النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ الوفد الثامن والعشرون: وفد صداء بالبعث على رسول الله عَّه فقال: يا رسول الله أردد الجيش، وأنا لك بقومي، فرد قيسًا. ورجع الصدائي إلى قومه فقدم على رسول الله عَّ ◌ُلّ خمسة عشر رجلاً منهم، فبايعوه على الإسلام ورجعوا إلى قومهم ففشا فيهم الإسلام، فوافى رسول الله عَ ليه منهم مائة رجل في حجة الوداع ذكره الواقدي وذكر من حديث زياد بن الحرث الصدائي، إنه الذي قدم على رسول عٍَّ فقال: اردد الجيش، وقال: وكان زياد هذا معه في بعض أسفاره وأنه عليه الصلاة والسلام قال له: يا أخا صداء هل معك ماء؟ قلت: معي شىء في إداوتي، فقال: صبه، فصببته في قعب ثم وضع عليه لواء أبيض، ودفع إليه راية سوداء، وعسكر بناحية قناة (في أربعمائة) فارس من المسلمين، (وأمره أن يطأ ناحية من اليمن فيها صداء، فقدم رجلٍ منهم،) هو زياد بن الحرث، كما يأتي، (علم بالبعث على رسول اللَّه عَّهِ، فقال: يا رسول اللَّه اردد الجيش، وأنا) أتكفل (لك بقومي،) أي: پاسلامهم. ففي رواية عن زياد: جئتك وافدًا على من ورائي، وأنا لك بإسلام قومي وطاعتهم، فقال: (اذهب فردهم)، فقلت: إن راحلتي قد قلَّت، فبعث رجلاً، (فرد قيسًا) ومن معه من صدر قناة، (ورجع الصدائي إلى قومه،) ومعه كتاب من المصطفى، (فقدم على رسول اللَّه عَ لّ خمسة عشر رجلاً منهم،) فقال سعد بن عبادة: يا رسول اللّه دعهم ينزلون عليَّ، فنزلوا عليه، فحياهم، وأكرمهم، وكساهم، ثم راح بهم إلى النبي عَِّ، (فبايعوه على الإسلام،) وقالوا: نحن لك على من وراءنا من قومنا، فقال عَّهِ لزياد: ((يا أخا صداء إنك امرؤ مطاع في قومك))، فقلت: بل اللَّه هداهم للإسلام. وفي رواية قلت: بلٍ من اللَّه ومن رسوله، (ورجعوا إلى قومهم، ففشا) ظهر، وكثر (فيهم الإسلام، فوافى رسول اللَّه عَّةٍ منهم مائة رجل في حجة الوداع، ذكره الواقدي) محمد بن عمر بن واقد، عن بعض بني المصطلق، قال في النور: ولا أعرف هذا البعض، (وذكر) بالبناء للفاعل، أي: الوافدي أيضًا (من حديث زياد بن الحرث،) وقيل: ابن حارثة، والأول أصح، قاله البخاري (الصدائي) صحابي شهد فتح مصر، (أنه الذي قدم على رسول اللَّه عَ لَّه، فقال: اردد الجيش،) وأنا لك بقومي فردهم، (وقال) الواقدي في روايته من حديث زياد: (وكان زياد هذا معه في بعض أسفاره،) قال: فسار ليلاً وسرنا معه، وكنت رجلاً قويًا، فتفرق أصحابه، ولزمت ركابه، فلما كان السحر، قال: أذن يا أخا صداء، فأذنت على راحلتي، ثم سرنا حتى نزلنا، فذهب لحاجته، ثم رجع، (وأنه عليه الصلاة والسلام، قال له: ((يا أخا صداء هل معك ماء))؟ قلت: معي شيء في إداوتي). بكسر الهمزة المطهرة، وجمعها أدوى بفتح الواو، (فقال: ((صبه)، ٢٢٢ الوفد الثامن والعشرون: وفد صداء الصلاة والسلام كفه فيه فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه عينًا تفور. فصببته في قعب). بفتح القاف، وإسكان المهملة وموحدة. القدح الضخم الحافي، أو إلى الصغر، أو يروى الرجل، قال: وجعل أصحابه يتلاحقون، (ثم وضع عليه الصلاة والسلام كفه، فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه،) أي: بين كل إصبعين من أصابعه، كما هو لفظه (عينًا تفور،) وقد اختلف هل نبع الماء من نفس الأصابع وهو الصحيح، أو من بينها، لا من نفسها قولان، ولا ينافيهما قوله بين كل إصبعين من أصابعه، لإحتمال أن العين ناشئة من الماء، خارجة من بين الأصابع، وأنها من ذات بدنه الشريف، ولذا جاء القولان، وبعضهم يقول في حكايتهما هل هو إيجاد معدوم، أو تكثير موجود، بمعنى أنه بورك في الماء، فزاد من غير ضم ماء آخر إليه بخلاف الأول، فتبع من بين الأصابع ماء انضم إلى ما في القعب، فتغاير القولان، وبسط ذلك يأتي إن شاء اللّه تعالى في المعجزات، ثم قال عَ ◌ّه: ((يا أخا صداء لولا أني أستحيي من ربي عز وجلْ، لسقينا واستقينا))، ثم توضأ، وقال: ((أذن في الناس من كانت له حاجة بالوضوء، فليرد، فوردوا من عند آخرهم))، ثم جاء بلال يقيم، فقال عَّ: ((إن أخا صداء أذن، ومن أذن، فهو يقيم))، فأقمت، ثم صلى بنا، فلما سلم، وكنت سألته قبل ذلك أن يؤمرني على قومي، وأن يأمر لي بشيء من صدقاتهم، فكتب لي كتابين بذلك، قام رجل يشتكي عامله، فقال: أخذنا بظلامات كانت بيننا وبينه في الجاهلية. وفي رواية: أخذنا بكل شيء كان بيننا وبين قومه في الجاهلية، فقال عَّله: ((أو فعل ذلك))؟ قالوا: نعم، فالتفت إلى أصحابه، وأنا منهم، فقال: ((لا خير في الإمارة لرجل مؤمن). وفي لفظ مسلم: فدخل قوله في قلبي، ثم قام آخر، فقال رسول اللَّه: ((أعطني))، فقال: ((من يسأل الناس عن غنى، فصداع في الرأس، وداء في البطن))، قال: ((فأعطني من الصدقة))، قال: ((إن الله عز وجل لم يرض بحكم نبي، ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها، فجزأها بثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك، وإن كنت غنيًا عنها، فإنما هي صداع في الرأس، وداء في البطن. وفي رواية: إن اللَّه لم يكل قسمها إلى ملك مقرب، ولا نبي مرسل، حتى جزأها على ثمانية أجزاء) والباقي سواء. قال زياد: فدخل في نفسي أني سألته الصدقة وأنا غني، فقلت: يا رسول اللَّه هذان كتاباك فاقبلهما، ثم قال: ((دلني على رجل من قومك استعمله))، فدللته فاستعمله، قلت: يا رسول اللَّه إِن لنا بئرًا إذا كان الشتاء كفانا ماؤها، وإذا كان الصيف قلَّ علينا، فتفرقنا على المياه، والإسلام اليوم فينا قليل، ونحن نخاف فادع اللَّه لنا في بئرنا، فقال: ((ناولني سبع حصيات))، فناولته فعركهن بيده، ثم دفعهن إليَّ، وقال: ((إذا انتهيت إليها، فالق فيها حصاة حصاة، وسم اللَّه))، ففعلت، فما أدركنا لها قعرًا حتى الساعة، ولعل حكمة ذلك دون إلقاء الجميع، دفعة إرشاد العباد إلى أنهم إذا حاولوا أمرًا، أخذوا في أسبابه بالتدريج شيئًا فشيئًا، وإن أمكنهم حصولها دفعة، وأسر علمه عليه الصلاة والسلام، ٢٢٣ الوفد التاسع والعشرون: وفد غسان/الوفد الثلاثون: وفد سليمان الوفد التاسع والعشرون: وقدم عليه عٍَّ وفد غسان، في شهر رمضان سنة عشر، وكانوا ثلاثة نفر، فأسلموا وأجازهم عليه الصلاة والسلام بجوائز، وانصرفوا راجعين. الوفد الثلاثون: وقدم عليه وفد سلامان في شوّال سنة عشر، كما قال الواقدي، وكانوا سبعة نفر، فيهم حبيب بن عمرو، فأسلموا وشكوا إليه ككون الحصيات سبعًا، ولعله ليس المراد خصوص الصداع ووجع البطن، بل ما يشمله ويشمل كل ضرر، عاجل، أو آجل، وحمله على ظاهره أولى، فلا دخل للعقل في ذلك، والله أعلم. (الوفد التاسع والعشرون:) (وقدم عليه عَّة وفد غسان) . بفتح الغين المعجمة وشد المهملة. اسم ماء نزل عليه قوم من الأزد، فنسبوا إليه، قال حسان: أما سألت فإنا معشر نجب الأزد نسبتنا والماء غسان وقيل: غسان اسم القبيلة، فنونه أصلية فيصرف، فإن كان المسموع، وإلاَّ فسبب منعه العلمية والتأنيث، باعتبار القبيلة (في شهر رمضان سنة عشر، وكانوا ثلاثة نفر،) إضافة بيانية، (فأسلموا) وقالوا: لا ندري أيتبعنا قومنا، أم لا؟ وهم يحبون بقاء ملكهم وقرب قيصر، (وأجازهم عليه الصلاة والسلام بجوائز، وانصرفوا راجعين) إلى قومهم، فلم يستجيبوا لهم، فكتموا إسلامهم، حتى مات منهم رجلان على الإسلام، وأدرك الثالث عمر عام اليرموك، فلقي أبا عبيدة، فأخبره پإسلامه، فكان يكرمه. (الوفد الثلاثون:) (وقدم عليه وفد سلامان). بفتح المهملة وخفة اللام. بطن من قضاعة ينسبون إلى جدهم الأعلى سلامان بن سعد بن زيد بن لوث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، (في شؤَّال، سنة عشر، كما قال الواقدي، وكانوا سبعة نفر فيهم حبيب بن عمرو،) والسلاماني، كان يسكن الجبال، (فأسلموا). روى الواقدي عنه أنه قال: قدمنا وفد سلامان ونحن سبعة نفر، فانتهينا إلى باب المسجد، فصادفنا رسول اللَّه عَّ خارجًا إلى جنازة دعي إليها، فلما رأيناه قلنا: السلام عليك يا رسول اللَّه، فقال: ((وعليكم السلام من أنتم)؟ قلنا: من سلامان، قدمنا إليك لنبايعك على الإسلام، ونحن على من وراءنا من قومنا، فالتفت إلى مولاه ثوبان، فأمره بإنزالهم دار رملة بنت الحرث، فذكر حديثًا طويلاً فيه أنهم لما سمعوا الظهر، أتوا المسجد، فصلوا معه عَّه، وصلوا العصر. ٢٢٤ الوفد الحادي والثلاثون: وفد بني عبس جدب بلادهم فدعا لهم ثم ودعوه وأمر لهم بالجوائز، ورجعوا إلى بلادهم فوجدوها قد أمطرت في اليوم الذي دعا لهم فيه رسول الله عَ ليه تلك الساعة. الوفد الحادي والثلاثون: وقدم عليه وفد بني عبس، فقالوا: يا رسول الله، قدم علينا قراؤنا فأخبرونا أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواش، فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له بعناها وهاجرنا، فقال عليه الصلاة والسلام: اتقوا الله حيث كنتم فلن يلتكم من أعمالكم شيئًا. قال حبيب: فكانت أخف في القيام من الظهر، وقلت: يا رسول اللَّه ما أفضل الأعمال؟ قال: (الصلاة في وقتها)، وسألته عن رقية العين وذكرها له، فأذن له فيها، (و) فيه أنهم (شكوا إليه جدب بلادهم، فدعا لهم،) ولفظ حديث حبيب المذكور، فقال عَّه: ((بيده اللهم اسقهم الغيث في دارهم))، فقلت: يا رسول اللَّه ارفع يديك، فإنه أكثر وأطيب، فتبسم رسول اللَّه عَلَّ حتى رأيت بياض إبطيه، ثم قام، وقمنا معه وقوله: أكثر، أي: في الأسباب المقتضية للاستعطاف وأطيب، أي: لهيئة الداعي التي تكون سببًا لنزول الرحمة، (ثم ودعوه) بعد إقامتهم ثلاثًا، وضيافته تجري عليهم، (وأمر لهم بالجوائز،) فأعطينا خمس أواقي فضة لكل رجل منا، واعتذر إلينا بلال، وقال: ليس عندنا اليوم مال، فقلنا: ما أكثر هذا وأطيبه، (ورجعوا إلى بلادهم، فوجدوها قد أمطرت،) بالبناء للفاعل والمفعول، كما في النور (في اليوم الذي دعا لهم فيه رسول اللَّه عَّله في تلك الساعة،) وما ذلك بغريب في معجزاته. (الوفد الحادي والثلاثون:) (وقدم عليه وفد بني عبس) . بفتح المهملة، وسكون الموحدة، وسين مهملة. ذكر ابن شاهين من طريق هشام بن الكلبي، أنهم تسعة، قدموا على النبي عَّه، فدعا لهم بخير، وقال: (بغوني لكم عاشرًا أعقد لكم لواء))، فدخل طلحة بن عبيد الله، فعقد لهم لواء، وجعل شعارهم یا عشرة، فهو إلى اليوم كذلك. قال: وهم بشر بن الحرث، والحرث بن الربيع بن زياد، وسباع بن زيد، وعبد الله بن ملك، وقرة بن حصن بن وقنان بن دارم، وميسرة بن مسروق، وهرم بن مسعدة، وأبو الحصين بن القيم. وروى ابن سعد عن عروة: أن عير القريش أقبلت من الشام، فبعث بني عبس في سرية، وعقد لهم لواء، فقال: يا رسول اللّه كيف نقسم غنيمة إن أصبناها ونحن تسعة؟ فقال: ((أنا عاشركم)). وعند الواقدي عن أبي هريرة: قدم ثلاثة من بني عبس، (فقالوا: يا رسول اللَّه قدم علينا قراؤنا، فأخبرونا أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواش،) وهي معايشنا، (فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له،) فلا خير في أموالنا، (بعناها وهاجرنا) من آخرنا، (فقال عليه الصلاة ٢٢٥ الوفد الثاني والثلاثون: وفد غامد الوفد الثاني والثلاثون وقدم عليه وفد غامد سنة عشر، وكانوا عشرة، فأقروا بالإسلام وكتب لهم کتابًا فيه شرائع الإسلام، والسلام: (اتقوا اللَّه حيث كنتم فلن يلتكم))) بفتح التحتية وكسر اللام ففوقية، أي: ينقصكم، (من أعملكم شيئًا،) (ولو كنتم بصمد وجاران)) بصاد ودال ومهملتين بينهما ميم. وجاران . بجيم، فألف، فراء، فألف فنون. اسما مكانين، وبقية خبر الواقدي هذا، وسألهم عن خالد بن سنان هل له عقب، فأخبروه أنه كان له ابنة فانقرضت، فأنشأ معَِّ يحدث أصحابه عن خالد، فقال نبي: ضيعه قومه، وضعف الواقدي معلوم، لكنه لم ينفرد بذلك، فقد روى نحوه الحاكم في حديث طويل، وصححه عن ابن عباس، وتعقبه الذهبي؛ بأنه منكر، وابن شاهين في الصحابة من حديث سباع بن زيد، وله طرق أخرى، وفي بعضها: أن خالدًا بعث مبشرًا بمحمد عليه السلام، ولم يكن في بني إسمعيل نبي غيره قبل المصطفى، وأنه دعا على العنقاء، طائر كانت تخطف الصبيان، فانقطع نسلها، وأطفأ نار رحرة بني عبس، كان يستضاء بنورها من مسيرة ثلاث، وربما سقط منها عنق، فلا تمر بشيء إلاّ أهلكته، فإذا كان النهار، فإنما هي دخان يفور، فحفر لها سربًا، وأدخلها فيه، والناس ينظرون، ثم اقتحم فيها حتى غيبها، فسمع بعض القوم يقول: هلك خالد، فخرج، وهو يقول: كذب ابن راعية المعزي، ووردت ابنة له عجوز على النبي عَيه، فتلقاها بخير، وأكرمها، وقال: ((مرحبًا ببنت نبي ضيعه قومه))، فأسلمت، وسمعته يقرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١]، فقالت: كان أبي يقول هذا، قال في الإصابة: وأصح ما وقفت عليه من ذلك ما رواه عبد الرزاق، عن سعيد بن جبير، قال: جاءت ابنة خالد بن سنان العبسي إلى النبي عَّله، فقال: ((مرحبًا بابنة نبي ضيعه قومه))، رجاله ثقات، إلاّ أنه مرسل انتھی باختصار. وقال في الفتح في قوله عَّ ◌ُله: ((أنا أولى الناس بابن مريم)) ليس بيني وبينه نبي، قد ضعف هذا الحديث ما قيل، إن جرجيس وخالد بن سنان، كانا نبيين بعد عيسى إلاّ أن يجاب، بأنهما بعثا بتقرير شريعة عيسى، لا شريعة مستقلة. (الوفد الثاني والثلاثون:) (وقدم عليه وفد غامد) . بغين معجمة، فألف، فميم مكسورة، فدال مهملة - بطن من الأزد باليمن، (سنة عشر، وكانوا عشرة،) فنزلوا في بقيع الفرقد، وهو يومئذ أثل وطرفاء، ثم انطلقوا إلى النبي عَ له، وخلفوا أصغرهم في رحالهم، (فأقروا بالإسلام) وسلموا على النبي عَّ، (وكتب لهم كتابًا فيه شرائع الإسلام،) إضافة جنسية، فتصدق بالبعض. ففي العيون: فيه شرائع من شرائع الإسلام، وقال: ((من خلفتم في رحالكم))؟ قالوا: أحدثنا سنّا، قال: ((فإنه قد نام عن متاعكم حتى أتى آت، فأخذ عيبة أحدكم))، فقال أحدهم: ما لأحد ٢٢٦ الوفد الثالث والثلاثون: وفد الأزد وأمر أُبي بن كعب يعلمهم قرءانًا، وأجازهم عليه الصلاة والسلام وانصرفوا. الوفد الثالث والثلاثون: وقدم عليه وفد الأزد، ذكر أبو نعيم في كتاب معرفة الصحابة، وأبو موسى المدیني، من حديث أحمد بن أبي الحواري منهم عيبة غيري، فقال عَّله: ((قد أخذت وردة إلى موضعها))، فخرجوا حتى أتوا رحلهم، فسألوه، فقال: فزعت من نومي، ففقدت العيبة، فقمت في طلبها فإذا رجل قاعدًا، فثار يعدو مني، فانتهيت إلى حيث انتهى، فإذا أثر حفر، وإذا هو قد غيب العيبة، فاستخرجتها، فقالوا: نشهد أنه رسول اللَّه، فإنه قد أخبرنا خبرها، وأنها قد ردت، فرجعوا، فأخبروه عَّه، وجاء الغلام الذي خلفوه فأسلم، (وأمر) النبي عَّهِ (أبي بن كعب يعلمهم قرءانًا، وأجازهم عليه الصلاة والسلام،) كما كان يجيز الوفود، وهو تشبيه في أصل الجائزة، لأنه لم يكن له جائزة مخصوصة، وإنما يدفع ما اتفق جوده، وهو يتفاوت، قلة وكثرة، فقد أجاز بخمس أواق، وبعشر، وباثنتي عشرة، وبأزيد، كما مر، (وانصرفوا) إلى بلادهم. (الثالث والثلاثون:) (وقدم عليه وفد الأزد) . بفتح الهمزة، وسكون الزاي، ودال مهملة، ويقال بالسين لقربها من الزاي، ينسبون إلى جدهم الأزد بن الغوث بن نبت بن لملك بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وقيل اسم الأزد درًا بدال قبل الراء، وإليه إجماع الأنصار، ذكره الحازمي. (ذكر،) أي: روى (أبو نعيم،) . بضم النون. الحافظ الكبير، أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحق بن موسى الأصفهاني، الصوفي، الأحول. ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وأجاز له مشايخ الدنيا، وهو ابن ست سنين، وتفرد بهم، ورحلت الحفاظ إلى بابه لعلمه، وضبطه وعلو إسناده، وله عدة تصانيف. مات في المحرم، سنة ثلاث وأربعمائة، (في كتاب معرفة الصحابة، وأبو موسى) محمد بن أبي بكر، عمر بن أحمد الأصفهاني (المديني،) . بكسر الدال، وسكون التحتية. نسبة إلى مدينة أصفهان، الحافظ الكبير شيخ الإسلام، ولد في ذي القعدة سنة إحدى وخمسمائة، وسمع الكثير، ورحل وعني بهذا الشأن، وانتهى إليه التقدم فيه مع علو الإسناد، وعاش حتى صار أوحد وقته، وشيخ زمانه، إسنادًا وحفظًا مع التواضع، ولا يقبل من أحد شيئًا، وله معرفة الصحابة، وغيرها من التصانيف، مات في جمادى الأولى، سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، (من حديث أحمد) بن عبد اللَّه بن ميمون بن العباس بن الحرث التغلبي - بفتح المثناة، وسكون المعجمة، وكسر اللام. نسبة إلى تغلب بن وائل قبيلة، يكنى أبا الحسن (بن أبي الحواري) - بفتح المهملة، والواو الخفيفة، وكسر الراء، وفتحها، والكسر أشهر، والفتح حكى ٢٢٧ الوفد الثالث والثلاثون: وفد الأزد قال: سمعت أبا سليمن الداراني قال: حدثني علقمة بن يزيد بن سويد الأزدي قال: حدثني أبي عن جدي قال: وفدت سابع سبعة من قومي على رسول الله عٍَّ فلما دخلنا عليه وكلمناه أعجبه ما رأی من سمتنا وزینا عن أهل الإتقان. كما قاله النووي في البستان، ثقة زاهد من العاشر، وهم كبار الآخذين عن تبع الأتباع ممن لم يلق التابعين، كأحمد بن حنبل، كما أفصح به في ديباجة التقريب. روى له أبو داود وابن ماجه، ومات سنة ست وأربعين ومائتين، لا مائة، كما زعم، لقوله في خطبة التقريب، وإن كان من التاسعة إلى آخر الطبقات، فهم بعد المائتين، وهذا من العاشرة، وقد أرخه ابن عساكر والذهبي وغيرهما سنة ست، وقيل: سبع وأربعين ومائتين. (قال: سمعت أبا سليمان) عبد الرحمن بن أحمد بن عطية، الزاهد، العنسي بالنون، (الداراني). بفتح الدال، فألف، فراء خفيفة، فألف، فنون، ويقال: بهمز بدل النون، وبالنون أشهر وأكثر، كما قال ابن السمعاني، نسبه إلى داريا قرية بدمشق، على غير قياس إمام كبير الشأن، ارتفع قدره وعلا ذكره، وأخذ الحديث عن جمع، منهم سفين الثوري، قال في التقريب: وهو ثقة لم ير، ومسندًا إلاّ حديثًا واحدًا، وله حكايات في الزهد، قال النووي في بستانه: كان من كبار العارفين، أصحاب الكرامات الظاهرة، والأحوال الباهرة، والحكم المتظاهرة، وهو أحد مفاخر بلادنا دمشق وما حولها، مات سنة اثنتي عشرة، أو خمس عشرة ومائتين، وقيل غير ذلك. (قال: حدثني علقمة بن يزيد بن سويد) . بضم السين وفتح الواو. (الأزدي،) زاد في رواية العسكري: أنه حدثه بساحل دمشق، (قال: حدثني أبي) يزيد (عن جدي) سويد بن الحرث. هكذا رواه العسكري من هذا الطريق، وكذا الرشاطي وابن عساكر من وجهين آخرين، عن ابن أبي الحواري، ورواه أبو سعد النيسابوري في شرف المصطفى من وجه آخر، عن ابن أبي الجواري، فقال علقمة بن سويد بن علقمة ابن الحرث، فذكر أبو موسى بسبب ذلك علقمة بن الحرث، والأول أشهر، قاله في الإصابة. (قال: وفدت سابع سبعة،) أي: واحدًا منهم، لا أنه زائد عليه، لأن اسم الفاعل إن أخذ من اثنين إلى عشرة، ثم أضيف إلى أصله، فمعناه أنه واحد من ذلك العدد لا زائد، وإن أضيف إلى دون أصله، صيره بانضمامه إليه زائدًا عليها (من قومي على رسول اللَّه ◌َِّ، فلما دخلنا عليه وكلمناه، أعجبه ما رأى من سمتناء) سكينتنا ووقارنا. قال في المصباح: السمت السكينة والوقار، وهو حسن السمت، أي: الهيئة (وزينا). بكسر ٢٢٨ الوفد الثالث والثلاثون: وفد الأزد فقال: ما أنتم قلنا مؤمنون، فتبسم عليه الصلاة والسلام وقال: إن لكل قول حقيقة فما حقيقة قولكم وإيمانكم؟ قلنا: خمس عشرة خصلة، خمس منها أمرتنا رسلك أن نؤمن بها، وخمس أمرتنا أن نعمل بها، وخمس تخلقنا بها في الجاهلية فنحن عليها إلا أن تكره منها شيئًا، فقال عَِّ: ما الخمس التي أمرتكم بها رسلي؟ قلنا: أمرتنا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت. قال: وما الخمس التي أمرتكم أن تعملوا بها؟ قلنا: أمرتنا أن نقول لا إله إلا الله ونقيم الصلاة الزاي. الهيئة، فالعطف تفسيري، (فقال: ((ما أنتم))؟) أي: ما صفتكم أمؤمنون أم كفار؟ ولذا أجابوا، (قلنا: مؤمنون،) أي: متصفون بالإيمان، فما يسأل بها عن صفات العقلاء، كما يسأل بها عن غيرهم. قال تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾ [النساء: ٣]، أي: الطيب، فاستعملت ما لصفة ما يعقل، أي: للوصف المشتق الدال على الحدث وصاحبه، وليس المراد بالوصف مبدأ الاشتقاق، الذي هو المعنى المصدري، ضرورة أن المعنى المصدري لا ينكح، (فتبسم عليه الصلاة والسلام) فرحًا بإيمانهم، (وقال: ((إن لكل قول حقيقة)،) أي: علامة أو ماهية، التي هي سبب في تحققه، (فما حقيقة قولكم وإيمانكم،) عطف تفسير، أو مسبب على سبب، والقول بمعنى المقول، (قلنا: خمس عشرة خصلة، خمس منها أمرتنا) . بفتحات، وإسكان تاء التأنيث، ونا مفعول والفاعل. (رسلك،) ففيه إفادة أنه أرسل إليهم رسلاً، وإن لم يذكرهم المصنف، ويحتمل أن مرادهم رسله الذين بعثهم إلى اليمن، إذ هم منه (أن نؤمن بها،) أي: نصدق (وخمس أمرتنا) . بفتح الهمزة، والميم، والراء وإسكان التاء. رسلك (أن نعمل بها، وخمس تخلقنا بها في الجاهلية،) أي: ما قبل إيمانهم، (فنحن عليها إلاَّ أن تكره منها شيئًا) فنتركه، وهذا من قوة إيمانهم، ومزيد فقههم، (فقال عَّ: ((ما الخمس التي أمرتكم بها رسلي))؟ قلنا: أمرتنا أن نؤمن باللَّه،) نصدق به وبصفاته الواجبة له (وملائكته،) جمع ملك، أي: نصدق بوجودهم، وأنهم، كما وصفهم اللَّه تعالى، عباد مكرمون، (وكتبه) نصدق بأنها كلام اللَّه، وإن ما اشتملت عليه حق، (ورسله))) أي: نصدق بصدقهم، فيما أخبروا به عن اللَّه تعالى، وتأخيرهم في الذكر لتأخر إيجادهم، لا لأفضلية الملائكة، (والبعث بعد الموت) من القبور ما بعده من الصراط والميزان والجنة والنار، (قال: ((وما الخمس التي أمرتكم) رسلي (أن تعملوا بها))؟ قلنا: أمرتنا أن نقول لا إله إلاّ اللَّه)) أي: ومحمد رسول اللَّه، لأنها صارت علمًا على الشهادتين، أو أن رسله اقتصروا عليها تدريجًا لهم، واكتفاء بقولهم أوَّلاً ورسله، فحكوا له لفظ رسله، (ونقيم الصلاة) المكتوبة، ٢٢٩ الوفد الثالث والثلاثون: وفد الأزد وتؤتي الزكاة ونصوم رمضان ونحج البيت إن استطعنا إليه سبيلاً. قال: وما الخمس التي تخلقتم بها في الجاهلية؟ قلنا: الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، والرضاء بمر القضاء، والصدق في مواطن اللقاء، وترك الشماتة بالأعداء. فقال ◌َ له: حكماء علماء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء، ثم قال: وأنا أزيدكم خمسًا فتتم لكم عشرون خصلة، إن كنتم كما تقولون، فلا تجمعوا ما لا تأكلون، أي: نديمها، أو نأتي بها على ما ينبغي، (ونؤتي الزكاة) المفروضة، (ونصوم رمضان، ونحج البيت إن استطعنا إليه سبيلاً) طريقًا، (قال: ((وما الخمس التي تخلقتم بها في الجاهلية)، قلنا: الشكر عند الرخاء،) أي: الثناء على الله تعالى عند حصول النعم، وصرفها فيما يحمد، كصدقة وإغاثة ملهوف، وغير ذلك، (والصبر عند البلاء،) أي: عدم الجزع والتضجر، وهذا قد يحصل، وإن لم يكن رضا، ولذا قال: (والرضا،) وهو الانقياد والطمأنينة باطنًا، (بمر القضاء،) أي: بالمر من المقضي، فالإضافة بمعنى من أو بالمر لمقضى من إضافة الصفة للموصوف، بحيث نراه في الباطن، كالنعم التي يستلذ بها، فجمع بينهما للتنبيه على طلبهما معًا، أي: الصبر والرضا (والصدق،) أي: الثبات (في مواطن،) جمع موطن، كمسجد، مشاهد (اللقاء) للأعداء، بحيث لا نفر منهم، بل نصبر على حربهم، وإطلاق الصدق على الثبات مجاز شائع، (وترك الشماتة،) أي: الفرح (بالأعداء) إذا نزلت بهم مصيبة، (فقال عَّل: ((حكماء علماء))،) خبر مبتدأ محذوف، أي: هم، والمعنى أنهم يفعلون أمورهم، متقنة، موافقة للحق، والخطاب للحاضرين غيرهم ثناء عليهم، وقدم الحكمة على العلم، لأنها الصفة القائمة بهم، الدالة على كمال عقولهم، والعلم طريق إلى معرفة الحسن من القبيح، ولكن صاحبه قد لا يعمل به، ودليل تقديرهم دون أنتم قوله: (كادوا،) قاربوا (من فقههم أن يكونوا أنبياء») لأن هذه الخمس التي تخلقوا بها من قبل، أنفسهم في الجاهلية، بعض صفات الأنبياء، وعلى تقدير المبتدأ أنتم والخطاب لهم يكون كادوا التفاتًا، إلاَّ أن الأول أبلغ، لما فيه من الاعتناء بالأخبار عن صفاتهم الحميدة، (ثم قال: وأنا أزيدكم خمسًا، فتتم لكم عشرون خصلة، إن كنتم، كما تقولون)،) متصفين بالخمس عشرة التي ذكرتم، (فلا تجمعوا ما لا تأكلون،) جواب الشرط، أي: زيادة على الحاجة، فيكون نفعه لمن بعدكم، وحسابه عليكم، والإتيان بالشرط بعد قوله حكماء علماء، حث لهم على ملازمة الفعل، كأنه قيل: وصفتم أنفسكم بما يفيد حرصكم على الإيمان ٢٣٠ الوفد الرابع والثلاثون: وفد بني المنتفق ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تنافسوا فى شىء أنتم عنه غدًا زائلون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون وعليه تعرضون، وارغبوا فيما عليه تقدمون، وفيه تخلدون. فانصرفوا وقد حفظوا وصيته عليه الصلاة والسلام وعملوا بها. الوفد الرابع والثلاثون: وقدم عليه وفد بني المنتفق. ومكملاته، فإن كنتم كذلك، فتخلقوا بهذه الخمس أيضًا، فإنه أدل على حسنكم، وكمال إيمانكم بما اتصفتم به، وهذا أولى من جعل أن بمعنى إذ، وليس الشرط متعلقًا بما قبله، بل جوابه، فلا تجمعوا، ولذا اقترن بالفاء، ولا ناهية فيه، وفي الأربع بعده، ولذا حذف النون. وفي نسخة إثبات النون في الخمس على أنها أخبار بمعنى النهي، وهو أبلغ في المعنى من النهي الصريح، لأنه صورة خبر، كأنهم متصفون بذلك، (ولا تبتوا ما لا تسكنون،) فلا تزيدوا على الحاجة، فإن سكناكم في البناء لا يدوم لمفارقتكم له، وانتقاله لمن يسكنه بعدكم، فاللائق الاقتصار على قدر الضرورة، (ولا تنافسوا،) أي: لا تتزاحموا، وتتغالبوا، وترغبوا (في) حصول (شيء أنتم عنه غدًا زائلون،) مرتحلون وتاركوه، (واتقوا الله،) احذروا عذابه بفعل الطاعات واجتناب المعاصي، (الذي إليه ترجعون)) تصيرون، فيجازيكم على أعملكم حسنة، أو ضدها، فتقواه تدفع عذابه عنكم، (وعليه تعرضون،) والتاء أصلها الواو، فأبدلت منها ولزمت، فصارت كالأصلية. قال البيضاوي: الوقاية فرط الصيانة، والمتقي في عرف الشرع اسم لمن يقي نفسه عما يضره في الآخرة، وله ثلاث مراتب: الأولى: التوقي من العذاب المخلد، بالتبري عن الشرك وعليه قوله، وألزمهم كلمة التقوى. والثانية: التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم، وهو المتعارف باسم التقوى في الشرع، والمعنى بقوله: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا. والثالثة: أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق، ويتبتل إليه بشرّاشره، وهو التقوى الحقيقي المطلوب بقوله: اتقوا الله حق تقاته، انتهى. (وارغبوا فيما عليه تقدمون، وفيه تخلدون،) وهو الجنة، فإنها التي يخلد فيها المؤمنون، والرغبة فيها بالمسارعة والمسابقة إلى الأعمال الصالحة وترك المعاصي، وفي الصحيحين: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات، (فانصرفوا وقد حفظوا وصيته عليه الصلاة والسلام، وعملوا بها) توفيقًا من اللَّه لهم ببركته عَ لَّه. (الوفد الرابع والثلاثون:) (وقدم عليه وفد بني المنتفق) . بضم الميم، وسكون النون، وفتح الفوقية، وكسر الفاء، ٢٣١ الوفد الرابع والثلاثون: وفد بني المنتفق روى عبد الله بن الإمام أحمد، في زوائد مسند أبيه عن دلهم بن الأسود عن عاصم بن لقيط، أن لقيط بن عامر بن صبرة بن عبد الله بن المنتفق بن عامر بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، أبا رزين العقيلي، وبعدها قاف. علم على أبي قبيلة من عامر بن صعصعة، (روى عبد اللَّه بن الإمام أحمد) بن محمد بن حنبل الشيباني، أبو عبد الرحمَّن الحافظ بن الحافظ. روى عن أبيه وابن معين وخلق، وعنه النسائي، وابن صاعد، وأبو عوانة، والطبراني، وآخرون قال أبوه: ابني عبد اللّه محظوظ من علم الحديث، لا يكاد يذاكرني إلا بما أحفظه. قال الخطيب: كان ثقة ثبتًا فهمًا. ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين، ومات سنة تسعين ومائتين. (في زوائد مسند أبيه،) يعني ما رواه من غير طريق أبيه في روايته مسند أبيه، فإنه قال في هذا الحديث: كتب إلى إبراهيم بن حمزة بن مصعب بن الزبير، قال: حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الخزامي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عياش الأنصاري، (عن دلهم) . بدال مهملة مفتوحة، ولام ساكنة، وهاء مفتوحة. (ابن الأسود) بن عبد الله بن حاجب العقيلي . بضم العين. حجازي مقبول، (عن عاصم بن لقيط) بن عامر العقيلي، ثقة من الطبقة الوسطى من التابعين. روى له أصحاب السنن الأربعة، والبخاري في التاريخ، (أن) أباه (لقيط) . بفتح اللام، وكسر القاف، (ابن عامر بن صبرة) . بفتح المهملة، وكسر الموحدة، وراء وهاء، (ابن عبد الله بن المنتفق بن عامر بن عقيل) . بضم العين. والد القبيلة (ابن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة) - بصادين بعد كل عين مهملات. (أبا رزين) . بفتح الراء، وكسر الزاي، وسكون الياء وبالنون، بدل من اسم إن. (العقيلي) نسبة إلى جده عقيل المذكور، وهذا السياق صريح في أن أبا رزين اسمه لقيط بن عامر بن صبرة، وأن من قال ابن صبرة نسبة إلى جده، وبه جزم ابن معين والبخاري، وابن حبان، وابن السكن، وعبد الغني، وابن عبد البر وصححاه، وعليه مشى المزي في التهذيب، وقيل: إنهما اثنان ذهب إليه ابن المديني، وخليفة، وابن أبي خيثمة، ومسلم، وابن سعد وغيرهم، وضعفه ابن عبد البر، فقال: ليس بشيء وعبد الغني بن سعيد، فقال: لا يصح، ولكن مشى عليه المزي في الأطراف، ورجحه في الإصابة، فترجم أولاً لقيط بن صبرة، وساق نسبه، كما هنا قائلاً العامري، روى عن النبي عَّهُ، وعنه ابنه عاصم، ثم ترجم تلوه لقيط بن عامر بن عبد الله بن المنتفق بن عامر بن عقيل العامري أبو رزين العقيلي، روى عنه ابن أخيه وكيع بن عدس، وعبد الله بن حاجب، وعمرو بن أوس الثقفي، ذهب علي بن المديني، وخليفة بن خياط وابن أبي خيثمة، ومحمد بن سعد ومسلم، والبغوي، والدارمي، والبارودي، وابن قانع وغيرهم، إلى أنه غير لقيط بن صبرة المذكور قبله. وقال ابن معين: إنهما واحد، وإن من قال لقيط بن عامر نسبه لجده، وإنما هو لقيط بن ٢٣٢ الوفد الرابع والثلاثون: وفد بني المنتفق المعروف في أهل الطائف، خرج وفدًا على رسول الله علّمه ومعه صاحب له يقال له نهيك بن عاصم بن ملك بن المنتفق، فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة، فقام في الناس خطيبًا فقال: يا أيها الناس، ألا إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام لتسمعوا الآن، ألا فهل من امرىء بعثه قومه فقالوا له: اعلم لنا ما يقول رسول الله عێے، ألا ثم لعله يلهيه صبرة بن عامر، وحكاه الأثرم عن أحمد، ومال إليه البخاري، وجزم به ابن حبان، وابن السكن، وعبد الغني بن سعيد في إيضاح الأشكال، وقال: قيل: إنه غيره وليس بصحيح، وكذا قال ابن عبد البر، وقال في مقابله: ليس بشيء، وتناقض فيه المزي، فجزم في الأطراف بأنهما اثنان، وفي التهذيب: بأنهما واحد، والراجح في نظري أنهما اثنان، لأن لقيط بن عامر معروف بكنيته، ولقيط بن صبرة لم تذکر کنیته إلاّ ما شذ به ابن شاهین. فقال أبو رزين العقيلي أيضًا: والرواة عن أبي رزين جماعة، ولقيط بن صبرة لا يعرف له راو إلاّ ابنه عاصم، وإنما قوي كونه واحدًا عند من جزم به، لأنه وقع في صفة كل واحد منها، أنه وافد بني المنتفق، وليس بواضح، لاحتمال أن يكون كل واحد منهما رأسًا، انتهى. وصواب قوله: وإن من قال لقيط بن عامر الخ ... أن من قال لقيط بن صبرة نسبه لجده، وإنما هو لقيط بن عامر بن صبرة، كما هو المنقول عن ابن معين في الجامع، وهو الموافق، لما في سياق زوائد المسند، كما رأيت، وهو الذي في تقريبه إذ قال لقيط بن صبرة، ويقال إنه جده، واسم أبيه عامر (المعروف في أهل الطائف، خرج وفدًا) خبران (على رسول اللَّه عَ لِ، ومعه صاحب له، يقال له نهيك) . بفتح النون، وكسر الهاء، وسكون الياء وكاف. (ابن عاصم بن ملك بن المنتفق (العامري، ثم العقيلي، (فوافيناه،) أي: أتيناه، وهو معمول لمحذوف، هو قال: ولفظ زوائد المسند، قال لقيط: خرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول اللَّه عٍَّ لانسلاخ رجب، فوافيناه (حين انصرف من صلاة الغداة،) أي: الصبح، (فقام في الناس خطيبًا، فقال: ((يا أيها الناس ألا))) . بفتح الهمزة والتخفيف. أداة استفتاح نحو إلاَّ أن أولياء اللَّه أتى بها للتنبيه، فيدل على تحقق ما بعدها ((إني قد خبأت لكم صوتي))،) أي: (أدخرته، وجعلته لكم عندي خبيئة ((منذ أربعة أيام)،) أي: من أولها إلى آخرها، لأن مذ ومنذ حرفا جر بمعنى من إن كان الزمان ماضيًا، كما في المغني. ((لتسمعوا الآن))،) لأن الصوت قد استراح، فيقوى على التسميع، ففيه حثهم على الإستماع له، والإقبال له على ما يقوله، (ألاَّ) أداة استفتاح أيضًا تنبيهًا لهم على تحقق ما بعدها، وطلب إصغائهم، (فهل) تفريع على مقدر، أي: ألا تسمعون! فكأنهم، قالوا: نعم، فقال: فهل (من) زائد (امرىء بعثه قومه، فقالوا له: اعلم) فعل أمر (لنا ما يقول رسول الله) لنعمل به (ألا) تنبيه أيضًا، (ثم) . بضم الثاء. بعد إتيانه لأجل علم ذلك، (لعله يلهيه) عن السماع المحصل ٢٣٣ الوفد الخامس والثلاثون: وفد النخع حديث نفسه أو حديث صاحبه، ألا وإني مسؤول هل بلغت، ألا اسمعوا تعيشوا ... الحديث. وفيه ذكر البعث والنشور والجنة والنار، وفيه ثم قال: قلت يا رسول الله، علامَ أبايعك؟ فبسط عَّ يده وقال: على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن لا تشرك بالله شيئًا الحديث. الوفد الخامس والثلاثون: للعلم أحد أمور ثلاثة، (حديث نفسه) فيغفل عن السماع، أو لا يضبطه لاشتغاله بحديث نفسه، وهذا مشاهد، بحيث لو أراد علمه بعد، لطلب إعادته من المتكلم، (أو حديث صاحبه) له، والثالث وأسقطه المصنف قوله عَ له: ((أو يلهيه ضال)، هذا ثابت قبل قوله: (ألا وإِني مسؤول، هل بلغت) ما أوحى إليك، (ألا اسمعوا تعيشوا،) أي: تحيوا حياة أبدية سعيدة، فإنها الحياة المطلوبة، (الحديث) بطوله في نحو ورقتين، وفيه عقب قوله: تعيشوا، ألا اجلسوا، فجلس الناس، وقمت أنا وصاحبي، حتى إذا فرغ لنا فؤاده ونظره، قلت: يا رسول اللَّه ما عندك من علم الغيب، فضحك، وعلم أني أبتغي السقط، (وفيه ذكر البعث، والنشور، والجنة، والنار، وفيه ثم قال:) لقيط، (قلت: يا رسول اللَّه علامَ)) أي: على أي شيء (أبايعك) بحذف ألف ما، كما قال ابن ملك، وما في الاستفهام إن جرت حذف ألفها. قال في الهمع: إلى، وعلى، وحتى يكتبن بالياء، فإن وصلت الثلاثة بما الإستفهامية، كتبن بالألف لوقوعها وسطًا نحو إلام، وعلام وحتام، وإنما كتب إلى وعلى بالياء ما لم يوصلا، بما لعود ألفهما ياء في إليه وعليه، وحتى تكتب ألفًا مع المضمر نحو حتاي وحتاك، وبالياء مع الظاهر، نحو حتى زيد انتهى. فكتابة على في بعض النسخ بالياء، خلاف قاعدة الخط، (فبسط عَ ◌ّةٍ يده، وقال: ((على إقام الصلاة) المفروضة (وإيتاء الزكاة) المعهودة، (وأن لا تشرك باللّه شيئًا))). لفظ الزوائد: إلهًا غيره (الحديث)) وليس فيه الصوم، ولا الحج، وكأنه اختصار من الراوي، فإن لفظه عقب قوله: إلهًا غيره، قال: قلت: يا رسول اللَّه، وإن لنا ما بين المشرق والمغرب، قبضٍ عَّل يده، وظن أني مشترط، ما لا يعطينيه، قال: ((تحل منها حيث شئت، ولا يجني عليك إلاّ نفسك)). قال: فانصرفنا عنه، ثم قال: ((ها إن ذين، ها إن ذين مرتين، لمن نقر أنهم من أتقى الناس للَّه في الدنيا والآخرة)، فقال له كعب بن الخدارية: من هم يارسول الله؟ قال: ((بنو المنتفق)، قالها ثلاثًا، فانصرفنا، وها للتنبيه، وذين، يعني أبا رزين وصاحبه نهيك بن عاصم، والخدارية . بضم المعجمة، وتخفيف الدال، ولولا الإطالة لسقت الحديث بتمامه. (الوفد الخامس والثلاثون:) ٢٣٤ الوفد الخامس والثلاثون: وفد النخع وقدم عليه عَّم وفد النخع، وهم آخر الوفود قدومًا عليه. وكان قدومهم في نصف المحرم سنة إحدى عشرة، في مائتي رجل، فنزلوا دار الأضياف، ثم جاؤوا إلى رسول الله عَل مقرين بالإسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل. (وقدم عليه عَّ وفد النخع) . بفتح النون، والخاء المعجمة، وبعين مهملة. قبيلة من مذحج - بفتح الميم، وسكون المعجمة، وكسر الحاء المهملة، وجيم. قبيلة من اليمن، (وهم آخر الوفود قدومًا عليه، وكان قدومهم في نصف المحرم، سنة إحدى عشرة) من الهجرة، وهذا، وأمثاله مبني على أول التاريخ هل هو المقدم، أو أول سنة المقدم، أو طرح بقية سنة القدوم، والحسبان من ثاني ستة أقوال، أغربها الثالث. وقد قال ابن عبد البر والذهبي: قدم زرارة في نصف رجب، سنة تسع، فيحتمل أنه وفد فيها، ثم مع قومه سنة إحدى عشرة، كذا في النور (في مائتي رجل،) لم يعرف البرهان منهم إلاّ زرارة، (فنزلوا دار الأضياف،) هي دار رملة بنت الحرث، التجارية، الصحابية، زوجة معاذ بن عفراء، (ثم جاؤوا إلى رسول اللَّه عَلِ مقرين بالإسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل،) لما بعثه النبي ع﴾ إلى اليمن. وقال ابن سعد في الطبقات: حدثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبيه، عن أشياخ النخع، قال: بعث النخع رجلين منهم إلى النبي عَّهِ، وافدين بإسلامهم: أرطأة بن شراحيل بن كعب، والجهيش، واسمه الأرقم من بني بكر بن عمرو بن النخع، فخرجا حتى قدما عليه عَُّله، فعرض عليهما الإسلام، فقبلاه، فبايعاه على قومهما، وأعجبه عَّ شأنهما، وحسن هيئتهما، فقال: ((هل خلفتما وراء كما مثلكما))؟ قالا: يا رسول اللَّه قد خلفنا وراءنا من قومنا سبعين رجلاً، كلهم أفضل منا، وكلهم يقطع الأمر وينفذ الأشياء، ما يشاركونا في الأمر إذا كان، فدعا لهما عَُّ ولقومهما بخير، وقال: ((اللهم بارك في النخع))، وعقد لأرطأة لواء على قومه، فكان في يده يوم الفتح، وشهد به القادسية، فقتل يومئذ، فأخذه أخوه دريد، فقتل، فأخذه سيف بن حارثة من بني حذيفة، فدخل به الكوفة، وأخرجه ابن شاهين بإسناد ضعيف عن قيس بن كعب النخعي؛ أنه وفد على النبي عَّة، هو وأخوه أرطأة بن كعب، والأرقم، وكانا من أجل أهل زمانهما وأنظفه، فذكر الحديث، وسمى أخاه المقتول بعده يوم القادسية زيد بن كعب وجهيش . بضم الجيم، وآخره معجمة مصغر، وقيل: بفتح أوّله، وكسر الهاء، وسكون التحتية، وقيل: بفتح الجيم، وسكون الهاء، بعدها موحدة، وبه جزم ابن الأمين. روى ابن منده عن أبي هريرة، قدم جهيش بن أويس النخعي في نفر من أصحابه، فقالوا: يا رسول اللَّه أنا حي من مذحج، فذكر حديثًا طويلاً، فيه شعر منه: ٢٣٥ الوفد الخامس والثلاثون: وفد النخع فقال رجل منهم، يقال له زرارة بن عمرو، يا رسول الله إني رأيت في سفري هذا عجبًا، قال: وما رأيت؟ قال: رأيت أنانا تركتها كأنها ولدت جديًا أسفع أحوى، فقال له رسول الله عَّ ◌ُله: هل تركت لك مصرة؟ قال: نعم، قال: فإنها قد ولدت غلاما وهو ابنك، فقال يا رسول الله: ما باله أسفع أحوى؟ ألا يا رسول اللَّه أنت مصدق فبوركت مهديًا وبوركت هاديا شرعت لنا دين الحنيفة بعدما عبدنا كأمثال الحمير طواغيا وعند أبي نعيم، عن الحرث: قدمنا من اليمن، فنزلنا المدينة، فخرج علينا عمر، فطاف في النخع، فتصفحهم، وهم ألفان وخمسمائة، وعليهم أرطأة، فقال عمر: سيروا إلى العراق، قالوا: بل نسير إلى الشام، قال: سيروا إلى العراق، فسرنا، فأتينا القادسية، فقتل منا كثير، ومن سائر الناس قليل، فسئل عمر عن ذلك، فقال: إن النخع ولوا أعظم الأمر وحدهم، ذكره في الإصابة في موضعين. وعن ابن مسعود: سمعت رسول اللَّه عَّ يدعو لهذا الحي من النخع، أو قال، يثني عليهم، حتى تمنيت أني رجل منهم، (فقال رجل منهم، يقال له زرارة بن عمرو،) بضم الزاي، وأبوه بفتح العين، وسماه ابن الكلبي، وتبعه ابن شاهين زرارة بن قيس بن الحرث بن عدي. قال أبو حاتم: قدم نصف المحرم، سنة إحدى عشرة، وقال أبو عمر: بل كان قدومه في نصف رجب، سنة تسع، وبالأوّل جزم ابن سعد عن الواقدي، كذا في الإصابة، وتقدم جمع البرهان باحتمال قدومه أوّلاً وحده في التاريخ الأوّل، ثم مع قومه في هذا التاريخ: (يا رسول اللّه إن رأيت في سفري هذا عجبًا،) وفي رواية المدائني: رأيت في طريقي رؤيا هالتني، (قال: وما رأيت؟ قال: رأيت أتانا). بفتح الهمزة، وفوقية. حمارة أنثى، ولا يقال أتانة، قاله ابن السكيت، وجمع القلة آتن، كعناق وأعنق، والكثرة أتن . بضمتين . روى البيهقي عن أبي هريرة، رفعه من لبس الصوف، وحلب الشاة، وركب الأتن، فليس في جوفه من الكبر شيء (تركتها) في الحي، كما في رواية، وللمدائني: خلفتها في أهلي (كأنها ولدت جديًا،) هو الذكر من أولاد المعز، (أسفع) بزنة أحمر، أسود مشرب بحمرة، (أحوى) كالتأكيد لما قبله، إذ الحوّة. بالضم. سواد إلى خضرة، أو حمرة إلى سواد، كما في القاموس، (فقال له رسول اللَّه عَلَّ: ((هل تركت لك مصرة))) اسم فاعل من أصر على الشيء، أقام عليه، والمراد حملها محقق ثابت. وفي العيون: والمدائني أمة، وفي السبل امرأة، فلعل المصنف ترك الموصوف للخلاف فيه، كذا قيل، وإنما يتحقق الخلاف لو قيل: زوجة، فيرد لفظ امرأة إلى أمة، فلا خلاف. (قال: نعم، قال: ((فإنها قد ولدت غلامًا، وهو ابنك)))) دفع به ما قد يدخل عليه من الريبة إذ رأى اللون الغريب، (فقال: يا رسول اللَّه ما باله أسفع أحوى،) أي: ما الحال الداعي إلى مجيد ٢٣٦ الوفد الخامس والثلاثون: وفد النخع قال: ادن مني، فدنا منه، قال: هل بك من برص تكتمه؟ قال: والذي بعثك بالحق نبيًّا ما علم به أحد، ولا اطلع عليه غيرك، قال: فهو ذلك. قال: يا رسول الله، ورأيت النعمان بن المنذر وعليه قرطان مدلجيان ومسكتان. قال: ذلك مُلْك العرب رجع إلى أحسن زيه وبهجته. قال: يا رسول الله، ورأيت عجوزًا شمطاء، خرجت من الأرض. قال: تلك بقية الدنيا. بهذا اللون المخالف للون أبيه؟ (قال: ((ادن مني))،) قصدته ستره لعلمه عَ ل أنه يخفيه، (فدنا منه، قال: ((هل بك برص تكتمه)!) استفهام تقريري، أريد به طلب اعترافه به، ليرتب عليه الجواب، فيكون ألزم للحجة، (قال: والذي بعثك بالحق نبيًّا، ما علم به أحد، ولا اطلع عليه غيرك) فكأنه قال: نعم هو بي، ولكن والذي .. الخ، فهو معجزة، (قال: فهو ذلك،) أي: اللون الذي في ولدك أثر ما فيك من البرص، وهذا من المعجزات، (قال: يا رسول اللَّه ورأيت النعمان بن المنذر، وعليه قرطان) . بالضم. تثنية قرط، وهو ما يعلق في شحمتي الأذن، والجمع أقراط (مدلجيان،) كذا في النسخ، والمدلج الذي يسير الليل كله، ولا معنى له هنا، والذي في العيون، والإصابة، وغيرهما، كالمصنف نفسه في الرؤيا ودملجان - بضم اللام، وفتحها . شيء يشبه السوار، (ومسكتان). بفتح الميم، والسين المهملة. سواران من ذهب، قاله المصنف في التعبير، والذي قاله ابن سيده، والجوهري: المسك بفتحتين أسورة من ذبل، أو عاج، والذبل بمعجمة، وموحدة ساكنة شيء كالعاج، وقيل: ظهر السلحفاة البحرية، فالمعنى على هذا سواران من ذبل، وفي الجامع لابن الأثير: المسكة بالتحريك أسورة من ذبل، أو عاج، فإذا كانت من غير ذلك أضيفت إلى ما هي منه، فيقال: من ذهب، أو فضة، أو غيرهما. (قال: ذلك ملك) . بضم الميم، وإسكان اللام. (العرب رجع إلى أحسن زيه) . بكسر الزاي، وشد الياء. هيئته (وبهجته) حسنه، لأن النعمان كان ملكًا على العرب، فالمعنى عادت العرب إلى ما كانوا عليه من العز والشرف، وذهبت غلبة الفرس والعجم بظهور المصطفى. قال المصنف في الرؤيا: تعبيره السوارين هنا يرجع إلى بشرى، وعبرهما بالكذابين فيما مر، والجواب أن النعمان كان ملكًا على العرب من جهة الأكاسرة، وكانوا يسؤَّرون الملوك ويحلونهم، فالسواران من زيهم ليسا بمنكرين في حقه، ولا بموضوعين في غير موضعهما عرفًا، وأما النبي عَّهِ، فنهى عن لباس الذهب لآحاد أمته، فجدير أن يهمه ذلك، لأنه ليس من زيه، واستدل به على أنه أمر يوضع في غير موضعه، ولكن حمدت العاقبة بذهابه، (قال: يا رسول اللَّه ورأيت عجوزًا شمطاء) بزنة حمراء، أي: أبيض شعر رأسها، (خرجت من الأرض، قال: تلك بقية الدنيا،) فلم يبق منها ٢٣٧ الوفد الخامس والثلاثون: وفد النخع قال: ورأيت نارًا خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابن لي يقال له عمرو، قال رسول الله عَّ ◌ُله: تلك فتنة تكون في آخر الزمان. قال: يا رسول الله، وما الفتنة؟ قال: تقتل الناس إمامهم - وخالف رسول الله عليه بين أصابعه - يحسب المسيء فيها أنه محسن، ويكون دم المؤمن عند المؤمن أحلى من شرب الماء، إن مات ابنك أدركت الفتنة، وإن مت أنت أدركها ابنك. قال: يا رسول الله ادع الله أن لا أدركها، فقال رسول الله عَظِلّهِ: اللَّهم لا يدركها. فمات فبقي ابنه فكان ممن خلع عثمن بن عفان رضي الله عنه. إلا القليل بالنسبة للماضي، كالباقي من عمر العجوز مما مضى، (قال: ورأيت نارًا خرجت من الأرض، فحالت بيني وبين ابن لي يقال له عمرو،) ورأيتها تقول: لظى لظى، بصير وأعمى، أطعموني، آكلكم آكلكم، أهلككم ومالكم، هذا من جملة رؤياه، كما في المقصد الثامن والعيون، وكان معناه: تفترق الناس فيها فرقتين، بصير عرف الحق فاتبعه، وأعمىٍ لم يهتد إلى طريق الحق فضل، ومعنى أطعموني: افتتنوا بي، وارتكبوا الضلال، (قال رسول اللَّه عَ له: «تلك فتنة تكون في آخر الزمان))،) سماه آخرًا، مع أنها قتل عثمان رضي اللَّه عنه على معنى أنه لغلظ أمره وفحشه، بمنزلة ما يكون في آخر الزمان الذي تندرس فيه الأحكام وتزول، حتى كأنها لا أثر لها، أو أن المراد آخر زمان الخلافة الحقيقية التي جروا فيها على سنن المصطفى، وسماها آخرًا، مع أنه بقي منها مدة عليَّ وابنه، لقرب قتل عثمان من آخرها، (قال: يا رسول اللَّه وما الفتنة؟) لأنها تطلق لغة على معان، فسأله أيها أراد، (قال: ((تقتل الناس إمامهم)))) ولفظ الآتي في التعبير، قال: يفتك الناس بإمامهم، ثم يشتجرون اشتجار أطباق الرأس، ثم قال: إطباق الرأس عظامه، والاشتجار الاشتباك والاختلاف. (وخالف رسول اللَّه عَِّ بين أصابعه))) لم يبينوا صفة المخالفة، (يحسب المسيء فيها أنه محسن،) جملة مستأنفة للإشارة إلى غلبتها على الناس، فيظن المبطل أنه محق، (ويكون دم المؤمن عند المؤمن أحلى،) ألذ (من شرب الماء) للظمآن. وفي العيون وغيرها: أحل من الحل، وكأنه لغلبة اشتباه الحال، فيظن أنه محق، فيراه أشد حلاً من شرب الماء، وخصه لغلبة حصوله من جهة حل، كالأنهار والأمطار وغيرهما، (إن مات ابنك أدركت الفتنة، وإن مت أنت أدركها ابنك، قال: يا رسول اللَّه ادع الله أن لا أدركها، فقال رسول اللَّه عَّ: ((اللهم لا يدركها))، فمات،) ولم يبينوا وقت موته (فبقي ابنه) عمرو بن زرارة، أو رده صاحب الإصابة في القسم الأول، وقال صحبته محتملة، (فكان ممن خلع عثمان بن عفان رضي اللّه عنه). ٢٣٨ المقصّد الثّالِث: فيما فضله الله تعالى به انتهى ملخصًا من الهدى النبوي، والله الموفق وسيأتي هذا إن شاء الله تعالى في تعبيره الرؤيا معَّ له من المقصد الثاني. انتهى. المقصّد الثّالِث فيما فضله الله تعالى به من كمال خلقته وجمال صورته وكرمه، تعالى به من الأخلاق الزكية وشرفه به من الأوصاف المرضية. وما تدعو ضرورة حياته إليه عَّ ◌ُله. وفيه أربعة فصول. الفصل الأول في كمال خلقته وجمال صورته صلى الله عليه وسلم اعلم أن من تمام الإيمان به عَِّ الإيمان بأن الله تعالى جعل خلق وعند الكلبي وغيره: فكان أول خلق اللَّه خلع عثمان بالكوفة، (انتهى ملخصًا من الهدى النبوي) لابن القيم، (والله الموفق، وسيأتي هذا،) أي: خبر زرارة إن شاء اللّه تعالى (في تعبيرا الرؤيا عٍَّ من المقصد الثاني، انتهى). كتاب الشمائل النبوية المقصد الثالث: فيما فضله اللّه تعالى به أي: في صفات صيره اللَّه تعالى بها، زائدًا على غيره (من كمال،) بيان لما (خلقته صورته التي خلق عليها والكمال يستعمل في الذوات والصفات، فالمعنى كماله في ذاته وصفاته، (وجمال صورته) مساو لما قبله في المعنى، حسنه اختلاف اللفظ. وفي المصباح، قال سيبويه: الجمال رقة الجسد، والأصل جمالة بالهاء، مثل صبح صباحة، لكنهم حذفوا الهاء، تخفيفًا لكثرة الاستعمال، (وكرمه تعالى به،) أي: عظمه، وميز على غيره أصلاً، وذاتًا، وصفة (من الأخلاق الزكية) الصالحة، الزائدة في الكمال (وشرفه))) أعلا (به) رتبة على غيره (من الأوصاف) الذاتية، القائمة به، (المرضية) عند ربه، وعند أولي الألباب فهذه الألفاظ متقاربة المعاني، أو متحدة، (وما تدعو ضرورة حياته إليه) من غذائه ونحوه، كمـ (مَِّ، وفيه أربعة فصول: يأتي له (مَّ اللّه. الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته، وهي ما يظهر للناظرين من جسده ءُ (اعلم أن من تمام الإيمان به عَّ الإيمان،) التصديق (بأن اللَّه تعالى جعل خلق،) أي ٢٣٩ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته بدنه الشريف على وجه لم يظهر قبله ولا بعده خلق آدمي مثله، فيكون ما يشاهد من خلق بدنه آيات على ما يتضح من عظيم خلق نفسه الكريمة، وما يتضح من عظيم أخلاق نفسه آيات على ما تحقق له من سر قلبه المقدس، ولله در الأبوصيري حيث قال: فهو الذي تم معناه وصورته ثم اصطفاه حبيبًا بارىء النسم منزه عن شريك في محاسنه فجوهر الحسن فيه غير منقسم تقدير (بدنه الشريف على وجه،) أي: حال وهيئة، (لم يظهر قبله، ولا بعده خلق آدمي مثله، فيكون ما يشاهد من خلق بدنه،) أي: الصفة الظاهرة، (آيات على ما يتضح،) أي: ينكشف ويظهر (من عظيم خلق نفسه الكريمة، وما يتضح من عظيم أخلاق نفسه،) بيان لما، فأشار إلى أن المراتب ثلاث، المشاهد دليل على الباطن، وذلك الباطن دليل على ما أودع في قلبه من العلوم والمعارف، كما أفاده بقوله: (آيات على ما تحقق). بفتح التاء. ثبت وصح (له من سر قلبه المقدس،) أي: ما اشتمل عليه من المعاني البديعة، فوصف المعاني بكونها مكنونة لا يطلع عليها، ولكن يستدل عليها بما ظهر من أخلاقه وكمالاته، وهو عَّم وإن ظهر منه كمالات لا تحصى، فهي بالنسبة لما خفي، كنقطة من بحر، (وللَّه در الأبوصيري) محمد بن سعيد، الصنهاجي، الدلاصي، المولد، المغربي، الأصل، البوصيري المنشأ، ولد بدلاص أول شؤَّال، سنة ثمان وستمائة، وبرع في النظم. قال فيه الحافظ: ابن سيد الناس، هو أحسن من الجزار والوراق، ومات سنة خمس، أو أربع وتسعين وستمائة، كان أحد أبويه من بوصير الصعيد، والآخر من دلاص. بفتح الدال المهملة. قرية بالبهنسا، فركبت النسبة منهما، فقيل: الدلاصيري، ثم اشتهر بالبوصيري، لنشأته بها، أو لأنها بلد أبيه، فقوله: الأبوصيري منتقد، لأن القرية إنما هي بوصير، والنسبة إليها البوصيري، كما في المراصد واللباب، ولبه في باب الموحدة، لا الهمزة، وفي نسخة الأبي صيري بالياء، ولا وجه له، لا إفرادًا ولا تركيبًا، (حيث قال: فهو الذي، تم) كمل، (معناه) حال باطنه، (وصورته،) حال ظاهره، بالرفع عطفًا على معناه، والنصب مفعول معه، (ثم اصطفاه،) اختاره (حبيبًا بارىء،) خالق (النسم،) جمع نسمة . بفتحتين. وهي الإنسان، وثم للترتيب في الأخبار، كما قال الأنصاري، نظرًا لما قبل وجوه، فإنه في الأزل تعلق علمه بكماله معنى وصورته، وإنه حبيبه، فهو ترتيب في الأخبار دون الصفات؛ أو في الاصطفاء، كما قال المحلى نظرًا للوجود الخارجي، فإن اتخاذه حبيبًا، ومخاطبته به بعد تمام معناه، صورته، (منزه) مبعد (عن شريك في محاسنه،) جمع محسن، بمعنى الحسن، أي: لا شريك له في حسنه، (فجوهر ٢٤٠ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته يعني: حقيقة الحسن الكامل كائنة فيه، لأنه الذي تم معناه دون غيره، وهي غير منقسمة بينه وبين غيره، وإلا لما كان حسنه تامًا، لأنه إذا انقسم لم ينله إلا بعضه فلا يكون تامًا. وفي الأثر: أن خالد بن الوليد خرج في سرية من السرايا، فنزل ببعض الأحياء فقال له سيد ذلك الحي: صف لنا محمدًا، فقال: أما إني أفصل فلا، فقال الرجل: أجمل، فقال: الرسول على قدر المرسل، الحسن،) أصله (فيه غير منقسم،) أي: متفرق. ومعنى البيتين هو الذي كمل باطنه في الكمالات، وظاهره في الصفات، ثم اختاره خالق الإنسان حبيبًا، لا شريك له في الحسن، وجوهره لا يقبل القسمة بينه وبين غيره، كما أن الجوهر، الفرد المتوهم في الجسم، ويقول المتكلمون: الجسم مركب منه؛ غير منقسم بوجه، لا بالفرض، ولا بالوهم، ومن كان موصوفًا بكمال الصفات، ظاهرًا وباطنًا، كان محبوبًا، قاله الشيخ خالد، وإلى نحوه يوميء قول المصنف، (يعني) الناظم بقوله: جوهر الحسن، (حقيقة الحسن ) لا مقابل العرض من الأشياء التي تقوم بأنفسها من الموجودات الخارجية. (الكامل،) قيد به لإفادة أنه المختص به، فلا ينافي وجود أصله في نحو الأنبياء، (كائنة فيه، لأنه الذي تم معناه،) تعليل لوجود الكامل فيه (دون غيره، وهي غير منقسمة بينه وبين غيره وإلا لما كان حسنه تامًا، لأنه إذا انقسم لم ينله إلا بعضه فلا يكون تامًا،) فحاصله: أن الانقسام المنفي أن يعطي نوعًا من الحسن، وغيره آخر منه، فيكون منقسمًا بينهما، بل أعطى عَّه أعلى الصفات اللائقة بالبشر، وشاركه غيره في الإتصاف ببعضها، فيكون ذلك البعض مشتركًا، وتميز المصطفى بالزيادة التي لم يؤتها غيره، كما قال ابن المنير وغيره في حديث: أعطى يوسف شطر الحسن، يتبادر إلى بعض الأفهام أن الناس يشتركون في البعض الآخر، وليس كذلك، بل المراد أنه أوتى شطر الحسن الذي أوتيه نبينا عَّه، فإنه بلغ الغاية ويوسف شطرها. (وفي الأثر) المأثور، المنقول عن السلف؛ (أن خالد بن الوليد خرج في سرية من السرايا، فنزل ببعض الأحياء، فقال له سيد ذلك الحي: صف لنا محمدًا، فقال: أما إني أفصل، فلا) لعجزي عن التفصيل، لأن صفاته لا يمكن الإحاطة بها، (فقال الرجل: أجمل،) أي: أذكرها مجملة، (فقال: الرسول على قدر المرسل،) أي: حالة تليق به، وهو رسول اللَّه، بعثه لتبليغ أحكامه، فمن لازمه أنه بالغ الغاية، فكل ما تصور فيه من كمال دون ما ثبت له، فإن الملك إذا بعث رسولاً لقضاء ما يريد، إنما يرسل من يقدر على ذلك، بحيث يكون ذا مرتبة شريفة، وتصرف تام، ولا يلزم منه مساواته لبقية الرسل، لأن عموم رسالته، ونسخها لشرائع من قبله، يقتضي رتبة