النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
◌ّ الله أن الإبط من جميع الناس متغير اللون
وقال الطبري: ومن خصائصه عين.
غيره إلا هو عليه الصلاة والسلام، ومثله للقرطبي وزاد: وأنه لا شعر عليه، لكن
نازع فيه صاحب شرح تقريب الأسانيد، وقال: إنه لم يثبت ذلك بوجه من الوجوه،
قال: والخصائص لا تثبت بالاحتمال، ولا يلزم من ذكر أنس وغيره بياض إبطيه أن
لا يكون له شعر. قال عبد الله بن أقرم - وقد صلى معه عي له - كنت أنظر إلى عفرة
إبطيه. حسنه الترمذي. والعفرة: بياض ليس بالناصع كما قاله الهروي وغيره،
وسيأتي مزيد لذلك في الخصائص إن شاء الله تعالى.
وعن رجل من بني حريش قال: ضمني رسول الله عَّةٍ فسال علي من عرق
إبطيه مثل ريح المسك. رواه البزار.
دعائه، إلاَّ في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه، متفق عليه.
(وقال الطبري، ومن خصائصه عَّة، أن الإِبط، من جميع الناس متغير اللون غيره،) بالجر
نعت للناس، (إلاَّ هو عليه الصلاة والسلام، ومثله للقرطبي، وزاد: وأنه لا شعر عليه، لكن نازع
فيه صاحب شرح تقريب الأسانيد) للنووي، وهو العلامة، ولي الدين القراتي الحافظ،
ابن الحافظ، (وقال: إنه لم يثبت ذلك،) أي أنه لا شعر عليه (بوجه من الوجوه، قال:
والخصائص، لا تثبت بالاحتمال،) وإنما تثبت بالنص الصحيح الصريح، (ولا يلزم من ذكر أنس،
وغيره،) كعبد الله بن لملك بن بجينة، (بياض إبطيه أن لا يكون له شعر،) لاحتمال؛ أنه كان يديم
تعاهده، وقد علله ابن العراقي نفسه، بقوله: فإن الشعر، إذا نتف بقي المكان أبيض، وإن بقي فيه
آثار الشعر، (وقال عبد الله بن أقرم،) بفتح الهمزة، والراء، بينهما قاف ساكنة، آخر میم، ابن زيد
الخزاعي، أبي معبد، صحابي، مقل، له حديثان، (وقد صلى معه عٍَّ، كنت أنظر إلى عفرة
إبطيه، حسنه الترمذي، والعفرة،) بضم المهملة، وإسكان الفاء)، (بياض ليس بالناصع، كما قاله
الهروي، وغيره،) كابن الأثير، (وسيأتي مزيد،) قليل (لذلك في الخصائص؛ إن شاء الله
تعالى،) وهو نقل قول العراقي، وهذا، أي حديث ابن أقرم، يدل على أن أثر الشعر هو الذي
جعل المكان أعفر، وإلاَّ، فلو كان خاليًا عن نبات الشعر جملة لم يكن أعفر، نعم الذي نعتقده
أنه لم يكن لإِبطه رائحة كريهة انتھی.
وقد يمنع دلالته على ما، قال بما تقدم عن الحافظ، أن شأن المغابن كونها أقل بياضاً من
باقي الجسد، (وعن رجل) لم يسم (من بني حريش)، بفتح المهملة، وكسر الراء، وإسكان
التحتية، وشين معجمة، بطن من الأنصار، (قال: ضمني رسول اللّه عَّةٍ، فسال علي من عرق
إبطيه مثل ريح المسك، رواه البزار،) وهو صريح في اختصاصه، بطيب رائحة إبطيه دون الناس،

٤٦٢
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
ووصفه علي فقال: ذو مسربة، وفسر بخيط الشعر بين الصدر والسرة.
وقال ابن أبي هالة: دقيق المسربة.
وعند ابن سعد عن علي: طويل المسربة.
وعند البيهقي: له شعرات من لبته إلى سرته تجري كالقضيب. ليس على
صدره ولا بطنه غيره.
ووصفت بطنه أم هانىء فقالت: ما رأيت بطن رسول الله عَ له إلا ذكرت
القراطيس المثني بعضها على بعض. رواه الطيالسي والطبراني.
وقال أبو هريرة: كان رسول الله عَّ أبيض كأنما صيغ من فضة،
(ووصفه علي) عند الترمذي، (فقال ذو مسربة)، بفتح الميم، وإسكان الشلة، وضم الراء،
وفتحها، وموحدة، وهاء، والتنوين للتعظيم، فهو كقوله: الآتي طويل المسربة، (وفسر بخيط الشعر
بين الصدر، والسرة،) وفي المصباح شعر الصدر يأخذ إلى العانة، وفي القاموس شعر وسط
الصدر إلى البطن، (وقال ابن أبي هالة: دقيق،) بالدال، وفي رواية بالراء: (المسربة،) ووصفها
بالدقة للمبالغة، إذ هي الشعر الدقيق، (وعند ابن سعد،) وكذا الترمذي في الشمائل، (عن علي
طويل المسربة،) فأفاد الحديثان أنها دقيقة طويلة، (وعند البيهقي له شعرات من لبتة،) بفتح
اللام، (إلى سرته تجري، كالقضيب:) الغصن، أو العود، أو السيف اللطيف الرقيق، (ليس على
صدره، ولا بطنه غيره،) الضمير للشعرات، ذكره لقوله، كالقضيب، (ووصفت بطنه أم هانىء،
فقالت: ما رأيت بطن رسول اللّه عَّ، إلاَّ ذكرت القراطيس المثنى بعضها على بعض،) ولعل
رؤيتها بطنه قبل تحريم رؤية الأجنبية للأجنبي، إذ هو عَّ ابن عمها، أو قبل البعثة، فلا يشكل
على قول لملك: ترى الأجنبية من الأجنبي ما يراه من محرمة، وهو الوجه والأطراف، ولا على
قول الشافعي: لا ترى منه شيئًا، ولا الوجه، والأطراف، (رواه الطيالسي) أبو داود سليمن بن
داود بن الجارود الحافظ المشهور، (والطبراني) سليلمن بن أحمد بن أيوب، (وقال أبو هريرة:
كان رسول اللّه عَ لتل أبيض، كأنما صيغ) من الصوغ بمعنى، الإِيجاد، أي خلق (من فضة،) قال
الجوهري والمجد: صاغ اللّه فلانًا صيغة حسنة خلقه، وقال الزمخشري: من المجاز، فلأن
حسن الصيغة، وهي الخلقة، وصاغه اللّه صيغة حسنة، وفلان من صيغة كريمة، من أصل كريم،
انتھی.
وهذا باعتبار ما كان يعلو بياضه من الإضاءة، ولمعان الأنوار، والبريق الساطع، فلا ينافي ما
ورد، أنه كان مشربًا بحمرة، وآثره لتضمنه نعته، بتناسب التركيب، وتماسك الأجزاء، فلا اتجاه

٤٦٣
فصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
جل الشعر، مفاض البطن، عظيم مشاش المنكبين.
وتقدم أن المشاش هي: رؤوس العظام كالركبتين، ومفاض: أي واسع البطن،
قيل: مستوي البطن مع الصدر.
وخرج الإمام أحمد عن محرش الكعبي قال: اعتمر النبي عَّ من الجعرانة
يلاً، فنظرت إلى ظهره كأنه سبيكة فضة.
وكان عَِّ بعيد ما بين المنكبين. رواه البخاري. أي عريض الصدر، ووقع
بند ابن سعد من حديث أبي هريرة: رحب الصدر.
وأما قلبه الشريف علياء،
جعله من الصوغ، بمعنى سبك الفضة (رجل الشعر،) بفتح الراء، وكسر الجيم، وفتحها،
سكونها، كما في المفهم، أي مسرح الشعر، أو ما فيه تثن قليل، أو لم يكن شديد الجعود،
لا السبوطة، بل بينهما، قال القرطبي: كان شعره مثل خلقته مسرجًا، وهذا الحديث إلى هنا
رواه الترمذي في الشمائل عنه، وزاد في رواية غيره، (مفاض البطن،) بالفاء، والضاد المعجمة،
كما قاله الهروي، وغيره، (عظيم، مشاش المنكبين، وتقدم أن المشاش،) بضم الميم،
معجمتين (هي رؤوس العظام، كالركبتين، ومفاض، أي واسع البطن، وقيل) معناه (مستوى
لبطن مع الصدر،) وجزم به الهروي، وحكي ابن الأثير القولين، (وخرج الإِمام أحمد عن
محرش،) بضم الميم، وفتح المهملة، وكسر الراء الثقيلة، ومعجمة، ضبطه ابن ماكولا تبعًا
لهشام بن يوسف، ويحيى بن معين، ويقال، بسكون الحاء المهملة، وفتح الراء، وصوّبه
ابن السكن، تبعًا لابن المديني، كما في الإِصابة، وزاد في التبصير، وقال ابن سعد مخرش: بالخاء
المعجمة، وقال بعضهم مهملة، وقال الزمخشري: الصواب، بالخاء المعجمة، انتهى.
وفي الجامع لابن الأثير، ويقال محرش، بكسر الميم، وسكون الحاء، وفتح الراء مخففة،
وشين معجمة، قال في الإصابة، وهو ابن سويد بن عبد الله بن مرة الخزاعي، (الكعبي،) عداده
في أهل مكة، وقيل أنه ابن عبد الله، انتهى.
(قال اعتمر النبي عَّةٍ من الجعرانة ليلاً، فنظرت إلى ظهره، كأنه سبيكة فضة،) فاعتمر،
وأصبح بها، كبائت، هذا بقية الحديث، وأخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذي بإسناد حسن،
قال الترمذي: ولا يعرف له غيره، (وكان عَّ بعيد ما بين المنكبين، رواه البخاري) عن البراء بن
عازب في حديث، (أي عريض الصدر،) لفظ الفتح، وتبعه المصنف في شرحه، أي عريض أعلى
الظهر، (ووقع عند ابن سعد من حديث أبي هريرة رحب الصدر،) أي واسعه، (وأما قلبه
الشريف،) أي صفته (عَّله)) فقد ثبت له من الكمال، كالشق، وشرح الصدر. وغير ذلك، ما لم

٤٦٤
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
فاعلم أن القلب مضغة في الفؤاد معلقة بالنباط، فهو أخص من الفؤاد. قاله
الواحدي، وسمي به لتقلبه بالخواطر والعزوم، قال الشاعر:
وما سمي الإنسان إلى لنسيه ولا القلب إلا أنه يتقلب
وقال الزمخشري: مشتق من التقلب الذي هو المصدر لفرط تقلبه،
٠٠
يثبت لغيره، فجواب، أما محذوف، وإذا أردت معرفة القلب من حيث هو، وموضعه، (فاعلم،)
فالفاء فصيحة في جواب شرط مقدر، وصدر هذا المبحث بمقدمة كلية عنونها بالأمر بالعلم،
تنبيهًا على جلالة ما فيه من الأبحاث دون بقية الجوارح، (إن القلب مضغة،) بميم، ومعجمة،
وفي نسخة بضعة، بموحدة مثلثة، ومعجمة، ومهملة، وهما بمعنى قطعة (في الفؤاد، معلقة
بالنباط،) بكسر النون، عرق متصل بالقلب، كما في المصباح، (فهو أخص من الفؤاد،) أي
أشرف منه، لأنه قصد به حفظ القلب، فالقلب المقصود، وليس المراد الأخص المقابل للأعم؛
لأنه بعض أفراد العام، ولا يستقيم على ما ذكره، المقتضي تباينهما ضرورة تباين الظرف لمظروفه
في متعددات، لا في شيء واحد، (قاله الواحدي، وسمي به لتقلبه بالخواطر،) أي ما يعرض له
من أوّل أحواله قبل التصميم عليه، فشمل الأربع التي قبل العزم، الخاطر والهاجس، وحديث
النفس والهم، بدليل مقابلته بقوله: (والعزوم) بالجمع على أمر واحد، لأدلة مختلفة كان يتردد في
أمر، ويظهر له صواب، فيصمم عليه، ثم يظهر له خلافه، فيعزم عليه، ويعرض عن الأول،
وهكذا، كما يقع للمجتهدين، أو المراد العزم على أمور متباينة يتعلق بها نظره، ليفعلها في
أوقات مختلفة، فالجمع باعتبار أفراد العزوم في متعددات، لا في شيء واحد، (قال الشاعر:
وما سمي الإِنسان إلاّ لنسيه)
بكسر النون، كما في القاموس، بناءً على قول الكوفيين، مشتق من النسيان، فالهمزة
زائدة، فوزنه أفعان على النقص، وفي نسخة لأنسه على قول البصريين، من الأنس، فالهمزة أصل،
ووزنه فعلان، واتفقوا على زيادة النون الأخيرة، (ولا القلب، إلاَّ أنه،) بفتح الهمزة، بتقدير اللام،
أي لأنه (يتقلب،) فهذا سبب التسمية دون ملاحظة اشتقاق من شيء، إذ لا يلزم من حكمة
التسمية اشتقاقه من مصدرها، كتسمية الوالد الذي فيه حمرة أحمر، فلذا عقبه بالنص عليه بقوله.
(وقال الزمخشري: مشتق من التقلب الذي هو المصدر،) فروعي فيه أخذه منه للمناسبة
بينهما، أي أنه اعتبر لتسمية المضغة قلبًا، وجود التقلب في مسماه، لا أنه جزء من مدلوله،
بحيث ينتفي بانتفائه، ولا يلزم منه تسمية كل متقلل قلباً، لأن الاشتقاق، قد يختص ببعض الأشياء
كالقارورة، وقد يطرد، كاسم الفاعل (لفرط تقلبه،) أي تنقله مع حركته نفسه، أي اضطرابه عند
رجفه مثّلا، أو المراد تنقله من خاطر لآخر، مع بقاء ذاته والأوّل أظهر، لمخالفته، لما قبله في

٤٦٥
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
ألا ترى إلى ما روى أبو موسى عن النبي عَّه: ومثل هذا القلب كمثل ريشة ملقة بفلاة
يقلبها الريح بطنًا لظهر.
قال: والفرق بينه وبين الفؤاد، أن الفؤاد وسط القلب، سمي به لتفؤده، أي
توفده.
وفسر الجوهري القلب بالفؤاد ثم فسر الفؤاد بالقلب.
قال الزركشي: والأحسن قول غيره: الفؤاد غشاء القلب، والقلب حبته
وسويداؤه، ويؤيد الفرق قوله عَ له: ألين قلوبًا وأرق أفئدة، وهو أولى من قول
بعضهم: إنه كرر لاختلاف اللفظ.
وقال الراغب: يعبر بالقلب عن المعاني التي تختص به كالعلم والشجاعة.
وقيل: حيثما ذكر الله القلب فإشارة إلى العقل والعلم. كقوله تعالى: ﴿إِن
في ذلك لذكرى لمن كان له قلب﴾ [ق/٣٧]، وحيثما ذكر الصدر فإشارة إلى
ذلك وإلى سائر القوى من الشهوة والغضب ونحوهما انتهى.
أمرين، وهو ظاهر الحديث أيضًا، بخلاف الثاني، فمغاير، لما قبله في واحد، وهو الاشتقاق، (ألا
ترى إلى ما روى أبو موسى،) عبد الله بن قيس الأشعري، (عن النبي عَّ، ومثل هذا القلب،
كمثل ريشة ملقاة بفلاةٍ، يقلبها الريح بطئًا لظهر، قال: والفرق بينه، وبين الفؤاد أن الفؤاد وسط
القلب سمي به لتفؤده،) بالهمز، كما في القاموس، (أي توفده،) زاد القاموس وتحركه، (وفسر
الجوهري القلب بالفؤاد، ثم فسر الفؤاد بالقلب،) فجعلهما مترادفين.
(قال الزركشي، والأحسن، قول غيره: الفؤاد غشاء القلب، والقلب حبته وسويداؤه،)
عطف تفسير الجوهري: سواد القلب حبته، وكذا أسوده، وسويداؤه، وفي كفاية المتحفظ
سويداء القلب، علقة سوداء في وسط القلب، يقال للرجل: اجعل ذلك في سويداء قلبك، (ويؤيد
الفرق، قوله عٍَّ:) ((أتاكم أهل اليمن، (ألين قلوباً، وأرق أفئدة))،) حيث وصف القلوب باللين،
والأفئدة بالرقة، ومرت فيه مباحث نفيسة، (وهو أولى من قول بعضهم، إنه كرر) في الحديث
(لاختلاف اللفظ،) وإن كانا بمعنى واحد، (وقال الراغب: يعبر بالقلب عن المعاني التي تختص
به، كالعلم والشجاعة، وقيل) مما نقل عن بعض الحكماء، (حيثما ذكر اللّه القلب، فإشارة إلى
العقل والعلم، كقوله تعالى: ﴿إن في ذلك لذكرى﴾)، عظة (﴿لمن كان له قلب﴾): عقل
وعلم، (وحيثما ذكر الصدر، فإشارة إلى ذلك) المذكور من العقل والعلم، (وإلى سائر القوى)
التي في الصدر، (من الشهوة، والغضب، ونحوهما، انتهى).

٤٦٦
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
قال بعض العلماء: ولقد خلق الله تعالى الإنسان، وجعل له قلبًا يعقل عنه،
وهو أصل وجوده، إذا صلح قلبه صلح سائره، وإذا فسد قلبه فسد سائره، وجعل
سبحانه القلوب محل السر والإخلاص، الذي هو سر الله يودعه قلب من شاء من
عباده، فأول قلب أودعه إليه قلب محمد عَّه لأنه أول خلق وصورته عَ لَّه آخر
صورة ظهرت من صور الأنبياء، فهو أولهم وآخرهم.
وقد جعل سبحانه وتعالى أخلاق القلوب للنفوس أعلامًا على أسرار القلوب،
فمن تحقق قلبه بسر الله اتسعت أخلاقه لجميع خلق الله، ولذلك جعل الله تعالى
لمحمد مه جثمانية
وفي تمريضه عدم ارتضائه، وفي البيضاوي لمن كان له قلب، أي قلب واعٍ يتفكر في
حقائقه، (قال بعض العلماء: ولقد خلق اللّه تعالى الإِنسان، وجعل له قلبًا يعقل عنه)، أي يدرك
الإِنسان إدراكًا ناشئًا عن تصرف القلب، ففاعل يعقل الإِنسان، وعنه متعلق بمقدر فسقط، ما
عساه، يقال الأولى أن يقول به لا عنه؛ لأنه مبني على أن فاعل يعقل القلب، (وهو أصل) أي:
سبب (وجوده) على الحالة المأمور بها، (إذا صلح،) بضم اللام، وفتحها، (قلبه صلح سائره،)
وحسنت حاله، واعتد بوجوده، فكأنه أحياه من العدم، (وإذا فسد قلبه فسد سائره،) وفسدت
أحواله، وكأنه مات، وإليه أشار في حديث ألا، وأن في الجسد مضغة؛ إذا صلحت صلح
الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا، وهي القلب، (وجعل سبحانه القلوب محل
السر، والإِخلاص، الذي هو سر اللّه، يودعه قلب من شاء من عباده، فأول قلب أودعه إليه قلب
محمد عَِّ، لأنه أول خلق،) أي مخلوق، (وصورته عَّه، آخر صورة ظهرت من صور الأنبياء،
فهو أوّلهم،) أي: المتقدم عليهم بوجود صورته النورية قبل خلق الأشياء كلها، (وآخرهم) ظهورًا
لهذا العالم، إذ لا نبي بعده، (وقد جعل الله سبحانه وتعالى أخلاق القلوب للنفوس، أعلامًا على
أسرار القلوب، فمن تحقق قلبه بسر اللّه،) أي من أودع اللّه تعالى سره في قلبه، بحيث يكون
منقادًا، باطنًا لأوامره، متباعدًا عن نواهيه، (اتسعت أخلاقه لجميع خلق اللّه)،) فيعاملهم برفق،
ولين على مقتضى الحال، فيعامل كل إنسان بما يليق بحاله بغاية الرفق، حتى العصاة ينهاهم عن
معصيتهم، ببيان ما يضرهم، وما ينفعهم، كما قال تعالى: ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب﴾
[آل عمران/١٥٩] الآية، فإذا لم يفد في كفهم عن المعاصي إلاّ الزجر الشديد، عاملهم به، وأقام.
عليهم الحدود ليكفهم عن العود، إلى ما صدر منهم، وذلك من سعة الخلق، لأنه نفع لهم، بل.
قتال الكفار والبغاة من سعة الخلق.
(ولذلك جعل الله تعالى لمحمد عَّ جثمانية») بضم الجيم، وإسكان المثلثة، أي

٤٦٧
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
اختص بها من بين سائر العالمين، فتكون علامات اختصاص جثمانيته آيات دالة
على أحوال نفسه الشريفة وعظيم خلقه، وتكون علامات عظيم أخلاقه آيات على
سر قلبه المقدس. ولما كان قلبه عَّ في أوسع قلب اطلع الله عليه - كما ورد في
الخبر - كان هو الأولى أن يكون هو قلب العبد الذي يقول فيه تعالى: ما وسعني
أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن.
ولما كان كماله قبل الإسراء بمنزلة سائر النبيين كان صدره يضيق، فاتسع
قلبه لما انشرح صدره ووضع عنه وزره
جسمًا على تفسير أبي زيد، وقال الأصمعي: الجثمان هو الشخص، كما في المصباح، (اختص
بها من بين سائر العالمين،) فلا يكون لغيره جثمانية، تماثل جثمانيته في شيء من الصفات
المختصة بها، والياء في جثمانية للمبالغة، لا النسبة؛ إذ المنسوب غير المنسوب إليه، ولا يظهر
التغاير هنا بينهما، (فتكون علامات اختصاص جثمانيته) جسمه، أو شخصه، (آيات دالة على
أحوال نفسه الشريفة، وعظيم خلقه،) بالضم، (وتكون علامات عظيم أخلاقه، آيات على سر قلبه
المقدس) المطهر، (ولما كان قلبه عَّ أوسع قلب اطلع اللّه عليه، كما ورد في الخبر، كان
هو الأولى أن يكون هو قلب العبد، الذي يقول فيه تعالى ما وسعني أرضي، ولا سمائي،
ووسعني قلب عبدي المؤمن).
ذكره الغزالي في الأحياء، بزيادة اللين، الوادع، قال الحافظ العراقي في تخريجه: لم أرّ له
أصلاً، وقال ابن تيمية: هو مذكور في الإِسرائيليات، وليس له إسناد معروف عن النبي علَيه،
ومعناه وسع قلبه الإِيمان بي، ومحبتي، ومعرفتي، وإلاَّ فمن قال إن اللّه يحل في قلوب الناس، فهو
أكفر من النصارى الذين خصوا ذلك بالمسيح وحده، قال السخاوي، وكأنه أشار بما في
الإِسرائيليات إلى ما أخرجه أحمد في الزهد، عن وهب بن منبه، قال: إن اللّه فتح السموات
لحزقيل: حتى نظر إلى العرش، فقال حزقيل: سبحانك ما أعظمك يا رب، فقال الله: إن
السموات والأرض ضعفن عن أن يسعنني، ووسعني قلب المؤمن الوادع اللين، ورأيت بخط
ابن الزركشي، سمعت بعض العلماء يقول: حديث ما وسعني الخ، باطل من وضع الملاحدة،
قلت، وقد روى الطبراني عن أبي عتبة الخولاني، رفعه إن للّه آنية من أهل الأرض، وآنية ربكم
قلوب عباده الصالحين، وأحبها إليه ألينها وأرقها، وفيه بقية بن الوليد مدلس لكنه صرح
بالتحديث اهـ، (ولما كان كماله قبل الإِسراء بمنزلة سائر النبيين، كان صدره يضيق،) كما قال
تعالى: ولقد نعلم أنك يضيق صدرك، بما يقولون من الشرك والطعن في القرءان، والاستهزاء بك،
(فاتسع قلبه، لما انشرح صدره، ووضع:) حط (عنه، وزره) إن لو كان له وزر، وقيل غير ذلك،

٤٦٨
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
ورفع له ذكره.
وقد صح أن جبريل عليه السلام شقه واستخرج منه علقة فقال له: هذا حظ
الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه فأعاده في مكانه.
قال أنس فلقد كنت أرى أثر المخيط في صدره. رواه مسلم.
وإنما خلقت هذه العلقة في ذاته الكريمة ثم استخرجت منه لأنها من جملة
الأجزاء الإنسانية، فخلقها تكملة للخلق الإنساني فلا بد منها، ونزعها أمر رباني
طرأ بعد ذلك، قاله السبكي.
كما يأتي للمصنف، (ورفع له ذكره،) فلا يذكر اللّه ألا ويذكر معه، وهذا صريح في أن هذه
الأحوال؛ إنما حصلت له بعد الإِسراء، وإن نزل ألم نشرح بعده، وقد نص المفسرون على أنها
مكية، وهو محتمل لنزولها بعد الإِسراء، وقبله، (وقد صح أن جبريل عليه السلام شقه،) أي قلبه،
(واستخرج منه علقة،) وفي رواية مضغة: سوداء، فرمي بها، ولا تنافي، فقد تكون العلقة لكبرها
تشبه المضغة، (فقال له: هذا حظ الشيطان منك،) أي هذا هو الموضع الذي يتوصل الشيطان
منه إلى وسوسة الناس، ولا ينافيه قوله منك الجواز تقدير مضاف، أي: من مثلك من بني ادم،
كذلك تكلفه شيخنا، ولا حاجة له مع التصريح بنزعها منه؛ وأنه في حال الطفولية، وهو يلعب مع
الغلمان، كما في مسلم، (ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، فأعاده في مكانه،
قال أنس) راوي الحديث: (فلقد كنت أرى أثر المخيط) بكسر الميم، ما يخاط به (في
صدره،) وظاهره أنه بآلة، وإن الشق كذلك بآلة، ويدل له قول الملك في حديث أبي ذر: خط
بطنه، فخاطه، وفي حديث عتبة: حصه، فحاصه، وقد وقع السؤال عن ذلك، ولم يجب عنه
أحد، ولم أرَ من تعرض له بعد التتبع، وأما قوله:، فأتيت بالسكينة، فوضعت في صدري،
فالصواب، كما قال ابن دحية: تخفيف السكينة، لذكرها بعد شق البطن خلافًا للخطابي، ذكره
الشامي (رواه مسلم).
وكذا الإِمام أحمد عن أنس، (وإنما خلقت هذه العلقة في ذاته الكريمة، ثم استخرجت
منه، لأنها من جملة الأجزاء الإِنسانية،) التي اقتضت الحكمة وجودها في الإِنسان، وإن لم
يحصل بعدمها نقص في صورته ظاهرًا، (فخلقها تكملة للخلق الإِنساني، فلا بدّ منها، ونزعها
أمر رباني، طرأ بعد ذلك.) الخلق، فإخراجها بعد خلقها دل على مزيد الرفعة، وعظيم الاعتناء،
والرعاية من خلقه بدونها، (قاله السبكي) جوابًا لمن سأله عن حكمة ذلك، وقال غيره: لو خلق
سليمً منها لم يكن للآدميين اطلاع على حقيقته، فأظهره اللّه على يد جبريل ليتحققوا كمال

٤٦٩
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وعند أحمد وصححه الحاكم: ثم استخرجا قلبي فشقاه فأخرجا منه علقتين
سوداوين فقال أحدهما لصاحبه ائتني بماء وثلج فغسلا به جوفي ثم قال: ائتني بماء
بَرَد فغسلا قلبي ثم قال: ائتني بالسكينة فذراها في قلبي ثم قال أحدهما لصاحبه
حصه فحاصه وختم عليه بخاتم النبوة.
باطنه، كما برز لهم مكمل الظاهر، (وعند أحمد، وصححه الحاكم) من حديث عتبة بن عبد،
عن النبي عَّه، قال: ((كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا، وابن لها في بهم لنا،
ولم نأخذ معنا زادًا، فقلت: يا أخي إذهب، فأتتنا بزاد من عند أمنا، فانطلق أخي، ومكثت عند
البهم، فأقبل إلى طيران، كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو، قال: نعم، فأقبلا
يبتدراني، فأخذاني، فبطحاني للقفا، فشقا بطني، (ثم استخرجا قلبي، فشقاه، فأخرجا منه
علقتین سوداوين!).
قال الشامي: إحداهما محل غمز الشيطان، والأخرى منشأ الدم الذي، قد يحصل منه
أضرار في البدن، وعلى هذا، فلا حاجة، لما أجيب به عن حديث العلقتين، باحتمال أنها علقة
واحدة انقسمت عند خروجها قسمين، فسمي كل جزء منهما علقة مجازًا، (فقال أحدهما
لصاحبه: ائتني بماء وثلج، فغسلا به جوفي، ثم قال: ائتني بماء برد،) بفتحتين، أي مطر، وهو
حب الغمام، (فغسلا قلبي،) قال السهيلي: حكمة ذلك ما يشعر به من ثلج اليقين، وبرده على
الفؤاد، ولذا حصل له اليقين بالأمر الذي يراد به بوحدانية ربه، (ثم قال ائتني، بالسكينة،)
بالتخفيف (فذراها،) بذال معجمة، بثاها (في قلبي،) وفي حديث أبي ذر عند البزار، وغيره،
وصححه الضياء، ثم دعا بسكينة، كأنها برهرهة بيضاء، فأدخلت قلبي، قال السهيلي: البرهرهة
بصيص البشرة، وزعم الخطابي أنه أراد بها سكينة بيضاء صافية، الحديد متمسكًا بأنه عثر على
رواية فيها، فدعا بسكينة، كأنها درهمة بيضاء، قال ابن الأنباري: هي السكينة المعوجة الرأس
التي تسميها العامة المنجل، بالجيم، قال ابن دحية.
والصواب السكينة، بالتخفيف لذكرها بعد شق البطن، فإنما عنى بها فعيلة، من السكون،
والطمأنينة، وهي أكثر ما تأتي في القرءان، (ثم قال أحدهما لصاحبه: حصه،) بحاء مهملة
مضمومة، بعدها صاد مهملة، أي خطه (فحاصه،) أي خاطه يقال: حاص الثوب يحوصه حوصًا،
إذا خاطه، وهذا لفظ رواية عتبة بن عبد، وفي رواية أبي ذر، خطه فخاطه، بالخاء المعجمة، نقل
فيهما، فما في نسخ هنا، بالخاء المعجمة، نقل بالمعنى، (وختم عليه بخاتم النبوة،) وتقدم
الكلام فيه مستوفي بالمقصد الأوّل.

٤٧٠
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وفي رواية البيهقي أن ملكين جاآني في صورة كركيين معهما ثلج وبرد
وماء بارد فشرح أحدهما صدري، ومج الآخر بمنقاره فيه.
وعن أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله، ما أول ما ابتدئت به من أمر النبوة.
قال: إني لفي صحراء أمشي ابن عشر حجج إذا أنا برجلين فوق رأسي يقول
أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأخذاني فألصقاني لحلاوة القفا ثم شقا
بطني، وكان أحدهما يختلف بالماء في طست من ذهب والآخر يغسل جوفي،
فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فإذا صدري - فيما أرى - مفلوقًا لا أجد له
وجعًا، ثم قال: اشقق قلبه فشق قلبي، فقال أخرج الغل والحسد، فأخرج شبه
العلقة فنبذ به ثم قال: أدخل الرأفة والرحمة قلبه، فأدخل شيئًا كهيئة الفضة، ثم
أخرج
(وفي رواية البيهقي،) عن يحيى بن جعدة مرسلاً يرفعه، (أن ملكين:) هما جبريل،
وميكائيل ( جاآني في صورة كركيين،) وسبق في حديث عتبة، كأنهما نسران، وهو أصح
(معهما ثلج وبرد،) بفتحتين، (وماء بارد، فشرح أحدهما:) لفظ رواية البيهقي، فشق أحدهما
بمنقاره (صدري، ومج الآخر بمنقاره فيه،) فغسله، فإن صحت هذه الرواية، أفادت آلة الشق في
هذه المرة، لكن قال السهيلي: هي رواية غريبة ذكرها يونس عن ابن إسحق، (وعن أبي هريرة
أنه، قال: يا رسول اللّه ما أول ما ابتدئت به من أمر النبوة؟، قال: (إني لفي صحراء أمشي) حال
كوني، (ابن) فهو بالنصب، وبالرفع خبر مبتدأ، أي: وأنا ابن (عشر حجج،) أي سنين (إذا أنا
برجلين،) أي ملكين، في صفة رجلين، وهما: جبريل، وميكائيل (فوق رأسي، يقول أحدهما
لصاحبه: أهو هو، قال: نعم، فأخذاني، فألصقاني،) بالهمز، وفي نسخة لصقاني بدونه، لكنه إنما
يتعدى، بالهمزة، قال المصباح: لصق الشيء من باب تعب، مثل لزق يتعدى، بالهمز، فيقال
ألصقته، وفي نسخة، فألقياني (لحلاوة القفاء) مثلث الحاء، وهو وسطه، (ثم شقا بطني، وكان
أحدهما يختلف بالماء في طست من ذهب، والآخر يغسل جوفي، فقال أحدهما لصاحبه إفلق
صدره،) بكسر الهمزة، واللام، من باب ضرب، (فإذا صدري فيما أرى) نظر، (مفلوقاً لا أجد له
وجمًا))).
زاد في رواية، ولا دماً، (ثم قال: إِشقق قلبه، فشق قلبي، فقال: أخرج الغل،) بالكسر،
الحقد (والحسد) منه، (فأخرج شبه العلقة، فنبذ به، ثم قال: أدخل الرأفة،) أرق الرحمة، قاله
الهروي وغيره، (والرحمة) رقة القلب، وعطفه (قلبه، فأدخل شيئًا، كهيئة الفضة، ثم أخرج

٤٧١
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
ذرورًا كان معه فذر عليه، ثم نقر إبهامي، ثم قال: اغد فرجعت بما لم أغد به من
رحمتي للصغير ورأفتي على الكبير. رواه عبد الله الإمام أحمد في زوائد المسند
وأبو نعيم وقال: تفرد به معاذ عن أبيه، وتفرد بذكر السن.
وعند أبي نعيم في حديث يونس بن ميسرة: فاستخرج حشوة جوفي فغسلها
ثم ذر عليه ذرورًا ثم قال: قلب وكيع يعي ما وقع فيه، عينان تبصران وأذنان
تسمعان وأنت محمد رسول الله المقفي الحاشر
٠
ذرورًا،) بمعجمة: نوع من الطيب، (كان معه، فذر عليه، ثم نقر إبهامي، ثم قال: إغد،) وأسلم،
كما في الرواية، (فرجعت بما لم أغد به من رحمتي للصغير، ورأفتي على الكبير،) والحكمة
في هذا الشق أن العشر قريب من سن التكليف، فشق قلبه، وقدس حتى لا يتلبس بشيء مما
يعاب على الرجال، لكن هل كان في هذه المرة بختم لم أقف عليه في شيء من الأحاديث،
وأما المرات الثلاث، ففي كل مرة منها بختم، كما هو مقتضى الأحاديث، قاله الشامي: (رواه
عبد اللّه، الإِمام أحمد في زوائد المسند) لأبيه، أي: الأحاديث التي رواها من غير أبيه في
مسنده، (وأبو نعيم، وقال: تفرد به معاذ) بن هشام الدستوائي، البصري، صدوق، مات سنة مائتين،
(عن أبيه) هشام بن أبي عبد اللّه الدستوائي، بفتح الدال، وسكون السين المهملتين، وفتح
الفوقية، والمد، ثبت من رجال الجميع، مات سنة أربع وخمسين ومائة، (وتفرد بذكر السن،) أي
قوله ابن عشر حجج، ولكن تفرده، لا يضر، لأنه ثقة، کبقية رجاله، وقد صححه ابن حبان،
والحاكم، والضياء في المختارة، فإن ورد كيف يجعل عَّله من أمر النبوّة ما وقع له في هذا
السن، وإنما كانت بعد الأربعين، أجيب باحتمال أنه لما رأى هذه الحالة العجيبة في صغره، علم
أنه يكون له شأن، واطمأن بما يرد عليه، فلما جاءه الوحي علم أن ذلك كان من اللّه، لا سبيل
للشيطان فيه.
(وعند أبي نعيم في حديث يونس بن ميسرة) بن حلبس، بمهملتين، في طرفيه، وموحدة،
وزن جعفر، وقد ينسب لجده ثقة عابد معمر من الثالثة، أي الوسطي من التابعين، مات سنة اثنتين
وثلاثين ومائة، كما في التقريب، قال: قال رسول اللّه عَ له: ((أتاني ملك بطست من ذهب، فشق
بطني، (فاستخرج حشوة،) بضم الحاء، وكسرها أمعاء (جوفي، فغسلها، ثم ذر عليها ذروراً، ثم
قال: قلب وكيع) واعٍ، أي: متين محكم، ومنه قولهم: سقاء وكيع إذا كان محكم الخرز، قاله
في النهاية، (يعي ما وقع فيه،) متعلق بوقع، و(عينان) مبتدأ حذف خبره، أي له، أو فيه، خبر
مقدم مبتدؤه عينان (تبصران، وأذنان تسمعان،) والجملة صفة ثانية لقوله قلب، كالسبب للأولى
التي هي كونه يحفظ ما وقع فيه، (وأنت محمد رسول اللّه المقفى، الحاشر،) تقدماً فى

٤٧٢
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
قلبك سليم ولسانك صادق ونفسك مطمئنة وخلقك قيم وأنت قثم.
وهذا الشق روي أنه وقع عليه الصلاة والسلام مرات في حال طفوليته
ارهاصًا. وتقديم المعجزة على زمان البعثة جائز للارهاص، ومثل في حق الرسول
عليه الصلاة والسلام كثير. وبه يجاب عن استشكال وقوع ذلك في حال طفوليته
لأنه من المعجزات، ولا يجوز أن تتقدم على النبوة، قاله الرازي.
والذي عليه أكثر أهل الأصول: اشتراط اقتران المعجزة بالدعوى كما نبهت
عليه في أوائل الكتاب، ويأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى في المقصد الرابع.
وهو المراد بقوله: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ [الشرح، ١]، وقد قيل المراد
أسمائه الشريفة، (قلبك سليم، ولسانك صادق، ونفسك مطمئنة، وخلقك قيم، وأنت قثم،) بضم
القاف، وفتح المثلثة، ومنع الصرف، للعلمية والعدل التقديري عن قائم، ومر في الأسماء، (وهذا
الشق روي أنه وقع له عليه الصلاة والسلام مرات) أربعاً، الأولى في بني سعد بن بكر، وهو ابن
أربع سنين عند حليمة، والثانية، وهو ابن عشر، والثالثة عند البعثة، والرابعة عند المعراج، وروى
خامسة، ولا تثبت، كما ذكره المصنف في المقصد الأولّ، كغيره، فقوله: (في حال طفوليته،)
ظرف لمقدر، لا لمرات، أي بعضها في حال طفوليته، وهو الأولى والثانية، (إرهاصاً) تقوية،
وتأسيساً للنبوة، (وتقديم المعجزة،) أي الأمر الخارق للعادة.
(على زمان البعثة جائز للإِرهاص،) كذا أوّله شيخنا، قائلاً: لما يأتي أن الراجح اشتراط
اقتران المعجزة بالدعوى، وفيه أن هذا كلام الرازي، وهو ماش على غير الراجح، فلا معنى لرده
إليه، (ومثل هذا في حق الرسول عليه الصلاة والسلام كثير، وبه يجاب عن استشكال وقوع
ذلك في حال طفوليته، لأنه من المعجزات، ولا يجوز أن تتقدم على النبوّة، قاله الرازي): الإمام
فخر الدين، (والذي عليه أكثر أهل الأصول اشتراط اقتران المعجزة بالدعوى،) اعتراض على
قوله من المعجزات، فالخوارق الواقعة قبل الرسالة، إنما هي كرامات، والأنبياء قبل النبوة،
لا يقصرون عن درجة الأولياء، فيجوز ظهورها عليهم، وتسمى إرهاصًا، وبقي عليه كيف يجمع
بين إرهاص، ومعجزة، مع تغاير الموضوعين، لأن مذهبه تسمية الكل معجزة، وأن ما قبل النبوة
يسمى إرهاصًا أيضًا، كما يسمى معجزة، (كما نبهت عليه في أوائل الكتاب) في قصة الفيل،
(ويأتي تحقيقه إن شاء اللّه تعالى في المقصد الرابع، وهو،) أي شق صدره الشريف، (المراد
بقوله) تعالى: ((ألم نشرح لك صدرك)) [الإِنشراح/١]، وقد قيل المراد بالشرح

٤٧٣
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
بالشرح في الآية ما يرجع إلى المعرفة والطاعة. ثم ذكروا في ذلك وجوهًا منها أنه
لما بعث الأحمر والأسود من جني وإنسي أخرج تعالى عن قلبه جميع الهموم،
وانفتح صدره حتى اتسع لجميع المهمات، فلا يقلق ولا يضجر بل هو في حالتي
البؤس والفرج منشرح الصدر مشتغل بإداء ما كلف.
فإن قلت: لم قال: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ ولم يقل: قلبك.
وأجيب: بأن محل الوسوسة الصدر، كما قال تعالى: ﴿يوسوس في صدور
الناس﴾ [الناس/ ٥] فإزالة تلك الوسوسة وإبدالها بدواعي الخير هي الشرح، لا
جرم خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب.
وقد قال محمد بن علي الترمذي: القلب محل العقل والمعرفة، وهو الذي
يقصده الشيطان، يجيء إلى الصدر الذي هو حصن القلب فإذا دخل مسلكًا أغار
فيه وأنزل جنده فيه وبث فيه الهموم والغموم والحرص فيضيق القلب حينئذٍ، ولا
يجد للطاعة لذة، ولا للإسلام حلاوة، وإذا طرد العدو في الابتداء حصل الأمن
في الآية: ما يرجع إلى المعرفة والطاعة،) فكأنه، قيل ألم نفتح، ونوسع، ونلين قلبك بالإِيمان،
والنبوّة، والعلم، والحكمة، وبهذا جزم البغوي.
(ثم ذكروا في ذلك وجوهًا، منها أنه، لما بعث الأحمر والأسود،) كما في الحديث،
فقيل المراد العرب، والعجم، وقيل الإِنس والجن، وعليه جرى في قوله: (من جني، وإنسى
أخرج تعالى عن قلبه جميع الهموم، وانفتح صدره حتى اتسع جميع المهمات، فلا يقلق،
ولا يضجر، بل هو في حالتي البؤس والفرح منشرح الصدر، مشتغل بإداء ما كلف، فإن قلت لم
قال: ﴿ألم نشرح لك صدرك)، ولم يقل قلبك) مع إن الشرح، أي: الشق وقع فيه، (وأجيب
بأن محل الوسوسة الصدر، كما قال تعالى: ﴿يوسوس في صدور الناس﴾ [الناس/٥]،
فإزالة تلك الوسوسة، وإبدالها بدواعي الخير هي الشرح) الحقيقي، (لا جرم) حقًّا، (خص ذلك
الشرح بالصدر دون القلب، وقد قال محمد بن علي) الحكيم، (الترمذي،) الحافظ، الزاهد،
الواعظ، صاحب التصانيف: (القلب محل العقل والمعرفة،) كما عليه جماهير العلماء والأئمة،
خلافًا لمن، قال محله الرأس، كالفلاسفة وبعض الأئمة، (وهو الذي يقصده الشيطان، يجيء إلى
الصدر الذي هو حصن القلب، فإذا دخل مسلكًا أغار فيه، وأنزل جنده فيه، وبث فيه الهموم
والغموم والحرص، فيضيق القلب حينئذٍ، ولا يجد للطاعة لذة) إذا أتى بها، (ولا للإِسلام
حلاوة،) كما يجد ذلك الصديقون المتمكنون، (وإذا طرد العدو في الابتداء حصل الأمن، وزال

٤٧٤
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وزال الضيق وانشرح الصدر وتيسر له القيام بأداء العبودية.
ولههنا دقيقة:
قال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: ﴿رب اشرح لي صدري﴾ [طه/
٢٥] وقال لنبينا محمد عَّ: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ أعطي بلا سؤال، ثم إنه
تعالى نعته عليه الصلاة والسلام فقال: ﴿وسراجًا منيرًا﴾ فانظر إلى التفاوت، فإن
شرح الصدر هو أن يصير قابلاً للنور، والسراج المنير هو الذي يقتبس منه النور
فالفرق بينهما واضح.
قال الدقاق: كان موسى عليه السلام مريدًا إذ قال: ﴿رب اشرح لي
صدري﴾ ونبينا عَ ◌ّه مراد إذ قال الله له: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ والله أعلم.
وأما جماعه عَِّ فقد كان يدور
الضيق، وانشرح الصدر،) اتسع، (وتيسر له القيام بأداء العبودية،) ووجد لذة الطاعة وحلاوة
الإِيمان، (ولههنا دقيقة)، نكتة لطيفة من الدقة، خلاف الغلظ، (قال تعالى حكاية عن موسى
عليه السلام، ﴿رب إشرح لي صدري﴾، وقال لنبينا محمد عَّه، ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾،
أعطي، بلا سؤال) ..
قال الزمخشري: استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار مبالغة في إثبات الشرح
وإيجابه، فكأنه، قيل شرحنا لك صدرك، ولذا عطف عليه، ووضعنا اعتبارًا للمعنى، قال الطيبي:
أي أنكر عدم الشرح، فإذا أنكر ذلك ثبت الشرح، لأن الهمز للإِنكار، والإِنكار نفي، والنفي إذا
دخل على النفي عادا ثباتًا، ولا يجوز جعل الهمزة للتقرير انتهى، أي لأن التقرير سؤال مجرد، إذ
هو حمل المخاطب على الاعتراف بأمر استقر عنده ثبوته، أو نفيه، فلا يحسن عطف ووضعنا
عليه، (ثم إنه تعالى نعته عليه الصلاة والسلام، فقال: ﴿وسراجًا منيرًا﴾ [الأحزاب/٤٦]،
فانظر إلى التفاوت) بين مقامي موسى، ومحمد عَّه عليهما، (فإن شرح الصدر هو أن يصير
قابلاً للنور، والسراج المنير هو الذي يقتبس منه النور،) فهو أعلى، (فالفرق بينهما واضح).
(قال الدقاق) أبو علي: (كان موسى عليه السلام مريدًا إذ قال: ﴿رب إشرح لي
صدري﴾، ونبينا عَّ مرادًا، إذ قال اللّه له (ألم نشرح لك صدرك)))) وفرق بين المراد
والمريد، (والله أعلم، وأما جماعه عَ لّه)) أي: قدرته عليه، فكانت إلى الغاية، ودليله قوله: (فقد
كان يدور،) فالجواب محذوف، والفاء للتعليل، أو أنه نفس الجواب، باعتبار ما دل عليه من ثبوت
غاية القوة له.

٤٧٥
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة،
وقد ذكروا الوجهين في نحو قوله تعالى: ﴿إنه من عمل منكم سوءًا بجهالة، ثم تاب من
بعده، وأسلح، فأنه غفور رحيم﴾ [الأنعام/٥٤]، ويدور كناية عن الجماع، من دار على
كذا، وطاف به إذا مشى حوله، وفي رواية يطوف (على نسائه،) أي: يجامعهن في غسل واحد،
كما أخرجه الترمذي، وقال حسن صحيح، وروى أبو داود، والنسائي، عن أبي رافع، أنه عَّ.
طاف ذات يوم على نسائه، يغتسل عند هذه، وعند هذه، فقلت: يا رسول اللّه ألا تجعله غسلاً
واحدًا؟، فقال: ((هذا أزكى، وأطيب، وأطهر))، وأجمعوا على أن الغسل بينهما، لا يجب، وفي
استحباب الوضوء، وعدمه، ووجوبه أقوال الجمهور على الاستحباب لقوله عَ له: ((إذا أتى أحدكم
أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضأ بينهما وضوءًا)، رواه مسلم. زاد ابن خزيمة: فإنه أنشط للعود، ففيه
أن الأمر ندب، ويدل له أيضًا قول عائشة: كان عَّ يجامع، ثم يعود، ولا يتوضأ رواه الطحاوي،
ثم اختلفوا هل المراد الوضوء اللغوي، وهو غسل الفرج؟، لأن في رواية، فليغسل فرجه، أو
الحقيقي لما عند ابن خزيمة، فليتوضأ وضوءًا للصلاة (في الساعة الواحدة،) المراد بها قدر من
الزمان، لا ما اصطلح عليه أصحاب الهيئة، قاله الحافظ، وتبعه العيني، وهو الظاهر، كما في
ساعة الجمعة، لأن ذلك غير متعارف عندهم، ويحتمل أن يراد بها ما يتعارفه الناس، قاله بعض
الشراح، وكأنه أراد بالناس العامة في تقليل الساعة، كقولهم جاء وراح في ساعة، ومغايرته، لما
قبله تقليلها عن قدر من الزمان (من الليل والنهار،) الواو بمعنى، أو جزم به الكرماني، ويحتمل
أنها على بابها، بأن تكون تلك الساعة جزا من آخر أحدهما، وجزا من أول الآخر، قاله الحافظ،
قال بعضهم: نعم یحتمل ذلك، لكنه تكلف بعيد جدًا، انتهى.
(وهن إحدى عشر(ء) كذا في رواية هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أنس، وفي رواية
سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس في البخاري أيضًا: تسع نسوة، وجمع ابن حبان، فحمل
ذلك على حالتين، لكنه وهم في قوله كانت الأولى أول قدومه المدينة، حيث كان تحته تسع
نسوة، والحالة الثانية في آخر الأمر، حيث اجتمع عنده إحدى عشرة امرأة، وموضع الوهم أُنه،
لما قدم المدينة لم يكن تحته سوى سودة، ثم دخل على عائشة، ثم تزوج أم سلمة، وحفصة،
وزينب بنت خزيمة في الثالثة والرابعة، ثم زينب بنت جحش في الخامسة، ثم جويرية، في
السادسة، ثم صفية وأم حبيبة وميمونة في السابعة، واختلف في أن ريحانة زوجة، أو أمة، وماتت
قبله، سنة عشر عند الأكثر، وزينب بنت خزيمة مكثت عنده شهرين، أو ثلاثة، وماتت قاله
ابن عبد البر، فلم يجتمع عنده أكثر من تسع زوجات، مع إن سودة كانت وهبت يومها لعائشة،
فرجحت رواية سعيد، لكن تحمل رواية هشام على أنه ضم مارية، وريحانة إليهن، وأطلق عليهن

٤٧٦
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
قال الراوي قلت لأنس: أو كان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوّة ثلاثين.
رواه البخاري.
وعند الاسماعيلي عن معاذ: قوّة أربعين زاد أبو نعيم عن مجاهد: كل رجل
من رجال أهل الجنة.
لفظ نسائه تغليبًا، وبه استدل ابن التين، لقول لملك بلزوم الظهار من الإِماء، لإِطلاقه على الجميع
لفظ نسائه، وتعقب بأنه تغليب، فلا حجة فيه للمدعي، واستدل به ابن المغير على جواز وطء
الحرة بعد الأمة، من غير غسل بينهما، ولا غيره، والمنقول عن ملك أنه يتأكد الاستحباب في
هذه الصورة، يمكن أن ذلك وقع لبيان الجواز، فلا يدل على عدم الاستحباب.
واستدل به البخاري، في كتاب النكاح، على استحباب الاستكثار من النساء، وأشار فيه
إلى أن القسم لم يكن واجبًا عليه، وهو قول طوائف من العلماء، وقال الأكثر بوجوبه، فاحتاجوا
للجواب، بأنه كان برضا صاحبة النوبة، كما استأذنهن أن يمرض في بيت عائشة، وباحتمال أن
ذلك كان يقع عند استيفاء القسمة، ثم يستأنفها، أو عند إقباله من سفر، أو قبل وجوب القسم
علیه.
وأغرب ابن العربي، قال: خص اللّه نبيه بأشياء منها: إنه أعطاه ساعة في كل يوم، لا يكون
لأزواجه فيها حق، حتى يدخل على جميعهن، فيفعل ما يريد، ثم يستقر عند من لها النوبة،
وكانت تلك الساعة بعد العصر، فإن اشتغل عنها كانت بعد المغرب، ويحتاج إلى ثبوت ما ذكر
مفصلاً، قاله في فتح الباري.
(قال الراوي:) لهذا الحديث، وهو قتادة بن دعامة الأكمة المفسر: (قلت لأنس، أو كان
يطيقه،) بفتح الواو، وهو مقول قتادة، والهمزة للاستفهام، قاله الحافظ والواو عاطفة على مقدر،
أي أكان يفعل ذلك، ويطيق الدوران، (قال) أنس: (كنا) معشر الصحابة (نتحدث أنه) عَّ
(أعطي)، بضم الهمزة، وكسر الطاء، وفتح الياء، (قوّة ثلاثين) رجلاً، فمميز ثلاثين محذوف،
ولعل تحدثهم بذلك الخبر، بلغهم عنه (رواه البخاري) في الغسل حدثنا محمد بن بشار، حدثنا
معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، قال: حدثنا أنس، قال: كان النبي يدور، فذكره (وعند
الإِسمعيلي،) في مستخرجه، (عن معاذ) هشام الدستوائي، عن أبيه، عن قتادة عن أنس: (قوّة
أربعین) بدل ثلاثین.
قال الحافظ: وهي شاذة من هذا الوجه، لكن في مراسيل طاوس مثل ذلك، وزاد في
الجماع، وفي صفة الجنة، لأبي نعيم من طريق مجاهد، مثله، و(زاد أبو نعيم عن مجاهد: كل
رجل من رجال أهل الجنة،) وعنده أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو، رفعه: أعطيت قوة أربعين

٤٧٧
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وعن أنس مرفوعًا: يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا في الجماع،
قلت يا رسول الله، أو يطيق ذلك؟ قال: يعطى قوة مائة. قال الترمذي صحيح غريب
لا نعرفه من حديث قتادة إلا من حديث عمران القطان.
فإذا ضربنا أربعين في مائة بلغت أربعة آلاف، وبهذا يندفع ما استشكل من
كونه عَ ◌ّله أوتي قوة أربعين فقط وسليمن عليه السلام قوة مائة رجل أو ألف على
ما ورد.
وذكر ابن العربي: أنه كان له عَِّ القوة الظاهرة على الخلق في الوطء،
وكان له في الأكل القناعة، ليجمع الله له الفضيلتين في الأمور الاعتبارية كما
جمع له الفضيلتين في الأمور الشرعية،
في البطش والجماع، (وعن أنس مرفوعًا يعطي المؤمن في الجنة قوة كذا، وكذا في الجماع،
قلت يا رسول اللّه، أو يطيق ذلك؟) استفهام تعجبي استعظم ذلك عليهم، أو حقيقي بتقدير،
بلا كلفة أم يتكلفه، (قال: يعطي) كل واحد من أهل الجنة (قوة مائة) رجل من أهل الدنيا، وهو
ظاهر في استوائهم في ذلك، وعند أحمد، والنسائي وصححه الحاكم عن زيد بن أرقم، رفعه أن
الرجل من أهل الجنة ليعطي قوة مائة في الأكل، والشرب، والجماع، والشهوة.
(قال الترمذي: صحيح غريب،) لا ينافي الصحة، لأن الغرابة من حيث تفرد راويه، كما
أفاده بقوله: (لا نعرفه من حديث قتادة) ابن دعامة بن قتادة السدوسي البصري، ثقة ثبت من رجال
الجميع، يقال: ولد أكمه مات سنة بضع عشرة ومائة، (إلاّ من حديث عمران، القطان،) البصري،
صدوق، يهم، روى له أصحاب السنن، ومات بين الستين والسبعين بعد المائة، (فإذا ضربنا أربعين
في مائة بلغت أربعة آلاف، وبهذا يندفع ما استشكل من كونه عَّةٍ، أوتي قوة أربعين فقط،
وسليمن عليه السلام قوة مائة رجل، أو ألف على ما ورد،) فإن مثار الإِشكال حملهما على
رجال الدنيا، وليس كذلك، بل ما ورد في سليمن محمول على رجال الجنة، كما ورد، وذلك
بأربعة آلاف، فقد زاد على سليمن بكثير، فطاخ الإِشكال.
(وذكر ابن العربي، أنه كان له عَّة القوة الظاهرة على الخلق في الوطء، وكان له في
الأكل القناعة،) فأكثر أكله بلغة، (ليجمع اللّه له الفضيلتين في الأمور الاعتبارية،) أي التي
تعتبرها العامة، ويعتنون بشأنها، وتعدها صفة كمال، وليس المراد الاعتبار اللغوي، وهو الاختيار،
والامتحان، والاتعاظ، والتذكر، والاعتداد بالشيء في ترتب الحكم عليه، وتطلق عند النحاة على
خلاف الحقيقة، كالجنس، والفصل، والنوع، فلا معنى لشيء من ذلك هنا، وفي نسخة
الاعتيادية، بتحتية ودال مهملة، أي المعتادة، (كما جمع له الفضيلتين في الأمور الشرعية،)

٤٧٨
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
حتی یکون حاله كاملاً في الدارين. انتهى.
وطاف عليه الصلاة والسلام على نسائه التسع ليلة. رواه ابن سعد.
وروي أنه عَِّ قال: أتاني جبريل بقدر فأكلت منها فأعطيت قوة أربعين
رجلاً في الجماع رواه ابن سعد: حدثنا عبيد الله بن موسى عن أسامة بن زيد عن
صفوان بن سليم مرسلاً وروى من حديث أبي هريرة: شكا رسول الله عَ ◌ٍّ إلى
جبريل قلة الجماع فتبسم
وهما ما شارك أمته فيه، وما خص به من الأحكام، وكل ما يقربه إلى اللّه، مما لم يطلع عليه
أحد من الخلق، (حتى يكون حاله كاملاً في الدارين، انتهى).
كلام ابن العربي: (وطاف عليه الصلاة والسلام، على نسائه التسع ليلة،) وفي نسخة في
ليلة، (رواه ابن سعد،) وهي من جملة ما شمله حديث أنس، (وروى أنه عَّه، قال: ((أتاني
جبريل بقدر،) بكسر، فسكون، إناء يطبخ فيه، وهي مؤنثة، وتصغيرها قدير، بلا هاء، على غير
قياس، قاله الجوهري، (فأكلت منها) بإذن إذ وضع الطعام إذن، وظاهره أنه من الجنة، ولا مانع أن
طعامها يخرج إلى الدنيا، لكنه يسلب الخصوصية في حق غير نبينا، (فأعطيت قوة،) أي قدرة
(أربعين))) فهي صفة الاقتدار على الشيء، وهي من أعلى صفات الكمال، قال تعالى في جبريل:
ذي قوة (رجلاً،) تمييز أربعين، وفي رواية: حذفه، أي من رجال الجنة، كما مرّ (في الجماع)
قيد به، ليدل على أولوية القوة في غيره، إذ هو محل العجز غالبًا، وخصوصًا عند الكبر، ولم
يتعرض في هذا الحديث لجنس المأكول، الذي في القدر، وهو هريسة إن سلم الآتي من
الوضع، وإلاّ، فلا يعلم ما في القدر، (رواه ابن سعد) في طبقاته، فقال: (حدثنا عبيد اللّه،) بضم
العين، (ابن موسى) بن باذام العبسي، بموحدة، أبو محمد، ثقة، كان يتشيع، روى له الستة (عن
أسامة بن زيد) الليثي، مولاهم، المدني، صدوق يهم روي له مسلم والأربعة، مات سنة ثلاث
وخمسين ومائة، وهو ابن بضع وسبعين سنة، (عن صفوان بن سليم،) بضم السين، المدني، أبي
عبد الله الزهري، مولاهم التابعي، الصغير، ثقة، مفت عابد، رمي بالقدر روي له الأئمة الستة،
مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وله اثنتان وسبعون سنة، قيل: لم يضع جنبه الأرض أربعين سنة
حتى نقبت جبهته من السجود، (مرسلاً،) ووصله أبو نعيم، والديلمي، عن صفوان، هذا عن
عطاء بن يسار، عن أبي هريرة رفعه، لكن فيه سفين بن وكيع، قال أبو زرعة الرازي: كان يتهم
بالكذب، وأورده ابن الجوزي في الموضوع، ونوزع بأن له شواهد، فلهذا اقتصر المصنف على
رواية: إرساله لصحة سنده.
(وروي من حديث أبي هريرة، شكا رسول اللّه عَّةٍ إلى جبريل قلة الجماع، فتبسم

٤٧٩
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
جبريل حتى تلألأ مجلس رسول الله عَ له من بريق ثنايا جبريل فقال له: أين أنت
من أكل الهريسة فإن فيه قوّة أربعين رجلاً.
ومن حديث حذيفة بلفظ أطعمني جبريل الهريسة أشد بها ظهري وأتقوى
بها على الصلاة. رواه الدارقطني.
وروى من حديث جابر بن سمرة وابن عباس وغيرهم.
وكلها أحاديث واهية. بل صرح الحافظ بن ناصر الدين في جزء له سماه
رفع الدسيسة بوضع حديث الهريسة بأنه موضوع.
وروي أنه عليه الصلاة والسلام أعطي قوة بضع وأربعين رجلاً من أهل
الجنة،
جبريل حتى تلألأ،) أي امتلأ بالنور (مجلس رسول اللّه عَ لَّه، من بريق») أي لمعان (ثنايا جبريل،
فقال له: أين أنت من أكل الهريسة، فإن فيه،) أي الأكل بمعنى المأكول، والهريسة بدل منه،
وفي نسخة، فإن فيها، أي: الهريسة (قوة أربعين رجلاً؟،) وأخذ من هذا وما أشبهه، أنه يستحب
للرجل تناول ما يقوّي شهوته لاستكثار الوقاع، كالأدوية المقوّية للمعدة لتعظم شهوتها للطعام،
◌َّه، إنما فعله، لأنه كان عنده من النساء عدد
وكالأدوية المثيرة للشهوة، ورده الغزالي؛ بأنه
كثير، ويحرم على غيره نكاحهن إن طلقهن، أو مات عنهن، فكان طلبه القوة لهذا المعنى،
لا للتنعم، والتلذذ، مع أنه، لا یشغل قلبه عن ربه شيء، فلا تقاس الملائكة بالحدادین، قال: وما
مثال من يفعل ما يعظم شهوته، إلاّ كمن، بلى بسباع ضارية، وبهائم عادية، فتنام عنه أحيانًا،
فيحتال لإِثارتها، وتهييجها، ثم يشتعل بعلاجها، وإصلاحها، فإن شهوة الطعام، والوقاع على
التحقيق آلام يراد التخلص منها اهـ
(ومن حديث حذيقة، بلفظ: ((أطعمني جبريل الهريسة))،) وهي ما يجعل من قمح، ولحم
يطبخان معًا، ((أشد بها ظهري))) زاد الطبراني لقيام الليل ((وأتقوّى بها على الصلاة))، رواه
الدارقطني،) والطبراني، وفيه محمد بن الحجاج، اللخمي، هو الذي وضع هذا الحديث، ذكره
المصنف في الفصل الثالث من ذا المقصد، (وروي من حديث جابر بن سمرة، وابن عباس،
وغيرهم) بالجمع، على أن أقله إثنان، أو بالنظر لعوده للمذكورين، قبل ذين، أعني أبا هريرة
وحذيفة، (وكلها أحاديث واهية،) ولذا أوردها ابن الجوزي، في الموضوعات، (بل صرح الحافظ
ابن ناصر الدين في جزء له سماه، رفع الدسيسة بوضع حديث الهريسة، بأنه موضوع) متعلق
بصرح، (وروى أنه عليه الصلاة والسلام أعطي قوة بضع وأربعين رجلاً من أهل الجنة،) وعليه،
فتزيد قوّته على أربعة آلاف ولم يبين قدر الزائد، إذ البضع من ثلاثة لعشرة، وفيه تقوية لمذهب

٤٨٠
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
رواه الحرث بن أبي أسامة.
وقد حفظه الله تعالى من الاحتلام ذكر هنا للمناسبة من حيث أن الجماع
كما يكون يقظة يكون في النوم، فعن ابن عباس قال: ما احتلم نبي قط، وإنما
الاحتلام من الشيطان، رواه الطبراني.
وأما قدمه الشريف عَّ فقد وصفه غير واحد بأنه كان شئن القدمين، أي
غليظ أصابعهما. رواه الترمذي وغيره.
وعن ميمونة بنت كردم قالت: رأيت رسول الله عَّةٍ فما نسيت طول أصبع
قدميه السبابة على سائر أصابعه، رواه أحمد والطبراني.
وعن جابر بن سمرة: قال كانت خنصر رسول الله عٍَّ من رجله
بعض مشايخ اللغة، في استعمال البضع فيما زاد على عشرين. (رواه الحرث بن أبي أسامة) في
مسنده، (وقد حفظه اللّه تعالى من الاحتلام، ذكر هنا للمناسبة من حيث أن الجماع، كما
يكون يقظة يكون في النوم،) لكن جماع الأنبياء إنما هو يقظة، (فعن ابن عباس، قال: ما احتلم
نبي قط،) لأنه من تلاعب الشيطان، ولا سلطان له عليهم، ولذا، قال: (وإنما الاحتلام من
الشيطان رواه الطبراني) موقوفاً، وحكمة الرفع، (وأما قدمه الشريف عَّةٍ)) أي صفته، (فقد
وصفه غير واحد،) كعلي، وهند، وأنس، وضمير، وصفه للنبي لقوله: (بأنه كان شئن،) بفتح
المعجمة، وإسكان المثلثة، ونون، (القدمين، أي غليظ أصابعهما) مع غاية النعومة، (رواه
الترمذي، وغيره).
ولا يرجع ضميره للقدم، إذ يصير المعنى وصفوا القدم، بأنه كان شئن القدمين، وهذا
باطل، وفي رواية: ضخم القدمين، وأخرى منهوس العقب، وتقدمًا في كلام المصنف، وقدمنا أنه
يروى منهوس بالإِهمال والإِعجام، (وعن ميمونة بنت كردم،) بفتح الكاف، وسكون الراء، وفتح
الدال، المهملة، بزنة جعفر الثقفية، صحابية صغيرة، لها حديث، ابنة صحابي حديثها، عند أهل
الطائف، لا عند أهل البصرة، كما ادعى ابن عبد البرّ نبه عليه في الإصابة، إلاّ أن يجاب بأن
مراده يزيد بن هرون، راويه عن أهل الطائف، لأنه بصري واسطي، كما يأتي، وأصحاب الحديث
يقولون: لم يرَ، وهذا غير أهل البصرة، ويريدون واحدًا من أهلها، كما في الإِلفية، (قالت: رأيت
رسول اللّه عَّل، فما نسيت طول أصبع قدميه السبابة) بدل من أصبع، أي ما نسيت طول كل
أصبع من أصبعي قدميه السبابتين (على سائر،) أي باقي (أصابعه، رواه أحمد، والطبراني) في
حديث طويل، (وعن جابر بن سمرة، قال: كانت خنصر،) بالكسر، (رسول اللّه مَّل من رجله