النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
له. رواه أحمد وأبو يعلى في مسنديهما، والبيهقي في الشعب عن أنس.
وقوله: النساء حبائل الشيطان. رواه في مسند الفردوس عن عقبة بن عامر.
وقوله عليه الصلاة والسلام: حسن العهد من الإيمان.
رواه الحاكم في مستدر كه
توثيقه، أما مع اللَّه فاثنان: الأوّل ما أخذه على ذرية ءادم في الأزل، وهو الإقرار بروبيته قبل خلق
الأجساد، والثاني ما أخذه عند هبوط ءادم إلى الدنيا من متابعة هدى الله من الاعتصام بكتاب
ينزله ورسول يرسله، وأما مع الخلق فظاهر أيضًا، فحينئذ ترجع الأمانة والعهد إلى طاعته تعالى
بأداء حقوقه وحقوق عباده، كأنه لا إيمان، ولا دين لمن لا يفي بعهد الله بعد ميثاقه، ولا يؤدي
أمانته بعد حملها، وهي التكاليف من أمر ونهي، (رواه أحمد، وأبو يعلى في مسنديهما والبيهقي
في الشعب، عن أنس.) قال الذهبي: وسنده قوي، وصححه ابن حبان.
(وقوله) عَل: ((الشباب شعبة من الجنون، و(النساء حبائل الشيطان))،) أي: مصايده جمع
حبالة بالكسر، ما يصاد به من أي شيء كان ويروى بهما، والرواية بالجمع أكثر، قاله السخاوي،
والمراد أن النساء آلات للشيطان، يتوصل بهن إلى إغواء الفسقة، فإنهم إذا رأوا النساء، مالت
قلوبهم إليهن سيما المتبرجات، فالنساء له كالشبكة التي تصاد بها الوحوش النافرة، فأرشد عَّه
لكمال شفقته على أمته إلى الحذر من النظر إليهن، والقرب منهن، وكف الخاطر عن الالتفات
إليهن باطنًا ما أمكن.
وقال في حديث: اتقوا الدنيا والنساء، فخصهن لكونهن أعظم أسباب الهوى، وأشد آفات
الدنيا، (رواه) الديلمي بتمامه (في مسند الفردوس) وكذا القضاعي، (عن عقبة بن عامر)
الجهني، ورواه الديلمي أيضًا عن عبد الله بن عامر، وأبو نعيم عن عبد الرحمن بن عابس، وابن
لال عن ابن مسعود، والخرائطي والتيمي عن زيد بن خالد، وهو حديث حسن، ولا ينافي قوله:
الشباب شعبة من الجنون، قول سفين الثوري: يا معشر الشباب عليكم بقيام الليل، فإنما الخير في
الشباب، لكونه محلاً للقوة والنشاط غالبًا.
(وقوله عليه الصلاة والسلام: ((حسن العهد)))، قال السخاوي: ينصرف لغة إلى وجوه
أحدها، الحفظ والمراعاة، وهو المراد هنا (من الإيمان،) أي: من أخلاق أهله وخصائلهم، أو من
شعب الإيمان، أو كماله، وأما عهد الدخول في الإيمان، فذاك الإيمان، وظاهر أيضًا أنه يسمى وفاء
بالإيمان، ويكفيه مشرفًا ومدحًا، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، (رواه الحاكم في مستدركه) في
كتاب الإيمان، ومن طريقه الديلمي من حديث الصغاني، عن أبي عاصم قال: حدثنا صالح بن
رستم عن ابن أبي مليكة، (عن عائشة، قالت: جاءت عجوز إلى النبي عَّةِ وهو عندي، فقال

٣٨٢
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
عن عائشة قالت: جاءت عجوز إلى النبي عَّ وهو عندي فقال لها: من أنت؟
فقالت: جثامة المزنية قال: أنت حسانة، كيف أنتم، كيف حالكم، كيف كنتم
بعدنا؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي، فلما خرجت قلت: يا رسول الله، تقبل على
هذه العجوز هذا الاقبال؟ قال: إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من
الإيمان، وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين وليس له علة.
وقوله عليه الصلاة والسلام: الخمر جماع الإثم.
لها: ((من أنت))؟ فقالت: جثامة المزنية،) قال في الإصابة: بجيم ومثلثة ثقيلة، أي: فألف، فميم
غير النبي عَِّ اسمها، و(قال: ((أنت حسانة)))، بحاء وسين مهملتين، أي: وبعد الألف نون اهـ
فلم يصب من قال هو من تمام إظهار الميل إليها والشفقة عليها، لا للشك في أنها هي أو غيرها،
لأنه مبني على تصحيف أخبارها باسمها بالاسم الذي غيره المصطفى دون مراجعة المنقول
(كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي) يا رسول اللَّه، (فلما
خرجت قلت: يا رسول اللَّه تقبل،) بحذف همزة الاستفهام التقريري، أي: أتقبل (على هذه
العجوز هذا الإقبال) الزائد، (قال: إنها كانت تأتينا زمن خديجة،) فلنا بها معرفة قديمة، (وإن
حسن العهد) الوفاء والحفظ، ورعاية الحرمة (من الإيمان، وقال) الحاكم: (إنه صحيح على
شرط الشيخين، وليس له علة،) وأقره الذهبي، وأخرجه ابن عبد البر من الطريق التي أخرجه
الحاكم، وقال: هذا أصح من رواية من روى ذلك في ترجمة الحولاء بنت تويت، ثم رواه من
طريق الكديمي، عن أبي عاصمٍ، عن صالح بن رستم، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت:
استأذنت الحولاء على رسول الله .. فذكره.
وقال: هكذا رواه الكديمي، والصواب: أن هذه القصة لحسانة المزنية، كما تقدم، وتعقبه
في الإصابة؛ بأنه لا يمتنع احتمال التعدد، كما لا يمتنع احتمال أن حسانة اسمها والحولاء وصفها،
أو لقب لها، وقد اعترف أبو عمر؛ بأن الكديمي لم يقل بنت تويت، فلم يصب في إيراده في
ترجمة بنت تويت، ثم اعتراضه، وإنما هي أخرى أن ثبت السند والعلم عند اللَّه اهـ، وقول
السخاوي يحتمل التعدد مع بعده لاتحاد الطريق فيه نظر فليست متحدة، لأن طريق الحاكم،
وأبي عمر في أنها حسانة، ليس فيها الكديمي الذي سماها الحولاء، وإن توافقا فيما فوقه، ولذا
يستبعد شيخه في الإصابة احتمال التعدد.
(وقوله عليه الصلاة والسلام،) فيما رواه الديلمي في حديثه عن عقبة: ((الخمر جماع
الإثم))،) . بكسر الجيم والتخفيف، أي: مجمعه ومظنته، كما في النهاية، أي: شربها سبب لكل
إثم، لحملها الشارب على مجاوزة الحدود، كما قال عَّه: ((الخمر أم الفواحش وأكبر الكبائر،

٣٨٣
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقوله عَُّله: جمال الرجل فصاحة لسانه.
رواه القضاعي من حديث الأوزاعي والعسكري من حديث المنكدر بن
محمد بن المنكدر، كلاهما عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعًا.
وأخرجه أيضًا الخطيب وابن طاهر، وفي إسناده أحمد بن عبد الرحمن بن
الجارود الرقي والديلمي من حديث جابر رفعه: الجمال صواب المقال،
من شربها ترك الصلاة، ووقع على أمه وخالته وعمته))، رواه الطبراني، وقال: ((الخمر أم
الخبائث))، رواه القضاعي.
(وقوله ◌َّة: ((جمال الرجل فصاحة لسانه))، أي: قدرته على التكلم ببلاغة وفصاحة،
بلا تلعثم ولا لكنة، لأنه يظهره ويميزه على غيره، فأطلق الجمال على الكمال مجازًا، إذ الجمال
الحسن، والمراد هنا كونه من فصحاء المصاقع، الذين أوتوا سلاطة الألسن وبسطة المقال من
غير تصنع ولا ارتحال، فلا يناقضه خبر أن اللَّه يبغض البليغ من الرجال، لأنه فيما فيه تيه ومبالغة
في التشدق والتفصح، وذا في خلقي صحبة اقتصاد وساسه العقل، ولم يرد به الاقتدار على
القول إلى أن يصغر عظيمًا، أو يعظم صغيرًا، أو ينض الشيء، أي: يظهره وضده، كما يفعله أهل
زماننا، ذكره ابن قتيبة، (رواه القضاعي من حديث الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمر، والأوزاعي،
الفقيه، الثقة، الجليل من رجال الستة، مات سنة سبع وخمسين ومائة، (والعسكري من حديث
المنكدر بن محمد بن المنكدر،) التيمي، (كلاهما،) أي: الأوزاعي والمنكدر، (عن محمد بن
المنكدر) بن عبد الله التيمي، المدني، الثقة، أحد رجال الجميع، مات سنة ثلاثين ومائة، أو
بعدها، (عن جابر) بن عبد اللَّه (مرفوعًا، وأخرجه أيضًا الخطيب، وابن طاهر) محمد، أبو
الفضل بن طاهر بن علي المقدسي، الشيباني، الحافظ، الكبير، الجوال، روى عن خلائق بأربعين
بلدًا، أو أكثر، وعنه الديلمي وغيره.
قال ابن منده: كان أحد الحفاظ، حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، صدوقًا عالمًا بالصحيح
والسقيم، كثير التصانيف، لازمًا للأثر، وقال غيره: ما كان له نظير، وكان ظاهريًا يرى إباحة
السماع،، ونظر المرد، ولحنة لا يحسن النحو، مات سنة ثمان وخمسمائة وله ستون سنة.
(وفي إسناده أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود الرقي،) وهو كذاب، ومن بلاياه هذا
الخبر، قاله الخطيب، وقال ابن طاهر: كان يضع الحديث، (وللديلمي من حديث جابر، رفعه
الجمال صواب المقال،) من إضافة الصفة للموصوف، أي: القول الصواب، وكذا يقال في
قوله: ((والكمال حسن الفعال))،) أي: الفعال الحسنة، (بالصدق،) أي: معه، وخص الجمال

٣٨٤
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
والكمال حسن الفعال بالصدق.
وعند العسكري من حديث العباس: قلت يا نبي الله ما الجمال في الرجل:
قال: فصاحة لسانه.
وقوله عليه الصلاة والسلام: منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا.
بالمقال لظهوره، وظهورًا تامًا للناس بخلاف الكمال، فأمر باطني، غالبًا لا يظهر إلاّ بالفعال، وفي
رواية الحكيم الترمذي: الجمال صواب القول بالحق، وباقيه سواء، (وعند العسكري من حديث
العباس قلت: يا نبي الله ما الجمال في الرجل؟ قال: ((فصاحة لسانه) الخلقية بلا تكلف))، وفي
إسناده محمد بن زكريا الغلابي، وهو ضعيف جدًا.
وروى الحاكم في المستدرك، عن علي بن الحسين، قال: أقبل العباس إلى رسول اللّه عَ له
وعليه حلتان، وله ضفيرتان، وهو أبيض، فلما رآه تبسم، فقال: يا رسول اللَّه ما أضحكك،
أضحك اللَّه سنك، فقال: ((أعجبني جمال عم النبي عَّة))، قال العباس: ما الجمال؟ قال:
«اللسان»، وهو مرسل.
قال ابن طاهر: وإسناده مجهول، وروى العسكري عن ابن عمر: مرّ عمر بقوم يرمون،
فقال: بئسما رميتم، فقالوا: إنا متعلمين، فقال عمر: لذنبكم في لحنكم أشد عليّ من ذنبكم في
رميكم، سمعت النبي عَّهِ يقول: ((رحم الله امرأ أصلح من لسانه)).
(قوله عليه الصلاة والسلام: ((منهومان)،) تثنية منهوم، ومن نهم بالبناء للمفعول إذا أولع
بالشيء، واشتد حرصه عليه، أي: اثنان مولعان لا يكتفيان بما يصل إليهما، فشبه عدم اكتفائهما
بالجوع، فقال: ((لا يشبعان طالب علم، وطالب دنيا))،) بخلاف المنهوم في شهوة الطعام، وهو
المعروف بهذا الوصف، فإنه قد يشبع.
قال في النهاية: النهمة شدة الحرص على الشيء، ومنه النهم من الجوع.
قال الطيبي: إن ذهب في الحديث إلى الأصل كان لا يشبعان استعارة، لعدم انتهاء
حرصهما، وإن ذهب إلى الفرع كان تشبيهاً، جعل إفراد المنهوم ثلاثة: أحدها المعروف، وهو
المنهوم من الجوع، والآخرين العلم والدنيا، وجعلهما أبلغ من المتعارف، ولعمري أنه كذلك،
وإن كان المحمود منهما هو العلم، ومن ثم أمر اللَّه رسوله بقوله: ﴿وقل رب زدني علمًا﴾،
ويعضده قول ابن مسعود: ولا يستويان الخ ...
وقال الراغب: النهم بالعلم استعارة، وهو أن يحمل على نفسه ما تقصر قواها عنه، فينبت،
والمنبت لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى، (رواه الطبراني في الكبير، والقضاعي عن ابن مسعود،

٣٨٥
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
رواه الطبراني في الكبير والقضاعي عن ابن مسعود رفعه، وهو عند البيهقي
في المدخل: عن القسم قال: قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان طالب العلم
وصاحب الدنيا. ولا يستويان، أما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان، وأما
صاحب العلم فيزداد من رضا الرحمن. وقال: إنه موقوف منقطع. وكذا رواه البزار
والعسكري
رفعه) بهذا اللفظ، (وهو عند البيهقي في المدخل عن القسم) بن محمد موقوفًا، فإنه (قال:
قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان، طالب العلم، وصاحب الدنيا،) عبر بصاحب إشارة إلى
شدة رغبته فيها.
قال الماوردي: وفيه تنبيه على أن العلم يقتضي ما بقي منه، ويستدعي ما تأخر عنه، وليس
للراغب فيه قناعة ببعضه، (ولا يستويان، أما صاحب الدنيا،) الراغب فيها، المبالغ في الانهماك
عليها، (فيتمادى في الطغيان، وأما صاحب العلم، فيزداد من رضا الرحمن،) والمعنى: أن من
شأن صاحب الدنيا الازدياد فيما يبعده عن القرب من اللَّه، ويوجب سخطه عليه، ومن شأن
طالب العلم السعي، فيما يقربه من رضا اللَّه بالطاعة والإخلاص.
قال الغزالي: اجتمع في الإنسان أربعة أوصاف، سبعية وبهيمية وشيطانية وربانية، فهو من
حيث سلط عليه الغضب، يتعاطى أفعال السباع بنحو: ضرب وشتم وبغضاء، ومن حيث الشهوة
يتعاطى أفعال البهائم كشره وحرص وشبق، من حيث سلط عليه السعي من الفتن، وأسباب الفساد
يتعاطى أفعال الشيطان، ومن حيث إنه في نفسه أمر رباني، كما قال تعالى: ﴿قل الروح من أمر
ربي﴾ [الإسراء: ٨٥]، يدعي لنفسه الربوبية، ويحب الاستيلاء، والاستعلاء، والتخصيص،
والاستبداد بالأمور، والتفرد بالربانية، والانسلال عن ربقة العبودية، ويشتهي الاطلاع على العلوم
كلها، ويدعي لنفسه العلم، والمعرفة، والإحاطة بحقائق الأمور، ويفرح إذا نسب إلى العلم، وهو
حريص على ذلك لا يشبع.
(وقال) البيهقي: (إنه موقوف منقطع،) ويمكن أن ابن مسعود كان يحدث به مرفوعًا، إذا
لم يزد عليه شيئًا، وإذا زاد عليه قوله: ولا يستويان الخ ... حدث به موقوفًا عليه، (وكذا رواه،)
أي: الحديث، لا بقيد صحابيه، (البزار) من حديث ليث، عن طاوس أو مجاهد، عن ابن عباس
رفعه بلفظ: ((منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا)).
قال البزار: لا أعلمه، يروى من وجه أحسن من هذا، (والعسكري) من حديث ليث عن
طاوس، ولم يشك في مجاهد، عن ابن عباس، أحسبه مرفوعًا، منهومان لا يقضي واحد منهما
نهمته، منهوم في طلب العلم، ومنهوم في طلب الدنيا، وللعسكري عن أبي سعيد رفعه: لن يشبع

٣٨٦
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وغيرهما وبمجموعها يتقوى، وإن كانت مفرداته ضعيفة فيكون حسنًا، والله أعلم.
وقوله عليه الصلاة والسلام: لا فقر أشد من الجهل، ولا مال أعز من العقل،
ولا وحشة أشد من العجب. رواه ابن ماجه.
وقوله عليه الصلاة والسلام: الذنب لا ينسى، والبر لا يبلى،
المؤمن، خير يسمعه حتى يكون منتهاه الجنة، (وغيرهما،) كابن عدي، والقضاعي، والبيهقي عن
أنس بلفظ الترجمة، وفي الباب ابن عمر، وأبو هريرة، (وبمجموعها يتقوى) الحديث، (وإن كانت
مفرداته ضعيفة، فيكون حسنًاً) لغيره، (واللَّه أعلم) بالواقع.
(وقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا فقر)))، أي: لا احتياج في شىء يهتم بدفعه، والتخلص
منه («أشد من الجهل))،) لأنه المواقع في مهالك الدنيا، والأخرى، فهو أقوى شيء يتخلص منه،
فاستعمل الفقر الذي هو قلة المال في لازم معناه، وهو الاحتياج، لاحتياجه للناس في كل مسألة
وللتخلص منه، ((ولا مال)،) أي: لا غنى عن الناس، ((أعز من العقل))،) لأنه المرشد إلى كل
كمال، والموصل إلى كل خير ونوال، إذ به يدبر صاحبه ما لا يدبر ذو المال، فاستعمل في لازم
معناه أيضًا، ((ولا وحشة))،) أي: لا انقطاع، ولا بعد للقلوب من المودة ((أشد من العجب))،)
لحمله صاحبه على احتقار الغير، والتلبس بكل خطر وضير، فلا يألف أحدًا يستأنس به، لأنه
يراهم أقل منه، فهو دائمًا في وحشة وحرمان، وإن كان في غاية القرب والمخالطة بمن يتصوَّرهم
ظاهرًا بصورة الإخوان، (رواه ابن ماجه).
(وقوله عليه الصلاة والسلام: ((الذنب)، أي: الإثم، بمعنى المؤثم، أي: ما يحصل به
لوم، أو إثم على فاعله ((لا ينسى)،) بل هو محفوظ في صحف الملائكة، ولا بد أن يجازي
عليه، إن لم يحصل عفو، لا يضل ربي، ولا ينسى، ونبه به على شيء دقيق، يغلط الناس فيه
كثيرًا، وهو أنهم لا يرون تأثير الذنب، فينساه الواحد منهم، ويظن أنه لا يضره ذلك، وأنه كما
قال:
إذا لم يغبر حائط في وقوعه فليس له بعد الوقوع غبار
قال ابن القيم: وسبحان الله! ما أهلكت هذه البلية من الخلق، وكم أزالت من نعمة، وكم
جلبت من نقمة، وما أكثر المغترين بها من العلماء، فضلاً عن الجهال، ولم يعلم المغتر أن
الذنب ينقض ولو بعد حين، كما ينقض السم والجرح المندمل على دغل.
(والبر) . بالكسر. الخير والفضل (لا يبلى،) أي لا ينقطع ثوابه، ولا يضيع، بل هو باق عند
اللَّه تعالى، وقيل: أراد الإحسان، وفعل الخير لا يبلى ثناؤه، وذكره في الدنيا والآخرة، فهو بمنزلة
الثوب الجديد، الذي لا يفنى، ولا يتغير، (والديان لا يموت،) بل هو سبحانه حي باق، عالم

٣٨٧
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
والديان لا يموت، فكن كما شئت. رواه في مسند الفردوس عن ابن عمر.
وقوله عليه الصلاة والسلام: ما جمع شىء إلى شىء أحسن من حلم إلى
علم.
رواه العسكري في الأمثال من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن
الحسين عن أبيه عن علي زين العابدين مرفوعًا بزيادة: وأفضل الإيمان التحبب إلى الناس،
ثلاث من لم تکن فیه فليس مني ولا من الله، حلم پرد به جهل الجاهل،
بأحوال عباده، فيجازيهم عليها، وإذا علمت هذا، ((فكن كما شئت))) من أحوال وأفعال خير، أو
شر، فإن الديان يجازيك عليه، ففيه وعيد وتهديد شديد، وفيه جواز إطلاق الديات على اللَّه لو
صح الخبر، وفي رواية عبد الرزاق وغيره: اعمل ما شئت، كما تدين تدان، أي: كما تجازي
تجازى، يقال دنته بما صنع، أي: جزيته، ذكره الديلمي، ومن مواعظ الحكماء: عباد اللَّه الحذر
الحذر، فوالله لقد ستر حتى كأنه غفر، ولقد أمهل حتى كأنه أهمل، (رواه) الديلمي (في مسند
الفردوس،) وأبو نعيم (عن ابن عمر بن الخطاب، وفيه محمد بن عبد الملك الأنصاري ضعيف،
وقد رواه عبد الرزاق في جامعه، والبيهقي في الزهد، وفي الأسماء والصفات له عن أبي قلابة،
رفعه مرسلاً البر لا يبلى الخ، ووصله أحمد في الزهد، فرواه عن أبي قلابة، عن أبي الدرداء من
قوله، لكنه منقطع مع وقفه، وللديلمي عن أنس رفعه الذنب شؤم على غير فاعله إن عيره ابتلى،
وإن اغتابه أثم، وإن رضى به شاركه.
(وقوله عليه الصلاة والسلام: (ما جمع شيء إلى شيء أحسن)))) وفي رواية: أفضل (، من
حلم إلى علم)) إذ باجتماعهما تحصل الكمالات والنجاة من الوقوع في المهلكات، (رواه
العسكري في الأمثال، من حديث جعفر بن محمد،) أبي عبد اللَّه، المعروف بالصادق، فقيه
صدوق، إمام، روى له مسلم، وأصحاب السنن، والبخاري في التاريخ، مات سنة ثمان وأربعين
ومائة، (عن أبيه) محمد بن علي أبي جعفر الباقر، ثقة فاضل، مات سنة بضع عشرة ومائة، (عن)
أبيه (علي بن الحسين) بن علي بن أبي طالب الهاشمي، ثقة، ثبت، عابد، فقيه، فاضل، مشهور.
قال الزهري: ما رأيت قرشيًا أفضل منه، مات سنة ثلاث وتسعين، وقيل غير ذلك، (عن
أبيه) الحسين، سبط المصطفى، (عن) أبيه (علي زين العابدين،) أمير المؤمنين، (مرفوعًا بزيادة:
وأفضل الإيمان التحبب إلى الناس،) بالبشر، وطلاقة الوجه، والإحسان، والتجاوز، ونحو ذلك،
(ثلاث من لم تكن فيه، فليس مني،) أي: متصلاً بي، (ولا من اللَّه حلم يرد به جهل الجاهل،
وحسن خلق،). بالضم. (يعيش به في الناس، وورع يحجزه) . بضم الجيم. يكفه ويمنعه (عن

٣٨٨
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وحسن خلق يعيش به في الناس، وورع يحجزه عن معاصي الله.
وعنده أيضًا من حديث جابر مرفوعًا: ما أوى شىء إلى شىء أحسن من
حلم إلى علم، وصاحب العلم غرثان إلى الحلم.
وقوله عليه الصلاة والسلام: التمسوا الرزق في خبايا الأرض.
رواه في جزء ب ي ب ی عن ابن أبي شريح
٠٠
معاصي الله))) وقد أخرج الحديث مختصرًا بدون الزيادة، الطبراني في الأوسط عن علي من
الطريق المذكورة.
قال الحافظ الهيثمي: وهو من رواية حفص بن بشر عن حسن بن حسين بن زيد العلوي،
عن أبيه، ولم أر أحدًا ذكر أحدًا منهم، أي بتعديل، ولا تجريح، (وعنده،) أي: العسكري (أيضًا
من حديث جابر مرفوعًا: ما أوى،) أي: قام (شيء إلى شيء أحسن،) لفظ المقاصد عن رواية
العسكري، هذه أفضل (من حلم إلى علم، وصاحب العلم غرثان) . يفتح المعجمة، وسكون
الراء، ومثلثة. جائع، أي: محتاج (إلى الحلم،) إذ به يقام العلم، ولأبي الشيخ عن أبي أمامة
مرفوعًا: ما أضيف شيء إلى شيء أفضل من حلم إلى علم.
(وقوله عليه الصلاة والسلام: ((التمسوا)، أي: اطلبوا، (الرزق في خبايا الأرض))، جمع
خبية، كخطية وخطايا، أي: اطلبوه في الحرث بنحو زرع وغرس، فإن الأرض تخرج ما فيها
مخبًّا من النبات، الذي به قوام الحيوان، فارشد إلى طلب الرزق فيها، لأنه أقرب شيء إلى
التوكل وأبعده من الحول والقوّة، فإن الزارع إذا أثار الأرض، وتقاها، وقام عليها، ودفن فيها
الحب، تبرأ من حوله وقوَّته، ونفذت حيلته، فلا يرى لنفسه حيلة في إنباته وخروجه، بل ينظر إلى
القضاء والقدر، ويرجو ربه دون غيره في إرسال السماء، ورفع الآفة مما لا حيلة لمخلوق فيه،
ولا يقدر عليه إلاَّ اللَّه، (رواه في جزء ب ي ب ى،) كذا بخط المصنف، مقطع الحروف،
بموحدة مكسورة، بعدها تحتانية ساكنة، ثم مثلهما، وهي بنت عبد الصمد بن علي بن محمد
الهرثمية، وجزؤها من عوالي الأجراء، (عن ابن أبي شريح،) كذا وقع للمصنف، ولا ذكر له في
الجزء المذكور، فلفظها.
حدثنا عبد الرحمن بن أحمد الأنصاري، أخبرنا عبد الله بن محمد البغوي، حدثنا
مصعب بن ثابت، حدثني هشام بن عبد اللَّه المخزومي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة:
أن رسول اللَّه عَ ◌ّله، قال: ((التمسوا الرزق في خبايا الأرض))، وقد أبعد المصنف النجعة، وأغرب
بالعز، ولغير الحفاظ المشاهير، فهذا الحديث أخرجه أبو يعلى، والطبراني، والبيهقي، كلهم من
طريق هشام المخزومي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بلفظ: اطلبوا الرزق في خبايا

٣٨٩
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
والمراد الزرع، وأنشدوا:
تتبع خبايا الأرض وادع مليكها لعلك يومًا أن تجاب فترزقا
وقوله عليه الصلاة والسلام: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد
نفسك من أهل القبور
الأرض، وضعفه البيهقي وغيره، (والمراد الزرع،) كما قاله عروة بن الزبير وغيره، وقيل: المراد
استخراج الجواهر والمعادن من الأرض، (وأنشدوا) استشهادًا على أن المراد الزرع.
قال السخاوي: قال عروة بن الزبير: عليكم بالزرع، وكان يتمثل بهذه الأبيات:
لعل الذي أعطى العزيز بقدرة وذا حسب أعطى وقد كان زردقا
سيؤتيك ماء واسعًا ذا قرارة إذا ما مياه الناس غاضت تدفقا
(تنبع خبايا الأرض وادع مليكها لعلك يومًا أن تجاب فترزقا)
(وقوله عليه الصلاة والسلام: ((كن في الدنيا كأنك غريب)))) قدم بلدًا لا مسكن له فيها
يأويه، ولا سكن يسكنه، خال من الأهل والعيال، والعلائق التي هي سبب الاشتغال عن الخالق،
((أو عابر سبيل))).
قال الطيبي: ليست أو للشك للتخيير والإباحة، والأحسن أن تكون بمعنى بل، فشبه
الناسك السالك بالغريب الذي لا مسكن له يأويه، ثم ترقى، وأضرب عنه إلى عابر السبيل، لأن
الغريب قد يسكن في بلد الغربة، بخلاف عابر السبيل القاصد لبلد شائع، وبينهما أودية مردية،
ومفاوز مهلكة، وقطاع طريق، فإن من شأنه أن لا يقيم لحظة، ولا يسكن لمحة، ومن ثم عقبه
بقوله: ((وعد نفسك من أهل القبور))،) أي: استمر سائرًا، ولا تفتر، فإنك إن فترت انقطعت
وهلكت في تلك الأودية.
وقال ابن بطال: لما كان الغريب قليل الانبساط إلى الناس، بل هو مستوحش منهم، إذ
لا يكاد يمر بمن يعرفه يتأنس به، فهو ذليل في نفسه خائف، وكذلك عابر السبيل، لا ينفذ في
سفره إلاَّ بقوة عليه، وتخفيفه من الأثقال، غير متشبث بما يمنعه من قطعه سفره معه زاد، وراحلته
يبلغانه إلى بغيته من قصده شبهه بهما، وفيه إشارة إلى الزهد في الدنيا وأخذ البلغة منها
والكفاف، فكما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره، فكذلك لا يحتاج المؤمن
في الدنيا أكثر مما يبلغه المحل.
وقال غيره: هذا الحديث أصل في الحث على الفراغ عن الدنيا، والزهد فيها، والاحتقار
لها، والقناعة فيها بالبلغة.

٣٩٠
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
رواه البيهقي في الشعب والعسكري من حديث ابن عمر مرفوعًا في حديث. وأخرجه
البخاري والترمذي وغيرهم.
وقوله عليه الصلاة والسلام: صنائع المعروف تقي مصارع السوء،
.
وقال النووي: معنى الحديث: لا تركن إلى الدنيا، ولا تتخذها وطنًا، ولا تحدث نفسك
بالبقاء فيها، ولا تتعلق منها بما لا يتعلق الغريب به في غير وطنه، وقال غيره: عابر السبيل هو المار
على الطريق طالباً وطنه، والمرء في الدنيا، كعبد أرسله سيده في حاجته إلى غير بلده، فشأنه أن
يبادر بفعل ما أرسل فيه، ثم يعود، ولا يتعلق بشيء غير ما هو فيه، وقال غيره: المراد أن ينزل
المؤمن نفسه في الدنيا منزلة الغريب، فلا يعلق قلبه بشيء من بلد الغربة، بل قلبه متعلق بوطنه
الذي يرجع إليه، ويجعل إقامته في الدنيا ليقضي حاجته وجهازه للرجوع إلى وطنه، وهذا شأن
الغريب، أو يكون كالمسافر، لا يستقر في مكان بعينه، بل هو دائم السير إلى بلد الإقامة،
واستشكل عطف عابر السبيل على الغريب، وتقدم جواب الطيبي، وأجاب الكرماني: بأنه من
عطف العام على الخاص، وفيه نوع من الترقي، لأن تعلقاته أقل من تعلقات الغريب المقيم،
(رواه البيهقي في الشعب، والعسكري من حديث ابن عمر مرفوعًا في) جملة (حديث، وأخرجه
البخاري) في كتاب الرقاق عن ابن عمر، قال: أخذ رسول اللَّه عَّ ◌ُله بمنكبي، فقال: ((كن في الدنيا
كأنك غريب أو عابر سبيل))، وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت
فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك، (والترمذي) بمثل رواية
البخاري، إلاّ أنه قدم جملة: وإذا أصبحت، وقال: ومن حياتك قبل موتك، فإنك لا تدري
يا عبد اللَّه ما اسمك غدًا، أي: هل يقال لك شقي، أو سعيد، ولم يرد اسمه الخاص به، لأنه لا
يتغير، وقيل: المراد هل يقال حي، أو ميت، (وغيرهم،) كأبي داود، وابن ماجه، وأحمد.
(وقوله عليه الصلاة والسلام: ((صنائع))،) جمعٍ صنيعة، وهي العطية، والكرامة، والإحسان،
((المعروف))،) اسم جامع لكل ما عرف من طاعة اللّه، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس، وكل
ما ندب إليه الشرع، ونهى عنه من المحسنات والمقبحات، أي: والحسنات السيئات، وهو من
الصفات الغالبة، أي: أمر معروف بين الناس، إذا رأوه لا ينكروه، والمعروف النصفة، وحسن
الصحبة مع الأهل وغيرهم، والمنكر ضد ذلك جميعه، قاله في النهاية، فالإضافة بيانية، أي:
العطايا التي هي مطلوبة شرعًا، معروفة بين الناس، (تقي مصارع السوء،) أي: تكون سببًا لوقايته،
فالإسناد مجازي، والصرع في الأصل الطرح على الأرض، لكنه استعمل هذا في مطلق الوصول
تجريدًا، وهذا تنويه عظيم بفضل المعروف وأهله.

٣٩١
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وصدقة السر تطفىء غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر. أخرجه الطبراني
في الكبير بسند حسن.
قال علي رضي اللَّه عنه: لا يزهدنك في المعروف كفر من كفر، فقد يشكره الشاكر
إضعاف جحود الكافر.
قال الماوردي: فينبغي لمن أراد إسداء المعروف أن يجعله حذرًا من فوته، ويبادر به خيفة
عجزه، ويعتقد أنه من فرص زمانه وغنائم إمكانه، ولا يمهله ثقة بالقدرة عليه، فكم من واثق بقدرة
فاتت، فأعقبت ندمًا، ومعوَّل على مكنة زالت، فأورثت خجلاً، ولو فطن لنوائب دهره، وتحفظ
من عواقب فكره، لكانت مغارمه مدحورة، ومغانمه محبورة، وقيل: من أضاع الفرصة عن وقتها،
فليكن على ثقة من فوتها، (وصدقة السر،) أي: فيه، وهو ما لم يطلع عليه إلاَّ اللَّه، وفي رواية:
والصدقة خفيًا (تطفىء غضب الرب).
قال الطيبي: يمكن حمله على المنع من إنزال المكروه في الدنيا، ووخامة العاقبة في
العقبى من إطلاق السبب على المسبب، فإنه نفي الغضب، وأراد الحياة الطيبة في الدنيا،
والجزاء الحسن في العقبى.
قال ابن العربي: وهو الموفق عبده، لما تصدق به، فهو المطفىء غضبه بما وفق عبده،
وقال بعضهم: معنى الحديث الحث على إخفاء الصدقة، لأنه دليل على إخلاصه لمشاهدته ربه،
وهي درجة لإحسان، وفي القرءان: ﴿إِن رحمة اللَّه قريب من المحسنين﴾ [الأعراف: ٥٦]،
فبنور الإخلاص، ورحمة الإحسان إطفاء نار الغضب، وفي رواية: وصدقة العلانية تقى ميتة
السوء، وفي الترمذي، وقال حسن غريب من حديث أنس: أن الصدقة لتطفئ غضب الرب،
وتدفع ميتة السوء، (وصلة الرحم) القرابة، بالتعهد والمراعاة، والمواساة، ونحو ذلك (تزيد في
العمر) بالبركة فيه، حتى يحصل منه في الزمن اليسير طاعات لا تحصل من غيره في الزمن
الكثير، أو حقيقة بأن يزاد فيه على ما كتب في صحف الملائكة، والأول أولى إذ هذا ليس
زيادة حقيقة، إذ علم اللَّه يتعلق بكونه يصل ويمد له عمره، (أخرجه الطبراني في الكبير بسند
حسن) عن أبي أمامة، ورواه في الأوسط عن أم سلمة بزيادة: وكل معروف صدقة، وأهل
المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة،
وأول من يدخل الجنة أهل المعروف، قال السخاوي: وسنده ضعيف، قال الماوردي: وللمعروف
شروط لا يتم إلاَّ بها، ولا يكمل إلاَّ معها، فمنها ستره عن إذاعته، وإخفاؤه عن إشاعته.
قال بعض الحكماء: إذا اصطنعت المعروف فاستره، وإذا صنع معك فانشره، لما جبلت
عليه النفس، من إظهار ما أخفى، وإعلان ما كتم، ومنها تصغيره بالنسبة لنعم اللَّه عليه، وإن كان

٣٩٢
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقوله عليه الصلاة والسلام: العفو لا يزيد العبد إلا عزًا، والتواضع لا يزيده
إلا رفعة. وما نقص مال من صدقة.
وروى مسلم: ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزّا، ..
عظیمًا.
قال العباس: لا يتم المعروف إلاَّ بتعجيله وتصغيره وستره، ومنها ترك الامتنان به والإعجاب
بفعله، لما فيهما من إسقاط الشكر وإحباط الأجر، ومنها أن لا يحتقر منه شيئًا، وإن قل إذا عجز
عن الكثير.
(وقوله عليه الصلاة والسلام: ((العفو:) التجاوز من الشخص عن عقوبة ثبتت له على غيره،
وقدر على مؤاخذته، وتركها للَّه سبحانه، لا لغرض آخر (لا يزيد العبد إلاّ عزاء) أي: رفعة عند
اللَّه في الدنيا، فإن من عرف بالعفو والصفح عظم في القلوب، أو في الآخرة، بأن يعظم ثوابه، أو
فيهما، ثم محل حمد العفو، إن لم يطغ الجاني، وإلاّ فالأولى عدمه زجرًا، (والتواضع،) خفض
الجناح، والخشوع، والذلة، (لا يزيده) عند اللَّه وعند خلقه (إلاَّ رفعة) إذا كان حقيقيًا، أما من
أظهر صورته، معتقدًا عظمة نفسه، فهو بالتكبر أشبه، (وما نقص مال) نقصًا يعود على صاحبه منه
ضرر، (من) أجل (صدقة) بل قد يبارك له فيه بسببها، فيربح، فيزيد ماله حسًا، أو يحصل له رفق،
فیسد القليل مسد الكثير.
قال القرطبي: فيه وجهان: أحدهما أنه بقدر ما ينقص منه يزيد اللَّه فيه وينميه ويكثره،
والثاني أنه وإن نقص في نفسه، ففي الأجر والثواب ما يجبر ذلك النقص بإضعافه، (وروى
مسلم،) والترمذي، وأحمد عن أبي هريرة رفعه: (ما نقصت صدقة من مال).
قال الطيبي: يحتمل أن من زائدة، أي: ما نقصت صدقة مالاً، وأنها صلة لنقصت،
والمفعول الأوّل محذوف، أي: ما نقصت شيئًا من مال في الدنيا بالبركة فيه، ودفع المفسدات
عنه والإخلاف عليه بما هو أجدى، وأنفع، وأكثر، وأطيب، وما أنفقتم من شيء، فهو يخلفه، أو
في الآخرة بإجزال الأجر، وتضعيفه أو فيهما، وذلك جابر لإضعاف ذلك النقص، بل وقع لبعض
الكمل؛ أنه تصدق من ماله، فلم يجد فيه نقصًا.
قال الفاكهاني: أخبرني من أثق به أنه تصدق من عشرين درهمًا بدرهم، فوزنها، فلم
تنقص، قال: وأنا لي ذلك، وقول الكلاباذي: يراد بالصدقة الفرض، وبإخراجها ما لم ينقص ماله
بعده لا يخفى، (وما زاد اللَّه عبدًا بعفو،) أي: بسبب عفوه، أي: تجاوزه (إلاَّ عزًا) في الدنيا،
بعظمته في القلوب، وفي الآخرة تعظم ثوابه، (وما تواضع أحد للَّه،) من المؤمنين رقًا وعبودية،

٣٩٣
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله.
وروى القضاعى عن أبي سلمة عن أم سلمة مرفوعًا: ما نقص مال من
صدقة ولا عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله تعالى بها عزًا.
وروى الديلمي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: والذي نفس محمد بيده لا
ينقص مال من صدقة. ورواه الترمذي وقال حسن صحيح.
في الائتمار بأمره، والانتهاء عن نهيه ومشاهدته لحقارة نفسه، ونفي العجب عنها (إلاَّ رفعه اللَّه،)
في الدنيا؛ بأن يثبت له في القلوب بتواضعه منزلة عند الناس، ويجل مكانه، وكذا في الآخرة
على سرير خلد لا يفنى، ومنبر ملك لا يبلى، ومن تواضع للَّه في تحمل مؤن خلقه، كفاه الله
مؤنة ما يرفعه إلى هذا المقام، ومن تواضع في قبول الحق ممن دونه، قبل اللّه منه مدحور طاعته،
وقليل حسناته، وزاد في رفعة درجاته، وحفظه بمعقبات رحمته من بين يديه ومن خلفه.
قال القرطبي: التواضع الانكسار والتذلل، ونقيضه الكبر والترفع، والتواضع يقتضي متواضعًا له،
وهو اللَّه، أو من أمر بالتواضع له، كالرسول، والإمام، والحاكم، والعالم، والوالد، فهو التواضع
الواجب المحدود، الذي يرفع الله به صاحبه في الدنيا والآخرة، وأما التواضع لسائر الخلق، فالأصل
أنه محمود، ومندوب إليه ومرغب فيه، إذا قصد به وجه اللَّه، ومن كان كذلك رفع اللَّه قدره في
القلوب، وطيب ذكره في الأفواه، ورفع درجته في الآخرة، وأما التواضع لأهل الدنيا، ولأهل الظلم،
فذلك هو الذل الذي لا عز معه، والخسة التي لا رفعة معها، بل يترتب عليها ذل الآخرة، وكل
صفقة خاسرة، وقال غيره: من جبلة الإنسان الشح بالمال، ومتابعة السبعية من إيثار الغضب،
والانتقام، والاسترسال في الكبر، الذي هو من نتائج الشيطنة، فأراد عة أن يقلعها من شحها، فحث
أولاً على الصدقة، ليتحلى بالسخاء والكرم، وثانيًا على العفو، ليعزز بعز الحلم والوقار، وثالثًا على
التواضع، ليرفع درجاته في الدارين.
(وروى القضاعي عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه
عبد اللَّه، وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه كنيته عن أبيه وعثمان وأم سلمة وغيرهم، ثقة مكثر من
رجال الجميع، ولد سنة بضع وعشرين، ومات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومائة، (عن أم سلمة)
هند بنت أبي أمية القرشية، المخزومية، أم المؤمنين (مرفوعًا: ما نقص مال من صدقة،) بل يزد
دنيا وأخرى، (ولا عفا رجل)، وصف طردي لقوله: قبل عبد (عن مظلمة إلا زاده اللَّه تعالى بها
عزّا) في الدارين، (وروى الديلمي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((والذي نفس محمد بيده)،)
أقسم تقوية، وتأكيدًا ((لا ينقص مال من صدقة))، ورواه الترمذي، وقال: حسن صحيح،
وقوله عليه الصلاة والسلام: ((اللهم))،) بالميم بدل ياء النداء، ولذا لا يجمعان إلاَّ شذوذًا، قيل

٣٩٤
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقوله عليه الصلاة والسلام: اللَّهم إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر
بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلبي ومن شر منيي. أخرجه أبو داود في جامعه
والحاكم في مستدر كه عن شكل.
وقوله عَّ: اللَّهم إني أعوذ بك من شر فتنة الغنى.
وهذه الميم، كالواو في الدلالة على الجمع كأنه قيل: يا من اجتمعت له الأسماء الحسنى، قال
الحسن البصري: اللهم مجتمع الدعاء، وقال النضر بن شميل من قال: اللهم، فقد سأل اللَّه
بجميع أسمائه، ((إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري)))) فلا أسمع، ولا أبصر بهما
ما يسخطك عليَّ، ((ومن شر لساني))،) أي: نطقي، فإن أكثر الخطايا منه، وهو الذي يورد المر
في المهالك، وخص الثلاثة، لأنها مناط الشهوة، ومثار اللذة، ((ومن شر قلبي)))) أي: نفسي،
فإنها مجمع الشهوات والمفاسد لحب الدنيا، والرهبة من الخلق، وخوف فوت الرزق، والأمراض
القلبية من نحو: حسد وحقد وطلب رفعة، وغير ذلك، ((ومن شري منيسي)))، أي: شدة الغلمة،
وسطوة الشهوة إلى الجماع الذي إذا أفرط ربما أوقع في الزنا، أو مقدماته لا محالة، فهو حقيق
بالإستعاذة من شره، وخص هذه الأشياء بالاستعاذة، لأنها أصل كل شر وقاعدته ومنبعه، (أخرجه
أبو داود في جامعه،) أي: سننه، وكذا الترمذي والنسائي خلافًا لإيهام المصنف، (والحاكم في
مستدركه عن شكل) . بفتح المعجمة، والكاف. ابن حميد العبسي، بالموحدة صحابي، نزل
الكوفة حديثه في الكوفيين، روى أصحاب السنن من طريق بلال بن يحيى العبسي، عن شتير
بمعجمة، وفوقية، مصغر عن أبيه، شكل ابن حميد قال: قلت: يا رسول الله علمني دعاء، وفي
رواية الترمذي: تعوذاً أتعوَّذ به، فأخذ بكفي، فقال: قل .. ، فذكره.
قال البغوي: ولا أعلم له غير هذا الحديث، ولم يرو عنه إلاَّ ابنه.
قال الترمذي: حسن غريب، قال في الإصابة: وأشكل له رواية عن علي.
(وقوله ◌َّلـ: ((اللهم)))) الميم عوض عن الياء، ولذا لا يجتمعان، وقيل: أصله: يا اللَّه أمنا
بخير، فخفف بحذف حرف النداء والميم، دلت على الجملة المحذوفة.
قال ابن الأثير: وهي ثلاثة أنحاء النداء المحض، والثاني يذكره المجيب، تمكينًا للجواب
في نفس السائل، يقول لك القائل: أزيد قائم، فتقول اللهم نعم أولاً، والثالث يستعمل دليلاً على
الندوة، وقلة وقوع المذكور، كقولك: أنا لا أزورك، اللهم إذا لم تدعني («إني أعوذ بك من شر
فتنة الغنى))،) أي: الفتنة التي تحصل بسببه من البطر، والطغيان، والتفاخر، وصرف المال في
المعاصي.
وقال الغزالي: هي الحرص على جمع المال وحبه، حتى تكتسبه من غير حله، وتمنعه من

٣٩٥
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
رواه الترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه.
وقوله عليه الصلاة والسلام: إن الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر،
وإن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك عادل قادر، يحق فيها الحق ويبطل
الباطل، فكونوا أبناء الآخرة ولا تكونوا أبناء الدنيا. فإن كل أم يتبعها ولدها. رواه
أبو نعيم في الحلية من حديث شداد.
واجبات إنفاقه.
قال الطيبي: استعاذ مما عصم منه، ليلتزم خوف الله وإعظامه، والافتقار إليه، وليقتدي به،
وليبين صفة الدعاء والباء، للإلصاق المعنوي التخصيصي، كله خص الرب بالاستعاذة، وقد جاء
في الكتاب والسنة: أعوذ بالله، ولم يسمع باللَّه أعوذ، لأن تقديم المعمول تفنن وانبساط،
والاستعاذة حالة خوف، وقبض بخلاف الحمد للّه، ولله الحمد، لأنه حال شكر، وتذكر إحسان
ونعم.
(رواه الترمذي، والنسائي، وأبو داود،، وابن ماجه،) عن عائشة مرفوعًا في حديث، وهو
في الصحيحين من جملة حديث طويل.
(وقوله عليه الصلاة والسلام: ((إن الدنيا عرض))،). بفتحتين. متاع (حاضر) موجود، أي:
هي مع دناءتها إلى فناء، فالمتاع ما لا بقاء له، فإنما خلق ما فيها، لأن يستمتع به مع حقارته أمداً
قليلاً، ثم ينقضي، ولذا ((يأكل منه البر والفاجر))) كل بحسب ما قدر له، بل قد يكون متاع
الفاجر فيها أوسع، كما قال ◌َّله: ((إذا أحب اللَّه عبدًا حماه الدنيا، كما يظل أحدكم يحمي
سقيمه الماء))، رواه الترمذي، وصححه الحاكم، أي: حال بينه وبين التوسع في اللذات
والشهوات، بأن يعسر عليه حصول ذلك، وقال عَّهِ: ((الدنيا لا تصفو لمؤمن، كيف وهي سجنه
وبلاؤه))، رواه ابن لال والديلمي، (وإن الآخرة وعد صادق،) لا شك في وقوعه، ويحتمل التنوين
والإضافة، فالصادق من أسماء اللَّه، (يحكم فيها ملك). بكسر اللام، (عادل) لا يجور، (قادر)
على ما يشاء، وهو اللَّه سبحانه، (يحق فيها الحق) يظهره ويحكم به، (ويبطل الباطل)، يمحقه
ويذهبه، (فكونوا أبناء الآخرة،) بالأعمال الصالحة، النافعة فيها، (ولا تكونوا أبناء الدنيا،) بالرضا
بها، والطمأنينة إليها، (فإن كل أم يتبعها ولدها)، فمن تبع الدنيا خاب وخسر، ومن تبع الآخرة
حيى الحياة الطيبة في روضات الجنات، (رواه أبو نعيم في الحلية من حديث شداد) بن
أوس بن ثابت الأنصاري، أبي يعلى، الخزرجي، صحابي، مات بالشام قبل الستين، أو بعدها،
وهو ابن أخي حسان بن ثابت.

٣٩٤
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقوله عليه الصلاة والسلام: اللَّهم إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر
بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلبي ومن شر منيي. أخرجه أبو داود في جامعه
والحاكم في مستدركه عن شكل.
وقوله عَُّلَّه: اللَّهم إني أعوذ بك من شر فتنة الغنى.
وهذه الميم، كالواو في الدلالة على الجمع كأنه قيل: يا من اجتمعت له الأسماء الحسنى، قال
الحسن البصري: اللهم مجتمع الدعاء، وقال النضر بن شميل من قال: اللهم، فقد سأل اللَّه
بجميع أسمائه، ((إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري)،) فلا أسمع، ولا أبصر بهما
ما يسخطك عليَّ، (ومن شر لساني)،) أي: نطقي، فإن أكثر الخطايا منه، وهو الذي يورد المر
في المهالك، وخص الثلاثة، لأنها مناط الشهوة، ومثار اللذة، ((ومن شر قلبي))،) أي: نفسي،
فإنها مجمع الشهوات والمفاسد لحب الدنيا، والرهبة من الخلق، وخوف فوت الرزق، والأمراض
القلبية من نحو: حسد وحقد وطلب رفعة، وغير ذلك، ((ومن شري منيي)))، أي: شدة الغلمة،
وسطوة الشهوة إلى الجماع الذي إذا أفرط ربما أوقع في الزنا، أو مقدماته لا محالة، فهو حقيق
بالإستعاذة من شره، وخص هذه الأشياء بالاستعاذة، لأنها أصل كل شر وقاعدته ومنبعه، (أخرجه
أبو داود في جامعه،) أي: سننه، وكذا الترمذي والنسائي خلافًا لإيهام المصنف، (والحاكم في
مستدركه عن شكل) . بفتح المعجمة، والكاف. ابن حميد العبسي، بالموحدة صحابي، نزل
الكوفة حديثه في الكوفيين، روى أصحاب السنن من طريق بلال بن يحيى العبسي، عن شتير
بمعجمة، وفوقية، مصغر عن أبيه، شكل ابن حميد قال: قلت: يا رسول اللَّه علمني دعاء، وفي
رواية الترمذي: تعوذاً أتعوَّذ به، فأخذ بكفي، فقال: قل .. ، فذكره.
قال البغوي: ولا أعلم له غير هذا الحديث، ولم يرو عنه إلاَّ ابنه.
قال الترمذي: حسن غريب، قال في الإصابة: وأشكل له رواية عن علي.
(وقوله عَّةِ: ((اللهم)،) الميم عوض عن الياء، ولذا لا يجتمعان، وقيل: أصله: يا اللَّه أمنا
بخير، فخفف بحذف حرف النداء والميم، دلت على الجملة المحذوفة.
قال ابن الأثير: وهي ثلاثة أنحاء النداء المحض، والثاني يذكره المجيب، تمكينًا للجواب
في نفس السائل، يقول لك القائل: أزيد قائم، فتقول اللهم نعم أولاً، والثالث يستعمل دليلاً على
الندوة، وقلة وقوع المذكور، كقولك: أنا لا أزورك، اللهم إذا لم تدعني ((إني أعوذ بك من شر
فتنة الغنى))،) أي: الفتنة التي تحصل بسببه من البطر، والطغيان، والتفاخر، وصرف المال في
المعاصي.
وقال الغزالي: هي الحرص على جمع المال وحبه، حتى تكتسبه من غير حله، وتمنعه من

٣٩٥
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
رواه الترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه.
وقوله عليه الصلاة والسلام: إن الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر،
وإن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك عادل قادر، يحق فيها الحق ويبطل
الباطل، فكونوا أبناء الآخرة ولا تكونوا أبناء الدنيا. فإن كل أم يتبعها ولدها. رواه
أبو نعيم في الحلية من حديث شداد.
واجبات إنفاقه.
قال الطيبي: استعاذ مما عصم منه، ليلتزم خوف اللَّه وإعظامه، والافتقار إليه، وليقتدي به،
وليبين صفة الدعاء والباء، للإلصاق المعنوي التخصيصي، كله خص الرب بالاستعاذة، وقد جاء
في الكتاب والسنة: أعوذ بالله، ولم يسمع باللّه أعوذ، لأن تقديم المعمول تفنن وانبساط،
والاستعاذة حالة خوف، وقبض بخلاف الحمد لله، ولله الحمد، لأنه حال شكر، وتذكر إحسان
ونعم.
(رواه الترمذي، والنسائي، وأبو داود))، وابن ماجه،) عن عائشة مرفوعًا في حديث، وهو
في الصحيحين من جملة حديث طويل.
(وقوله عليه الصلاة والسلام: ((إن الدنيا عرض))،) . بفتحتين. متاع (حاضر) موجود، أي:
هي مع دناءتها إلى فناء، فالمتاع ما لا بقاء له، فإنما خلق ما فيها، لأن يستمتع به مع حقارته أمداً
قليلاً، ثم ينقضي، ولذا ((يأكل منه البر والفاجر))) كل بحسب ما قدر له، بل قد يكون متاع
الفاجر فيها أوسع، كما قال ◌َّه: ((إذا أحب اللَّه عبدًا حماه الدنيا، كما يظل أحدكم يحمي
سقيمه الماء)، رواه الترمذي، وصححه الحاكم، أي: حال بينه وبين التوسع في اللذات
والشهوات، بأن يعسر عليه حصول ذلك، وقال عَّةٍ: ((الدنيا لا تصفو لمؤمن، كيف وهي سجنه
وبلاؤه))، رواه ابن لال والديلمي، (وإن الآخرة وعد صادق،) لا شك في وقوعه، ويحتمل التنوين
والإضافة، فالصادق من أسماء اللَّه، (يحكم فيها ملك). بكسر اللام، (عادل) لا يجور، (قادر)
على ما يشاء، وهو اللَّه سبحانه، (يحق فيها الحق) يظهره ويحكم به، (ويبطل الباطل)، يمحقه
ويذهبه، (فكونوا أبناء الآخرة،) بالأعمال الصالحة، النافعة فيها، (ولا تكونوا أبناء الدنيا،) بالرضا
بها، والطمأنينة إليها، (فإن كل أم يتبعها ولدها)، فمن تبع الدنيا خاب وخسر، ومن تبع الآخرة
حيى الحياة الطيبة في روضات الجنات، (رواه أبو نعيم في الحلية من حديث شداد) بن
أوس بن ثابت الأنصاري، أبي يعلى، الخزرجي، صحابي، مات بالشام قبل الستين، أو بعدها،
وهو ابن أخي حسان بن ثابت.

٣٩٦
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقوله عليه الصلاة والسلام: أخسر الناس صفقة من أذهب آخرته بدنيا غيره.
وعند ابن النجار من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه وهو مما
بيض له الديلمي: أخسر الناس صفقة رجل أخلق يديه في آماله ولم تساعده الأيام
علی أمنیته،
(وقوله عليه الصلاة والسلام: ((أخسر الناس صفقة))،) أي: من أشدهم خسرانًا لعظيم
الثواب، وأعظمهم حسرة يوم المآب، ((من أذهب آخرته))،) بترك الواجب، أو المندوب («بدنيا
غيره))،) أي: بسبب اشتغاله بحلب دنيا غيره، كخدام العظماء يشتغلون بنفع مخاديمهم، والقيام
بمصالحهم، ويتركون الصلوات، ويحلفون الإيمان الفاجرة، ويأخذون أموال الناس لاسترضاء
مخاديمهم، (وعند ابن النجار) في تاريخ بغداد (من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة) العنزي،
حليف بني عدي أبي محمد المدني، ولد على عهد النبي عَّةٍ، ووثقه العجلي، وروى له الستة،
مات سنة بضع وثمانين، (عن أبيه) عامر بن ربيعة بن كعب بن لملك العنزي . بسكون النون،
حليف الخطاب صحابي مشهور، أسلم قديمًا، وهاجر، وشهد بدرًا وما بعدها، ومات ليالي قتل
عثمان، (وهو مما بيض له الديلمي) لعدم وقوفه له على سند.
قال عامر: قال عَّه: ((أخسر الناس)))) أي: من أخسرهم، كما علم (صفقة) هي في
الأصل ضرب اليد على اليد في البيع والبيعة، والخسر في الأصل نقص رأس المال، ثم استعمل
في المعينات الخارجة كالمال والجاه، وأكثر استعماله في النفيس منها، كصحة وسلامة، وعقل،
وإيمان، وثواب، وهو المراد هنا ذكره، الراغب (رجل) وصف طردي، والمراد مكلف (أخلق،)
أتعب (يديه) وأفقرهما بالكد والجهد، وتجوَّز بهما عن النفس، لأن المزاولة بهما غالباً (في)
بلوغ (آماله،) جمع أمل، وهو الرجاء، وأكثر استعماله في مستبعد الحصول (ولم تساعده،) أي:
نعاونه (الأيام على أمنيته،) أي: بلوغها في تحصيل مطلوبه من مال ومناصب وجاه ونحوها، بل
عاكسته وغدرته، فلا يزال يتشبث بالطمع الفارغ، والرجاء الكاذب، ويتمنى على الله ما لا تقتضيه
حکمته، ولم تسبق به كلمته.
قال بعض العارفين: أماني النفس حديثها بما ليس عندها، ولها حلاوة إذ استصحبها عبد
لا يفلح أبدًا، وأهل الدنيا فريقان، فريق يتمنون ما يتمنعون، ولا يعطون إلاَّ بعضًا منه، وكثير منهم
يتمنون ذلك البعض وقد حرموه، فاجتمع عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة، فصاروا أخسر الناس
صفقة، وأما المؤمن المتقي، فقد حاز مراده، وهو غنى القلب المؤدي لغنى الآخرة، فما يبالي
أوتي حظًا من الدنيا أو لا، فإن أوتي منها، وإلاَّ فربما كان الفقر خيرًا له، وأعون على مراده، فهو
أربح الناس صفقة، واشتقاق الأمنية من منى إذا قدر، لأن المتمني يقدر في نفسه، ويحزر

٣٩٧
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
فخرج من الدنيا بغير زاد وقدم على الله بغير حجة.
وقوله عليه الصلاة والسلام إن من كنوز البر كتمان المصائب.
ما يتمناه، (فخرج من الدنيا) بالموت (بغير زاد) يوصله إلى دار المعاد، وينفعه يوم تقوم الأشهاد،
ويفصل بين العباد، لأن خير الزاد إلى الآخرة اتقاء القبائح، وقد تلطخ بأقذارها الخبيثة الروائح،
فهو مهلك لنفسه باسترساله مع الأمل، وهجره للعمل حتى تتابعت على قلبه ظلمات الغفلة،
وغلب عليه رين الشهوة، ولم يسعفه المقدور بنبيل مرامه من ذلك الحطام الفاني، فلم يزل
مغمومًا مقهورًا إلى أن فرق الموت بينه وبين آماله، وكل جارحة منه متعلقة بالدنيا التي فاتته،
فهي تجاذبه إلى الدنيا، والموت يجاذبه إلى الآخرة التي لا يريدها، (وقدم على اللَّه بغير حجة)
معذرة يعتذر بها، وبرهان يتمسك به على تفريطه، بتضييعه عمره النفيس في طلب شيء خبيث
خسيس، وإعراضه عن عبادة ربه التي إنما خلق لأجلها ﴿وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون﴾
[الذاريات: ٥٦].
قال الغزالي: ومن هذا حاله، فهو كالأنعام، بل أمل، إذ البهيمة لم يخلق لها المعرفة التي
بها تجاهد مقتضى الشهوات، وهذا قد خلق له وعطله، فهو الناقص عقلاً، والمدبر يقينًا، ولذا
قيل:
ولم أر في عيوب الناس عيبًا كنقص القادرين على التمام
وفي الحديث إلزام للحجة، ومبالغة في الإنذار، وإعذار فيه، وتنبيه على أن إيثار التلذذ
والتنعم، مما يؤد إلى طول الأمل، ويعطل العمل، وهذه هجيرًا أكثر الناس ليس من أخلاق
المؤمنين، ومن، ثم قيل: التمرغ في الدنيا من أخلاق الكافرين، ذكره الزمخشري، هكذا حمل
بعض الشراح الحديث على أمنية الدنيا، وحمله بعض آخر على أمنية الأعمال الصالحة، فقال:
المعنى ضل وهلك رجل قدر أن يعمل في المستقبل أعمالاً صالحة، ولم تعاونه الأوقات على
ذلك، فخرج بلا زاد، أي: عمل، وقدم على اللَّه بغير حجة، لأنه في وقت التقدير كان فارغًا
صحیحًا انتھی، و کلاهما حسن.
(وقوله عليه الصلاة والسلام: ((إن من كنوز البر)))) أي: من نفس ما يتوصل به العبد إلى
مقصده، ((كتمان المصائب)))، أي: عدم التحدث بها، إلاّ لمصلحة كإخبار طبيب، أو مشير
ناصح، فإظهارها، والتحدث بها قادح في الصبر، مفوت للأجر، وكتمانها رأس الصبر، وقد شكا
الأحنف إلى عمه وجع ضرسه، وكرره، فقال: لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة، فما شكوتها
لأحد، وهذا بعض حديث، رواه البيهقي، وأبو نعيم بسند ضعيف عن ابن عمر رفعه بلفظ: من
كنوز البر كتمان المصائب، والأمراض، والصدقة، أخبر عليه السلام أن كتم هذه الثلاثة يدخر

٣٩٨
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقوله عليه الصلاة والسلام: اليمين حنث أو ندم.
رواه أبو يعلى وابن ماجه إلا أنه قال: إنما الحلف.
وقوله عليه الصلاة والسلام: لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك.
رواه الترمذي من حديث مكحول عن واثلة،
لصاحبه يوم فاقته، لا يطلع على ثوابه ملك، ولا يدفع إلى خصمائه، بل يعوضهم اللَّه من باقي
أعماله، وخزائن فضله ليبقي له كنزه، وذلك، لأنه لصفاء توحيده كتم مصائبه وأمراضه ومهماته
عن الخلق صبرًا من رضا عن ربه، وحياء منه، أن يشكو ويستعين بأحد من خلقه.
(وقوله عليه الصلاة والسلام: (اليمين حنث، أو ندم)))، قال العسكري: معناه إنك إذا
حلفت حنثت، أو فعلت ما لا تشتهي كراهة الحنث فندمت، وقال الميداني في الأمثال: معناه:
إن كانت صادقة ندم، وإن كانت كاذبة حنث يضرب للمکروه من وجهین.
قال الغزالي: والندم توجه القلب عند شعوره بفوت محبوبه، وعلامته طول الحسرة والحزن
انتهى، والقصد بذا الحديث وأمثاله: التنفير عن اليمين، لأنه يغلب على الحالف أن يجعلها
عرضة للوقوع في منهي عنه، إذ كثرة الحلف، لا بد لها من سقطة، فلا ينافي حلف النبي عَّه.
كثيرًا، وحلف الصحابة، وجوازها شرعًا الشامل لوجوبها، (رواه أبو يعلى، وابن ماجه،) كلاهما
عن ابن عمر (إلاَّ أنه،) أي: ابن ماجه، (قال: إنما الحلف) بدل اليمين، وبلفظ: إنما أوله، كما في
المقاصد والجامع، وبين السخاوي: أن أبا يعلى رواه بلفظ: إنما اليمين، وبلفظ الحلف بدون إنما،
فتسمح المصنف في العزو له أيضًا، نعم، أخرجه الطبراني، والعسكري بلفظ اليمين حنث، أو
ندم، فكان اللائق عزوه لهما، ثم بيان لفظ من خالفهما، ثم فيه عند الجميع بشار بن کدام،
بكسر الكاف، الكوفي ضعيف.
(وقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تظهر الشماتة بأخيك)))) بباء موحدة، وفي رواية:
لأخيك، باللام، في الدين، وهي الفرح بيلية من يعاديك، أو تعاديه، (فيعافيه اللَّه) رغمًا لأنفك،
(ويبتليك،) حيث زكيت نفسك، ورفعت منزلتك.
قال الطيبي: بالنصب جوابًا للنهي، ويبتليك عطف عليه، (رواه الترمذي من حديث
مكحول) الشامي ثقة، فقيه كثير الإرسال مشهور، وروى له مسلم والأربعة، مات سنة بضع
عشرة ومائة، (عن واثلة،) بمثلثة، ابن الأسقع، بالقاف، ابن كعب الليثي، صحابي نزل الشام،
وعاش إلی سنة خمس وثمانین، ومات وله مائة وخمس سنين.
(وقال) الترمذي: (حسن غريب، وهو عند الطبراني أيضًا،) وزعم ابن الجوزي أنه