجدته على ما وصف في التوراة، وإني أشهدك، أن هذا التمر، وشطر مالي في فقراء المسلمين، وأسلم أهل بيته كلهم، إلاَّ شيخًا غلبت عليه الشقوة، (وعن أبي هريرة، قال: حدثنا رسول اللَّه عَّه يومًا، ثم قام، فقمنا حين قام، فنظرنا إلى أعرابي) لم يسم، (قد أدركه، فجذبه،) وفي رواية، فجبذه، وهما لغتان صحيحتان (بردائه،) ٢٥ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية فحمر رقبته، وكان رداء خشنًا، فالتفت إليه فقال له الأعرابي: احملني على بعيري هذين، فإنك لا تحملني من مالك ولا مال أبيك، فقال له عَّ ◌ُله: لا، وأستغفر الله، لا وأستغفر الله، لا وأستغفر الله، لا أحملك حتى تقيدني من جبذتك التي جبذتني، كل ذلك يقول له الأعرابي: والله لا أقيدها، فذكر الحديث، قال: ثم دعا رجلاً فقال له: احمل له على بعيريه هذين على بعير تمرًا وعلى الآخر شعيرًا. رواه أبو داود. ورواه البخاري من حديث أنس بلفظ: كنت أمشي مع النبي عَّ وعليه برد زاد في رواية جبة شديدة، (فحمر رقبته،) براء بعد الميم، من التحمير، وفي نسخ فحم، بلا راء، أي: أثر فيها، أثرًا غير لونها، كتأثير الحمى، وهو بالبناء للفاعل والمفعول، كما يفيده القاموس؛ وهذا إن ثبت رواية بلا راء، وإلاّ فالذي في خط الشامي بالراء، (وكان رداءً خشنا،) بيان لسبب تحميره لرقبته، (فالتفت) عَّةِ (إليه)) إلى الأعرابي، (فقال له الأعرابي: احملني،) نسب الحمل إليه تنزيلاً لحمل ما يصل إليه، منزلة حمله لعود نفعه إليه، (على بعيري هذين،) أي: حملهما إليّ طعامًا زاد في رواية البيهقي، من مال اللَّه الذي عندك)، (فإنك لا تحملني من مالك، ولا من مال أبيك، فقال له عَّه: لا) أحملك من مالي، ولا مال أبي، وفي رواية البيهقي، فسكت، ثم قال: المال مال اللَّه، وأنا عبده، أي: أتصرف فيه بإذنه، وأعطي من يأمرني بإعطائه، فرد عليه بألطف رد، (وأستغفر اللَّه، لا وأستغفر اللَّه، لا وأستغفر اللَّه،) ثلاث مرات، (لا أحملك حتى تقيدني من جبذتك التي جبذتني،) أي: تمكنني من القود من نفسك، فأفعل معك مثل ما فعلت معي من جذب ردائي، أطلق القود، وهو القصاص مجازًا، على مطلق المجازاة، أي: حتى تجازي على ترك أدبك، أو تعزر بما يليق بك، وفي رواية البيهقي. ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي، فعبر بإعرابي إشارة إلى عذره، لما فيه من غلظ الإِعراب وجفائهم، (كل ذلك يقول له الأعرابي: واللَّه، لا أقيدها، فذكر الحديث،) وهو قال: لم قال، لأنك لا تكافىء بالسيئة السيئة، فضحك النبي عَّه، أي: سرورًا بما رآه، من حسن ظنه به، وأنه لم يفعل ذلك، تنقيصًا له، وتطمينًا لقلبه، إذا بدأ المسرة بمقالته، وهذا يقتضي أنه كان مسلمًا، غير أن فيه جفاء البادية، (قال: ثم دعا رجلاً) هو عمر، كما في رواية، (فقال له: ((إحمل له على بعيريه هذين، على بعير تمرًا، وعلى الآخر شعيرًا، رواه أبو داود) في سننه، (ورواه البخاري) في الخمس، واللباس، والأدب، ومسلم، كلاهما (من حديث أنس) بن ملك (بلفظ كنت أمشي مع النبي عَُّ، وعليه برد،) بضم الموحدة، وسكون الراء: نوع من الثياب، وفي ٢٦ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذ بردائه جبذة شديدة، قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتقه وقد أثرت فيه حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء. وفي هذا بيان حلمه عليه الصلاة والسلام وصبره على الأذى في النفس والمال، والتجاوز عن جفاء من يريد تألفه على الإسلام. وعن عائشة وقد سئلت عن خلقه عٍَّ لم يكن النبي عَّ فاحشًا ولا .. متفحشًا . رواية مسلم، وعليه رداء (نجراني،) بنون مفتوحة، فجيم ساكنة، فراء مفتوحة، فألف، فنون، نسبة إلى بلدة بين الحجاز واليمن، وهي إليه أقرب، فلذا يقال: بلدة باليمن (غليظ الحاشية،) أي: الجانب، (فأدركه أعرابي،) قال الحافظ: لم أقف على تسميته، (فجبذ) بتقديم الباء على الذال المعجمة (بردائه). قال الزركشي: صوابه ببرده لقوله أولاً، عليه برد، وهو لا يسمى رداء، ورده الدماميني، بأنه لا مانع أنه ارتدى بالبرد، فأطلق عليه رداء بهذا الاعتبار، وفي رواية مسلم رداءه، (جبذة شديدة، قال أنس: فنظرت إلى صفحة) جانب (عاتقه،) ما بين العنق والكتف، أو موضع الرداء من المنكب، (وقد أثرت فيه حاشية البرد، من شدة جبذته)) وفي رواية مسلم، وأنشق البرد، وذهبت حاشيته في عنقه، (ثم قال: يا محمد،) قبل تحريم ندائه باسمه، أو لقرب عهد الأعرابي بالإِسلام، فلم يتفقه في الدين، وفي طبعه الغلظة والجفاء، وإلاَّ فطلبه العطاء من مال اللَّه، يدل على أنه مسلم (مرلي) ولمسلم أعطني (من مال اللَّه، الذي عندك، فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء) هو تحميل بعيريه، كما في حديث أبي هريرة الذي قبله، (وفي هذا بيان حلمه عليه الصلاة والسلام، وصبره على الأذى في النفس والمال، والتجاوز عن جفاء) بالمد خلاف البر، (من يريد تألفه على الإِسلام،) وسياق الحديث، كما قيل يقتضي أنه من المسلمين، المؤلفة قلوبهم. (وعن عائشة، وقد سئلت عن خلقه عَّه،) قالت: (لم يكن النبي عَّ﴾. فاحشاً،) إذا فحش في أقواله، وأفعاله وصفاته، (ولا متفحشًا،) متكلف الفحش في ذلك، أي: لم يقم به فحش طبعًا، ولا تكلفًا فهما غير أن من هذه الجهة، إذ الصفة القائمة بالموصوف طبعًا غير القائمة به تطبعًا، ولذا سلط النفي على كل منهما، فهو من بديع الكلام، وإن صدق أن كل متفحش فاحش، فلا يرد أن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، وأسقط من الرواية، ولا سخابًا في الأسواق، روي ٢٧ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية ولا يجزي بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح. رواه الترمذي، أي لم يكن الفحش له خلقًا ولا مكتسبًا. وفي البخاري من حديث ابن عمرو: لم يكن عَِّ فاحشًا ولا متفحشًا، وفي رواية له من حديث أنس بن لملك: قال لم يكن النبي عَِّ سبابًا ولا فاحشًا ولا لعانًا. بسين مهملة، أي: مرتفع الصوت، وروى، بصاد، وهو الضجر واضطراب الصوت للخصام، وإذا لم يكن في الأسواق كذلك، فغيرها أولى، ثم لا يرد أن سخاباً، للتكثير، وهو للمبالغة، فلا يلزم منه نفي أصل الفعل، لأن هذا من المفهوم، ولا يكفي هنا لوروده في سياق المدح، ولا يكفي فيه مثل ذلك، (ولا يجزي) بزنة يرمي (بالسيئة) السيئة، لأن خلقه القرءان، وفيه جزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا، وأصلح، فأجره على الله، (ولكن) استدراك على ما قد يتوهم أن ترك الجزاء عجز، فصرحت بأنه مع القدرة، فقالت: (يعفو) عن الجاني، فلا يذكر له شيئًا من جنايته، (ويصفح) يظهر له أنه لم يطلع عليها، أو يعفو باطنًا، ويصفح يعرض ظاهرًا، وذلك منه طبعًا، وامتثالاً لقوله تعالى ﴿فاعف عنهم واصفح﴾ [المائدة/ ١٣] الآية. (رواه الترمذي:) في جامعه وشمائله برجال ثقات، (أي: لم يكن الفحش له خلقًا،) طبعًا تفسير لقولها فاحشًا، (ولا مكتسبًا،) بيان لقولها متفحشًا، (وفي البخاري) في الصفة النبوية؛ والأدب، ومسلم في الفضائل، والترمذي في البر، (من حديث ابن عمرو،) بفتح العين، ابن العاصي. وفي رواية مسلم عن مسروق: دخلنا على عبد الله بن عمرو، حين قدم مع معوية الكوفة، فذكر رسول اللَّه عَلِّ، فقال: (لم يكن النبي عَّ فاحشًا، ولا متفحشًا،) فتوارد عبد الله مع عائشة، على نفي الصفتين، دليل ظاهر على أن ذلك جبلته مع الأهل والأجانب؛ وبقية حديث عبد الله، وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم أخلاقا، لفظ البخاري، ولفظ مسلم، قال: وقال رسول اللَّه عَّه: (أن من خياركم أحاسنكم أخلاقا))، (وفي رواية له») للبخاري أيضًا في الأدب، (من حديث أنس بن ملك، قال: لم يكن النبي عَّهِ سبابًا،) بشد الموحدة، (ولا فاحشًا،) رواية أبي ذر، ورواه غيره فحاشا بالتثقيل، (ولا لعانًا،) بشد العين. قال الكرماني: يحتمل تعلق السب بالنسب، كالقذف والفحش، بالحسب واللعن بالآخرة، لأنها البعد عن رحمة اللَّه، ثم أن المراد نفي الثلاثة من أصلها، لأن فعالاً قد لا يراد به التكثير، بل أصل الفعل، أو المراد لم يكن بذي سب، ولا فحش، ولا لعن، ويؤيده رواية فاحشًا، فهو ٢٨ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية والفحش: كل ما خرج من مقداره حتى يستقبح، ويدخل في القول والفعل والصفة، لكن استعماله في القول أكثر. والمتفحش: بالتشديد، الذي يتعمد ذلك ويكثر منه ويتكلفه. وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً استأذن على النبي عَّهِ، فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة، فلما جلس تطلق النبي عَّ في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: كقول امرىء القيس: وليس بذي رمح فيطعنني به وليس بذي سيف وليس بنبال فلا يرد أن المصطفى ليس فيه قليل، ولا كثير مما ذكر وبقية الحديث في البخاري، كان يقول: لأجدنا عند المعتبة ماله تربت جبينه، بفتح الميم، وسكون المهملة، وفتح الفوقية، وكسرها، فموحدة، مصدر عتب، وهو خطاب الإِدلال، ومذاكرة الموجدة، وتربت جبينه، كلمة جرت على لسان العرب، لا يريدون حقيقتها، أو دعاء له بالطاعة، أي: يصلي، فيتترب جبينه، أو عليه بأن تسقط رأسه على الأرض، من جهة جبينه، (والفحش كل ما خرج عن مقداره، حتى يستقبح، ويدخل في القول،) وهو الزيادة على الحد في الكلام السيء، (والفعل والصفة) كذلك (لكن استعماله في القول أكثر، والمتفحش بالتشديد الذي يتعمد ذلك، ويكثر منه، ويتكلفه)، فالمراد قريبًا، لم يكن الفحش خلقًا له، ولا مكتسبًا. (وعن عائشة رضي اللَّه عنها أن رجلاً استأذن على النبي معَّه) زاد في رواية، وأنا عنده، (فلما رآه)، علمه بأن أخبر أنه فلان، أو بصر به، أي: فأذن له، فلما رآه حين فتح الباب، (قال): بئس أخو العشيرة،) أي: الواحد منها، يقال هو أخو تميم، أي: واحد منهم، (وبئس ابن العشيرة،) بمعنى ما قبله جاء به زيادة في ذمه هكذا رواه البخاري، بالواو، وكذا مسلم، لكنه عبر بالقوم، فقال أخو القوم: وبئس ابن القوم، قال الحافظ: وهي بالمعنى، ورواه الترمذي، والبخاري في موضع آخر، بئس ابن العشيرة، أو أخو العشيرة بالشك، (فلما جلس تطلق،) بفوقية، فطاء مهملة، فلام ثقيلة، فقال مفتوحات، قال في الفتح: أي أبدى له طلاقة وجهه، وفي رواية بئس (النبي عَّ في وجهه، والبسط إليه،) أظهر البشر والسرور بحضوره، وهذه صفة تقوم بالذات، لا دلالة لها لغة على أنه خاطبه، لكن في رواية للبخاري في محل ثانٍ، فلما دخل الآن له الكلام، وفي رواية الترمذي، ثم أذن له، فالآن له القول، فهو قد فعل معه الأمرين، وهما عرفًا متلازمان. (فلما انطلق الرجل، قالت له عائشة:) مستفهمة، وفيه التفاوت، وفي رواية الترمذي، ٢٩ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت . إليه. فقال عَّ: يا عائشة، متى عهدتيني فحاشًا، إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره، رواه البخاري. قال ابن بطال: هذا الرجل هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وكان يقال له الأحمق المطاع. والبخاري أيضًا، فلما خرج، قلت: (يا رسول اللَّه، حين رأيت الرجل قلت له،) أي: لأجله، وفي شأنه لا أنه خاطبه لفساد المعنى، (كذا وكذا ثم تطلقت،) سهلت، وانبسطت (في وجهه،) يقال: وجه طلق وطليق، أي: مسترسل منبسط غير عبوس، فقوله: (وانبسطت إليه،) عطف تفسير، أو معناه ملت إليه، فهل تاب وصلح حاله بين ما قلت، وبين حضوره عندك، أو لمخالفتك بين الغيبة والحضور؟، حكمة، فهو استفهام، أو تعجب من عدم التسوية، لتقف على الحكمة، (فقال مَّهِ: يا عائشة متى عهدتيني؟،) كذا في النسخ بزيادة الياء للإِشباع، فإن التاء فاعل، والياء الأخيرة مفعول، فزيادة الياء بين التاء والنون، لا معنى لها سوى الإِشباع، والذي في البخاري عهدتني، بفوقية مكسورة، فنون، وكذا نقله عنه في جامع الأصول وغيره، فلعل زيادتها من النساخ، إذ لم ينبه المصنف في شرحه، مع استيعابه لجميع الروايات التي روى البخاري بها غالبًا على أنه روى بثبوت الياء، وكذا الكرماني، والحافظ، وغيرهم (فحاشا،) بالتشديد، أي: ذا، فحش وما ربك بظلام، كما سبق. لكشميهني فاحشًا، (إن شر الناس) استئنافًا، كالتعليل لترك مواجهته، بما ذكر في غيبته، وبيان لوجه الحكمة؛ التي سألتها عائشة، قال العلائي وغيره: ويحتمل أنه علل به مداراته لعموم الناس، هذا وغيره؛ وأنه ليس، فحاشا، بل شأنه إكرام، وإحسان العشرة، وتحمل الأذى، لما يترتب على ذلك، من جموم الفوائد، وعموم العوائد، ثم المعنى على من، ففي رواية الترمذي: إن من شر الناس (منزلة عند اللَّه يوم القيامة، من تركه الناس إتقاء شره،) أي: قبيح كلامه، وفي رواية للبخاري وغيره، اتقاء فحشه، أي: لأجل اتقاء قبيح قوله وفعله، أو لأجل اتقاء مجاوزته الحد الشرعي، قولاً، أو فعلاً، (رواه البخاري،) ومسلم، وأبو داود، ثلاثتهم في الأدب، والترمذي في البر، في جامعه وفي شمائله، (قال ابن بطال، هذا الرجل هو عيينة بن حصن،) بكسر، فسكون، (ابن حذيفة بن بدر الفزاري، وكان، يقال له الأحمق؛) فاسد العقل، (المطاع،) لأنه كان يتبعه من قومه عشرة آلاف قناة، لا يسألونه أين يريد؟، ومن حمقه أن دخل على النبي عَّه، وعائشة عنده قبل نزول الحجاب، فقال: من هذه؟، قال: ((عائشة))، قال: ألا أنزل لك عن أم البنين؟، فغضبت عائشة، وقالت: من هذا؟، فقال ◌َّهِ: هذا الأحمق المطاع، يعني في قومه، ٣٠ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية وكذا فسره به القاضي عياض والقرطبي والنووي. وأخرج عبد الغني من طريق أبي عامر الخزاعي، عن عائشة قالت: جاء مخرمة بن نوفل يستأذن، فلما سمع النبي عَّ صوته قال: بئس أخو العشيرة. الحدیث. والمراد بالعشيرة: الجماعة أو القبيلة، وإنما تطلق عَّةِ في وجهه تألفًا ليسلم قومه، لأنه كان رئيسهم. رواه سعيد بن منصور. وروى الحرث ابن أبي أسامة هذا الحديث مرسلاً، وفيه أنه منافق أداريه نفاقه، وأخشى أن يفسد على غيره، (وكذا فسره به القاضي عياض والقرطبي، والنووي،) جازمين بذلك؛ ونقله ابن التين عن الداودي، لكن احتمالاً جزمًا، وأخرجه عبد الغني بن سعيد في المبهمات، عن لملك بلاغًا، وابن بشكوال من طريق الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير؛ أن عيينة استأذن، فذكره مرسلاً، (وأخرج عبد الغني بن سعيد (من طريق أبي عامر الخزاعي،) كذا في النسخ، وصوابه الخزاز، قال في التقريب: صالح بن رستم المزني، مولاهم أبو عامر الخزاز، بمعجمات البصري، صدوق، كثير الخطأ، مات سنة اثنتين وخمسين ومائة، (عن عائشة، قالت: جاء مخرمة بن نوفل،) القرشي، الزهري، صحابي شهير من مسلمة الفتح، وكان له سن عالية، وعلم بالنسب، فكان يؤخذ عنه، وعلم بأنصاب الحرم، فبعثه عمر، فيمن بعثه لتحديدها، ومات سنة أربع، أو خمس وخمسين، عن مائة وخمس عشرة سنة، (يستأذن، فلما سمع النبي مَّ صوته، قال: ((بئس أخو العشيرة»، الحديث) السابق. قال الحافظ: فيحمل على التعدد، وقد حكى المنذري القولين، فقال: هو عيينة، وقيل مخرمة، وهو الراجح انتهى. وتعقب بأن حديث تسميته عيينة صحيح، وإن كان مرسلاً، وخبر تسميته مخرمة، فيه أبو يزيد المدني، وفيه كلام، وأبو عامر، صالح بن رستم؛ ضعفه ابن معين، وأبو حاتم، ولذا قال الخطيب، وعياض وغيرهما الصحيح أنه عيينة، قالوا: ويبعد أن يقول عَّله في حق مخرمة، ما قال: لأنه كان من خيار الصحابة، (والمراد بالعشيرة: الجماعة) من الناس، لا واحد لها من لفظها، كما في المصباح، (أو القبيلة،) قاله عياض، وقال غيره العشيرة؛ الأدنى إلى الرجل من أهله، وهم ولد أبيه وجده، انتھی. لإطلاق العشيرة لغة على القبيلة، وعلى بني الأب الأقربين، كما في القاموس، فلها ثلاث إطلاقات، (وإنما تطلق عَّةٍ في وجهه، تألفا ليسلم قومه، لأنه كان رئيسهم،) فهو أصل في ٣١ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية وقد جمع هذا الحديث كما قاله الخطابي علمًا وأدبًا، وليس قوله عليه الصلاة والسلام في أمته بالأمور التي يسمهم بها ويضيفها إليهم من المكروه غيبة، وإنما يكون ذلك من بعضهم في بعض، بل الواجب عليه عَّ أن يبني ذلك ويفصح به، وأن يعرف الناس أمرهم فإن ذلك من باب النصيحة والشفقة على الأمة. ولكنه لما جبل عليه من الكرم وأعطيه من حسن الخلق أظهر له البشاشة ولم يجبهه بالمكروه، لتقتدي به أمته في اتقاء شر من هذا سبيله وفي مدارته ليسلموا من شره وغائلته. طلب المداراة، إذا ترتب عليها جلب نفع، أو دفع ضرر، وإلاَّ ذمت، فما كل جان يعزر، ولا كل ذنب يغفر، قال: ووضع الندى في موضع السيف في العدا مضر كوضع السيف في موضع الندى (وقد جمع هذا الحديث، كما قاله الخطابي علمًا،) ومنه الأخبار بأن من ترك لإِتقاء شره من شر الناس، ولذا أخذ منه؛ أن ملازمة الشخص الشر والفحش، حتى يخشاه الناس لشره من الكبائر، (وأدباء) وهو عدم المواجهة بالذم، وإن كان حقًّا، والمداراة وغير ذلك، (وليس قوله عليه الصلاة والسلام في أمته بالأمور التي يسمهم،) بفتح، فكسر، أي: يصفهم (بها،) سماه وسما، وهو العلامة، باعتبار أنه يصير كالعلامة التي تميزهم عن غيرهم، (ويضيفها،) ينسبها (إليهم من المكروه غيبة، وإنما يكون ذلك) غيبة (من بعضهم في بعض، بل الواجب عليه عَظّ أن يبين ذلك، ويفصح به، وأن يعرف الناس أمرهم، فإن ذلك من باب النصيحة والشفقة على الأمة،) وليس ذا خاصًا به، بل ذلك على أمته أيضًا؛ إذ هو إحدى المسائل المذكورة في قوله: تظلم واستغث واستفت حذر وعرف بدعة فسق المجاهر (ولكنه، لما جبل عليه من الكرم، وأعطيه من حسن الخلق، أظهر له البشاشة، ولم يجبهه بالمكروه، لتقتدي به أمته في اتقاء شر من هذا سبيله؟) وذلك عذر مسقط للوجوب عن الأمة لا عنه عَّ له، فلا يسقط وجوب أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، خشية العاقبة لقوله: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة/ ٦٧] الآية، فلعل حكمة تركه هنا ما علمه أن طلاقة الوجه مع هذا ونحوه سبب لإِيمانه وإيمان قومه، فترك التشديد عليهم إنما هو للمصلحة العامة التي اقتضت ذلك؛ (وفي مداراته ليسلموا من شره وعائلته،) عطف مرادف، فالغائلة لغة الشر، واعترض بأن ظاهر كلامه أن هذا من الخصائص، وليس كذلك، بل كل من اطلع من حال شخص على شيء، وخشي أن غيره يغتر؛ بجميل ظاهره، فيقع في محذور ما، فعليه أن يطلعه على ما يحذر من ذلك قاصدًا نصيحته، وإنما الذي يمكن أن يختص به النبي عَّة، أن يكشف له ٣٢ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية وقال القرطبي: فيه جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش ونحو ذلك مع جواز مداراتهم اتقاء لشرهم ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله. ثم قال تبعًا للقاضي حسين: والفرق بين المداراة والمداهنة، أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معًا وهي مباحة وربما استحسنت، والمداهنة بذل الدين لصلاح الدنيا، والنبي عَّ إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه حق، وفعله معه حسن عشرة، فيزول مع هذا التقرير الإشكال ولله الحمد. عن حال من يغتر بشخص؛ من غير أن يطلع المغتر على حاله، فيذم الشخص بحضرته ليجتنبه المغتر، ليكون نصيحة بخلاف غيره عليه، فإن جواز ذمه للشخص، يتوقف على تحقق الأمر بالقول، أو الفعل ممن يريد نصحه. (وقال القرطبي: فيه جواز غيبة المعلن بالفسق، أو الفحش، ونحو ذلك) من الجور في الحكم والدعاء إلى الباعة، (مع جواز مداراتهم، اتقاء لشرهم؛ ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله،) وهي معاشرة المعلن بالفسق، وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه باللسان، ولا بالقلب، (ثم قال) القرطبي: (تبعًا للقاضي حسين، والفرق بين المداراة والمداهنة، أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا، أو الدين، أو هما معًا،) ومن البذل لين الكلام، وترك الاغلاظ في القول، والرفق بالجاهل في التعليم، والفاسق في النهي عن فعله، وترك الاغلاظ عليه، حيث لم يظهر ما هو فيه، والإِنكار عليه بلطف حتى يرتدع عما هو مرتكبه، (وهي مباحة، وربما استحسنت،) فكانت مستحبة، أو واجبة للديلمي في الفردوس، عن عائشة مرفوعًا: أن اللَّه أمرني بمداراة الناس، كما أمرني بإقامة الفرائض، ولابن عدي، والطبراني، عن جابر رفعه: مداراة الناس صدقة، وفي حديث أبي هريرة: رأس العقل بعد الإِيمان باللّه؛ مداراة الناس، أخرجه البيهقي، بسند ضعيف، وعزاه في فتح الباري للبزار وتعقبه السخاوي؛ بأن لفظ البزار التودد إلى الناس. (والمداهنة بذل الدين لصلاح الدنيا؛ والنبي عَّ إنما بذل له من دنياه حسن عشرته، والرفق في مكالمته،) وليس ذلك من بذل الدين في شيء، (ومع ذلك، فلم يمدحه بقول فلم يناقض قوله فيه فعله؛ فإن قوله فيه) بئس ابن العشيرة، (حف وفعله معه حسن، عشرة فيزول مع هذا التقرير الإِشكال،) الذي هو أن النصيحة فرض، وطلاقة الوجه، والأنة القول يستلزمان الترك، وحاصل جوابه أن الفرض سقط لعارض، (ولله الحمد؛) على فهم ما ظاهره يشكل علينا، ففهمه ٣٣ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية وقال القاضي عياض: لم يكن عيينة - والله أعلم - حينئذٍ أسلم، فلم يكن القول فيه غيبة، أو كان أسلم ولم يكن إسلامه ناصحًا، فأراد النبي عَّةٍ أن يبين ذلك لئلا يغتر به من لم يعرف باطنه، وقد كانت منه في حياة النبي عَّه وبعده أمور تدل على ضعف إيمانه، فيكون ما وصفه به عليه الصلاة والسلام من علامات النبوة، وأما الأنة القول بعد أن دخل فعلى سبيل الاستئلاف وفي فتح الباري: أن عيينة ارتد في زمن الصديق وحارب ثم رجع وأسلم وحضر بعض الفتوح في عهد عمر. انتهى. من النعم، (وقال القاضي عياض: لم يكن عيينة واللَّه أعلم حينئذٍ أسلم،) لأنه أسلم قبل فتح مكة، وشهدها وحنينًا والطائف، وكان من المؤلفة، ولم يصح له رواية، قاله ابن السكن: وأخرج في ترجمته هو وقسم بن ثابت في الدلائل، عن عيينة بن حصن، قال: قال رسول اللَّه عَّهِ: إن موسى أجر نفسه بعفة فرجه وشبع بطنه، الحديث. (فلم يكن القول فيه غيبة، أو كان أسلم، ولم يكن إسلامه ناصحًا،) بل كان من المؤلفة الذين أعطوا من غنائم حنين، (فأراد النبي عٍَّ أن يبين ذلك، لئلا يغتر به من لم يعرف باطنه، وقد كانت منه في حياة النبي عَّة، وبعده أمور تدل على ضعف إيمانه،) كدخوله على المصطفى بلا إذن، فقال له: ((أخرج فاستأذن))، فقال: إنها يمين على أن لا أستأذن على مضري، وقوله لعمر في خلافته ما تعطي الجزل، ولا تقسم بالعدل، فغضب، فقال له الجد بن قيس: إن الله يقول: ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾ [الأعراف/ ١٩٩] الآية، فتركه، ودخل على عثمن، فأغلظ له، فقال عثمن: لو كان عمر ما قدمت عليه، (فيكون ما وصفه به عليه الصلاة والسلام من علامات النبوة، وأما الأنة، القول بعد أن دخل) على المصطفى، في المحل الذي كان فيه؛ (فعلى سبيل الاستئلاف، وفي فتح الباري أن عيينة ارتد في زمن الصديق، وحارب) وبايع طلحة، قال بعضهم: فجيء به إلى الصديق أسيرًا، فكان الصبيان يصيحون به في أزقة المدينة، هذا الذي خرج من الدين، فيقول عمكم لم يدخل حتى خرج، (ثم رجع، وأسلم، وحضر بعض الفتوح في عهد عمر اهـ). وفي الإصابة قرأت في كتاب الأم للشافعي، في كتاب الزكاة، أن عمر قتل عيينة على الردة، ولم أرّ من ذكر ذلك غيره، فإن كان محفوظًا، فلا يذكر عيينة في الصحابة؛ لكن يحتمل أن يكون أمر بقتله، فبادر إلى الإِسلام، فعاش إلى خلافة عثمن، وفيها أيضًا في ترجمة طليحة نقلاً عن الأم، أن عمر قتلهما على الردة، فراجعت في ذلك جلال الدين البلقيني، فاستغربه، ٣٤ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية وما انتقم عَِّ لنفسه. رواه البخاري. فإن قلت: قد صح أنه عَِّ أمر بقتل عقبة بن أبي معيط وعبد الله بن خطل وغيرهما ممن كان يؤذيه عّلّه وهذا ينافي قوله: وما انتقم لنفسه. فالجواب: أنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات الله. وقيل: أراد أنه لا ينتقم إذا أوذي في غير السبب الذي يخرج إلى الكفر، كما عفا عن الأعرابي الذي جفا في رفع صوته عليه، وعن الآخر الذي جبذ بردائه حتی أثر في كتفه. وحمل الداودي عدم الانتقام على ما يختص بالمال، وأما العرض فقد اقتص ممن نال منه. وقد أخرج الحاكم هذا الحديث من طريق معمر عن وقال: لعله قبلهما، بالباء الموحدة. وقال القرطبي: في هذا الحديث إشارة، إلى أن عيينة ختم له بسوء، لأنه مَِّ ذمه، وأخبر بأن من كان كذلك كان شر الناس، ورده الحافظ بأن الحديث ورد بلفظ العموم، وشرط من اتصف بالصفة المذكورة أن يموت على ذلك، وقد ارتد عيينة، ثم أسلم، كما مر انتهى. (وما انتقم عَّ لنفسه) خاصة، (رواه البخاري) ومسلم، وأبو داود في حديث عن عائشة، قالت: ما خير رسول اللَّه عَّه بين أمرين إلاَّ أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول اللَّه عَّ لنفسه إلاَّ أن تنتهك حرمة اللَّه فينتقم لله، (فإن قلت: قد صح أنه يَّةٍ أُمر بقتل عقبة،) بالقاف، (ابن أبي معيط،) بعد أسره يوم بدر، (وعبد الله بن خطل،) بمعجمه، فمهملة مفتوحتين، يوم فتح مكة (وغيرهما، ممن كان يؤذيه عَّةٍ، وهذا ينافي قوله،) أي: الرأي، وهو عائشة، (وما انتقم لنفسه، فالجواب أنهم، كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات اللَّه،) فقتلهم لذلك لا لنفسه، (وقيل أراد) الشخص الراوي عائشة، (أنه لا ينتقم إذا أوذي في غير السبب الذي يخرج إلى الكفر، كما عفا عن الأعرابي الذي جفا في رفع صوته عليه؛ وعن الآخر الذي جبذ بردائه حتى أثر في كتفه،) ومر حديثه قريبًا، (وحمل الداودي) أحمد بن نصر، شارح البخاري، (عدم الانتقام على ما يختص بالمال، قال: وأما العرض، فقد اقتص ممن نال منه،) قال: واقتص ممن لده في مرضه بعد نهيه عن ذلك، بأن أمر بلدهم، مع أنهم كانوا في ذلك، تأولوا أنه إنما نهاهم على عادة البشرية من كراهة النفس للدواء. قال: في الفتح، كذا قال: (وقد أخرج الحاكم هذا الحديث، من طريق معمر عن ٣٥ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية الزهري مطوّلاً، وأوّله: ما لعن رسول الله عَّه مسلمًا بذكر - أي بصريح اسمه - وما ضرب بيده شيئًا قط إلا أن يضرب في سبيل الله، ولا سئل شيئًا قط فمنعه إلا أن يسئل مأثمًا، ولا انتقم لنفسه من شىء إلا أن تنتهك حرمات الله فيكون الله ينتقم. الحدیث. ومما روي من اتساع خلقه وحلمه عَّه، اتساع خلقه للطائفة المنافقين، الذين كانوا يؤذونه إذا غاب ويتملقون له إذا حضر، وذلك مما تنفر منه النفوس البشرية حتى تؤيدها العناية الربانية. وكان عَِّ كلما أذن له في التشديد عليهم فتح لهم بابًا من الرحمة، فكان يستغفر لهم ويدعو لهم، حتى أنزل الله عليه: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم﴾ [التوبة/ ٨٠] فقال عليه الصلاة والسلام: خيرني ربي فاخترت أن أستغفر لهم، ... الزهري،) بهذا الإِسناد، كما في الفتح، أي: بإسناد الزهري، وهو عروة عن عائشة لا مرسل، كما يوهمه تصرف المصنف، (مطولاً، وأوله ما لعن رسول اللَّه عٍَّ، مسلمًا بذكر، أي: بصريح) تفسير لذكر (اسمه، وما ضرب بيده شيئًا قط) آدميًا، ولا غيره، كما يأتي (إلاَّ أن يضرب في سبيل الله))) فيضرب أن احتاج، (ولا سئل شيئًا قط فمنعه،) بل يعطيه إن كان عنده وإلاّ وعد، (إلاَّ أن يسئلِ مأثمًا،) مصدر ميمي، بمعنى إثمًا، أي: ما فيه إثم من قول، أو فعل، (ولا أنتقم لنفسه من شيء إلاَّ أن تنتهك،) بضم الفوقية، وسكون النون، وفتح الفوقية، والهاء، أي: لكن إذا انتهكت (حرمات اللَّه، فيكون الله ينتقم) لا لنفسه، ممن ارتكب تلك الحرمة، (الحديث) زاد في الفتح، وهذا السياق. سوى صدر الحديث عند مسلم، من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة، وأخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أنس، وفيه ما انتقم لنفسه، إلاَّ أن تنتهك حرمة اللّه، فإن انتهكت حرمة اللَّه كان أشد الناس غضبًا لله، (ومما روي من اتساع خلقه وحلمه عَّة، اتساع خلقه للطائفة المنافقين،) قال ابن عباس: كان المنافقون من الرجال ثلثمائة، من النساء مائة وسبعين، (الذين كانوا يؤذونه، إذا غاب يتملقون،) ويتوددون (له إذا حضر، وذلك مما تنفر منه النفوس البشرية، حتى تؤيدها العناية الربانية؛ وكان عَّ، كلما أذن له في التشديد عليهم، فتح لهم بابًا من الرحمة،» لأنه رحمة، (فكان يستغفر لهم، ويدعو لهم، حتى أنزل اللّه عليه: ﴿استغفر لهم، أو لا تستغفر لهم﴾ [التوبة / ٨٠] الآية، فقال عليه الصلاة والسلام: ((خيرني ربي) بين الاستغفار وتركه، (فاخترت أن أستغفر لهم)،) واستشكل فهم التخيير من الآية، لأن المراد بهذا العدد، أن ٣٦ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية ولما قال تعالى: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ [التوبة/ ٨٠] فقال عَِّ: لأزيدن على السبعين. وأمر ولد الذي تولى كبر النفاق والأذى منهم ببر أبيه، ولما مات كفنه في ثوب خلعه عن بدنه وصلی علیه، الاستغفار ولو كثر لا يفيد حتى أقدم جماعة؛ كالغزالي، وإمام الحرمين، والباقلاني، والداودي، فطعنوا في صحته؛ مع كثرة طرقه، واتفاق الشيخين، وسائر الذين خرجوا الصحيح على صحته، وذلك ينادي على الجماعة بعدم معرفة الحديث، وقلة الاطلاع على طرقه، وأجيب بأجوبة، أجودها أن النهي عن الاستغفار، لمن مات مشركًا، لا يستلزم النهي عنه لمن مات مظهرًا للإِسلام، لاحتمال كونه صحيحًا، ولا ينافيه بقية الآية؛ لجواز أن الذي نزل أولاً إلى قوله: ﴿فلن يغفر الله لهم﴾ [التوبة / ٨٠] الآية، بدليل تمسكه عَّه به وقوله: إنما خيرني اللّه تمسكًا بالظاهر على ما هو المشروع في الأحكام، حتى يقوم الدليل الصارف عن ذلك، فكشف اللَّه الغطاء بعد ذلك، وقال: ﴿ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله، والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ الآية، وبهذا يرتفع الإِشكال، وتقدم بسط هذا في المقصد الأول. (ولما قال تعالى: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة، فلن يغفر الله لهم﴾ [التوبة / ٨٠] الآية، فقال:) جواب، لما دخلت عليه الفاء على قلة (عَّةٍ لأزيدن على السبعين))) وفي رواية: فوالله لأزيدن، وأخرى، فأنا أستغفر سبعين سبعين، وهي وإن كانت مراسيل يقوي بعضها بعضًا، ووعده صدق، لا سيما، وقد حلف، وأتى بصيغة المبالغة في التأكيد؛ وفي رواية عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، لما نزلت: ﴿استغفر لهم، أو لا تستغفر لهم، إن تستغفر لهم سبعين مرة، فلن يغفر الله لهم﴾ [التوبة/ ٨٠] الآية، قال عَّالّ: لأزيدن على السبعين، فأنزل الله تعالى: ﴿سواء عليهم استغفرت لهم، أم لم تستغفر لهم، لن يغفر الله لهم﴾ [المنافقون] الآية، ورجاله ثقات، أي: فترك الاستغفار بعد نزول آية سورة المنافقين، إذ لا يتأتى فيها تخيير إذ المعنى استغفارك وعدمه سواء، (وأمر ولد) وهو عبد اللَّه الصحابي الصالح؛ (الذي تولى كبر النفاق،) تحمل معظمه، وهو عبد الله بن أبي بن سلول، (والأذى منهم) أي المنافقين (ببر أبيه))) حين جاءه يستأذنه في قتله، لما بلغه بعض مقالاته في النبي مآے، فقال: بل أحسن صحبته. رواه ابن منده بإسناد حسن، (ولما مات كفنه في ثوب خلعه عن بدنه،) بطلب منه، . لذلك روى الطبراني عن ابن عباس: لما مرض ابن أبي جاءه عَّه، فكلمه، فقال: قد فهمت ما تقول، فأمنن عليّ، وكفني في قميصك وصلٍ عليّ، ففعل (وصلى عليه) بطلبه وطلب ابنه، لذلك، ففي الصحيحين عن ابن عمر، لما مات ابن أبي، جاء ابنه عبد اللَّه إلى النبي عَلَّم، فسأله ٣٧ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية هذا وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يجذبه بثوبه ويقول: يا رسول الله أتصلي على رأس المنافقين؟ فنتر ثوبه من عمر وقال: إليك عني يا عمر. فخالف مؤمنًا وليًا في حق منافق عدو، وكل ذلك رحمة منه لأمته، أشار إليه الحراني. وقال النووي: قيل إنما أعطاه قميصه وكفنه فيه تطييبًا لقلب ابنه، فإنه كان صحابيًا صالحًا. وقد سأل ذلك فأجابه إليه، وقيل مكافأة لعبد الله المنافق الميت، لأنه كان ألبس العباس حين أسر يوم بدر قميصًا. وفي ذلك كله بيان عظيم مكارم أخلاقه عَّةِ، فقد علم ما كان أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليها الحديث، وفيه فصلى عليه رسول اللَّه عَّةِ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿ولا تصلٍ على أحد منهم﴾ [التوبة / ٨٤] الآية، فلا عبرة بتصدير البيضاوي بأنه لم يصل عليه، والطبراني وغيره، عن قتادة، فذكر لنا أنه، لما نزلت الآية، قال ◌َّ: وما يغنى عنه قميصي، وإني لأرجو أن يسلم بذلك ألف من قومه، وروى أن ألفًا من الخزرج أسلموا، لما رأوه يستشفع بثوبه، ويتوقع اندفاع العذاب عنه، (هذا وعمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه، بجذبه)، بكسر الذال، (بثوبه، ويقول: يا رسول اللَّه! اتصلي على رأس المنافقين فنتر ثو به من عمر،) بالمثناة الفوقية جذبه بقوة، (وقال: ((إليك عني يا عمر))،) وفي الصحیحین. فقام عمر، فأخذ بثوب رسول اللّه، فقال: أتصلي عليه إنه منافق، فصلى عليه (فخالف مؤمنًا وليًا في حق منافق عدو،) إجراء على الظاهر، (وكل ذلك رحمة منه لأمته، أشار إليه الحراني،) بالفتح والتشديد إلى حران مدينة بالجزيرة، قال الخطابي وابن بطال: إنما فعل ذلك، لكمال شفقته على من تعلق بطرف من الدين، وليطيب قلب ولده الصحابي الصالح، ولتألف الخزرج لرياسته فيهم؛ فلو لم يجب سؤال ابنه وترك الصلاة عليه، قبل ورود النهي الصريح، لكان سبة على ابنه وعارًا على قومه، فاستعمل عَّ أحسن الأمرين في السياسة؛ حتى كشف اللّه الغطاء، فأنزل: ﴿ولا تصل﴾ [التوبة / ٨٤] الآية، فما صلي على منافق بعد، ولا قام على قبره. (وقال النووي: قيل: إنما أعطاه قميصه، وكفنه فيه، تطييبًا لقلب ابنه، فإنه كان صحابيًا صالحًا،) شهد بدرًا، وما بعدها، فاستشهد يوم اليمامة؛ في خلافة أبي بكر، (وقد سأل ذلك، فأجابه إليه،) لأنه لا يرد سائلاً، والضنة بالقميص ليست من شأن الكرام، (وقيل مكافأة لعبد الله المنافق الميت، لأنه كان ألبس العباس حين أسر يوم بدر قميصًا؛) فكافأه قميصه حتى لا يكون ـ، فقد علم ما كان من هذا له على عمه منة، (وفي ذلك كله بيان عظيم مكارم أخلاقه ٣٨ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية من هذا المنافق من الإيذاء له، وقابله بالحسنى فألبسه قميصه كفنًا وصلى عليه واستغفر له. ومن ذلك أنه عليه الصلاة والسلام لم يؤاخذ لبيد بن الأعصم إذ سحره. وعفا عن اليهودية التي سمته في الشاة على الصحيح من الرواية. والله يرحم القائل: ....... وما الفضل إلا خاتم المنافق من الإيذاء له،) كقوله ليخرجن الأعز منها الأُذل، لا تنفقوا على من عند رسول اللَّه، حتى ينفضوا وتوليه كبر الإفك، (وقابله بالحسنى، فألبسه قميصه كفنًا، وصلى عليه، واستغفر له. ذكر الواقدي: إن مجمع بن جارية، قال: ما رأيت رسول اللَّه عَّهِ أطال الصلاة على جنازة قط ما أطال على جنازة ابن أبي من الوقوف، ولابن إسحق، عن عمر: ومشى معه حتى قام على قبره؛ حتى فرغ منه، وفي رواية للبخاري، عن عمر فصلينا معه، قال أبو نعيم: ففيه أن عمر ترك رأي نفسه وتابعه عَّه، (ومن ذلك؛ أنه عليه الصلاة والسلام يؤاخذ لبيد،) بفتح اللام، وكسر الموحدة، وإسكان التحتية، ومهملة، (ابن الأعصم،) بمهملتين، بوزن أحمر، ويقال: أعصم بلا ألف يهودي، كما في الصحيحين، عن عائشة من بني زريق بضم الزاي، وفتح الراء بطن من الأنصار ذكر الواقدي؛ أنه كان حليفًا فيهم ووقع لعياض أنه أسلم، ورده البرهان؛ بأنه لا يعلم له إِسلامًا، ولا ذكرًا في الصحابة، وقيل كان منافقًا، ولعل المراد العرفي، إذ النفاق إخفاء الكفر، وإظهار الإِسلام، ولبيد لم يكن كذلك، فهو على حد قوله تعَّةٍ، آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب؛ وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان. رواه الشيخان، ويطلق النفاق على الكفر أيضًا، (إذ سحره) تعليلية بنفسه على ظاهر حديث الصحيحين، وعند ابن سعد: إنما سحره بنات لبيد، ولبيد هو الذي ذهب به، فإن صح، فنسب إليه مجازًا لأخذه من بناته، وذهابه إلى البثر به، ومكث عَّ في السحر أربعين يومًا، رواه الإِسمعيلي، ولأحمد ستة أشهر، وجمع بأنها من ابتداء تغير مزاجه، والأربعين من استحكامه، قال في الشفاء: وقد أعلم به، وأوحى إليه بشرح أمره، ولا عتب عليه فضلاً عن معاقبته، (وعفا عن اليهودية التي سمته في الشاة على الصحيح من الرواية،) قاله عياض: أي في حق نفسه، فلا ينافي أنه قتلها بعد ذلك، لما مات بشر بن البراء قصاصًا، ومرت القصة في خيبر، وأنها أسلمت رضي اللَّه عنها، (والله يرحم القائل، وما الفضل:) الزيادة في مراتب القرب (إلاَّ خاتم،) أي: زيادة ٣٩ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية أنت فصه وعفوك نقش الفص فاختم به عذري ومن ذلك إشفاقه عَِّ على أهل الكبائر من أمته، وأمره إياهم بالستر، فقال: من بلي بهذه القاذورات - يعني المحرمات - فليستتر. وأمر أمته أن يستغفروا للمحدود ويترحموا عليه لما حنقوا عليه فسبوه ولعنوه، فقال: قولوا اللَّهم اغفر له، اللَّهم ارحمه. خاتم (أنت فصه،) المتميز عنه بزيادة الفضل والقرب، وكأنه أراد بالخاتم جميع الأنبياء، ففضلهم وقربهم عند اللَّه، لا يساويهم فيه غيرهم، وجعلهم خاتمًا، لأن بواسطتهم تصان الملل عن الفساد؛ وتتزين بهم، فأشبهوا ما يطبع به على الكتاب، مثلاً: فيصان به ما في بطنه عن الفساد بالعلم به، وتزينت بهم الملل حيث أظهروا أحكامها، ونشروها، فأشبهوا الحلى الذي يتزين به؛ (وعفوك نقش الفص،) أي: كنقشه، لكونه زينة وشرفًا لأفعالك ومعاملتك مع الناس، كما أن النقش زينة الخاتم، وهي ظهور آثاره، بحيث يقتدي بك فيها، كتأثير الفص المنقوش، إذا طبع به أثرًا ظاهرًا ينتفع به، (فاختم به عذري:) كأنه أظهر له عذرًا في تقصيره في حقه، وسأله قبوله منه، وجعل عفوه، كخاتم لا يتطرق للطبع، به خلل، (ومن ذلك إشفاقه عٌَّ) مصدر أشفق، قال المجد: شفق وأشفق: حاذر، ولا يقال ألا أشفق، أي: لا يستعمل إلاَّ مزيدًا، وهجروا المجرّد، وإن جاء في أصل اللغة مجردًا ومزيدًا، فلا يرد أن فيه إثباتًا ونفيًا، وهو تناقض (على أهل الكبائر من أمته؛ وأمره إياهم بالستر، فقال: ((من بلى بهذه القاذروات))) جمع قاذورة، وهي كل قول، أو فعل يستقبح، ولذا قال: (يعني المحرمات،) سميت بذلك لأن حقها أنه تذر، فوصفت بما يوصف به صاحبها، (فليستتر) وجوبًا مع التوبة، ولا يخبر أحدًا، فإن خالف واعترف عند الحاكم؛ حده، أو عزره، وهذا الحديث أخرجه الحاكم والبيهقي، في السنن عن ابن عمر، قال: قام النبي عَِّ بعد رجم ماعز الأسلمي، فقال: اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى اللَّه عنها، فمن ألم بشيء منها، فليستتر بستر اللَّه، وليتب إلى اللّه، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب اللَّه، صححه الحاكم وابن السكن، وقال الذهبي في المهذب: إسناده جيد، ولا ينافيه قوله في اختصار له المستدرك غريب جدًا، لأن الغرابة تجامع الصحة، وقول إمام الحرمين صحيح متفق على صحته، قال ابن الصلاح: عجيب أوقعه فيه عدم إلمامه بصناعة الحديث التي يفتقر إليها كل عالم، (وأمر أمته،) أتباعه الحاضرين عنده، (أن يستغفروا للمحدود، ويترحموا عليه، لما حنقوا،) بفتح المهملة، وكسر النون، اغتاظوا (عليه، فسبوه،) شتموه بذكر مساويه (ولعنوه،) بأن دعوا عليه باللعن، ولعلهم لم يريدوا به الطرد عن رحمة اللَّه، (فقال: ((قولوا اللهم اغفر له، اللهم ارحمه))). ٤٠ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية وقال لهم في رجل كان كثيرًا ما يؤتى به سكران بعد تحريم الخمر، فلعنوه مرة فقال: لا تلعنوه فإنه يحب الله ورسوله. فأظهر لهم مكتوم قلبه لما رفضوه بظاهر فعله، وإنما ينظر الله إلى القلوب، طهر الله قلوبنا وغفر عظيم ذنوبنا. ومن ذلك ما رواه الدارقطني من حديث عائشة عن النبي عَّ أنه كان يصغي إلى الهرة الإناء حتى تشرب ثم يتوضأ بفضلها. ومن ذلك اتساع خلقه (وقال لهم في رجل) اسمه عبد الله، ولقبه حمار بلفظ الحیوان، (کان کثیرًا ما يؤتى به سكران بعد تحريم الخمر، فلعنوه مرة، فقال: ((لا تلعنوه، فإنه يحب اللَّه ورسوله))). روى البخاري من طريق زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، قال: كان رجل يسمي عبد الله ويلقب حمارًا، وكان يضحك رسول اللَّه مَّه، وكان يؤتى به في الشراب، فجيء به يومًا، فقال رجل: لعنه اللَّه ما أكثر ما يؤتى به، فقال ◌َِّ: ((لا تلعنه، فإنه يحب اللَّه ورسوله)، وذكر الواقدي: أن القصة وقعت له في غراة خيبر، ولأبي يعلى أنه كان يهدي للنبي عَّ العكة من السمن، أو العسل، ثم يجيء بصاحبها، فيقول: أعطه الثمن، ووقع نحو ذلك لنعيمان فيما ذكر الزبير بن بكار، في كتاب المزاح، وروى أبو بكر المروزي أن عبد اللَّه المعروف بحمار شرب في عهد عمر، فأمر الزبير وعثمن فجلداه، (فأظهر لهم مكتوم قلبه،) أي: ما كتمه قلبه وأخفاه من حب الله ورسوله، بحيث لم يعلم حقيقته سواه عَُّلم، (لما رفضوه) حين تركوه (بظاهر فعله))) من إضافة الصفة للموصوف، أي: بسبب فعله الظاهر، تركوه ظنًا أنه مبعد عن اللَّه، (وإنما ينظر اللَّه إلى القلوب) أي: إلى ما فيها، فيجازي عليه بأحسن الجزاء، وإن كان ظاهر فعله يقتضي خلافه، (طهر اللَّه قلوبنا) بحبه وحب رسوله، (وغفر عظيم ذنوبنا) بفضله وكرمه. (ومن ذلك ما رواه الدارقطني،) وحسنه، والحاكم، وصححه، وأبو نعيم، والطبراني برجال ثقات، (من حديث عائشة عن النبي عَّة؛ أنه كان يصغي،) بمهملة فمعجمة، يميل (إلى الهرة الإِناء حتى تشرب) منه بسهولة، (ثم يتوضأ بفضلها،) أي: بما فضل من شربها، وفيه طهارة الهرة وسؤرها، وبه قال عامة العلماء، إلاّ أن أبا حنيفة كره الوضوء بفضاها، وخالفه أصحابه، وندب سقي الماء، والإِحسان إلى خلق اللَّه، وأن في كل كبد حرى أجرّا، وأنه ينبغي للعالم فعل المباح إذا تقرر عند بعض الناس كراهة، ليبين جوازه، (ومن ذلك اتساع خلقه؛) إن قيل اسم الإِشارة عائد على اتساع خلقه، فما فائدة ذكره؟، فالجواب لعل فائدته التنبيه على أن هذا من أحسن أخلاقه، كأنه قال: اتساع خلقه الحسن المتميز عن بقية أحواله، اتساع خلقه، مع أصحابه