النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وعن ابن عمر: إنما كان شيبه عَبة نحوًا من عشرين شعرة بيضاء، رواه
الترمذي.
وروى أيضًا عن ابن عباس قال أبو بكر: يا رسول الله قد شبت
بهما لحيته، ورجح عياض الأول، وأجيب عن دليل الثاني، باحتمال أنه كان مما يتطيب به،
لا أنه كان يصبغ بها، وذكر بعض أن الخضاب بالأصفر محبوب، لأنه مدح بقوله: تسر الناظرين،
ونقل عن ابن عباس، من طلب حاجة بنعل اصفر قضيت لأن حاجة بني إسرائيل قضيت بجلد
أصفر، فينبغي جعل النعل صفراء، (وعن ابن عمر) عبد اللّه، هكذا في نسخ، وهو الصواب الواقع
في الترمذي، فما في نسخ من حذف ابن لا يعوّل عليه، (إنما كان شيبه عَِّ نحوًا،) أي قريبًا
(من عشرين شعرة بيضاء،) بمعنى أنه لا يبلغ العشرين، فهو، كقول أنس سبع عشرة، أو ثمانٍ
عشرة، (رواه الترمذي)) ولا ينافيه قول أنس أيضاً: ما عددت في رأسه، ولحيته، إلاَّ أربع عشرة،
لأنها نحو العشرين، لكونها أكثر من نصفها، لكن توقف عصام فيه، بأنه لا دلالة لنحو الشيء
على القرب منه، ووهموه، وأجاب عنه شيخنا؛ بأن مراده لا دلالة على القرب من الكمال جدًا،
كتسعة عشر بالنسبة إلى العشرين، إذ نحو الشيء ما زاد على نصفه، فيصدق بأحد عشر، كما
يصدق بما زاد عليها إلى تسعة عشر، وخصوص المراد من هذا لا دلالة عليه، ولا ينافيه أيضًا قول
عبد الله بن بسر: كان في عنفقته شعرات بيض، رواه البخاري، وهو من أفراده، وثلاثياته،
ومقتضاه أنه لا يزيد على عشر، لا يراده بصيغة جمع القلة، لأنه خص ذلك بعنفقته، فيحمل الزائد
على ذلك في غيرها، كما أفاده الحافظ.
وروى الحاكم في المستدرك، من طريق عبد الله بن محمد، بن عقيل، عن أنس قال: لو
عددت ما أقبل من شيبة في رأسه، ولحيته ما كنت أزيد على إحدى عشرة شيبة، وجمع العلامة
البلقيني بين هذه الروايات؛ بأنها تدل على أن شعراته البيض لم تبلغ عشرين، والرواية الثانية، إن
ما دونها كان سبع عشرة، فتكون العشرة على عنفقته، والزائد عليها في بقية لحيته، لأنه قال في
الثالثة: لم يكن في لحيته عشرون شعرة بيضاء، واللحية تشمل العنفقة، وغيرها، وتكون العشرة
على العنفقة لحديث عبد الله بن بسر، والبقية بالأحاديث الأخر في بقية لحيته، وإشارة حميد
إلى أن في عنفقته سبع عشرة، لا تفهم من نفس الحديث، وأما الرواية الرابعة، فلا تنافي كون
العشرة على العنفقة، والواحد على غيرها، وهذا الموضع موضع تأمل اهـ
وكيف هذا مع قوله في الرابعة في رأسه، ولحيته؟، (وروى) الترمذي (أيضًا،) من طريق
عكرمة، (عن ابن عباس) قال: (قال أبو بكر الصديق: (يا رسول اللّه، قد شبت،) أي ظهر فيك

٥٠٢
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
قال: شيبتي هود والواقعة والمرسلات، وعم يتساءلون، إذا الشمس كورت.
وفي حديث جابر
أثر الشيب والضعف، مع أن مزاجك اعتدلت فيه الطبائع، واعتدالها يستلزم عدم الشيب، (قال:
((شيبتني هود)») روي بالصرف أي: سورة هود وبتركه على أنه علم على السورة، ولا ينافي
ذلك حديث أنس أنه لم يبلغ الشيب، لأن مقصوده نفي احتياجه إلى الخضاب الذي سئل عنه،
إذ الروايات الصحيحة صريحة في أن ظهور الشيب في رأسه، ولحيته لم يبلغ مبلغًا يحكم عليه
بالشيب، (والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت،) زاد الطبراني والحاقة،
وابن مردويه وهل أتاك حديث الغاشية، وابن سعد والقارعة، وسأل سائل، وفي رواية، واقتربت
الساعة، وإسناد الشيب إلى السور، والمؤثر هو اللّه، إسناد إلى السبب، فهو مجاز عقلي، أو تنزيلاً
للأسباب منزلة المؤثر، فالإِسناد حقيقي، ولا ينافي أن التنزيل يقتضي التجوّز في المسند إليه،
وروى ابن سعد أن رجلاً قال للنبي عَُّّ: أنا أكبر منك مولدًا، وأنت خير مني، وأفضل، فقال:
شيبتني هود، وأخواتها، وما فعل بالأمم قبلي، ووجه تشييب هود، وأخواتها اشتمالها على بيان
أحوال السعداء، والأشقياء، وأهوال القيامة، وما يتعسر، بل يتعذر مراعاته على غير النفوس
القدسية، كالأمر بالاستقامة، كما أمر الذي لا يمكن لأمثالنا، وغير ذلك مما يوجب استيلاء
سلطان الخوف، لا سيما على أمته لعظيم رأفته بهم ورحمته، ودوام الفكر فيما يصلحهم، وتتابع
الغم فيما ينوبهم، أو يصدر عنهم، واشتغال قلبه، وبدنه، وخاطره فيما فعل بالأمم الماضيين،
وذلك كله يستلزم ضعف الحرارة الغريزية، وبها يسرع الشيب، ويظهر قبل أوانه، لكن لما كان
عنده عَِّ من شرح الصدر، وتزاحم أنوار اليقين على قلبه ما يسليه، لم يستولِ ذلك، إلاَّ على
قدر يسير من شعره الشريف، ليكون فيه مظهر الجلال، والجمال، ويستبين أن جماله غالب على
جلاله، ووجه تقديم هود إن كانت الواو، لا ترتب، إلاَّ أن تقديم الذكر لا يخلو عن حكمة، قوله
تعالى: ﴿فاستقم، كما أمرت ومن تاب معك﴾، فأمرهم بأعلى المراتب، ولا يستطيعها إلاّ
النادر، ولذا لم يذكر ((شورى))، لأنه المأمور فيها وحده، بخلاف ((هود))، وقد علم أنهم،
لا يقومون بهذا الأمر الخطر، كما يجب، فاهتم بحالهم، وملاحظة عاقبة أمرهم، أو أنه أوّل ما
سمعه في (هود))، وقول بعضهم كان وجه تخصيص هذه الصورة بالذكر، مع أن في بعض السور
غيرها ما يفي بها، وزيادة أنه عَّةٍ حال أخباره، بذلك لم يكن أنزل عليه مما يشتمل على ما مر
غيرها فيه، أنه لبيس في القرءان الأمر بالاستقامة، هو ومن تاب معه، إلاّ في ((هود))، إلاَّ أن يكون
مراده غيرها، فقد تسلم نكتته، (وفي حديث جابر) أي: ابن سمرة.
وكان الأولى زيادته، لأنه عند الإطلاق بن عبد اللّه، لكنه استغنى عن ذلك بإحالته على

٥٠٣
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
عنده: لم يكن في رأسه عَّ شيب إلا شعرات في مفرق رأسه إذا ادهن واراهن
الدهن.
وفي رواية البيهقي: كان أسود اللحية حسن الشعر.
واختلف العلماء: هل خضب عليه الصلاة والسلام أم لا؟
قال القاضي عياض: منعه الأكثرون وهو مذهب ملك.
الترمذي، بقوله (عنده)،) إذ هو عنده عن سماك بن جرب، قال: قيل لجابر بن سمرة: أكان في
رأس رسول اللّه عَّله شيب؟، قال: (لم يكن في رأسه عَّ شيب؟)) أي: بياض شعر، أو شعر
أبيض، (إلاَّ شعرات) قليلة معدودة، لا تزيد على عشر بدليل جمع القلة (في مفرق،) بفتح الراء،
وكسرها، (رأسه،) أي مقدمة، لرواية مسلم، قد شمط مقدم رأسه، أو محل المفرق منه، وهو
وسط الرأس، كما في الصحاح، (إذا أدهن، وأراهن الدهن،) بالفتح والضم، أي سترهن،
وغيبهن، وجعلهن مخفيات، بحيث لا ترى إلا بدقة نظر لجمعة الشعر، والخلطة بالطيب، وقال
القرطبي: المراد أنه كان إذا تطيب يكون فيه دهن، فيه صفرة تخفي شيبه، وهذا الحديث
أخرجه مسلم، والنسائي، عن ابن سمرة، بنحوه، كما يأتي، (وفي رواية البيهقي: كان أسود
اللحية حسن الشعر،) أي: ليس بجعد، ولا قطط، (واختلف العلماء) في جواب قول السائل،
(هل خضب عليه الصلاة والسلام أم لا؟،) ومثاره اختلاف الرواية في ذلك، فأنكره أنس، وأثبته
ابن عمر، كما مر، وأبو رمثة قال: أتيت النبي عَِّ بردان أخضران، وله شعر، قد علاه الشيب،
وشيبه أحمر مخضوب بالحنا، رواه الحاكم، وأصحاب السنن، وسئل أبو هريرة هل خضب
عَبٍ؟، قال: نعم، رواه الترمذي، وغيره، وفي الباب غيرهم.
(قال القاضي عياض: منعه الأكثرون، وهو مذهب ملك،) فوافق أنسًا على الإِنكار، وتأول
حديث ابن عمر بحمله على الثياب لا الشعر، وأحاديث غيره إن صحت على أن تلونه من
الطيب، لا من الصبغ، لما في البخاري، وغيره، قال ربيعة: فرأيت شعرًا من شعره عَّةِ، فإذا هو
أحمر، فسألت، فقيل: أحمر من الطيب، قال الحافظ: لم أعرف المسؤول المجيب بذلك، إلاّ
أن الحاكم، روى أن عمر بن عبد العزيز، قال لأنس: هل خضب النبي عَّه؟، فإني رأيت شعراً
من شعره، قد لون، فقال: إنما هذا الذي لون من الطيب، الذي كان يطيب به شعره، فهو الذي
غير لونه، فيحتمل أن يكون ربيع سأل أنسًا، عن ذلك، فأجابه، ووقع في رجال ملك للدارقطني،
والغرائب له، عن أبي هريرة قال: لما مات رسول اللّه عَظُله، خضب من كان عنده شيء من
شعره، ليكون أبقى لها، فإن ثبت هذا استقام إنكار أنس، ويقبل ما أثبته سواه التأويل، انتهى.

٥٠٤
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقال النووي: المختار أنه صبغ في وقت وترك في معظم الأوقات، فأخبر
كل بما رأى وهو صادق، قال: وهذا التأويل كالمتعين، لحديث ابن عمر في
الصحيحين ولا يمكن تركه ولا تأويل له. وأما اختلاف الرواية في قدر شيبه فالجمع
بينهما أنه رأي شيئًا يسيرًا، فمن أثبت شيبه أخبر عن ذلك اليسير ومن نفاه أراد أنه
لم يكثر فيه، كما قال في الرواية الأخرى: لم ير الشيب إلا قليلاً، انتهى.
وعن جابر بن سمرة قال: كان عٍَّ قد شمط مقدم رأسه ولحيته،
(وقال النووي: المختار أنه صبغ) شعره حقيقة، لأن التأويل خلاف الأصل (في وقت،
وتركّ في معظم الأوقات، فأخبر كل بما رأى، وهو صادق،) وغاية ما يفيده هذا عدم الحرمة،
لأنه يفعل المكروه في حق غيره لبيان الجواز، فلا يصح استدلال الشافعية به على قولهم
الخضاب، بغير سواد سنة، فيحمل حديث من أثبت الخضاب، على أنه فعله لإرادة بيان الجواز،
ولم يواظب عليه، ويحمل نفي أنس على غلبة الشيب، حتى يحتاج إلى خضابه، ولم يتفق أنه
رآه، وهو يخضب، كما في الفتح وما رواه الترمذي، عن أنس: رأيت شعر رسول الله !
مخضوبًا، فقد حكم الحفاظ، بأنه شاذ، وبينو أوجه الشذوذ، فلا يقاوم ما في الصحيحين عنه من
طرق كثيرة، أنه لم يخضب، وعلى تقدير الصحة، جمع بأن الشعر لما تغير بكثرة الطيب، سماه
مخضوبًا، وبأنه أراد بالنفي أكثر أحواله، وبالإِثبات إن صح عنه أقلها، (قال: وهذا التأويل، كالمتعين
لحديث ابن عمر في الصحيحين،) السابق قريبًا أنه رأى النبي عَّه يصبغ بالصفرة، (ولا يمكن
تركه) لصحته، (ولا تأويل له،) فيه نظر إذ هو في نفسه محتمل للثياب، والشعر، ثم قد ورد ما
يعين الأول، وهو ما في سنن أبي داود، عن ابن عمر نفسه، كان يصبغ عَّه بالورس، والزعفران
حتی عمامته، ولذا رجحه عیاض.
(وأما اختلاف الرواية في قدر شيبه) المناسب لجمعه، أن يقول في أصل شيبه، أي إثباته،
ونفيه، أما لفظ قدر، فيقتضي الاتفاق على وجوده، والأمر بخلافه، إلاّ أن يقال لفظ قدر ينتهي
إلى العدم، (فالجمع بينهما) أي بين رواية الشيب وعدمه، وإن اشتمل على عدة أحاديث، (أنه،)
أي جنس الراوي، (رأى شيئًا) أي بياضًا (يسيرًا، فمن أثبت شيبه أخبر عن ذلك اليسير، ومن
نفاه،) أي الشيب (أراد أنه لم يكثر فيه، كما قال في الرواية الأخرى: لم يرَ من الشيب، إلاّ
قليلاً، انتهى) كلام النووي، (وعن جابر بن سمرة،) وقد سئل عن شيبه عَّه، (فقال: كان عَّ،
قد شمطٍ) بفتح المعجمة، وكسر الميم،(مقدم رأسه، ولحيته،) بالجر، أي، ومقدم لحيته، أي:
خالط سوادهما بياض، وإطلاق الشمط على بياض اللحية حقيقي، كما في المغرب عن الليث،

٥٠٥
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وكان إذا ادهن لم يتبين، فإذا شعث رأسه تبين وكان كثير شعر اللحية. رواه مسلم
والنسائي.
وعن أنس كان عَّهِ يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته. رواه البغوي في شرح
السنة.
وجزم به الشامي، مجاز على ما في الصحاح، والقاموس من تخصيصه بالرأس، (وكان إذا ادهن
لم يتبين) شيبه، لالتباس البياض ببريق الشعر من الدهن، وفي رواية الترمذي، كان إذا دهن رأسه
لم يرَ منه شيب، وإذا لم يدهن رىء منه، قال المصنف: كذا وقع في أصل سماعنا دهن من
الثلاثي المجرد، وكذا لم يدهن، وفي رواية أدهن من باب الافتعال، وكذا لم يدهن، وعلى
التقديرين يكون رأسه مفعولاً، لكن في المغرب دهن رأسه، وشاربه، إذا طلاه بالدهن، وادهن
على افتعل إذا تولى ذلك بنفسه، من غير ذلك المفعول، (فإذا شعث رأسه) بعدم الإِدهان (تبين)
شیبه، لتفرق شعره، فيصير شبه مرئيًا.
(وكان كثير شعر اللحية، رواه مسلم، والنسائي،) وهو صريح في قلة شيبه أيضًا، كغيره
من الأحاديث، (وعن أنس) قال: (كان عَّ يكثر دهن رأسه،) بفتح الدال، مصدر بمعنى استعمال
الدهن، بالضم، وهو ما يدهن به، من زيت وغيره، وجمعه دهان، بالكسر، وأدهن على افتعل
تطلى بالدهن، كما في المصباح، كغيره، (وتسريح لحيته،) عطف على دهن، لا على رأسه،
كما وهم، (رواه البغوي في شرح السنة،) وأبعد المصنف النجعة، فقد رواه الترمذي، في جامع،
وشمائله من طريق الربيع بن صبيح، عن يزيد بن أبان هو الرقاشي، عن أنس به بزيادة، ويكثر
القناع، حتى كان ثوبه ثوب زيات، ومعناه، أنه كان يكثر دهن رأسه، ويتقنع، فكأن الموضع
الذي يصيبه رأسه من ثوبه ثوب زيات.
قال الحافظ: الشمس بن الجزري، الربيع بن صبيح، له مناكير، منها هذا الخبر، فإنه عَ ◌ّه.
كان أنظف الناس ثوبًا، وأحسنهم هيئة، وقد قال: أصلحوا ثيابكم حتى تكونوا، كالشامة في
الناس، وأنكر على من رآه وسخ الثوب، وقال: أما كان يجد هذا ما يغسل به ثوبه انتهى.
وتعقب بأن الربيع لم ينفرد به، بل تابعه عمر بن حفص العبدي، عن يزيد، عن أن، كان
النبي عدِّ يكثر التقنع بثوبه حتى، كأن ثوبه ثوب زيات، أو دهان، أخرجه ابن سعد، وإصابة
الدهن لحاشية ثوبه، إنما كان أحيانًا، وإذا وقع غسله، وذلك لا ينافي كونه أنظف الناس ثوبًا.
وقال الحافظ العراقي في شرح الترمذي هذا الحديث إسناده ضعيف، لكن له شواهد منهم
في الخلعيات عن سهل بن سعد، كان عَِّ يكثر دهن رأسه، وتسريح لحيته بالماء، ومنها في

٥٠٦
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
قد وصفه عليه الصلاة والسلام ابن أبي هالة بأنه كان موصول ما بين اللبة
والسرة بشعر يجري كالخط عاري الثديين مما سوى ذلك، أشعر الذراعين
والمنكبين وأعالي الصدر.
سنن البيهقي، عن أبي سعيد كان لا يفارق مصلاه سواكه، ومشطه، وكان يكثر تسريح لحيته
وإسناد، ضعيف، وإكثاره ذلك إنما كان في وقت دون وقت لنهيه عن الإِدهان، إلاَّ غبا في عدة
أحاديث، (وقد وصفه عليه الصلاة والسلام ابن أبي هالة؛ بأنه كان موصول ما بين اللبة،) بفتح
اللام، والموحدة الثقيلة، وهي المنحر، أو النقرة التي فوق الصدر، أو موضع القلادة منه، وقال
ابن قتيبة: هي التطامن الذي فوق الصدر، وأسفل الحلق بين الترقوتين، وفيها تنحر الإِبل، والقول
بأنها الفقرة التي في الحلق غلط، (والسرة،) بضم المهملة: ما بقي بعد القطع، والمقطوع سر
بلا تاء.
قال الجوهري: تقول عرفت ذلك قبل أن يقطع سرك، ولا تقل سرتك، لأن السرة لا تقطع،
وإنما هي الموضع الذي قطع منه السر، بالضم، وما موصول، وموصول مضاف، لما بعده إضافة
الصفة لمعمولها، والمعنى وصل الذي بين لبته، وسرته (بشعر،) متعلق بموصول، (يجري،) يمتد
شبه بجريان الماء، وهو امتداده في سيلانه، (كالخط) واحد الخطوط، وهو الطريقة المستقيمة
في الشيء، والخط الطريق، وغالبه الاستقامة، والاستواء، فشبه بالاستواء، وفي الاصطلاح ما
وصل بين نقطتين متقابلتين، أو ما وجد فيه ثلاث نقط على سمت واحد، وأقصر خط وصل بين
نقطتين، فكأنه جعل اللبة نقطة، والسرة نقطة، والشعر الرقيق بينهما خطًا لاتصاله، والأول أعرف،
وأشهر، وروي: كالخيط والأول أبلغ في التشبيه، وهذا معنى دقيق المسرية المتقدم في وصف
هند، (عاري الثديين،) بفتح أوله، ويضم، بقلة أي: لم يكن علهيما شعر، وفي رواية الثندوتين،
بمثلثة ونون، وهما بمعنى قال ابن الأثير: هما للرجل، كالثديين للمرأة، فمن ضم الثاء همز، ومن
فتحها لم يهمز انتهى. وقيل لم يكن عليهما لحم ناتىء عن البدن، لما يأتي أنه أشعر أعالي
الصدر، وفيه نظر، لأنه لم يذكر فيه أن على ثدييه شعرًا، وأيضًا هو خلاف الظاهر المتبادر، قال
المصنف: وأيضًا يتعطل قوله والبطن، (مما سوى ذلك).
وفي رواية ما سوى ذلك أي: ليس فيهما شعر، غيره، فهو قيد للثديين، والبطن، إلاَّ أنه
بالنسبة لها للاحتراز، وللثديين ليس للتحرز عن الخط، بل لأنه لو كان لكان سواه، ورواية مما،
بميمين، أقرب، وأنسب، وما موصولة، وفي رواية ما سوى ذين، وهي أيضًا أظهر (أشعر،) أي:
كثير شعر (الذراعين، والمنكبين، وأعالي،) جمع أعلى (الصدر،) أي: كان على هذه الثلاثة

٥٠٧
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وعن أنس قال: رأيت رسول الله عَّه والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه فما
يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل. رواه مسلم. وستأتي إن شاء الله تعالى قصة
حلق رأسه الشريف في حجة الوداع.
ولم يرو أنه عليه الصلاة والسلام حلق رأسه الشريف في غير نسك حج أو
عمرة فيما علمته، فتبقية الشعر في الرأس سنة ومنكرها مع علمه يجب تأديبه، ومن
لم يستطع التبقية يباح له إزالته.
وقد رأيت بمكة المشرفة في ذي القعدة سنة سبع وتسعين وثمانمائة شعرة
عند الشيخ أبي حامد المرشدي، شاع وذاع أنها من شعره عَّه، زرتها صحبة
المقام المقري خليل العباسي وإلى الله إحسانه عليه.
وعن محمد بن سيرين
شعر غزير هذا من تتمة الصفتين المارتين، وأشعر ضد أجرد، وهو أفعل صفة، لا أفعل تفضيل،
(وعن أنس قال: رأيت رسول اللّه عَّه) في حجة الوداع، (والحلاق) معمر بن عبد الله، كما
ذكره البخاري، وقيل خراش بن أمية، بمعجمتين، والصحيح الأول، فإن خراشاً كان الحلاق
بالحديبية، (يحلقه،) بكسر اللام، (وأطاف به أصحابه:) داروا حواله، (فما يريدون أن تقع شعرة،
إلاَّ في يد رجل،) تيمنًا وتبركًا (رواه مسلم،) وفي الصحيحين عن أنس أنه عَّةٍ، لما حلق
رأسه، كان أبو طلحة أوَّل من أخذ من شعره، (وستأتي إن شاء الله تعالى قصة حلق رأسه
الشريف في حجة الوداع،) من المقصد التاسع، (ولم يرو أنه عليه الصلاة والسلام حلق رأسه
الشريف، في غير نسك حج، أو عمرة،) يدل من نسك، (فيما علمته،) وبه جزم ابن القيم،
فقال: لم يحلق رأسه، إلاَّ أربع مرات، وقال العراقي في سيرته:
يحلق رأسه لأجل النسك وربما قصره في نسك
وقد رووا لا توضع النواصي إلاَّ لأجل النسك المحاصي
(فتبقية الشعر في الرأس ستّة، ومنكرها مع علمه يجب تأديبه، ومن لم يستطع التبقية
يباح له إزالته،) ولفقهائنا كلام طويل في ذلك، (وقد رأيت بمكة المشرفة، في ذي القعدة، سنة
سبع وتسعين وثمانمائة شعرة عند الشيخ أبي حامد المرشدي، شاع، وذاع أنها من شعره عَ ليه
زرتها، صحبة المقام المقري خليل العباسي، وإلى اللَّه إحسانه عليه،) وذكر هذا، كسابقه،
وإن لم يكن من شمائله، لبيان تبرك الناس قديمًا، وحديثًا بأثاره، فله مناسبة ما في شمائله، وكذا
قوله: (وعن محمد بن سيرين) الأنصاري مولاهم البصري، ثقة، ثبت، تابعي، عابد كبير القدر،

٥٠٨
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
قال: قلت لعبيدة، عندنا من شعر النبي عَّ له أصبناه من قبل أنس أو من قبل أهل
أنس، فقال: لأن تكون عندي شعرة منه أحب إلي من الدنيا وما فيها رواه
البخاري.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أنه معَِّ كان يأخذ من لحيته من
عرضها وطولها.
كان لا يرى الرواية بالمعنى، مات سنة عشر ومائة، (قال: قلت لعبيدة،) بفتح العين، وكسر
الموحدة، آخره هاء، ابن عمرو بن قيس السلماني، بفتح، فسكون، ويقال: بفتحتين، المرادي أبي
عمرو الكوفي، التابعي، الكبير المخضرم، الثبت، الفقيه، أسلم قبل وفاة المصطفى ولم يره،
ومات سنة اثنتين وسبعين أو بعدها، والصحيح أنه مات قبل سنة سبعين، (عندنا) شيء (من شعر
النبي عَ ل أصبناه) أي حصل لنا (من قبل،) بكسر القاف،، وفتح الموحدة، أي: من جهة (أنس،
أو من قبل أهل أنس بن لملك، ووجه حصوله لمحمد أن سيرين والده، كان مولى أنس، وأنس
ربيب أبي طلحة، وكان أوَّل من أخذ من شعره، كما في الصحيح (فقال) عبيدة: (لأن تكون
عندي شعرة) واحدة (منه، أحب إلى من الدنيا، وما فيها) من متاعها، وللإِسمعيلي أحب إلى
من كل صفراء، وبيضاء، ولام، لأن لام ابتداء للتأكيد، وأن مصدريه، أي: كون شعرة، وأحب
خبر، فتكون ناقصة، ويحتمل أنها تامة (رواه البخاري،) في كتاب الوضوء.
(وعن عمرو بن شعيب،) ابن محمد بن عبد اللَّه، بن عمرو بن العاصي، (عن أبيه) شعیب،
(عن جده،) أي شعيب، وهو عبد الله الصحابي، (أنه عٍَّ كان يأخذ من لحيته من عرضها
وطولها) بالسوية، كما في الرواية، لتقرب من التدوير من جميع الجوانب، لأن الاعتدال محبوب،
والطول المفرط، قد يشوّه الخلق، ويطلق ألسنة المغتابين، ففعل ذلك مندوب، ما لم ينته
تقصيص اللحية، وجعلها طاقات فيكره، وكان بعض السلف يقبض على لحيته، فيأخذ ما تحت
القبضة، وقال النخعي: عجبت لعاقل كيف، لا يأخذ من لحيته، فيجعلها بين لحيتين، فإن
التوسط في كل شيء حسن، ولذا قيل كلما طالت اللحية تشمر العقل، ففعل ذلك، إذا لم
يقصد الزينة، والتحسين لنحو النساء سنة، كما عليه جمع منهم عياض وغيره، واختار النووي،
كونها بحالها مطلقًا، ثم لا ينافي في فعله عَّله، قوله: ((اعفوا اللحى))، لأنه في الأخذ منها لغير
حاجة، أو لنحو تزين، وهذا فيما احتيج إليه لتشعث، أو إفراط، طول يتأذى به، وقال الطيبي
المنهي عنه: قصها، كالأعاجم، أو وصلها كذنب الحمار، وقال الحافظ: المنهي عنه الاستئصال،
أو ما قاربه بخلاف الأخذ المذكور.
لطيفة، قال الحسن بن المثني: إذا رأيت رجلاً له لحية طويلة، ولم يتخذ لحية بين

٥٠٩
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
رواه الترمذي وقال: حديث غريب.
وأخرج الترمذي عن ابن عباس وحسنه قال: كان النبي عَِّ يقص شاربه.
وعنده من حديث زيد بن أرقم قال: قال النبي عَّه من لم يأخذ من شاربه
فليس منا.
وفي الصحيحين: حديث خالفوا المشركين وفروا
لحيتين، كان في عقله شيء، وجلس المأمون مع أصحابه مشرفًا على دجلة، فقال المأمون: ما
طالت لحية إنسان قط، إلاّ ونقص من عقله بقدر ما طال منها، وما رأيت عاقلاً قط طويل اللحية،
فقال بعض الجلساء: ولا يرد على أمير المؤمنين، أنه قد يكون في طولها عقل، فأقبل رجل كبير
اللحية، حسن الهيئة، فأخر الثياب، فقال المأمون: ما تقولون فيه؟ فقال بعضهم: يجب كونه
قاضيًا، فأمر بإحضاره، فوقف، فسلم، فأجاد، فأجلسه المأمون، واستنطقه، فأحسن، فقال المأمون:
ما اسمك؟ فقال: أبو حمدويه، والكنية علوية، فضحك المأمون، وغمز جلساءه، ثم قال: ما
صنعتك؟، قال: فقيه أجيد المسائل، قال: ما تقول فيمن اشترى شاة، فلما تسلمها خرج من
إستها بعرة، ففقأت عين رجل، فعلى من الدية؟، قال: على البائع دون المشتري، لأنه لما باغها
لم يشترط أن في إستها منجنيقًا، فضحك المأمون حتى استلقى على قفاه، وأنشد:
ما أحد طالت له لحية فزادت اللحية في هيئته
إلاَّ وما ينقص من عقله أكثرمما زادني لحيته
(رواه الترمذي) في الاستئذان، (وقال: حديث غريب،) وفيه عمرو بن هرون البلخي، قال
الذهبي: ضعفوه، (وأخرج الترمذي).
(عن ابن عباس، وحسنه) الترمذي. (قال) ابن عباس: (كان النبي عَُّ يقص شاربه) في أي
وقت احتاج إليه، من غير تقييد بيوم، كما أفاده هذا الحديث الحسن، وحديث التقييد بالجمعة
ضعيف، كما يأتي (وعنده،) أي: الترمذي أيضاً في الاستئذان، وقال: حسن صحيح، والنسائي
في الطهارة، والإِمام أحمد (من حديث زيد بن أرقم، قال: قال النبي عَّةُ: ((من لم يأخذ من
شاربه))،) ما طال حتى تبين الشفة بيانًا ظاهرًا، ((فليس منا)))) أي: ليس على طريقتنا الإِسلامية
لندب ذلك مؤكدًا، فتاركه متهاون بالسنة، هذا مذهب الجمهور، وأخذ جمع بظاهره، فأوجبوا
قصه.
وروى أحمد عن رجل من الصحابة رفعه، من لم يحلق عانته، ويقلم أظفاره، ويجز شاربه،
فليس منا، وحسنه بعض الحفاظ لشواهده، فلا يخالف قوله العراقي، هذا لا يثبت، وفيه
ابن لهيعة، (وفي الصحيحين) على ابن عمر، (حديث خالفوا المشركين) في زيهم (وفروا،) بشد

٥١٠
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
اللحى وأحفوا الشوارب.
واختلف في قص الشارب وحلقه أيهما أفضل: ففي الموطأ يؤخذ من
الشارب حتى يبدو طرف الشفة، وعن ابن عبد الحكم عن ملك قال: ويحفي
الشارب ويعفي اللحى، وليس إحفاء الشارب حلقه، وأرى تأديب من حلق شاربه.
وعن أشهب أن حلقه بدعة قال: وأرى أن يوجع ضربًا من فعله.
وقال النووي: المختار في قص الشارب أنه يقصه حتى يبدو طرف الشفة
ولا یحفه من أصله.
الفاء، من التوفير (اللحى،) أي: اتركوها وافرة، لتكثر وتغزر، ولا تتعرضوا لها، وفي رواية أوفوا
اللحى، أي اتركوها وافية، وأخرى أرجؤا بالجيم والهمز، أي أخروا، وأخرى بالخاء المعجمة بلا
همز، أي: أطيلوا.
قال النووي: وكل هذه الروايات بمعنى واحد، واللحى، بكسر اللام، وحكى ضمها،
وبالقصر المد جمع لحية بالكسر فقط، اسم لما ينبت على الخدين والذقن، ((واحفوا
الشوارب))،) قال النووي: بقطع الهمزة ووصلها من أحفاه وحفاه استأصله، وقال الزركشي: بألف
قطع رباعي أشهر وأكثر، وهو المبالغة في استقصائه، ومنه أحفى في المسألة إذا أكثر، وقال
القاضي عياض من الأحفاء، وأصله الاستقصاء في أخذ الشارب، في معناه أنهكوا الشوارب في
الرواية الأخرى؛ والمراد بالغوا في قص ما طال منها حتى تبين الشفة، بيانًا ظاهرًا استحبابًا، وقيل
وجوباً، (واختلف في قص الشارب وحلقه أيهما أفضل،) قال عياض: ذهب كثير من السلف إلى
استيعاب الشارب وحلقه، لظاهر قوله عَّ له: ((أحفوا وانهكوا))، وهو قول الكوفيين، وذهب كثير
منهم إلى منع الحلق، قاله لملك، (ففي الموطأ يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة،) أي
يظهر ظهورًا واضحًا.
(وعن ابن عبد الحكم عن ملك، قال: ويحفي الشارب، ويعفي اللحى وليس إحفاء
الشارب حلقه،) بل أخذ ما طال عن الشفة بقص ونحوه، بحيث لا يؤذى إلاَّ آكل، ولا يجتمع
فيه الوسخ، قال القرطبي: (وأرى تأديب من حلق شاربه) لما فيه من التشبيه بالمجوس، (وعن
أشهب،) عن ملك، كما في التمهيد، (إن حلقه بدعة) لذلك. (قال: وأرى أن يوجع ضربًا من
فعله) نائب فاعل يوجع، (وقال النووي: المختار في قص الشارب، أنه يقصه حتى يبدو) يظهر
(طرف الشفة؛ ولا يحفه من أصله،) قال أعني النووي، وأما رواية أحفوا، فمعناه أزيلوا ما طال
على الشفتين، قال ابن دقيق العيد: لا أدري هل نقله عن مذهب الشافعي، أو قاله اختيارًا منه

٥١١
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقال الطحاوي: لم نجد عن الشافعي شيئًا منصوصًا في هذا، وكان المزني
خال والربيع يحفيان شاربهما.
وأما أبو حنيفة وصاحباه فمذهبهم في شعر الرأس والشارب إن الإحفاء
أفضل من التقصير.
وأما أحمد، فقال الأثرم رأيته يحفي شاربه شديدًا.
لمذهب ملك اهـ
لكن سبق النووي الغزالي، فقال في معنى الحديث، أي اجعلوها حفاف الشفة، أي
حولها، وحفاف الشيء حوله ومنه، وترى الملائكة حافين من حول العرش، (وقال الطحاوي: لم
نجد عن الشافعي شيئًا منصوصًا في هذا، وكان) أصحابه الذين رأيناهم، منهم (المزني خال)
الطحاوي، (والربيع يحفيان شاربهما؛) قال: وما أظنهم أخذوا ذلك إلاّ عنه، (وأما أبو حنيفة
وصاحباه،) لفظ الطحاوي وأصحابه، (فمذهبهم في شعر الرأس والشارب، إن الإحفاء،) أي
الإزالة بالكلية (أفضل من التقصير))) قال: أعني الطحاوي، وخالف لملك، (وأما أحمد، فقال
الأثرم،) بمثلثة، أبو بكر، أحمد بن محمد، بن هانىء البغدادي، الفقيه، الحافظ، الثقة، المصنف،
روى عنه النسائي، ومات سنة ثلاث وسبعين ومائتين، (رأيته يحفي شاربه شديدًا،) ونص على أنه
أولى من القص، قال في فتح الباري: وذهب ابن جرير إلى التخيير، فإنه لما حكي قول لملك
وقول الكوفيين، ونقل عن أهل اللغة؛ أن الأحفاء الاستئصال، قال: دلّت السنة على الأمرين،
ولا تعارض، فالقص يدل على أخذ البعض، والأحفاء يدل على أخذ الكلي، فكلاهما ثابت،
فیخیر فیما شاء.
قال الحافظ: فيؤخذ من قول الطبري: ثبوت الأمرين معًا في الأحاديث، فأما الاقتصار على
القص، ففي حديث المغيرة: ضفت النبي عَّةٍ، وكان شاربي، وفي فقصه على سواك، رواه أبو
داود، رواه البيهقي بلفظ، فوضع السواك تحت الشارب، وقص عليه، وأخرج البزار عن عائشة:
أن النبي عَّله أبصر رجلاً، وشاربه طويل، فقال: ائتوني بمقص وسواك، فجعل السواك على طرفه،
ثم أخذ ما جاوزه، والبيهقي، والطبراني، عن شرحبيل بن مسلم الخولاني، رأيت خمسة من
الصحابة يقصون شواربهم، أبو أمامة الباهلي، والمقدام بن معد يكرب، وعتبة بن عون السلمي،
والحجاج بن عامر الثمالي، وعبد الله بن بسر، وأما الأحفاء، فأخرج الطبراني، والبيهقي، عن
عبد الله بن أبي رافع، رأيت أبا سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله؛ وابن عمرو، ورافع بن خديج،
وأبا سيد الأنصاري، وسلمة بن الأكوع؛ وأبا رافع، ينهكون شواربهم، كالحلق، وأخرج الطبراني
عن عروة وسالم والقسم وأبا سلمة أنهم كانوا يحلقون شواربهم، انتهى.

٥١٢
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
واختلف في كيفية قص الشارب، هل يقص طرفاه أيضًا، وهما المسميان
بالسبالين أم يترك السبالان كما يفعله كثير من الناس؟
قال الغزالي في الإحياء: لا بأس بترك سباليه وهما طرفا الشارب. فعل ذلك
عمر رضي الله عنه وغيره، لأن ذلك لا يستر الفم ولا تبقى فيه غمرة الطعام إذ لا
يصل إلیه. انتھی.
وروى أبو داود عن جابر: كنا نحفي السبال إلا في حجة أو عمرة.
وكره بعضهم إبقاءه لما فيه من الشبه، بالأعاجم بل بالمجوس وأهل
الكتاب، وهو أولى بالصواب لما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر
قال: ذكر لرسول الله عَّ المجوس فقال: إنهم يوفرون سبالهم ويحلقون لحاهم
فخالفوهم، فكان يجز سباله كما تجز الشاة أو البعير.
(واختلف في كيفية قص الشارب، هل يقص طرفاه أيضًا، وهما المسميان بالسبالين، أم
يترك السبالان، كما يفعله كثير من الناس؟،) فقيل: بجواز إبقائهما، وقيل: بكراهته، (قال الغزالي
في الإحياء: لا بأس بترك سباليه، وهما طرفا الشارب،) أي المراد بهما هنا ذلك، وإن كان أحد
أقوال، حكاها المجد، فقال: السبلة محركة الدائرة في وسط الشفة العليا، أو ما على الشارب
من الشعر، أو طرفه، أو مجتمع الشاربين، أو ما على الذقن إلى طرف اللحية، كلها أو مقدمها،
خاصة جمعه سبال، انتهى.
(فعل ذلك عمر رضي اللَّه عنه وغيره، لأن ذلك لا يستر الفم، ولا تبقى فيه غمرة)،
زهومة (الطعام إذ لا يصل إليه انتهى).
(وروى أبو داود عن جابر: كنا نحفي)، نزيل (السبال)، فهو، بحاء مهملة، وفي نسخة
نعفي، بعين مهملة، وهي تصحيف، لأن الإِعفاء بالعين: الإبقاء، فلا يصح الاستثناء بقوله: (إلاَّ في
حجة أو عمرة)، لوجوب ترك إزالة الشعر، (و) لذا (كره بعضهم إبقاءه، لما فيه من الشبه
بالأعاجم،) وقد قال عمر: إياكم وزي الأعاجم، وقال لملك: أميتوا سنة العجم، وأحيوا سنة
العرب، (بل بالمجوس وأهل الكتاب، وهو أولى بالصواب،) وفعل عمر إن صح، لعله لم يبلغه
النهي، (لما رواه ابن حبان في صحيحه،) والطبراني، والبيهقي (من حديث) ميمون بن مهران،
عن (ابن عمر، قال: ذكر لرسول اللَّه عَِّ المجوس، فقال: إنهم يوفرون) من التوفير، وهو الترك،
أي يتركون (سبالهم،) بلا إزالة، (ويحلقون لحاهم، فخالفوهم،) قال ميمون ابن مهران: (فكان)
ابن عمر (يجزء) بضم الجيم، وزاي (سباله، كما تجز الشاة أو البعير،) مبالغة في إزالته، امتثالاً

٥١٣
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وروى أحمد في مسنده في أثناء حديث لأبي أمامة. فقلنا يا رسول الله، فإن
أهل الكتاب يقصون عثانينهم ويوفرون سبالهم فقال: قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم
وخالفوا أهل الكتاب، والعثانين - بالعين المهملة والثاء المثلثة وتكرار النون - جمع
عشنون وهو اللحية قاله في شرح تقريب الأسانيد.
وأما العانة ففي حديث أنس أن النبي عَِّ كان لا يتنور، ولكن سنده
ضعيف. وروى ابن ماجه والبيهقي، ورجاله ثقات، ولكن أعل بالإرسال. وأنكر
أحمد صحته من حديث أم سلمة أن النبي عَّ كان إذا طلى بدأ بعانته فطلاها
بالنورة وسائر جسده
صَلى الله
لأمره عزَ ◌ّيـ
(وروى أحمد في مسنده في أثناء حديث لأبي أمامة،) صدى بن عجلان الباهلي، (فقلنا:
يا رسول اللّه، فإن أهل الكتاب يقصون عثانينهم، ويوفرون سبالهم، فقال: قصوا سبالكم، ووفروا
عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب) النصارى، واليهود، (والعثانين، بالعين المهلمة) المفتوحة،
(والثاء المثلثة، وتكرار النون،) أي بنونين، بينهما تحتية، (جمع عثنون،) بضم العين، (وهو
اللحية، قاله في شرح تقريب الأسانيد،) وفي القاموس العثنون اللحية، أو ما فضل منها بعد
العارضين، ونبت على الذقن، وتحته سفلاً أو هو طولها، الجمع عثانين، انتهى.
(وأما العانة،) أي: عانته عَّ أي ما كان يفعله فيها، فقيل: كان يحلقها، وقيل: يزيلها
بالنورة، فهي اسم للشعر النابت فوق ذكر الرجل وفرج المرأة، وهو قول ابن الأعرابي؛ ويعقوب بن
السكيت، وقال الأزهري: وجماعة هي منبت الشعر على الفرجين، لا الشعر نفسه، واسمه
الإِسب، بكسر الهمزة، وسكون المهملة، وقال الجوهري: هي شعر الركب، (ففي حديث أنس:
أن النبي عٍَّ كان لا يتور،) أي لا يطلي بالنورة، بضم النون حجر الكلس، ثم غلبت على
أخلاط تضاف إلى الكلس، من زرنيخ وغيره، وتستعمل لإزالة الشعر، وتنور: أطلي بالنورة،
ونورته طليته بها، قيل عربية، وقيل معربة، قال الشاعر:
فابعث عليهم سنة قاشوره تحتلق المال كحلق النورة
ذكره المصباح، (ولكن سنده ضعيف،) كما جزم به غير واحد وتتمته، وكان إذا كثر شعره
حلقه، (وروى ابن ماجه، والبيهقي، ورجاله ثقات، ولكن أعل بالإِرسال،) أي الانقطاع، (وأنكر
أحمد صحته من حديث أم سلمة، أن النبي عَّ ◌ٍ كان إذا طلى بدأ بعانته،) أي: بطليها، وبين ما
كان يصلي به فقال: (فطلاها بالنورة)، إذ الطلاء كل ما يطل به، (و) طلي (سائر)، أي: باقي
(جسده) من كل ما فيه شعر يحتاج لإِزالته، فشمل الذراعين، ولا ينافيه قول هند: أشعر الذراعين،

٥١٤
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
أهله.
وأما الحديث الذي يروى أن النبي ◌َِّ دخل حمام الجحفة، فموضوع
باتفاق أهل المعرفة بالحديث كما قاله الحافظ ابن كثير، بل لم يتعرف العرب
الحمام ببلادهم إلا بعد موته عليه الصلاة والسلام.
وأخرج البيهقي من مرسل أبي جعفر الباقر قال: كان رسول الله عليكاله
يستحب أن يأخذ من أظفاره وشاربه يوم الجمعة.
لأن معناه أن شعرهما يكثر ويطول، فيزيله بالنورة (أهله) نساؤه، بالرفع فاعل، وروى الخرائطي عن
أم سلمة، أن النبي عَّلِ كان ينوره الرجل، فإذا بلغ مراقه تولى هو ذلك.
قال ابن القيم: ورد في النورة أحاديث، هذا أمثلها وقال السيوطي: هو مثبت وأجود إسناداً
من حديث النفي، فيقدم عليه، واستعمالها مباح لا مكروه، إلاّ أنه يتوقف في كونه سنة،
لاحتياجه إلى ثبوت الأمر به، كحلق العانة ونتف الإِبط، وفعله وإن دل على السنية، فقد يقال
هذا من الأمور العادية، التي لا يدل فعله لها على سنية، وقد يقال: إنما فعله بيانًا للجواز، ككل
مباح، وقد يقال: إنها سنة، ومحله كله ما لم يقصد اتباع النبي عَّه في فعله، وإلاَّ فهو مأجور،
آتٍ بالسنّة انتهى.
(وأما الحديث الذي يروى أن النبي عَّهُ دخل حمام الجحفة) وتنور فيه، وهي بالضم،
ميقات أهل الشام، وكانت قرية جامعة، على اثنين وثمانين ميلاً من مكة، كما في القاموس،
(فموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، كما قاله الحافظ ابن كثير: بل لم تعرف العرب
الحمام ببلادهم، إلاَّ بعد موته عليه الصلاة والسلام،) وما ذكره الديلمي، بلا سند عن ابن عمر،
أَنّه عَّ قال لأبي بكر وعمر: ((طاب حمامكما))، فمحمول إن صح على الماء المسخن خاصة
من عين ونحوها، وكذا كل ما جاء فيه ذكر الحمام، قاله السخاوي: وأورد عليه ما رواه
الخرائطي، ويعقوب بن سفين في تاريخه، وابن عساكر، عن محمد بن زياد الإِلهاني، قال: كان
ثوبان جارًا لي، وكان يدخل الحمام فقلت: وأنت صاحب رسول اللَّه تدخل الحمام؟، فقال:
كان عَّ يدخل الحمام فهذا يمتنع تأويله بما قال: إذ لا ينكر محمد بن زياد استعمال المسخن
على ثوبان، ولكن إسناده ضعيف جدًا، (وأخرج البيهقي من مرسل أبي جعفر) محمد بن
علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، (الباقر) صفة لأبي لقب به، لأنه بقر العلم، أي شقه،
فعرف أصله وخفية، (قال: كان رسول اللَّه عَلم يستحب أن يأخذ من أظفاره وشاربه يوم
الجمعة،) قبل الرواح إلى الصلاة، كما في خبر أبي هريرة.

٥١٥
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وله شاهد موصول من حديث أبي هريرة لكن سنده ضعيف أخرجه البيهقي
أيضًا في الشعب.
وسئل عنه أحمد فقال يسن يوم الجمعة قبل الزوال. وعنه يوم الخميس،
وعنه یتخیر.
قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: هذا هو المعتمد، أنه يستحب كيفما
احتاج إليه، قال: ولم يثبت في استحباب قص الظفر يوم الخميس حديث، وكذا
لم يثبت في كيفيته شىء، ولا في تعيين يوم له عن النبي معد له.
وإلى هذا ذهب الشافعية، والملكية، حيث يذكرون استحباب تحسين الهيئة يوم الجمعة،
كقلم ظفر، وقص شارب، واستحداد إن احتاج إلى ذلك، لنحو هذا الحديث، وإن کان مرسلاً،
(و) لكن (له شاهد موصول من حديث أبي هريرة، لكن سنده ضعيف، أخرجه البيهقي أيضًا في
الشعب،) عن أبي هريرة، أنه عَّةٍ كان يقلم أظفاره، ويقص شاربه يوم الجمعة، قبل أن يروح إلى
الصلاة؛ قال البيهقي، عقبة قال الإِمام أحمد: في هذا الإِستاد من يجهل انتهى، لكن يشهد له
أيضًا ما رواه الطبراني في الأوسط، والبزار، عن أبي هريرة من قلم أظفاره يوم الجمعة وقي من
السوء إلى مثلها. (وسئل عنه،) أي: عن حكم استحباب الأخذ من الظفر والشارب، أي: وقت
(أحمد، فقال: يسن يوم الجمعة قبل الزوال،) لهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة، فبعضها يقوي
بعضًا، (وعنه يوم الخميس،) لحديث على رفعة قص الظفر، ونتف الإبط، وحلق العانة، يوم
الخميس والغسل، والطيب، واللباس يوم الجمعة.
رواه الطبراني، وخبر أبي هريرة مرفوعًا: من أراد أن يأمن الفقر، وشكاية العمى، والبرص
والجنون، فليقلم أظفاره يوم الخميس بعد العصر، وليبدأ بخنصر اليسرى، رواه الديلمي وهما
واهيان، وفي مسلسلات جعفر المستغفري الحفاظ بإسناد مجهول، عن علي: رأيت النبي عَّه.
يقلم أظفاره يوم الخميس، (وعنه يتخير) في فعل ذلك، أي وقت احتاج له، ولا يتقيد بيوم.
(قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: هذا،) أي: التخيير بين جميع الأزمنة (هو المعتمد،)
ولما أوهم ذكر اسم الإشارة إن المراد التخيير بين الجمعة والخميس، لذكرها عقبهما دفع ذلك،
بقوله: (إنه يستحب كيفما احتاج إليه،) وكان الأولى، أن يقول، والمعتمد أنه يستحب بإسقاط
هذا هو.
(قال: ولم يثبت في استحباب قص الظفر يوم الخميس حديث،) أي: إنها ضعيفة
جدًا، (وكذا لم يثبت في كيفيته)، أي صفة قصه (شىء، ولا في تعيين يوم له عن النبي عَّه)

٥١٦
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وما يعزى من النظم في ذلك لعلي رضي الله عنه ثم لشيخ الإسلام ابن
حجر قال شيخنا: إنه باطل.
والمراد: إزالة ما يزيد على ما يلابس الأصبع من الظفر، لأن الوسخ يجتمع
فيه فيستقذر، وقد ينتهي إلى حد يمنع من وصول
شىء، قال السيوطي: وبالجملة، فأرجحها نقلاً ودليلاً يوم الجمعة، والأخبار الواردة فيه ليست
بواهية جدًا بل فيها متمسك خصوصًا الأول، وقد اعتضد بشواهد، مع أن الضعيف يعمل به في
فضائل الأعمال؛ (وما يعزي من النظم في ذلك لعلي رضي اللَّه عنه)، وهو:
. إبدأ بيمناك وبالخنصر في قص أظفارك واستبصر
وثن بالوسطى وثلث كما قد قيل بالإِبهام والبنصر
في اليد والرجل ولا تمتر
واختمه في الكف بسبابة
وفي اليد اليسرى بإبهامها والإصبع الوسطى وبالخنصر
وبعد سبابتها بنصر فإنها خاتمة الأيسر
قال السخاوي: وكذب القائل، أي الناسب، هذا النظم لعلي كرّم الله وجهه، (ثم لشيخ
الإِسلام ابن حجر) الحافظ، (قال شيخنا) السخاوي: (أنه باطل،) قال: ونص ما عزى له وحاشاه
من ذلك:
في قص ظفرك يوم السبت آكله تبدو وفيما يليه تذهب البركة
وعالم أفاضل يبدو بتلوهما وإن يكن في الثلاثا فاحذر الهلكة
وفي الخميس الغني يأتي لمن سلكه
ويورث السوء في الأخلاق رابعها
والعمر والرزق زيدًا في عروبتها عن النبي روينا فاقتفى نسكه
وقال السيوطي: هذا مفترى عليه، بل في مسند الفردوس، بسند واهٍ، عن أبي هريرة
مرفوعًا، من قلم أظافره يوم السبت خرج منه الدواء، ودخل فيه الشفاء، ومن قلم أظافره يوم
الأحد خرج منه الفاقة، ودخل فيه الغنى؛ ومن قلمها يوم الاثنين خرج منه الجنون، ودخلت فيه
الصحة، ويوم الثلاثاء خرج منه المرض، ودخل فيه الشفاء؛ ويوم الأربعاء خرج منه الوسواس
والخوف، ودخل فيه الأمن والشفاء، ويوم الخميس خرج منه الجذام، ودخلت فيه العافية، ويوم
الجمعة دخلت فيه الرحمة، وخرجت منه الذنوب، قال: وأثار البطلان لائحة عليه انتهى.
(والمراد) مما يأخذه من الأظفار، (إزالة ما يزيد على ما يلابس رأس الأصبع من
الظفر)، وإنما استحب، (لأن الوسخ يجتمع فيه، فيستقذر، وقد ينتهي إلى حد يمنع من وصول

٥١٧
. الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
الماء فيما يجب غسله في الطهارة. وقد حكى أصحاب الشافعي فيه وجهين:
فقطع المتولي بأن الوضوء حينئذٍ لا يصح، وقطع الغزالي في الإحياء بأنه يعفى عن
مثل ذلك.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة: كان معَِّ لا يفارق سواكه ولا
مشطه وكان ينظر في المرآة إذا سرح لحيته.
وعن ابن عباس أن النبي عَّةٍ كانت له مكحلة يكتحل منها كل ليلة ثلاثة
في هذه وثلاثة في هذه. رواه ابن ماجه والترمذي وأحمد ولفظه: كان يكتحل
بالإثمد
الماء؛ فيما يجب غسله في الطهارة، وقد حكي أصحاب الشافعي،) أي: مقلد، ومذهبه (فيه
وجهين، فقطع المتولي،) بضم الميم، وفتح الفوقية، والواو، فلام مكسورة، (بأن الوضوء حينئذٍ،
لا يصح،) وهو المعتمد (وقطع الغزالي في الإحياء، بأنه يعفى عن مثل ذلك؛) إذ أصله الندب،
(وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة، كان عَّه لا يفارق سواكه، ولا مشطه، وكان ينظر
في المرآة إذا سرح لحيته،) ومناسبة ذكر الحديث في مبحث الشعر ظاهرة، إذ المشط والمرآة
كل آلة لتنظيفه، وأما السواك، فوقع في الحديث، وعادة العلماء يذكرون الحديث بتمامه، وإن
كان غرضهم منه لفظة واحدة، فلا تتعسف، فتقول ذكره لمناسبته له، في أن كلا آلة للتنظيف،
(وعن ابن عباس: أن النبي ◌َّ كانت له مكحلة،) بضم أوله وثالثه، من النوادر الواردة، بالضم،
وقياسها الكسر، لأنها اسم آلة، (يكتحل منها كل ليلة،) حكمة كونه ليلاً أنه أبقى في العين،
وأمكن في السراية إلى طبقاتها.
(ثلاثة) متوالية (في هذه،) أي: اليمنى (وثلاثة) كذلك (في هذه،) أي: اليسرى، وحكمة
التثليث توسطه بين الإقلال والإكثار، وخير الأمور أوساطها، وأيضًا فإنه كان يحب الإِيتار مع
التعدد، وأقل مراتب الإِعداد التي فيها الإِيتار ثلاثة، قال الحافظ العراقي: ليس في الحديث
تعرض للابتداء بالعين اليمنى، وهو مستحب، لأنه كان يحب التيمن في شأنه كله، وهل تحصل
سنة اليمنى باكتحاله فيها مرة، ثم اليسرى مرة، ثم يفعل ذلك ثانيًا وثالثًا، أو لا تحصل إلاَّ بتقديم
المرات الثلاث، في الأول الظاهر، الثاني قياسًا على العضوين المتماثلين في الوضوء، ويحتمل
حصولها بالأول كالمضمضة، والاستنشاق على بعض الصور المعروفة في الجمع والتفرقة.
(رواه ابن ماجه، والترمذي) بهذا اللفظ، (و) رواه (أحمد، ولفظه كان يكتحل بالإثمد)،

٥١٨
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
كل ليلة قبل أن ينام، وكان يكتحل في كل عين ثلاثة أميال.
وروى النسائي والبخاري في تاريخه عن محمد بن علي قال سألت عائشة:
أكان النبي عَّله يتطيب؟ قالت: نعم، بذكارة الطيب، المسك والعنبر.
وأما مشيه عليه الصلاة والسلام فعن علي قال: كان رسول الله عَ ◌ّه إذا مشى
تکفا تکفیًا،
بكسر الهمزة، والميم بينهما مثلثة ساكنة: حجر الكحل، المعدني، المعروف، قال في التهذيب
وغيره، ويقال: أنه معرب، ومعدنه بالمشرق، وهو أسود، يضرب إلى حمرة، (كل ليلة قبل أن
ينام،) والظاهر، كما قال المصنف أنه كان بعد العشاء، (وكان يكتحل في كل عين ثلاثة أميال،)
جمع ميل، وهو المرود، ويقال له: المكحل والمكحال، بزنة مفتح ومفتاح، ثم هذا الخبر يخالفه
خبر ابن عمر، كان عَّةٍ إذا اكتحل يجعل في اليمنى ثلاثة مراود، والأخرى مرودين، يجعل ذلك
وترًا، رواه الطبراني، وخبر أنس: كان عَّه، يكتحل في اليمنى ثنتين، وفي اليسرى ثنتين،
وواحدة بينهما.
قال ابن سيرين: هكذا الحديث، وأنا أحب أن يكون في هذه ثلاثًا، وفي هذه ثلاثًا،
وواحدة بينهما، رواه ابن عدي، وحديث من اكتحل فليوتر، فيه قولان، أحدهما كون الإِيتار في
كل واحدة منهما، الثاني كونه في مجموعهما، قال الحافظ: والأرجح الأول (وروى النسائي،
والبخاري في تاريخه عن محمد بن علي، قال: سألت عائشة أكان النبي عَّ يتطيب؟،) وجه
السؤال إن رائحته طيبة، وإن لم يمس طيبًا، (قالت: نعم بذكارة الطيب،) بكسر الذال المعجمة،
ما يصلح للرجال (المسك والعنبر،) بدل، أو عطف بيان إذ الذكارة بالكسر، جمع ذكر
بفتحتين ما يصلح للرجال، وهو ما لا لون له، كالمسك؛ والعنبر، والعود، والكافور.
والذكورة مثله، ومنه الحديث كانوا يكرهون المؤنث من الطيب، ولا يرون بذكورته بأسا،
والمؤنث طيب النساء كالخلوط، والزعفران، كما في النهاية، ووجه إدخال هذا الحديث في
الشعر أن التطيب يشمل تطييب الشعر؛ (وأما مشيه عليه الصلاة والسلام، فعن علي) هو نفس
الجواب، لكن بتقدير رابط، أي: فورد، أو الجواب محذوف، أي: ففيه أخبار، وإذا أردت
معرفتها، فعن علي كذا، وما بعده عطف عليه في المعنى، والأحسن الأول (قال: كان
رسول اللَّه عَّ إذا مشى تكفا تكفيًا،) بكاف، وفاء، روي بهمز ودونه تخفيفًا، قاله العراقي:
وقال النووي: زعم كثير أن أكثر ما يروى بلا همز، وليس كما قالوا ومآلهما واحد، وهو يرد قول
النور بشتى الرواية المعتد بها بلا همز اهـ

٥١٩
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
كأنما ينحط من صبب، رواه الترمذي وصححه البيهقي. والتكفؤ: الميل إلى سنن
المشي.
وعند البزار من حديث أبي هريرة: إذا وطىء بقدمه وطىء بكلها.
وعند الترمذي في الشمائل من حديثه: وما رأيت أحدًا أسرع في مشية من
رسول الله عَ له: كأنما الأرض تطوی له،
قال في النهاية، أي تمايل إلى قدام، هكذا روي غير مهموز، والأصل الهمز، وبعضهم يرويه
مهموزاً، لأنه مصدر تفعل من الصحيح، كتقدم تقدمًا، وتكفأ تكفؤا، والهمزة حرف صحيح، فإذا
اعتل انكسرت عين المستقبل منه، نحو: تخفى تخفيفًا، وتسمى تسميًا، فإذا خففت الهمزة
التحقت بالمعتل، فصار تكفيًا بالكسر انتهى.
أي: يسرع المشي، كأنه يميل بين يديه من سرعة مشيه، كما تتكفأ السفينة في جريها،
ويؤيده قوله، (كأنما ينحط) وفي رواية: كأنما يهوى (من صبب،) أي منحدر من الأرض، أي كأنما
ينزل في موضع منحدر، وهو حال من فاعل تكفأ مبالغة، في التكفي والتثبت في مشيه، (رواه
الترمذي، وصححه البيهقي،) ورواه الترمذي أيضًا عن أنس في حديث، (والتكفؤ: الميل إلى
سنن المشي،) مثلث السين، وبضمتين نهجه، وجهته كما في القاموس، وهذا التفسير قطع به
الأزهري، مخطئًا تفسير شمر يتمايل يمينًا وشمالاً، كالسفينة بأنه من الخيلاء، وتكفؤ السفينة
تمايلها، على سمتها الذي يقصد، ويرده، قوله: كأنما ينحط الخ، فإنه مفسر له، وقال الكسائي:
أكفأت الإِناء، وكفأته إذا كبيته، وأكفأته إذا أملته، ومنه الحديث، أى: تمايل إلى قدام، كما تتكفأ
السفينة في جريها انتهى.
وأجاب القاضي عياض؛ بأن التمايل يمينًا وشمالاً إنما يذم بالقصد، لا إن كان خلقة،
كالغصن، وهو حسن صواب، وأما حمله على سرعة انطواء الأرض تحت قدميه، فخلاف
الظاهر، (وعند البزار من حديث أبي هريرة، إذا وطىء بقدمه وطىء بكلها؛) ليس له أخمص،
ومر هذا الحديث، وأعاده هنا لبيان صفة المشي، (وعند الترمذي في الشمائل من حديثه،) أي:
أبي هريرة ما رأيت أحد أحسن من رسول اللَّه عَّه؛ كأن الشمس تجري في وجهه، (وما رأيت
أحدًا أسرع في مشيه)، كذا في نسخ من الشمائل بصيغة المصدر، وهي أظهر، لأنه الذي يتصف
بالسرعة والبطء، وفي نسخ مشيته، بكسر، فسكون، أي كيفية مشيه، قال المصنف: ومعناهما
متقارب، والمراد مشيه المعتاد دون إسراع (من رسول اللَّه عَ ل كأنما الأرض تطوى) تجمع،
وتجعل مطوية تحت قدميه، مع كونه على غاية من التأني وعدم العجلة (له،) لا لمن يماشيه،

٥٢٠
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
إنا لنجهد أنفسنا وأنه لغير مكترث.
وعند يزيد بن مرثد قال: كان رسول الله عَِّ إذا مشى أسرع. حتى يهرول
الرجل وراءه فلا يدركه: رواه ابن سعد.
وروى أنه كان إذا مشى مشى مجتمعًا أي قوى الأعضاء غير مسترخ في
المشي.
وقال علي: كان رسول الله عَّ إذا مشى تقلع.
وأوضحه بقوله: (إنا لنجهد،) بفتح النون، وضمها، من جهد، كمنع وأجهد، أي: نتعب
(أنفسنا،) ونوقعها في المشقة والتعب، أو نحملها في السير فوق طاقتها، ولم يقل يجهدنا، لأنه
لم يقصده إنما هو طبعه؛ (وأنه) حال من الفاعل (لغير مكترث،) أي مبالٍ بجهدنا أو غير مسرع
بحيث تلحقه مشقة، فكان يمشي على هينته، ويقطع ما نقطع بالجهد من غير جهد، واستعمال
مكترث في النفي هو الأغلب؛ وفي الإِثبات قليل شاذ، وعن أبي هريرة كنت معه عَّةٍ في
جنازة، فكنت إذ مشيت سبقني، فالتفت إلى رجل بجنبي، فقلت: تطوى له الأرض وخليل
إِبراهيم، رواه أحمد وابن سعد، فأقسم أبو هريرة لما رآه من قطعه للمسافة مع تأنيه في المشي،
وجهد غيره فيه، (وعند يزيد،) بتحتية وزاي، (ابن مرثد)، بفتح الميم، والمثلثة بينهما، راء
ساكنة، ثم مهملة، أبي عثمن الهمداني، الصنعاني، من صنعاء دمشق، ثقة من أواسط التابعين، وله
مراسيل.
(قال: كان رسول اللَّه عَّ إذا مشى أسرع،) قال الزمخشري: أراد السرعة المرتفعة عن
دبيب المتماوت، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿واقصد في مشيك﴾ [لقمان/١٩]، أي أعدل فيه
حتى يكون مشيًا بين مشيين، لا يدب دبيب المتماوتين، ولا يثب وثب الشياطين انتهى. (حتى
يهرول،) أي يسرع في المشي دون الخبب، (الرجل وراءه،) قال الجوهري: الهرولة ضرب من
العدو وهو بين المشي والعدو، (فلا يدركه) مع أنه على غاية من الهون، والتأني، وعدم العجلة،
وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونّا، (رواه ابن سعد) في الطبقات، (وروى أنه كان إذا
مشى مشى مجتمعًا، أي: قوى الأعضاء غير مسترخٍ في المشي،) وعند ابن عساكر، عن
ابن عباس، كان يمشي مشيًا يعرف فيه أنه ليس بعاجز، ولا كسلان، (وقال علي) فيما
رواه الترمذي: (كان رسول اللَّه عَّ إذا مشى تقلع،) أي رفع رجليه رفعًا بائنًا، متداركًا إحداهما
بالأخرى، مشية أهل الجلادة، يريدان مشيه مثل مشي القلعة بفتح اللام، وهي القطعة العظيمة من
السحاب، وفي حديث علي هذا، أيضًا تلوه، كأنما ينحط من صبب.