النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته بشرا بأسرار الغيوب يبشر هيهات يشبهه الغزال الأحور وأرى المشبه بالغزالة يكفر لولا لرب جماله يستغفر وبحسنه كل المحاسن تفخر وله منار كل وجه نير سبحان من أنشاه من سبحاته قاسوه جهلا بالغزال تغزلاً هذا وحقك ما له من مشبه يأتي عظيم الذنب في تشبيهه فخر الملاح بحسنهم وجمالهم فجماله مجلى لكل جميلة جنات عدن في جنى وجناته ودليله أن المراشف كوثر لا يحس بشيء مما عليه الناس، (سبحان من أنشأه من سبحاته) . بضمتين، خلقه من أنواره (بشرًا بأسرار الغيوب يبشر). قال القاموس: سبحات وجه اللَّه. بضمتين، أنواره، وفي الصحاح: جلالته، والأول أنسب هنا، إشارة إلى النور الذي خلق منه، كما قال عَّل: ((يا جابر إن اللَّه تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره)، رواه عبد الرزاق، كما مر أول الكتاب، (قاسوه جهلاً منهم (بالغزال،) الحيوان المعروف (تغزلاً،) لتوهمهم أن بينهما مشابهة، والحال أنها منفية، كما قال: (هيهات) بعد (يشبهه الغزال الأحور) من الحور . بفتحتين. شدة بياض العين في شدة سوادها، (هذا) أي: خذ، وهي كلمة يؤتى بها للفصل والانتقال من معنى لآخر، (وحقك ما له من مشبه، وأرى المشبه بالغزالة،) الشمس التي هي أجل من الغزال، (يكفر) نعمته الواصلة إليه، حيث شبهه بما لا نسبة بينه وبينه، لا خلاف الإيمان، (يأتي عظيم) بالرفع فاعل، والنصب مفعول، فاعله ضمير، يعود على المشبه، أي: كبير (الذنب في تشبيهه، لولا لرب جماله يستغفر) من هذا الذنب لهلك، فجواب لولا محذوف (فخر،) غلب هو (الملاح). بالكسر، جمع مليح الحسان، الذین فخروا (بحسنهم وجمالهم، وبحسنه كل المحاسن تفخر) - بفتح الخاء. من باب منع، كما في القاموس، فلا يقاربه شيء يجعل بينه وبينه مشابهة، (فجماله مجلى) . بالجيم. محل جلاء، أي: ظهور (لكل) صفة (جميلة(،) إذ كله محاسن، لا يشوبه شيء ينافي الكمال بخلاف غيره، إذا اشتمل على صفات جميلة، ربما سترها وصف يغايرها، فيمتنع ظهوره، (وله منار) علم الطريق، استعمل فيما يدل على كماله (كل وجه نير) دليل عليه، إذ جميع الأنوار مقتبسة منه (جنات عدن في جني وجناته) . بفتحتين، وهي ما ارتفع من الخد، يعني: أن نعيم الجنات الذي يناله العبد في الآخرة، إنما هو مما اقتبسه من علومه ومعارفه، عبر عنه بذلك، لأن الوجنات أشرف دليل على المحاسن، (ودليله أن المراشف:) ما يرشف بالشفتين لإزالة العطش الأكبر يوم القيامة، (كوثر) نهر في الجنة، وعده ربه به، فيه خير كثير، أحلى من العسل، وأبيض من اللبن، ٢٦٢ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته هيهات ألهو عن هواه بغيره والغير في حشر الأجانب يحشر كتبًا تؤول بالهوى وتفسر كتب الغرام علي في أسفاره فدعيه بالهجر فيه تهجر فدع الدعي وما ادعاه في الهوى وعليك بالعلم العليم فإنه لخطيبه في كل خطب منبر وأما بصره الشريف عَّهِ فقد وصفه الله تعالى في كتابه العزيز بقوله: ﴿ما زاع البصر وما طغى﴾ [النجم / ١٧]. وأبرد من الثلج، وألين من الزبد، لا يظمأ من شرب منه، (هيهات) بعد (ألهو،) أشتغل (عن هواه) ميلي ومحبتي له (بغيره) (والغير في حشر الأجانب يحشر)، وشتان ما بينهما، فكيف اشتغل بغيره (كتب الغرام،) الولوع والتعلق به، ومحبته (علي في أسفاره،) كتبه الكبيرة (كتبًا،) أحكامًا كثيرة، كلها (تؤول بالهوى،) الميل، وخلوص المحبة، (وتفسر) بها، (فدع) اترك (الدعي،) المنتسب لقوم، وليس منهم، (وما ادعاه في الهوى) من الدعاوى الكاذبة، يعد نفسه من أهل المحبة، وما هو منهم، (فدعيه) المنتسب إليه (بالهجر) . بضم فسكون، الهذيان والتخليط (فيه تهجر،) أمر يعود عليه بالأذى والهلاك، من هجر المريض، هجر اخلط، وهذي وتهجر، سار وقت الهاجرة شدة الحر، فكأنه قال مدعي المحبة، بمجرد اللفظ، شبيه بالسائر في شدة الحر، فأتعب نفسه، وآذاها بما يلام عليه، عاجلاً وآجلاً، (وعليك بالعلم العليم،) أي: الزم واتبع الرسل، الكثير العلم، الذي هو في ظهوره، كعلم الطريق الذي يهتدي به من البعد، (فإنه لخطيبه في كل خطب منبر،) أي: فإنه كالمنبر لكل خطيب في كل أمر مهم، (وأما بصره الشريف عَِّ)) وهو النور الذي تدرك به الجارحة المبصرات، كما في المصباح، وهو بمعنى قول المتكلمين قوة مودعة في العين، وهو صريح في أنه شيء مخلوق في العين، زائد عليها، ومقتضى قول القاموس البصر محركة، حسن العين أنه صفة للعين، ليست زائدة عليها، إلاّ أن يكون على حذف مضاف، أي: سبب حسن العین، أي: جمالها. واستعمل الحسن في نفس سببه مجازًا لغويًا، فأطلق المسبب مريدًا سببه، (فقد وصفه اللَّه تعالى في كتابه العزيز،) الغالب على الكتب التي قبله، بنسخه ما فيها، وإعجازه (بقوله ﴿ما زاغ البصر﴾،) ما مال بصره عَّ له، عما رآه، (﴿وما طغى﴾) ما تجاوزه، بل أثبته إثباتًا صحيحًا مستيقنًا، أو ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها، وما جاوزها، كما في البيضاوي، فإن قيل الآية لا تصلح جوابًا ما، لأن المراد الخلق الحسي لا الصفة، فالقياس أن الجواب، فهو في ٢٦٣ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله عَّةٍ يرى بالليل في الظلمة كما يرى في النهار في الضوء. رواه البخاري. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله عَ ◌ّه يرى في الظلماء كما يرى في الضوء. رواه البيهقي. غاية الحدة والقوّة المودعة فيه، فالجواب أنه من التعبير باللزوم عن اللازم، لأن وصفه بما في الآية ملزوم، ويلزمه غاية، قوّة بصره، بحيث إنه لا يتخيل في شيء رآه ما يخالف الواقع فيه، بل متى تعلق بمبصر ما أدركه على ما هو به في الواقع، وإن كان في غاية الخفاء، (وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما، قال: كان رسول اللَّه عَِّ يرى بالليل في الظلمة،) احترازًا عما إذا كان مع القمر، (كما يرى بالنهار في الضوء،) متعلق بالنهار للاحتراز، عما إذا كان في بيت مظلم، أو في يوم غيم، فلا يقال لا حاجة إليه بعد ذكر النهار، فالمعنى أن رؤيته في النهار الصافي، والليل المظلم متساوية، لأن اللَّه تعالى، لما رزقه الاطلاع بالباطن، والإحاطة بإدراك مدركات القلوب، جعل له مثل ذلك في مدركات العيون، ومن ثم كان يرى المحسوس من وراء ظهره، كما يراه من أمامه، ذكره الحرالي ملخصًا، ويأتي نصه في المصنف، ولا يرد عليه حديث أنه عَِّ قام ليلة، فوطىء على زينب بنت أم سلمة بقدمه، وهي نائمة فبكت، فقال: ((أمطيوا عنا زناياكم، لأنه حجب عن ذلك حينئذ ليعلم أنه لا ينام أحد ببيت ذي الأهل))، وفي حديث: كان يرى من خلفه من الصفوف، كما يرى من بين يديه. قال عياض: وإنما حدثت هذه الآية له بعد ليلة الإسراء، كما أن موسى كان يرى النملة السوداء في الليلة الظلماء من مسيرة عشرة فراسخ بعد ليلة الطور اهـ والظاهر أن مراده بالآية ما يشمل الآيتين في الحديثين، (رواه البخاري،) كذا في النسخ، ولم أجده فيه، وإنما عزاه السيوطي وغيره للبيهقي في الدلائل، وقال: إنه حسن. قال شارحه: ولعله لاعتضاده، وإلاّ فقد قال السهيلي: ليس بقوي، وضعفه ابن دحية، أي: نقل تضعيفه في كتاب الآيات البينات عن ابن بشكوال، لأن في سنده ضعفًا، فكيف يكون في البخاري، (وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول اللَّه عَّ يرى في الظلماء))) مرادف للظلمة. قال في القاموس: الظلمة . بالضم وبضمتين، والظلماء والظلام ذهاب النور، (كما يرى في الضوء، رواه البيهقي) وابن عدي، وكذا بقي بن مخلد، كما في الشفاء، وضعفه ابن الجوزي والذهبي، لكنه يعتضد بشواهده، فهو حسن، كما قال السيوطي. ٢٦٤ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وعن أبي هريرة أنه عَِّ قال: هل ترون قبلتي لههنا، فوالله ما يخفى علي ركوعكم ولا سجودكم، إني لأراكم من وراء ظهري. رواه البخاري ومسلم. وعند مسلم من رواية أنس بن لملك أنه عَِّ قال: أيها الناس، إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، فإني أراكم من أمامي ومن خلفي. (وعن أبي هريرة أنه عَة، قال: هل ترون). بفتح التاء والاستفهام إنكاري، أي: أتظنون (قبلتي،) أي: مقابلتي ومواجهتي (ههنا) فقط، لأن من استقبل شيئًا، استدبر ما وراءه، فبين أن رؤيته لا تختص بجهة واحدة، (فوالله ما،) وفي رواية: لا (يخفى على ركوعكم، ولا سجودكم،) هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري في موضع من كتاب الصلاة: فوالله ما يخفى على خشوعکم، ولا رکوعکم، وفي موضع آخر ركوعكم، ولا خشوعکم. قال الحافظ وغيره: أي في جميع الأركان، ويحتمل أن يريد به السجود، لأن فيه غاية الخشوع. وقد صرح بالسجود في رواية مسلم، وإذا كان المراد به الأعم، فذكر الركوع بعده من الأخص بعد الأعم، إما لأن التقصير فيه كان أكثر، أو لأنه أعظم الأركان، من حيث إن المسبوق يدرك الركعة بتمامها بإدراك الركوع، (إني لأراكم). بفتح الهمزة، بدل من جواب القسم، وهو ما يخفى، أو بيان له (من وراء ظهري) رؤية حقيقية، اختص بها عليكم، وهو تنبيه لهم على الخشوع في الصلاة، لأنه قاله لهم، لما رآهم يلتفتون، وهو مناف لكمال الصلاة، فيكون مستحبًا لا واجبًا، إذ لم يأمرهم بالإعادة. وقد حكى النووي الإجماع على عدم وجوبه، وتعقب بأن في الزهد لابن المبارك عن عمار ابن ياسر، لا يكتب للرجل من صلاته ما سها عنه، وفي كلام غير واحد ما يقتضي وجوبه، ثم الخشوع، تارة يكون من فعل القلب كالخشية، وتارة من فعل البدن كالسكون، وقيل: لا بد من اعتبارهما، حكاه الرازي في تفسيره. وقال غيره: هو معنى يقوم بالنفس، يظهر عنه سكون في الأطراف، يلائم مقصود العبادة، ويدل على أنه من عمل القلب، حديث على الخشوع في القلب، أخرجه الحاكم. وأما حديث: لو خشع هذا خشعت جوارحه، ففيه إشارة إلى أن الظاهر عنوان الباطن، (رواه البخاري، ومسلم،) كلاهما في الصلاة، (وعند مسلم من رواية أنس بن مُلك أنه عَ ◌ّه، قال: ((أيها الناس إني أمامكم، فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، فإني أراكم من أمامي،) قدامي (ومن خلفي،) تعليل للنهي عن السبق أو تحذير عنه، لأنهم إذا علموا أنه يراهم اجتنبوا السبق بكل اعتبار، ومن أمامي حال من المفعول، أو هو لغو متعلق بأراكم. ٢٦٥ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وعن مجاهد: في قوله تعالى: ﴿الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين﴾ [الشعراء/ ٢١٩]. قال: كان عَّ يرى من خلفه من الصفوف، كما يرى من بين يديه، رواه الحميدي في مسنده، وابن المنذر في تفسيره. وهذه الرؤية رؤية إدراك: والرؤية لا تتوقف على . وفي البخاري عن أنس: صلى بنا النبي عَّهِ صلاة، ثم رقى المنبر، فقال في الصلاة وفي الركوع: (إني لأراكم من ورائي، كما أراكم من أمامي)). وفي مسلم: إني لأبصر من ورائي، کما أبصر من بين يدي. قال الحافظ: وظاهر الحديث أن ذلك يختص بحالة الصلاة، ويحتمل أن يكون ذلك واقعًا في جميع أحواله، وقد نقل عن ذلك عن مجاهد، وحكى: بقي بن مخلد أنه عُّه، كان يبصر في الظلمة، كما يبصر في الضوء، انتهى، وتعقب بأن جماعة من المتقدمين صرح بالعموم، وعللوه بأنه إنما كان يبصر من خلفه، لأنه كان يرى من كل جهة. (وعن مجاهد) بن جبير . بفتح الجيم، وسكون الموحدة. المخزومي، مولاهم المكي ثقة، روى له الجميع إمام في التفسير، وفي العلم تابعي وسط. مات سنة إحدى، أو اثنتين، أو ثلاث، أو أربع ومائة، وله ثلاث وثمانون سنة، (في) تفسير (قوله تعالى: ﴿الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين﴾ [الشعراء: ٢١٩]، أي: المصلين، (قال كان عَّ: يرى من) بفتح الميم موصول. (خلفه من الصفوف، كما يرى من) . بفتح الميم. الذي (بين يديه،) ووجه إدخال ذا الحديث المرسل في تفسير الآية، أن أخباره برؤيته، يتصفح أحوالهم، يستدعي أنه يراهم، سواء كانوا خلفه، أو أمامه، قربوا منه، أو بعدوا، (رواه الحميدي) عبد اللَّه بن الزبير بن عيسى القرشي، الأسدي، المكي، أبو بكر، الثقة، الحافظ، الفقيه، أجل أصحاب ابن عيينة، جالسه تسع عشرة سنة، وروى عن خلق سواء، وعنه البخاري وخلائق. قال الحاكم: كان البخاري إذا وجد الحديث عن الحميدي لا يعدوه إلى غيره. مات سنة تسع عشرة ومائتين، وقيل بعدها. (في مسنده) مرسلاً عن مجاهد: فليس مجرد استنباط، وفهم من الآية، كما يوهم، (وابن المنذر،) الحافظ، العلامة، الفقيه محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، شيخ الحرم، كان غاية في معرفة الخلاف، والدليل مجتهد ألاَّ يقلد أحدًا مات بمكة سنة ثمان عشرة وثلاثمائة، (في تفسيره) أحد تصانيفه التي لم يصنف مثلها، (وهذه الرؤية) المذكورة في حديث ابن عباس، وعائشة، وأبي هريرة، وأنس، ومجاهد، (رؤية إدراك،) إبصار حقيقي، خاص به عليّ، انخرقت له فيه العادة، (والرؤية) من حيث هي، لا بقيد وصف المصطفى بها، (لا تتوقف على ٢٦٦ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وجود آلتها التي هي العين عند أهل الحق ولا شعاع ولا مقابلة، وهذا بالنسبة إلى القديم العالي، أما المخلوق فتتوقف صفة الرؤية في حقه على الحاسة والشعاع والمقابلة بالاتفاق، ولهذا كان خرق عادة في حقه عليه الصلاة والسلام، وخالق البصر في العين قادر على خلقه في غيرها. قال الحرالي: وهذه الآية قد جعلها الله تعالى دالة على ما فى حقيقة أمره في الاطلاع الباطن لسعة علمه، ومعرفته لما عرف بربه لا بنفسه أطلعه على ما بين يديه مما تقدم من أمر الله، وعلى ما وراء الوقت وجود آلتها، التي هي العين عند أهل الحق، ولا) تتوقف على وجود (شعاع،) وهو بالجر عطف على آلتها، (ولا) على (مقابلة، وهذا) الإدراك المفسر بذلك إنما هو (بالنسبة إلى القديم العالي،) ولعل قصده الرد على من زعم أنه كان يدرك ذلك بلا رؤية أصلاً، بل بمجرد العلم، إما بأن يوحى إليه كيفية فعلهم، وإما بأن يلهم، كما يأتي. قال الحافظ: وفيه نظر، لأن العلم لو كان مرادًا لم يقيده بقوله من وراء ظهري، انتهى، فلا يقال لا مناسبة في إيراد ما يتعلق به تعالى في ذا المقام. (أما المخلوق، فتتوقف صفة الرؤية في حقه على الحاسة، والشعاع، والمقابلة بالاتفاق، ولهذا كان) ما ذكر من أبصار، من وراء ظهره (خرق عادة في حقه عليه الصلاة والسلام، وخالق البصر في العين قادر على خلقه في غيرها،) فيجوز أنه سبحانه خلق فيه قوَّة البصر في غيرها، فيدرك من خلفه بآلة في، أي: محل من جسده، وهذا بناه المصنف على مجرد الجواز، وهو لا يستلزم الوقوع، فلا ينافي ما يأتي أن الأقعد حمله على الإدراك من غير آلة. (قال الحرالي:). بفتح المهملة، والراء، وشد اللام. نسبة إلى قبيلة بالبربر، واسمه علي بن أحمد بن الحسن، ذو التصانيف المشهورة، (وهذه الآية قد جعلها اللَّه تعالى دالة على ما في حقيقة أمره في الاطلاع الباطن،) أي: الخفي (لسعة علمه، ومعرفته، لما) . بشد الميم. (عرف) الناس . بشد الراء. (بربه،) بأن بلغهم أنه إله واحد في ذاته وصفاته، مستحق لأن يعبد، وغير ذلك مما يليق به، (لا بنفسه،) أي: لم يعرفهم بما اشتملت عليه ذاته من الكمالات، (أطلعه) جواب لما، أي: جوزي بأن أطلعه، ويحتمل خفة راء عرف، أي: لما عرف الأحكام الشرعية بالوحي، لا بنفسه، فلم يستقل بأخذ حكم يليق بحال البشر، جوزي بأن أطلعه اللَّه (على ما بين يديه)،) أي: الأمور الحاضرة عنده، ولا ينافيه قوله (مما تقدم من أمر اللّه،) لأن التعليق التنجيزي بالأمور الحاضرة عنده، حاصل قبل علمه عَّ بها، ويحتمل أن يريد بما بين يديه ما لم يتأخر عن الوقت الذي هو فيه، فيشمل الحاضر والماضي من الأمور التي أطلعه اللَّه عليها، (وعلى ما وراء الوقت، ٢٦٧ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته مما تأخر من أمر الله، فلما كان على ذلك من الإحاطة في إدراك مدركات القلوب جعل الله تعالى له عَّ مثل ذلك في مدركات العيون، فكان يرى المحسوسات من وراء ظهره كما يراها من بين يديه كما قال عبد الله. انتهى. ومن الغريب ما ذكره الزاهدي يختيار محب بن محمود، شارح القدوري في رسالته الناصرية أنه عٍَّ كان له بين كتفيه عينان كسم الخياط يبصر بهما، ولا تحجبهما الثياب وقيل: بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته كما تنطبع في المرآة أمثلتهم فيها، فيشاهد أفعالهم، وهذا إن كان نقلاً عن الشارع عليه الصلاة والسلام بطريق صحيح فمقبول وإلا فليس المقام مقام رأي، على أن الأقعد في إثبات كونه معجزة حملها على الإدراك من غير آلة والله أعلم. مما تأخر من أمر اللَّه،) من كل ما يكون إلى يوم القيامة، (فلما كان على ذلك من الإحاطة في إدراك مدركات القلوب، جعل اللَّه تعالى له عَِّ مثل ذلك في مدركات العيون، فكان يرى المحسوسات من وراء ظهره، كما يراها من بين يديه، كما قال عَّه، انتهى) كلام الحرالي، وحاصله، كما قال بعضهم: إنه من قبيل الكشف له عن المرئيات، فهو من الخوارق، (ومن الغريب) الذي لا يعرف (ما ذكره الزاهدي). بزاي ودال مهملة. (يختيار،) كذا في النسخ، وفي بعضها باختيار (محب،) وكتب عليه بهامش، بخت بموحدة، ومعجمة سعد ويار، صاحب على طريق العجم من تقديم المضاف إليه على المضاف، وليس بشيء، فالذي في طبقات الحنفية لأبي الوفاء الغزميني في حرف الميم، مختار (بن محمود) بن محمد، أبو الرجاء الغزميني، بمعجمتين، نسبة إلى قصبة من خوارزم، يلقب نجم الدين، (شارح القدوري،) بضمتين، نسبة إلى بيع القدور، شرحًا نفيسًا. مات سنة ثمان وخمسين وستمائة، (في رسالته) التي سماها (الناصرية، أنه مَِّ كان له بين كتفيه عينان، كسم الخياط). بفتح السين وضمها. ثقب الإبرة، (يبصر بهما، ولا تحجبهما الثياب،) ونوزع بأنه لا يصح كيف، ولو أن إنسانًا كان له عينان في قفاه، لكان أقبح شيء، وانتصر له بعضهم، بأن الظاهر أن مثله لا يقال بالرأي، (وقيل: بل) معناه أنه (كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته، كما تنطبع في المرآة، فيرى أمثلتهم فيها، فيشاهد أفعالهم، وهذا) المذكور من القولين، (إن كان نقلاً عن الشارع عليه الصلاة والسلام، بطريق صحيح، فمقبول،) ويكون أيضًا من الخوارق، (وإلاَّ) بأن كان رأيًا في فهم الحديث، (فليس المقام مقام رأي) فلا يقبل لما فيه من إثبات، ما لم يرد (على أن الأقعد في إثبات كونه معجزة، حملها على الإدراك من غير آلة،) لأنه الظاهر من الحديث، (والله أعلم) بما في الواقع. ٢٦٨ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وقد ذهب بعضهم إلى أن هذه الرؤية رؤية قلبه الشريف. وعن بعضهم: المراد بها العلم إما بأن يوحي إليه كيفية فعلهم أو بأن يلهم، والصحيح والصواب ما تقدم. وقد استشكل على قول من يقول: إن المراد بذلك العلم، ما ذكره ابن الجوزي في بعض كتبه بغير إسناد: أنه عَِّ قال: إني لا أعلم ما وراء جداري هذا. فإن صح فالمراد منه نفي العلم بالمغيبات، (وقد ذهب بعضهم،) في معنى الحديث (إلى أن هذه الرؤية رؤية قلبه الشريف،) وهو خلاف الظاهر أيضًا، (وعن بعضهم المراد بها العلم، إما بأن يوحى إليه كيفية) صفة (فعلهم، أو بأن يلهم،) وهو من الوحي أيضًا، ومر تنظير الحافظ فيه؛ بأنه لو كان مرادًا، لم يقيد بقوله من وراء ظهري، وفي الشفاء الظواهر تخالفه، أي: هذا التأويل، ولا إحالة في ذلك، وهي من خواص الأنبياء، كما أخبرنا عبد الله بن أحمد العدل، فذكر إسناده عن أبي هريرة، عن النبي عَ له، قال: (لما تجلى اللَّه لموسى، كان يبصر النملة على الصفا في الليلة الظلماء مسيرة عشرة فراسخ))، ولا يبعد أن يخص نبينا بذلك بعد الإسراء، والخطوة بما رأى من آيات ربه الكبرى، انتهى، ولذا قال: (والصحيح والصواب ما تقدم) من أنه الإدراك من غير آلة، وقيل: المراد أنه يرى من عن يمينه، ومن عن يساره، ممن تدركه عينه، مع التفات يسير في النادر، ويوصف من هو هناك؛ بأنه وراء ظهره. قال الحافظ: وهذا ظاهر التكلف، وفيه عدول عن الظاهر بلا موجب، والصواب المختار أنه محمول على ظاهره، وإن هذا الإبصار إدراك حقيقي خاص به عَّة، انخرقت له فيه العادة، وعلى هذا عمل البخاري، فأخرج هذا الحديث، أي: حديث هل ترون قبلتي الخ .... في علامات النبوّة، وكذا نقل عن الإمام أحمد وغيره، ثم ذلك الإدراك يجوز أن يكون برؤية عينه، انخرقت له العادة فيه أيضًا، فكان يرى من غير مقابلة، لأن الحق عند أهل السنة أن الرؤية لا يشترط لها عقلاً، عضو مخصوص، ولا مقابلة، ولا قرب، وإنما تلك أمور عاديه، يجوز حصول الإدراك مع عدمها عقلاً، ولذلك حكموا بجواز رؤية اللَّه تعالى في الآخرة، خلافًا لأهل البدع، لوقوفهم مع العادة انتهى. (وقد استشكل على قول من يقول: إن المراد بذلك العلم ما ذكره) نائب فاعل استشكل، يعني إذا بنى على أن الرؤية هي العلم بلا إبصار، يشكل ما ذكره (ابن الجوزي في بعض كتبه بغير إسناد؛ أنه عٍَّ، قال: إني لا أعلم ما وراء جداري هذا، فإن صح، فالمراد منه نفي العلم بالمغيبات،) لا خصوص ما وراء الجدار، فهو مناقض لقوله: إني لأراكم، أي: ٢٦٩ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته فکیف یجتمعان؟ وأجيب: بأن الأحاديث الأَوَل ظاهرها ينطق باختصاص ذلك بحالة الصلاة، ويحمل المطلق منها على المقيد. وأما إذا ذهبنا إلى أن الإدراك بالبصر وهو الصواب فلا إشكال، لأن نفي العلم هنا عن الغيب وذاك عن مشاهدة. وفي ((المقاصد الحسنة)) للحافظ شمس الدين السخاوي حديث: ما أعلم ما خلف جداري هذا. قال شيخنا - يعني شيخ الإسلام ابن حجر -: لا أصل له. قلت: ولكنه قال في تلخيص تخريج أحاديث الرافعي عند قوله في الخصائص: ويرى من وراء ظهره كما يرى من قدامه. هو في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس وغيره، والأحاديث الواردة في ذلك أعلمكم من وراء ظهري، وهو مغيب، فيصير المعنى أعلم المغيبات، ولا أعلمها، (فكيف يجتمعان،) فمبنى التناقض على تفسيره بالعلم، إذ لو فسر عدم التناقض بما وراء الجدار المشار إليه، لم يتحقق تناقض، (وأجيب بأن الأحاديث، الأول ظاهرها ينطق باختصاص ذلك بحالة الصلاة، ويحمل المطلق منها على المقيد) بحالة الصلاة، فقوله لا أعلم ما وراء جداري، معناه في غير الصلاة، فلا إشكال، (وأما إذا ذهبنا إلى أن الإدراك بالبصر، وهو الصواب، فلا إشكال، لأن نفي العلم هنا) في خبر الجدار (عن الغيب، وذاك) الذي هو قوله: إني لأراكم من وراء ظهري (عن مشاهدة،) فلم يتواردا على محل، وأيضًا، فعدم رؤية ما وراء الجدار، لا ينافي الرؤية بلا حائل، وأورد على حديث الرؤية أيضًا قوله عَّه: ((أيكم الذي ركع دون الصف))، فقال أبو بكر: أنا إذا لو كان يرى ما سأل، وأجاب ابن عبد البر؛ بأن قصة أبي بكر كانت قبل أن فضله اللَّه بهذه الفضيلة، فإن شؤونه عَ لِ تتزايد دائمًا. وفي أبي داود عن معوية ما يدل على أن ذلك كان في آخر عمره، (وفي المقاصد الحسنة،) في بيان كثير من الأحاديث المشهورة على الألسنة، (للحافظ شمس الدين) محمد بن عبد الرحمن، (السخاوي))) شيخ المصنف، نسبة إلى سخا، من أعمال مصر، على غير قياس، (حديث ما أعلم ما خلف جداري هذا). (قال شيخنا: يعني شيخ الإسلام ابن حجر). الحافظ أبو الفضل العسقلاني (لا أصل له، قلت: ولكنه)،) أي الحافظ نفسه، (قال في تلخيص تخريج أحاديث الرافعي،) الواقعة في شرحه على وجيز الغزالي، في الفقه، (عند قوله في الخصائص، ويرى من وراء ظهره، كما يرى من قدامه، هو) بمعناه (في الصحيحين، وغيرهما من حديث أنس وغيره، والأحاديث الواردة بذلك ٢٧٠ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته مقيدة بحالة الصلاة وبذلك يجمع بينه وبين قوله: لا أعلم ما وراء جداري هذا. انتھی. قال شيخنا، وهذا مشعر بوروده، وعلى تقدير وروده لا تنافي بينهما لعدم تورادهما على محل واحد. فإن قيل يشكل على هذا - أيضًا - إخباره علّه بكثير من المغيبات التي في زمنه وبعده، ووقعت كما أخبر عَّ له. فالجواب: إن نفي العلم في هذا ورد على أصل الوضع، وهو أن علم الغيب مختص بالله مقيدة بحالة الصلاة،) كذا جزم به في التخريج، وجعله في فتح الباري ظاهرًا فقط، وقابله بإحتمال الإطلاق، وأنه منقول عن مجاهد، (وبذلك يجمع بينه وبين قوله: لا أعلم ما وراء جداري هذا، انتهى) كلام الحافظ في التخريج. (قال شيخنا،) يعني السخاوي: (وهذا مشعر بوروده،) فينافي قوله: لا أصل له، فهو تناقض منه، ويمكن أن مراده لا أصل له معتبر لكونه ذكر بلا إسناد، لا أن مراده بطلانه، (وعلى تقدير وروده، لا تنافي بينهما، لعدم تواردهما على محل واحد،) إذ الظاهر من الثاني؛ أن معناه نفي علم المغيبات، مما لم يعلم به عَُّلّه، قد أخبر بمغيبات كثيرة كانت وتكون، وحينئذ، فهو نظير لا أعلم إلاَّ ما علمني اللَّه، ولكن مشى ابن الملقن، وقلده شيخنا على أن معناه نفي رؤية من خلفه، ومع ذلك، فلا تنافي بينهما أيضًا، أن مشينا على ظاهر الأول من تقييده بالصلاة لكونه فيها، لا حائل بينه وبين المأمومين، وإن كان ابن الملقن لم ينظر لهذا، بل جعل الأول مقيدًا للثاني، والظاهر ما قلته، أما على قول مجاهد: إن ذلك كان واقعًا في جميع أحواله عَ له، فلا على أن بعضهم زعم أن المراد بالأول خلق علم ضروري له بذلك، والمختار حمله على الحقيقة، ولذا، قال ابن المنير: لا حاجة إلى التأويل، فإنه في معنى تعطيل، لفظ الشارع من غير ضرورة. وقال القرطبي: حمله على ظاهره أولى، لأن فيه زيادة في كرامته عَّه، فإن قيل: قد روى أنه عَّ ورد عليه وفد عبد القيس، وفيهم غلام وضيء، فاقعد وراء ظهره، فالجواب أنه مع كونه روى مسندًا ومرسلاً، والحكم عليه بالنكارة فعله معَ ◌ّه، إن صح، كما قال ابن الجوزي: ليسن، أو لأجل غيره، وقد أطلت الكلام على هذا الحديث في بعض الأجوبة. انتهى كلام المقاصد، وإن تكرر فيه بعض ما تقدم لما فيه من الفوائد، (فإن قيل: يشكل على هذا أيضًا إخباره مَ ◌ّه بكثير من المغيبات التي في زمنه وبعده،) كفتح الأمصار، وغير ذلك، (ووقعت كما أخبر عَّه، فالجواب أن نفي العلم في هذا، ورد على أصل الوضع، وهو أن علم الغيب، مختص باللّه ٢٧١ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته تعالى، وما وقع منه على لسان نبيه عَّه وغيره فمن الله تعالى، إما بوحي أو إلهام، ويدل على ذلك الحديث الذي فيه: أنه لما ضلت ناقته عَّ تكلم بعض المنافقين وقال: إن محمدًا يزعم أنه يخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال ◌َّ لما بلغه ذلك: والله إني لا أعلم إلا ما علمني ربي، وقد دلني الله عليها وهي في موضع كذا وكذا، حبستها شجرة بخطامها فذهبوا فوجدوها كما أخبر مَّدِ. فصح أنه لا يعلم ما وراء جداره ولا غيره إلا ما أعلمه ربه تبارك وتعالى. وذكر القاضي عياض في الشفاء أنه عَِّ كان يرى في الثريا أحد عشر نجمًا، وعند السهيلي، اثني عشر. تعالى،) كما قال عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا إلاّ من ارتضى من رسول، (وما وقع منه على لسان نبيه عَّةٍ وغيره، فمن اللَّه تعالى، إما بوحي) على يد لملك، أو منام (أو إلهام،) وهو من الوحي، (ويدل على ذلك الحديث الذي فيه أنه لما ضلت ناقته،) غابت وخفیت، فلم يهتد إليها، وهي القصواء، حين كان سائر إلى غزوة تبوك (عَّ، تكلم بعض المنافقين،) وهو زيد بن اللصيت، (وقال: إن محمدًا يزعم أنه يخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته، فقال ◌َِّ لما بلغه ذلك) بإخبار اللَّه له بوحي، أو إلهام، لا مبلغ من الناس، كما في الحديث: ((والله إني لا أعلم إلا ما علمني ربي)))) فإخباري بأمر السماء إنما هو بتعليم اللَّه، والنبي لا يعلم كل غيب. قال: ذلك رد الزعم المنافق؛ أنه لو كان نبيًا، لعلم مكان ناقته، (وقد دلني الله عليها، وهي في موضع كذا وكذا،) لشعب عينه لهم، وأشار لهم إليه (حبستها،) منعتها (شجرة بخطامها) بزنة كتاب، وفي رواية بزمامها، (فذهبوا، فوجدوها، كما أخبر عَّله،) فجاؤوا بهما، (فصح أنه لا يعلم ما وراء جداره، ولا غيره، إلاَّ ما أعلمه ربه تبارك وتعالى،) فإن ثبت الحديث، فلا إشكال عليه. (وذكر القاضي عياض في الشفاء) بلفظ، وحكى عنه (أنه عٍَّ كان يرى في الثريا أحد عشر نجمًا،) أي: ليلاً أو ليلاً ونهارًا، لما مر أن رؤيته فيهما سواء. (وعند السهيلي اثني عشر،) وجزم القرطبي بالأول، وقال في مناهل الصفاء: هذا لم يوجد في شيء من كتب الحديث، ونحوه قول الحيضري ما ذكره القرطبي والسهيلي: لم أقف له على سند، ولا أصل يرجع إليه، والناس يذكرون أنها لا تزيد على تسعة أنجم، فيما يرون انتهى، وهذا عجيب مع قول التلمساني جاء في حديث ثابت عن العباس، ذكره ابن أبي خيثمة ٢٧٢ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وفي حديث أبي هالة: وإذا التفت التفت جميعًا خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء جل نظره الملاحظة. وهي مفاعلة من اللحظ: وهو النظر بشق العين الذي يلي الصدغ، وأما الذي يلي الأنف فالمؤق والماق. وقوله: وإذا التفت التفت جميعًا أراد أنه لا يسارق اهـ، والثريا مصغر ثروى من الثروة، وهي الكثرة. قال في مناهج الفكر: ستة أنجم صغار طمس، يظنها من لا معرفة له، سبعة مجتمعة بينها نجوم صغار، كالرشاش، وحكى أنها اثنا عشر نجمًا، لم يتحقق الناس منها غير ستة، أو سبعة، ولم ير جميعها غير النبي عَّهِ لقوَّة جعلها اللَّه في بصره، والنجم علم عليها بالغلبة، كالكوكب للزهرة. (وفي حديث أبي هالة: وإذا التفت التفت جميعًا،) جملة شرطية، معطوفة على الشرطية الأولى، وهي قوله: إذا زال زال قلعًا، (خافض) من الخفض، ضد الرفع (الطرف،) أي: إذا نظر إلى شيء، خفض بصره، ولا ينظر إلى الأطراف والجوانب بلا سبب، بل لم يزل مطرقًا؛ متوجهًا إلى عالم الغيب، مشغولاً بحاله، متفكرًا في أمور الآخرة، لأن هذا شأن المتواضع، وهو متواضع سليقة، وشأن المتأمل، المتفكر، المشتغل بربه، وقيل: هو كناية عن شدة حيائه، أو لين جانبه، أو عدم كثرة سؤاله واستقصائه إلاّ في واجب، وأردفه بما هو، كالتفسير له، أو التأكيد، فقال: (نظره إلى الأرض) حال السكوت، وعدم التحدث (أطول،) أي: أكثر (من نظره إلى السماء))) لأنه أجمع للفكرة، وأوسع للإعتبار، لاشتغاله بالباطن، وأعمال جنانه فيما بعث لأجله، أو لكثرة حيائه وأدبه مع ربه، أو لأنه بعث لتربية أهل الأرض، لا أهل السماء، والأول أحسن، والنظر . بفتحتين. تأمل الشيء بالعين، كما في الصحاح، وبالتقييد بعدم التحدث لا ينافي رواية أبي داود، كان إذا جلس يتحدث، يكثر أن يرفع طرفه إلى السماء، أو يحمل الإكثار على الحقيقي، لا الإضافي، وقيل: أكثر، لا ينافي الكثرة (جل نظره). بضم الجيم، أي: معظمه، وأكثره (الملاحظة، وهي مفاعلة من اللحظ، وهو النظر بشق العين، الذي يلي الصدغ،) وهو لحاظ العين . بالفتح، أي: مؤخره، أي أن أكثر نظره في غير أوان الخطاب الملاحظة، فلا ينافي قوله: وإذا التفت التفت جميعًا، وتطلق الملاحظة أيضًا لغة على المراقبة والمراعاة، وتفسيره بهذا أنسب وأكمل بمفرمه عَّ له، وقيل: المراد أن نظره إلى الأشياء لم يكن كنظر أهل الحرص إلى الدنيا وزخرفها، امتثالاً لأمر ربه بقوله: ﴿ولا تمدن عينيك﴾ [الحجر: ٨٨] الآية. (وأما الذي يلي الأنف فالمؤق) . بالهمز. (والماق) . بالألف، (وقوله: وإذا التفت التفت جميعًا،) وفي رواية جمعًا كضربا، نصب على المصدر أو الحال، (أراد أنه لا يسارق النظر، ٢٧٣ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته النظر، وقيل: لا يلوي عنقه يمنة ولا يسرة إذا نظر إلى الشىء، وإنما يفعل ذلك الطائش الخفيف ولكن كان يقبل جميعًا ويدبر جميعًا. قاله ابن الأثير. وعن علي قال: كان رسول الله عَّ عظيم العينين، أهدب الأشفار، مشرب العين بحمرة، رواه البيهقي. وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله عَ ليه ضليع الفم أشكل العينين منهوس القدمين، رواه مسلم. والشكلة: الحمرة وقيل: لا يلوي عنقه يمنة، ولا يسرة إذا نظر إلى الشيء، وإنما يفعل ذلك الطائش الخفيف،) صفة كاشفة، فالطيش لغة الخفة، (ولكن كان يقبل جميعًا، ويدبر جميعًا؛ قاله ابن الأثير) في النهاية. (وعن علي) بن أبي طالب رضي اللَّه عنه، (قال: كان رسول اللَّه عَِّ عظيم العينين،) أي: شديد اتساعهما، فهو بمعنى رواية الترمذي وغيره عن علي أدعج العينين، قال الجوهري: الدعج محركًا شدة سواد العين مع سعتها (أهدب الأشفار،) جمع شفر بالضم وتفتح، وهي حروف الأجفان التي ينبت عليها الشعر، أي: الهدب، وإيهامه أن الأشغار هي الأهداب غير مراد، فقد قال ابن قتيبة: العامة تجعل أشفار العين الشعر وهو غلط، وفي المغرب، وغيره لم يذكر أحد من الثقات، أن الأشفار والأهداب، فهو إما على حذف مضاف، أي: الطويل شعر الأشفار، أو سمى النابت باسم المنبت للملابسة، (مشرب العين) بصيغة اسم المفعول مخففًا، ومشددًا (بحمرة،) وهي عروق حمر رقاق من علاماته في الكتب السابقة (رواه البيهقي). (وعن جابر بن سمرة). بضم الميم وإسكانها، (قال: كان رسول اللَّه ◌َّه ضليع الفم) - بفتح الضاد المعجمة. عظيمة، أو واسعة، ولذا كان يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، والعرب تذم ضيقه، وتمدح سعته لدلالته على قوَّة الفصاحة، وقيل: هو كناية عن فصاحته، وقيل: المراد ذبول * شفتيه ورقتهما وحسنهما، وكما تتمدح العرب بعظم الفم، تتمدح بكثرة ريقه عند المقامات والخطب والحروب، لدلالته على ثبات الجنان، بخلاف الجبان، فيجف ريقه في هذه المحافل، (أشكل العينين) بالتثنية، وفي نسخة العين: بالإفراد على إرادة الجنس (منهوس) . بسين مهملة، وفي رواية: معجمة، والمعنى واحد، أي: قليل لحم (القدمين). وفي رواية العقب بفتح، فكسر مؤرخ القدم، وفي القاموس: المنهوس من الرجال، قليل اللحم، ومنهوس القدمين معرفهما، (رواه مسلم) والترمذي، (والشكلة). بضم الشين. (الحمرة ٢٧٤ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته تكون في بياض العين وهو محمود محبوب، وأما الشهلة: فإنها حمرة في سوادها. وهذا هو الصواب: لا ما فسره به بعضهم، بأنه طول شق العين. وعند الترمذي في حديث عن علي، أنه نعت رسول الله عَّ فقال: كان في وجهه تدوير أبيض مشرب بحمرة، أدعج العينين، أهدب الأشفار. والأدعج: الشديد سواد الحدقة. تكون في بياض العين،) يقال: ماء أشكل إذا خالطه دم، (وهو محمود، محبوب،) قال الشاعر: ولا عيب فيها غير شكلة عينها كذاك عناق الخيل شكل عيونها قال الحافظ العراقي: وهي إحدى علامات نبوَّته عَُّلِّ، ولما سافر مع ميسرة إلى الشام سأل عنه الراهب ميسرة، فقال في عينيه حمرة، فقال: ما تفارقه، قال الراهب هو هو، (وأما الشهلة) . بضم الشين، وإسكان الهاء (فإنها حمرة في سوادها) ولم ترد في وصفه عليه السلام، وإنما ذكر معناها كغيره للفرق بينها وبين الشكلة الواردة، (وهذا) التفسير للشكلة (هو الصواب) المعروف في كتب اللغة، والغريب (لا ما فسر به بعضهم،) وهو سماك بن حرب، راويه عن جابر؛ (بأنه طول شق العين). قال عياض: هو وهم من سماك، باتفاق العلماء، وغلط ظاهر، فقد اتفق العلماء وأصحاب الغريب، أن الشكلة حمرة في بياض العين، كالشهلة في سوادها، انتهى لفظ عياض، وما في الشارح عنه مقلوب، (وعند الترمذي في حديث عن علي أنه نعت) وصف (رسول اللَّه عَلَّةٍ، فقال: كان في وجهه تدوير،) بالتنكير للنوعية، أو التقليل، أي: شيء قليل منه، كما مر (أبيض) بالرفع، أي: هو أبيض، فهي جملة مستقلة على نمط تعديد النعت، (مشرب بحمرة،) بصيغة اسم المفعول، مخففًا ومثقلاً للتكثير، والمبالغة من الإشراب، وهو خلط لون بلون (أدعج العينين) - بمهملة وجيم، أي: شديد سواد الحدقة مع سعتها، فلا يشكل بأنه أشكل، لأن الشكلة في البياض لا في السواد، (أُهدب الأشفار،) جمع شفر بالضم، وقد تفتح، (والأدعج: الشديد سواد الحدقة) من الدعج - بفتحتين، أي: مع اتساعها، كما في الصحاح وغيره. وفي النهاية الدعج السواد في العين وغيرها، وقيل: شدة بياض البياض، وسواد السواد، وكأن من عارض رواية أدعج برواية أشكل، بناه على ذا القول، وإلا فالشكلة في البياض، لا في السواد، فلا إشكال على التفسيرين الأولين، ودعوى أن الدعج زرقه في بياض لقوله: يا رب إن العيون السود قد فتكت فينا وصالت بأسياف من الدعج لأن السيوف زرق، ردت بأن المراد تشبيهها بالسيوف في فتكها لا في لونها، فإنه أبيض وزرق، إنما يقال للسهام، كما قال امرؤ القيس: ٢٧٥ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته والأهدب: الطويل الأشفار: وهي شعر العين. وعنده - أيضًا - عن علي قال: كان أسود الحدقة أهدب الأشفار. وعن علي: بعثني النبي عَّهِ إلى اليمن لأخطب يومًا على الناس، وحبر من أحبار اليهود واقف بيده سفر ينظر فيه، فلما رآني قال: صف لي أبا القسم، فقلت: ليس بالطويل البائن ولا بالقصير. الحديث، وفيه: قال علي: ثم سكت، فقال الحبر: وماذا؟ قلت: هذا ما يحضرني، قال الحبر: في عينيه حمرة حسن اللحية، ثم قال علي: هذه والله صفته، قال الحبر: فإني أجد هذه الصفة في سفر آبائي، وإني أشهد أنه نبي وأنه رسول الله إلى الناس كافة. الحديث. وأما سمعه الشريف فحسبك أنه قد قال أتقتلني والمشرفي مضاجعي ومسئونة زرق كأنياب أغوال (والأهدب الطويل الأشفار، وهي شعر العين) فسره على ظاهره، وتقدم أنه ليس بمراد، وأنه إما على حذف مضاف، أي: مغارز شعر العين، أو من تسمية الحال، وهو الشعر باسم المحل، وما في الشرح مقلوب، فلا ينافي قول ابن قتيبة العامة، تجعل أشفار العين الشعر، وهو غلظ، إنما هي حروف العين التي ينبت عليها الشعر، فكأن لسان حال المصنف يقول ما قيل في الحديث، يقال على تفسيري، (وعن علي بعثني النبي عَّه إلى اليمن لأخطب يومًا على الناس،) أعظهم وأذكرهم، ليتمكن إيمان من آمن، ويؤمن من لم يكن آمن، فخطبت (وحبر). بفتح الحاء وكسرها. لغتان مشهورتان عالم (من أحبار يهود، واقف بيده سفر) - بكسر السين. كتاب كبير (ينظر فيه، فلما رآني، قال: صف لي أبا القسم) عَّ؟ (فقلت: ليس بالطويل البائن) بالهمز، وقراءته بالياء غلط. قال في النهاية، أي: المفرط طولاً، الذي بعد عن قدر الرجال الطوال، وقال في فتح الباري: اسم فاعل من بان، أي ظهر على غيره، أو فارق من سواه، (ولا بالقصير،) أي البائن، بل هو ربعة، ولكنه إلى الطول أقرب (الحديث، وفيه قال علي، ثم سكت، فقال الحبر: وماذا قلت هذا ما يحضرني) من صفته الآن، (قال الحبر: في عينيه) بالتثنية (حمرة حسن اللحية، ثم قال علي: هذه واللَّه صفته، قال الحبر: فإني أجد هذه الصفة) التي وصفتها يا علي، والتي ذكرتها أنا، فتذكرتها، وحلف أنها صفته (في سفر آبائي، وإني أشهد أنه نبي، وأنه رسول اللَّه إلى الناس كافة الحديث،) فذكر منه مقصوده هنا، وهو أن جمرة عينيه من آيات نبوّته في الكتب السابقة، (وأما سمعه الشريف، فحسبك أنه قد قال) خير حسبك، والرابط بينهما محذوف، دل ٢٧٦ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته عَّ ◌ُله: إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ليس فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله تعالى رواه الترمذي من رواية أبي ذر. عليه المقام، أي: كافيك في بيان كماله ووصوله إلى ما لم يصل إليه غيره قوله (عَّ: ((إني أرى ما لا ترون))،) لما أعطاه اللَّه تعالى من قوّة البصر. قال في الشفاء: والأحاديث كثيرة، صحيحة في رؤيته عَِّ الملائكة والشياطين، ورفع النجاشي له حتى صلى عليه، وبيت المقدس حتى وصفه لقريش، والكعبة حين بنى مسجده، وحكى عنه أنه كان يرى في الثريا أحد عشر نجمًا، وهذه كلها محمولة على رؤية العين، وهو قول ابن حنبل وغيره، وذهب بعضهم إلى ردها إلى العلم، والظواهر تخالفه، ولا إحالة في ذلك، وهي من خواص الأنبياء انتهى. ونازعه السيوطي في رفع النجاشي؛ بأنه لم يجده في كتب الحديث، وإنما الوارد فيها أنه رفع إليه ملغوية المزني، حتى صلى عليه، والنبي عَّه بتبوك، أخرجه أبو يعلى والبيهقي عن أنس انتهى، والمصنف ذكر هذا الحديث بتمامه، وإن كان غرضه منه قوله: (وأسمع ما لا تسمعون،) فهو صريح في قوَّة سمعه، وقوي ذلك بقوله: (أُطت السماء). بفتح الهمزة، وشد الطاء. صاحت وصوتت من ثقل ما عليها من ازدحام الملائكة، وكثرة الساجدين فيها، منهم من الأطيط، وهو صوت الرحل والإبل منحمل أثقالها وأل للجنس، ومعنى الحديث: وأنا سمعت ذلك لقوله في الحديث التالي: إني لأسمع أطيط السماء، (وحق) . بفتح الحاء وضمها. على ما يفيده القاموس، فالضم من حق لك فعل كذا، والفتح من وقع ووجب، (لها أن تئط) . بفتح الفوقية، وكسر الهمزة، وشد الطاء، أي: تصوت، والجملة حالية أو معترضة، لبيان أنه لا ينكر أطيطها، ولا يستغرب، وذلك لأنه (ليس فيها موضع أربع أصابع،) وهذه الرواية مبنية، أن قوله في رواية حكيم موضع شبر، أي: ولا أقل منه (إلا وملك واضع جبهته،) استعارة، أو حقيقة في البعض، كذا، قيل (ساجدًا للَّه تعالى). وفي رواية: إلا وفيه جبهة ملك، ساجد يسبح اللَّه ويحمده، وقد ادعى ابن الأثير أن أطيط السماء مثل وإيذان بكثرة الملائكة، وإن لم يكن أطيط، وإنما هو كلام تقريبي، أريد به تعزيز عظمة اللَّه تعالى، ونظر فيه الشامي بقوله: إني لأسمع أطيط السماء، فالظاهر حمله على الحقيقة؟ فإنه أمر ممكن، ولا يتم الدليل إلا به، وألفاظه عَّه يجب بقاؤها على ظاهرها إلاَّ لمانع، ولا مانع هنا، فكيف إذا كان الصرف على الظاهر يفرَّت المقصود، (رواه الترمذي،) وأحمد، وابن ماجه، والحاكم، وصححه، كلهم (من رواية أبي ذر،) عنه عَّه بزيادة: ((واللَّه لو تعلمون ما أعلم ٢٧٧ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وما رواه أبو نعيم عن حكيم بن حزام، بينما رسول الله عَّ ◌ُله في أصحابه إذا قال لهم: تسمعون ما أسمع؟ قالوا: ما نسمع من شىء، قال إني لأسمع أطيط السماء، وما تلازم أن تئط وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم. لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات، تجأرون إلى اللَّه))، (وما رواه أبو نعيم،) عطف على أنه قد قال، أي: وحسبك رواية أبي نعيم، (عن حكيم) - بفتح الحاء وكسر الكاف. (ابن حزام) . بكسر المهملة وبالزاي. ابن خويلد بن أسد، بن عبد العزى، بن قصي القرشي، الأسدي، أبو خالد المكي، ابن أخي خديجة، أم المؤمنين، أسلم يوم الفتح، وصحب له أربع وسبعون سنة، وروى أحاديث في الكتب الستة وغيرها، وكان عالمًا بالنسب، وولد في جوف الكعبة، وعاش إلى سنة أربع وخمسين، أو بعدها، قال: (بينما رسول اللَّه ◌ٍِّ في أصحابه إذ قال لهم: ((تسمعون ما أسمع)؟) أي: أتسمعون، فهمزة الإستفهام التقديري مقدرة، (قالوا: ما نسمع من شيء،) زائد على ما جرت العادة بسماعه، وأما أنت، فلا نصل إلى ما تسمع، ففيه حذف الصفة، فلا يرد أن جوابهم بنكرة منفية، لا يلاقي سؤاله، فكان حقهم أن يقولوا: لم نسمع ما تسمع، وعدلوا عن هذا لئلا يقتضي أنهم علموا ما سمع، لكن بغير السمع، وهو غير واقع، (قال: إني لأسمع أطيط،) صوت (السماء،) أي: جنسها، فالمراد السبع، فإن قيل: كيف يكون صوتًا مسموعًا لسامع في محل لا يسمعه آخر معه، وهو مثله سليم الحاسة عن آفة تمنع الإدراك، أجيب بأن الإدراك معنى يخلفه اللَّه تعالى لمن يشاء، ويمنحه من يشاء، وليس بطبيعة، ولا وتيرة واحدة، أي: طريقة مطردة، لا تختلف الناس فيها، (وما تلازم) لا يعترض عليها في (أن تئط)) كأن يقال في شأنها لم أطت، (وما فيها موضعٍ شبر،) فأقل لقوله في الرواية السابقة أربع أصابع، إذ هو كناية عن كثرة اشتغال أجزائها كلها، (إلاّ وعليه،) أي: الموضع، وفي نسخة عليها إما لتأويل الموضع بالبقعة، أو لعود الضمير للسماء، أي إلا وعليها في ذلك الموضع (ملك ساجد، أو قائم). فزاد في ذا الحديث القيام، لأن وضع الجبهة للسجود في الحديث قبله، كناية عن العبادة بغاية الخضوع والذلة، فلا ينافي ذا الحديث المفصل، وقد روى ابن عساكر أن في السماء ملائكة قيام، لا يجلسون أبدًا، وسجود لا يرفعون أبدًا، وركوع لا يقومون أبدًا، يقولون: ربنا ما عبدناك حق عبادتك، ثم لا يرد أن الملائكة أجسام نورانية، لا يحصل بهم ثقل تئط به السماء، لأن المعنى يغلب عليها النور، فلا ينافي أن كثرتهم توجب ثقلاً، تئط منه على أنه حقيقي، وفي ذا الحديث ونحوه: أن الملائكة أكثر الخلق، لكن معرفة قدر كثرتهم وأصنافهم موكولة إلى الله، وما يعلم جنود ربك إلا هو، ويروى في حديث مناجاة موسى، قال: يا رب من عبدك قبل ءادم، ٢٧٨ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وأما جبينه الكريم عٍَّ فقد كان واضح الجبين، مقرون الحاجبين. بهذا وصفه علي، كما عند ابن سعد وابن عساكر فقال: مقرون الحاجبين صلت الجبين. أي: واضحه، والقرن: اتصال شعر الحاجبين. وعند البيهقي عن رجل من الصحابة قال: قال الملائكة، قال: كم هم؟ قال: اثنا عشر ألف سبط، قال: مثل الجن والإنس، والطير والبهائم اثني عشر ألف مرة، وفي رواية: كم عدد السبط، قال: عدد التراب والأخبار والآثار الدالة على أكثريتهم، لا تكاد تحصى، (وأما جبينه الكريم،) أي: صفته، والمراد جبيناه (عَّله)) فالإضافة للاستغراق، وهما جبينان فوق الصدغين، مكتنفان الجبهة، يمينًا وشمالاً، وأفرد لوقوعه كذلك في رواية علي وغيره، ولعله أخره على البصر والسمع مع كونه فوقهما، لأن مدركاتهما لقوتهما تناسب مدركات الدماغ، وقدم البصر على السمع، مع أنه أفضل على ما قال بعض، لأن مدركات البصر يستلذ بها عادة أقوى من السمع، (فقد كان واضح الجبين،) لم يقل واضحًا، محافظة على الوارد، (مقرون الحاجبين) ثني فيهما، لأن وصفهما بالقرن يستدعي التعدد (بهذا وصفه عليّ، كما عند ابن سعد وابن عساكر، فقال: مقرون الحاجبين،) أي: الشعر المسمى بالحاجبين على أحد القولين لغة، والثاني أنهما العظمان فوق العينين بالشعر واللحم، فإن أريد هذا ففيه مضاف، أي: شعر الحاجبين، (صلت الجبين). بفتح المهملة، وإسكان اللام، وفوقية، وفي حديث ابن أبي هالة: واسع الجبين، أي: جنسه، والمراد بسعتهما امتدادهما طولاً وعرضًا، وسعتهما محمودة عند كل ذي ذوق سليم، وهو معنى رواية علي صلت الجبين، (أي: واضحه،) ففي الصحاح: الصلت الجبين: الواضح، تقول منه صلت بالضم، أي: للام صلوتة اهـ، فهو صفة ذاتية لجبين كل من وصف بذلك، لا من حيث ظهوره للرائي له عَّ لما قام به من النور، وذكر ابن أبي خيثمة كان عَّ أجلى الجبين، إذا طلع جبينه من بين الشعر، أو طلع من فلق الشعر، أو عند الليل، أو طلع بوجهه على الناس تراءى، أي: جبينه، كأنه هو السراج المتوقد يتلألأ، وكانوا یقولون هو، کما قال شاعره حسان رضي الله عنه: بلج مثل مصباح الدجى المتوقد متى يبد في الليل البهيم جبينه فمن كان أو من قد يكون كأحمد نظام لحق أو نكال لملحد فهذا هو الزائد عن مطلق وضح الجبين، المسفر بالاتساع والامتداد (والقرن) . بفتحتين. (اتصال شعر الحاجبين،) إضافة بيانية أن فسر الحاجب بالشعر، ولامية من إضافة الجزء إلى كله أن فسر بالعظم مع الشعر واللحم. (وعند البيهقي عن رجل من الصحابة:) لا ضير في إبهامه، لأنهم كلهم عدول، (قال: ٢٧٩ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته رأيت رسول الله عَّله، فإذا رجل حسن الجسم عظيم الجبهة دقيق الحاجبين. ولله در القائل: جبينه مشرق من فوق طرته يتلو الضحى ليله والليل كافره بالمسك خطت على كافور جبهته من فوق نوناتها سيناً ضفائره مكمل الخلق ما تحصى خصائصه منضر الحسن قد قلت نظائره وقال ابن أبي هالة: أزج الحواجب - وفسر: بالمقوّس الطويل الوافر الشعر - رأيت رسول اللَّه عَلّه، فإذا) هو (رجل حسن الجسم))) أي: الجسد، (عظيم الجبهة، دقيق الحاجبين،) بالدال من الدقة، خلاف الغلظ، أي: رقيقهما، (وللَّه در القائل:) هو الأستاذ العارف محمد، وفي من قصيدة أولها: إذا أباح ذم المهجور هاجره باح المحب بما تخفي ضمائره (جبينه مشرق من فوق طرته) . بضم الطاء المهملة. جانب الثوب الذي لا هدب له والناصية، كما في القاموس، فكان المعنى هنا: أن جبينه يزيد لكثرة نوره، فيجاوز ناصيته، وينتشر على جوانب ثوبه، (يتلو الضحى،) أي: نوره الذي كبياض النهار وقت الضحى (ليله،) أي: سواد شعره الذي كالليل، (والليل كافره،) ساتر لذلك النور والإشراق، رحمة من اللَّه، ورفقًا بالناس، إذ لولاه ما استطاع أحد نظر وجهه الشريف (بالمسك خطت) كتبت (على كافور،) قال في القاموس: نبت طيب، نوره كنور الأقحوان، وطيب معروف لونه أحمر، وإنما يبيض بالتصعيد، انتهى باختصار (جبهته، من فوق نوناتها سينّا،) مفعول خطت، والفاعل (ضفائره) بضاد معجمة، جمع ضفيرة، والمعنى على التشبيه والاستعارة ظاهر، (مكمل الخلق). بفتح الخاء، وإسكان اللام. (ما تحصى خصائصه،) أي: لا يمكن إحصاؤها وعدها، لكثرتها (منضر،) محسن (الحسن،) فهو مبالغة في المدح، (قد قلت نظائره)،) عدمت فلا وجود لها، فالقلة تنتهي للعدم، كقولهم: قل رجل يقول كذا، أي: ليس رجل يقوله، (وقال ابن أبي هالة: أزج). بفتح الهمزة، والزاي، وتشديد الجيم. صفة مشبهة (الحواجب،) جمع حاجب من الحجب، المنع سمي به لمنعه الشمس عن العين، وعدل عن التثنية إلى الجمع، مبالغة امتدادهما، حتى صار كعدة حواجب، كأنه جعل كل قصحة اسمها حاجب، فوقع الجمع على القطع المختلفة مبالغة، وهذا أدق من قول جمع، لأن التثنية جمع، (وفسر) عند عياض في الشفاء (بالمقوَّس،) أي: الحاجب المشبه بالقوس كالمتقوَّس، كما في القاموس (الطويل الوافر الشعر،) أي: المتصل بعضه ببعض، بحيث لا يتخلله فرج، فلا ينافي دقته، أي: رقته في نفسه، المستفادة من نعته بأزج، وهو الدقة ٢٨٠ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته ثم قال: سوابغ من غير قرن بينهما عرق يدره الغضب، أي يمتلىء دما إذا غضب كما يمتلىء الضرع لبنًا إذا در. قاله في النهاية. وعن مقاتل بن حيان قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه الصلاة والسلام: اسمع وأطع يا ابن الطاهرة البكر البتول، إني خلقتك من غير فحل، فجعلتك آية في طول وامتداد، كما قال حسان: أزج كشق النون من يد كاتب والزجج ما كان خلقه، والتزجيج ما صنع، كزججن الحواجب والعيونا، وتسميه العوام تخفيفًا بمهملة، (ثم قال) ابن أبي هالة: (سوابغ). بسين وصاد، والسين أفصح. جمع سابغة، أي: كاملات قال الزمخشري: حال من المجرور، وهو الحواجب، وهي فاعلة في المعنى، إذ تقديره أزج حواجبه، أي: زجت حواجبه انتهى، أو منصوب على المدح (من،) وفي رواية: في، وهي بمعنى من (غير قرن). بفتحتين، أي: اجتماع، يعني أن طرفي حاجبيه، قد سبغا، أي: طالا حتى كادا يلتقيان ولم يلتقيا، فهو مكمل للوصف المذكور، أو هو حال أيضًا من الحواجب على الترادف، أو التداخل، ويأتي قريبًا الجمع بينه وبين وصفه باقرن (بينهما،) أي: الحاجبين، فهو إشارة إلى أن الحواجب في معنى الحاجبين، وهو حال أيضًا من الحواجب، وترك العطف في الجملة الإسمية جائز (عرق) . بكسر، فسكون. (يدره) . بضم أوله، وكسر ثانيه، وشد ثالثه، أي: يحركه ويظهره (الغضب) فيمتلىء ذلك العرق دمًا، فيظهر ويرتفع، وقوله: (أي: يمتلىء دمًا إذا غضب) تفسير للإدرار باللازم، وأثر له لا بيان لمعناه، يعني: إذا غضب حرك الغضب ذلك العرق، فامتلأ دمًا، (كما يمتلىء الضرع لبنًا إذا در، قاله في النهاية،) فجعله من در اللبن إذا كثر ونوزع، بأنه لا استقامة لهذا التجوّز، وقيل: هو من در السهم إذا دار على الظفر، وقيل: من الإدرار، وهو إخراج الريح المطر من السحاب، وجعله الزمخشري من أدرت المرأة الغزل، إذا فتلته شديدًا، واعترض بأنه لا قرينة لهذا المجاز. (وعن مقاتل بن حيان) . بمهملة وتحتية مشددة. النبطي - بفتح النون والموحدة. أبي بسطام البلخي الخزاز . بمعجمة، وزايين منقطوتين، صدوق فاضل، روى له مسلم وأصحاب السنن، أخطأ الأزدي في زعمه أن وكيعًا كذبه، وإنما كذب مقاتل بن سليمان. مات قبل الخمسين ومائة بأرض الهند. ذكره الحافظ، (قال: أوحى اللَّه تعالى إلى عيسى عليه الصلاة والسلام: اسمع وأطع يا ابن الطاهرة البكر البتول)، المنقطعة عن الرجال، (إني خلقتك من غير فحل، فجعلتك آية)، علامة دالة على قدرتي (للعالمين)، الإنس والجن والملائكة، حيث خلقتك من غير فحل،