النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٣٩
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
أي أعطوا.
والثبجة: بالمثلثة ثم موحدة ثم جيم مفتوحات، وقد تكسر الموحدة، أى .
أعطوا الوسط في الصدقة لا من خيار المال ولا من رذالته.
وفي السيوب : - بضم المهملة والمثناة التحتية وواو وآخره موحدة - أي:
الركاز، قاله الهروي، وقيل: المال المدفون في الجاهلية والمعدن.
ومن زنى مم بكر : - بكسر الراء بلا تنوين، لأن أصله من البكر، لكن أهل
اليمن يبدلون لام التعريف ميمًا، وهي ساكنة فأدغمت النون فيها، والمراد بالبكر
الجنس،
نون، (أي: أعطوا) بلغة اليمن، أو بني سعد، وقرىء شاذًا: إنا أنطيناك، وروي في الدعاء: لا مانع،
لما أنطيت، (والثبجة، بالمثلثة، ثم الموحدة، ثم جيم مفتوحات) آخرها، للنقل من الإسمية
للوصفية، (وقد تكسر الموحدة) مع خفة الجيم، كما أفاده التجاني، أما مع شدها ففيه نظر،
كما قال البرهان، (أي: أعطوا الوسط في الصدقة، لا من خيار المال، ولا من رذالته،) بفتح
الراء، على تقدير مضاف، أي: من ذي رذالته، وبضمها، بلا تقدير، فالرذالة بالضم ما انتقى جيده،
كما في القاموس، (وفي السيوب، بضم المهملة، والمثناة التحتية، وواو، وآخره موحدة)، جمع
سيب، (أي: الركاز، قاله الهروي،) بمهملة، وكاف، وزاي بزنة كتاب، بمعنى مركوز، وهو المال
المدفون الجاهلي، من ركز الرمح إذا غرزه في الأرض، وأقره، أو من الركز، وهو الإخفاء، قال
تعالى: ﴿أو تسمع لهم ركزًا﴾ [مريم: ٩٨]، أي: صوتًا خفيفًا، وسمي سببًا، لأنه عطية من
اللَّه تعالى، إذ السيب لغة العطاء، وقيل: هو الذهب والفضة المدني من تسيب، بمعنى تكوّن من
غير صاحب له، فكأنه مسيب، فأطلق على كل جزء منه سبب، فجمع، ثم أطلق عليه الركاز.
(وقيل:) السيوب (المال المدفون في الجاهلية، والمعدن،) فهو على هذا أعم من
الركاز، لإطلاقه على المعدن، فيشترك القولان في إطلاقه على المال المدفون في الجاهلية،
ويختص الثاني بإطلاقه على المعدن، (ومن زنى مم بكر، بكسر الراء، بلا تنوين، لأن أصله من
البكر، لكن أهل اليمن يبدلون لام التعريف ميمًا، وهي ساكنة، فأدغمت النون فيها،) وفي جواز
الإدغام نظر، فإنه إذا كان الأصل أل، فهمزته همزة وصل، تثبت في الابتداء، والخط، وتسقط
في الدرج لفظًا، وثبوتها خطًا فاصلاً بين النون، واللام، فيمنع الإدغام، ويمكن الجواب بأن
الألف حذفت تخفيفًا، كحذفها في بسم اللَّه، فاتصلت النون، بالميم خطًا، ولفظًا، فأدغمت، إذ
لم يبق مانع من الإدغام، (والمراد بالبكر الجنس،) لأن بكر نكرة عامة لوقوعها في سياق.

٤٤٠
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقال ابن الأثير: أي من بكر ومن ثيب، فقلبت النون الساكنة ميمًا، أما مع بكر
فلأن النون إذا سكنت قبل الباء فإنها تقلب ميمًا في النطق، نحو: عنبر وشنباء،
وأما مع غير الباء فإنها لغة يمانية، كما يبدلون الميم من لام التعريف. انتهى.
وفاصقعوه: بهمزة وصل وإسكان الصاد المهملة، وفتح القاف وضم العين
المهملة، أي أضربوه.
واستوفضوه: بهمزة وصل وكسر
الشرط.
(وقال ابن الأثير، أي: من بكر، ومن ثيب، فقلبت النون الساكنة ميمًا، أما مع بكر فلأن
النون، إذا سكنت قبل الباء، فإنها تقلب ميمًا في النطق،) سواء كان من كلمة (نحو عنبر
وشنباء) كحمراء، وهي المرأة التي كثر ماء أسنانها ورقيه، وعذوبته، أو من كلمتين، نحو من
بكر، (وأما مع غير الباء، فإنها لغة يمانية، كما يبدلون الميم من لام التعريف،) نحو: ليس من
أميرًا مصيام في امسفر، قال: أعني ابن الأثير، فإما أن يكون ما نحن فيه من الثاني، وأصله من
البكر، فحذفت نون من فبكر غير منوّن، واستعمل البكر موضع الإبكار، والأشبه أن يكون نكرة
منوّنة وأبدل نون من ميمًا (انتهى) كلام ابن الأثير، واعترض بأن كون بكر بمعنى إبكار، لأجل
من التبعيضية، فتقديره من زنى من الإبكار، ويجوز أنها لبيان الجنس، فبكر على أصلها، ومع هذا
يحتمل أنه بمعنى الإبكار أيضًا، لأن في معنى العموم، ثم قلبت النون ميمًا على نهج الإقلاب
التجريدي، لا يتأتى في قوله مم ثيب، فلذا قال الشمني أنه من باب الازدواج، والمشاكلة،
كقولهم: ما قدم وحدث، بضمهما، مع أن حدث بالفتح.
وقال التجاني: قلبت النون ميمًا، لأنها تعاقبها كثيرًا، كقولهم: بنان، وبنام، وقال الدلجي:
بكر نكرة عامة، لوقوعها في سياق الشرط، فراؤها منونة، وأبدلت فيه نون من ميمًا، لكثرة
استعمالهم ذلك لفظًا، نحو: من ماء دافق أنزلناه، من ماء مما كانا فيه، سيما إذا كان بعدها باء،
كما هنا، ولو كان معرفة، لقال بلغتهم، ومن زنى من امبكر، كما قال ليس من امبرا مصيام في
امسفر، ومن الجارة تبعيضية، أو بيانية، مفسرة للاسم المبهم الشرطي، أي: ومن زنى من الإبكار،
(وفاصقعوه بهمزة وصل، وإسكان الصاد المهملة، وفتح القاف، وضم العين المهملة، أي:
اضربوه،) ويقال: بالسين أيضًا من الصقع، وهو الضرب، وأصله الضرب على الرأس، وقيل:
الضرب ببطن الكف، ونقل التلمساني أن بعض الشراح ضبطه، بالفاء بدل القاف، يقال: صفعت
فلانًا، أصفعه إذا ضربت قفاه، ورجل مصيفعاني يفعل به ذلك، (واستوفضوه، بهمزة وصل، وكسر

٤٤١
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
الفاء وضم الضاد المعجمة، أي غربوه وانفوه.
وفضرجوه: بالضاد المعجمة وتشديد الراء وبالجيم.
وبالأضاميم: بفتح الهمزة والضاد المعجمة، أي أدموه بالضرب بجماهير
الحجارة.
ولا توصيم: بصاد مهملة مكسورة، أي لا كسل عن إقامة الحدود.
ولا غمة: بضم الغين المعجمة وتشديد الميم، أي لا تستر ولا تخفی.
ويترفل: بتشديد الفاء المفتوحة: يتسوّد ويترأس، استعارة من ترفيل الثوب
وهو إسباغه وإسباله.
الفاء، وضم الضاد المعجمة،) ثم واو ساكنة، بعدها الضمير، (أي: غربوه، وانفوه، وفضرجوه،
بالضاد المعجمة) المفتوحة، (وتشديد الراء) المكسورة، (وبالجيم) المضمومة، من التضريج،
وهو القدمية، أي: ارجموه حتى يسيل دمه، ويموت، قال:
إن بني ضرجوني بالدم
(وبالأضاميم، بفتح الهمزة، والضاد المعجمة،) وميمين أولهما مكسورة، بينهما تحتية
ساكنة، (أي: أدموه،) تفسير لضرجوه (بالضرب بجماهير الحجارة،) تفسير للأضاميم جمع
إضمامة، بكسر الهمزة، أو أضموم، بضمها، سميت به، لأنه يضم بعضها البعض، (ولا توصيم)
في الدين (بصاد مهملة مكسورة،) تفعيل من الوصم، وهو العيب والعار، (أي:) لا عار، و(لا
كسل عن إقامة الحدود،) فلا تحابوا فيها أحدًا، وهذا بمعنى قوله تعالى: ﴿ولا تأخذكم بهما
رأفة في دين اللَّهِ﴾ [النور: ٢].
(ولا غمة) في فرائض اللَّه، (بضم الغين المعجمة، وتشديد الميم، أي: لا تستر،
ولا تخفى،) بل تظهر، ويجهر بها إقامة، وإظهارًا لشعائر الدين، ففيه أن إظهار الفرائض أفضل،
فإظهار الزكاة أفضل من إخفائها، وقوله تعالى: ﴿إِن تبدو الصدقات، فنعمًا هي، وإن تخفوها،
وتؤتوها الفقراء، فهو خير لكم﴾ [البقرة: ٢٧١]، محمول على صدقة التطوّع، فإخفاؤها
أفضل، وقيل: شامل للزكاة، وقيل: يستحب إخفاؤها إذا خاف الرياء ونحوه، وقيل: يختلف
باختلاف الأحوال والزمان، وفي رواية: لا عمه، بفتح العين المهملة، والميم المخففة، والهاء،
أي: لا حيرة، ولا تردد فيها، وروى: ولا غمد، بكسر المعجمة، وسكون الميم، ودال مهملة،
أي: لا ستر ولا خفاء كتغمدنا للَّه برحمته، أي: سترنا بها، (ويترفل، بتشديد الفاء المفتوحة،
يتسوّد، ويترأس استعارة من ترفيل الثوب، وهو إسباغه) تطويله، (وإسباله،) للفخر، والعظمة،

٤٤٢
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقريب من هذا، كتابه عَّ لأكيدر وأهل دومة الجندل، كما قدمته في
مكاتبته عليه الصلاة والسلام.
وقال عليه الصلاة والسلام في حديث عطية السعدي: فإن اليد العليا هي
المنطية والسفلى هي المنطاة. قال: فكلمنا رسول الله عَ لّه بلغتنا.
فاستعير، أو جعل كناية، وهو أظهر، لجعله رئيسًا عليهم محكمًا فيهم، وفي أخذ صدقاتهم، لأن
الترفل للتعظيم، والرئيس، والحاكم معظم، فجعل عبارة عن أنه عَّ جعله واليًا على أمورهم،
وقبض صدقاتهم، (وقريب من هذا كتابه عَّ لأكيدر، وأهل دومة الجندل، كما قدمته في
مكاتباته عليه الصلاة والسلام).
(وقال عليه الصلاة والسلام في حديث عطية) ابن عروة، وقيل: ابن عمرو، وقيل: ابن
سعد، وقيل: ابن قيس (السعدي،) قيل: هو من بني سعد بن بكر، وقيل: من بني جشم بن سعد،
صحابي معروف، له أحاديث، نزل الشام، وجزم ابن حبان بأنه عطية بن عروة بن سعد. ووقع عند
الطبراني والحاكم عطية بن سعد، وذكر المدائني عنه أنه كان ممن كلم النبي عَ لّه في سبي
هوازن، قاله في الإصابة، وفي التقريب له ثلاثة أحاديث، روى له أبو داود، والترمذي وابن ماجه،
وأخرج ابن عبد البر، والحاكم من طريق عروة بن محمد بن عطية، قال: حدثني أبي أن أباه
حدثه أنه قدم على رسول اللَّه عَّه في ناس من بني سعد، قال: وأنا أصغرهم، فخلفوني في
رحالهم، ثم أتوه عَّه، فقضى حوائجهم، ثم قال: ((هل بقي منكم أحد))؟، قالوا: يا رسول اللَّه
غلامًا خلفناه في رحالنا، فأمرهم أن يبعثوني إليه، فأتوا إليّ، وقالوا: أجب رسول اللَّه عَلّهِ، فأتيته،
فلما رآني، قال: ((ما أغناك اللَّه فلا تسأل الناس شيئًا، (فإن اليد العليا هي المنطية، والسفلى هي
المنطاة))،) وبقية الحديث: ((وما اللَّه مسؤول ومنطي)).
(قال: فكلمنا رسول اللَّه عَّله بلغتناء) أي: بني سعد، وهي إبدال العين نونًا، ولا ينافيه
القول، بأنها لغة يمانية لجواز، أنها لغة لهما، وفي رواية: فكلمني بلغتنا، ولا خلف، لأنه وجه إليه
الكلام لنجابته، وقومه يسمعون، فيصح أن، يقال: كلمنا، وكلمني، أو النون للعظمة، إظهارًا
لإنعام اللَّه عليه بخطابه عَّه، له، ثم اليد العليا المعطية، والسفلى يد السائل الآخذة، وهي
المعطاة، وقد فسر بذلك في حديث آخر أنه عَّله، قال على المنبر، وهو يذكر الصدقة، والتعفف
عن المسألة: اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا المنفقة، والسفلى السائلة، رواه
الشيخان، والمنفقة، بنون، وفاء، وقاف، ويروى المتعففة، بعين، وفاءين التي لا تسأل أحدًا، وقيل:
إنه تصحيف، ويروى المنفعة، بشد الفاء، وقيل: اليد العليا المعطية، والسائلة المانعة، وقيل:

٤٤٣
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقد كان هذا من خصائصه صلوات الله وسلامه عليه أن يكلم كل ذي لغة
بليغة بلغته على اختلاف لغة العرب وتركيب ألفاظها وأساليب كلمها، كان أحدهم
لا يتجاوز لغته، وإن سمع لغة غيره فكالعجمية يسمعها العربي، وما ذلك منه عَ اليه
إلا بقوة إلهية وموهبة ربانية، لأنه بعث إلى الكافة طرًا، وإلى الناس سودًا وحمرًا،
والكلام باللسان يقع في غاية البيان، ولا يوجد غالبًا متكلم بغير لغته إلا قاصرًا في
الترجمة نازلاً عن صاحب الأصالة في تلك اللغة، إلا نبينا وسيدنا محمدًا عَّهِ كما
تقدم، فإنه زاده الله تكريمًا وشرفًا تكلم في كل لغة من لغة العرب أفصح وأنصع
بلغاتها منها بلغة نفسها،
العليا يد الفقير، لتحصيلها الثواب لصاحب المال، ودفع البلاء عنه، واختار بعض الصوفية، قال
ابن قتيبة: وما أرى هذا إلاَّ كلام قوم استحبوا السؤال وحسنوه، وكله مضمحل بعد التصريح
بتفسيره في الصحيح، وأن قيل: إنه مدرج، (وقد كان هذا من خصائصه صلوات الله وسلامه
عليه،) وأبدل من اسم الإشارة قوله: (أن يكلم كل ذي لغة بليغة بلغته على اختلاف لغة
العرب،) فكان يعلمها كلها، (وتركيب ألفاظها وأساليب كلمها،) فلما كان كلام من تقدم على
هذا الحد، وبلاغتهم على هذا النمط، وأكثر استعمالهم هذه الألفاظ استعملها معهم، فاستعمالها
مع من هي لغتهم لا يخل بالفصاحة، بل هو من أعلى طبقاتها، وإن كان فيها ما هو غريب
وحشي بالنسبة لغيرهم.
وقد نص الجاحظ في كتاب البيان على أن كلام البادية الوحشيّ فصيح بالنسبة لهم، وإن
أوهم كلام أهل المعاني خلافه، وأنه يحل بالفصاحة، (كان أحدهم لا يتجاوز لغته، وإن سمع
لغة غيره، فكالعجمية يسمعها العربي، وما ذلك منه عَّةٍ إلاَّ بقوة إلهية وموهبة ربانية، لأنه بعث
إلى الكافة طرًا، وإلى الناس سودًا وحمرًا،) فعلمه اللَّه جميع اللغات، قال تعالى: ﴿وما أرسلنا
من رسول إلاَّ بلسان قومه﴾ [إبراهيم: ٤]، أي: لغتهم، فلما بعثه للجميع علمه الجميع،
(والكلام باللسان،) اللغة، (يقع في غاية البيان،) وقد، قال تعالى: ﴿ليبين لهم﴾ [إبراهيم: ٤]
فلو كان بغيرها احتاج إلى ترجمان، فقد لا يقع به البيان، (ولا يوجد غالبًا متكلم بغير لغته،
إلاَّ قاصرًا في الترجمة، نازلاً عن صاحب الأصالة في تلك اللغة، إلاَّ نبينا وسيدنا محمدًاً عَّهِ،
كما تقدم، فإنه زاده اللَّه تكريمًا، وشرفًا، تكلم في كل لغة من لغة العرب،) بكلام (أفصح) حال،
وأنصح،) بنون، وصاد، وعين مهملتين، أخلص (بلغاتها منها بلغة نفسها،) يعني أنه أعرف بلغة
العرب، وأقدر عليها من أهلها، (وجدير) حقيق (به ذلك، فقد أوتي في سائر القوى) بالضم

٤٤٤
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وجدير به ذلك، فقد أوتي في سائر القوى البشرية المحمودية زيادة ومزية على
الناس، مع اختلاف الأصناف والأجناس ما لا يضبطه قياس ولا يدخل في تحقيقه
إلباس.
وأما صوته الشريف، فعن أنس قال: ما بعث الله نبيًا قط إلا بعثه حسن
الوجه حسن الصوت، حتى بعث الله نبيكم فبعثه حسن الوجه حسن الصوت، رواه
ابن عساكر.
وروي نحوه عن حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
(البشرية المحمودة، زيادة ومزية على الناس مع اختلاف الأصناف والأجناس، ما لا يضبطه
قياس، ولا يدخل في تحقيقه إلباس،) بموحدة وإشكال، (وأما صوته الشريف).
أي: صفته، فكان على غاية من الحسن، والسعة، كما صرحت به الأحاديث، لا حقيقته
التي هي غرض يخرج من داخل الرئة، لأن الكلام في شمائله، ولذا أولنا في المبتدأ، لا الخبر،
ولا يردان كل حكم ورد على اسم، فهو على مدلوله إلاَّ لقرينة، لأن القرينة هنا صارفة عن إرادة
الحقيقة، (فعن أنس، قال:) ظاهره أنه موقوف عليه، لكنه مرفوع حكمًا، إذ لا دخل فيه للرأي،
(ما بعث اللَّه نبيًا قط إلاَّ بعثه،) انظر ما نكنته، مع أنه يكفي إلاّ (حسن الوجه، حسن الصوت،)
ونبيًا نكرة في سياق النفي، فعمومها شمولي، فوجه الإغياء في قوله، واستمر ذلك في جميع
الأنبياء (حتى بعث اللَّه نبيكم،) أنه لما احتمل النفي العموم احتمالاً ظاهرًا، وعدمه مرجوحًا
قصد رفع الاحتمال المرجوح، واحتاج لقوله: (فبعثه حسن الوجه، حسن الصوت،) لأنه قد يتوهم
من عدم ظهور تمام حسنه، لحجبه بالجلال، أنه دونهم، ولم ينبه في هذا الحديث على أنه
أحسن منهم في الأمرين، مع أنه لواقع الجوار أن المقام مقام إثبات المساواة، ردًا على زاعم أنه
دونهم، وهذا من البلاغة التي هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، واكتفاء بما علم أنه إذا شارك
غيره في شيء فاق عليه فيه، وهذا أحسن، وهذا كله بالنظر لهذا اللفظ الذي (رواه ابن عساكر،)
وإلاّ فقد رواه الترمذي من حديث أنس نفسه بلفظ: ما بعث اللّه نبيًا إلاَّ حسن الوجه، حسن
الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهًا، وأحسنهم صوتًا، فعلى المؤلف المؤاخذة في ترك الترمذي
من وجهين: أحدهما: أن الحديث إذا كان في أحد الستة لا يعزى لغيرها، كما قال مغلطاي،
ثانيهما: أن لفظه أصرح في الدلالة على المراد من لفظ ابن عساكر، (وروى نحوه من حديث
علي بن أبي طالب رضي الله عنه).
قال الحافظ: وأما قوله في حديث المعراج في يوسف: فإذا أنا برجل حسن ما خلق اللَّه،

٤٤٧
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
أي: ما رأيته مستجمعًا من جهة الضحك بحيث يضحك ضحكًا تامًا مقبلاً بكليته
على الضحك.
واللهوات: بفتح اللام، جمع لهاة، وهي اللحمة التي بأعلى الحنجرة من
أقصی الفم.
وهذا لا ينافي ما في حديث أبي هريرة في قصة المواقع أهله في رمضان،
فضحك رسول الله عليه حتى بدت نواجذه. رواه البخاري.
قال المجد: بسم يبسم بسمًا، وابتسم، وتبسم، وهو أقل الضحك وأحسنه.
قال الكشاف: وكذلك ضحك الأنبياء لم يكن إلاّ تبسمًا انتهى، وعليه، فهو من خواصه
على الأمم دون الأنبياء، (أي: ما رأيته مستجمعًا من جهة الضحك) أي: مطمئنًا قاصدًا للضحك
الذي يغلب وقوعه للناس، (بحيث يضحك ضحكًا تامًا مقبلاً بكليته على الضحك، واللهوات،
بفتح اللام،) والهاء، والواو، (جمع لهاة) على الأصل.
وتجمع أيضًا على لهيات، ولهى مثل: حصاة، وحصى وحصيات، كما في المصباح،
(وهي اللحمة التي بأعلى الحنجرة، ) أي: الحلق، (من أقصى الفم، وهذا لا ينافي ما في
حديث أبي هريرة، في قصة المواقع،) المجامع (أهله في) نهار (رمضان)) قيل: إنه سلمة بن
صخر، رواه ابن أبي شيبة وابن الجارود، وجزم به عبد الغني، وانتقد بأن هذا هو المظاهر في
رمضان، أتى أهله ليلاً رأى خلخالها في القمر، وفي رواية ابن عبد البر: تسميته سلمان بن صخر
البياضي، قال ابن عبد البر: وأظنه وهمّا، لأن ذلك إنما هو المظاهر، أما المجامع، فأعرابي، فهما
واقعتان، ففي قصة المجامع: أنه كان صائمًا، وقصة سلمان أنه كان ليلاً، كما عند الترمذي،
فافترقا، نعم اشتركا في قدر الكفارة، وفي الإتيان بالتمر، وفي قول كل منهما أعلى أفقر منا،
وسبب ظن من، قال: إن المحترق سلمان، أو سلمة، إن ظهاره من امرأته كان في رمضان،
وجامع ليلاً، ولفظ الصحيح عن أبي هريرة: جاء رجل، فقال: يا رسول اللَّه هلكت، قال:
((ما لك)؟، قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال عَُّله: ((هل تجد رقبة تعتقها))؟، قال: لا،
قال: ((فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين))؟، قال: لا، قال: ((فهل تجد إطعام ستين مسكينا»؟،
قال: لا، فأتى عَِّ بتمر، فقال: ((خذ هذا فتصدق به))، فقال: على أفقر مني يا رسول اللَّه، فوالله
ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي، (فضحك رسول اللَّه عَّ حتى بدت نواجذه،) وفي
رواية: أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك، (رواه البخاري) في الصوم وغيره، ومسلم وأصحاب السنن
في الصوم: وإنما ضحك كذلك عَّهِ تعجبًا من حال الرجل في كونه جاء أولاً هالكًا محترقًا،

٤٤٨
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وهو بالجيم والذال المعجمة: أي أضراسه الأضراس. ولا تكاد تظهر إلا عند
المبالغة في الضحك، ولا منافاة لأن عائشة إنما نفت رؤيتها، وأبو هريرة أخبر عما
شاهد، والمثبت مقدم على النافي.
وقد قال أهل اللغة: التبسم: مبادي الضحك، والضحك: انبساط الوجه حتى
تظهر الأسنان من السرور، فإن كان بصوت وكان بحيث يسمع من بعيد فهو
القهقهة، وإلا فالضحك.
وقال ابن أبي هالة: جل ضحكه التبسم، ویفتر
كما في رواية احترقت خائفًا على نفسه، راغبًا في فدائها مهما أمكنه، فلما وجد الرخصة طمع
في أكل الكفارة، (وهو بالجيم، والذال المعجمة، أي: أضراسه،) ظاهره حقيقة.
وقال السيوطي تبعًا للزمخشري: الوجه حمله على مبالغة مثله في الضحك من غير ظهورها
حقيقة، وهو أقيس، وقال ثعلب: المراد أنيابه للتصريح في الرواية الأخرى، ورجحه السيوطي،
وغيره؛ بأنه لم يبلغ به الضحك إلى بدوّ أضراسه، وقيل: النواجذ الأسنان بين الضرس، والناب،
وقيل: أربعٍ من (الأضراس)، آخرها يسمى ضرس العقل، لأنه لا ينبت، إلاَّ بعد الحلم، (ولا تكاد
تظهر، إلاّ عند المبالغة في الضحك،) فينافي قول عائشة: إنما كان يبتسم، (ولا منافاة، لأن
عائشة إنما نفت رؤيتها وأبو هريرة أخبر عما شاهد، والمثبت مقدم على النافي،) لأن معه زيادة
علم خصوصًا، والنافي هنا إنما نفي رؤيته لا مطلقًا، (وقد قال أهل اللغة: التبسم مبادي الضحك،)
أي: مقدماته، (والضحك انبساط الوجه،) تهلله وتلألؤه، (حتى تظهر الأسنان من السرور،) متعلق
بانبساط، وكان المعنى: إذا تهلل وجهه لسرور قام به، انفتح فمه على الهيئة المعروفة، (فإن كان
بصوت، وكان بحيث يسمع من بعيد، فهو القهقهة، وإلاّ) يسمع من بعد، وهو بصوت
(فالضحك،) فالفارق بين الثلاثة أن التبسم انفتاح الفم بلا صوت، والضحك انفتاحه مع صوت
قليل، والقهقهة انفتاحه بصوت قوي.
(وقال ابن أبي هالة: جلّ ضحكه،) أي: أكثره (التبسم،) وقد يزيد عليه أحيانًا (ويفتر،)
بفتح الياء، وسكون الفاء، وفتح الفوقية، وتشديد الراء، كما ضبطه شراح الشفاء، وفي القاموس:
افتر ضحك ضحكًا حسنًا، قال الحريري:
يفتر عن لؤلؤ رطب وعن برد
وعن أقاح وعن طلع وعن حبب
قال في النهاية: أي: يتبسم، ويكشر حتى تبدو أسنانه من غير قهقهة، وهو من فررت الدابة

٤٤٩
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
عن مثل حب الغمام، أي يبدي أسنانه ضاحكًا، وحب الغمام: البرد.
وقال الحافظ بن حجر: والذي يظهر من مجموع الأحاديث: أنه معَ ◌ِّ كان
في معظم أحواله لا يزيد على التبسم، وربما زاد على ذلك فضحك. قال:
والمكروه من ذلك إنما هو إكثار منه أو الإفراط فيه لأنه يذهب الوقار.
وقال ابن بطال: والذي ينبغي أن يقتدى به من أفعاله ما واظب عليه من
ذلك.
وقد روى البخاري في الأدب المفرد وابن ماجه عن أبي هريرة رفعه: لا
تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب.
أفرها فرًا، إذا كشفت شفتها لتعرف سنها، وافتر يفتر افتعل منه انتهى، فقول الشامي، بضم الفوقية
سبق قلم، أو من النساخ، (عن مثل حب الغمام) متعلق بيفتر، (أي: يبدي أسنانه ضاحكًا، وحب
الغمام) السحاب واحدة غمامة، كسحابة (البرد،) بفتحتين، الجامد المعروف، لا قطر الماء، كما
توهم، لأنه مع عدم مناسبته، لا يسمى حبًا، إذ الحب الجامد، لا السائل شبه به أسنانه في
صفاته، وبياضه، ولمعانه، ورطوبته دون جريه حتى، يقال إنه كنوع منه.
(وقال الحافظ بن حجر: والذي يظهر من مجموع الأحاديث، أنه عَّ كان في معظم
أحواله، لا يزيد على التبسم ربما زاد على ذلك، فضحك،) وظاهره أنه لم يقهقه البتة.
(قال: والمكروه من ذلك، إنما هو إكثار منه، أو الإفراط فيه، لأنه يذهب الوقار،) الحلم،
والرزانة، والعظمة، وهذا جواب عما، يقال صرح الفقهاء بكراهة الضحك، وقد فعله ـ
(وقال ابن بطال: والذي ينبغي أن يقتدي به من أفعاله ما واظب عليه من ذلك،) وهو
التبسم، فيقتصر عليه، وضحكه لبيان أنه ليس بحرام، (وقد روى البخاري في) كتاب (الأدب
المفرد،) الذي أفرده بالتأليف، احترازًا عن كتاب الأدب من صحيحه، (وابن ماجه عن
أبي هريرة رفعه: لا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب،) إذ هي تورث قسوته، وهي
مقضية إلى الغفلة، وليس موته إلاّ لغفلة، قاله الطيبي.
وقال الغزالي: كثرة الضحك، والفرح بالدنيا سم قاتل، يسري إلى العروق، فيخرج من
القلب الخوف، والحزن، وذكر الموت، وأهوال القيامة، هذا هو موت القلب، وزاد الطبراني من
حديث أبي ذر: وتذهب بنور الوجه، أي: إشراقه، وضيائه، وقال الماوردي: اعتياد الضحك شاغل
عن النظر في الأمور المهمة، مذهل عن الفكر في النوائب الملمة، وليس لمن أكثر منه هيبة،
ولا وقار، ولا لمن وسم به خطر، ولا مقدار.

٤٥٠
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقال أبو هريرة: وإذا ضحك عَّ يتلألأ في الجدر. رواه البزار والبيهقي،
أي يضيء في الجدر - بضم الجيم والدال، جمع جدار وهو الحائط - أي يشرق
نوره عليها إشراقًا كإشراق الشمس عليها.
وكان عٍَّ إذا كان حديث عهد بجبريل لم يتبسم ضاحكًا حتى يرتفع عنه،
بل كان إذا خطب أو ذكر الساعة اشتد غضبه وعلا صوته كأنه منذر جيش، يقول
صبحكم ومساكم. رواه مسلم.
وكان بكاؤه عليه الصلاة والسلام من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع
صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة ولكن تدمع عيناه حتى
(وقال أبو هريرة) في حديث: (وإذا ضحك عَِّ يتلألأ في الجدر، رواه البزار،
والبيهقي، أي: يضيء)، تفسير يتلألأً (في الجدر، بضم الجيم، والدال، جمع جدار، وهو
الحائط، أي: يشرق نوره عليها إشراقًا، كإشراق الشمس عليها، وكان عَّ، إذا كان حديث)
قريب، (عهد بجبريل، لم يتبسم ضاحكًا، حتى يرتفع عنه) بحيث، لا يراه إعظامًا له بترك
الاشتغال بشيء يشغله عنه، أو اعتبارًا، وتفكرًا فيما أتاه به، (بل) انتقالية، (كان إذا خطب) وعظ،
(أو ذكر الساعة) القيامة (اشتد غضبه) لله سبحانه، وتعالى على من خالف زواجره.
قال القاضي عياض: يغني بشدته أن صفته صفة الغضبان، وهذا شأن المنذر المخوف،
ويحتمل أنه نهى، خولف فيه شرعه، وهكذا تكون صفة الواعظ مطابقة، لما يتكلم، وبه، قال
النووي: أو كان عند إنذاره أمرًا عظيمًا، زاد في رواية: وأحمرت عيناه، (وعلا صوته،) أي: رفعه
ليؤثر وعظه في خواطر الحاضرين، حتى (كأنه منذر،) محذر، (جيش،) أي: كمن ينذر قومًا من
جيش عظيم قصدوا الإغارة عليهم، فإن المنذر المعلم يعرف القوم بما يدهمهم من عدو، أو
غيره، وهو المخوّف حال كونه، (يقول: صبحكم،) بفتح الصاد، والباء المشددة، أي: أتاكم
الجيش وقت الصباح، (ومساكم،) بالفتح مثقلاً، أتاكم وقت المساء.
قال الطيبي: شبه حاله في إنذاره وخطبته بقرب يوم القيامة، وتهالك الناس فيما يرد بهم
بحال من ينذر قومه عند غفلتهم بجيش قريب منهم، ويقصد الإحاطة بهم بغتة، بحيث، لا يفوته
منهم أحد، فكما أن المنذر يرفع صوته، وتحمر عيناه، ويشتد غضبه على تغافلهم؛ فكذا
حاله عَّةِ، عند الإنذار، وفيه أنه يسن للخطيب تفخيم أمر الخطبة، ورفع صوته، وتحرك كلامه،
ويكون مطابقًا، لما يتكلم به من ترغيب وترهيب، (رواه مسلم) من حديث جابر بن سمرة؛
(وكان بكاؤه عليه الصلاة والسلام،) وقياس ما مر أن يقول: وأما بكاؤه، فكان (من جنس
ضحكه لم يكن بشهيق، ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن تدمع عيناه حتى

٤٥١
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
تهملان، ويسمع لصدره أزيز، يبكي رحمة لميت وخوفًا على أمته وشفقة، ومن
خشية الله، وعند سماع القرءان، وأحيانًا في صلاة الليل، قاله في الهدي النبوي.
وقد حفظه الله تعالى من التثاؤب، ففي تاريخ البخاري ومصنف ابن أبي
شيبة عن يزيد بن الأصم: ما تثاءب النبي قط، لكن في رواية عند ابن أبي شيبة: ما
تثاءب نبي قط.
وأما يده الشريفة عَّهِ، فقد وصفه غير واحد بأنه كان شئن الكفين كما
سيأتي، أي غليظ أصابعهما،
تهملان،) بضم الميم، يسيل دمعهما، وإثبات النون، مع حتى قليل، نحو: أن تقرآن على أسماء،
أو على حذف المبتدأ، أي: أنهما تهملان، أو هما تهملان، فحتى ابتدائية نحو: حتى ماء دجلة،
أشكل، (ويسمع لصدره أزيز) بزاءين منقوطتين، أي: صوت، وأصله غليان القدر (يبكي، رحمة
لميت) استئناف بياني، كأنه، قيل: لم كان يبكي، فأجيب بأنه رحمة لميت، (وخوفًا على أمته،
وشفقة) عليهم (ومن خشية اللَّه، وعند سماع القرءان، وأحيانًا في صلاة الليل، قاله في الهدى
النبوي، وقد حفظه اللَّه تعالى من التثاؤب،) لأنه يكره، وذكره، لأن كلامه في شمائله، ومنها
عدم التثاؤب، بخلاف غيره، فليس ذكره استطرادًا لمضادته للضحك، وفي المصباح: تثاءب
بالهمز تثاؤبًا، وزان تقاتل تقاتلاً، قيل: هي فترة تعتري الشخص، فيفتح عندها فمه، وتثاوب بالواو
عامي، (ففي تاريخ البخاري، ومصنف ابن أبي شيبة عن يزيد،) بتحتية وزاي، (ابن الأصم،)
واسمه عمرو بن عبيد البكائي، بفتح الموحدة والتشديد، الكوفي ابن أخت ميمونة أم المؤمنين،
ثقة، مات سنة ثلاث ومائة، (مَا تثاءب النبي قط،) لأنه من الشيطان، وفي البخاري مرفوعًا: أن
اللَّه يحب العطاس، ويكره التثاؤب، ثم أل في النبي عهدية، أي: نبينا عَُّله، فيفيد اختصاصه
(لكن في رواية) من مرسل يزيد، المذكور، (عند ابن أبي شيبة: ما تثاءب نبي قط،) وهذا يعم
الجميع، فهو من خصائصه على الأمم، لا على الأنبياء.
(وأما يده الشريفة معَّه) أي: صفة يديه معًا، لأن إضافة المفرد إلى المعرفة تفيد العموم،
وهي من المنكب إلى أطراف الأصابع، واليد الكف أيضًا، والظاهر إرادة الإطلاقين هنا معًا، لما
يأتي من رؤية بياض إبطيه، (فقد وصفه،) أي: النبي عَّه، لا اليد، لأنها مؤنثة، (غير واحد، بأنه
كان شئن الكفين،) بفتح الشين المعجمة، وإسكان المثلثة، كما ضبطه، جمع منهم المصنف،
ووقع للسيوطي في زهر الخمائل، بمثناة فوقية، ولعله سهو، فإن اللغويين، وأصحاب الغريب؛ إنما
ذكروه في الشين، مع المثلثة من أصرحهم الهروي، حيث، قال: باب الشين مع الثاء)، وذكر فيه
الحديث، وذكر قبله الشين مع التأويل، ولم يذكر فيه، (كما سيأتي، أي: غليظ أصابعهما،)

٤٥٢
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وبأنه عبل الذراعين رحب الكفين.
وقد مسح عَّ خد جابر بن سمرة قال: فوجدت ليده بردًا وريحًا كأنما
أخرجها من جؤنة عطار، رواه مسلم.
وفي حديث وائل بن حجر عند الطبراني والبيهقي: لقد
وذلك جمال في الرجال، لأنه أشد لقبضهم، ويذم في النساء، وفسر أيضًا في النهاية، وغيرها
بغلظ الأنامل، بلا قصر، والأنامل عقد الأصابع، فلا منافاة، نعم على تخصيص الأنامل برؤوس
الأصابع يتنافيان، (وبأنه عبل،) بفتح العين، وسكون الموحدة، تليها لام، أي: قوي (الذراعين،)
ضخمهما تثنية ذراع، وهو ما بين مفصل الكف، والمرفق، أو من المرفق إلى أطراف الأصابع،
كذا ضبطه بعضهم، بإسكان الباء، فإن كان الرواية، وإلاَّ، ففيه أيضًا كسر الباء، بزنة فرخ
(رحب،) بفتح، فسكون، (الكفين،) أي: واسعهما.
قال ابن الأثير: يكنون بذلك عن السخاء والكرم، وقال التجاني، أي: كبيرهما، وهو على
ظاهره من كبر الجوارح، لدلالته على كمال الخلق، بخلاف صغرهما.
قال: والحق أنه إن كان في بيان الخلق بالفتح، فلا مناسبة للكناية، أو الخلق بالضم، فله
مناسبة، وقال غيره: رحبهما حسًا، ومعنى، وقصره على الحقيقة، أو جعله كناية فقط تقصيرًا،
لكن هذا، وإن كان حسنًا، لا يناسب المقام، لأن الكلام مسوق لبيان صفاته الصورية، إلاَّ أن،
يقال الكناية، لا تنافي إرادة المعنى الحقيقي، (وقد مسح عَّ خد جابر بن سمرة،) تأنيسًا،
وشفقة، وتبريكًا، قال جابر: صليت مع النبي عَّةِ، وأنا معه، فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدي
أحدهم واحدًا واحدًا، (قال:) وأما أنا، فمسح خدي، (فوجدت،) أي: أحسست (ليده،) أي:
كفه، وما قاربها (بردًا) حقيقيًا لرواية أبرد من الثلج، لا لعارض مس ماء، وهذا ممدوح عند
العرب، لا سيما في الزمن الحار، ولا بعد في أنه خاص به مع كمال حرارته الغريزية، وقيل: هو
عبارة عن لين كفه، ورطوبته، والأقرب أنه، بمعنى الراحة، واللذة، والطيب.
قال في النهاية: كل محبوب عندهم بارد، وبرد الظل طيب العيش، والغنيمة الباردة الهنية،
(وريحًا، كأنما أخرجها،) أي: اليد، لأنها مؤنثة (من جؤنة عطار،) بضم الجيم، وسكون الهمزة،
ويقال: بواو ساكنة، تليها نون، وهاء تأنيث، شبه صندوق صغير، مغشی بجلد، وزند مستدير،
يضع العطار فيها عطره، وهو كل ما طابت رائحته، أي: إن كان ريحها ريح، ما أخرج من جؤنة
العطار مضمخًا بالعطر، والجملة صفة ريحًا، أو مستأنفة، (رواه مسلم) في الصحيح، (وفي
حديث وائل بن حجر،) بمهملة مضمومة فجيم ساكنة، الحضرمي (عند الطبراني، والبيهقي: لقد

٤٥٣
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
كنت أصافح رسول الله عَلَّه أو يمس جلدي جلده، فأتعرفه بعد في يدي، وإنه
لأطيب رائحة من المسك.
وقال يزيد بن الأسود: ناولني رسول الله عَّه يده فإذا هي أبرد من الثلج
وأطيب ريحًا من المسك، رواه البيهقي.
وعن المستورد بن شداد عن أبيه قال: أتيت النبي صَّ ◌َلِ فأخذت بيده فإذا
هي ألين من الحرير وأبرد من الثلج. رواه الطبراني.
ودخل عَّ على سعد بن أبي وقاص يعوده بمكة، وقد اشتكى، قال: فوضع
يده على جبهتي فمسح وجهي وصدري وبطني، فما زلت يخيل إلي
كنت أصافح رسول اللّه ◌َّ، أو يمس جلدي جلده،) أو للتنويع، لا للشك، فهو إخبار عن
حالتين، (فأتعرفه بعد في يدي،) أي: فأعرف أثره بعد مفارقته لي، (وأنه لأطيب رائحة من
المسك).
قال القاموس: تعرفت ما عندك، تطلبته حتى عرفته، (وقال يزيد): بتحتية وزاي، (ابن
الأسود) بن سلمة بن حجر بن وهب الكندي، صحابي، ابن صحابي، قال ابن الكلبي: وفد به
أبوه على النبي عَّه، وهو غلام، فدعا له استدركه ابن فتحون، ذكره في الإصابة، (ناولني
رسول اللَّه ◌َ له يده، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب ريحًا من المسك، رواه البيهقي،) وفيه،
كسابقه، ولاحقه إشارة إلى كمال الأعضاء النبوية حسًا، ومعنى، (وعن المستورد،) بضم الميم،
وسكون السين المهملة، وفتح الفوقية، وكسر الراء، وبالدال المهملتين، (ابن شداد) بن عمرو
القرشي، الفهري، صحابي، حجازي، نزل الكوفة، ثم مصر، وشهد فتحها، واختط بها، وتوفي
بالإسكندرية سنة خمس وأربعين، ويقال اسم أبيه سلامة، وهو تغيير، والصواب شداد، كما في
كتاب ابن يونس أفاده الإصابة، (عن أبيه) شداد بن عمرو بن حسل بن لاحب بن حبيب بن
عمرو بن شيبان بن محار بن فهر، القرشي، الفهري، الصحابي، (قال: أتيت النبي عَلَّه، فأخذت
بيده، فإذا هي ألين من الحرير، وأبرد من الثلج، رواه الطبراني،) بإسناد على شرط الصحيح،
قاله الحافظ، (ودخل عٍَّ على سعد بن أبي وقاص،) ملك القرشي، الزهري، أحد العشرة،
(يعوده بمكة) في حجة الوداع، (وقد اشتكى) من مرض، أشرف معه على الموت، فاستأذنه في
التصدق بثلثي ماله، أو بشطره، فأبى، فقال: فالثلث، قال: الثلث، والثلث كثير، الحديث في
الصحيح.
(قال: فوضع يده على جبهتي، فمسح وجهي، وصدري، وبطني، فما زلت يخيل إليّ، )

٤٥٤
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
أني أجد برد يده على كبدي حتى الساعة، رواه.
في البخاري من حديث أنس: قال ما مسست حريرًا ولا ديباجًا ألين من
كف رسول الله عَُّله. وهو من باب عطف الخاص على العام، لأن الديباج نوع من
الحرير.
قيل: وهذا الوصف في هذا الحديث يخالف ما وقع في حديث هند بن
أبي هالة عند الترمذي في صفته عَّ، فإن فيه - كما تقدم - كان شئن الكفين
والقدمين، أي غليظهما في خشونة، وهكذا وصفه علي من عدة طرق عند الترمذي
أي: يقع في وهمي (أني أجد،) أي: وجود (برد يده على كبدي حتى الساعة، رواه) كذا في
نسخة، وبعدها بياض، وفي الشامي، وقد رواه الإمام أحمد من حديث سعد، ويقع في نسخة
رواه البخاري، وهي خطا، إذ البخاري إنما روى في الجنائز، والوصايا، وحجة الوداع، أصل
الحديث بدون تلك الزيادة التي هي، فوضع يده إلى آخره، والله أعلم.
(وفي البخاري) في صفة النبي عَّهِ (من حديث أنس، قال: ما مسست،) قال الحافظ
وغيره: بمهملتين، الأولى مكسورة، ويجوز فتحها، والثانية ساكنة، (حريرًا، ولا ديباجًا،) بكسر
المهملة، وحكى فتحها. وقال أبو عبيد: الفتح مولد، أي: ليس بعربي، (ألين من كف
رسول اللَّه عَّةِ)) ولا شممت ريحًا قط، أو عرفًا قط أطيب من ريح، أو عرف النبي عَِّ، هذا
بقية الحديث عند البخاري، وأخرجه مسلم بنحوه: وشممت، بكسر الميم الأولى، وتفتح،
وإسكان الثانية، وعرف، بفتح المهملة، وسكون الراء، بعدها فاء، وهو شك من الراوي، يدل
عليه قوله: أطيب من ريح، أو عرف، وهو الريح الطيب، ووقع في بعض الروايات، بفتح الراء،
وبالقاف، وأو على هذا للتنويع الأوّل هو المعروف، فقد رواه البخاري في الصوم عن أنس:
ما شممت مسكة، ولا عنبرة أطيب رائحة من ريح رسول اللَّه عَلَّهِ، (وهو) أي: قوله: ولا ديباجًا
(من باب عطف الخاص على العام، لأن الديباج نوع من) ثياب (الحرير،) أي: كله حرير على
ظاهره، كظاهر قول النهاية: الديباج، بكسر الدال، الثياب المتخذة من الإبريسم، فارسي معرب،
وقد تفتح داله، ويجمع على ديابيج بالياء، أي: التحتية، وديابيج بالباء، أي: الموحدة، وفي
المصباح: الديباج: ثوب سداه، ولحمته إبريسم، (قيل: وهذا الوصف،) أي: كونه ألين من
الحرير (في هذا الحديث، يخالف ما وقع في حديث هند بن أبي هالة عند الترمذي في
صفته عٍَّ، فإن فيه، كما تقدم كان شئن الكفين والقدمين، أي: غليظهما في خشونة، وهكذا
وصفه علي،) كما ورد عنه (من عدة طرق،) فهو صلة محذوف (عند الترمذي، والحاكم،
وغيرهما،) كابن أبي خيثمة، (وكذا وصف عائشة له عند ابن أبي خيثمة) زهير بن حرب،

٤٥٥
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
والحاكم وغيرهما، وكذا وصف عائشة له عند ابن أبي خيثمة.
والجمع بينهما: أن المراد اللين في الجلد. والغلظ في العظام، فتجتمع له
نعومة البدن وقوته.
وقال ابن بطال: كانت كفه عَّه ممتلئة لحمًا، غير أنها مع ضخامتها كانت
لينة، كما في حديث أنس، قال وأما قول الأصمعي: الشئن: غلظ الكف في
خشونة، فلم يوافق على تفسيره بالخشونة، والذي فسره به الخليل أولى، قال:
وعلى تسليم ما فسر به الأصمعي الشئن: يحتمل أن يكون أنس وصف حالتي
كف النبي عَّ فكان إذا عمل بكفه في الجهاد، أو في مهنة أهله، صار كفه
خشنًا للعارض المذكور، وإذا ترك ذلك رجع كفه إلى أصل جبلته من النعومة.
(والجمع بينهما،) كما في الفتح، أي: بين اللين المصرح به أنس، والغلظ الذي تضمنه شئن
في حديث الجماعة على ما فسره به، (أن المراد: اللين في الجلد، والغلظ في العظام،) فلا
تنافي، وكلاهما متعلق بمحذوف، أي: المراد باللين: اللين في الجلد، وبالغلظ في العظام،
(فتجتمع له نعومة البدن، وقوَّته،) لكن هذا الجمع، لا يدفع التعارض بين وصف جلده باللين
والخشونة، وإنما يدفع التعارض بين اللين والغلظ مع أنه، لا يرد، إذ مفهوم اللين، لا يعارض مفهوم
الغلظ.
(وقال ابن بطال: كانت كفه عَّ ممتلئة لحمًا، غير أنها مع ضخامتها،) الذي هو معنى
الشئن (كانت لينة، كما في حديث أنس) المذكور، (قال: وأما قول) أبي سعيد عبد الملك بن
قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع (الأصمعي)، بفتح الهمزة، وسكون الصاد المهملة،
وفتح الميم، وعين مهملة، نسبة إلى جده أصمع المذكور الباهلي، ثم البصري، إمام ثقة صدوق
سني، روى له أبو داود، والترمذي، مات سنة خمس، أو ست، أو سبع عشرة ومائتين بالبصرة،
عن ثمان وثمانين سنة، (الشئن: غلظ الكف في خشونة، فلم يوافق على تفسيره بالخشونة)
وإن تبعه عليه الجوهري، والمجد، وغيرهما، لأنه لا يليق هنا لمنابذته، لما صح من لين
كفه عَ ◌ّ، (والذي فسره به الخليل،) من أنه غلظ الأصابع، وأنه جمال في الرجال، لدلالته
على الشدة (أولى) بالقبول، لأن الغلظ، لا ينافي النعومة.
(قال) ابن بطال: (وعلى تسليم ما فسر به الأصمعي الشئن، يحتمل أن يكون أنس،
وصف حالتي كف النبي عَّة، فكان إذا عمل بكفه في الجهاد، أو في مهنة أهله صار كفه
خشنًا للعارض المذكور،) فيحمل عليه قول أنس في الصحيح كان شئن القدمين، والكفين بناء

٤٥٦
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقال القاضي عياض: فسر أبو عبيدة الشئن بالغلظ مع القصر. وتعقب: بأنه
ثبت في صفته عليه الصلاة والسلام أنه كان سائل الأطراف. انتهى.
ويؤيد كونها كانت لينة قوله في رواية النعمان: كان سبط الكفين. بتقديم
المهملة على الموحدة، فإنه موافق لوصفها باللين.
والتحقيق في الشئن أنه الغلظ من غير قصر ولا خشونة. وقد نقل ابن
خالويه: أن الأصمعي لما فسر الشئن بما مضى، قيل له إنه ورد في صفة النبي عليه.
أنه لين الكفين، فآلى
على تفسيره بالخشونة، و(إذا ترك ذلك رجع كفه إلى أصل جبلته:) طبيعته التي خلق عليها،
وفي نسخة خلقته، (من النعومة،) وعليه يحمل قول أنس: أنها ألين من الحرير، فلا تخالف بين
حديثيه.
(وقال القاضي عياض: فسر أبو عبيدة الشئن بالغلظ مع القصر، وتعقب بأنه ثبت في صفته
عليه الصلاة والسلام) عند الترمذي وغيره، من حديث هند بن أبي هالة، (أنه كان سائل
الأطراف،) بسين مهملة ولام، ممتد الأصابع، طويلها طولاً معتدلاً بين الإفراط، والتفريط، من غير
تكسر جلد، ولا تشنج، بل كانت مستوية مستقيمة، وذلك مما يتمدح به، قال النابغة:
يهزون أرماحًا طوالاً متونها بأيد طوال عاريات الأشادح
وقد وقع حديث هند بالشك، هل قاله بالسين المهملة، أو شائل بالمعجمة، أي: مرتفعها،
وهو قريب من سائل من قولهم: شالت الميزان: ارتفعت إحدى كفتيه، والمعنى: كان مرتفع
الأصابع، بلا احديداب، ولا انقباض، وقال ابن الأنباري: روى سائل، وسائن بالنون، وهما بمعنى
تبدل اللام من النون، ولم يتعرض أصحاب الغريب لشائل بمعجمة، لكنه مستقيم على قانون
العربية، كما علم، ومقصود الكلمة، كما قال الزمخشري: أنها ليست معتقدة (انتهى) كلام
عياض، (ويؤيد كونها كانت لينة، قوله في رواية النعمان: كان سبط الكفين، بتقديم المهملة)
المفتوحة (على الموحدة) الساكنة، وحكى كسرها، وفتحها، وطاء مهملة، أي: ممتدهما، بلا
تعقيد، ولا نتوّ، لكن هذه اللغات في الوصف، أما المصدر، فبالفتح، لا غير، (فإنه موافق لوصفها
باللين) في المعنى، (والتحقيق في الشئن أنه الغلظ من غير قصر، ولا خشونة(،) كما فسره به
الخليل، ومن تبعه ..
(وقد نقل ابن خالويه: أن الأصمعي، لما فسر الشئن بما مضىء) من الغلظ مع الخشونة،
(قيل له: إنه ورد في صفة النبي عَّ، أنه لين الكف،) فلا يصح تفسيرك بالخشونة، (فآلى:)

٤٥٧
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
على نفسه أن لا يفسر شيئًا في الحديث. انتهى.
وفي حديث معاذ عند الطبراني والبزار: أردفني رسول الله عَّ ◌ُله خلفه في
سفر، فما مسست شيئًا قط ألين من جلده عَّ له.
وأصیب عائذ بن عمرو في وجهه يوم حنين، فسال الدم على وجهه وصدره،
فسلت النبي ◌َِّ الدم بيده عن وجهه وصدره، ثم دعا له، فكان أثر يده عليه
الصلاة والسلام إلى منتهى ما مسح من صدره غرة سائلة كغرة الفرس. رواه
الحاكم وأبو نعيم وابن عساكر.
وأخرج البخاري في تاريخه والبغوي وابن منده في الصحابة من طريق
صاعد بن العلاء بن بشر عن أبيه عن جده بشربن معوية: أنه قدم مع أبيه معوية بن
ثور على رسول الله عګے فمسح رأسه ودعا له بالبركة
حلف (على نفسه أن لا يفسر شيئًا في الحديث،) خوفًا من أن يفسره، بخلاف معناه في
الواقع، (انتهى،) وهذا من قوّة دينه رحمه الله.
(وفي حديث معاذ) بن حبل (عند الطبراني والبزار: أردفني رسول اللَّه عَّ خلفه في
سفر، فما مسست شيئًا قط ألين من جلده عَّةٍ،) وهذا شامل للكفين وغيرهما، (وأصيب عائذ)
بتحتية، وذال معجمة، (ابن عمرو) بن هلال بن عبيد بن يزيد المزني صحابي، بايع تحت
الشجرة ابن صحابي، وسكن البصرة، وبها مات سنة إحدى وستين (في وجهه يوم حنين، فسال
الدم على وجهه، وصدره، فسلت النبي عَِّ الدم)، أي: أزاله (بيده عن وجهه وصدره، ثم دعا
له، فكان أثر يده عليه الصلاة والسلام، إلى منتهى ما مسح من صدره غرّة) بياضًا (سائلة، كغرة
الفرس، رواه الحاكم، وأبو نعيم، وابن عساكر، وأخرج البخاري في تاريخه، والبغوي،) أبو القُسم
من طريق عمران بن ماعز.
قال البغوي: وهو مجهول، (وابن منده،) كلاهما (في) معرفة (الصحابة، من طريق
صاعد بن العلاء بن بشر،) كما بينه الإصابة، خلاف ما أوهمه المصنف؛ أن الكل من طريق
صاعد، (عن أبيه، عن جده بشر) بكسر الموحدة، ومعجمة، صحابي، عداده في أهل الحجاز،
(ابن معوية؛ أنه قدم مع أبيه معوية بن ثور) بن معوية بن عبادة، بكسر العين، ابن البكاء، واسمه
ربيعة بن عامر بن صعصعة، العامري، البكائي، (على رسول اللَّه عَلَّ، فمسح رأسه،) لفظ رواية
المذكورين، كما في الإصابة: فمسح رأس بشر، (ودعا له بالبركة،) وذلك بطلب أبيه، فروى

٤٥٨
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
فكانت في وجهه مسحة النبي عَّ كالغرة وكان لا يمسح شيئًا إلا برىء.
ومسح عَّ رأس مدلوك أبي سفين فكان ما مرت عليه يده أسود، وشاب
ما سوى ذلك. رواه البخاري في تاريخه والبيهقي.
وكذا وقع له عليه الصلاة والسلام في رأس السائب.
ابن شاهين، وثابت في الدلائل: قدم مطوية بن ثور على النبي عَ ◌ّله، وهو شيخ كبير، ومعه ابن له،
يقال له بشرًا، فقال: يا رسول الله امسح وجه ابني هذا، ففعل، فذكر الحديث، وفيه، فقال
محمد بن بشر بن مطوية:
وأبي الذي مسح النبي بوجهه ودعا له بالخير والبركات
فأفادت الروايتان إن المسح وقع في الرأس والوجه معًا، فلا غبار على قوله: (فكانت في
وجهه مسحة النبي)، أي أثر مسحته (عَِّ، كالغرة)، البياض، (وكان، لا يمسح شيئًا إلاَّ برىء،
ببركة اليد الميمونة، قال ابن منده: لا نعرفه إلاَّ من هذا الوجه، وانتقده الإصابة؛ بأن له طريقًا
أخرى عند أبي نعيم، بإسناد مجهول، وأخرى عند ابن شاهين بإسناد منقطع، وذكر ابن منده بهذا
السند، قال، وكتب النبي عَّه، لملغوية كتابًا، ووهب له من صدقة عامة، فلما رجع مطوية إلى
منزله، قال: إنما أنا هامة اليوم، أو غد، ولي مال كثير، وإنما لي إبنان، فرجع، فقال: يا رسول اللّه
خذها مني، فضعها حيث ترى من مكابدة العدوّ، فإني موسر، فقال، أصبت يا معوية، فقبلها منه،
(ومسح عَّلِّ رأس مدلوك،) بميم، فدال مهملة، فلام، فواو، فكاف، علم (أبي سفين،) كنيته
الفزاري، مولاهم، صحابي، نزل الشام، وذكره البرديجي في الأسماء المفردة من الصحابة، (فكان
ما مرت عليه يده اسود، وشاب ما سوى ذلك، رواه البخاري في تاريخه، والبيهقي،)
وابن سعد، والبغوي، والطبراني من طريق مطر بن العلاء الفزاري، حدثتني عمتي آمنة، أو أمية بنت
أبي الشعثاء، وقطبة مولاهم، قالا: سمعنا أبا سفين مدلوكًا، يقول: ذهبت مع مولاي إلى
النبي عَّه، فأسلمت، فدعا بالبركة، ومسح رأسي بيده، قالت: فكان مقدم رأس أبي سفين أسود،
ما مسته يد النبي عَّه، وسائره أبيض، وأخرجه ابن منده، وأبو نعيم من وجه آخر عن مطر، فقال
عن مدلوك أبي سفين، وقال عن آمنة، بالنون، ولم يشك، كما في الإِصابة.
(وكذا وقع له عليه الصلاة والسلام في رأس السائب) بن يزيد بن سعيد بن ثمامة
الكندي، أو الأزدي، وقيل في نسبه غير ذلك له ولأبيه صحبة، وفي البخاري عنه: حج بي مع
النبي عَُّله، وأنا ابن ست سنين، وهو عند ابن شاهين، بلفظ حج بي أبي، روى عن النبي عَّه
أحاديث، وعن أبيه، وعمر، وعثمن، وجماعة من الصحابة، وعنه الزهري، وآخرون، واستعمله عمر

٤٥٩
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
رواه البغوي والبيهقي وابن منده.
وأخرج البيهقي وصححه، والترمذي وحسنه، عن أبي زيد الأنصاري قال:
مسح عليه الصلاة والسلام بيده على رأسي ولحيتي ثم قال: اللَّهم جمله، قال:
فبلغ بضعًا ومائة سنة وما في لحيته بياض. لقد كان منبسط الوجه ولم ينقبض
وجهه حتى مات.
ومسح عليه الصلاة والسلام رأس حنظلة بن حذيم بيده وقال له: بورك فيك،
على سوق المدينة، ومات سنة اثنتين وثمانين، وقيل بعد التسعين سنة إحدى، أو أربع، وهو آخر
من مات بالمدينة من الصحابة في قول: (رواه البغوي، والبيهقي، وابن منده)، عنه: أن
المصطفى مسح رأسه، فما مسته يده، لم يشب وشاب ما عداه، وأصله في الصحيحين، عنه أن
خالته ذهبت به، وهو وجع، فمسح النبي عَِّ رأسه، ودعا له، وتوضأ، وشرب من وضوئه، ونظر
إلى خاتم النبوة، (وأخرج البيهقي، وصححه، والترمذي، وحسنه) من طريق علياء بن أحمر، (عن
أبي زيد الأنصاري).
الخزرجي اسمه عمرو بن أخطب بن رفاعة، مشهور بكنيته، غزا مع النبي عَّه ثلاث
عشرة غزوة، ونزل البصرة له في مسلم، والسنن، (قال مسح عليه الصلاة والسلام بيده على
رأسي، ولحيتي، ثم قال: ((اللهم جمله))، قال) الراوي عنه، وهو علباء، بكسر المهملة، وسكون
اللام، بعدها موحدة، (فبلغ بضعًا، ومائة سنة، وما في لحيته بياض،) ببركة اليد الميمونة، (ولقد
كان منبسط الوجه، ولم ينقبض وجهه حتى مات،) ببركة الدعوة المجابة.
وفي رواية لأحمد، عن أبي نهيك، حدثني أبو زيد، قال: استسقى رسول اللّه عَّ ماء،
فأتيته بقدح فيه ماء، فكانت فيه شعرة، فأخذتها، فقال: ((اللهم جمله))، قال: فرأيته ابن أربع
وتسعين سنة، ليس في لحيته شعرة بيضاء، صححه الحاكم، وابن حبان، (ومسح عليه الصلاة
والسلام رأس حنظلة بن حذيم)، بكسر الحاء المهملة، وسكون المعجمة، وفتح التحتية، ومیم،
ابن حنيفة، بفتح المهملة، ابن جبير بن بكر بن حجر بن معد بن ثعلبة بن زيد مناة بن تميم
التميمي، ويقال الأسدي أسد خزيمة، ويقال له الملكي، ولهلك بطن من أسد بن خزيمة، له ولأبيه،
وجده صحبة، (بيده، قال: له ((بورك فيك)) لفظ رواية أحمد بارك اللَّه فيك، أو قال: بورك فيك
بالشك، ولفظ الحديث من أوّله، قال الإِمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا
الذيال بن عبيد، سمعت جدي حنظلة بن حذيم، حدثني أبي أن جدي حنيفة، قال لجذيم: أجمع
لي بني، فأوصاهم، فقال: إن ليتيمي الذي في حجري مائة من الإِبل، فقال حميد: يا أبت!

٤٦٠
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
فكان يؤتى بالشاة الوارم ضرعها والبعير والإنسان به الورم، فيتفل في يده ويمسح
بصلعته ويقول بسم الله على أثر يد رسول الله عَ لّم فيمسحه ثم يمسح موضع الورم
فيذهب الورم. رواه أحمد والبخاري في التاريخ وأبو يعلى وغيرهم.
وقد جاء في عدة أحاديث عن جماعة من الصحابة بياض ابطيه.
فعن أنس قال: رأيت رسول الله عَ لّه يرفع يديه في الدعاء حتى رأيت بياض
إبطيه.
سمعت بنيك يقولون: إنما تقر بهذا لتقر عين أبينا، فإذا مات رجعنا، فجاء حنيفة، وجذيم، ومن
معهما، ومعهم حنظلة، وهو غلام رديف أبيه، فقص على النبي عَّ له قصته، فغضب عَلّ، فجثا
على ركبتيه، وقال له: ((لا الصدقة خمس))، وإلاَّ فعشر، وإلاَّ فعشرون، وإلاَّ، فثلاثون، فإن كثرت
فأربعون.
قال: فودعوه، ومع اليتيم هراوة، فقال عَيْ ءٍ: ((عظمت هذه هراوة يتيم))، فقال جذيم، إن
لي بنين ذوي لحاء، وإن هذا أصغرهم، يعني حنظلة، فادع لله له، فمسح رأسه، وقال: ((بارك الله
فيك))، أو قال: ((بورك فيك))، قال الذيال: (فكان يؤتى بالشاة الوارم ضرعها، والبعير والإِنسان به
الورم، فيتفل)، بضم الفاء، وكسرها (في يده)، أي يد نفسه، (ويمسح بصلعته)، بفتح اللام،
وإسكانها لغة أباها الحداق، موضع الصلع، وهو انحسار الشعر عن مقدم الرأس، أو يضع يده
على رأسه موضع كفه عَّه، (ويقول: ((بسم الله، على أثر يد رسول اللّه عَله، فيمسحه، ثم
يمسح موضع الورم، فيذهب الورم، رواه أحمد، والبخاري في التاريخ، وأبو يعلى، وغيرهم،)
كالطبراني، ويعقوب بن سفين.
ورواه الحسن بن سفين من وجه آخر عن الذيال، وزاد أن اسم اليتيم ضرار بن قطبة، وأنه
كان شبه المحتلم، وأخرج هو، والباوردي، وابن السكن عن الذيال: سمعت جدي حنظلة
سمعت رسول اللّه عَ ليه، يقول: لا يتم بعد احتلام، ولا تصلي جارية، إذا هي حاضت، والذيال،
بذال معجمة، وتحتية، فألف فلام، ابن عبيد بن حنظلة، تفرد بالرواية عن جده، (وقد جاء في
عدة أحاديث عن جماعة من الصحابة، بياض إبطيه،) قال الحافظ: واختلف في المراد بذلك،
فقيل: لم يكن تحتهما شعر، فكانا، كلون جسده، ثم قيل: لم يكن تحت إبطيه شعر البتة،
وقيل: كان لدوام تعاهده له لا يبقى فيه شعر، وعند مسلم في حديث حتى رأينا عفرة إبطيه،
ولا تنافي بينهما، لأن الأعفر ما بياضه ليس بالناصع، وهذا شأن المغابن، يكون لها في البياض
دون بقية الجسد انتهى، (فعن أنس، قال: رأيت رسول اللّه عَلّ يرفع يديه في الدعاء،) أي في
الاستسقاء، (حتى رأيت بياض إبطيه،) فلا ينافي قول أنس: كان لا يرفع يديه في شيء من