النص المفهرس
صفحات 1-20
شَرَحُ الْعَلَامَةِالرَّدَقَانِي المتوفى سنة ١١٢٢ هـ. اعلے المواهب المدنيّة بالشيخ المحمديّة للعَلَامَة القسطَلاني المتوفى سنة ٩٢٣ هـ. ضَبَطَرَ وَصَحُهُ محمد عبدالعزيز الخالدي الجزء السادس دار الكتب العلمية بيروت - لبنان جميع الحقوق محفوظة جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا" أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر. أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيا". Copyright C All rights reserved Exclusive rights by DAR al-KOTOB al- ILMIYAH Beirut - Lebanon. No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher. الطّبعَة الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ مـ دار الكتب العلمية بيروت - لبنان : رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت العنوان تلفون وفاكس : ٣٦٤٣٩٨ - ٢٦٦١٣٥ - ٦٠٢١٣٣ (١ ٩٦١ ) .. صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان DAR al-KOTOB al-ILMIYAH Beirut - Lebanon Address : Ramel al-Zarif, Bohtory st., Melkart bldg., 1st Floore. Tel. & Fax : 00 (961 1) 60.21.33 - 36.61.35 - 36.43.98 P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon بِشِالله ◌ِالرَ الشَّمَ الفصل الثاني فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية وشرفه به من الأوصاف المرضية اعلم أن الأخلاق جمع خلق. بضم الخاء واللام ويجوز إسكانها. قال الراغب: الخلق والخُلق - بالفتح وبالضم - في الأصل بمعنى واحد، كالشَرب والشُرب لكن خص الخلق الذي بالفتح بالهيئات والصور المدركة بالبصر، وخص الخلق الذي بالضم بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة. انتهى. وقد اختلف: هل حسن الخلق غريزة أو مكتسب؟ وتمسك من قال بأنه غريزة بحديث الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية (الفصل الثاني:) من المقصد الثالث (فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية) الصالحة النامية، وجمع الأخلاق باعتبار الثمرات الناشئة عن الخلق من الأوصاف الحميدة، كبشاشة واحتمال أذى وعدم المجازاة بالسيئة، فلا يرد أن كونه جبلة في الإِنسان يقتضي اتحاده أو بناء على تعدده؛ كما صار إليه كثير (وشرفه به من الأوصاف المرضية،) بمعنى الأخلاق الزكية على أن المراد بها الثمرات. (اعلم أن الأخلاق جمع خلق - بضم الخاء واللام ويجوز إسكانها) تخفيفًا فالضم. الأصل لكن سوى بينهما في النهاية (قال الراغب: الخلق والخلق بالفتح) للأول، (وبالضم) الثاني (في الأصل، بمعنى واحد كالشرب) بالفتح (والشرب) بالضم، (لكن خص) في الاستعمال وإن أطلق بالاشتراك على كل منهما؛ (الخلق الذي بالفتح بالهيئات والصور المدركة بالبصر، وخص الخلق الذي بالضم بالقوى والسجايا المدرجة بالبصيرة انتهى). وفي النهاية الخلق. بضم اللام وسكونها الدين والطبع، والسجية وحقيقته أنه لصورة الإِنسان الباطنة، وهي نفسه وأوصافه ومعانيها المختصة بها، بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها؛ ولها أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة، أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة، (وقد اختلف هل حسن الخلق غريزة -) بمعجمة فراء فتحتية فزاي منقوطة. أي طبيعة؛ (أو مكتسب، وتمسك من قال بأنه غريزة بحديث ٤ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية ابن مسعود: إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم. الحديث رواه البخاري. وقال القرطبي: الخلق جبلة في نوع الإنسان. وهم في ذلك متفاوتون، فمن غلب عليه شىء منها كان محمودًا وإلا فهو المأمور بالمجاهدة فيه حتى يصير محمودًا، وكذلك إن كان ضعيفًا فيرتاض صاحبه حتى يقوى. وقد وقع في حدیث الأشج ابن مسعود) عن النبي عَّ قال: ((إن اللّه قسم بينكم أخلاقكم،) فأعطى بعضًا خلقًا حسنًا، وبعضًا خلقًا سيئًا، وفاوت في مراتبهما؛ (كما قسم) بينكم (أرزاقكم،) فوسع على بعض))، وضيق على بعض (الحديث رواه البخاري) في الأدب المفرد كما عزاه له جمع، منهم المصنف على البخاري خلافا لما يوهمه إطلاقه هنا، أنه رواه في الصحيح (وقال القرطبي: الخلق جبلة-) بكسر الجيم والباء وشد اللام. طبيعة، وخلقة وغريزة وسجية، بمعنى واحد كما في المصباح، (في نوع الإِنسان وهم) أي أفراد النوع، (في ذلك متفاوتون؛) إذ النوع حقيقة واحدة لا تكثر فيها ولا تعدد، واختلافهم فيها باعتبار أن منهم من جبلت طبيعته على محبة الأفعال الحسنة، ومنهم من طبعيته على خلاف ذلك. وإليه أشار بقوله: (فمن غلب عليه شيء) حسن لاختلافها حسنًا وغيره؛ (منها) أي: من الصفات التي هي ثمرات الجبلة الموصوفة، بالحسن (كان محمودًا،) ولا يرد عليه أن الجبلة شيء واحد فلا يتصف بغلبة ولا دونها، لما قلنا المراد بها الصفات لا نفس الطبيعة، (وإلا) يغلب عليه شيء بأن غلبت عليه صفات الذم؛ أو استوى فيها الأمران (فهو المأمور،) بالأحاديث الدالة على طلب تحسين الخلق وذلك (بالمجاهدة فيه، حتى يصير محمودًا) فيمكن اكتساب حسن الخلق، (وكذلك إن كان) الخلق (ضعيفًا فيرتاض صاحبه) أي يسعى في تذليله؛ بتعويده الصفات الحميدة شيئًا فشيئًا (حتى يقوى))) يعني أن الحسن مقول بالتشكيك، فمن غلب عليه الحسن الكامل لا يحتاج إلى علاج، ومن غلب عليه صفات الذم احتاج إلى علاج قوي؛ ومن كان فيه أصل الحسن، احتاج إلى رياضة ليحصل له قوة في الصفة التي تلبسٍ بها، هكذا أملاني شيخنا رحمه اللّه، (وقد وقع في حديث الأشج -) بمعجمة وجيم. سمي به لأثر كان في وجهه، واسمه المنذر بن عائذ. بمعجمة فتحتية فمعجمة. على الصحيح المشهور؛ الذي قاله ابن عبد البر: والأكثر وقيل اسمه المنذر بن الحرث بن زياد بن عصر. بفتح العين والصاد المهملين ثم راء. ابن عوف، وقيل المنذر بن عامر: وقيل ابن عبيد وقيل اسمه عائذ بن المنذر، وقيل عبد الله بن ٥ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية أنه عَِّ قال له: إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة، قال: يا رسول الله قديمًا كان في أو حديثًا؟ قال: قديمًا، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله. رواه أحمد والنسائي وصححه ابن حبان. فترديد السؤال وتقريره عليه يشعر بأن في الخلق ما هو جبلي وما هو مكتسب. وقد كان عَّهِ يقول: اللَّهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي. عوف (أَنه ◌َّ قال له: ((إن فيك خصلتين))) تثنية خصلة، وفي رواية لخلتين وهما بمعنى (يحبهما الله). زاد في رواية ورسوله (الحلم،) العقل أو تأخير مكافأة الظالم أو العفو عنه، أو غير ذلك (والأناة) بالقصر بزنة فتاة التثبت وعدم العجلة، وذلك إن وفد عبد القيس بادروا إلى النبي عَّه؛ بثياب سفرهم وأقام الأشج في رحالهم، فجمعها وعقل ناقته ولبس أحسن ثيابه ثم أقبل إلى النبي، فقر به عَّه وأجلسه إلى جانبه وقال: ((تبايعون على أنفسكم وقومكم))؟ فقال القوم: نعم فقال الأشج: يا رسول اللّه! إنك لن تزاول الرجل على شيء أشد عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا ونرسل من يدعوهم، فمن اتبعنا كان منا، ومن أبى قاتلناه قال: ((صدقت أن فيك)) الخ. قال عياض: فالأناة تربصه حتى نظر في مصالحه ولم يعجل، والحلم هذا القول الذي قاله، الدال على صحة عقله، وجودة نظره للعواقب، (قال: يا رسول اللّه قديمًا كان) المذكور من الخصلتين، هكذا في نسخ بالأفراد، ومثلها بخط الشامي، وفي بعضها كانا بالتثنية، لكن المناسب كانتا (في، أو حديثًا، قال: قديمًا قال: الحمد لله الذي جبلني على خلتين،) تثنية خلة، وهي الخصلة، كما في النسخ الصحيحة، وخط الشامي، وهو موافق لقول المصطفى، خلتين لفظًا ومعنى، وعلى رواية الخصلتين، يكون عدل عن لفظه إلى معناه قرارًا من توارد الألفاظ، وأن بين مخاطبين، فما في نسخ على خلقين لا يناسب قوله خصلتين، إلاّ بحملهما على غير معنى الخلق (يحبهما اللَّه) زاد في رواية ورسوله (رواه أحمد، والنسائي، وصححه ابن حبان،) وهو في مسلم، والترمذي من حديث ابن عباس وتقدمت القصة مبسوطة في الوفود، (فترديد السؤال، وتقريره عليه) بقوله قديمًا، (يشعر بأن في الخلق ما هو جبلي، وما هو مكتسب،) لأنه مَِّ أقره على سؤاله، وأجابه بقوله: قديمًا قال ابن حجر وغيره، وهذا هو الحق، قال شيخنا: وهو جميع بين القولين لا ثالث، (وقد كان عَّةٍ) إذا نظر في المرآة (يقول: ((اللهم كما حسنت))،) وفي رواية أحسنت، (خلقي،) بالفتح، (فحسن خلقي)،) بالضم، لأقوى على أثقال الخلق، وأتحقق بتحقق العبودية، والرضا بالعدل ومشاهدة الربوبية، قال الطيبي: يحتمل أن ٦ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية أخرجه أحمد وصححه ابن حبان، وعند مسلم في حديث دعاه الافتتاح: واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت. ولما اجتمع فيه عَّهِ من صفات الكمال ما لا يحيط به جدولاً يحصره عد، أثنى الله تعالى عليه في كتابه الكريم فقال: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم/ ٤]، وكلمة ((على)) للاستعلاء فدل اللفظ على أنه مستعل على هذه الأخلاق ومستول عليها. والخلق ملكة نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة، يريد طلب الكمال، وإتمام النعمة عليه، بإكمال دينه، وأن يكون طلب المزيد والثبات على ما كان (أخرجه أحمد، وصححه ابن حبان) من حديث عبد اللَّه بن مسعود، ورواته ثقات. قال شيخنا: ففيه دليل على أن حسن الخلق قد يتجدد ويحصل، بعد أن لم يكن، وقال غيره: تمسك به من قال حسن الخلق غريزي لا مكتسب، والمختار أن أصول الأخلاق غرائز، والتفاوت في الثمرات، وهو الذي به التكليف، (وعند مسلم في حديث: دعاء الافتتاح، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلاَّ أنت،) وهو يدل أيضًا على أنها قد تكتسب، (ولما اجتمع فيه عَِّ من صفات الكمال، ما لا يحيط به جدولاً، يحصره عد أثنى اللَّه تعالى عليه في كتابه الكريم، فقال:) مقسمًا ﴿ن والقلم وما يسطرون، ما أنت بنعمة ربك بمجنون، وأن لك لأجرًا غير ممنون، (وأنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم/ ٤] الآية،) لتحملك من قومك ما لا يتحمله أمثالك، وقالت عائشة: ما كان أحد أحسن خلقًا من رسول اللَّه عَ لّه، ما دعاه أحد من أصحابه، ولا من أهل بيته إلاّ قال: ((لبيك))، فلذلك، أنزل الله تعالى ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم/ ٤] الآية، رواه ابن مردويه)، وأبو نعيم بسند واهٍ، (وكلمة على للاستعلاء، فدل اللفظ على أنه مستعل، على هذه الأخلاق، ومستولٍ عليها،) أي متمكن من الجري على مقتضاها، ببذل المعروف، واحتمال الأذى، وعدم الانتقام، فأشبه في تمكنه من ذلك المستعلي على الشيء، المستقر عليه فهو استعارة تبعية لجريانها في الحرف، (والخلق ملكة نفسانية، يسهل على المتصف بها، الإتيان بالأفعال الجميلة،) كأن هذا تعريف للخلق الحسن، المرضى شرعًا وعرفًا، فلا يشكل بأن الخلق قد يكون حسنًا، وقد يكون قبيحًا، ولذا جاء ذم الخلق في أحاديث كثيرة، ولذا اعترض عليه، بأن هذا التعريف ليس بصواب، إذ الناشىء عن الجبلة يكون جميلاً تارة، وقبيحًا أخرى، وما ذكره إنما هو تعريف للخلق الحسن لا لمطلق الخلق، فكأنه لم يقف على قول الراغب حد الخلق حال للإِنسان، داعية إلى الفعل من غير فكر ولا روية، ولا قول .. ٧ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية وقد وصف الله تعالى نبيه بما يرجع إلى قوته العلمية بأنه عظيم فقال: ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا﴾ [النساء/ ١١٣] ووصفه بما يرجع إلى قوته العملية بأنه عظيم، فقال: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾. فدل مجموع هاتين الآيتين على أن روحه فيما بين الأرواح البشرية عظيمة عالية الدرجة، كأنها لقوتها وشدة كمالها من جنس أرواح الملائكة. قال الحليمي: وإنما وصف خلقه بالعظم، مع أن الغالب وصف الخلق بالكرم لأن كرم الخلق يراد به السماحة والدماثة، ولم يكن خلقه عَّ مقصورًا على ذلك، بل كان رحيمًا بالمؤمنين، رفيقًا بهم، شديد على الكفار، غليظًا علیھم، مھیبًا الغزالي هيئة للنفس تصدر عنها الأفعال بسهولة، من غير احتياج إلى فكر وروية، فإن صدر عن الهيئة أفعال جميلة محمودة عقلاً وشرعًا، سميت خلقًا حسنًا، وإن صدر عنها أفعال قبيحة، سميت خلقًا سيئًا، وأجيب بأنه لم يدع حصر ما ينشأ عنها في الجميل، ورده شيخنا بأن حق التعريف أن يكون جامعًا مانعًا، والاعتراض بالنظر، لهذا قال: والأحسن في الجواب؛ أنه قد يراد بالتعاريف تعريف بعض الأنواع، لتميزه عن غيره بصفة حتى صار، كأنه حقيقة، في ذلك الشيء، وتنزيل غيره منزلة العدم، وهو هنا الخلق الحسن، إذ غيره لا اعتبار به. (وقد وصف اللَّه تعالى نبيه بما،) أي: بكمال (يرجع إلى قوته العلمية، بأنه) أي ذلك الكمال (عظيم،) والمعنى وصفه بكمال عظيم يرجع إلى قوته العلمية، (فقال: ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم﴾ [النساء/ ١١٣] الآية) من الأحكام والغيب، (وكان فضل اللَّ) بذلك وبغيره (عليك عظيمًا،) إذ لا فضل أعظم من النبوة، (ووصفه بما يرجع إلى قوته العملية بأنه عظيم، فقال: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾، [القلم/ ٤] الآية، فدل مجموع هاتين الآيتين على أن روحه، فيما بين الأرواح البشرية، عظيمة عالية الدرجة، كأنها لقوتها وشدة كمالها، من جنس أرواح الملائكة،) إذ أعطاهم اللَّه قوة في العمل لا تصل إليها البشر، وفي العلم ما يصلون به إلى معرفة حقائق الأمور، من اللوح المحفوظ، أو الإِلهام والعلم الضروري، بمعرفة الأمور على ما هي به في الواقع، وكذلك كان عَّةِ، (قال الحليمي: وإنما وصف خلقه بالعظم، مع إن الغالب وصف الخلق بالكرم، لأن كرم الخلق، يراد به السماحة والدماثة،) بدال مهملة مفتوحة، ومثلثة، السهولة واللين، كما في النهاية وغيرها، وهو عطف مباين، إذ السماحة: كثرة العطاء، والدمائة أعم، (ولم يكن خلقه عَّ مقصورًا على ذلك) المذكور من السماحة والدماثة، (بل كان رحيمًا بالمؤمنين، رفيقًا بهم، شديد) قويًا (على الكفار، غليظًا عليهم مهيبًا،) بزنة مبيع، اسم مفعول ٨ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية في صدور الأعداء، منصورًا بالرعب منهم على مسيرة شهر، فكان وصفة بالعظم أولى ليشمل الإنعام والانتقام. وقال الجنيد: وإنما كان خلقه عَِّ عظيمًا لأنه لم يكن له همة سوى الله تعالی. وقيل: لأنه عليه الصلاة والسلام عاشر الخلق بخلقه، وباينهم بقلبه. وقيل: لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، قال عليه الصلاة والسلام - فيما رواه الطبراني في الأوسط بسند فيه عمر بن إبراهيم المقدسي وهو ضعيف - عن جابر بن عبد الله: إن من هاب (في صدور الأعداء، منصورًا بالرعب منهم) حال من الأعداء (على مسيرة شهر)، كما ورد في الحديث، لأنه لم يكن بينه وبين أعدائه حينئذٍ أكثر من شهر من كل جهة، (فكان وصفه بالعظم) دون الكريم (أولى، ليشمل الإنعام والانتقام). (وقال الجنيد)، أبو القاسم بن محمد، النهاوندي الأصل، البغدادي المنشأ، القواريري الزجاج، نسبة لحرفة أبيه، سيد الطائفة، مرجع أهل السلوك، تفقه على أبي ثور، وكان يفتي بحضرته، وهو ابن عشرين سنة، ورزق من القبول، وصواب القول، ما لم يقع لغيره، كان إذا مر ببغداد وقف الناس له صفوفًا، وكانت الكتبة تحضر مجلسه لألفاظه، والفقهاء، لتقريره، والفلاسفة لدقة نظره، والمتكلمون لتحقيقه، والصوفية لإِشارته وحقائقه، مات ببغداد سنة تسع أو ثمان وتسعين ومائتين، وحزر من صلى عليه، فكانوا نحو ستين ألفًا، (وإنما كان خلقه معَّلِّ عظيمًا، لأنه لم يكن له همة سوى اللَّه تعالى،) أي سوى الاشتغال بامتثال أمره، ونهيه، وتعظيمه، بالإقبال بجملته على عبادته، فلا يقبل على غيره طرفة عين، (وقيل لأنه عليه الصلاة والسلام عاشر الخلق بخلقه،) فكان يتكلم معهم في أمور دنياهم، من مزيد تلطفه بهم، وإن اقتضى الحال المزاح مازحهم، ولا يقول إلاَّ حقًا كما قال زيد بن ثابت: كنت جار النبي ◌َّه، وكنا إذا ذكرنا الدنيا، ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة، ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، رواه البيهقي. (وباينهم بقلبه،) إذ هو مقبل على اللَّه، منزه عما يشغل سره عنه، متبتل إليه بشراشره، (وقيل لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، قال عليه الصلاة والسلام، فيما رواه الطبراني في الأوسط) على الصواب، وعزاه الديلمي، لأحمد عن معاذ، وما رأيته فيه، إنما فيه حديث أبي هريرة الآتي أفاده السخاوي (بسند فيه عمر بن إبراهيم المقدسي، وهو ضعيف، عن جابر بن ٩ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية الله بعثني بتمام مكارم الأخلاق وكمال محاسن الأفعال، وفي رواية لملك في الموطأ بلاغًا: بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. فجميع الأخلاق الحميدة كلها كانت فيه عَّهِ، فإنه أدب بالقرءان، كما قالت عائشة رضي الله عنها: كان خلقه القرءان. قال بعض العارفين: وقد علم أن القرءان فيه المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به، أي أقررناه في نصابه، عبد اللَّه، أن اللَّه بعثني بتمام مكارم الأخلاق، وكمال محاسن الأفعال،) ولكنه، وإن كان ضعيفًا رواية، فله شواهد، كما أفاده بقوله: (وفي رواية لملك في الموطأ بلاغًا،) أي: أنه قال بلغني أن النبي عَّه قال: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))،) والبلاغ، وإن كان من أقسام الضعيف، إلاّ أن بلاغات الإِمام ليست منه، لأنها تتبعت كلها، فوجدت صحيحة أو حسنة، ولذا قال ابن عبد البر: على الموطأ هو متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره، منها ما أخرجه أحمد، والخرائطي، برجال الصحيح، عن أبي هريرة، رفعه بلفظ صالح، وأخرجه البزار من هذا الوجه، بلفظ الموطأ، وفي رواية لأتمم حسن الأخلاق، وحسن الخلق: اختيار الفضائل وترك الرذائل. (فجميع الأخلاق الحميدة كلها كانت فيه عَّه، فإنه أدب بالقرءان، كما قالت عائشة رضي الله عنها) فيما رواه مسلم وغيره: (كان خلقه القرءان) يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه، ابن الأثير: أي كان متمسكًا بآدابه وأوامره ونواهيه، وما يشتمل عليه من المكارم والمحاسن، قال البيضاوي: أي جميع ما حصل في القرءان، فإن كل ما استحسنه، وأثنى عليه، ودعا إليه قد تحلى به، وكل ما استهجنه، ونهى عنه تجنبه وتخلى عنه، فكان القرءان بيان خلقه، وفي الديباج معناه العمل به، والوقوف عند حدوده، والتأدب بآدابه، والاعتبار بأمثاله، وقصصه وتدبره، وحسن تلاوته انتهى. وهي متقاربة، ثم هذا الحديث أخرجه الإِمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، عنها بهذا اللفظ، وزيادة يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه، ورواه ابن أبي شيبة وغيره، أن عائشة سئلت عن خلقه عَّةٍ، فقالت: كان أحسن الناس خلقًا، كان خلقه القرءان يرضى لرضاه، ويغضب لغضبه، لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، ولا صحابًا في الأسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ثم قالت: ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ [المؤمنون: ١] الآية، إلى العشر، فقرأ السائل، فقالت: هكذا كان خلقه عَِّ، (قال بعض العارفين: وقد علم أن القرءان فيه المتشابه، الذي لا يعلم تأويله إلاَّ اللَّه، والراسخون في العلم،) مبتدأ خبره، (يقولون آمنا به، أي أقررناه في نصابه») أي أصله، ١٠ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية وأقررنا به من خلف حجابه، وتقلدنا سيف الحجة به ولكن في قرابه: وما كونه مما تحصل مقلة ولا حده مما تحس الأنامل وقال صاحب عوارف المعارف: ولا يبعد أن قول عائشة رضي الله عنها: كان خلقه القرءان فيه رمز غامض، وإيماء إلى الأخلاق الربانية، فاحتشمت الحضرة الإلهية أن تقول: كان متخلقًا بأخلاق الله تعالى فعبرت عن المعنى بقولها: كان خلقه القرءان استحياء من سبحات الجلال وسترًا للحال بلطيف المقال، وهذا من وفور عقلها وكمال أدبها، انتهى. بحيث لا نتكلم فيه بشىء، (وأقررنا:) اعترفنا (به من خلف حجابه،) لعدم قدرتنا على كشفه، والمراد بالحجاب: ما يمنع حمل المتشابه على ظاهره، كاستحالة إطلاقه على اللَّه، يعني آمنا به مع اعترافنا بإشكاله علينا، (وتقلدنا سيف الحجة به ولكن فى قرابه) أي: احتججنا به، مع عدم العلم بالمراد منه: وما كونه مما تحصل مقلة ولا حده مما تحس الأنامل يعني أنه لا يدرك معناه لشدة خفائه، بحيث أشبه من الموجودات ما لا يدرك بالبصر، لدقته وخفائه، ولا تدرك صفته بمس الأنامل لذلك أيضًا، (وقال صاحب عوارف المعارف،) العارف، العلامة عمر شهاب الدين، بن محمد، بن عمر السهروردي، بضم المهملة، وسكون الهاء، وضم الراء، وفتح الواو، وسكون الراء الثانية، ودال مهملة، نسبة إلى سهرورد بلد عند زنجان الإمام الورع، الزهد الفقيه الشافعي، ولد سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وأخذ عن الكيلاني وغيره، وسمع الحديث من جماعة، وقرأ الفقه والخلاف، ثم لازم الخلوة والصوم، والذكر، ثم تكلم على الناس لما أسن، ووصل إلى اللَّه به خلق كثير، وتاب على يديه كثير من العصاة، وكف، وأقعد، وما أخل بذكر ولا حضور، جمع ولازم الحج، فكانت محفته تحمل على الأعناق، من العراق إلى البيت الحرام، ومات ببغداد، مستهل محرم، سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، (ولا يبعد أن قول عائشة رضي الله عنها: كان خلقه القرءان، فيه رمز غامض:) خفي (وإيماء:) إشارة (إلى الأخلاق الربانية، فاحتشمت) استحيت (الحضرة الإلهية، أن تقول كان متخلقًا بأخلاق اللَّه تعالى، فعبرت عن المعنى بقولها كان خلقه القرءان، استحياء من سبحات،) بضم السين (الجلال،) إضافة بيانية، قال المصباح: السبحات التي في الحديث جلال اللَّه وعظمته ونوره وبهائه، (وسترًا للحال بلطيف المقال، وهذا من وفور عقلها، وكمال أدبها، التھی). ١١ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية فكما أن معاني القرءان لا تتناهى فكذلك أوصافه الجميلة الدالة على خلقه العظيم لا تتناهى إذ في كل حالة من أحواله يتجدد له من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وما يفيضه الله تعالى عليه من معارفه وعلومه ما لا يعلمه إلا الله تعالى. فإذا التعرض لحصر جزئيات أخلاقه الحميدة تعرض لما ليس من مقدور الإنسان، ولا من ممكنات عاداته. قال الحرالي - وهو كما في القاموس: بتشديد اللام، نسبة إلى قبيلة بالبربر، واسمه: علي بن أحمد بن الحسين، ذو التصانيف المشهورة -: ولما كان عرفان قلبه عليه الصلاة والسلام بربه عز وجل كما قال: بربي عرفت كل شىء، كانت أخلاقه أعظم خلق، فكذلك بعثه الله إلى الناس كلهم، ولم يقصر رسالته على الإنس حتى عمت الجن، ولم يقصرها على الثقلين حتى عمت جميع العالمين. فكل من كان الله ربه فمحمد رسوله، فكما أن الربوبية نعم العالمين فالخلق المحمدي يشمل جميع العالمين. انتهى. فكما أن معاني القرءان لا تتناهى، فكذلك أوصافه الجميلة، الدالة على خلقه العظيم، لا تتناهى إذ في كل حالة من أحواله يتجدد له من مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم) جمع شيمة، مثل سدرة، وسدر الغريزة، والطبيعة، والجبلة، وهي التي خلق الإِنسان عليها، قاله المصباح، (وما يفيضه اللَّه تعالى عليه من معارفه وعلومه، ما لا يعلمه إلاَّ اللَّه تعالى، فأذن التعرض لحصر جزئيات أخلاقه الحميدة، تعرض لما ليس من مقدور الإِنسان، ولا من ممكنات عاداته، قال الحرالي، وهو كما في القاموس،) في فصل الحاء المهملة من باب اللام، (بتشديد اللام، نسبة إلى قبيلة بالبربر، واسمه على) لفظ القاموس حر، آلة مشددة اللام، بلد بالمغرب، أو قبيلة بالبربر، منه الحسن بن علي، (بن أحمد بن الحسن) الحر، إلى (ذو التصانيف المشهورة، ولما كان عرفان قلبه عليه الصلاة والسلام بربه عزّ وجلّ، كما قال: بربي عرفت كل شيء، "كانت أخلاقه أعظم خلق، فلذلك بعثه اللَّه إلى الناس كلهم، ولم يقصر رسالته على الأنس، حتى عمت الجن) إجماعًا، (ولم يقصرها على الثقلين) الإِنس والجن، (حتى عمت جميع العالمين،) على ظاهر قوله تعالى ﴿ليكون للعالمين نذيرًا﴾ [الفرقان/ ١] الآية، وقوله عَّه: ((وبعثت إلى الخلق كافة))، رواه مسلم. (فكل من كان اللَّه ربه، فمحمد رسوله، فكما أن الربوبية تعم العالمين، فالخلق المحمدي يشمل جميع العالمين، التھی). ١٢ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية وهذا مصير منه إلى أنه عَّةِ قد أرسل إلى الملائكة أيضًا، وسيأتي الكلام على ذلك مستوفى إن شاء الله تعالى وهو المستعان. وكان مَِّ مجبولاً على الأخلاق الكريمة في أصل خلقته الزكية النقية، لم يحصل له ذلك برياضة نفس، بل بجود إلهي، ولهذا لم تزل تشرق أنوار المعارف في قلبه حتى وصل إلى الغاية القصوى والمقام الأسنى. وأصل هذه الخصال الحميدة، والمواهب المجيدة، كمال العقل، لأن به تقتبس الفضائل وتجتنب الرذائل، وهذا مصير منه إلى أنه مَّةٍ قد أرسل إلى الملائكة أيضًا،) كما اختاره كثيرون، بل قوله، فكل من كان اللَّه الخ ... ، يفيد أنه مرسل لسائر الحيوانات والجمادات، فإن الكل مربوب له تعالى، ويصدق عليه قوله، فمحمد رسوله، إذ معناه مرسل إليه، (وسيأتي الكلام على ذلك مستوفى إن شاء اللَّه تعالى) في الخصائص، (وهو المستعان))) ولما قدم أن الخلق غريزي ومكتسب، استشعر سؤال سائل عن خلق المصطفى، من أيهما، فاستأنف قاصدًا زيادة الإِيضاح، وإن قدم ما يفيده قوله: (وكان عَّ مجبولاً،) مطبوعًا (على الأخلاق الكريمة) الحميدة، صفة مخصصة لما علم أنها حميدة، وضدها، ووصفها بالكريمة، لأنه الغالب، ولذا احتيج للجواب عن الآية، كما مر (في أصل خلقته الزكية النقية،) فلا يحتاج إلى الاكتسابات المتكلفة لتحسين الخلق، ولا ينافيه طلبه تحسين خلقه، لأن القصد به إظهار العبودية، وتعليم الأمة، وطلب الزيادة، لأن الكامل يقبل الكمال، (لم يحصل له ذلك برياضة،) أي تذليل وتعويد (نفس) ما فيه لين وسهولة. وهذه صفة كاشفة لقوله مجبولاً، (بل بجود إلهي، ولهذا)) أي كونها لم تحصل برياضة، (لم تزل تشرق) تضيء أي: تزداد كمال (أنوار المعارف،) أي العلوم والإضافة حقيقية بحمل المعارف على العلوم، والأنوار على مآثرها، أو بيانية، أي: أنوار هي المعارف أي العلوم، (في قلبه حتى وصل إلى الغاية،) أي: المرتبة، وتكون عليا وسفلى، فلذا وصفها بقوله: (القصوى،) فلا يرد أن الغاية النهاية، ولا تنقسم، فلا يصح الوصف، (والمقام الأسنى:) الأرفع من كل مقام، عطف تفسير للإشارة إلى بلوغه في ذا الكمال أعلى رتبة، (وأصل هذه الخصال الحميدة، والمواهب) جمع موهبة، بكسر الهاء: العطية بلا عوض، وكان المراد من عطفها على الخصال؛ أنها حصلت بلا كسب ولا تعب، (المجيدة،) أي العزيزة الشريفة، (كمال العقل، لأن به) لا بغيره (تقتبس) تؤخذ، أي: تكتسب (الفضائل،) فقدم به على العامل ليفيد الاختصاص، ١٣ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية فالعقل لسان الروح وترجمان البصيرة، والبصيرة للروح بمثابة القلب، والعقل بمثابة اللسان. قال بعضهم؛ لكل شىء جوهر، وجوهر الإنسان العقل، وجوهر العقل الصبر. وأما ما روي: أن الله لما خلق العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقًا أشرف منك، فبك آخذ وبك أعطي. فقال ابن تيمية وتبعه غيره: إنه كذب موضوع باتفاق. انتهى. وفي زوائد عبد الله بن الإمام أحمد على (و) كذلك به (تجتنب الرذائل)، الأمور الردية، جمع رذيلة ضد الفضيلة، (فالعقل لسان الروح)، أي أنه لها بمنزلة اللسان للإِنسان، والروح عند أهل السنَّة: النفس الناطقة، المستعدة للبيان، وفهم الخطاب، ولا تفنى بفناء الجسد، فكما أن الإنسان الذي لا لسان له أصلاً، لا يمكنه التكلم بشيء، فكذلك من لا عقل له لا يحسن شيئًا من أنواع التصرفات التي يريد فعلها أو تركها، ومن له عقل تمكن من بيان مراده، وأمكنه التأمل فيما يريد فعله، فيختار الحسن، ويدع القبيح. (وترجمان البصيرة، والبصيرة للروح بمثابة القلب،) فصلاح الروح بصلاح البصيرة، كما أن صلاح الجسد بصلاح القلب، كما في الحديث، (والعقل بمثابة اللسان) للروح، وصلاحها وفسادها بصلاح البصيرة، التي هي لها كالقلب، فاللسان مترجم في الحقيقة عما في القلب، لأن إصلاح الروح وفسادها تابع للبصيرة، (قال بعضهم: لكل شىء جوهر،) أي أصل جبل عليه، (وجوهر الإِنسان) الذي طبع عليه (العقل، وجوهر) أصل (العقل) الذي يتمكن معه من امتثال الأمر واجتناب النهي (الصبر) على المكاره، فيخالف نفسه لما فيه صلاح يوافق الشرع، بفعل الأمر، وترك النهي، كما أشير إليه بحديث حفت الجنة بالمكاره، ولما استدل على كمال العقل بأمور عقلية، استشعر قول سائل لم لا تستدل بالحديث؟، فأجابه بالإشارة إلى أنه لا حجة فيه، فقال: (وأما ما روى أن اللَّه لما خلق العقل، قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقًا أشرف منك، فبك،) أي بسببك (آخذ) من جني، (وبك أعطي) من اتقى، لأنك سبب للطاعة والعصيان، وإنك أشرف ما يكتسب بك الخير والشر، (فقال ابن تيمية،) العلامة، الإِمام، الحافظ، الناقد، الفقيه الحنبلي، أحمد أبو العباس، تقي الدين بن عبد الحليم بن مجد الدين عبد السلام بن عبد اللَّه الحراني، أحد الأعلام، الأذكياء، الزهاد، ألف ثلثمائة مجلد، مات سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وولد سنة إحدى وستين وستمائة، (وتبعه غيره،) كالزركشي، (أنه كذب موضوع باتفاق انتهى). ولكن فيه نظر لأن له أصلاً صالحًا، (في زوائد عبد الله بن الإِمام أحمد على) كتاب ١٤ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية ((الزهد)) لأبيه عن علي بن مسلم عن سيار بن حاتم - وهو ممن ضعفه غير واحد وكان جماعًا للرقائق، وقال القواريري: إنه لم يكن له عقل - قال: حدثنا جعفر بن سليلمن الضبعي، قال حدثنا لملك بن دينار عن الحسن البصري، مرسلاً: لما خلق الله العقل قاله له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر: ما خلقت خلقًا أحب إلي منك، بل آخذ وبك أعطي. وأخرجه داود بن (الزهد، لأبيه، عن) شيخه (علي بن مسلم، بن سعيد الطوسي، نزيل بغداد، ثقة، روى عنه البخاري، وأبو داود، والنسائي، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين، (عن سيارة) بفتح السين المهملة، والتحتانية المثقلة، (ابن حاتم) العنزي، بفتح المهملة، والنون، ثم زاي، أبي سلمة البصري، مات سنة مائتين، أو قبلها بسنة، (وهو ممن ضعفه غير واحد،) كالقواريري، والأزدي ولكن احتج به الترمذي، والنسائي على تفننه في الرجال، وابن ماجه، ووثقه ابن حبان. وقال الذهبي: صالح الحديث، والحافظ، صدوق له أوهام، وقال الحاكم: كان سيار عابد عصره، وقد أكثر عند أحمد بن حنبل، (وكان جماعًا،) كثير الجمع (الرقائق،) صحيحة أم لا، (وقال القواريري:) بفتح القاف، والواو، فألف، فراءين بينهما تحتية، نسبة إلى عمل القوارير، أو بيعها عبيد الله بن عمر بن ميسرة البصري، نزيل بغداد، الحافظ، الثقة، الثبت، روى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود وغيرهم، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين على الأصح، وله خمس وثمانون سنة؛ (إنه لم يكن له عقل،) كان معي في الدكان، قيل للقواريري: أتتهمه، قال: لا، وقال الأزدي: عنده مناكير لفظ الزوائد لابن أحمد، حدثنا علي بن مسلم حدثنا سيار بن حاتم، (قال: حدثنا جعفر بن سليمن الضبعي،) بضم الضاد المعجمة، وفتح الموحدة، أبو سليمن البصري، صدوق زاهد لكنه كان يتشيع، روى له مسلم، وأصحاب السنن، والبخاري في التاريخ، مات سنة ثمان وسبعين ومائة (قال: حدثنا ملك بن دينار،) البصري، الزاهد، أبو یحیی، صدوق، عابد، روى له الأربعة، وعلق له البخاري، مات سنة ثلاثين ومائة أو نحوها، (عن الحسن البصري،) يرفعه (مرسلاً، لما خلق اللَّه العقل، قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، فقال: ما خلقت خلقًا أحب إليّ منك، بك آخذ وبك أعطي،) قال السيوطي: هذا مرسل جيد الإِسناد، وهو في معجم الطبراني الأوسط، موصول من حديث أبي أمامة، ومن حديث أبي هريرة بإسنادين ضعیفین، انتھی. وهو كلام محقق في الفن، إذ سيار مختلف في توثيقه وتضعيفه، فحديثه جيد، ومنهم من يقول: حسن، فلا عبرة بقول الشامي: هذا من الأحاديث الواهية لا الضعيفة، (وأخرجه داود بن ١٥ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية المحبر في كتاب العقل له، وابن المحبر كذاب. فإن الحافظ أبو الفضل بن حجر: والوارد في أول ما خلق الله، حديث أول ما خلق الله القلم، وهو أثبت من حديث العقل. ولأبي الشيخ عن قرة بن إياس المزني رفعه: الناس يعملون الخير وإنما يعطون أجورهم على قدر عقولهم. وقد اختلف في ماهية العقل المحبر،) بمهملة، وموحدة مشددة مفتوحة. ابن قحذم، بفتح القاف، وسكون المهملة، وفتح المعجمة، الثقفي، البكراوي، أبو سليمن، البصري، نزيل بغداد متروك، وأكثر كتاب العقل الذي صنفه موضوعات من التاسعة، مات سنة ست وخمسين ومائتين، روى له ابن ماجه، ذكره الحافظ في التقريب، (في كتاب العقل له،) فقال: حدثنا صالح المري، عن الحسن به بزيادة، ولا أكرم عليّ منك، لأني بك أعرف، وبك أعبد، والباقي مثله، (وابن المحبر كذاب،) ولذا تركوه، ومن العجب إيماء الشارح للاعتراض على المصنف، بأن الذي في اللب واللباب المحبري، نسبة إلى كتاب المحبر الذي جمعه محمد بن حبيب، فيقال لمصنفه المحبر انتهى. إذ كتاب العقل غير كتاب المحبر، والمحبر هنا علم على أبي داود، وذاك لقب لمحمد، وهما شخصان وكتابان، (فإن الحافظ أبو الفضل بن حجر، والوارد في أول ما خلق اللَّه، حديث أول ما خلق اللَّه القلم، وهو أثبت من حديث العقل،) وهذا أيضًا يؤذن بثبوت حديث العقل، فأين الاتفاق على وضعه؟، (ولأبي الشيخ) عبد اللَّه، بن محمد الحافظ، (عن قرة، بن "إياس)، بن هلال (المزني)، أبي مطوية الصحابي، نزيل البصرة، له أحاديث في السنن وغيرها، مات سنة أربع وستين، (رفعه: الناس يعملون الخير، وإنما يعطون أجورهم على قدر عقولهم،) فقد يجتهد الإِنسان في الخير، ويداخله رياء، أو نحوه، فينفي ثوابه، أو ينقص، وذلك ناشىء من فساد العقل، فكامله يحترز عن ذلك، ويسعى في تحصيله على أتم حال، ولو بمشقة، (وقد اختلف في ماهية العقل،) من عقل البعير منعه بالعقال عن القيام، أو من الحجر المنع، لأنه يعقل صاحبه، ويمنعه عن الخطأ، هل في ذلك قسم لذي حجر؟، وقد تظرف في التلميح لأصله القائل: قد عقلنا والعقل أي وثاق وصبرنا والصبر مر المذاق ومحله القلب عند جمهور أهل الشرع، كالأئمة الثلاثة، لقوله تعالى: ﴿لهم قلوب لا يفقهون بها﴾ [الأعراف/١٧٩] ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب﴾ الآية، وقوله عَّه: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي ١٦ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية اختلافًا طويلاً يطول استقصاؤه. وفي القاموس ومن خط مؤلفه نقلت: العقل العلم، أو بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها، أو العلم بخير الخيرين وبشر الشرين، أو يطلق لأمور لقوّة بها يكون التمييز بين القبيح والحسن، ولمعان مجتمعة في الذهن تكون بمقدمات تُثبت بها الأغراض والمصالح، ولهيئة محمودة للإنسان في حركاته وكلماته. والحق أنه روحاني به تدرك النفوس العلوم الضرورية والنظرية، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد، ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ. انتهى. وقد كان عَِّ من كمال العقل في الغاية القصوى التي لم يبلغها بشر سواه، ولهذا القلب والدماغ))، له تابع إذ هو من جملة الجسد، وقال: على العقل في القلب، والرحمة في الكبد، والرأفة في الطحال، والنفس في الرئة، رواه البخاري في الأدب المفرد، والبيهقي، بسند جيد، وذهب الحنفية، وابن الماجشون، وأكثر الفلاسفة إلى أنه في الدماع، لانه إذا فسد فسد العقل، وأجيب، بأن اللَّه أجرى العادة بفساده، عند فساد لدماغ مع أنه ليس فيه، ولا امتناع في هذا، (اختلافًا طويلاً يطول استقصاؤه) بدليله، وتعليله، (وفي القاموس، ومن خط مؤلفه) المجد الشيرازي، (نقلت العقل العلم) مطلقًا أي: مطلق الإدراك، بلا اعتبار تعلقه بمعلوم دون آخر، (أو) هو العلم (بصفات الأشياء من حسنها، وقبحها، وكمالها، ونقصانها، أو العلم بخير الخيرين، وبشر الشرين، أو يطلق لأمور) أو إشارة للخلاف، فكأنه، قال اختلف في العقل هل هو العلم، أو غيره، وعلى أنه العلم، فقيل مطلقًا، وقيل بصفات الخ ... وعلى أنه غير العلم، فهو مشترك يطلق لأمور (لقوة بها، يكون التمييز بين القبيح والحسن، ولمعان مجتمعة في الذهن، تكون بمقدمات تثبت بها الأغراض، والمصالح، ولهيئة محمودة للإنسان في حركاته وكلماته، والحق أنه نور (روحاني،) بضم الراء، ما فيه روح، وكذلك النسبة إلى الملك والجن، والجمع روحانيون، كما في القاموس، (به تدرك النفوس العلوم الضرورية، والنظرية، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد،) أي: كونه جنينًا في بطن أمه، (ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ، انتهى) كلام القاموس، وليس فيه بيان، أي وقت يخلق العقل فيه، فإنه قال في باب النون: الجنين الولد في البطن، جمعه أجنة، وفي المصباح وصف له ما دام في بطن أمه، ومفادهما وصفه به من أول خلقه، (وقد كان عٍَّ من كمال العقل في الغاية) أي: المرتبة (القصوى) التي لا مرتبة فوقها، فلا يردان الغاية النهاية، فلا توصف بالقصوى، إذ لا تتصف النهاية بالبعد تارة، والقرب أخرى، (التي لم يبلغها بشر سواه، ولهذا كانت معارفه) علومه ١٧ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية كانت معارفه عظيمة وخصائصه جسيمة، حارت العقول في بعض فيض ما أفاضه من غيبه لديه، وكلَّت الأفكار في معرفة بعض ما أطلعه الله عليه، وكيف لا يعطى ذلك وقد امتلأ قلبه وباطنه وفاض على جسده المكرم ما وهبه من أسرار إلهيته ومعرفة ربوبيته وتحقق عبودیته. قال وهب بن منبه: قرأت في أحد وسبعين كتابًا، فوجدت في جميعها أن الله تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله عَّ إلا كحبة رمل بين رمل من جميع رمال الدنيا، وأن محمد عَلَّه أرجح الناس عقلاً وأفضلهم رأيًا. رواه أبو نعيم في الحلية وابن عساكر. وعن بعضهم مما هو في عوارف المعارف: اللب والعقل مائة جزء، تسعة وتسعون في النبي عَّةُ وجزء في سائر المؤمنين، ومن تأمل حسن تدبيره للعرب الذين هم كالوحش الشارد، بالأشياء، (عظيمة) لمطابقتها للواقع دائمًا، بلا خلل فيها، ولا ميل عن الحق، (وخصائصه جسيمة،) أي: عظيمة، فغاير كراهية لتكرر اللفظ (حارت العقول،) لم تدر وجه الصواب (في بعض فيض ما أفاضه، من غيبه لديه، وكلت:) تعبت (الأفكار في معرفة بعض ما أطلعه الله عليه، وكيف لا يعطي ذلك، وقد امتلأ قلبه، وباطنه) إيمانًا، وحكمة، حين شق صدره، فأعطي ما لم يعط غيره، فالمفعول محذوف، (وفاض على جسده المكرم ما وهبه،) مفعول لفاض لا لامتلا، لأنه إنما يتعدى بحرف الجر، فمفعوله محذوف، كما قدرت، وفي نسخ، لما بلام التعليل، لامتلا، وفاض، أي: وفاض آثار ذلك على جسده، لما وهبه اللَّه، (من أسرار إلهيته، ومعرفة ربوبيته، وتحقق عبوديته). (قال وهب بن منبه:) بضم الميم، وفتح النون، وكسر الموحدة، ابن كامل، اليماني، التابعي، الثقة، روى له الشيخان وغيرهما: (قرأت في أحد وسبعين كتابًا) من الكتب القديمة، وكان خبرها، (فوجدت في جميعها، أن اللَّه تعالى لم يعطِ جميع الناس، من بدء الدنيا إلى انقضائها، من العقل في جنب عقله عَّة، إلاَّ كحبة رمل بين رمل) كائن، أو الذي هو (من جميع رمال الدنيا،) فالبينية تكون بين يسيرين، والمنسوب إليه جميع الرمال، (وأن محمدًا عَّه أرجح الناس عقلاً، وأفضلهم رأيًا رواه أبو نعيم في الحلية، وابن عساكر،) وقال ابن عباس: أفضل الناس، أعقل الناس، وذلك نبيكم عَّه، رواه داود بن المحبر، (وعن بعضهم مما هو في عوارف المعارف، اللب والعقل مائة جزء، تسعة وتسعون في النبي عَلّه، وجزء في سائر المؤمنين) من أمته وغيرهم، (ومن تأمل حسن تدبيره للعرب، الذين هم كالوحش الشارد) النافر ١٨ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية والطبع المتنافر المتباعد، وكيف ساسهم واحتمل جفاهم وصبر على أذاهم إلى أن انقادوا إليه، واجتمعوا عليه، وقاتلوا دونه أهليهم وآباءهم وأبناءهم، واختاروه على أنفسهم، وهجروا في رضاه أوطانهم وأحباءهم، من غير ممارسة سبقت له، ولا مطالعة كتب يتعلم منها سير الماضين، تحقق أنه أعقل العالمين، ولما كان عقله عليه الصلاة والسلام أوسع العقول لا جرم اتسعت أخلاق نفسه الكريمة اتساعًا لا يضيق عن شىء. فمن ذلك: اتساع خلقه العظيم في الحلم والعفو مع القدرة وصبره عليه الصلاة والسلام على ما يكره، وحسبك صبره وعفوه على الكافرين المقاتلين المحاربين له في أشد ما نالوه به من الجراح والجهد بحيث كسرت رباعيته، وشج وجهه يوم أحد، حتى صار الدم يسيل على وجهه الشريف، حتى شق ذلك علی أصحابه شديدًا، الناد (والطبع المتنافر المتباعد، و) تأمل (كيف ساسهم) ملكهم بحسن تصرفه فيهم، واستجلاب قلوبهم، (واحتمل جفاهم،) غلظتهم، وفظاظتهم، (وصبر على أذاهم إلى أن انقادوا إليه، واجتمعوا عليه، وقاتلوا دونه أهليهم، وآباءهم، وأبناءهم، واختاروه على أنفسهم، وهجروا في رضاه أوطانهم،) جمع وطن مكانهم ومقرّهم، (وأحباءهم من غير ممارسة سبقت له، ولا مطالعة كتب يتعلم منها سير الماضين، تحقق أنه أعقل العالمين،) جواب قوله: ومن تأمل الخ ... (ولما كان عقله عليه الصلاة والسلام أوسع العقول، لا جرم،) أي: حقًّا (اتسعت أخلاق نفسه الكريمة، اتساعًا لا يضيق عن شيء،) ولا جرم في الأصل بمعنى لا بدّ ولا محالة، ثم كثرت، فحولت إلى معنى القسم، وصارت بمعنى حقًّا، ولذا تجاب باللام نحو لا جرم، ولا فعلن، قاله الفراء، كما في المصباح، (فمن ذلك اتساع خلقه العظيم، في الحلم، والعفو مع القدرة، وصبره عليه الصلاة والسلام على ما يكره، وحسبك،) أي: يكفيك في الدلالة على كماله في ذلك، (صبره وعفوه على الكافرين، المقاتلين، المحاربين له في أشد ما نالوه به،) متعلق بقوله: صبره وعفوه (من الجراح والجهد، بحيث كسرت رباعيته) اليمنى السفلى، بفتح الراء، وخفة الموحدة، السن التي تلي التثنية، من كل جانب وللإِنسان، أربع رباعيات، وكان الذي كسرها عتبة بن أبي وقاص، وجرح شفته السفلى، (وشج وجهه،) شجه عبد الله بن قميئة (يوم أحد،) حتى صار الدم يسيل على وجهه الشريف، فصار ينشفه، ويقول: ((لو وقع شيء منه على الأرض لنزل عليهم العذاب من السماء))، (حتى شق ذلك على أصحابه شديدًا،) غاية لقوله ١٩ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية وقالوا: لو دعوت عليهم، فقال: إني لم أبعث لعانًا، ولكني بعثت داعيًا ورحمة، فقال اللَّهم اغفر لقومي، أو اهد قومي فإنهم لا يعلمون. قال ابن حبان: أي اللَّهم اغفر لهم ذنبهم في شج وجهي لا أنه أراد الدعاء لهم بالمغفرة مطلقًا، إذ لو كان كذلك لأجيب، ولو أجيب لأسلموا كلهم. كذا قال رحمه الله. وقد روي عن عمر أنه قال في بعض كلامه: يسيل، (وقالوا: لو دعوت عليهم) لأجبت، أو للتمني، (فقال: إني لم أبعث لعانًا،) مبالغًا في اللعن، أي: الإبعاد عن الرحمة، والمراد نفي أصل الفعل، نحو وما ربك بظلام، يعني لو دعوت عليهم لبعدوا عن رحمة اللَّه، ولصرت قاطعًا عن الخبر، مع إني لم أبعث بهذا (ولكني بعثت داعيًا ورحمة)، لمن أراد اللَّه إخراجه من الكفر إلى الإيمان، أو لأقرب الناس إلى الله وإلى رحمته، لا لأبعدهم عنها، فاللعن منافٍ لحالي، فكيف ألعن، ثم لم يكتف بذلك حتى سأل اللَّه لهم الغفران، أو الهداية، (فقال: ((اللهم اغفر لقومي))) بإضافتهم إليه إظهارًا، لسبب شفقته عليهم، فإن الطبع البشري يقتضي الحنو على القرابة بأي حال، ولأجل أن يبلغهم ذلك فتنشرح صدورهم للإِيمان، ((أو أهدٍ قومي)))) ليست أو للشك، بل إشارة لتنويع الرواية، أي: أن في رواية اغفر، وأخرى أهدٍ، ثم اعتذر عنهم بالجهل، بقوله: ((فأنهم لا يعلمون))) أن ما جئت به هو الحق، ولم يقل يجهلون تحسينًا للعبارة، ليجذبهم بزمام لطفه إلى الإِيمان، ويدخلهم بعظيم حلمه حرم الأمان، مع أنه إنما هو جهل حكمي، وإن لم يكن بعد مشاهدة الآيات البينات عذر، لكنه تضرع إلى اللَّه أن يمهلهم حتى يكون منهم، أو من ذريتهم مؤمنون، وقد حقق اللَّه رجاء واستشكلت رواية اغفر بقوله: ﴿ما كان للنبي، والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾، فإنها وإن كانت خاصة السبب، فهي عامة في حق كل مشرك، وأجيب بأنه أراد الدعاء لهم بالتوبة من الشرك، حتى يغفر لهم بدليل رواية إهدأ، وأراد مغفرة، تصرف عنهم عقوبة الدنيا من نحو: خسف ومسخ، قاله السهيلي، واستشكلت الروايتان معًا بأن دعاءه مقبول، ولم يسلم جميعهم، وجوابه قوله: (قال ابن حبان، أي: «اللهم اغفر لهم ذنبهم في شج وجهي»، لا أنه أراد الدعاء لهم بالمغفرة مطلقًا، إذ لو كان كذلك لأجيب، ولو أجيب لأسلموا كلهم، كذا قال رحمه اللَّه:) تبرأ منه، لاحتمال حمل دعائه لهم على المجموع، لا كل فرد، أي: اغفر لجنس، أو لبعض قومي، أو أراد غير الشرك، أو صرف عقوبة الدنيا، فنفيه، وتعليله مع هذه الاحتمالات لا ينهض (وقد روي عن عمر) مما ساقه في الشفاء، وقال السيوطي: لا نعرف عن عمر في شيء في كتب الحديث (أنه قال في بعض كلامه،) الذي بكى به النبي عَّ بعد موته، وهو دليل على ظهور حلمه بين صحبه ٢٠ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه فقال: ﴿رب لا تذر على الأرض﴾ [نوح / ٢٦] الآية ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا، فلقد وطىء ظهرك وأدمي وجهك وكسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيرًا فقلت: اللَّهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. ولههنا دقيقة وهي أنه عليه الصلاة والسلام لما شج وجهه عفا وقال: اللَّهم اهد قومي، وحين شغلوه عن الصلاة يوم الخندق قال: اللَّهم املأ بطونهم نارًا، فتحمل الشجة الحاصلة في وجهه الشريف، وما تحمل الشجة الحاصلة في وجه دينه، فإن وجه الدين هو الصلاة، فرجح حق خالقه على حقه. واعلم أن الصبر على الأذى جهاد النفس، وقد جبل الله تعالى النفس على حتى عرفوه ووصفوه به، (بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه، لقد دعا نوح على قومه، فقال: ﴿رب لا تذر على الأرض﴾) وإنما قال: هذا لأنه مشربه مشرب نوح، كما شبهه النبي عَُّ به في أُسارى بدر، (ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا،) أي: من أولنا إلى آخرنا أي: جميعًا وعند زائدة، ومن بمعنى إلى، أو كنايه عن هلاك الجميع، إذ لا يكون الهلاك عند آخرهم، إلاَّ إذا شملهم جميعاً، ولو دعوتها ما لمت، (فلقد وطىء ظهرك، وأدمى وجهك، وكسرت رباعيتك، فأبيت أن تقول إلاَّ خيرًا، فقلت: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) أن ما جئت به هو الحق، وهم عباد أوثان، فلا يرد الذين آتيناهم الكتاب، يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، على أن المراد علماء أهل الكتاب، كما في البيضاوي. (وههنا دقيقة، وهي) أن حلمه وعفوه، إنما هو فيما يتعلق بنفسه الشريف، وذلك (أنه عليه الصلاة والسلام، لما شج وجهه عفا، وقال: ((اللهم إهدٍ قومي))، وحين شغلوه عن الصلاة يوم الخندق، قال: ((اللهم إملأ بطونهم نارًا)))) لفظ الصحيحين ملأ اللَّه بيوتهم وقبورهم نارًا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس، (فتحمل الشجة الحاصلة في وجهه الشريف، وما تحمل الشجة الحاصلة في وجه دينه، فإن وجهه الدين هو الصلاة، فرجح حق خالقه على حقه،) كما هو عادته، (واعلم أن الصبر على الأذى جهاد النفس،) حصر المبتدأ في الخبر، فأفاد الحصر، وفي نسخة للنفس بلام، وحذفها أبلغ في الحصر، والمراد به المبالغة، كأنه جعل جهادها، إنما هو الصبر على الأذى، فغيره ليس جهادًا لها، فلا يرد عليه أنهم عدوًا من جهادها أشياء كثيرة، غير الصبر، (وقد جبل اللَّه تعالى النفس على التألم بما يفعل بها،) والتألم سبب