النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
للعالمين، فإياي فاعبد، وعلي فتوكل، فسر لأهل سوران أني أنا الله الحي القيوم،
لا أزول، صدقوا النبي الأمي، صاحب الجمل والمدرعة والعمامة والنعلين والهراوة،
الجعد الرأس، الصلت الجبين، المقرون الحاجبين، الأهدب الأشفار، الأدعج
العينين، الأقنى الأنف، الواضح الخدين، الكث للحية، عرقه في وجهه كاللؤلؤ،
وريحه كالمسك ينفح منه، كأن عنقه إبريق فضة.
(فإياي فاعبد) لا غيري، (وعليَّ فتوكل) لا على غيري، (فسر لأهل سوران إني أنا اللَّه الحي)،
الدائم البقاء (القيوم،) المبالغ في القيام بتدبير خلقه، (لا أزول، صدقوا النبي الأمي، صاحب
الجمل والمدرعة). بكسر الميم، أي: القتال والملاحم، كما في الشامي في الأسماء، وإن
كانت في الأصل كالدراعة، ثوب ولا يكون إلاَّ من صوف، كما في القاموس، (والعمامة والنعلين
والهراوة). بكسر الهاء، ثم راء، فألف، فواو، فتاء تأنيث. العصا مطلقًا، أو الضخمة، (الجعد
الرأس) . بفتح الجيم، وإسكان العين، أي: جعودة متوسطة، فلا يخالف قول أنس في الصحيحين،
والترمذي ليس بالجعد القطط، ولا بالسبط القطط . بفتحتين. الشديد الجعودة كالسودان،
والسبط . بفتح فكسر، أو سكون . المنبسط، المسترسل، الذي لا تكسر فيه، فهو متوسط بين
الجعودة والسبوطة (الصلت،) أي: الواضح (الجبين، المقرون الحاجبين، الأهدب الأشفار،
الأدعج العينين، الأقنى الأنف، الواضح الخدين،) أي: ليس فيهما نتوء، ولا ارتفاع، فهو كقول
هند: سهل الخدين، (الكث للحية). بفتح الكاف ومثلثة. غير دقيقها، ولا طويلها، وفيها كثافة،
كما في النهاية.
وفي التنقيح: كثير شعرها غير مسبلة، واللحية . بكسر اللام وفتحها، وهو لغة الحجاز،
الشعر النابت على الذقن، خاصة (عرقه) . بالتحريك- ما يرشح من جلده (في وجهه، كاللؤلؤ) في
الصفاء والبياض.
وللبيهقي عن عائشة: كان يخصف نعله، وكنت أغزل، فنظرت إليه، فجعل جبينه يعرق،
وجعل عرقه يتولد نورًا، (وريحه كالمسك ينفح). بفتح الفاء، أي: يهب (منه) ويظهر رائحته،
(كأن عنقه) . بضم المهملة والنون وتسكن. (إبريق فضة)) صفاء، وطولاً متوسطًا لا مفرطًا، ففي
حديث هند: معتدل الخلق، وفي حديث أبي هريرة: كان عَِّ أبيض، كأنما صيغ من فضة، رواه
الترمذي، وعنده في حديث هند: كان عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، وجيد . بكسر الجيم
وإسكان الياء. العنق عبر به تفننًا وكراهة للتكرار اللفظي، ودمية . بضم المهملة، وسكون الميم،
وتحتية. الصورة، أو المنقوشة من نحو رخام، أو عاج شبه عنقه بعنقها، لأنه يتأنق في صنعتها،
مبالغة في حسنها، وخصها لكونها كانت مألوفة عندهم دون غيرها، وقوله في صفاء الفضة حال

٢٨٢
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
الحديث.
والأنجل: الواسع شق العين .
والقرن: بالتحريك: التقاء الحاجبين.
وما وصفه به ابن أبي هالة مخالف لما في حديث مقاتل بن حيان وما في
حديث أم معبد فإنها قالت: أزج أقرن، أي مقرون الحاجبين، قال ابن الأثير:
والأول هو الصحيح في صفته، يعني: سوابغ في غير قرن.
مقيدة بالتشبيه به، أي: هو حال صفائه.
قال الزمخشري: وصف عنقه بالدمية في الإشراق والاعتدال، وظرف الشكل، وحسن
الهيئة والكمال، وبالفضة في اللون والإشراق والجمال، (الحديث، والأنجل: الواسع شق العين،)
لم يتقدم حتى يحتاج إلى بيانه، لكنه سقط من قلمه بعد قوله: الأدعج العينين، لفظ الأنجل
العينين، وهو بنون وجيم من النجلة السعة، ومنه طعنة نجلاء (والقرن بالتحريك،) أي: فتح الأول
والثاني، (التقاء) شعر (الحاجبين،) ففيه مضاف، (وما وصفه به ابن أبي هالة) من قوله: سوابغ
من غير قرن، (مخالف لما في حديث مقاتل بن حيان) من قوله: المقرون الحاجبين، (و)
مخالف (ما في حديث أم معبد، فإنها قالت:) أحور، أكحل، (أزج،) يوصف به الرجل،
والحاجب في المدح (أقرن، أي: مقرون الحاجبين).
قال ثابت في كتاب خلق الإنسان: رجل أقرن، وامرأة قرناء، فإذا نسب إلى الحاجبين،
قالوا: مقرون الحاجبين.
(قال ابن الأثير: والأول هو الصحيح في صفته) عَّله، (يعني سوابغ في غير قرن،) وقال
غيره: إنه المشهور، وإن قول الحسن: سألت خالي هند بن أبي هالة، وكان وصافًا، فارد لما حاء
بخلافه، وجمع على تقدير الصحة، بأنه يحسب ما بيده للناظرين من بعد، أو بلا تأمل، وأما
القريب المتأمل، فيرى بين حاجبيه فاصلاً لطيفًا مستثنيًا، فهو أبلج في الواقع، أقرن بحسب
الظاهر للناظر من بعد، أو بلا تأمل، كما في وصف أنفه، يحسه من لم يتأمله، أشم، ولم يكن
أشم، وبأن بينهما شعرًا خفيفًا جدًا، يظهر إذا وقع عليه الغبار، في نحو سفر، وحديثهما سفري،
وبأن القرن حدث له بعد، وكان أولاً بلا قرن واستبعد.
قال الأنطاكي وغيره: والقرن معدود من معايب الحواجب، والعرب تكرهه، وأهل القيافة
تذمه، ويستحبون البلج، خلاف ما عليه العجم، وإذا دققت النظر، علمت أن نظر العرب أدق،

٢٨٣
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
والقنى في الأنف: طوله ودقة أرنبته مع خدب في وسطه.
وقد وصفه عليه الصلاة والسلام غير واحد: بأنه كان عظيم الهامة، كما في حديث
ابن أبي هالة المشهور. وقال علي بن أبي طالب - في حديث رواه الترمذي وصححه
البيهقي - : ضخم الرأس. وكذا قال أنس في رواية البخاري.
وكان عليه الصلاة والسلام أيضًا ضخم الكراديس، وهي رؤوس العظام، كما
وصفه به علي في حديث الترمذي. وقال أيضًا فى رواية: جليل المشاش والكتد.
وفسر برؤوس العظام كالركبتين والمرفقين والمنكبين، أي عظيمهما.
والكتد - بفتحتين ويجوز كسر التاء- مجتمع الكتفين.
وكان عليه الصلاة والسلام دقيق العرنين،
وطبعهم أرق، (والقنى في الأنف طوله، ودقة أرنبته مع خدب). بمهملتين. (في وسطه،) وهو
معنى قول ابن الأثير: وهو السائل الأنف، المرتفع وسطه، وقيل: هو نتوء في وسط القصبة،
والأول أولى بالمدح، (وقد وصفه عليه الصلاة والسلام غير واحد) من الصحابة؛ (بأنه كان
عظيم الهامة). بالتخفيف. الرأس عظمًا متوسطًا لا خارجًا، لأنه آية البلادة، (كما في حديث ابن
أبي هالة، المشهور) في الترمذي، (وقال علي بن أبي طالب في حديث رواه الترمذي
وصححه،) رواه (البيهقي) في الدلائل، (ضخم الرأس،) أي: عظيمه، وهو محبوب ممدوح، لأنه
أعون على الإدراكات، ونيل الكمالات، (وكذا، قال أنس في رواية البخاري) بلفظ: كان ضخم
الرأس واليدين والقدمين، (وكان عليه الصلاة والسلام أيضًا ضخم الكراديس،) جمع كردوس
بالضم، (وهي رؤوس العظام،) كما قاله عياض وغيره، وقيل: هي كل عظمين التقيا في مفصل
نحو الركبتين، والمنكبين، والوركين، وكيفما كان، يدل على وفور المادة، وقوة الحواس، وكثرة
الحرارة، وكمال القوى الدماغية، (كما وصفه به علي في حديث الترمذي، وقال) الترمذي (أيضًا
في رواية) عن علي أيضًا: (جليل،) أي: عظيم (المشاش) بضم الميم، ومعجمتين. جمع مشاشة
بالضم والتخفيف، (والكتد،) وذلك علامة النجابة ونهاية القوّة، (وفسر برؤوس العظام،
كالركبتين، والمرفقين، والمنكبين، أي: عظيمهما) تفسير الجليل، أي: المشاش والكتد، فهو
مثل قوله في الرواية الأولى، وضخم الكراديس.
وفي الصحاح: المشاشة رؤوس الأصابع، والعظام اللينة التي يمكن مضغها، (والكتد
- بفتحتين -) للكاف والفوقية، (ويجوز كسر التاء، مجتمع الكتفین،) کما قاله عیاض وغيره،
(وكان عليه الصلاة والسلام دقيق العرنين). بكسر المهملة، وإسكان الراء، وكسر النون الأولى،

٢٨٤
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
أي أعلى الأنف، كما وصفه به علي في رواية ابن سعد وابن عساكر. وفي روايته
أيضًا عن ابن عمر من وصف علي له أيضًا: أقنى الأنف، وفسر بالسائل المرتفع
وسطه، وقال ابن أبي هالة: أقنى العرنين له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشمّ،
والأشم: الطويل قصبة الأنف.
وأما فمه الشريف عَُّ ففي مسلم من حديث جابر أنه عٍَّ كان ضليع
الفم،
(أي: أعلى الأنف،) أي: أوله حيث يكون فيه الشمم، وهو ما تحت مجتمع الحاجبين، أو
ما صلب من عظم الأنف، أو كله، ويجمع على عرانين، ويوصف به أشراف الناس، لشموخ
أنفهم، وارتفاعهم على أقرانهم، ويكنى به عن العزيز، المحسود في قومه لعزه ومنه:
إن العرانين تلقاها محسدة وما ترى للعام الناس حسادا
(كما وصفه به علي في رواية ابن سعد وابن عساكر، وفي روايته أيضًا، عن ابن عمر) ابن
الخطاب (من وصف علي له أيضًا،) فهو رواية صحابي، عن صحابي، (أقنى الأنف) . بقاف فنون
مخففًا من القنى، (وفسر) في النهاية (بالسائل) الأنف، (المرتفع وسطه) مع احديدابه، وارتفاع
أعلاه، کما مر قريبًا.
(وقال ابن أبي هالة: أقنى العرنين، له نور) أي: للعرنين، لأنه أقرب، وقيل: للنبي، لأنه
الأصل، فلامه بمعنى على (يعلوه))) يغلبه من حسنه، وبها رونقه، (يحسبه) . بفتح السين وكسرها،
قيل: وهو أولى يظنه (من لم يتأمله،) يمعن النظر فيه، (أشم) مفعول ثان ليحسبه، أي: وليس
باشم، (والأشم: الطويل قصبة الأنف،) مع استواء أعلاه، وانفراق الأرنبة، وقيل: الشمم: طول
الأنف مع سيلانه ودقته، والأوَّل أصح، وقد يعبر به عن عزَّة النفس، وعدم التنزل للأمور، ومما
يمدح به، كما قال كعب:
شم العرانين إبطال لبوسهم من نسج داود في الهيجا سرابيل
(وأما فمه الشريف عٌَّ)) أي: صفته ظاهرة وباطنة، فدخل الأسنان والخدان، فليس المراد
حقيقته التي هي الخلاء الداخل، وجواب أما مقدر، أي: فكان على غاية من الرونق والكمال،
(ففي مسلم:) الفاء للتعليل، بمعنى اللام (من حديث جابر) بن سمرة، كما في مسلم والترمذي،
فكان عليه زيادته، لأنه عند الإطلاق ابن عبد اللَّه، لكنه استغنى عن التقييد، لتقدمه قريبًا (أنه عَ اليه.
كان ضليع الفم) . بفتح الضاد المعجمة، (يعني واسعة) أو عظيمة.
قال الزمخشري: والضليع في الأصل الذي عظمت أضلاعه ووفرت، فاجفر جنباه، ثم

٢٨٥
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
يعني واسعة. وكذا وصفه به ابن أبي هالة، وزاد يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه،
يعني لسعة فمه، والعرب تمدح به وتذم بصغر الفم.
وقال شمر: عظيم الأسنان.
وفي حديث عند البزار والبيهقي قال أبو هريرة: كان رسول الله عَُّلّهِ أسيل
الخدين واسع الفم.
ووصفه عَّ ابن أبي هالة فقال: أشنب مفلج الأسنان. والشنب: رونق
الأسنان
استعمل في موضع العظيم، وإن لم يكن، ثم أضلاع، وقيل: ضليعه: مهزوله وذابله، والمراد ذبول
شفتيه، ورقتهما، وحسنهما، وقيل: هو كناية عن قوَّة فصاحته، وكونه يفتتح الكلام، يختمه
بأشداقه، والأُوَّل قول الأكثر.
قال النووي: وهو الأظهر، (وكذا وصفه به ابن أبي هالة، وزاد) في بعض طرق حديثه:
(يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه،) جمع شدق . بكسر الشين وفتحها، وسكون المهملة. جوانب
فمه، (يعني لسعة فمه، والعرب تمدح به وتذم بصغر الفم،) لدلالة السعة على الفصاحة والصغر
على ضدها، والمولدون من الشعراء يمدحون صغره، وهو خطأ منهم، أو لمعنى لا يلتفت إليه
لقبحه، (وقال شمر). بكسر الشين المعجمة، وسكون الميم. ابن عطية الأسدي، الكاهلي،
الكوفي: معنى ضليع الفم، (عظيم الأسنان،) وتعقب بأن المقام مقام مدح، وعظمها مذموم
بخلاف الفم، وأجيب بأن مراده بعظمها: شدتها وقوّتها وتمامها، ولا يتوهم في سياق المدح غير
هذا، وتعقب تفسيره أيضًا؛ بأن المتبادران ذلك إنما هو من معاني الضليع من غير إضافة إلى الفم،
فلما إضيف إليه استبان أن المراد عظمه، لا عظم الأسنان، إلا أن ثبت نقل عن أئمة هذا الشأن،
وأجاب شيخنا: إملاء بأنه لا يلزم من استعماله مضافًا إلى معنى تخصيصه بما أضيف إليه، ومن
تتبع ما ورد من استعمالات اللغة لا يتوقف فيه، فضلاعة الفم لا تتقيد بكونها في خصوص الفم،
بل يجوز أن تكون صفة له باعتبار ما وجد فيه.
(وفي حديث عند البزار والبيهقي، قال أبو هريرة: كان رسول اللَّه عَ ◌ّ أسيل الخدين،)
بزنة أمير لينهما، غير مرتفع الوجنتين، فهو كقول هند: سهل الخدين، (واسع الفم،) فهذا يؤيد
تفسير الأكثر ضليع بواسع، لأن الأحاديث يفسر بعضها بعضًا، (ووصفه عَِّ ابن أبي هالة،
فقال:) عقب ضليع الفم (أشنب). بفتح الهمزة، وإسكان المعجمة، وفتح النون، وموحدة، أي:
ذو شنب، (مفلج الأسنان). بضم الميم، وشد اللام، (والشنب رونق،) أي: حسن (الأسنان

٢٨٦
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وماؤها. وقيل: رقتها وتحديدها. وأفلج الأسنان أي متفرقها.
وقال علي: مبلج الثنايا، بالموحدة، أخرجه ابن سعد من حديث أبي هريرة.
وعند ابن عساكر: عن علي: براق الثنايا.
وعن ابن عباس قال: كان رسول الله عټ أفلح الثنیتین، إذا تكلم ريء
وماؤها).
قال المجد: رونق السيف والضحى ماؤه وحسنه، (وقيل: رقتها وتحديدها) . بحاء ودالين
مهملات، أي: الأسنان على ظاهر المتن، وبه فسره الجوهري، وقصره المجد على الأنياب،
فيحتمل الموافقة والمخالفة، وفي نسخة: وتحزيزها . بزاءين منقوطتين، وهو قول في معنى الشنب
أيضًا، إذ قيل: إنه نقط بيض، وتحزيز في الأسنان، وسئل رؤية عن قول ذي الرمة:
لمياء في شفتيها حوَّة لعس وفي اللثات وفي أنيابها شنب
فأخذ حبة رمان، وقال: هذا هو الشنب، أي أن صفاء ما فيها كهذا، وقيل: هو برد
وعذوبة فيها، وقيل: بياض، وبريق، وصفاء، وتحديد في الأسنان، (وأفلج الأسنان، أي:
متفرقها،) وهو أنقى للفم، وأطيب، وأبلغ في الفصاحة، لأن اللسان يتسع فيها، والمراد الثنايا
لحديث ابن عباس: أفلج الثنيتين، والمراد الثنايا والرباعيات، لأن تباعد الأسنان كلها عيب، وفي
القاموس: مفلج الثنايا منفرجها، (وقال علي: مبلج) . بضم الميم، وإسكان الموحدة من أبلج.
(الثنايا،) أي: مشرقها ومضيئها، صفة مستقلة، لا تفسير للفلج (بالموحدة) الساكنة من أبلج،
كما في القاموس وغيره، ويحتمل فتحها، وشد اللام من بلج مثقلاً، لكن لم يذكروه.
(أخرجه ابن سعد من حديث أبي هريرة) عن علي، ففيه من اللطائف صحابي، عن
صحابي، (وعند ابن عساكر عن علي براق الثنايا) أي: مضيئها، فهو مساوٍ للرواية الأولى، عنه
أبلج، وكلاهما يرجع لمعنى الشنب.
(وعن ابن عباس، قال: كان رسول اللَّه ◌َّالِ أفلح الثنيتين) من الفلج، أي: بعيد ما بين
الثنايا والرباعيات، والفرق فرجة ما بين الثنايا، فاستعمل الفلج مكان الفرق بقرينة، نسبته إلى الثنايا
فقط، ذكره ابن الأثير، لكن ذكر الجوهري أنه مشترك بينهما، فلا حاجة إلى أنه استعمل في
محله، إلاَّ أن يكون إطلاق الفلج على تفريج الثنايا مجازًا لغويًا، قيل: أكثر الفلج في العليا، وهي
صفة جميلة، لكن مع القلة، لأنه أتم في الفصاحة، لاتساع الأسنان (إذا تكلم) خبر ثان لكان
(ريء). بكسر الراء بزنة، قيل: على الأفصح، ويقال بضم الراء، وكسر الهمزة، وبني للمجهول
إشارة إلى أن الرؤية لا تختص بأحد دون أحدًا، ولذا لم يقل إذا تكلم يخرج (كالنور،) أي شعاع

٢٨٧
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
كالنور يخرج من بين ثناياه. رواه الترمذي في الشمائل، والدارمي، والطبراني في
الأوسط.
وكان عليه الصلاة والسلام أحسن عباد الله شفتين وألطفهم ختم فم.
بحر من الشهد في فيه مراشفه ياقوته صدف فيه جواهره
وعن أبي قِرْصافة قال: بايعنا رسول الله عَّه أنا وأمي وخالتي، فلما رجعنا
قالت لي أمي وخالتي: يا بني، ما رأينا مثل هذا الرجل أحسن وجهًا ولا أنقى ثوبًا
ولا ألين كلامًا، ورأينا کالنور يخرج من فیه.
وأما ريقه الشريف،
مثله، فالكاف بمعنى مثل، فلا حاجة لتقدير شيء (يخرج من بين ثناياه،) أما من الثنايا نفسها، أو
من داخل الفم، وطريقه من بينها معجزة له، وهو نور حسي، ووهم من قال معنوي، والمراد
ألفاظه بالقرءان، أو السنة، لأنه خلاف الظاهر المتبادر من قوله: ريء، والثنايا جمع ثنية، وهي
أربع في مقدم الفم، ثنتان من فوق، وثنتان من تحت، (رواه الترمذي في الشمائل) النبوية، (و)
رواه أيضًا شيخ الترمذي، فيه عبد الله بن عبد الرحمن الحافظ، (الدارمي) في مسنده،
(والطبراني في) معجمه (الأوسط)، وكذا في الكبير، وفيه عند الجميع عبد العزيز أبي ثابت، وهو
ضعيف جدًا، كما قاله الحافظ نور الدين الهيثمي، (وكان عليه الصلاة والسلام أحسن عباد اللَّه
شفتين، وألطفهم ختم فم،) وأنشد قول العارف الرباني سيدي محمد وفى:
(بحر من الشهد في فيه مراشفه ياقوتة صدف فيه جواهره)
(وعن أبي قرصافة) . بكسر القاف، وسكون الراء، بعدها مهملة وفاء. اسمه جندرة . بفتح
الجيم، ثم نون ساكنة، ثم مهملة مفتوحة، ثم راء فهاء. ابن خيشنة . بمعجمة، ثم تحتية، ثم نون.
الكناني، الليثي، الصحابي، المشهور بكنيته، ذكره الحافظ، (قال: بايعنا رسول اللَّه عَلِّ أنا
وأمي،) ذكرها في الإصابة في الكنى، ولم يسمها، فقال أم جندرة، والدة أبي قرصافة، وقع
ذكرها عند الطبراني في مسند ولدها، (وخالتي، فلما رجعنا، قالت لي أمي وخالتي:) مفعول
معه، أي: مع مصاحبتها لخالتي، فقوله: (يا بني) مقول أمه خاصة، أو معطوف، يعني أن كلاً
منهما وصفه بالبنوّة، فهو حقيقي بالنسبة لأمه مجازى لخالته (ما رأينا مثل هذا الرجل) خلقًا
وخلقًا (أحسن،) الرواية لا أحسن (وجهًا،) بل هو أحسن وجهًا من جميع الناس، (ولا أنقى)
بنون وقاف. أنظف (ثوبًا)، بل ثوبه أنظف من جميع الثياب، (ولا ألين كلامًا، ورأينا كالنور
يخرج من فيه،) هذا محل شاهده من هذا الحديث، (وأما ريقه الشريف،) أي: وصفه، فكان

٢٨٨
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
ففي الصحيحين، عن سهل بن سعد أن رسول الله عَ ليه قال يوم خيبر: لأعطين الراية
غدًا رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فلما أصبح
الناس غدوًا على رسول الله عَّ كلهم يرجو أن يعطاها، قال: أين علي بن أبي
طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه، فأتى به، فبصق
رسول الله عليه في عينيه فبرأ كأن لم يكن به وجع.
يشفي الداء الحسي والمعنوي، كإزالة ملوحة الماء، فالجواب محذوف اكتفاء بما دل عليه، وهو
قوله: (ففي) التي بمعنى اللام، أي لما في (الصحيحين) للبخاري ولمسلم، (عن سهل بن سعد)
بن مالك بن خالد الأنصاري، الخزرجي، الساعدي، صحابي، ابن صحابي. مات سنة ثمان
وثمانين أو بعدها، وقد جاوز مائة، (أن رسول اللَّه عَّه، قال يوم خيبر:) بعدما أرسل أبا بكر
بالراية، فقاتل شديدًا، ولم يكن فتح، ثم أرسل عمر من الغد، فقاتل أشده من الأوّل، ثم رجع،
ولم يكن فتح، كما عند أحمد والنسائي وغيرهما، ففي هذه الرواية اختصار، فقال عد له:
(«لأعطين الراية غدًا رجلاً يفتح اللَّه على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله))).
قال الحافظ: أراد وجود حقيقة المحبة، وإلا فكل مسلم يشترك مع علي في مطلق هذه
الصفة، وفيه تلميح بقوله: ((قل إن كنتم تحبون اللَّه فاتبعوني يحببكم اللَّه)، فكأنه إشارة إلى أن
عليًا تام الإتباع، حتى وصفه بصفة محبة اللَّه، ولذا كان حبه علامة الإيمان، وبغضه علامة النفاق،
كما في مسلم وغيره، (فلما أصبح الناس غدوا). بمعجمة. أتوا صباحًا (على رسول اللَّه عَلَه،
كلهم يرجو) بلا نون، دون ناصب وجازم، وهو لغة، كما قال المصنف.
وفي رواية: يرجون (أن يعطاها،) أي: الراية، قال عمر: ما أحببت الأمارة إلا يومئذ، رواه
مسلم، وفي حديث بريدة: فما منا رجل له منزلة عنده عَّله إلا وهو يرجو أن يكون ذلك الرجل،
حتى تطاولت أنا لها.
(قال: ((أين علي بن أبي طالب))؟ فقالوا: هو يا رسول اللَّه يشتكي عينيه،) مثنى، (قال:
((فأرسلوا إليه)،) . بكسر السين. أمر من الإرسال وفتحها، أي: قال سهل: فأرسلوا إليه، أي:
الصحابة إلى علي، وهو بخيبر لم يقدر على مباشرة القتال لرمده، قاله المصنف، (فأُتي به،) وفي
مسلم عن سلمة: فأرسلني إلى علي، فجئت به أقوده أرمد، (فبصق رسول اللَّه عَِّ في عينيه،
فبرأ) . بفتح الراء والهمزة بوزن ضرب، ويجوز كسر الراء بوزن علم، قاله الحافظ، فأفاد أن الرواية
بالأوَّل، أي: شفي (كأن لم يكن به وجع،) مع أنه كان أرمد، شديد الرمد، قاله جابر في
الطبراني، وقال ابن عمر: أرمد لا يبصر، رواه أبو نعيم.
عَ له الراية يوم خيبر، وفي رواية:
قال علي: فما رمدت، ولا صدعت مذ دفع إليّ النبي عَّـ

٢٨٩
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
الحديث متفق عليه.
وأتي بدلو من ماء، فشرب من الدلو، ثم صب في البئر، أو قال: مج في
البئر ففاح منها مثل رائحة المسك. رواه أحمد من حديث وائل بن حجر.
وبزق في بئر في دار أنس، فلم يكن في المدينة بئر أعذب منها، رواه أبو
نعیم.
وكان عليه الصلاة والسلام يوم عاشوراء يدعو برضعائه وبرضعاء ابنته فاطمة
فيتفل في أفواههم ويقول للأمهات لا ترضعنهم إلى الليل، فكان ريقه يجزيهم.
فما اشتكيتهما حتى يومي هذا، رواهما الطبراني (الحديث) بقيته، فأعطاه الراية، فقال علي:
يا رسول اللَّه أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: ((أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم
إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق اللَّه فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا
خير من أن يكون لك حمر النعم))، (متفق عليه) بمعنى أخرجه الشيخان.
(وأتي بدلو من ماء، فشرب من الدلو)، لم يقل منه، لئلا يوهم أنه شرب من الماء في غير
الدلو، بأن صبه في إناء غيره من الدلو، ثم صب (ثم صب) باقي شربه (في البثر،) قصدًا لإظهار
المعجزة المصدقة له، (أو قال:) شك الراوي (مج في البئر، ففاح منها مثل رائحة المسك)
معجزة له، ويحتمل قصره على ما عند الصب وبقاؤه مدة.
(رواه أحمد من حديث وائل بن حجر) . بضم المهملة، وسكون الجيم . ابن مسروق
الحضرمي، صحابي جليل، كان من ملوك اليمن، ثم سكن الكوفة، وروى عن النبي عَّة
أحاديث، وعنه جماعة. مات أوائل خلافة معوية، (وبزق). بالزاي وبالصاد، وفي لغة بالسين،
خلافًا لمن أنكرها (في بئر في دار أنس) بن لملك، (فلم يكن في المدينة بئرٌ أعذب) أحلى
(منها،) ببركة بزاقه، (رواه أبو نعيم) وغيره عن أنس، (وكان عليه الصلاة والسلام يوم عاشوراء
يدعو برضعائه،) أي: صبيانه الذين ينسبون إليه، (وبرضعاء ابنته فاطمة،) أي: أولادها، ورضيع
الشخص أخوه رضاعة، وليس مرادًا هنا، كما هو ظاهر، (فيتفل). بكسر الفاء وضمها. يبصق
(في أفواههم، ويقول للأمهات: لا ترضعنهم إلى الليل،) لعله أراد مشاركتهم للصائمين في عدم
تناول شيء، لتعود عليهم بركة تصوّرهم بهم، ولا مانع أن یکتب لهم ثواب من صامه، إکرامًا له،
(فكان ريقه يجزيهم) . بفتح الياء، يكفيهم إلى الليل، ويجوز ضم الياء مع سكون الجيم، آخره
همزة، أي: يقضيهم عن اللبان، (رواه البيهقي) في الدلائل.

٢٩٠
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
رواه البيهقي.
ودخلت عليه عميرة بنت مسعود هي وأخواتها يبايعنه وهن خمس فوجدنه
يأكل قديدًا فمضغ لهن قديدة فمضغنها كل واحدة بينهن قطعة فلقين الله وما وجد
لأفواههن خلوف، رواه الطبراني.
ومسح عّلّ بيده الشريفة بعد أن نفث فيها من ريقه على ظهر عتبة وبطنه
وكان به شرى، فما كان يشم أطيب رائحة منه. رواه الطبراني.
وأعطى الحسن لسانه - و کان قد اشتد ظمؤه- فمصه حتی روی. رواه ابن
عساكر. والله در إمام العارفين سيدي محمد وفي الشاذلي المالكي رضي الله عنه
(ودخلت عليه عميرة بنت مسعود) الأنصارية، (هي وأخواتها يبايعنه، وهن خمس، فوجدنه
يأكل قديدًا) لحمًا مقددًا، أي: مجففًا في الشمس، (فمضغ لهن قديدة، فمضغنها كل واحدة،)
بدل من الفاعل في مضغتها، وذلك بعد أخذ عميرة لها من المصطفى، ففي رواية عنها: فمضغ
لمن قديدة، ثم ناولني القديدة فقسمتها (بينهن)، فمضغت كل واحدة (قطعة فلقين اللَّه)، أي:
متن، (وما وجد لأفواههن خلوف) . بضم الخاء. تغير ريح، (رواه الطبراني،) وأبو نعيم،
وأبو موسى في الصحابة، وفي روايتها: فلقين اللَّه ما وجدن في أفواههن خلوفًا، ولا اشتكين من
أفواههن شيئًا، (ومسح عَّ اللّه بيده الشريفة بعد أن نفث،) تفل (فيها من ريقه، على ظهر عتبة) بن
فرقد بن يربوع السلمي، صحابي نزل الكوفة ومات بها، وهو الذي فتح الموصل زمن عمر،
(وبطنه، وكان به شرى) خراج صغار، لها لذع شديد، كما في المختار، (فما كان يشم أطيب
رائحة منه، رواه الطبراني) في الكبير والصغير، من طريق أم عاصم زوجة عتبة بن فرقد، عنه قال:
أخذني الشرى على عهد رسول اللَّه عَّ ◌ُله، فأمرني فتجردت، فوضع يده على بطني وظهري، فعبق
الطيب من يومئذ، قالت أم عاصم: كنا عنده أربع نسوة، فكنا نجتهد في الطيب، وما كان هو
يمس الطيب، وأنه لا طيب ريحًا منا، (وأعطى الحسن) ابنه (لسانه، وكان قد اشتد ظمؤه، فمصه
حتى روي،). بفتح الراء، وكسر الواو. زال ظمؤه، (رواه ابن عساكر،) وروى الطبراني: أن امرأة
بذية اللسان جاءته عَّة، وهو يأكل قديدًا، فقالت: ألا تطعمني، فناولها من بين يديه، فقالت: لا،
إلاَّ الذي في فيك، فأخرجه، فأعطاه لها فأكلته، فلم يعلم منها بعدما كانت عليه من البذاءة،
(ولله در إمام العارفين سيدي محمد).
(وفي الشاذلي المالكي رضي الله عنه حيث يقول: جنى النحل،) أي: مجنيه، كقوله
تعالى: ﴿وجنى الجنتين دان﴾ [الرحمن: ٥٤] (في فيه)، أي: في فمه، أي كلامه في

٢٩١
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
حيث يقول:
جنى النحل في فيه وفيه حياتنا ولكنه من لي بلثم لثامه
رحيق الثنايا والمثاني تنفست إذا قال في فيح بطيب ختامه
وأما فصاحة لسانه، وجوامع كلمه، وبديع بيانه وحكمه، فكان ێ أفصح
خلق الله،
الحلاوة، كالشهد المجني من النحل، (وفيه،) أي: ما يجني منه (حياتنا،) لأنه يأتي بما تحيا به
القلوب، ويقرب إلى علام الغيوب، فنحيا في الدنيا بالعبادة والإيمان، وفي الأخرى الحياة الأبدية
في رياض الجنان، (ولكنه من) يتكفل (لي بلثم لثامه) حتى أجنى منه ذلك الجني، تمنى رؤيته
يقضة ليسمع منه، ويأخذ عنه، وما ذلك عليه بعزيز، (رحيق الثنايا) خمرها، شبه ما يخرج من بينها
بالخمر الخالص من الدنس، في أنه يستلذ به، كالرحيق الممتن به على المتقين في الجنة،
يسقون من رحيق مختوم، (والمثاني) القرءان، أو ما ثنى منه مرة بعد مرة، أو الحمد، أو البقرة
إلى براءة، أو غير ذلك مما قيل في تفسير المثاني، أو المراد المزامير، وهو أظهر تشبيهًا لصوته
الخارج من فيه، لشدة حسنه بنغمتها، (تنفست): خرج منها نفس طيب، (إذا قال)، أي: تكلم
(في فيح) . بفاء، فتحتية، فمهملة ظرف، لتنفست، أي: انتشار رائحة يقال: فاح المسك فوحًا
وفيحًا: انتشرت رائحته (بطيب ختامه،) متعلق بتنفست، تلميح بقوله: ختامه مسك، (وأما
فصاحة،) أي: طلاقة وجودة (لسانه،) الجارحة، المخصوصة، بحيث ينطق بالكلام البليغ بلا
تكلف، فالمراد الفصاحة اللغوية، يقال لسان فصيح، أي: طلق، فلا يرد أن الفصاحة لا توصف
بها الجارحة، بل اللفظ والمتكلم به، لأن تخصيصها ألفاظ أمر اصطلاحي، ولا يرد حصرهم لها
في الكلام، والكلمة، والمتكلم، لأن الحصر إضافي بالنسبة للبلاغة التي يوصف بها الأخيران
فقط، واللسان العضو يذكر، فيجمع على ألسنة، ويؤنث، فيجمع على السن.
قال أبو حاتم: والتذكير أكثر، وهو في القرءان كله مذكر، (وجوامع كلمه) من إضافة
الصفة للموصوف، أي: كلمه الجوامع للمعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة، كما قال عَظله: أعطيت
جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصارًا، رواه أبو يعلى والبيهقي عن ابن عمر، والدارقطني عن
ابن عباس.
(وبديع بيانه وحكمه) . بكسر، ففتح. جمع حكمة، أي: بيانه البديع، وحكمه البديعة،
فهما أيضًا من إضافة الصفة للموصوف، (فكان عٍَّ أفصح خلق اللَّه)) أي: مخلوقه الذي
يوصف بالفصاحة، وهو نوع الإنسان، أي: أقدرهم على المجيء بالكلام الفصيح، أي: البليغ،

٢٩٢
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وأعذبهم كلامًا، وأسرعهم أداء، وأحلاهم منطقًا، حتى كان كلامه يأخذ بمجامع القلوب
ويسلب الأرواح. شعر:
ينظم در الثغر نثر مقوله فيا حسنه ونشره ونظامه
يناجي فينجي من يناجي من الجوى فكل كليم برؤه في كلامه
ففصاحة لسانه عليه الصلاة والسلام غاية لا يدرك مداها،
فالفصاحة قد تطلق ويراد بها البلاغة، (وأعذبهم كلامًا،) فيتكلم بألفاظ حلوة لطيفة لا يلتوي
الذهن في فهمها، فما من لفظه يسبق فهمها للذهن، إلا ومعناها أسبق إليه، (وأسرعهم أداء)،) اسم
مصدر من أدى، أي: تأدية للمعاني التي يريد إيرادها، فينطبق بغاية من اللَّه السرعة بلا تلعثم، ولا
تأن، (وأحلاهم منطقًا) مصدر ميمي، أي: نطقًا، وعذوبة الكلام وحلاوته، المراد بهما حسنه
بحيث يستلذ بسماعه، كما يستلذ بتناول الشيء الحلو، كما قيل:
يكاد من عذوبة الألفاظ تشربه مسامع الحفاظ
(حتى كان) بالتشديد (كلامه يأخذ بمجامع،) أي: جميع، واحده مجمع، بفتح الميم،
وكسرها (القلوب:) بأن يستولي عليها، بحيث تصير كأنها في يده، يقلبها كيف شاء، (و) كأنه
(يسلب الأرواح،) جمع روح، (شعر) للأستاذ محمد، وفي جملة القصيدة التي قدم بيتين، منها
قريبًا، فقال عقبهما: (ينظم در) . بضم الدال، جمع درة، اللؤلؤة العظيمة، (الثغر) المبسم، ثم أطلق
على الثنايا (نثر) بالرفع (مقوله))) أي: قوله، يعني إذا تكلم بنثر أشبه اللآليء الكبار في حسنها،
وقبول النفوس لها، (فيا حسنه، ونثره، ونظامه،) إتيانه بكلامه المنثور والمنظوم.
وليس المراد الشعر، فنادى حسنه ليتعجب مه، (يناجي) يسارر، والمراد مطلق الكلام،
(فينجي من يناجي من الجوى،) بالقصر الحرقة وشدة الوجد من عشق أو حزن، أي: يخاطب
من كرب، فيزول بخطابه، (فكل كليم) جريح (برؤه،) شفاؤه حاصل (في كلامه) عَّ له،
والمراد أن كلامه يداوي المرضى، ويزيل عللهم، (ففصاحة لسانه عليه الصلاة والسلام غاية)
مدى (لا يدرك مداها،) بفتحتين، غايتها، كما في اللغة، فكأنه قيل: نهاية لا تدرك نهايتها،
فيشكل بأن نهاية الشيء آخره، ووجه بأنه من نفي القيد، والمقيد جميعًا، أي: لا لها غاية، ولا
منتهى حتى تدرك كقوله:
على لاحب لا يهتدي لمثاره
أو قصد المبالغة، حتى أنه جعل النهاية بمنزلة شيء ممتد لا تدرك نهايته، أو الغاية هنا بمنزلة
المرتبة، أو الحالة، وهي لا تدرك نهايتها، على نحو قول الرضى قولهم: من لابتداء الغاية، معناه

٢٩٣
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
ومنزلة لا يداني منتهاها، وكيف لا يكون ذلك وقد جعل الله تعالى لسانه سيفًا من
سیوفه، یبین عنه مراده،
ويدعو إليه عباده، فهو ينطق بحكمه عن أمره، ويبين عن مراده بحقيقة ذكره.
أفصح خلق الله إذا لفظ، وأنصحهم إذا وعظ لا يقول هجرًا، ولا ينطق
هذرًا، کلامہ کلہ یثمر علمًا،
لابتداء المسافة، فلا منافاة بين الحكم بأنها للابتداء، وأن ذلك الابتداء للغاية، (ومنزلة) رتبة عليه،
(لا يداني) يقارب (منتهاها،) غايتها لما لخّصه اللَّه به من القوة النطقية، التي اختص بها الإنسان
على غيره الحيوان، إذا علاه، من يقدر على ضبط سائر المعاني، والتعبير عنها إلى أقصى
الغايات، وهذه القدرة هي فصل الخطاب، فهو القدرة على كل ما يخطر بالبال، ويحضر في
الخيال، بتفصيل كل فرد منه والتعبير عنه، بما يطابقه من أمور الدنيا والدين، وغاية ذلك التي لم
يصل إليها مخلوق مختصة بنبينا عَّله، ولذا، قيل كلامه معجز كالقرءان، ولم يقل في غيره
ذلك، لأن كتبهم ليست معجزة، فكذا كلامهم بخلاف كتابه، وكلامه مثل، وهذا وإن كان
ضعيفًا، لكنه من حيث الكل، أما الأكثر سيما جوامع كلمه، فلا شك في إعجازها، كما بينه في
الإيعاب، (وكيف لا يكون ذلك) استفهام تعجبي، والواو للاستئناف، (وقد جعل اللَّه تعالى لسانه
سيفًا،) أي: كسيف (من سيوفه) في شدة تأثير ما يقوله في النفوس، وأنه لا يرد (يبين عنه مراده،)
أي: اللَّه، (ويدعو إليه عباده،) كما قال، وداعيًا إلى اللَّه، (فهو ينطق بحكمه)) بضم، فسكون،
الذي شرعه (عن أمره،) امتثالاً لنحو قوله: بلغ ما أنزل إليك من ربك، أو بكسر، ففتح جمع
حكمه، أي: كلماته الحق، المطابقة للواقع، نطقًا ناشئًا عن أمر اللَّه تعالى له بذلك، وما ينطق عن
الهوى، (ويبين) . بضم فكسر فسكون، أو بضم، ففتح، فكسر وشد. من أبان وبين، أي: يكشف
(عن مراده بحقيقة ذكره،) أي ذكر الحق الذي لا ريب فيه، (أفصح) بالفاء (خلق اللَّه،) الذين
يوصفون بالفصاحة، فلا يرد الحيوانات والجمادات، فإنها لا توصف بها، وأفعل التفضيل يقتضي
المشاركة، وأورد بالخلق المجموع، فلا يستلزم الحكم على كل فرد فرد، (إذ لفظ) تكلم،
(وأنصحهم) . بالنون. أشدهم نصحًا، (إذا وعظ) ذكر وخوف العواقب، (لا يقول هجرًا) . بضم
الهاء، وإسكان الجيم. فحشًا، (ولا ينطق هذرًا) . بفتح الهاء، وذال معجمة ساكنة، أي: لا يخلط
في كلامه، ولا ينطق بما لا ينبغي، بل كان أشد حياء من العذراء في خدرها، (كلامه كله يثمر
علمًا،) فهو شجرة طيبة، يجتني منها الثمار المشتهاة، ولذا كان طالب العلم لا يشبع منه،
(ويمتثل) . بضم التحتية، وإسكان الميم، وفتح الفوقية، ومثلثة، أي: يمتثل ما جاءته، حال كونه

٢٩٤
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
ويمتثل شرعًا وحكمًا، لا يتفوه بشر بكلام أحكم منه في مقالته، ولا أجزل منه في
عذوبته.
وخليق بمن عبر عن مراد الله بلسانه، وأقام به الحجة على عباده ببيانه، وبين
مواضع فروضه وأوامره ونواهيه، وزواجره ووعده ووعيده وإرشاده أن يكون أحكم
الخلق جنانًا وأفصحهم لسانًا، وأوضحهم بيانًا.
وقد كان عليه الصلاة والسلام إذا تكلم تكلم بكلام مفصل مبين، يعده
العاد، ليس بهذر مسرع لا يحفظ،
(شرعًا،) أي: مشروعًا، (وحكمًا) أمورًا محققة متقنة.
وفي البيضاوي: الحكمة تحقيق العلم، وإتقان العمل، (لا يتفوه) ينطق (بشر، بكلام أحكم
منه في مقالته،) بل لا يقدر على مساواة مقالته، (ولا أجزل). بجيم وزاي. أحسن وأسلس (منه
في عذوبته،) قبول النفوس له، كالحلو، (وخليق) جدير وحقيق (بمن عبر عن مراد الله بلسانه،
وأقام) اللَّه (به الحجة)، البرهان والدليل الواضح (على عباده ببيانه، وبين مواضع فروضه،
وأوامره، ونواهيه، وزواجره، ووعده) بالخير لمن أطاع، (ووعيده) بالشر لمن عصى، (وإرشاده أن
يكون أحكم الخلق جنانًا،) بفتح الجيم قلبا فاعل. سد مسد الخبر لقوله: وخليق بناء على قول
الأخفش، الذي لا يشترط اعتماد الوصف في أعماله، أو هو مبتدأ، وخليق في خبره، وقد جوَّزوا
الوجهين في قوله:
خبير بنو لهب فلاتك ملغيًا مقالة لهبي إذا الطير مرت
فخبير مبتدأ، وبنو فاعله، أو مبتدأ خبره خبير، ولا يجوز أن خليق مبتدأ، والخبر أن يكون،
لأن المنسبك من أن والفعل بمنزلة المضاف للضمير، فيكون أعرف، والخبر لا يكون أعرف،
ومن ثم قال ابن هشام: اتفقوا على نصب حجتهم في قوله تعالى: ﴿ما كان حجتهم﴾ [الجاثية:
٢٥]، إلاَّ أن قالوا، وهو متعين، (و) أن يكون (أفصحهم لسانًا، وأوضحهم بيانًا) لأجل ذلك
الذي أريد منه، (وقد كان عليه الصلاة والسلام إذا تكلم،) أي: إذا أراد أن يتكلم، (تكلم بكلام
مفصل مبين) صفة كاشفة، بحيث يمتاز بعضه عن بعض، فلا يلتبس، (يعده العاد،) لمبالغته في
الترتيل والتفهيم، بحيث لو أراد مستمعه عد كلماته أو حروفه، لأمكنه ذلك، لوضوحه، وبيانه
(ليس بهذر) . بفتحتين. اسم من هذر، وأما بالسكون، فالمصدر والأوَّل أنسب هنا، وفي نسخة
بهذ، بحذف الراء، وهو السرعة، فقوله (مسرع،) صفة كاشفة، (لا يحفظ،) وهذا ورد بمعناه عن
عائشة، عند الترمذي، (وقالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها:) فيما رواه مسلم، والبخاري،

٢٩٥
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما كان رسول الله عَ لم يسرد سردكم هذا،
كان يحدث حديثًا لو عده العاد لأحصاه. وكان يعيد الكلمة ثلاثًا حتى تعقل عنه.
وأبو داود، (ما كان رسول اللَّه عَّه يسرد). بضم الراء. الحديث (سردكم)،) وفي رواية:
كسرد كم، والمعنى واحد (هذا،) أي: ما كان يتابع الحديث استعجالاً بعضه إثر بعض، لئلا
يلتبس على المستمع.
زاد الإسماعيلي في روايته: إنما كان حديث رسول اللَّه عَُّلّ فهمًا تفهمه القلوب، (كان
يحدث حديثًا لوعده العاد لأحصاه،) أي: لو عد كلماته، أو مفرداته، أو حروفه، لأطاق ذلك وبلغ
آخرها، والمراد بذلك المبالغة في الترتيل والتفهم، قاله الحافظ: وفيه إشارة إلى أن الشرط
والجزاء مختلفان، وأوضحه المصنف بقوله: لا يقال فيه اتحاد الشرط والجزاء، لأنه كقوله
تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وقد فسر بلا تطيقوا عدها
وآخرها، وهذا أتت به عائشة، تعرض بأبي هريرة، فصدر الحديث عن عروة، عنها أنها قالت: ألا
يعجبك أبو فلان؟ ولفظ مسلم: أبو هريرة جاء، فجلس إلى جانب حجرتي، يحدث عن
رسول اللَّه عَ لّهِ، يسرد يسمعني ذلك، وفي رواية، فقال: ألا تسمعي يا ربة الحجرة، وكنت أسبح،
فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه أن رسول اللَّه عَّةٍ كان، فذكرته.
قال الحافظ: وأعتذر عن أبي هريرة، بأنه كان واسع الرواية، كثير المحفوظ، فكان
لا يتمكن من الترتيب عند إرادة التحديث، كما قال بعض البلغاء، أريد أن أقتصر، فتتزاحم على
القوافي.
(و) روى الترمذي، والحاكم، عن أنس (كان) عَّه (يعيد الكلمة) الصادقة بالجملة، أو
الجمل نحو أنها كلمة، والمراد بها ما لا يتبين مبناها، أو معناها إلا بالإعادة (ثلاثًا،) أيٍ: ثلاث
مرات، معمول المحذوف، أي: فقالها ثلاثًا، أو ضمن عاد قال، فلم تقع الإعادة إلاّ مرتين، .
ولا يصح بقاؤه على ظاهره لاستلزامه قول الكلمة أربع مرات، إذ الأولى لا إعادة فيها.
قاله البدر الدماميني وغيره، وبيّ المراد بذلك بقوله: (حتى تعقل عنه،) وفي رواية
البخاري: حتى تفهم عنه، والمعنى واحد، أي: ليتدبرها السامعون، ويرسخ معناها في القوَّة
العاقلة، وحكمته أن الأولى للأسماع، والثانية للوعي، والثالثة للفكرة، أو الأولى إسماع، والثانية
تنبيه، والثالثة أمر.
وفيه كما قال ابن التين: أن الثلاثة غاية الأعذار والبيان، فمن لم يفهم بما لا يفهم بها زيد
عليها، ولو مرات عديدة، وقد ورد أنه عَِّ كان لا يراجع بعد ثلاث، وفيه رد على من كراه
إعادة الحديث، وأنكر على الطالب الاستعادة، وعده من البلادة.

٢٩٦
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وكان يقول: أنا أفصح العرب.
وقد قال له عمر بن الخطاب: يا رسول الله، مالك أفصحنا ولم تخرج من
بين أظهرنا؟ فقال: كانت لغة إسمعيل قد درست فجاءني بها جبريل فحفظتها. رواه
أبو نعيم.
قال ابن المنير: والحق أنه يختلف باختلاف القرانح، فلا عيب على المستفيد، الذي
لا يحفظ من مرة إذا استعاد، ولا عذر للمفيد إذ لم يعد، بل الإعادة عليه آكد من الابتداء، لأن
الشروع ملزم، وقد علمت أن قوله، وكان يعيد، ليس من بقية كلام عائشة، بل هو حديث أنس،
أخرجه الترمذي، والحاكم بهذا اللفظ، إلاّ أن الحاكم، وهو في استدراكه ودعواه أن البخاري لم
يخرجه، فقد رواه في كتاب العلم، عن أنس من طريقين، لفظ أوَّلهما، كان إذا سلم سلم ثلاثًا،
وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا، ولفظ ثانيهما، كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تفهم عنه،
وإذا أتى على قوم، فسلم عليهم، سلم عليهم ثلاثًا، (وكان يقول: أنا أفصح العرب) وهم أفصح
الناس، فهو أفصح الفصحاء، وهذا اللفظ ذكره أصحاب الغريب.
قال ابن كثير والسيوطي: لم نقف على سنده، (وقد قال له عمر بن الخطاب:
يا رسول الله ما لك أفصحنا،) حال من الكاف، وما مبتدأ خبره لك، (و) الحال أنك (لم تخرج
من بين أظهرنا،) حتى تزيد علينا بالفصاحة، لأنك لو خرجت من بيننا، لقلنا تعلم من لغات من
عاشرهم غيرنا، ومراده الاستفهام، ولذا أجابه، (فقال: كانت لغة إسمعيل) بن إبراهيم جده عليهم
الصلاة والسلام، التي هي أفصح اللغات (قد درست،) عفت وخفيت آثارها، فلم يبق من ينطق
بها على وجهها، (فجاءني بها جبريل، فحفظتها،) وفي رواية ابن عساكر: فحفظنيها، أي:
جبريل، فلذا كنت أفصح العرب، ينطق بأفصح اللغات، وأتم البلاغات، وأفحم بلغاء العرب قاطبة،
فلم يدع منهم أحدًا إلاّ أعجزه، وأدله، وحيره في أمره، وأعله.
قال العلامة المحدث أحمد المتبولي: دلت الأحاديث عن أن لسان ءادم الذي علمه الله
له، وتكلم به عربي، وعلمه اثنين وسبعين، أو ثمانين لسانًا، لكنه لم يتكلم إلاَّ بالعربية، فلما أكل
من الشجرة، تكلم بالسريانية، ثم رد اللَّه إليه العربية، لما تاب اللَّه عليه واجتباه، واستمرّ الناس
عليها إلى أن تبلبلت ألسنتهم بعد الطوفان، وقول بعض المفسرين: إن اللَّه علم عادم سبعمائة
ألف، غريب لم أقف له على أصل، والمعوَّل عليه ما قررناه.
وذكر في الإتقان: أن القرءان فيه خمسون لغة، سردها في النوع السابع والثلاثين، وذكرها
هنا يخرج عن المقصود، (رواه أبو نعيم) في تاريخ أصبهان، بإسناد ضعيف، وكذا ابن عساكر،
وأبو أحمد الغطريف، بلفظ: أن لغة إسماعيل كانت درست، فأتاني بها جبريل، فحفظنيها، (وروى

٢٩٧
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وروى العسكري في الأمثال من حديث علي بسند ضعيف جدًا قال: قدم
بنو نهد على النبي عَّه: الحديث وفيه: ذكر خطبتهم وما أجابهم به النبي عَّة
قال: فقلنا: يا نبي الله، نحن بنو أب واحد، ونشأنا في بلد واحد، وإنك لتكلم
العرب بلسان ما نعرف أكثره، قال: إن الله عز وجل أدبني فأحسن تأديبي، ونشأت
في بني سعد بن بكر.
العسكري) . بفتح العين المهملة، والكاف، وبالراء. نسبة إلى عسكر مكرم مدينة بالأهواز،
الحافظ، الإمام، أبو الحسن، علي بن سعيد بن عبد اللَّه، نزيل الري، صنف وجمع، ومات سنة
خمس وثلاثمائة، (في الأمثال،) كتاب جمع فيه ألف مثل عن النبي عَّهِ، (من حديث علي،
بسند ضعيف جدًا، قال: قدم بنو نهد). بفتح النون، وإسكان الهاء. ابن زيد (على النبي عَّ،
الحديث، وفيه ذكر خطبتهم، وما أجابهم به النبي عَّه)) وسيذكر المصنف ذلك كله مع كتاب
المصطفى، لهم أواخر هذا المبحث.
(قال) علي: (فقلنا: يا نبي الله نحن بنو أب واحد، ونشأنا في بلد واحد) وهي مكة، (وإنك
لتكلم العرب بلسان ما نعرف أكثره،) فلم ذلك، (قال: ((إن الله عز وجل أدبني))،) أي: علمني
رياضة النفس، ومحاسن الأخلاق، الظاهرة والباطنة، ((فأحسن تأديبي))،) بإفضاله عليّ بالعلوم
الوهيبة، مما لم يقع نظيره لأحد من البرية.
قال بعضهم: أدبه بآداب العبودية، وهذبه بمكارم الأخلاق الربوبية، لما أراد إرساله، ليكون
ظاهر عبوديته، مرآة للعالم، كقوله: ((صلوا، كما رأيتموني أصلي))، وباطن أحواله مرآة للصادقين
في متابعته، وللصديقين في السير إليه ((واتبعوني يحببكم الله)).
وقال القرطبي: حفظه اللَّه من صغره، وتولى تأديبه بنفسه، ولم يكله في شيء من ذلك
لغيره، ولم يزل اللَّه يفعل ذلك به حتى كره إليه أحوال الجاهلية، وحماه منها، فلم يجر عليه
شيء منها، كل ذلك لطف به، وعطف عليه، وجمع للمحاسن لديه، وقال بعضهم: أدب اللَّه
روح رسوله، ورباها في محل القرب، قبل اتصالها ببدنه، باللطف والهيبة، فتكامل له الأنس
باللطف، والأدب بالهيبة، واتصلت بعد ذلك بالبدن، ليخرج من اتصالها كمالات أخرى من القوة
إلى الفعل، وينال كل من الروح والبدن، بواسطة الآخر من الكمال ما يليق بالحال، ويصير قدوة
لأهل الكمال والأدب، استعمال ما يحمد قولاً وفعلاً، أو الأخذ بمكارم الأخلاق، أو الوقوف
المستحسنات، أو تعظيم من فوقه مع الرفق بمن دونه، وقيل غير ذلك، (ونشأت في بني سعد بن
بكر،) فجمع له بذلك قوّة عارضة البادية، وجزالتها، وخلوص ألفاظ الحاضرة، ورونق كلامها.
قال السخاوي: وسند هذا الحديث ضعيف جدًا، وإن اقتصر شيخنا، يعني الحافظ. على

٢٩٨
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وعن محمد بن عبد الرحمن الزهري عن أبيه عن جده قال: قال رجل:
يا رسول الله، أيدلك الرجل امرأته؟ قال: نعم إذا كان ملفجًا. فقال له أبو بكر:
يا رسول الله، ما قال لك، وما قلت له؟ قال: قال: أيماطل الرجل أهله؟ قلت له: نعم
إذا كان مفلسًا. قال أبو بكر: يا رسول الله، لقد طفت في العرب وسمعت
فصحاءهم فما سمعت أفصح منك، قال: أدبني ربي ونشأت في بني سعد، رواه
السرقسطي في الدلائل
الحكم عليه بالغرابة في بعض فتاويه، ولكن معناه صحيح، ولذا جزم بحكايته ابن الأثير في خطبة
النهاية وغيرها، وقد أخرج أبو سعد السمعاني في أدب الإملاء بسند منقطع فيه من لم أعرفه عن
عبد اللَّه، أظنه ابن مسعود، قال: قال عَّ: ((إن اللَّه أدبني فأحسن تأديبي، ثم أمرني بمكارم
الأخلاق))، فقال: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف﴾ [الأعراف: ١٩٩] الآية.
وذكر حديث عمر السابق في المصنف، وحديث الصديق الآتي شاهدين له، ثم قال:
وبالجملة، فهو كما قال ابن تيمية لا يعرف له إسناد ثابت اهـ، وجزم السيوطي في الدرر وغيرها
بأنه ابن مسعود قائلاً، وضعفه ابن السمعاني، وابن الجوزي، وصححه أبو الفضل بن ناصر.
(وعن محمد بن عبد الرحمن الزهري، عن أبيه، عن جده، قال: قال رجل) من بني
سليم (يا رسول اللَّه أيدالك الرجل امرأته؟ قال: نعم، إذا كان ملفجًا، فقال له أبو بكر)،
مستفهمًا عما لم يفهمه على عادة الصحابة: (يا رسول اللَّه ما قال لك، وما قلت له؟ قال) عَله:
. ((قال) الرجل: (أيماطل الرجل أهله؟ قلت له: نعم، إذا كان مفلسًا))، قال أبو بكر) الصديق:
(يا رسول اللَّه، لقد طفت،) سعيت (في العرب، وسمعت فصحاءهم، فما سمعت أفصح منك،)
فمن أدبك؟ هذا أسقطه من الرواية، (قال: ((أدبني ربي، ونشأت في بني سعد))،) فجمع له قوَّة
الحاضرة والبادية، بخلاف غالبهم، فإنما نشأ في مكة فقط.
أو البادية فقط. (رواه) ثابت بن حزم بن عبد الرحمن بن مطرّف، العوفي، (السرقسطي)
- بفتح المهملة، والراء، وضم القاف، وسكون المهملة. نسبة إلى سرقسطة مدينة بالأندلس،
العلامة الحافظ، أبو القسم، سمع ابن وضاح والنسائي، وكان عالمًا، متقنًا، بصيرًا بالحديث،
والنحو، واللغة، والغريب والشغر ولي قضاء سرقسطة، وبها مات في رمضان سنة ثلاث عشرة،
وقيل: أربع عشرة وثلاثمائة، وهو ابن خمس وتسعين سنة. (في الدلائل) في شرح ما أغفل
أبو عبيد، وابن قتيبة من غريب الحديث، وناهيك به إتقانًا.
قال أبو علي القالي: ما أعلم به، وضع بالأندلس، مثل كتاب الدلائل.

٢٩٩
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
بسند واه. وكذا أخرجه ابن عساكر.
قال في القاموس: ودالكه أي ماطله. انتهى.
وقوله: ((ملفجًا)) بضم الميم وفتح الفاء، اسم فاعل من (ألفج الرجل)) فهو
ملفج، إذا كان فقيرًا، وهو غير مقيس. ومثله أحصن فهو محصن، وأسهب فهو
مسهب، في ألفاظ شدت، والقياس الكسر، قاله ابن مرزوق. لكن ابن الأثير: لم
يجىء إلا في ثلاثة أحرف، أسهب وأحصن وألفج.
وقال غيره: معناه: أيداعب الرجل امرأته، يعني قبل الجماع؟ وسماه مطلا
لكون غرضها الأعظم الجماع. قال: إذا كان عاجزًا، ليكون ذلك محركًا لشهوته،
ولعجزه سمي مفلسًا.
قال ابن الفرضي: ولو قال ما وضع بالمشرق مثله ما أبعد (بسند واه،) أي: شديد الضعف،
من وَهْي الحائط إذا مال للسقوط، (وكذا أخرجه ابن عساكر، قال في القاموس: ودالكه، أي:
مطاله، انتهى، وقوله: ملفجا- بضم الميم،) وإسكان اللام، (وفتح الفاء،) وبالجيم. (اسم فاعل
من ألفج الرجل، فهو ملفج إذا كان فقيرًا، وهو غير مقيس، ومثله) في الخروج عن القياس،
(أحصن، فهو محصن). بفتح الصاد. على غير قياس، حكاه ابن القطاع، (وأسهب) . بسين
مهملة. الفرس، اتسع في الجري، وسبق، وأسهب الرجل إذا أكثر الكلام، (فهو مسهب) . بفتح
الهاء، ولا يقال بكسرها، وهو نادر، قاله الجوهري (في،) أي: مع (ألفاظ شدت، والقياس
الكسر، قاله ابن مرزوق،) شارح البردة، (لكن قال ابن الأثير: لم يجىء إلاَّ في ثلاثة أحرف،
أسهب، وأحصن، وألفج،) فقوله في ألفاظ مستدرك، إلاَّ أن يقال من حفظ حجة، ولفظ
الجوهري لا حصر فيه، قال: ألفج الرجل، أي: أفلس، وقال رؤبة:
أحسابكم في العسر والألفاج شيت بعذب طيب المزاج
فهو مفلج، بفتح الفاء، مثل: أحصن، فهو محصن، وأسهب، فهو مسهب، فهذه الثلاثة
جاءت بالفتح نوادر، وقال:
جارية شبت شبابًا عسلجًا في حجر من لم يك عنها ملفجا
(وقال غيره: معناه،) أي: أيدالك، (أيداعب الرجل امرأته، يعني قبل الجماع، وسماه
مطلاً، لكون غرضها الأعظم الجماع؟ قال:) عٍَّ إذا كان ملفجًا، أي: (إذا كان عاجزًا، ليكون
ذلك محركًا لشهوته ولعجزه، سمى مفلسًا) تشبيهًا بمن لا يملك ما لا يجامع العجز.
(وقال ابن الأثير): معناه (يماطلها بمهرها إذا كان فقيرًا) لعجزه عن دفعه، فحمله على

٣٠٠
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته
وقال ابن الأثير: يماطلها بمهرها إذا كان فقيرًا.
وأما ما يروى: أنا أفصح من نطق بالضاد. فقال ابن كثير: لا أصل له. انتهى
لكن معناه صحيح والله أعلم.
وقد حدوا الفصاحة: بخلوص الكلام من التنافر والغرابة ومخالفة القياس.
والمراد بالتنافر: تقارب مخارج الحروف كقوله:
غدائره مستشزرات إلى العلا
فإن السين والشين والتاء والزاي كلها متقاربة المخارج.
الحقيقة، (وأما ما يروى أنا أفصح من نطق بالضاد،) أي: المعجمة، (فقال ابن کثیر: لا أصل له،
انتهى، لكن معناه،) وهو أنا أفصح العرب، لأنهم هم الذين ينطقون بالضاد، وليست في لغة
غيرهم (صحيح،) إذ لا شك في أنه أفصح العرب، وإن لم يعلم لهذا اللفظ سند، كما قاله
ابن كثير أيضًا، وتقدم (والله أعلم،) بما في نفس الأمر، وقد زاد بعضهم بيد أني من قريش، أي:
من أجل أني منهم، (وقد حدوا،) أي: علماء البيان، (الفصاحة) التي هي في الأصل تنبىء عن
الظهور والإبانة، (بخلوص الكلام من التنافر،) وهو صفة توجب ثقله على اللسان، وعسر النطق به
(والغرابة، ومخالفة القياس) اللغوي، أي: المستنبط من استقراء اللغة، (والمراد بالتنافر تقارب
مخارج الحروف، كقوله،) أي: امرىء القيس:
أثيث كقنو النخلة المتعثكل
وفرع يزين المتن أسود فاحم
غدائره مستشزرات إلى العلا تضل العقاص في مثنى ومرسل
غدائره، أي: ذوائبه، جمع غديرة، وضميره للفرع في البيت قبله، ومستشزرات مرتفعات
إن قرىء بكسر الزاي، أو مرفوعات إن قرىء بفتحها، وتضل تغيب العقاص، جمع عقيصة، وهي
الخصلة المجموعة من الشعر، والمثنى المفتول، يعني أن ذوائبه مفتولة على الرأس بخيوط، وإن
شعره ينقسم إلى عقاص، ومثنى، ومرسل، والأوَّل يغيب في الأخيرين، والغرض بيان كثرة شعره،
(فإن السين، والشين، والتاء، والزاي، كلها متقاربة المخارج،) وذلك سبب للثقل المخل
بالفصاحة، وقد رد هذا السعد، وارتضى أن الضابط هنا أن كل ما يعده الذوق الصحيح ثقيلاً،
متعسرًا لنطق، فهو متنافر، سواء كان من قرب المخارج، أو بعدها، أو غير ذلك، على ما صرح به
ابن الأثير في المثل السائر، (والغرابة كون الكلمة،) وخشية غير ظاهرة المعنى، ولا مأنوسة