النص المفهرس

صفحات 401-420

٣٩٩
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقال: حسن غريب، وهو عند الطبراني أيضًا، وفي رواية لابن أبي الدنيا: فيرحمه
الله، بدل: فيعافيه الله.
وروى الترمذي مرفوعًا من عيَّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله.
وقوله عليه الصلاة والسلام لأبي هريرة: جف القلم بما أنت لاق.
موضوع، ولذا انتقده الحافظ سراج الدين القزويني على المصابيح زاعمًا وضعه، وتعقبه العلامة
الحافظ العراقي، وصوب كلام الترمذي، (وفي رواية لابن أبي الدنيا: فيرحمه اللَّه، بدل:
فيعافيه اللَّه،) الواقعة في رواية الترمذي، ومثل ما ذكر المصنف لشيخه السخاوي بالحرف،
وساقه في الجامع، ناسيًا للترمذي بلفظ: فيرحمه اللَّه، وأخذ جماعة من ذا الخبران في الشماتة
بالعد وغاية الضرر، فالحذر الحذر، نعم أفتى ابن عبد السلام؛ بأنه لا ملام في الفرح بموت العدوّ،
من حيث انقطاع شره عنه وكفاية ضرره.
(وروى الترمذي) عن معاذ بن جبل، (مرفوعًا من عير أخاه بذنب)، أي: وصف مذموم
انتقاصًا له، وإن لم يحرم، (لم يمت حتى يعمله).
قال الترمذي: حسن غريب، وليس إسناده بمتصل، قال: وقال أحمد بن منيع، يعني شيخه،
قالوا: من ذنب، قد تاب منه.
قال السخاوي ونحوه: فليجلدها الحد، ولا يثرب، أي: لا يوبخ، ولا يقرع بالزنا بعد
الجلد، ولعله، كما قال شيخنا احترز به، عمن تلبس بقبيح شرعًا، وإن لم يحرم، واسترسل فيه
فغيره غيره، لينزجر عنه لقبحه شرعًا، لا لحظ نفس المعير، فلا يعاقب على تعييره، لأنه إنما قصد
به الحث على المطلوب، وترك النهي عنه.
(وقوله عليه الصلاة والسلام لأبي هريرة،) فيما أخرجه البخاري والنسائي وغيرهما، عنه
قال: قلت: يا رسول اللَّه إني رجل شاب، وأنا أخاف على نفسي العنت، ولا أجد ما أتزوّج به
النساء، فائذن لي أختصي، فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فسكت، ثم قلت مثل ذلك، فقال
النبي عَّ: ((يا أبا هريرة (جف القلم بما أنت لاق)))) أي: نفذا المقدور بما كتب في اللوح
المحفوظ، فبقي القلم الذي كتب به حافًا لإمداد فيه، لفراغ ما كتب به.
قال عياض: كتاب اللَّه، ولوحه، وقلمه من غيب علمه الذي نؤمن به، ونكل علمه إليه،
وبقية الحديث: فاختص على ذلك، أو ذر، بكسر الصاد المهملة، أمر من الاختصاء، أي: اختص
حال استعلائك على العلم، بأن كل شيء بقضاء الله وقدره، أو أترك، وفي رواية: فاختصر، براء
بعد الصاد، أي: اقتصر على ما أمرتك به، أو أتركه، وافعل ما ذكرت من الخصاء، وعلى كل من

٤٠٠
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
قال صاحب فتح المنة بشرح الأخبار لمحيي السنة: هو كناية عن جريان
القلم بالمقادير وإمضائها والفراغ منها، فإن الفراغ بعد الشروع يستلزم جفاف القلم
عن مداده، فهو من إطلاق اللازم على الملزوم، وهذا اللفظ لم يوجد في كلام
العرب، بل هو من الألفاظ التي لم يهتد إليها البلغاء، بل اقتضتها الفصاحة النبوية.
وقوله عليه الصلاة والسلام: اليوم الرهان وغدًا السباق والغاية الجنة والهالك
من دخل النار.
الروايتين: الأمر ليس لطلب الفعل، بل للتهديد، كقوله تعالى: ﴿وقل الحق من ربكم، فمن شاء
فليؤمن، ومن شاء فليكفر﴾ [الكهف: ٢٩].
(قال صاحب فتح المنة بشرح الأخبار لمحيي السنة) البغوي، (هو كناية عن جريان
القلم بالمقادير وإمضائها والفراغ منها، فإن الفراغ بعد الشروع، يستلزم جفاف القلم عن
مداده،) لفراغ ما كتب به، (فهو من إطلاق اللازم على الملزوم،) وفي النهاية أنه تمثيل بفراغ
الكاتب من كتابته وييس قلمه، (وهذا اللفظ لم يوجد في كلام العرب، بل هو من الألفاظ التي
لم يهتد إليها البلغاء، بل اقتضتها الفصاحة النبوية) التي لا تنطق عن الهوى.
(وقوله عليه الصلاة والسلام: ((اليوم،) أي: الدنيا، (الرهان))،) بكسر الراء، قال المجد:
المخاطرة والمسابقة على الخيل، انتهى، استعير للمسابقة على الأعمال في الدنيا، كما قال
تعالى: ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض﴾ [الحديد: ٢١].
قال البيضاوي: سابقوا سارعوا مسارعة المتسابقين في المضمار، ((وغدًا)))) أي: يوم
القيامة، ((السباق))،) بالكسر، مصدر سابق مسابقة، وسباقًا بمعنى السبق، بفتحتين، وهو ما يجعل
من المال رهنًا على المسابقة، استعير للأعمال التي تلقاها العاملون يوم القيامة، وفي القاموس:
السبق محركة، والسبقة بالضم الخطر، يوضع بين أهل السباق، وفيه كالصحاح الخطر محركة
السبق الذي يتراهن عليه، وقد أخطر المال، أي: جعله خطرًا بين المتراهنين انتهى، وفي
الحديث: لا سبق إلاّ في خف، أو حافر.
قال الخطابي: الرواية الصحيحة بفتح الباء، وهو ما يجعل من المال رهنًا على المسابقة،
وبالسكون مصدر سبقت أسبق،(والغاية) التي يقع عليها الرهان (الجنة،) فيه حذف دل عليه
المذكور، أي: أو النار، فالفائز من دخل الجنة، (والهالك من دخل النار،) والمعنى الفائز من
عمل الأعمال الصالحة، وفعل المأمورات، واجتنب المنهيات، فدخل الجنة، فرفعت له فيها
الدرجات، والهالك من فعل المعاصي، فآل إلى استحقاق دخول النار، وحاصل معنى الحديث:
إن الدنيا بتمامها للناس، كيوم تتسابق المتسابقون فيه على خيلهم إلى غاية معلومة لهم، وقد

٤٠١
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقوله عليه الصلاة والسلام: من ضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه
ضمنت له على الله الجنة.
رواه جماعة، منهم العسكري عن جابر به، وفي البخاري والترمذي عن
سهل بن سعد بلفظ: من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة.
جعلوا ما لا يأخذه السابق غدًا، فمن عمل الصالحات فاز بذلك الجعل، الذي هو الجنة بمقتضى
الوعد الصادق، ومن عمل السيئات حرم الجعل، واستحق النار بمقتضى الوعيد ما لم يعف عنه إن
كان مسلمًا، هذا ما ظهر لي، ولم أر أحدًا شرحه، وبقية الحديث: أنا الأول، وأبو بكر الثاني،
وعمر الثالث، والناس بعد علي السبق الأول، فالأول رواه الطبراني، وابن عدي، والخطيب، عن
ابن عباس بتمامه مرفوعًا، وفيه أصرم بن حوشب، منكر الحديث.
(وقوله عليه الصلاة والسلام: (من ضمن)) في رواية: من حفظ، ((لي ما بين لحييه)))
بفتح اللام، وسكون المهملة، والتثنية، هما العظمان في جانب الفم، ((وما بين رجليه))) فرجه،
ترك التصريح به استهجانًا له واستحياءً، لأنه كان أشد حياء من البكر في خدرها، ((ضمنت له
على اللَّه الجنة))، رواه جماعة منهم: العسكري عن جابر به)) أي: بهذا اللفظ مرفوعًا.
(وفي البخاري،) في الرقاق والمحاربين، (والترمذي) في الزهد، وقال: حسن صحيح
غريب، (عن سهل بن سعد،) بسكون الهاء والعين، الساعدي، عن النبي عَّة (بلفظ: ((من
يضمن))).
قال الحافظ: بفتح أوله وسكون المعجمة، والجزم من الضمان، بمعنى الوفاء بترك
المعصية، (لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن،) بالجزم جواب الشرط (له الجنة،) أي:
على اللَّه، كما في الرواية السابقة، ولم تقع في البخاري والترمذي، فزيادتها في بعض نسخ
المصنف هنا لا تنبغي، والمراد بالضمان لازمه، وهو أداء الحق الذي عليه، فالمعنى من أدى
الحق الذي على لسانه من النطق بما يجب عليه، أو الصمت عما لا يعنيه، وأدى الحق الذي
على فرجه من وضعه في الحلال، وكفه عن الحرام، قاله الحافظ وغيره.
وقال الطيبي: أصل الكلام من يحفظ ما بين لحييه من اللسان والفم، فيما لا يعنيه من
الكلام والطعام يدخل الجنة، فأراد أن يؤكد الوعد تأكيدًا بليغًا، فأبرزه في صورة التمثيل، ليشير
بأنه واجب الأداء، فشبه صورة حفظ المؤمن نفسه، مما وجب عليه من أمر النبي عَّةٍ ونهيه،
وشبه ما يترتب عليه من الفوز الجنة، وأنه واجب على اللَّه تعالى بحسب الوعد أداؤه، وأنه عَّه.
هو الواسطة والشفيع بينه وبين اللَّه تعالى بصورة شخص له حق واجب الأداء على آخر، فيقوم به
ضامنًا من يتكفل له بأداء حقه، وأدخل المشبه في جنس صورة المشبه به، وجعله فردًا من
أفراده، ثم ترك المشبه به، وجعل القرينة الدالة عليه ما يستعمل فيه من الضمان ونحوه في

٤٠٢
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
والمراد بما بين لحييه: اللسان وما يتأتى به النطق، وما بين رجليه: الفرج، وقال
الداودي: المراد بما بين اللحيين: الفم، فيتناول الأقوال والأكل والشرب وسائر ما
یتأتی بالفم.
وفي لفظ: من توكل لي ما بين فقميه ورجليه أتوكل له بالجنة، والفقم:
بالضم والفتح: اللحى.
وفي لفظ آخر: من تكفل لي تكفلت له.
وللديلمي - بسند ضعيف - عن أنس رفعه: من ؤُقي شر قبقبه وذبذبه ولقلقه
وجبت له الجنة، ولفظ الإحياء: من وقي يعني البطن
التمثيل؛ أن اللَّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة انتهى، (والمراد بما بين
لحييه اللسان، وما يتأتى به النطق، وما بين رجليه الفرج، وقال الداودي) أحمد بن نصر،
الملكي، شارح البخاري: (المراد بما بين اللحيين: الفم،) بتمامه، (فيتناول الأقوال) كلها،
(والأكل، والشرب، وسائر ما يتأتى بالفم،) من النطق، والفعل، كتقبيل، وعض، وشتم.
قال: أعني الداودي، ومن يحفظ من ذلك أمن من الشر كله، لأنه لم يبق إلاَّ السمع
والبصر.
قال الحافظ: وخفي عليه أنه بقي البطش باليدين، وإنما محمل الحديث على أن النطق
باللسان أصل في حصول كل مطلوب، فإذا لم ينطق به إلاّ في خير سلم.
وقال ابن بطال: دل الحديث على أن أعظم البلايا على المرء في الدنيا لسانه وفرجه، فمن
وقى شرهما وقى أعظم الشر انتهى، يعني فخصهما بالذكر لذلك، (وفي لفظ) عند الطبراني
بسند جيد، عن أبي رافع: (من توكل،) أي: التزم (لي) حفظ (ما بين فقميه ورجليه أتوكل له
بالجنة،) أي: بدخوله إياها، (والفقم بالضم، والفتح) للفاء، وأما القاف فساكنة فيهما (اللحى،)
واقتصر الجوهري على الضم، وظاهر القاموس أن الفتح أفصح، وعبارته، والفقم، ويضم اللحى،
أو إحدى اللحيين، والفقم بضمتين الفم، (وفي لفظ آخر: من تكفل لي تكفلت له،) أي: من
ضمن ضمنت له، (وللديلمي) والبيهقي (بسند ضعيف، عن أنس رفعه: من وقى شر قبقبه،) أي:
بطنه (وذبذبه) بمعجمتين بعد كل موحدة بزنة مذهب، أي: ذكره سمى بذلك لتذبذبه، أي:
تحركه، (ولقلقه) بلامين وقافين، أي: لسانه، (وجبت له الجنة،) أي: استحق دخولها مع
السابقين، أو بغير عذاب، (ولفظ الإحياء من وقى، يعني البطن،) بيان لمفعوله وقى، فيصير
اللفظ: من وقى البطن (من القبقبة، وهو صوت يسمع في البطن، وكأنها حكاية ذلك الصوت،

٤٠٣
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
من القبقبة، وهو صوت يسمع في البطن، وكأنها حكاية ذلك الصوت، ويجوز أن
يكون كناية عن أكل الحرام وشبهه، والذكر واللسان.
فهذا وأشباهه، مما يعسر استقصاؤه. يدلك على ذلك أنه عَ ◌ّ قد رقى في
الفصاحة وجوامع الكلم درجة لا يقاس بها غيره، وحاز مرتبة لا يقدر فيها قدره
صَّاللّه
عايشاء.
ومما عد من وجوه بلاغته: ما ذكر أنه جمع متفرقات الشرائع وقواعد
الإسلام في أربعة أحاديث وهي:
حديث إنما الأعمال بالنية.
وحديث الحلال بين والحرام بين
ويجوز أن يكون كناية عن أكل الحرام، وشبهه والذكر واللسان،) بالنصب عطفًا على البطن.
وروى الترمذي، وابن حبان، والحاكم عن أبي هريرة رفعه: من وقاه اللَّه شر ما بين لحييه،
وشر ما بين رجليه دخل الجنة، وفي هذا كله تحذير عظيم من شهوتي البطن والفرج، وأنهما
مهلكة، ولا يقدر على كسر شهوتهما إلاّ الصديقون، (فهذا،) أي: المذكور من جوامع الكلم
(وأشباهه، مما يعسر استقصاؤه، يدلك على ذلك، أنه عَّهِ، قد رقي،) بكسر القاف، من باب
تعب، كما في المصباح، (في الفصاحة وجوامع الكلم درجة لا يقاس بها غيره، وحاز مرتبة
لا يقدر فيها قدره عَّةٍ، ومما عد من وجوه،) جمع وجه، أي: طرق أدلة (بلاغته ما ذكر) بالبناء
للمفعول، أي: ما ذكره الأئمة، (أنه جمع متفرقات الشرائع) القديمة، (و) جمع (قواعد الإسلام
في أربعة أحاديث،) فجعل المصنف جمعهم دليلاً على البلاغة، لا أنه نفسه من البلاغة، إذ ليس
منها على أن هذا، إنما يجيء إن فسر وجوه بصفات، إما بطرق بمعنى أدلة فلا، (وهي حديث: إنما
الأعمال بالنية، ) أي: الحديث الذي منه هذه الجملة، وكذا، يقال في الباقي، وتقدم في أوائل
هذا المبحث شرح هذا اللفظ بما يغني عن إعادته حين ذكره المصنف، (وحديث: الحلال) ضد
الحرام لغة وشرعًا، (بين) ظاهر بالنظر إلى ما دل عليه بلا شبهة، وهو ما نص اللَّه ورسوله، أو
أجمع المسلمون على حله بعينه، أو جنسه، ومنه ما لم يرد فيه منع في أظهر الأقوال، أما
المختلف فيه، فليس من البين الخفاء، الحل عن القائل بالحرمة وعكسه، (والحرام بين،) أي:
ظاهر بالنظر إلى ما دل عليه بلا شبهة.
قال الحافظ: أي: في عينهما ووصفهما بأدلتهما الظاهرة انتهى، أي: فإنما هما بالنص، أو

٤٠٤
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
رواه مسلم.
وحديث البينة على المدعي واليمين على من أنكر.
وحديث لا يكمل إيمان المرء
الإجماع على تحريمه بعينه، أو جنسه، أو بورود عقوبة، أو وعيد عليه لا بنفسهما، فلا حجة فيه
للمعتزلة في قولهم: العقل يميز الحسن من القبيح، حتى لو لم تبعث الرسل لعلم ذلك، وإنما
بعثت لاختلاف العقول، بل الحسن ما حسنه الشرع، وكذلك القبيح، ثم التحريم إما لمفسدة، أو
مضرة خفية، كالزنا، ومذكي المجوس، وإما المفسدة، أو مضرة واضحة، كالسم والخمر،
وتفصيله يطول هذا، والظاهر من مقابلة الحلال بالحرام شموله الواجب، والمندوب، والمباح،
والمكروه، وخلاف الأولى، كذا قيل، لكن وصفه ببين، بمعنى ظاهر یبعد ذلك، إذ لو بان
ما كره، أو كان خلاف الأولى، (رواه مسلم) في البيوع، وكذا البخاري فيه، وفي كتاب
الإيمان، وأبو داود، والترمذي، والنسائي في البيوع، وابن ماجه في الفتن، فما هذا التقصير
للمصنف في العزو، فلا أقل من رواه الشيخان كلهم من حديث النعمان بن بشير، سمعت
النبي عَّهِ يقول ... فذكره مطوّلاً.
(وحديث: البينة على المدعي،) وفي رواية: على من ادعى، وهو من يخالف قوله
الظاهر، أو من لو سكت خلى، (واليمين على من أنكر) المدعى عليه به، لأن جانب المدعي
ضعيف، فكلف حجة قوية هي البينة، وجانب المدعى عليه قوي، فقنع بحجة ضعيفة هي اليمين.
قال ابن العربي: وهذا الحديث من قواعد الشريعة التي ليس فيها خلاف، وإنما اختلف في
تفاصيل الوقائع.
قال البيضاوي: والبينة في الأصل، الدلالة الواضحة التي تفصل الحق من الباطل، وقال
غيره: هي ما ظهر برهانه في الطبع والعلم والعقل، بحيث لا مندوحة عن شهود وجوده، ثم هذا
الحديث رواه عبد الرزاق، والبيهقي، وابن عساكر، والدارقطني عن ابن عمرو بن العاصي بزيادة،
إلاَّ في القسامة.
قال الحافظ: وهو حديث غريب معلول، وأخرجه الترمذي من حديث ابن عمر، وأيضًا
بلفظ: البينة على المدعي عليه، وله شاهد عن ابن عباس، وابن عمر، وغيرهما. (وحديث: لا
يكمل إيمان المرء) نقل بالمعنى لبيان المراد، وإلاّ فرواية الصحيحين، وغيرهما لا يؤمن أحدكم،
وفي رواية: أحد، وفي رواية: عبد، وزاد مسلم أوّله: والذي نفسي بيده، وقال الشراح: معناه إيمانًا
كاملاً، فالمراد بنفيه هنا نفي بلوغ حقيقته ونهايته كخبر: لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن،
ونفى اسم الشيء على معنى نفى الكمال مستفيض في كلامهم، كقولهم فلان ليس بإنسان، ولا

٤٠٥
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه رواه الشيخان.
يرد استلزامه إن فاعل ذلك يكمل إيمانه، وإن ترك بقية الأركان، لأن هذا ورد مورد المبالغة،
ويستفاد من قوله لأخيه المسلم ملاحظة بقية صفات المسلم، وصرح في رواية ابن حبان بالمراد
ولفظه: لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان، إذ معنى الحقيقة الكمال ضرورة إن من لم يتصف بهذه
الصفة لا يكون كافرًا، (حتى يحب) بالنصب، لأن حتى جارة، وإن بعدها مضمرة، ولا يجوز
الرفع، فتكون عاطفة لفساد المعنى، إذ عدم الإيمان ليس سببًا للمحبة، قاله الكرماني (لأخيه)
المسلم، كما زاده في رواية الإسماعيلي، ولعله غالبي، فالمسلم ينبغي حبه للكافر الإسلام
وما يترتب عليه من خير وأجر، (ما يحب لنفسه،) من الخير، كما في رواية النسائي، وابن منده،
والإسماعيلي والقضاعي، فلا حاجة لقوله بعضهم، وهو عام مخصوص، إذ الرجل يحب لنفسه
وطء حليلته لا لغيره، والخير كلمة جامعة تعم الطاعات والمباحات الدينية، أو الدنيوية، وتخرج
المنهيات، لأن اسم الخير لا يتناولها، والمحبة إرادة ما يعتقده خيرًا.
قال النووي: المحبة الميل إلى ما يوافق المحب، وقد يكون بحواسه كحسن الصورة، أو
بعقله، إما لذاته کالفضل والكمال، أو لإحسانه کجلب نفع ودفع ضر انتهى.
والمراد هنا الميل الاختياري دون الطبيعي والقسري، والمراد أيضًا نظير ما حصل له، لا
عينه سواء، كان ذلك في الأمور المحسوسة والمعنوية، وليس المراد أن يحصل لأخيه ما حصل
له، مع سلبه عنه، ولا مع بقائه بعينه له، إذ قيام الجوهر، أو العرض بمحلين محال، قيل: وظاهر
الحديث طلب المساواة، وحقيقته تستلزم التفضيل، لأن كل أحد يجب أن يكون أفضل من
غيره، فإذا أحب لأخيه مثاله، فقد دخل في جملة المفضولين.
قال الحافظ: أقر عياض هذا وفيه نظر، إذ المراد الزجر عن هذه الإرادة، لأن المقصود
الحث على التواضع، فلا يكون أفضل من غيره، فهو مستلزم للمساواة، ويستفاد ذلك من قوله
تعالى: ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض، ولا فسادًا﴾ [القصص:
٨٣]، ولا يتم ذلك إلاَّ بترك الحسد والغل والحق والغش، وكلها خصال مذمومة.
قال الكرماني: ومن الإيمان أيضًا أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه من الشر، ولم يذكره،
لأن حب الشيء مستلزم لبعض نقيضه، فترك النص عليه اكتفاء انتهى، وذلك ليكون المؤمنون
كنفس واحدة، ومن زعم كابن الصلاح أن هذا من الصعب الممتنع، فقد غفل عن المعنى
المراد، وهو أن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها، كما علم، وبه دفع زعم أن
هذه محبة عقلية لا تكليفية، لأن الإنسان جبل على حب الاستئثار، فتكليفه بأنه يحب له
ما يحب لنفسه مفض، لأن لا يكمل إيمان أحد إلاّ نادرًا، ثم مقصود الحديث انتظام أحوال

٤٠٦
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
فالحديث الأول: يشتمل على ربع العبادات.
والثاني: على ربع المعاملات.
والثالث: على ربع الحكومات وفصل الخصومات.
والرابع: على ربع الآداب والمناصفات ويدخل تحته التحذير من الجنايات.
المعاش، والمعاد، والجري على قانون السداد ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا، ولا تفرقوا﴾ [آل
عمران: ١٠٣]، وعماد ذلك كله وأساسه السلامة من الأمراض القلبية، فالحاسد يكره أن
يفوقه أحد، أو يساويه في شيء، والإيمان يقتضي المشاركة في كل خير من غير أن ينقص على
أحد من نصيب أحد شيء، نعم، ومن كمال الإيمان تمنى مثل فضائله الأخروية التي فارق عليها
غيره، وقوله: ((لا تتمنوا ما فضل اللَّه به بعضكم على بعض))، نهي عن الحسد المذموم، فإذا فارقه
أحد في فضل ديني، اجتهد في لحاقه، وحزن على تقصيره لا حسدًا، بل منافسة في الخير
وغبطة، (رواه الشيخان،) والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن أنس، لكن لفظ رواية مسلم: حتى
يحب لأخيه، أو قال: جاره، ورواية البخاري: وغيره لأخيه، بلا شك.
(فالحديث الأول:) ((إنما الأعمال بالنية))، (يشتمل على ربع العبادات،) عند بعضهم،
ومنهم من قال، كالشافعي في إحدى الروايتين، عنه يدخل فيه نصف العلم، ووجهه المصنف
فيما مر تبعًا لغيره، بأن للدين ظاهر، أو باطنًا، فالنية متعلقة بالباطن، والعمل هو الظاهر، وبأن النية
عبودية القلب، والعمل عبودية الجوارح، ومنهم من قال ثلثه، كأحمد وابن مهدي، والشافعي في
الرواية الثانية، ووجهه: أن الدين قول وعمل ونية.
(والثاني:) الحلال بين والحرام بين (على ربع المعاملات،) كما نقل عن أبي داود.
وقال ابن العربي: جعلوا هذا الحديث ثلث الإسلام وربعه، وأكثروا في التقسيمات،
وكلها تحكمات، تحتمل الزيادة والنقص، وبالجملة، فالمعاني مشتركة، ولو قيل: إنه نصف
الإسلام، لكان له وجه، ولو قيل: إنه جملة الدين، لما عدم وجهًا.
قال القرطبي: لأنه اشتمل على التفصيل بين الحلال وغيره، وعلى تعلق جميع الأعمال
بالقلب، فمن هنا، یمکن أن ترد جمیع الأحكام إليه.
(والثالث): حديث البينة (على ربع الحكومات، وفصل الخصومات).
(والرابع: على ربع الآداب والمناصفات،) جمع مناصفة بمعنى إنصاف، أي: العدل في
معاملة الإخوان بعضهم مع بعض، (ويدخل تحته التحذير من الجنايات،) لأنه إذا جنى على
أخيه لم يحب له ما يحب لنفسه، إذ هو لا يحب أن أحدًا يجني عليه، ومنهم من عد حديث:

٤٠٧
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
قال ابن المنير.
ومما عدَّ أيضًا من أنواع بلاغته كلامه عليه الصلاة والسلام مع كل ذي لغة
بليغة بلغته اتساعًا في الفصاحة، واستحداثًا للألفة، فكان عَّه يخاطب أهل الحضر
بكلام ألين من الدهن وأرق من المزن، ويخاطب أهل البدو بكلام أرسى من
الهضب وأرهف من العضب.
فانظر إلى دعائه لأهل المدينة حين سألوه ذلك فقال: اللَّهم بارك لهم في
مکیالهم وبارك لهم في صاعهم ومدهم،
إزهد في الدنيا يحبك اللَّه ربعًا، وأسقط البينة، وعد حديث من حسن إسلام المرء تركه
ما لا يعنيه، وأسقط حديث: لا يؤمن، وفي ذلك البيتان المشهوران:
عمدة الدين عندنا كلمات مسندات من قول خير البرية
اتركن الشبهات وازهد ودع ما ليس يعنيك واعملن بنية
(قال ابن المنير) في المقتفى: (ومما عد أيضًا من أنواع بلاغته كلامه عليه الصلاة
والسلام، مع كل ذي لغة بليغة بلغته اتساعًا،) أي: زيادة (في الفصاحة، واستحداثًا للألفة،)
بضم الهمزة وكسرها، كما يفيده المصباح، وهي الأنس والمحبة، (فكان ◌َّ يخاطب أهل
الحضر بكلام ألين من الدهن، وأرق من المزن) السحاب الأبيض، جمع مزنة، (ويخاطب أهل
البدو) الملازمين للبادية، ولم يخالطوا أهل الحاضرة، حتى تفسد لغتهم، وليس المراد بهم
الإخلاط الذين لا يحسنون اللغات (بكلام أرسى،) أثبت (من الهضب) جمع هضبة، وتجمع أيضًا
على هضاب، وجمع الجمع أهاضيب، كما في القاموس قائلاً، وهي: الجبل المنبسط على
الأرض، أو جبل خلق من صخرة واحدة، والطويل الممتنع المنفرد، ولا يكون إلاَّ في حمر
الجبال، والمعنى أنه يخاطبهم بكلام أثبت من الجبال الراسية في تمكنه من اللغة لشدة فصاحته،
(وأرهف من العضب،) بمهملة، ومعجمة ساكنة، السيف القاطع، (فانظر إلى دعائه لأهل
المدينة،) الذين هم أهل حضر، (حين سألوه ذلك،) أي: الدعاء، (فقال: ((اللهم بارك لهم في
مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم ومدهم))،) أي: فيما يكال بذلك.
قال الراغب: أصل البرك صدر البعير، وإن استعمل في غيره وبرك البعير ألقى بركه، واعتبر
فيه معنى اللزوم، ومنه بركاء الحرب، لمكان تلزمه الأبطال، والبركة لمحبس الماء، والبركة
ثبوت الخير الإلهي في الشيء، قال تعالى: ﴿لفتحنا عليهم بركات من السماء﴾ [الأعراف: ٩٦]

٤٠٨
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وفي حديث آخر: اللَّهم باركِ لنا في تمرنا وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في
صاعنا، وبارك لنا في مدنا. اللَّهم إني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لمكة
ومثله معه.
ثم انظر دعاءه لبني نهد وقد وفدوا عليه في جملة الوفود، فقام طهفة بن
٠
رهم
لثبوت خيرها ثبوت الماء في البركة، والمبارك ما فيه ذلك الخير، ولما كان الخير الإلهي
يصدر من حيث لا يحس على وجه لا يحصى، ولا يحصر، قيل: لكل ما يشاهد منه زيادة غير
محسوسة، مبارك فيه بركة، وإلى هذه الزيادة أشير بحديث: ((لا ينقص مال من صدقة))، لا إلى
النقصان المحسوس، كما قال بعض الخاسرين، حين قيل له: ذلك بيني وبينك الميزان، وقوله
تعالى: ﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجًا﴾ [الفرقان: ٦١]، تنبيه على ما يفيض علينا
بواسطة هذه البروج والنيرين المذكورة، وكل موضع ذكر فيه تبارك، فهو تنبيه على اختصاصه
تعالی بالخيرات المذكورة، مع ذکر تبارك انتھی، وهو تحقیق نفیس لا مزيد عليه.
(وفي حديث آخر) عند مسلم بمعناه: (اللهم بارك لنا في تمرنا، وبارك لنا في مديتنا،) أي:
كثر خيرها، (وبارك لنا في صاعنا،) أي: فيما يكال بصاع مدينتنا، (وبارك لنا في مدنا،) أي:
وفيما يكال به، ثم يحتمل كون البركة دينية، وتكون بمعنى الثبات، أي: ثبتنا في أداء حقوق
الحق المتعلقة بهذه المقادير، وكونها دنيوية، وتكون بمعنى الزيادة، بحيث يكفي المد فيها
ما لا يكفي في غيرها، ويحتمل الأمرين معًا، (اللهم إني أدعوك للمدينة) طيبة، (بمثل ما دعاك
إبراهيم لمكة) بقوله: ﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات﴾ [إبراهيم: ٣٧]
الآية، (ومثله معه،) وفي رواية مسلم: اللهم اجعل مع البركة بركتين، وعند الترمذي: أدعوك لأهل
المدينة أن تبارك لهم في مدهم وصاعهم، مثل ما باركته لأهل مكة مع البركة بركتين، وتمسك
بهذا من فضلها على مكة، لأن التضعيف شامل للأمور الدينية أيضًا، (ثم انظر دعاءه لبني نهد،)
بفتح النون، وسكون الهاء، ودال مهملة، قبيلة باليمن الذين هم أهل بدو، أي: تأمل الفرق بينه
وبين دعائه لأهل المدينة، حيث دعا لنهد بنوع ما جاؤوا به، (وقد وفدوا عليه في جملة الوفود،
فقام طهفة،) بكسر الطاء المهملة، وفتحها، وهاء ساكنة تليها فاء، كما قال ابن عبد البر، وضبطه
غيره بالتحتية بدل الفاء، ويقال بخاء معجمة بدل الهاء وبالفاء، ثم هاء تأنيث، ويقال: طغية بغين
معجمة وياء، وقيل: طقفة بقاف، ثم فاء، ويقال: اسمه يعيش، أو قيس (ابن رهم،) كذا في
النسخ، والذي في الإصابة طهفة بن أبي زهير، وقال أبو عمر: طهفة بن زهير انتهى، فإن ثبت
ما للمصنف، فيجوز أن أبا زهير أسمه رهم (النهدي،) روى قصته هذه بطولها ابن الأعرابي في

٤٠٩
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
النهدي يشكو الجدب إليه فقال: فقال يا رسول الله أتيناك من غورى تهامة،
بأكوار الميس، نرتمي بنا العيس، نستخلب الصبير، ونستخلب الخبير، ونستعضد
البرير، ونستحيل الرهام، ونستحيل الجهام، من أرض غائلة النطاء، غليظة الوطاء،
قد نشف المدهن، ويبس الجعثن، وسقط الأملوج، ومات العسلوج، وهلك الهدي،
ومات الودي، برئنا إليك يا رسول الله من الوثن والعنن وما يحدث من الزمن، لنا
دعوة الإسلام وشرائع الإسلام ما طما البحر وقام تعار، ولنا نعم همل، أغفال ما
تبل ببلال، ووقير كثير الرسل، قليل الرسل، أصابتها سنية حمراء مؤزلة، لي لها
علل ولا نهل.
معجمه، وأبو نعيم في الصحابة عن عمران بن حصين، وابن الجوزي في العلل من وجه ضعيف
جدًا، عن علي بن أبي طالب قالا: قدم وفد بني نهد على النبي عَّةٍ، فقام طهفة لفظ عمران،
ولفظ علي: طخفة بالخاء المعجمة ابن أبي زهير، (يشكو الجدب إليه،) بدال مهملة، ضد
الخصب، (فقال: يا رسول اللَّه أتيناك من غوري،) بفتح المعجمة، والراء، وإسكان الواو بينهما،
(تهامة)) أي: ما انحدر مغربًا عنها، كما في القاموس (بأكوار،) أي: رحال، (الميس،) بفتح
الميم، وإسكان التحتية، ومهملة، (نرتمي) نقصد (بنا العيس،) أي: الإبل مطلقًا، وإن كانت في
اللغة الإبل البيض إلى صفرة، (نستخلب الصبير، ونستخلب الخبير،) بمعجمة فيهما،
(ونستعضد البرير، ونستخيل) بمعجمة (الرهام،) بكسر الراء: الأمطار الضعيفة الدائمة،
(ونستحيل،) بحاء مهملة، على الأشهر، وروى بجيم وخاء معجمة (الجهام،) بفتح الجيم،
السحاب لا ماء فيه، أو انقطع ماؤه (من أرض غائلة النطاء،) بكسر النون، مهلكة لبعدها (غليظة
الوطاء، قد نشف المدهن،) بضم الميم، والهاء، من النوادر التي جاءت على خلاف القياس،
والقياس الكسر، كما في المصباح، (ويبس الجعثن،) بكسر الجيم، وسكون المهملة، وكسر
المثلثة، (وسقط الأملوج، ومات العسلوج، وهلك الهدى، ومات الودى، برئنا إليك يا رسول اللَّه
من الوثن والعنن، وما يحدث من الزمن لنا دعوة الإسلام وشرائع الإسلام ما طما البحر، وقنام
تعار ولنا نعم همل،) بفتحتين، وبضم أوله، وفتح ثانيه، ثقيلاً (أغفال) بمعجمة، وفاء (ما تبل
ببلال ووقير،) بقاف، وتحتية وراء، قطيع من الغنم، (كثير الرسل،) بفتح الراء، أي: شديد
التفرق في طلب المرعى، (قليل الرسل،) بكسر فسكون، اللبن، كما في النهاية، (أصابتها سنية
حمراء) أي: جدب شديد، تصغير تعظيم، قاله في النهاية، (مؤزلة).
قال ابن الأثير: الأزل الضيق، والشدة، وسنة مؤزلة آتية بالأزل والقحط، (ليس لها علل،
ولا نهل،) أي: شرب ثان بعد شرب أوّل لشدة القحط، (فقال لهم رسول اللَّه عَّم: «اللهم بارك

٤١٠
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
فقال لهم رسول الله عَّه: اللَّهم بارك لهم في محضها ومخضها ومذقها،
وابعث راعيها في الدثر بيانع الثمر، وافجر له الثمد، وبارك له في المال والولد، من
أقام الصلاة كان مسلمًا، ومن آتى الزكاة كان محسنًا، ومن شهد أن لا إله إلا الله
كان مخلصًا، لكم يا بني نهد ودائع الشرك، ووضائع الملك، لا تلطط في الزكاة،
ولا تلحد في الحياة،
لهم في محضها ومخضها ومذقها))،) متعلق ببارك، أي: اجعل البركة، وزيادة الرزق وثباته
مقسومًا وأصلاً لهم، (وابعث) أرسل (راعيها في الدثر،) بفتح المهملة، وإسكان المثلثة وتفتح،
المال الكثير، (بيانع الثمر،) من إضافة الصفة للموصوف، أي: بالثمر اليانع، (وأفجر،) بضم
الجيم (له) للراعي (الثمد،) بمثلثة مفتوحة، وميم ساكنة، وتفتح. الماء القليل، أي: كثره للراعي،
وإذا كثر له كثر لغيره، فافجر مجاز عن معنى التكثير للزومه له غالبًا، (وبارك له في المال
والولد،) عطف على ما قبله، أو على بارك الأوّل، والماء كل ما يتموّل ويملك، وهو في كلام
العرب في الأكثر يختص بالإبل، ويجوز إرادة كل منهما هنا (من أقام الصلاة كان مسلمًا،) أي:
كاملاً، كقوله: المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، أو المراد يحكم بإسلامه الظاهر، أو
المراد الحث على إقامة الصلاة، أي: المداومة والمحافظة عليها، أو هو على ظاهره، لأن من
تركها مستحلاً لتركها كفر، أو لأن تاركها كافر في قول كثيرين منهم أحمدًا، وهو في حكم
الكافر، لأنه يقتل، (ومن آتى،) بالمد، أعطى وأدى (الزكاة كان محسنًا،) منعمًا متفضلاً على
الفقراء، أو إتيانًا بأمرٍ حسن، مطلوب في الدين، (ومن شهد أن لا إله إلاَّ اللَّه،) أي: أتى بكلمة
التوحيد، وأعلن بها (كان مخلصًا) في إيمانه، لأن الظاهر مطابقة قوله، لما في قلبه حملاً لأحوال
المؤمن على الصلاح، والمراد بالإخلاص عدم النفاق.
وقيل: المراد من قال كلمة الشهادة، وهي لا إله إلاَّ اللَّه محمد رسول اللَّه، كما يقال:
قرأت حم والكتاب المبين، أي: السورة بتمامها (لكم يا بني نهد ودائع الشرك) لكم خير مقدم
للاهتمام، لا للحصر القلبي، بناء على ما يأتي من تفسيره، وجملة النداء معترضة لبيان المخاطب
(ووضائع الملك،) بكسر الميم، على تفسيره الآتي ما يلزم الناس في أموالهم من زكاة وصدقة،
أي: يلزمكم من غير زيادة، ولا نقص، أو بضم الميم، أي: ما كان ملوك الجاهلية يوظفونه على
الرعايا، ويستأثرون به من غنائم الحروب لا يؤخذ منكم، فهو لكم (لا تلطط،) بضم الفوقية،
وإسكان اللام، وكسر الطاء الأولى، مجزوم على النهي، (في الزكاة) متعلق به، أي: لا تمنعها،
(ولا تلحد،) بضم التاء والجزم، (في الحياة) من ألحد إذا جار وعدل عن الحق، أي: لا تمل
عن الحق ما دمت حيًّا، (ولا تتثاقل) بالجزم أيضًا، أي: لا تتوان وتتكاسل، (عن الصلاة) كناية

٤١١
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
ولا تتثاقل عن الصلاة.
ثم كتب معه كتابًا إلى بني نهد: بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد
رسول الله إلى بني نهد بن زيد، السلام على من آمن بالله عز وجل ورسوله، لكم
يا بني نهد في الوظيفة الفريضة، ولكم الفارض والفريش، وذو العنان الركوب،
والفلو الضبيس، لا يمنع سرحكم، ولا يعضد طلحكم، ولا يحبس دركم ما لم
تضمروا الإماق، وتأكلوا الرباق، من أقر بما في هذا الكتاب فله من رسول الله عَ ليه
الوفاء بالعهد
عن تركها، كأن عليه ثقلاً يمنعه عن الحركة إليها، والخطاب في الثلاثة لطهفة، فأفرده بعد
خطاب الجماعة بقوله: يا بني نهد لجواز أنه ذكرهم به حال خطابه لطهفة، ويدل عليه قوله: (ثم
كتب معه كتابًا إلى بني نهد: ((بسم الله الرحمن الرّحيم، من محمد رسول اللَّه إلى بني نهد بن
زيد، السلام على من آمن بالله عز وجل ورسوله لكم يا بني نهد في الوظيفة))،) بظاء معجمة
وفاء، بزنة سفينة، وجمعها وظائف، ووظف كسفن (الفريضة ولكم الفارض،) بالفاء والعين
المهملة، (والفريش،) بالفاء المعجمة، (وذو العنان،) بالكسر، (الركوب،) بفتح الراء والرفع صفة،
ذوو روى بالجر صفة العنان، (والفلو،) بفتح الفاء، وضم اللام، وشد الواو، المهر الصغير سمى
فلوّا، لأنه يفلي عن أمه، أي: يقطع بالفطام عنها.
قال الجوهري: يقال: فلوته إذا قطعته، وعن أبي زيد: إذا افتحت الفاء شددت الواو، وإذا
كسرتها خففت، فقلت: فلو كجرو، وفي القاموس: الفلو بالكسر وكعدوّ وسمو الجحش والمهر
طمًا، أو بلغا السنة (الضبيس،) بمعجمة، وإهمالها وهم (لا يمنع سرحكم، ولا يعضد طلحكم،)
بفتح المهملة، وسكون اللام ومهملة، شجر عظيم، يقال له: العضاء، وأم غيلان، وكل شجر له
شوك، والمراد لا يقطع لكم شجر طلحًا، أو غيره، وخصه، لأنه لا ثمر له، فإذا منع من قطعه علم
عدم قطع غيره بالأولى، (ولا يحبس دركم،) بفتح الدال، وشد الراء المهملتين، أصل معناه اللبن،
والمراد به هنا الإنعام ذوات الدر، أي: لا تمنع عن المرعى (ما لم تضمروا) تخفوا، أو تكتموا
(الإماق) بهمزة مكسورة، وميم ساكنة، وهمزة ممدودة تليها قاف بزنة الإكرام، أي: الغدر
والبغض، وقد تخفف همزته، كما في التلمساني، ويأتي للمصنف أن في رواية الرماق، بكسر
الراء والميم، قيل: وهي التي اتفق عليها شراح الشفاء، ومحشوها، (وتأكلوا الرباق،) براء وموحدة
خفيفة وقاف، جمع ربقة، (من أقر بما في هذا الكتاب فله من رسول اللّه مَ ◌ّ الوفاء بالعهد،) أل
عهدية، أي: ما عاهدهم عليه في كتابه هذا، أو ما علم من عهود الإسلام، (والذمة) بمعنى العهد

٤١٢
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
والذمة، ومن أبى فعليه الربوة.
وتحتاج هذه الألفاظ البالغة أعلى أنواع البلاغة إلى التفسير:
فالميس: شجر صلب تعمل منه أكوار الإبل ورحالها.
ونستحلب - بالحاء المهملة - الصبير: بفتح الصاد المهملة وكسر الموحدة،
وهو سحاب أبيض متراكب متكاثف. أي نستدر السحاب.
ونستخلب ـ بالخاء المعجمة - الخبير: بالخاء المعجمة أيضًا ثم الموحدة:
النبات والعشب، شبه بخبير الإبل وهو وبرها، واستخلابه: احتشاشه بالمخلب،
وهو المنجل، والخبير: يقع على الوبر والزرع والأكار قاله ابن الأثير.
والأمان والضمان والحرمة والحق، والمراد الأوّلان سميت ذمة، لأَن تركها يوجب الذم، ثم سمى
محل الالتزام بها في قول الفقهاء ثبت في ذمته، كذا قال القرافي في قواعده: لم يعرف أكثر
الفقهاء معناها، وحقيقتها حتى ظنوا أنها أهلية المعاملة، أو صحة التصرف، وليس كذلك، لأن
كلا يوجد بدون الآخر، وهي عبارة عن معنى مقدر في المكلف، قابل للالتزام واللزوم، مسبب
عن أشياء خاصة في الشرع، وهي البلوغ والرشد وعدم الحجر، وهي من خطاب الوضع، (ومن
أبى) امتنع من قبول العهد، أو نقضه بعد قبوله ودخوله فيه من منع الزكاة، (فعليه الربوة،) مثلث
الراء ساكن الموحدة.
(وتحتاج هذه الألفاظ البالغة أعلى أنواع البلاغة إلى التفسير، فالميس) بفتح الميم،
وسكون التحتية، (شجر صلب يعمل منه أكوار الإبل ورحالها) عطف تفسير، ففي القاموس:
الكور بالضم الرحل، أو بأدواته، (ونستحلب بالحاء المهملة الصبير، بفتح الصاد المهملة،
وكسر الموحدة، وهو سحاب أبيض متراكب، متكاثف،) كان بعضه صبر على بعض، أي:
حبس، (أي: نستدر السحاب،) أي: نطلب نزول دره، وهو المطر، (ونستخلب بالخاء
المعجمة الخبير، بالخاء المعجمة، أيضًا، ثم الموحدة النبات والعشب،) خاص على عام،
(شبه بخبير الإبل، وهو وبرها،) فهو مجاز، (واستخلابه احتشاشه بالمخلب، وهو المنجل،)
بكسر الميم، الآلة المعروفة، (والخبير يقع على الوبر والزرع، والأكار) الزراع، ومنه المخابرة،
وهي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض، (قاله ابن الأثير) في النهاية، والمراد هنا الزرع، أي:
النبات.
قال الجوهري: وفي الحديث: نستخلب الخبير، أي: نقطع النبات ونأكله انتهى، ثم
ظاهر قوله يقع أنه حقيقة لغوية في كل، وهو ظاهر إطلاق القاموس والصحاح، فيخالف قوله شبه

٤١٣
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
ونستعضد البرير: أي نقطعه ونجنيه من ثمره للأكل، وهو بموحدة وراءين
بينهما مثناة تحتية، ثمر الأراك إذا اسود وبلغ، وقيل: هو اسم له في كل حال،
وكانوا يأكلونه في الجدب.
ونستخيل - بالخاء المعجمة - الرهام: بكسر الراء، وهي الأمطار الضعيفة،
واحدتها رهمة، أي نتخيل الماء في السحاب القليل، وقيل: الرهمة أشد وقعًا من
الديمة.
ونستجيل: بالجيم، أي نراه جائلاً يذهب به الريح لههنا وههنا.
والجهام: بالجيم، أي السحاب الذي فرغ ماؤه.
ومن روى نستخيل - بالخاء المعجمة بدل الجيم - فهو نستفعل من ((خلت،
أخال)) إذا ظننت، أراد لا نتخيل في السحاب حالاً إلاّ المطر وإن كان جهامًا
لشدة حاجتنا إليه، ومن رواه بالحاء المهملة - وهو الأشهر - أراد: لا ننظر من
السحاب في حال إلا إلى جهام من قلة المطر.
بخبير الإبل، اللهم إلاَّ أن يريد يقع مجازًا فلا تخالف، (ونستعضد البرير: أي نقطعه،) فالسين
للتأكيد، (ونجنيه من ثمره للأكل، وهو بموحدة وراءين، بينهما مثناة تحتية، ثمر الأراك إذا
اسود وبلغ، وقيل: هو اسم له في كل حال،) وإن لم يسود ويبلغ، (وكانوا يأكلونه في
الجدب) لقلة الزاد، (ونستخيل، بالخاء المعجمة الرهام، بكسر الراء، وهي الأمطار الضعيفة)
الدائمة، كما في القاموس، (واحدتها رهمة) بكسر الراء، وتجمع أيضًا على رهم كعنب، كما في
القاموس (أي: نتخيل الماء في السحاب القليل، وقيل: الرهمة أشد وقعًا من الديمة) المطر،
(ونستجيل بالجيم، أي: نراه جائلاً يذهب به الريح لههنا ولههنا، والجهام بالجيم) المفتوحة،
(أي: السحاب الذي فرغ ماؤه)،) كذا فسره ابن الأثير، وهو أحد قولين حكاهما المجد، فقال:
الجهام السحاب لا ماء فيه، أو قد هراق ماءه، وجزم الجوهري بأوّلهما، وقد يكون أنسب هنا،
(ومن روى: نستخيل بالخاء المعجمة، بدل الجيم، فهو نستفعل،) ذكره لبيان مأخذه، وإلاَّ
فوزنه كذلك على الرايات الثلاث، (من خلت أخال إذا ظننت أراد لا نتخيل في السحاب حالاً،
إلاَّ المطر، وإن كان جهامًا لشدة حاجتنا إليه،) فنظن ما لا وجود له موجودًا، (ومن رواه بالحاء
المهملة) لا بمعجمة، ولا جيم، (وهو الأشهر، أراد لا ننظر من السحاب في حال، إلاَّ إلى
جهام من قلة المطر،) فقده بعد وجوده، أو عدم وجوده أصلاً، وهذا كله لفظ النهاية، (وأرض

٤١٤
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وأرض غائلة - بالغين المعجمة - والنطاء - بكسر النون - أي مهلكة للبعد،
يقال: بلد نطي، أي بعيد، ويروى المنطأ وهو مفعل منه.
والمدهن: نقرة في الجبل.
والجعثن: بالجيم والمثلثة، أصل النبات، ويقال: أصل الصليان خاصة وهو
نبت معروف.
والعسلوج: بضم العين وبالسين المهملتين، آخره جيم، وهو الغصن إذا يبس
وذهبت طراوته، وقيل: هو القضيب الحديث الطلوع، يريد أن الأغصان يبست
وهلكت من الجدب، وجمعه: عساليج.
والأملوج: بالضم والجيم، ورق شجر يشبه الطرفاء والسرو، وقيل: هو ضرب
من النبات ورقه كالعيدان، وقيل: هو نوى المقل. وفي رواية: وسقط الأملوج من
البكارة - بالكسر - جمع البكرة - بالفتح - يريد أن السمن الذي قد علا بكارة الإبل
بما رعت
غائلة بالغين المعجمة، والنطاء، بكسر النون، أي: مهلكة) بيان لغائلة، (للبعد، يقال: بلد نطي،
أي: بعید، ویروی المنطأ، وهو مفعل منه).
فالروايتان بمعنى، (والمدهن نقرة في الجبل،) كما قال ابن الأثير، ويخالفه قول القاموس:
المدهن، بالضم، آلة الدهن، وقارورته شاذ ومستنقع الماء، أو كل موضع حفره سيل، ومنه
حديث: طهفة نشف المدهن، اللهم إلاَّ أن يريد بنقرة الحبل ما حفره السيل مما اعتيد حفره فيه،
وهو كناية عن جفاف الماء في جميع نواحيهم، (والجعثن بالجيم والمثلثة) المكسورتين،
بينهما مهملة ساكنة، آخره نون، (أصل النبات) مطلقًا، (ويقال: أصل الصليان) بكسرتين مشددة
اللام، واحدته بهاء، ذكره القاموس في باب اللام، (خاصة، وهو نبت معروف، والعسلوج بضم
العين وبالسين المهملتين آخره جيم، وهو الغصن إذا يبس وذهبت طراوته، وقيل: هو القضيب
الحديث،) الجديد (الطلوع، يريد أن الأغصان بيست وهلكت من الجدب، وجمعه عسالیج،
والأملوج بالضم) بالألف واللام (والجيم) آخره: (ورق شجر يشبه الطرفاء والسرو، وقيل: هو
ضرب من النبات ورقه كالعيدان، وقيل: هو نوى المقل).
قال في القاموس: بالضم، إلى أن قال: ثمر الدوم، (وفي رواية: وسقط الأملوج من
البكارة، بالكسر جمع البكرة، بالفتح) للباء (يريد أن السمن الذي، قد علا بكارة الإبل بما رعت

٤١٥
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
من هذه الشجرة قد سقطت عنها، فسماه باسم المرعى، إذ كان سببًا له.
وهلك الهدي: بفتح الهاء وكسر الدال المهملة والتشديد، كالهدي
بالتخفيف، وهو ما يهدى إلى البيت الحرام من النعم لينحر، فأطلق على جميع
الإبل وإن لم تكن هديا، تسمية للشىء ببعضه، يقال: كم هدي بني فلان؟ أي كم
إبلهم.
ومات الودي: بالتشديد، فسيل النخل، يريد هلكت الإبل ويبست النخل.
وبرئنا إليك من الوثن والعنن، الوثن: الصنم، والعنن، الاعتراض، يقال: عنَّ
لي شىء أي اعترض، كأنه قال: برئنا إليك عن الشرك والظلم، وقيل: أراد به
الخلاف والباطل.
وماطمى البحر: أي ارتفع بأمواجه.
وتعار: بكسر التاء المثناة الفوقية، يصرف ولا يصرف، اسم جبل.
ولنا نعم همل: أي مهملة لا رعاء لها، ولا فيها ما يصلحها ويهديها، فهي
کالضالة.
والإبل الأغفال: لا لبن فيها.
من هذه الشجرة، قد سقط عنها، فسماه باسم المرعى إذ كان سببًا له)، فهو مجاز، (وهلك الهدى
بفتح الهاء، وكسر الدال المهملة، والتشديد، كالهدى بالتخفيف، وهو ما يهدي إلى البيت
الحرام من النعم لينحر، فأطلق على جميع الإبل، وإن لم تكن هديًا) لصلوحها له، (تسمية
للشيء ببعضه، يقال: كم هدى بني فلان، أي: كم إبلهم، ومات الودي بالتشديد) للياء، (فسيل
النخل يريد هلكت الإبل، ويبست النخل، وبرئنا إليك من الوثن والعنن، الوثن: الصنم، والعنن:
الاعتراض، يقال: عن لي شيء، أي: اعترض، كأنه قال: برئنا إليك من الشرك والظلم، وقيل:
أراد به الخلاف والباطل، وما طمي البحر،) بالطاء المهملة (أي: ارتفع بأمواجه وتعار بكسر
المثناة الفوقية) بعدها عين مهملة، فألف، فراء بزنة كتاب (يصرف، ولا يصرف،) بالاعتبارين
البقعة والمكان (اسم جبل) ببلاد قيس، كما في القاموس، (ولنا نعم همل) بفتحتين وبضم أوله،
وشد الميم مفتوحة، جمع هامل مثل: راكع وركع، كما في المصباح والقاموس، (أي: مهملة
لا رعاء لها، ولا فيها ما يصلحها ويهديها، فهي كالضالة، والإبل الأغفال لا لبن فيها،) جمع
غفل بالمعجمة والفاء.

٤١٦
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقوله عليه الصلاة والسلام: اللَّه بارك لهم في محضها: بالحاء المهملة والضاد
المعجمة، أي خالص لبنها.
ومخضها: بالمعجمتين، ما مخض من اللبن وأخذ زبده.
ومذقها: بفتح الميم وسكون المعجمة وبالقاف، أي ممزوج بالماء.
وابعث راعيها في الدثر: بالمهملة المفتوحة ثم المثلثة الساكنة ثم الراء،
المال الكثير، وقيل: الخصب والنبات الكثير.
وافجر له الثمد: بفتح المثلثة، الماء القليل، أي صيره كثيرًا.
وودائع الشرك: قيل المراد بها العهود والمواثيق، يقال: توادع الفريقان، إذا
أعطی کل واحد
(وقوله عليه الصلاة والسلام: ((اللهم بارك لهم في محضها))، بالحاء المهملة، والضاد
المعجمة، أي: خالص لبنها))،) ومادته كلها تدل على الخلوص، والصفاء، ومنه محض الإيمان،
ومحض الود، وعربي محض، ونحو ذلك، (ومخضها، بالمعجمتين، ما مخض من اللبن وأخذ
زبده،) وأصله تحريك السقاء الذي فيه اللبن حتى يتميز زبده، فيؤخذ منه، ويسمى ذلك اللبن
المأخوذ زبده مخيضًا، وهو صفة لا مصدر ميمي، (ومذقها، بفتح الميم، وسكون المعجمة،
وبالقاف، أي:) لبنها، وهو (ممزوج بالماء)،) وأصل معناه الخلط، والمزج، ثم استعمل في اللبن
المخوط بالماء، قال: جاؤوا بمذاق هل رأيت الذئب قط، والضمائر راجعة لأرضهم، أو لأنعامهم
المذكورة في كلام طهفة، فدعا المصطفى لهم بالبركة في ألبانهم بأقسامها، ما كان خالصًا لم
يتميز زبده، وما خرج بالماء، ومجموعه كناية عن خصب أرضهم، وسقيها، فإن الألبان إنما تكثر
بنبات المرعى، وهو إنما يكون بالمطر المخلوط، فكأنه قال: ((اللهم اسق بلادهم، واجعلها
مخصبة ملينة»، ويدل عليه قوله: ((وأبعث راعيها في الدثر، بالمهملة المفتوحة، ثم المثلثة
الساكنة،) ويجوز فتحها، (ثم الراء، المال الكثير))، وقيل: الخصب والنبات الكثير،) لأنه من
الدثار، وهو الغطاء، لأنها تغطي وجه الأرض، (وافجر،) بضم الجيم، (له الثمد، بفتح المثلثة،)
وإسكان الميم، وتفتح، كما في القاموس، (الماء القليل) لا مادة له، أو ما يبقى في الجلد، أو
ما يظهر في الشتاء، ويذهب في الصيف، كما في القاموس، (أي: صيره كثيرًا،) فافجر مجاز عن
التكثير للزومه له غالبًا، (وودائع الشرك، قيل: المراد بها العهود، والمواثيق،) التي كانت
بينهم، وبين من جاورهم من الكفار في المهادنة، (يقال: توادع الفريقان إذا أعطى كل واحد

٤١٧
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
منهم عهده للآخر لا يغزوه، وقيل: المراد ما كانوا استودعوه من أموال الكفار
الذين لم يدخلوا في دين الإسلام، أراد إحلالها لهم لأنها مال كافر قدر عليه من
غير عهد ولا شرط.
ووضائع الملك: جمع وضيعة، وهي الوظيفة التي تكون على الملك، وهو
ما يلزم الناس في أموالهم من الزكاة والصدقة، أي لكم الوظائف التي تلزم
المسلمین لا تتجاوز عنکم ولا نرید علیکم فیھا شيئًا.
ولا تلطط؛ بضم المثناة الفوقية، ثم اللام الساكنة ثم طاءان، الأولى مكسورة
والثانية مجزومة على النهي، أي لا
منهم عهده للآخر لا يغزوه،) ويسمى ذلك العهد وديعًا بلا هاء، فيقال: أعطيته وديعًا، أي: عهدًا،
قيل: والظاهر أن المراد عهودهم الواقعة بينهم بعد الحروب، بعدم المؤاخذة بما قتلوا، وإن
ما أراقوا من الدماء هدر، كما في الحديث الآخر: كل دم في الجاهلية تحت قدمي هذه، أي:
متروك هدرًا، (وقيل: المراد ما كانوا استودعوه من أموال الكفار الذين لم يدخلوا في دين
الإسلام، أراد إحلالها لهم، لأنها مال كافر، قدر عليه من غير عهد، ولا شرط،) فهو فيء لم
يوجف عليه بخيل، ولا ركاب، فهو على هذا جمع وديعة بالهاء، ولا ينافيه أنه عَِّ، لما هاجر
خلف عليًا، لرد الودائع والأمانات التي كانت عنده، لأنه كان قبل حل الغنائم له، أو لأنه عَِّ فر
من نسبته للخيانة، وذهاب شهامته وأمانته، فيطعنوا في الإسلام، ويبعدوا من الإيمان.
(ووضائع الملك جمع وضيعة،) بمعنى موضوعة، (وهي الوظيفة التي تكون على الملك،)
بكسر الميم، ما يملك، (وهو ما يلزم الناس في أموالهم من الزكاة والصدقة، أي: لكم الوظائف
التي تلزم المسلمين لا تتجاوز عنكم، ولا نريد عليكم فيها شيئًا،) بل هم فيها، كسائر
المسلمين، وقيل: الملك بضم الميم، والمعنى أن ما كان ملوك الجاهلية يوظفونه على الرعايا،
ويستأثرون به من غنائم الحروب لا يؤخذ منكم، فهو لكم، فلام لكم على ظاهرها على التفسيرين
الأخيرين للودائع، والوضائع، وعلى الأولين بمعنى عليَّ كقوله: ((وإن أسأتم فلها))، واعترض بأن
العهد إذا لزم الوفاء به يكون على المعاهد، لأنه فرض مطلوب منه، وعهود مهادنتهم قبل الإسلام،
لا يجب الوفاء بها بعده، والقائل: ظن وجوب الوفاء، فجعل اللام، بمعنى على، وليس كذلك،
لأن عهد الكافر، لا يعتد به، وإنما الوضائع بمعنى تكاليف الزكاة، فهي وإن ثقلت على بعضهم
لهم، باعتبار الأجر عليها، لكن هذا مبني على تفسيره، وليس بمتعين، كما علم، (ولا تلطط، بضم
المثناة الفوقية، ثم اللام الساكنة، ثم طاءان) بعدها الأولى، ثم طاءين (الأولى مكسورة، والثانية
مجزومة،) فيه مسامحة، إذ الجزم صفة للفعل بتمامه، فالمراد ساكنة (على النهي، أي: لا

٤١٨
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
تمنعها.
ولا تلحد في الحياة: بضم المثناة الفوقية وإسكان اللام وكسر الحاء
المهملة آخره دال مهملة، أي: لا تمل عن الحق ما دمت حيًّا. قال بعضهم: كذا
رواه القتيبي: ولا تلطط ولا تلحد على النهي للواحد، ولا وجه له لأنه خطاب
الجماعة، ورواه غيره ما لم يكن عهد ولا موعد ولا تثاقل عن الصلاة، ولا تلطط
في الزكاة وتلحد في الحياة. قال الحافظ أبو السعادات الجزري، وهو الوجه، لأنه
خطاب للجماعة واقع على ما قبله.
تمنعها).
قال ابن الأعرابي: لط الغريم، إذا منعه حقه، وأصله من لطت الناقة فرجها بذنبها، إذا ضمته
عليه، وقد أرادها الفحل، وفي شعر الأعشى في امرأته حين نشزت:
أخلفت الوعد ولطت بالذنب وهن شر غالب لمن غلب
((ولا تلحد في الحياة))، بضم المثناة الفوقية، وإسكان اللام، وکسر الحاء المهملة،
آخره دال مهملة) مجزوم، (أي: لا تمل عن الحق ما دمت حيًّا،) من ألحد إلحادًا، إذا جار،
وعدل عن الحق، وأصله مطلق العدول، ويقال: لحد قليلاً، (قال بعضهم: كذا رواه القتيبي،)
بضم القاف، وفتح الفوقية، وإسكان التحتية، وبالموحدة عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري
نسب إلى جده، (ولا تلطط، ولا تلحد على النهي للواحد، ولا وجه له، لأنه خطاب الجماعة)
المذكورين في قوله: ((لكم يا بني نهد))، (ورواه غيره) عقب قوله: وضائع الملك (ما لم يكن
عهد، ولا موعد، ولا تثاقل عن الصلاة، ولا تلطط،) بزنة تفعل، (في الزكاة، وتلحد في الحياة،)
باسم المصدر، وشد العين في الثلاث.
(قال الحافظ أبو السعادات الجزري،) وهو ابن الأثير في النهاية: (وهو،) أي: المروي
عن غير القتيبي، (الوجه) الواضح، (لأنه خطاب للجماعة واقع على ما قبله،) وتلك الرواية
جاءت على غير أسلوبه، لتوجه الخطاب الواحد من بينهم، فقياسه، ولا تلططوا، ولا تلحدوا،
ولذا ضبطه ابن رسلان: لا نلطط، ولا نلحد، بالنون، فيهما من باب نهي الإنسان نفسه، لينتهي
غيره، ولكن، قد أجيب رواية القتيبي؛ بأن الخطاب لمن تلقى الكلام من النبي عليه من بين
جميع المخاطبين ابتداء، ونظيره، ثم عفونا عنكم من بعد ذلك، حيث خوطب المتلقي بلفظ
ذلك، ولم يقل ذلكم، وتخصيص واحد من الحاضرين بخطاب النهي للتعريض بالباقين، والصون
لهم عن توجه صيغة النهي إليهم، رجاء الانقياد للامتثال بألطف وجه، أو الخطاب لهم برمتهم