النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
بلفظ ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب يعني أنه إذا
ملكها كان قد قهر أكبر أعدائه وشر خصومه. ولذلك قال: أعدى عدو لك نفسك
التي بينك جنبيك. وهذا من باب المجال، ومن فصيح الكلام، لأنه لما كان
الغضبان بحالة شديدة من الغيظ وقد ثارت عليه شدة من الغضب وقهرها بحلمه،
وصرعها بثباته كان كالصرعة الذي يصرع
الذي يصرع الناس كثيرًا بقوَّته، والهاء للمبالغة في الصفة، والصرعة - بسكون الراء. بالعكس، وهو
من يصرعه غيره كثيرًا، وكل ما جاء بهذا الوزن بالضم والسكون، فهو كذلك كهمزة ولمزة
وحفظة وخدعة، ووقع بيان ذلك في حديث ابن مسعود عند مسلم وأوله: ما تعدون الصرعة
فیکم، قالوا: الذي لا تصرعه الرجال.
قال ابن التين: ضبطناه بفتح الراء، وقرأه بعضهم بسكونها وليس بشيء، لأنه عكس
المطلوب، قال: وضبط أيضاً في بعض الكتب بفتح الصاد، وليس بشيء، ذكره الحافظ والنفي
للمبالغة، أي: ليس القوي من يقدر على صرع أبطال الرجال وإلقائهم إلى الأرض بقوّة، (إنما
الشديد) على الحقيقة (الذي يملك نفسه عند الغضب،) أي: إنما القوي من كظم غيظه عند فوران
الغضب وقهر نفسه وغلب عليها، فحوَّل المعنى فيه من القوَّة الظاهرة إلى القوّة الباطنة، (يعني أنه
إذا ملكها كان) هو الشديد، لأنه (قد قهر أكبر أعدائه،) إذ من عداها أذاه دونها، لأنها موجبة
لعقوبة اللَّه، وأقلها أشد من عقوبات الدنيا (و) قهر (شر) بالنصب، (خصومه،) جمع خصم على
لغة المطابقة في التثنية والجمع، والمشهور وقوع خصم على الذكر والأنثى والمفرد، والجمع
فآثر الجمع وإن كان لغة قليلة، لأنه أبلغ في إفادة المراد (ولذلك) المذكور من الأمرين. (قال)
عليه الصلاة والسلام، فيما ذكره في النهاية بلا إسناد: (أعدى عدو لك،) أي: أشد عداوة لك
من بين أعدائك، (نفسك التي بين جنبيك،) والعدو خلاف الصديق الموالي، وليس المراد
البغض لاستحالته بل فعلها معه فعل العد، ولحملها له على اكتساب المال من غير حله، وإنفاقه
في اللذات والشهوات، وصدها عن العلم والجهاد، وميلها للكسل وما يفوّت الكمالات، أن
النفس الأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، (وهذا من باب المجاز ومن فصيح الكلام،) أي: بليغه
إلى الغاية بحيث اشتمل على أعلى البلاغة التي هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فليس المراد
الفصاحة الاصطلاحية التي هي خلوصه من ضعف التأليف، وتنافر الكلمات والتعقيد مع
فصاحتها، (لأنه لما كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ، وقد ثارت عليه شدة من الغضب،
وقهرها بحلمه، وصرعها بثباته) وعدم عمله بمقتضى الغضب، (كان كالصرعة الذي يصرع
الرجال ولا يصرعونه،) فهو تشبيه بليغ بحذف الأداة أو استعارة، (وقوله) عَّ: ((ليس الخبر

٣٢٢
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
الرجال ولا يصرعونه.
وقوله: ليس الخبر كالمعاينة. رواه أحمد وابن منيع والطبراني والعسكري.
كالمعاينة))،) وفي رواية: كالعيان . بكسر العين. ومعناهما واحد، أي: المشاهدة، لأنها تحصل
العلم القطعي، وقد جعل الله لعباده آذانًا واعية، وأبصارًا ناظرة، ولم يجعل الخبر في القوّة كالنظر
بالعيان، وكما جعل في الرأس سمعًا وبصرًا جعل في القلب ذلك، فما رآه الإنسان ببصره قوي
علمه به، وما أدركه ببصر قلبه كان أقوى عنده.
وقال الكلاباذي: الخبر خبر إن صادق، لا يجوز عليه الخطأ وهو خبر اللَّه ورسوله،
ومحتمله، وهو ما عداه، فإن حمل الخبر على الأول، فمعناه ليس المعاينة كالخبر في القوّة، بل
الخبر أقوى وأبعد عن الشكوك، إذا كان خبر الصادق والمعاينة قد تخطىء، فقد يرى الإنسان
الشيء على خلاف ما هو عليه، كما في قصة موسى والسحرة، وإن حمل على الثاني، فمعناه
أنها أقوى، لأن المخبر لا يطمئن قلبه، وتزول عنه الشكوك في خبر من يجوز عليه السهو والغلط،
وحاصله: أن الخبر إذا كان خبر الصادق، فهو أقوى من المعاينة، أو غيره فعكسه انتهى، وهذا
الفهم يشكل عليه بقية الحديث الآتية، (رواه أحمد) بن حنبل الإمام، (و) أحمد (ابن منيع)
بفتح الميم، وكسر النون، وإسكان التحتية ومهملة. ابن عبد الرحمَّن أبو جعفر البغوي، نزيل
بغداد، ثقة حافظ. مات سنة أربع وأربعين ومائتين، وله أربع وثمانون سنة.
روى عنه مسلم والأربعة وغيرهم، (والطبراني والعسكري) من حديث ابن عباس بزيادة:
أن اللَّه تعالى أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلق الألواح، فلما عاين ما صنعوا، ألقى
الألواح فانكسرت، ورواه أحمد، وابن طاهر، والبغوي، والدارقطني، والطبراني في الأوسط،
وابن حبان والعسكري أيضًا، عن ابن عباس مختصرًا بدون الزيادة، وصحح الحديث ابن حبان
والحاكم والضياء.
قال العسكري: أراد عَّه أنه لا يهجم على قلب المخير من الهلع، بالأمر والاستفظاع له
مثل ما يهجم على قلب المعاين، قال: وظن بعض الملحدين في حديث موسى، أنه لم يصدق
بما أخبره ربه، ولا دلالة فيه على ذلك، ولكن للعيان روعة هي أنكأ للقلب، وأبعث لهلعه من
المسموع، قال: ومن هذا قول إبراهيم: ولكن ليطمئن قلبي، أي: بيقين النظر، لأن للمشاهدة
والمعاينة حالاً ليست لغيره، وقال غيره: كان خبر اللَّه ثابتًا عند موسى وخبره كلامه، وكلامه
صفته، فعرف فتنة قومه بصفة اللَّه، لكن صفة البشرية لا تظهر عند صفة اللَّه، لعجز البشرية
وضعفها، فتمسك موسى بما في يديه ولم يلقه، فلما عاين قومه عاكفين على العجل عابدين له،
عاتبهم بصفة نفسه التي هي نظره ببصره ورؤيته بعينه، فلم يتمالك أن طرح الألواح من شدة

٣٢٣
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقوله: المجالس بالأمانة. رواه العقيلي في ترجمة حسين بن عبد الله بن
ضمرة عن أبيه عن جده عن علي
الغضب، وفرط الضجر حمية للدين.
روي أنها كانت سبعة، فانكسر ستة كان فيها تفصيل كل شيء، وبقي السابع فيه
المواعظ والأحكام، (وقوله) عَّله: ((المجالس)))) أي: ما يقع فيها قولاً وفعلاً ملحق (بالأمانة،)
فيجب حفظها، فلا يشيع أحد حديث جليسه، إلا فيما يحرم ستره ولا يبطن، خلاف ما يظهر،
وفيه إشارة إلى مجالسة أهل الأمانة وتجنب أهل الخيانة، ذكره العامري في شرح القضاعي،
وقال العسكري: أراد عَّهِ أن الرجل يجلس إلى القوم، فيخوضون في الحديث، ولعل فيه ما إن
نمى كان فيه ما يكرهون، فيأمنونه على أسرارهم، فيريد أن الأحاديث التي تجري بينهم، كالأمانة
التي لا يجب أن يطلع عليها، فمن أظهرها فهو قتاب، وفي التنزيل: ﴿هماز مشاء بنميم﴾،
وقال عَ طِّ: ((لا يدخل الجنة قتات))، أي: نمام.
وروي مرفوعًا، إلاَّ أنّ من الخيانة أن يحدث الرجل أخاه بالحديث فيفشيه، انتهى. ولعبد
الرزاق مرفوعًا: إنما يتجالس المتجالسون بأمانة اللّه، فلا يحل لأحد أن يفشي عن صاحبه ما يكره،
وقال ابن الأثير: هذا ندب إلى ترك إعادة ما يجري في المجلس من قول أو فعل، فكان ذلك
أمانة عند من سمعه أو رآه، والأمانة تقع على الطاعة والعبادة، والوديعة، والثقة، والأمان، وقد جاء
كل منها حديث، انتهى.
(رواه) الديلمي، والعسكري، والقضاعي، و(العقيلي) الإمام، الحافظ أبو جعفر محمد بن
عمرو بن موسى بن حماد، كثير التصانيف، مقدم في الحفظ، ثقة عالم بالحديث، مات سنة
ثلاث وعشرين وثلاثمائة.
(في ترجمة حسين بن عبد الله بن ضمرة، عن أبيه، عن جده، عن علي) بن أبي طالب،
(رفعه) بلفظ الترجمة فقط، لكن قصر المصنف في عزوه، فقد رواه ابن ماجه عن جابر بهذا
اللفظ فقط، ورواه أبو داود والعسكري عن جابر بن عبد اللَّه مرفوعًا بزيادة: إلا ثلاثة مجالس
سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حق.
قال البيضاوي: يريد أن المؤمن إذا حضر مجلسًا، ووجد أهله على منكرات يستر
عوراتهم، ولا يشيع ما رأى منهم إلا أن يكون أحد هذه الثلاثة، فإنه فساد كبير وإخفاؤه إضرار
عظيم، وقال غيره، أي: من قال في مجلس أريد قتل فلان، أو الزنا بفلانة، أو أخذ مال فلان
ظلمًا، فلا يجوز لسامعه حفظ سره، بل يجب عليه إنشاؤه دفعًا للمفسدة، (و) جاء (عن جابر بن

٣٢٤
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
رفعه، وعن جابر بن عتيك: إذا حدث الرجل ثم التفت فهي أمانة، ورواه أبو داود
في سننه والترمذي في جامعه وابن أبي الدنيا في الصمت. وغيرهم.
ففي هاتين الكلمتين من الحمل على آداب العشرة وآداب الصحبة وكتم
السر، وحفظ الود وحفظ العهد، وإصلاح ذات البين والتحذير من النميمة بين
الإخوان، الموقعة للشنآن ما لا يكاد يخفى على مبادي الأذهان.
عتيك) بن قيس الأنصاري، صحابي جليل، اختلف في شهوده بدرًا، مات سنة إحدى وستين،
وهو ابن إحدى وتسعين، له في أبي داود والنسائي: (إذا حدث الرجل،) أي: الإنسان، فذكر
الرجل غالبي ومفعول حدث محذوف في رواية ابن عتيك، وقد ثبت في رواية ابن عبد الله
بلفظ: إذا حدث الرجل .. الحديث، (ثم التفت،) أي: غاب عن المجلس، كما قال المظهري،
أو يمينًا وشمالاً، كما قال الطيبي، فثم الحقيقة الترتيب على الأول لا الثاني، (فهي،) أي: الكلمة
التي حدث بها قبل التفاته، (أمانة) عند المحدث أودعه إياها، فإن حدث بها غيره، فقد خالف
أمر اللَّه بتأدية الأمانة إلى غير أهلها، فيكون من الظالمين، فيجب عليه كتمها إذ التفاته بمنزلة
استكتامه بالنطق، لأن التفاته إعلام لمن يحدثه أنه يخاف أن يسمع حديثه أحد، وأنه قد خصه
بسره، فكأن التفاته قائم مقام قومه، أكتم هذا عني، وهو عندك أمانة، (ورواه،) ،أي حديث: إذا
التفت لا بقيد كونه من حديث ابن عتيك، (أبو داود في سننه، والترمذي في جامعه،) وقال:
حديث حسن، (وابن أبي الدنيا في) كتاب (الصمت وغيرهم،) كالإمام أحمد، والطيالسي،
وأبي يعلى، كلهم من حديث جابر بن عبد اللَّه مرفوعًا، بلفظ: إذا حدث الرجل .. الحديث، ثم
التفت فهي أمانة، وفيه عبد الرحمَّن بن عطاء، وثقه جماعة، ولينه آخرون، فتحسين الترمذي
اعتماد لتوثيقه، أو لشاهده، عند أبي يعلى، عن أنس به مرفوعًا، كما أفاده السخاوي.
(ففي هاتين الكلمتين) هذا الحديث والمجالس بالأمانة، سماهما كلمتين لقلة حروفهما،
وفي نسخة الخصلتين، أي: المستفادتين من الخبرين، وكلاهما من جوامع الكلم (من الحمل
على آداب العشرة، وآداب الصحبة، وكتم السر، وحفظ الود، وحفظ العهد، وإصلاح ذات
البين، ) أي: الحالة التي تكون بين الناس من التعارف والمخالطة، (والتحذير من النميمة،) هي
نقل الكلام إشاعة له وإفسادًا، وتزيين الكلام بالكذب، كما في القاموس، (بين الإخوان الموقعة
للشنآن،) أي: البغضاء، (ما لا يكاد يخفى،) لشدة ظهوره (على مبادي الأذهان،) أي: أوائلها،
أي أنها تدرك بأدنى التفات، فلا تحتاج لإمعان نظر وتأمل، وإفشاء السر حرام إن أضر.
قال الماوردي: إظهار الرجل سر غيره أقبح من إظهار سر نفسه، لأنه يبوء بإحدى

٣٢٥
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقوله: البلاء موكل بالمنطق. رواه ابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب
المفرد، من رواية إبراهيم عن ابن مسعود، ورواه الديلمي عن أبي الدرداء مرفوعًا:
البلاء موكل بالمنطق. وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من حديث أبي الدرداء
وابن مسعود. قال شيخنا في المقاصد الحسنة: ولا يحسن مع مجموع ما ذكرناه
وصمتين؛ الخيانة إن كان مؤتمنًا، والنميمة إن كان مستخبرًا، وأما الضرر فيما استويا فيه، أو
تفاضلاً، فكلاهما مذموم، وهو فيهما ملوم.
وقال الراغب: السر ضربان، أحدهما ما يلقي إلى الإنسان من حديث يستكتم، وذلك إما
لفظًا، كقولك لغيرك: اكتم ما أقول لك؛ وإما حالاً وهو أن يتحرى القائل حال انفراده فيما يورده،
أو خفض صوته، أو بخفيه عن مجالسيه، وهو المراد في هذا الحديث، انتهى. (وقوله) عَّهِ:
(«البلاء موكل بالمنطق.))
قال الديلمي: البلاء الامتحان والاختبار، ويكون حسنًا ويكون سيئًا، واللّه يبلو عبده بالصنع
الجميل، ليمتحن شكره، ويبلوه بما يكره ليمتحن صبره، ومعنى الحديث: أن العبد في سلامة
ما سكت، فإذا تكلم عرف ما عنده بمحنة النطق، فيتعرض للخطر، أو للظفر، ولذا قال عَّ
لمعاذ: ((أنت في سلامة ما سكت فإذا تكلمت فلك أو عليك))، ويحتمل أن يريد التحذير من
سرعة النطق بلا تثبت، خوف بلاء لا يطيق دفعه، وقد قيل: اللسان ذنب الإنسان، وما شيء أحق
بسجن من اللسان، (رواه ابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب المفرد من رواية إبراهيم) النخعي،
(عن ابن مسعود) مرفوعًا بهذا اللفظ وزيادة: لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كليًّا، رواه
الخطيب، والديلمي، وأبو نعيم والعسكري مرفوعًا، البلاء موكل بالمنطق، فلو أن رجلاً عير رجلاً
برضاع كلبة لرضعها، وسنده ضعيف، وهو عند أحمد في الزهد موقوفًا على ابن مسعود، قاله
السخاوي، (ورواه الديلمي عن أبي الدرداء مرفوعًا: البلاء موكل بالمنطق،) وزاد: ما قال عبد
لشيء واللَّه لا أفعله إلا ترك الشيطان كل شيء، وولع به حتى يؤثمه، ولا حاجة إلى ذكر
المصنف لفظ الحديث إذ هو مساو لترجمته، وقد رواه القضاعي وابن السمعاني عن علي،
والديلمي عن ابن مسعود، والعسكري عن أبي الدرداء رفعوه، وابن لال في المكارم عن
ابن عباس، عن الصديق موقوفًا، وابن أبي الدنيا من مرسل الحسن، خمستهم بلفظ: البلاء موكل
بالقول. (وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من حديث أبي الدرداء وابن مسعود. قال
شيخنا) السخاوي (في المقاصد الحسنة: ولا يحسن مع مجموع ما ذكرناه،) وهو هذه الطرق
التي لخصتها من كلامه (الحكم عليه بالوضع،) لأن تعدد الطرق، وتباين مخارجها دليل على

٣٢٦
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
الحكم عليه بالوضع، ويشهد لمعناه قوله عَّ للأعرابي الذي دخل عليه يعوده.
وقال: عليه الصلاة والسلام لا بأس هو طهور، فقال الأعرابي: بل هي حمى تفور
على شيخ كبير تزيره القبور، فقال عليه الصلاة والسلام: فنعم إذًا.
وأنشد في معناه:
لا تنطقن بما كرهت فربما نطق اللسان بحادث فيكون
أن للحديث أصلاً، وورد أيضًا من حديث أنس، أشار إليه الديلمي، (ويشهد لمعناه قوله عَـ
عند البخاري وغيره، عن ابن عباس (للأعرابي الذي دخل عليه) المصطفى (يعوده،) أي:
الأعرابي، (وقال) عليه السلام: ((لا بأس) عليك (هو طهور) لك من الذنوب))، أي مطهر.
قال ابن عباس في البخاري: وكان النبي عَّه إذا دخل على مريض يعوده قال: ((لا بأس
طهور))، (فقال الأعرابي:) مستبعد الحصول الشفاء، (بل) لفظ البخاري: قلت طهور كلابل،
(هي حمى تفور،) بالفاء، أي: يظهر حرها ووهجها وغليانها، ولفظ البخاري: تفور، أو قال:
تثور، أي: بالشك من الراوي هل قاله بفاء أو مثلثة، ومعناهما واحد. (على شيخ كبير تزيره)
بضم الفوقية، وكسر الزاي. من أزاره حمله على الزيارة، والمعنى أنها سبب في إدخاله (القبور،
فقال عليه الصلاة والسلام: فنعم إذاً) . بالتنوين.
قال الطيبي: الفاء مرتبة على محذوف، تقديره أرشدتك بقولي لا بأس طهور إلى أن
تحمي تطهرك وتنقي ذنوبك، فاصبر واشكر اللَّه عليها، فأبيت إلا اليأس والكفران، فكان كما
زعمت، وما اكتفيت بذلك، بل رددت نعمة اللَّه، قاله غضبًا عليه انتهى.
عند الطبراني وغيره، فقال عَّه: ((أما إذا أبيت، فهي كما تقول وقضاء اللَّه كائن))، فما
أمسى الأعرابي من الغد إلا ميتًا، وعند الدولابي، فقال عَّ: ((ما قضى اللَّه فهو كائن))، فأصبح
الأعرابي ميتًا.
قال الحافظ: وقع في ربيع الأبرار، أن اسم هذا الأعربي قيس بن أبي حازم، ولم أر
تسميته لغيره، فإن كان محفوظًا فهو غير قيس بن أبي حازم، أحد المخضرمين، لأن هذا مات في
حياة النبي عَّةِ، والمخضرم لا صحبة له، وإن أسلم في حياته، وعاش بعده دهرًا طويلاً ولأبيه
صحبة، (وأنشد) بالبناء للمجهول، وفي المقاصد أنشد القاضي البهلول (افي معناه:
(لا تنطقن بما كرهت فربما نطق اللسان بحادث فيكون)
وقال الخرائطي: أنشدونا:
لا تعبثن بحادث فلربما عبث اللسان بحادث فيكون

٣٢٧
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقوله عليه الصلاة والسلام: ترك الشر صدقة.
رواه بعضهم، ومعنى ذلك أن من ترك الشر وأذى الناس فكأنه تصدق
عليهم، وعلم من ذلك أن فضل ترك الشر كفضل الصدقة.
وقوله: وأي داء أدوى من البخل.
رواه البخاري،
وأنشد غيره:
لا تمزحن بما كرهت فربما ضرب المزاح عليك بالتحقيق
وفي تاريخ الخطيب: اجتمع الكسائي واليزيدي عند، الرشيد، فقدموا الكسائي يصلي
جهرية، فأرتج عليه في قراءة الكافرون، فقال اليزيدي: قارىء الكوفة يرتج عليه في هذه،
فحضرت جهرية أخرى، فقام اليزيدي فارتج عليه في الفاتحة، فقال الكسائي:
احفظ لسانك لا تقول فتبتلي إن البلاء موكل بالمنطق
وقال النخعي: تحدثني نفسه بالشيء، فلا أتكلم به مخافة أن أبتلي به، (وقوله عليه
الصلاة والسلام: ((ترك الشر:) السوء والفساد والظلم))، وجمعه شرور، وهذا شر من ذاك، أصله
أشر بالألف على أفعل، واستعمال الأصل لغة لبني عامر، وقرىء شاذًا من الكذاب الأشر على
هذه اللغة (صدقة، رواه بعضهم،) كذا زاده في بعض النسخ، ولا كبير فائدة فيه، (ومعنى ذلك أن
من ترك الشر، و) ترك (أذى الناس) وهو إيصال المكروه إليهم، (فكأنه تصدق عليهم وعلم من
ذلك أن فضل ترك الشر كفضل الصدقة،) أي: ثوابها في الجملة، (وقوله) عَّةِ: («وأي داء
أدوى من البخل)،) أي: أي عيب أقبح، وأي مرض أعظم منه، أي لا شيء أعظم منه، لأن من
ترك الإنفاق خشية الإملاق لم يصدق بوعد الرزاق، وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه.
قال عياض: هكذا يرويه المحدثون أدوى غير مهموز من دوى، أي: بكسر الواو، وإذا
كان به مرض في جوفه، والصواب أدوأ بالهمز، لأنه من الداء، فيحمل على أنهم سهلوا لهمزة،
أي: قلبوها ألفًا، قاله الحافظ.
(رواه البخاري))) ومسلم، والإمام أحمد عن جابر، وله سبب، أخرجه البخاري في الأدب
المفرد والسراج، وأبو الشيخ، وأبو نعيم، والبيهقي عن جابر قال: قال لنا رسول اللَّه عَّم: ((من
سيدكم يا بني سلمة))؟، قالوا: الجد بن قيس على أنا نبخله، فقال: ((بيده هكذا، ومد يده، وأي
داء أدوى من البخل، بل سيدكم عمرو بن الجموح)، وكان عمرو يولم على رسول اللَّه عَّهِ إِذا
تزوج، وفي بعض طرقه عند أبي نعيم: بل سيدكم الأبيض، الجعد عمرو بن الجموح، ورواه

٣٢٨
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
والبخل قد جعله عَِّ داء، وليس بداء مؤلم لصاحبه، وإنما شبهه بالداء إذ كان
مفسدًا للرجل مورثًا له سوء الثناء، كما أن الداء المرض المشي يؤول إلى طول
الضنا وشدة العنا، والمقصد من هذا النهي عن البخل أعاذنا الله منه.
الحاكم في المستدرك، وأبو الشيخ بإسناد غريب عن أبي هريرة، وفي رواية ابن جرير عن
أبي هريرة: بل سيدكم وابن سيدكم بشر بن البراء بن معرور، وكذا في بعض طرقه عن جابر عند
أبي نعيم.
وروى ابن منده وأبو الشيخ في الأمثال، والوليد بن إبان في كتاب الجود عن كعب بن
ملك: أن النبي عَّ قال: من سيدكم؟ قالوا: جد بن بشير، فقال: سيدكم بشر بن البراء بن
معرور، وسنده جيد.
قال الحافظ: ويمكن حمل قصة بشر على أنها كانت بعد قتل عمرو بأحد جمعا بين
الحديثين، وروى الحديث الأوّل ابن عائشة في نوادره عن الشعبي مرسلاً، وزاد، فقال في ذلك
بعض الأنصار:
وقال رسول اللَّه والحق قوله لمن قال منا من تسمون سيدا
نبخله منها وإن كان أسودا
فقالوا له جدبن قيس على التي
وحق لعمرو بالندى أن يسوّدا
فسوّد عمرو بن الجموح لجوده
فلو كنت ياجد بن قيس على التي على مثلها عمرو لكنت المسوّدا
(والبخل) . بضم الباء، وسكون الخاء، وبفتح الباء والخاء، كذا ضبطه الزركشي، (قد
جعله عَّ داء:) مرضًا مؤلمًا لصاحبه في العقبى، (وليس بداء) حسي، (مؤلم لصاحبه) حقيقة،
كالأمراض الحسية، فهو تشبيه، (وإنما شبهه بالداء إذ) تعليلية، (كان مفسدًا للرجل) أكثري،
فالمراد الإنسان، (مورثًا له سوء الثناء، كما أن الداء المرض الحسي، يؤول إلى طول الضنا،)
شدة المرض، (وشدة العناء) التعب، (والمقصد) مصدر ميمي بمعنى القصد، (من هذا النهي عن
البخل، أعاذنا الله منه،) ولذا عد من جوامع الكلم، وكما نطق بهذا اللفظ النبي عَّه، في
ذا الحديث الصحيح، قاله خليفته أبو بكر بعده لما أتاه بعده مال البحرين، ونادى: من كان له
عند النبي ◌َِّ عدة، أو دين فليأتني، فجاءه جابر، فأخبره أن المصطفى قال له: لو جاء مال
البحرين أعطيتك هكذا وهكذا، ثلاثًا، فلم يعطه ثم أتاه ثانيًا وثالثًا، فلم يعطه، فقال له: إما أن
تعطيني، وإما أن تبخل عني، فقال: أقلت تبخل عني، وأي داء أدوي من البخل؟، قالها ثلاثًا،
ما منعتك من مرة إلاَّ وأنا أريد أن أعطيك، رواه البخاري ومسلم، وفي بعض طرقه عند البخاري.

٣٢٩
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقوله: لا ينتطح فيها عنزان.
أي لا يجري فيها خلف ولا نزاع.
وقوله: الحیاء خیر کله. متفق عليه.
وقوله: اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع.
وقال ابن المنكدر: وأي داء أدوى من البخل، وهو يوهم أنه لم يقله أبو بكر وليس بمراد،
لأن معناه وقال ابن المنكدر في حديثه، كما رواه مسدد، أي في حديثه عن جابر، عن الصديق،
كما بينه الحافظ والله أعلم.
(وقوله) عَّلهُ: ((لا ينتطح فيها)))) أي: في عصماء بنت مروان اليهودية التي قتلها عمير بن
عدي، وكان أعمى في بيتها ليلاً، ثم رجع وصلى الصبح مع المصطفى، فقال له: أقتلت ابنة
مروان؟، قال: نعم فهل عليّ في ذلك من شيء؟، فقال: لا ينتطع فيها (عنزان،) وكانت هذه
الكلمة أوّل ما سمعت من النبي عَّهِ، رواه ابن سعد وغيره. (أي: لا يجري فيها خلف
ولا نزاع،) بل هي هدر لا يسأل عنها، ولا يؤخذ لها بثأر، ومر بسط القصة في محلها.
(وقوله) عَّ: (الحياء). بالمد، وهو تغير وانكسار عند خوف ما يعاب أو يذم.
قال الراغب: وهو من خصائص الإنسان ليرتدع عن ارتكاب كل ما يشتهي، فلا يكون
كالبهيمة، (خير كله،) لأن مبدأه انكسار يلحق الإنسان مخافة نسبته إلى القبيح، ونهايته ترك
القبيح، وكلاهما خير، ومن علم أنه مشهد النعمة والإحسان، وأن الكريم لا يقابل بالإساءة من
أحسن إليه، وإنما يفعله اللئيم منعه مشهد إحسانه إليه ونعمته عليه، من عصيانه حياء منه أن يكون
خيره وإنعامه نازلاً عليه، ومخالفته صاعدة إليه، فملك ينزل بهذا، وملك يعرج بهذا، ولذا
قال عَّله في الصحيحين: ((الحياء لا يأتي إلا بخير))، أي: لأن من استحيا من الناس أن يروه يأتي
بقبيح، دعاه ذلك إلى أن يكون حياؤه من اللَّه أشد، فلا يضيع فريضة، ولا يرتكب خطيئة.
وقال عليه الصلاة والسلام: ((الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة))، وقال: ((الحياء زينة)).
(متفق عليه) عن عمران بن حصين، (وقوله) عَلّ: (اليمين الفاجرة)))) أي: الكاذبة، (تدع الديار
بلاقع،) جمع بلقع، وبلقعة الأرض القفراء التي لا شيء بها، يريد أن الحالف كاذبًا يفتقر، ويذهب
ما في بيته من الرزق، وقيل: هو أن يفرق اللَّه شمله، ويغير عليه ما أولاه من نعمه، كما في
النهاية.
(رواه الديلمي في مسند الفردوس،) لأبي شجاع الديلمي، ألفه محذوف الأسانيد،

٣٣٠
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
رواه الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي هريرة.
وقوله: سيد القوم خادمهم.
رواه أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب ((آداب الصحبة)) له عن عقبة بن
عامر رفعه، وفي سنده ضعف أو انقطاع. ورواه غيره أيضًا.
وقوله: فضل العلم خير من فضل العبادة.
ومسنده لولده أبي منصور شيرويه بن شهردار بن شيرويه الحافظ، خرج سند كل حديث تحته
(من حديث أبي هريرة) مرفوعًا.
(وقوله: سيد القوم خادمهم،) إذ السيد من يفزع إليه في النوائب فيحمل الأثقال، فلما
تحمل الخادم الأمور، وكفى المؤنة، وما لا يطيقونه كان سيدهم، فخادم مبتدأ مؤخر، وأصله
خادم القوم كسيدهم، فبولغ فيه بالقلب المكاني حتى جعل السيد خادمًا.
(رواه أبو عبد الرحمن) محمد بن الحسين بن موسى النيسابوري (السلمي) . بضم السين.
إلى جد له اسمه سليم، كان وافر الجلالة، وحدث أكثر من أربعين سنة.
قال في اللسان: كأصله وليس بعمدة. وقال الخطيب: ثقة صاحب علم وحال.
قال السبكي: وهو الصحيح ولا عبرة بالطعن فيه، (في كتاب آداب الصحبة له،) أحد
تصانيفه التي بلغت مائة أو ألفًا، (عن عقبة بن عامر رفعه، وفي سنده ضعف، أو انقطاع، ورواه
غيره أيضًا) كابن عساكر من حديث ابن عباس، عن جرير مرفوعًا، وأبو نعيم في الحلية بسند
ضعيف جدًا مع انقطاعه، عن أنس رفعه بلفظ: ربح الخادم في الدنيا سيد القوم في الآخرة،
والحاكم في تاريخه، ومن طريقه البيهقي والديلمي عن سهل بن سعد، رفعه سيد القوم في السفر
خادمهم، فمن سبقهم لخدمة لم يسبقوه بعمل إلا الشهادة، وعزاه الديلمي للترمذي وابن ماجه
عن أبي قتادة فوهم، أفاده السخاوي.
(وقوله) عَّةٍ: ((فضل العلم خير))،) هذا لفظ الطبراني، ولفظ البزار: أحب إليّ (من فضل
العبادة،) أي أن زيادة العلم خير من زيادتها، فنفله أفضل من نفلها، كما أن فرضه أفضل من
فرض العمل، ونفله ما زاد على الواجب، وظاهره يشمل العلوم بجميع أنواعها، كتوحيد وتفسير،
وحدیث، وفقه، ونحو وغير ذلك.
وقال السهروردي: ليس المراد علم البيع والشراء ونحوهما، بل العلم باللّه واليقين، وقد
يكون العبد عالمًا باللَّه، وليس عنده شيء من فروض الكفايات، وقد كانت الصحابة أعلم من

٣٣١
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
رواه الطبراني والبزار.
وقوله: الخيل في نواصيها الخير.
علماء التابعين بحقائق اليقين ودقائق المعرفة، وفي علماء التابعين من هو أقوم بعلم الفتوى من
بعض الصحابة، وفيه حث على العلم، لكن لا مع ترك العبادة، بل هو إشارة إلى أن العبادة إنما
يعتد بها من العالم، إذ العلم يحكمها، ويصححها، ويخلصها، ويصفيها، ولذا قال عَّهِ: ((لفقيه
واحد أشد على الشيطان من ألف عابد)، رواه البيهقي وغيره.
وقال الغزالي: العلم أشرف جوهرًا من العبادة لكن لا بد منها مع العلم، وإلاَّ كان هباءً
منثورًا، إذ العلم بمنزلة الشجر، والعبادة بمنزلة الثمر، فالشرف للشجرة، لكونها الأصل، لكن
الانتفاع بثمرتها أشرف، فلا بد من الأمرين، ولذا قال الحسن: اطلبوا العلم طلبًا لا يضر بالعبادة،
واطلبوا العبادة طلبًا لا يضر بالعلم.
(رواه الطبراني) في الأوسط بلفظه، (والبزار) بلفظ: أحب إليّ كلاهما، عن حذيفة رفعه
بزيادة: وخير دينكم الورع، وصححه الحاكم، وحسنه المنذري، وشواهده كثيرة.
(وقوله) عَّله: (الخيل:) اسم جمع لهذا الجنس المجبول على الاختيال، لما خلق له من
الاعتزاز به وقوّة المنة في الافتراس عليه، ومنه سمى واحدة فرسًا (في نواصيها الخير).
قال الطيبي: يحتمل أن الخير المفسر بالأجر والمغنم استعارة لظهوره وملازمته، وخص
الناصية لرفعة قدره، فكأنه شبهه لظهوره بشيء محسوس معقود على مكان مرتفع، فنسب الخير
إلى لازم المشبه به، وذكر الناصية تجريد للاستعارة، والمراد بالناصية هنا الشعر المسترسل على
الجبهة.
قال الخطابي وغيره قالوا: ويحتمل أنه كني بالناصية عن جميع ذات الفرس، كما يقال
فلان مبارك الناصية، ويبعد لفظ الحديث الثالث، أي في البخاري، وهو البركة في نواصي الخيل،
وفي مسلم عن جرير: رأيت رسول اللَّه عَ لِّ يلوي ناصية فرسه بأصبعه، ويقول .. فذكر الحديث،
فيحتمل أنها خصت بذلك لكونها المقدم منها، إشارة إلى الفضل في الإقدام بها على العدوّ،
دون المؤخر لما فيه من الإشارة إلى الإدبار، قاله في فتح الباري، وسبقه شيخه الحافظ العراقي،
فقال: إنه خاص بناصيتها، بدليل النهي عن قصها، وقول البيضاوي: أي ملازم لها كأنه معقود
فيها، فهو استعارة مكنية، قال الشاعر:
ويصعد حتى يظن الجهول بأن له حاجة في السماء
رده شيخنا بأن ضابط المكنية أن لا يذكر من أركان التشبيه سوى المشبه، ويرمز إلى

٣٣٢
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
متفق عليه من حديث لملك عن نافع عن ابن عمر رفعه: الخيل في
نواصيها الخير إلى يوم القيامة،
التشبيه بشيء من خواص المشبه به، وما ذكره لا يصلح أنه مشبه. نعم يمكن أن تجعل الملازمة
للنواصي كالاستقرار فيها، فيتجوّز بالظرفية للملازمة، ويستعمل فيها ما يستعمل للظرفية، وهو في
نفيه استعارة تبعية في الحرف، (متفق عليه،) أي رواه البخاري ومسلم (من حديث ملك) الإمام
(عن نافع، عن ابن عمر رفعه،) أي قال: قال عَّله: (الخيل،) أي ما تتخذ للغزو بأن يقاتل عليها،
أو تربط لأجل ذلك، لقوله في حديث لملك والشيخين أيضًا، عن أبي هريرة: الخيل لثلاثة، لرجل
أجر، ولرجل ستره وعلى رجل وزر .. الحديث، وفيه: ورجل ربطها فخرًا ورياء ونواء لأهل
الإسلام، فهي له وزر، (في نواصيها الخير إلى يوم القيامة،) أي: إلى قربه أعلم به، أن الجهاد
قائم إلى ذلك الوقت، زاد في حديث عروة البارقي عند مسلم والبخاري: الأجر والمغنم، وهو
بدل من قوله: الخير، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الأجر، وفي مسلم، قالوا: بم ذاك
يا رسول اللَّه؟، قال: ((الأجر والمغنم)).
قال عياض في هذا الحديث مع وجيز لفظه من البلاغة: والعذوبة ما لا مزيد عليه في
الحسن، مع الجناس السهل الذي بين الخيل والخير.
قال الخطابي: وفيه إشارة إلى أن المال المكتسب باتخاذ الخيل من خير وجوه الأموال
وأطيبها، والعرب تسمى المال خيرًا، كما في قوله: إن ترك خيرًا.
وقال ابن عبد البر: فيه إشارة إلى تفضيل الخيل على غيرها من الدواب، لأنه لم يأت
عنه عَُّلِّ في شيء غيرها مثل هذا القول، وفي النسائي عن أنس: لم يكن شيء أحب إلى
رسول اللَّه عَ لّه بعد النساء من الخيل، واستدل به على أن قوله عَّه: ((إنما الشؤم في ثلاث:
الفرس والمرأة والدار))، أخرجه الشيخان وغيرهما على غير ظاهره، لأنه أثبت لها الخير.
قال عياض: فيبعد أن يكون فيها شؤم، فيحتمل أن الشؤم في غير التي ربطت للجهاد،
والتي أعدت له هي المخصوصة بالخير والبركة، أو يقال الخير والشرك ممكن اجتماعهما في
ذات واحدة، فإنه فسره بالأجر والمغنم، ولا يمنع ذلك أن يكون الفرس مما يتشاءم به، أو المراد
جنس الخيل، أي أنها بصدد أن فيها الخير، فلا ينافي حصول غيره لأمر عارض.
وقد روى أبو داود عن ابن القُسم، عن ملك أنه سئل عن حديث الشؤم، فقال: كم من دار
سكنها ناس فهلكوا، قال المازري: فحمله لملك على ظاهره، والمعنى: إن قدر اللَّه بما وافق
ما يكره عند سكنى الدار، فيصير كالسبب، فيتشاءم في إضافة الشؤم إليها اتساعًا.
وقال ابن العربي: لم يرد لهملك إضافة الشؤم إلى الدار، وإنما هو عبارة عن جري العادة فيها،

٣٣٣
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وفي لفظ لغيرهما: معقود بنواصيها الخير.
وقوله: أعجل الأشياء عقوبة البغي.
فأشار إلى أنه ينبغي الخروج عنها، صيانة لاعتقاده عن التعلق بالباطل، وقيل: معنى الحديث: إن
هذه الأشياء يطول تعذيب القلب بها مع كراهة أمرها، لملازمتها بالسكنى والصحبة، ولو لم
يعتقد الإنسان الشؤم فيها، فأشار إلى الأمر بفراقها ليزول التعذيب، وقيل: شؤم الفرس عدم الغزو
عليه، والمرأة عدم ولادتها، والدار الجار السوء، وقيل: إنه سيق لبيان اعتقاد الناس ذلك، لا إخبار
بثبوته، وسياق الأحاديث الصحيحة يبعد هذا التأويل، بل قال ابن العربي: هو جواب ساقط،
لأنه عَِّ لم يبعث ليخبر الناس عن معتقداتهم الماضية، أو الحاصلة، إنما بعث ليعلمهم ما يلزمهم
أن يعتقدوه، وما رواه الترمذي مرفوعًا لا شؤم، وقد يكون اليمن في المرأة والدار والفرس، ففي
إسناده ضعف مع مخالفته الأحاديث الصحيحة.
وروى الطيالسي عن مكحول، قيل لعائشة: إن أبا هريرة، قال: قال رسول اللَّه عَّه: ((الشؤم
في ثلاثة))، فقالت: لم يحفظ أنه دخل، وهو يقول: قاتل اللَّه اليهود يقولون الشؤم في ثلاثة،
فسمع آخر الحديث، ولم يسمع أوّله، وهو منقطع، فمكحول لم يسمع من عائشة، لكن روى
أحمد وابن خزيمة والحاكم: أن رجلين من بني عامر دخلا عليها، فأخبراها بذلك، فغضبت غضبًا
شديدًا، وقالت ما قاله، إنما قال: إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك، إلا أنه لا معنى لإنكار
ذلك على أبي هريرة، مع موافقة جماعة من الصحابة له في ذلك، انتهى ملخصًا من فتح الباري،
قال وقوله في نواصيها الخير، كذا في الموطأ ليس فيه معقود، (وفي لفظ لغيرهما،) غير
البخاري ومسلم، اللذين عبر عنهما بقوله متفق عليه، (معقود بنواصيها الخير،) ومن الغير
الإسماعيلي، من رواية عبد اللَّه بن نافع عن ملك به، ورواه البخاري في علامات النبوّة، من طريق
عبيد اللَّه ابن عمر، عن نافع شيخ لملك فيه بإثباتها، وذلك في رواية أبي ذر عن الكشميهني
وحده، والنزاع إنما هو في إثباتها في حديث ابن عمر، فلملك في الموطأ، وفي الصحيحين عنه
بدونها، والإسماعيلي عنه بإثباتها، وإلا فهي ثابتة في حديث عروة الباقي عند الشيخين، وجابر
عند أحمد، وجرير عنده، وعند مسلم وأبي هريرة، عند أبي يعلى والطبراني، (وقوله: أعجل) أسرع
(الأشياء،) أي: الذنوب (عقوبة البغي،) مجاوزة الحد والتعدي بلا حق، وعقوبة تمييز محوّل عن
المضاف، والبغي حذف منه المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، أي: أسرع عقوبات الأشياء
عقوبة البغي، والمعنى لكل ذنب عقوبة، لكنها قد تتأخر، إلا البغي، فينجز للباغي في الدنيا، إن
لم يعف الله تعالى.
وقد روى الطبراني في الكبير، والبخاري في التاريخ، عن أبي بكرة مرفوعًا، اثنان يعجلهما

٣٣٤
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقوله: وإن من الشعر حكمًا.
رواه أبو داود من رواية صخر بن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن جده سمعت
رسول الله عٍَّ يقول: إن من البيان لسحرًا،
اللَّه تعالى في الدنيا، البغي وعقوق الوالدين، قال في الفائق: وأصل التعجيل إيقاع الشيء قبل
أوانه، أعجلتم أمر ربكم سبقتموه، (وقوله: ((وإن من الشعر حكمًا))،) جمع حكمة قولاً صادقًا،
(رواه أبو داود) في الأدب، (من رواية صخر بن عبد الله بن بريدة) بن الحصيب . بمهملتين مصغر
وصحف. من أعجم الحاء الأسلمي، (عن أبيه) عبد اللَّه الأسلمي، أبي سهل المروزي، قاضيها
ثقة، روى له الجميع، مات سنة خمس ومائة، وقيل: بل سنة خمس عشرة، وله مائة سنة، (عن
جده) بريدة بن الحصيب بن عبد اللَّه الحرث الأسلمي، أسلم حين مر به النبي عَّة مهاجرًا
بالغميم، وأقام بموضعه حتى مضت بدر واحد، ثم قدم، وقيل: أسلم بعد انصرافه عليه السلام من
بدر، وفي الصحيحين عنه: أنه غزا مع النبي عَّه ست عشرة غزوة، ويقال اسمه عامر، وبريدة
لقب سكن البصرة، ثم تحول إلى مرو، فسكنها حتى مات سنة ثلاث وستين. (سمعت
رسول اللَّه عَّ ◌َله يقول: ((إن من البيان لسحرًا))).
قال البيضاوي: البيان جمع الفصاحة في اللفظ والبلاغة باعتبار المعنى، والسحر في
الأصل الصرف، قال تعالى: ﴿فأنى تسحرون﴾ [المؤمنون: ٨٩]، وسمى السحر سحرًا، لأنه
منصرف عن جهته، وقال الخطابي وابن التين: البيان نوعان: أحدهما ما يقع به الإبانة عن المراد
بأي وجه كان، والآخر ما دخلته صنعته، تحسين اللفظ بحيث يروق للسامعين، ويستميل قلوبهم،
وهذا هو الذي يشبه بالسحر، لأن السحر صرف الشيء عن حقيقته، يعني أن منه لنوعًا يحل من
العقول والقلوب في التمويه محل السحر، فإن الساحر بسحره يزين الباطل في عين المسحور
حتى يراه حقًّا، فكذا المتكلم بمهارته في البيان، وتقلبه في البلاغة، وترصيف النظم يسلب عقل
السامع، ويشغله عن التفكير فيه والتدبر له، حتى يخيل إليه الباطل حقًّا والحق باطلاً، فتستمال به
القلوب، كما تستمال بالسحر، فشبه به تشبيهًا بليغًا بحذف الأداة.
قال التوريشتي: وأصله أن بعض البيان كالسحر، لكنه جعل الخبر مبتدأ مبالغة في جعل
الأصل فرعًا، والفرع أصلاً.
قال الباجي: قال قوم: وهذا خرج مخرج الذم، لأنه أطلق عليه سحرًا، والسحر مذموم،
ولأن مالكًا أدخله في باب ما يكره من الكلام بغير ذكر اللَّه، وقال قوم: خرج مخرج المدح، لأن
اللَّه أمتن به على عباده، خلق الإنسان علمه البيان، وكان عَّه أبلغ الناس، وأضلهم بيانًا، قال:
(«هؤلاء، وإنما جعله سحرًا لتعلقه بالنفس وميلها إليه)).

٣٣٥
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وإن من العلم جهلاً، وإن من الشعر حكمًا،
قال ابن العربي وغيره: حمله على الأول صحيح، لكن لا يمنع حمله على المعنى الثاني،
إذا كان في تزيين الحق، وقال ابن بطال: أكثر ما يقال هذا الحديث، ليس ذمًا للبيان كله،
ولا مدحًا لقوله من البيان، فأتى بمن التي للتبعيض، قال: وكيف يذمه وقد امتن الله به؟ فقال: خلق
الإنسان علمه البيان.
قال الحافظ: والذي يظهر أن المراد به في الآية، ما يقع به الإبانة عن المراد بأي وجه
كان لا خصوص ما نحن فيه، وقد اتفق العلماء على مدح الإيجاز والإتيان بالمعاني الكثيرة
بالألفاظ القليلة، وعلى مدح الإطناب في مقام الخطابة بحسب المقام، هذا كله من البيان
بالمعنى الثاني.
نعم الإفراط في كل شيء مذموم، وخير الأمور أوسطها، وهذه الجملة رواها لملك في
الموطأ، وأحمد، والبخاري، والترمذي، وأبو داود أيضًا من حديث ابن عمر، قال: جاء رجلان من
المشرق فخطبا، فقال النبي عَّهِ: إن من البيان لسحرًا، قال الحافظ: لم أقف على تسمية
الرجلين صريحًا، وزعم جماعة أنهما لزبرقان . بكسر الزاي والراء. بينهما موحدة ساكنة، ثم قاف
وعمرو بن الأهتم، لما رواه البيهقي وغيره عن ابن عباس، قال: جلس إلى رسول اللَّه عَّةِ الزبرقان
ابن بدر وعمرو بن الأهتم، أي: حين قدما في وفد تميم، ففخر الزبرقان، فقال: يا رسول اللَّه أنا
سيد بني تميم، والمطاع فيهم، والمجاب لديهم، أمنعهم من الظلم، وآخذ لهم حقوقهم، وهذا،
أي عمرو يعلم ذلك، فقال عمرو: إنه لشديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في أذنيه، فقال
الزبرقان: والله لقد علم مني أكثر مما قال، ما منعه إلا الحسد، فقال عمرو: أنا أحسدك، واللّه
إنك لئيم الخال، حديث المال، أحمق الوالد، مضيع في العشيرة، والله يا رسول اللَّه لقد صدقت
في الأولى، وما كذبت في الأخرى، لكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت، وإذا غضبت
قلت أقبح ما وجدت، ولقد صدقت في الأولى والأخرى جميعًا، فقال عَّ: ((إن من البيان
لسحرًا))، وأخرجه الطبراني عن أبي بكرة.
كنا عند النبي عَّه، فقدم علينا وفد تميم، فذكر نحوه، وهذا لا يلزم منه أن يكونا هما
المراد بحديث ابن عمر، فإن المتكلم، إنما هو عمرو وحده، وكان كلامه في مراجعة الزبرقان،
فلا يصح نسبة الخطبة إليهما إلا على طريق التجوّز، (وإن من العلم جهلاً،) لكونه علمًا مذمومًا،
فالجهل به خير من علمه، كعلوم الفلسفة، وعلم أيام الجاهلية، ووقائعهم ونحو ذلك، أو المراد
أن يتعلم ما لا يحتمل عليه، كالنجوم، وعلوم الأوائل، فيشتغل به عن تعلم ما يحتاجه في دينه من
علم القرءان والسنة، فيصير علمه بما لا يعنيه جهلاً بما يعنيه، (وإن من الشعر حكمًا). بكسر
الحاء وفتح الكاف. جمع حكمة، أي قولاً صادقًا مطابقًا للحق، موافقًا للواقع، كذا ضبطه

٣٣٦
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
صلى الله
فقال صعصعة بن صوحان: صدق رسول الله علوياء.
بعضهم، فإن كان رواية فصحيح ظاهر، وإلا فقد ضبطه ابن رسلان. بضم الحاء وسكون الكاف،
قال في النهاية: أي: كلامًا نافعًا يمنع من الجهل والسفه وينهي عنهما، قيل: أراد بها المواعظ
والأمثال التي ينتفع بها الناس والحكم العلم والفقه، والقضاء بالعدل، وهو مصدر حکم یحکم،
وهذا قد رواه أبو داود أيضًا، وأحمد من حديث ابن عباس بلفظه، وفي رواية البخاري: الحكمة،
وهي بمعنى الحكم، وأسقط المصنف من رواية أبي داود عقب هذا ما لفظه، وإن من القول
عیالاً.
قال الراغب: جمع عيل لما فيه من الثقل، فكأنه أراد به الملال، فالسامع إما عالم فيمل،
أو جاهل فلا يفهم فيسأم، وفي النهاية هو عرض الحديث على من لا يريده، وليس من شأنه،
كأنه لم يهتدي لمن يطلب علمه، فعرضه على من لا يريده.
قال الخطابي: هكذا رواه أبو داود عيالاً، ورواه غيره عيلاً، قال الأزهري: من قولك: علت
الضلالة أعيل عيلاً وعيلاً إذا لم تدر أي جهة تبغيها. قال أبو زيد: كأنه لم يهتد إلى من يطلب
علمه، فعرضه على من لا يريده انتهى. فبين عَِّ أن البيان الحسن، وإن كان محمودًا، ففيه
ما يذم لكونه معربًا عن باطل، وأن العلم كذلك لما سبق، وأن الشعر وإن ذم في الجملة، لكنه
قد يكون فيه ما يحمد، لاشتماله على الحكم ومنه ما يعذب، ويقضي له بالعجب، وتقصر عنه
العامة، كالسحر الذي لا يقدر عليه كل أحد، ويسمى السحر الحلال، (فقال) ليس قوله حين
سمع صخرًا يرويه، بل عند تحديث بريدة، فلفظ أبي داود عن صخر، عن أبيه عبد اللَّه، قال:
بينما بريدة جالس مع أصحابه، قال: سمعت رسول اللَّه عَُّله، فذكره، فقال (صعصعة بن صوحان)
- بضم الصاد، وبالحاء المهملتين. العبدي، نزيل الكوفة، تابعي كبير، مخضرم، ثقة، فصيح، قال
في الإصابة: ذكر الإمام أبو بكر الطرطوشي أنه صحابي، ولم يذكر مستنده، وما أظن ذكره لذلك
إلا بالتوهم لشهرته في عصر كبار الصحابة، فله ذكر في السنن مع عمر، وقد جزم ابن عبد البر
بخلاف قوله، فقال: كان مسلمًا في عهد النبي عَّهِ، ولم يره، قلت: وله رواية عن عثمان
وعلي، وشهد معه صفين، وكان خطيبًا فصيحًا، وله مع معوية مواقف، وقال الشعبي: كنت أتعلم
منه الخطب، وروى عنه أيضًا أبو إسحق السبيعي، والمنهال بن عمرو، وعبد اللَّه بن بريدة،
وغيرهم. مات بالكوفة في خلافة معوية، وقيل: بعدها، وذكر العلائي: أن معوية نفاه من الكوفة
إلى جزيرة بالبحرين، وقيل: إلى جزيرة ابن كافان، فمات بها. (صدق رسول اللَّه عَلّ)) لفظ
أبي داود، فقال صعصعة: وهو أحدث القوم سنًا، صدق اللَّه ورسوله، ولو لم يقلها كان كذلك،
فتوسمه رجل من الحلقة، فقال له بعدما تفرق القوم: ما حملك على أن قلت، ولو لم يقلها كان

٣٣٧
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
أما قوله: إن من البيان سحرًا: فالرجل يكون عليه الحق، وهو ألحن بالحجج من
صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق. وأما قوله: إن من العلم جهلاً،
فتكلف العالم إلى علمه ما لا يعلم بجهله، وأما قوله: إن من الشعر حكمًا، فهي
هذه المواعظ والأمثال التي يتعظ بها الناس. ومفهومه: أن بعض الشعر ليس
كذلك. لأن من تبعيضية. وفي البخاري:
كذلك؟ قال: (أما قوله: ((إن من البيان سحرًا، فالرجل يكون عليه الحق، وهو ألحن
بالحجج))،) أي: أقوى على إقامة البراهين (من صاحب الحق،) إما لجودة كلامه، واقتداره على
تأليفه، وإما لشدة فطنته وفهمه، بحيث يتمكن من إقامة مدعاه، (فيسحر القوم ببيانه،) أي:
يخدعهم حتى يأخذ بعقولهم بسبب ما ألفاه عليهم من الكلام المشتمل على ما يخيل لسامعه، أنه
الحق لدقته، (فيذهب بالحق،) فيحل به الوعيد.
فقد روى لملك، وأحمد، والستة عن أم سلمة عنه عَّهِ: (إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون
إليّ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت
له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار فليأخذها، أو ليتركها))، (وأما قوله: ((إن من العلم جهلاً،
فتكلف العالم إلى علمه ما لا يعلم بجهله)،) أي: معه، فهو صلة تكلف، أي: أن العالم إذا سئل
عن شيء لا يعلمه، فتحمل الشقة في تحصيل الجواب عنه بلا استناد إلى حجة تهديه، ولا بناء
على القواعد كان عين الجهل في الواقع، وإن كان علمًا عند الناس لحصول الجواب به صورة،
وهذا جعله ابن الأثير أحد قولين في معناه، ثانيهما أن يتعلم ما لا يحتاج إليه كالنجوم وعلوم
الأوائل، ويدع ما يحتاج إليه في دينه من علم القرءان والسنة، وتقدم ثالث هو حمله على العلم
المذموم، (وأما قوله: ((إن من الشعر حكمًا)) فهي،) أي: الحكم، (هذه المواعظ والأمثال التي
يتعظ بها الناس،) ومقتضى هذا قراءته، بكسر، ففتح، ومر أن ابن رسلان ضبطه بضم، فسكون،
محتجًا بتفسير النهاية، وهو أيضًا صريح قول العسكري، والمعنى أن من الشعر ما يحث على
الحسن، ويمنع من القبيح، لأن أصل الحكم في اللغة المنع، ومنه حكمة الدابة، لأنها تمنعها أن
تنصرف كيف شاءت، قال: وفي بعض كتب المتقدمين أحكموا سفهاء كم، أي: امنعوهم عن
القبيح، انتهى.
وفي المصباح: حكمة وزان قصبة، وبقيته في أبي داود، وأما قوله: إن من القول عيالاً،
فعرضك كلامك على من ليس من شأنه ولا يريده، (ومفهومه أن بعض الشعر ليس كذلك، لأن
من تبعيضية،) فقوله من الشعر، أي: بعضه، وكذا في باقيها كما مر، (وفي البخاري) من حديث
أبي بن كعب، وكذا الترمذي من حديث ابن مسعود مرفوعًا: (إن من الشعر حكمة، أي: قولاً

٣٣٨
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
إن من الشعر حكمة. أي قولاً صادقًا مطابقًا للحق.
قال الطبري: وفي هذا رد على من كره الشعر مطلقًا، واحتج بقول ابن
مسعود: الشعر مزامير الشيطان. وعن أبي أمامة - رفعه - أن إبليس لما هبط إلى
الأرض قال: رب اجعل لي قرءانًا، قال: قرءانك الشعر.
ثم أجاب عن ذلك: بأنها أحاديث واهية. وهو كذلك. فحديث أبي أمامة
فيه: علي بن زيد الألهاني، وهو ضعيف. وعلى تقدير قوتها فهو محمول على
الإفراط فيه والإكثار منه.
صادقًا، مطابقًا للحق،) موافقًا للواقع، والمراد جنس حكمة، فلا ينافي رواية حكمًا على أنه
جمع، وأولى على أنه مصدر.
(قال الطبري) الإمام ابن جرير: (وفي هذا رد على من كره الشعر مطلقًا،) سواء كان ثناء
على اللَّه ورسوله، وذبًا عنهما، أم لا؟ سواء كان في مسجد، أم لا؟ وثالثها، وهو الأولى التفصيل،
فما اقتضى الثناء على اللَّه ورسوله، أو الذب عنهما، كشعر حسان، أو تضمن الحث على الخير،
فحسن في المساجد وغيرها، وما لم يكن كذلك لم يجز، لأن الشعر لا يخلو غالبًا عن الكذب
والفواحش، والتزين بالباطل، ولو سلم فأقل ما فيه اللغو والهذر والمساجد منزهة عن ذلك،
والحجة لهذا قوله عَّله: ((الشعر بمنزلة الكلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام)).
رواه البخاري في الأدب المفرد، وأبو يعلى والطبراني بإسناد حسن، كما قال النووي:
وقصر ابن بطال في جعله من كلام الشافعي، وقد عاب القرطبي المفسر ذلك على جماعة من
الشافعية، وثم أدلة سواء، (واحتج) المانع مطلقًا (بقول ابن مسعود: الشعر مزامير الشيطان، و) بما
جاء (عن أبي أمامة) صدي بن عجلان، (رفعه أن إبليس لما هبط إلى الأرض، قال: رب اجعل
لي قرآنًا، قال: قرآنك الشعر، ثم أجاب) الطبري (عن ذلك بأنها أحاديث واهية،) ضعيفة جدًا،
فلا حجة فيها، (وهو كذلك) في جميعها، وبين سبب ضعف بعضها بقوله: (فحديث أبي أمامة
فيه علي بن زيد الألهاني) بزنة الأنصاري، نسبة إلى ألهان بن لملك أخي همدان، (وهو ضعيف،
وعلى تقدير قوتها،) أي: الأحاديث الواردة في ذم الشعر، (فهو محمول على الإفراط فيه،
والإكثار منه،) لما يؤول إليه أمره من تشاغله به عن العبادة، وأما قوله عَ له: ((لأن يمتلىء جوف
أحدكم قيحًا حتى يريه خير له من أن يمتلىء شعرًا))، رواه أحمد والستة، فالمراد به ما تضمن
تشبيبًا، أو هجاء، أو مفاخرة، كما هو الغالب في أشعار الجاهلين، أو هو مخصوص بما لم
يشتمل على الذكر، والزهد، والمواعظ والرقائق، مما لا إفراط فيه، وقال النووي: هو محمول
على التجرد للشعر بحيث يغلب عليه، فيشغله عن القرءان والذكر، وقال القرطبي: من غلب عليه

٣٣٩
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
ويدل على الجواز أحاديث كثيرة، منها: ما أخرجه البخاري في الأدب
المفرد، عن عمرو بن الشريد عن أبيه: استنشدني النبي عَّه من شعر أمية بن أبي
الصلت فأنشدته مائة قافية.
وقوله: الصحة والفراغ نعمتان. رواه البخاري.
الشعر لزمه بحكم العادة الأدبية الأوصاف المذمومة، وعليه يحمل الحديث.
وقول بعضهم: عني به الشعر الذي هجى به هو أو غيره، رده ابن بطال بأن هجوه كفر
كثر، أو قل، وهجو غيره حرام، وإن قل، فلا يكون لتخصيص الذم بالكثير معنى، (ويدل على
الجواز أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد،) وكذا مسلم في الصحيح،
فالعزو له أولى، ولا يصح الاعتذار عن المصنف، بتجويز أنه في مسلم عن الشريد بغير تعيين
الواسطة، وفي الأدب بتعيين أنه عن أبيه، فإن هذا من تجويز العقل المخالف للنقل، المؤدي
لضعف الإسناد، فينافي كونه في الصحيح، فإن مسلمًا والبخاري في الأدب روياه معًا (عن
عمرو بن الشريد) بفتح المعجمة. الثقفي أبي الوليد الطائفي، التابعي، الثقة، (عن أبيه) الشريد
بوزن الطويل، الثقفي، الصحابي شهد بيعة الرضوان، قيل: كان اسمه مالكًا، (استنشدني
النبي عٍَّ من شعر أمية بن أبي الصلت،) الذي قال فيه المصطفى: ((آمن شعره وكفر قلبه))،
واسم أبي الصلت عبد الله. كان يتعبد في الجاهلية، ويؤمن بالبعث، وأدرك الإسلام ولم يسلم،
(فأنشدته مائة قافية،) أي: بيت لما في مسلم أيضًا من حديث عمرو بن الشريد، عن أبيه ردفت
النبي عَّهُ يومًا، فقال: ((هل معك من شعر أمية)؟ قلت: نعم، قال: ((هيه)) فأنشدته بيتًا فقال:
(هيه))، ثم أنشدته بيتًا، فقال: ((هيه)، حتى أنشدته مائة بيت، فقال: ((إن كاد ليسلم)).
قال القرطبي: فيه دليل على حفظ الأشعار والاعتناء بها، إذا تضمنت الحكم والمعاني
المستحسنة شرعًا وطبعًا، وقد أنشد كعب بن زهير للنبي عَّله: بانت سعاد، وأتى فيها من
الاستعارات والتشبيهات بكل بديع، وتشبيه ريقها بالراح، ولم ينكر عليه.
(وقوله: ((الصحة والفراغ نعمتان))،) قال العسكري: الصحة عند بعضهم الشباب، والعرب
تجعل مكان الصحة الشباب، كما قالوا بالقلب الفارغ، والشباب المقبل تكسب الآثام، إن يكن
الشغل محمده، فالفراغ مفسده، ولا تفرغ قلبك من فكر، ولا ولدك من تأديب، ولا عبدك عن
مصلحة، فإن القلب الفارغ يحث على السوء، واليد الفارغة تنازع إلى الآثام، وقال ابن دريد:
أفضل النعم العافية والكفاية، لأن الإنسان لا يكون فارغًا حتى يكون مكفيًّا، والعافية هي الصحة،
ومن عوفي وكفى، فقد عظمت عليه النعمة، (رواه البخاري) تسمح في غزوه بهذا اللفظ له،
فلفظه في كتاب الرقائق عن ابن عباس، قال عَّ له: ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة

٣٤٠
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
والفراغ)).
قال في فتح الباري: كذا لسائر الرواة، لكن عند أحمد الفراغ والصحة، أخرجه أبو نعيم
في المستخرج بلفظ: الصحة والفراغ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، وأخرجه الدارمي عن
مكي بن إبراهيم، شيخ البخاري، فيه بلفظ: أن الصحة والفراغ نعمتان من نعم اللَّه، والباقي سواء
انتهى، فما عزاه المصنف للبخاري، إنما هو لفظ أبي نعيم في مستخرجه ونقض باقيه.
قال الحافظ: والغبن بالسكون والتحريك، وقال الجوهري: هو في البيع بالسكون، في
الرأي بالتحريك، وعلى هذا، فيصح كل منهما في هذا الخبر، فإن من لا يستعملهما فيما ينبغي،
فقد غبن لكونه باعهما ببخس، ولم يجد رأيه في ذلك.
قال ابن بطال: معنى الحديث أن المرء لا يكون فارغًا حتى يكون مكفيًا صحيح البدن،
فمن حصل له ذلك، فليحرص على أن لا يغبن بأن يترك شكر اللَّه على ما أنعم به عليه، ومن
شكره امتثال، أوامره واجتناب نواهيه، فمن فرط في ذلك، فهو المغبون، وأشار بقوله كثير من
الناس، إلى أن الذي يوفق لذلك قليل.
وقال ابن الجوزي: قد يكون الإنسان صحيحًا، ولا يكون متفرغًا لشغله بالمعاش، وقد
يكون غنيًا، ولا يكون صحيحًا، فإذا اجتمعتا، فغلب عليه الكسل عن الطاعة، فهو المغبون، وتمام
ذلك أن الدنيا مزرعة للآخرة، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه
وصحته في طاعة اللَّه، فهو المغبوط، ومن استعملهما في معصية اللَّه، فهو المغبون، لأن الفراغ
يعقبه الشغل، والصحة يعقبها السقم، ولو لم يكن إلا الهرم، كما قيل:
يسر الفتى طول السلامة والبقا فكيف ترى طول السلامة تفعل
ترد الفتى بعد اعتدال وصحة ينوء إذا رام القيام ويحمل
وقال الطيبي: ضرب عَِّ للمكلف مثلاً بالتاجر الذي له رأس مال، فهو يبغي الربح مع
سلامة رأس المال، فطريقه أن يتحرى فيمن يعامله، ويلزم الصدق والحذق لئلا يغبن، فالصحة
والفراغ رأس المال، فينبغي له أن يعامل اللَّه بالإيمان، ومجاهدة النفس، وعدو الدين ليربح خيري
الدنيا والآخرة، وقريب منه قوله تعالى: ﴿هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم﴾
[الصف: ١٠] الآيات، وعليه أن يجتنب مطاوعة النفس، ومعاملة الشيطان، لئلا يضيع رأس ماله
مع الربح، وقوله مغبون، فيهما كثير من الناس، كقوله تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ [سبأ:
١٣]، فالكثير في الحديث في مقابلة القليل في الآية.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: اختلف في أوّل نعمة اللَّه على العبد، فقيل: الإيمان، قيل: