النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ الوفد السابع: وفد كنده صِّلى الله قد رجَّلوا جمعهم، ولبسوا جباب الحبرات مكففة بالحرير، فلما دخلوا قال: أولم تسلموا؟ قالوا: بلى، قال: فما هذا الحرير فى أعناقكم سرت بريدًا وفرسخًا جاعلين ذلك ظرف مكان، وبين إبهام نحو مسجد حيث جعل النصب على التوسع، أن الفرسخ والبريد اسم آلة يكأل بها، لا اسم حصة معينة بخلاف نحو: دار ومسجد، فاسم لحصة محدودة في نفس الأمر، وإن لم تكن معينة (قد رجلوا) . بجيم فلام ثقيلة. سرحوا (جمعهم) . بجيم مضمومة، فميمين مفتوحتين فهاء. جمع جمة، وهي مجتمع شعر الناصية التي تبلغ المنكبين، زاد ابن إسحق، وتكحلوا (ولبسوا جباب،) جمع جبة ثوب معروف، ويجمع أيضًا على جيب، كما في القاموس (الحبرات) . بكسر المهملة وفتح الموحدة. جمع حبرة بزنة عنبة من البرود ما كان موشيًا مخططًا، وفي الفتح، يقال: برد حبير وبرد حبرة بزنة عنبة، على الوصف والإضافة (مكففة بالحرير،) أي: مجعولاً لكل منها كفة . بضم الكاف وشد الفاء وتاء تأنيث. السجاف، ويسمى الطرة أيضًا، وكل مستطيل كفة . بالضم، وكل مستدير كفة . بالكسر. ككفة الميزان، وقيل: بالوجهين فيهما. زاد في رواية: والديباج المخوّص بالذهب، (فلما دخلوا) قالوا: أبيت اللعن وكانت تحيتهم، فقال عَّ ◌ُله: ((لست ملكًا، أنا محمد بن عبد اللَّه))، قالوا: لا نسميك باسمك، قال: ((أنا أبو القسم))، فقالوا: يا أبا القسم إنا خبأنا لك خباً، فما هو؟ وكانوا خبئوا له عين جرادة في ظرف سمن، فقال عَّهِ: ((سبحان اللَّه، إنما يفعل ذلك بالكاهن، وإن الكاهن والكهانة والتكهن في النار))، فقالوا: كيف نعلم أنك رسول اللّه، فأخذ كفّا من حصباء، فقال: ((هذا يشهد أني رسول اللَّه، فسبح الحصا في يده))، فقالوا: نشهد أنك رسول اللَّه عَّ، إن اللَّه بعثني بالحق، وأنزل عليّ كتابًا، لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، فقالوا: أُسمعنا منه، فتلا: ﴿والصافات صفًّا﴾ [الصافات: ١]، حتى بلغ ﴿ورب المشارق﴾ [الصافات: ٥]، ثم سكت، وسكن عَ ◌ّ بحيث لا يتحرك منه شيء، ودموعه تجري على لحيته، فقالوا: إنا نراك تبكي، أفمن مخافة من أرسلك تبكي؟ قال: ((إن خشيتي أبكتني، بعثني على صراطٍ مستقيمٍ في مثل حد السيف، إن زغت عنه هلكت، ثم تلا: ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك﴾ [الإسراء: ٨٦])) الآية، ثم (قال عٍَّ:) (أتيتمونا (أولم تسلموا)))) فالمعطوف عليه مقدر بعد همزة الاستفهام الحقيقي، لأن كثيرًا وفدوا مشركين، فيعرض عليهم الإسلام، أو التقرير يرى ليرتب عليه لومهم على الحريري، (قالوا: بلى) أسلمنا، (قال: فما) بال (هذا الحرير في أعناقكم،) وهو لا يجوز لبسه للرجال، ولعله جاوز حد السجاف، فلا يرد على قول الفقهاء بجواز التسجيف بالحرير. زاد في رواية: وكان على النبي عَّ حلة يمانية، يقال إنها حلة ذي يزن وعلى أبي بكر ١٦٢ الوفد السابع: وفد كنده فشقوه فنزعوه وألقوه. وعمر مثلها، وكان عٍَّ إذا قدم عليه وفد لبس أحسن ثيابه، وأمر أصحابه بذلك (فشقوه) . بفتح الشين ماض وضمها . أمر، وإن لزم عليه إتلاف مال لوجوبه تخلصًا من الحرمة، على أنه يمكن أن المراد بالشق الإزالة لا القطع، فلا إتلاف، (فنزعوه وألقوه). زاد في رواية: ثم أجاز كل احد بعشر أواق فضة، إلاّ الأشعث فأجازه باثنتي عشرة أوقية، وزاد ابن إسحق: وقالوا يا رسول اللَّه نحن بنو آكل المرار، وأنت ابن آكل المرار، فتبسم عَّه، وقال: ((ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب، وربيعة بن الحرث))، وكانا تاجرين، فإذا شاعا في العرب، فسئلا من هما قالا: نحن بنو آكل المرار يتعززان بذلك، وذلك أن كندة كانوا ملوكًا، ثم قال عَّ: لا نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفوا أمنا، ولا ننتفي من أبينا، فقال الأشعث بن قيس الكندي: هل فرغتم يا معشر كندة، واللَّه لا أسمع رجلاً يقولها إلا ضربته ثمانين، ونقفوا . بنون مفتوحة فقاف ساكنة ففاء مضمومة، أي: لا نترك النسب إلى الآباء، وننتسب إلى الأمهات، وله عَُّ جدة من كندة، وهي أم كلاب بن مرة، واسمها دعد بنت سرير بن ثعلبة بن حارثة الكندي، وقيل: بل هي جدة كلاب أم أمه هند. قال السهيلي: ففيه أنهم أصابوا في بعض قولهم: نحن وأنت بنو آكل المرار، وهو الحرث بن عمرو الكندي، لقب بذلك لأكله هو وأصحابه شجرًّا، يقال له المرار في غزوة غزاها، وقيل: لقب بذلك، لأن عمرو بن هند الغساني أغار عليهم في غيبة الحرث، فغنم وسبى، فكان في السبي امرأة الحرث، فقالت لعمرو: لكأني برجل أتاكم أسود، كأن مشافره مشافر بعير قد أكل المرار، تعني زوجها، فتبعه الحرث في قومه، فقتله واستنفذ امرأته وما كان أصاب. وروى أن المخاطب للنبي عَِّ بهذا الأشعث بن قيس، ولا مانع أنه خاطبه، ثم خاطبوه، أو هو المخاطب، ونسب للكل في الرواية الأخرى لسكوتهم عليه، لأن الأشعث كان من ملوك كندة، وصاحب رباع حضرموت، وكان وجيهًا في قومه في الإسلام، وارتد بعد النبي عَّهِ، فأسر وأحضر إلى أبي بكر، فأسلم، فأطلقه وزوجه أخته أم فروة، فاخترط سيفه، ودخل إلى سوق الإبل، فجعل لا يرى جملاً، ولا ناقة إلاَّ عرقبه، فصاح الناس: كفر الأشعث، فلما فرغ طرح سيفه، وقال: والله ما كفرت، ولكن زوَّجني هذا الرجل أخته، ولو كنا في بلادنا كانت وليمة غير هذه، يا أهل المدينة كلوا، ويا أصحاب الإبل تعالوا خذوا أثمانها، ثم شهد اليرموك بالشام، ثم القادسية وحروب العراق مع سعد، وسكن الكوفة، وشهد صفين مع علي، ومات بعده بأربعين ليلة، وصلى عليه الحسن، وقيل: مات سنة ثنتين وأربعين. ١٦٣ الوفد الثامن: وفد الأشعريين الوفد الثامن: وفد الأشعریین وأهل اليمن وقدم عليه - زاده الله شرفًا وكرمًا لديه - الأشعريون وأهل اليمن. قيل هو من عطف الخاص على العام، وقال الحافظ أبو الفضل شيخ الإسلام ابن حجر: المراد بهم بعض أهل اليمن، وهم وفد حمير. قال: ووجدت في كتاب الصحابة لابن شاهين من طريق إياس بن عمرو الحميري: أنه قدم وافدًا على رسول الله عَّله في نفر من حمير فقالوا: أتيناك لنتفقه في الدين .. الحديث. (الوفد الثامن:) (وقدم عليه، زاده اللَّه شرفًا وكرمًا لديه الأشعريون). بفتح الهمزة، وإسكان المعجمة، فراء، فتحتية، فواو فنون. قبيلة كبيرة باليمن، نسبوا إلى جدهم أشعر، سمي بذلك، لأنه ولد والشعر على بدنه وهو نبت . بنون أوله. ابن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبا (وأهل اليمن،) وهذه الترجمة وقعت في البخاري، بلفظ باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن، (قيل: هو من عطف الخاص على العام،) ويرده أن أهل اليمن ليسوا بعضًا من الأشعريين، فالصواب العكس إذ الأشعريون بعض أهل اليمن، (وقال الحافظ أبو الفضل، شيخ الإسلام ابن حجر:) كنت أظنه من عطف العام على الخاص، ثم ظهر لي أن هذا العام خصوص أيضًا، و(المراد بهم بعض أهل اليمن، وهم وفد حمير) - بكسر المهملة وسكون الميم وفتح التحتية. نسبة إلى حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. من أصول القبائل باليمن، فيمنع صرفه على إرادة القبيلة، ويصرف على إرادة الحي، وعلى هذا المراد، فيكون من عطف المباين لأن الأشعريين والحميريين قبيلتان مختلفتان، (قال: ووجدت في كتاب الصحابة، لابن شاهين) الحافظ الإمام أبي حفص، عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي، صاحب التصانيف، منها التفسير ألف جزء، والمسند ألف وثلثمائة جزء، والتاريخ والزهد إلى ثلثمائة وثلاثين تصنيفًا. مات في ذي الحجة سنة خمس وثمانين وثلثمائة (من طريق) زكريا بن يحيى الحميري، عن (إياس بن عمرو الحميري؛ أنه قدم) صوابه، کما في الإصابة من طريق إياس بن عمرو الحميري؛ أن نافع بن زيد الحميري قدم (وافدًا،) أي: رسولاً من قومه (على رسول اللَّه عَّلِّ في نفر من حمير، فقالوا: أتيناك لنتفقه في الدين .. الحديث) بقيته، ونسأل عن أول هذا الأمر، قال: كان اللَّه ليس شيء غيره، وكان عرشه على الماء، ثم خلق القلم، فقال له: اكتب ما هو كائن، ثم خلق السموات والأرض وما فيهن، واستوى على عرشه. ١٦٤ الوفد الثامن: وفد الأشعريين والحاصل: أن الترجمة مشتملة على طائفتين، وليس المراد اجتماعهما في الوفادة، فإن قدوم الأشعريين كان مع أبي موسى في سنة سبع عند فتح خيبر، وقدوم حمير كان في سنة تسع، وهي سنة الوفود، ولهذا اجتمعوا مع بني تميم. روى يزيد بن هرون، عن حميد عن أنس أن رسول الله عَةٍ قال: يقدم عليكم قوم هم أرق منكم قلوبًا. فقدم الأشعريون فجعلوا يرتجزون: غدًا نلقى الأحبه محمدًا وحزبه قال في الإصابة: فيه عدة مجاهيل انتهى، فالصحبة والقدوم إنما هو لنافع بن زيد، لا لإياس بن عمرو؛ فإنه ليس بصحابي، ولم يترجم له في الإصابة، بل هو تابعي مجهول، كما رأيت عن الإصابة، (والحاصل أن الترجمة مشتملة على طائفتين) الأشعريين والحميريين، (وليس المراد اجتماعهما في الوفادة، فإن قدوم الأشعريين كان مع أبي موسى) عبد اللَّه بن قيس، (في سنة سبع عند فتح خيبر،) وقيل: إن أبا موسى قدم قبل الهجرة، ثم كان ممن هاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى، ثم قدم الثانية صحبة جعفر، والصحيح أنه خرج طالبًا المدينة في سفينة، فألقتهم الريح إلى الحبشة، فاجتمعوا فيها بجعفر، ثم قدموا صحبته، (وقدوم حمير كان في سنة تسع، وهي سنة الوفود، ولهذا اجتمعوا مع بني تميم،) وعلى هذا فإنما ذكر البخاري الأشعريين هنا، ليجمع ما وقع له من شرطه من بعوث وسرايا ووفود، وإن تباينت تواريخهم، وقد عقد ابن سعد في الطبقات للوفود بابًا، وذكر وفد حمير، ولم يقع له قصة نافع بن زيد التي ذكرتها، قاله كله الحافظ. (وروى يزيد،) بتحتية وزاي. (ابن هرون) بن زاذان السلمي، مولاهم أبو خالد الواسطي، ثقة، متقن، عابد، روى له الستة ومات سنة ست ومائتين، وقد قارب التسعين. (عن حميد) الطويل البصري: اختلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال، ثقة مدلس، مات سنة اثنتين، ويقال: سنة ثلاث وأربعين ومائة، وهو قائم يصلي، وله خمس وسبعون سنة، روى له الجميع، (عن أنس أن رسول اللَّه عَ ◌ّ، قال: ((يقدم عليكم قوم هم أرق منكم قلوبًا))، فقدم الأشعريون، فجعلوا يرتجزون) قائلين: (غدًا نلقى الأحبة محمدًا وحزبه،) وهذا رواه الإمام أحمد وغيره، ولا يلزم من ذلك تفضيلهم على المخاطبين، لأنها مزية. عم من المشكل ما روى أحمد والبزار والطبراني، عن جبير بن مطعمٍ مرفوعًا: أتاكم أهل اليمن، كأنهم السحاب، وهم خيار في الأرض، فقال رجل من الأنصار: إلاّ نحن، فسكت، ثم قال: إلاَّ نحن، فسكت، ثم قال: إلاَّ نحن يا رسول الله، قال: إلاَّ أنتم كلمة ضعيفة، قال: ولما لقوا رسول اللَّه عَظِّ أسلموا، وبايعوا، فقال عَّةٍ: («الأشعريون كصرة فيها مسك ولا إشكال))، لأن ١٦٥ الوفد الثامن: وفد الأشعريين وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله عّ لّه يقول: جاء أهل اليمن، هم أرق أفئدة وأضعف قلوبًا، الإيمان یمان، المراد في أرضهم، وأما سكوته مرتين عن إستثناء الأنصار مع أن فيهم من هو أفضل قطعًا، لأن منهم من هو أهل بدر وربيعة الرضوان، فلعله لئلا يغتروا ويتكلموا على التفضيل، ولذا قال بعد الثالثة كلمة ضعيفة، (وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول اللَّه عَ لَه يقول: ((جاء أهل اليمن))). وفي رواية البخاري: أتاكم أهل اليمن (هم أرق أفئدة وأضعف،) هو بمعنى رواية البخاري وألين (قلوبًا). قال الخطابي: وصف الأفئدة بالرقة والقلوب باللين، لأن الفؤاد غشاء القلب، فإذا رق نفذ القول وخلص إلى ما وراءه، فإذا غلظ بعد وصوله إلى داخل، فإذا صادف القلب لينًا علق به وتجمع فیه. وقال البيضاوي: الرقة ضد الغلظ، واللين يقابل القسوة، فاستعيرت في أحوال القلب، فإذا نبا عن الحق، وأعرض عن قبوله، ولم يتأثر بالآيات والنذر، وصف بالغلظ، وكان شعاعه ضعيفًا لا ينفذ فيه الحق، وجرمه صلب لا يؤثر فيه الوعظ، وإذا كان بعكس ذلك يوصف بالرقة واللين، فكان حجابه رقيقًا، لا يأبى نفوذ الحق، وجوهره لين يؤثر فيه النصح. وقال الطيبي: يمكن أن يراد بالفؤاد والقلب، ما عليه أهل اللغة من كونهما مترادفين، فکرر ليناط به معنى غير المعنى الأول، فإن الرقة مقابلة للغلظ، واللين مقابل للشدة والقسوة، فوصف أولاً بالرقة ليشير إلى التخلق مع الناس، وحسن العشرة مع الأهل والإخوان. قال تعالى: ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وثانيًا باللين ليأخذ بأن الآيات النازلة والدلائل المنصوبة راجعة فيها، وصاحبها يقيم على التعظيم لأمر اللَّه تعالى انتهى. (الإيمان،) وفي رواية: الفقه (يمان،) أي: منسوب لأهل اليمن، لأن صفاء القلب ورقته ولين جوهره تؤدي إلى عرفان الحق والتصديق به، وهو الإيمان والانقياد. وقال أبو عبيدة وغيره: معناه أن مبدأ الإيمان من مكة، لأن مكة من تهامة، وتهامة من اليمن، وقيل: المراد مكة والمدينة لصدور هذا الكلام من النبي عَّه وهو بتبوك، فتكون المدينة حينئذ بالنسبة إلى المحل الذي هو فيه يمانية، وقيل: واختاره أبو عبيد أن المراد الأنصار، لأنهم يمانون في الأصل، فنسب الإيمان إليهم لكونهم أنصاره. وقال ابن الصلاح: لو تأملوا ألفاظ الحديث، لما احتاجوا إلى هذا التأويل، لأن قوله: أتاكم ١٦٦ الوفد الثامن: وفد الأشعريين والحكمة يمانية والسكينة في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر قبل مطلع الشمس. أهل اليمن خطاب للناس، ومنهم الأنصار، فتعين أن الذين جاؤوا غيرهم، قال: ومعنى هذا الحديث وصف الذين جاؤوا بقوة الإيمان وكماله، ولا مفهوم له، ثم المراد الموجودون حينئذ منهم، لا كل أهل اليمن في زمان. قال الحافظ: ولا مانع أن المراد ما هو أعم من قول أبي عبيد وابن الصلاح، وحاصله أنه يشمل من ينسب إلى اليمن بالسكنى وبالقبيلة، لكن كون المراد من ينسب بالسكنى أظهر، بل هو المشاهد في كل عصر من أحوال سكان اليمن وجهة الشمال، فغالب من يوجد من جهة اليمن رقاق القلوب والأبدان، وغالب من يوجد من جهة الشمال غلاظ القلوب والأبدان، (والحكمة يمانية)) بخفة الياء، فقلوبهم معادن الإيمان وينابيع الحكمة، والأصل يمني وبمنية، فحذفت الياء تخفيفًا، وعوَّض عنها بالألف، (والسكينة،) بفتح السين وخفة الكاف، الطمأنينة، والسكون، والوقار، والتواضع (في أهل الغنم،) لأنهم غالبًا دون أهل الإبل في التوسع والكثرة، وهما من سبب الفخر والخيلاء. وعند ابن ماجه عن أم هانىء أنه عَّ، قال لها: ((اتخذي الغنم فإنها بركة))، وقيل: أراد بأهل الغنم أهل اليمن، لأن غالب مواشيهم الغنم (والفخر،) بفتح الفاء، وإسكان المعجمة، وبالراء. ادعاء العظم والكبر والشرف، ومنه الإعجاب بالنفس (والخيلاء،) بضم المعجمة، وفتح التحتية والمد، الكبر واحتقار الغير (في الفدادين،) بشد الدال عند الأكثر جمع فداد، وهو من يعلو صوته في إبله وخيله وحرثه ونحو ذلك، والفديد: الصوت الشديد، وقيل: المكثرون الإبل من مائتين إلى ألف، وقيل: الجمّالون والبقارون والحمارون والرعيان، وقيل: من يسكن الفدافد جمع فدفد، وهو البراري والصحارى وهو بعيد، وحكى تخفيف الدال جمع فدان، والمراد البقر التي يحرث عليها، فهو على حذف مضاف. قال الحافظ: ويؤيد الأول رواية في البخاري، وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل (أهل الوبر،) بفتح الواو، والموحدة، وبالراء. للإبل بمنزلة الشعر لغيرها وهذا بيان للفدادين، أي: ليسوا من أهل المدن، بل من أهل البدو (قبل) . بكسر القاف وفتح الموحدة. جهة (مطلع الشمس). قال الخطابي: إنما ذم هؤلاء لاشتغالهم بمعالجة ما هم فيه عن أمور دينهم، وذلك يفضي إلى قساوة القلب. وقال البيضاوي: تخصيص الخيلاء بأصحاب الإبل، والوفاء بأهل الغنم، دليل على أن ١٦٧ الوفد الثامن: وفد الأشعريين رواه مسلم. وفي البخاري: إن نفرًا من بني تميم جاؤوا إلى رسول الله عَِّ فقال: أبشروا يا بني تميم، فقالوا: بشرتنا فأعطنا، فتغير وجه رسول الله عَّه وجاء نفر من أهل اليمن، فقال: أقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم، قالوا: قد قبلنا يا رسول الله جئنا لنتفقه في الدين ونسألك عن هذا الأمر، فقال: كان الله ولم يكن شىء غيره .... مخالطة الحيوان ربما تؤثر في النفس، وتعدى إليها هيئات وأخلاقًا تناسب طباعها، وتلائم أحوالها، (رواه مسلم،) وكذا البخاري بنحوه. (وفي البخاري) من حديث عمران بن حصين (أن نفرًا من بني تميم) بن مر . بضم الميم وشد الراء. ابن أد . بضم الهمزة وشد المهملة. ابن طابخة . بموحدة مكسورة، ثم معجمة. ابن إلیاس بن مضر بن نزار. ذكر ابن إسحق: أن أشرافهم قدموا على النبي عَّه، منهم: عطارد، والأقرع، والزبرقان، وعمرو بن الأهتم، والحباب بن يزيد، ونعيم بن يزيد، وقيس بن عاصم، وعيينة بن حصن، وقد كان هو والأقرع شهد الفتح، وحنينًا، والطائف، ثم كان مع بني تميم (جاؤوا إلى رسول اللَّه عَ ◌ّه، فقال: ((أبشروا) . بهمزة قطع. (يا بني تميم))،) بما يقتضي دخول الجنة، حيث عرفهم أصول العقائد التي هي المبدأ والمعاد وما بينهما، (فقالوا:) لكون جل شأنهم الدنيا والاستعطاء (بشرتنا فأعطنا) من المال، وقائل ذلك منهم الأقرع بن حابس، ذكره ابن الجوزي وكان فيه بعض أخلاق البادية رضي اللَّه عنه، (فتغير وجه رسول اللَّه عٍَّ) أسفًا عليهم كيف آثروا الدنيا، أو لكونه لم يحضره ما يعطيهم فيتألفهم به، أو لكل منهما، (وجاء نفر من أهل اليمن، فقال: ((اقبلوا البشرى))) بضم الموحدة وسكون المعجمة والقصر، أي: اقبلوا ما يقتضي أن تبشروا إذا أخذتم به بالجنة، كالتفقه في الدين والعمل به، ورواه الأصيلي اليسرى. بتحتية ومهملة ومهملة. قال عياض: والصواب الأول. (إذ لم يقبلها بنو تميم،) وفي رواية: أن بدل إذ وهو . بفتح الهمزة، أي: من أجل تركهم لها، ويروى بكسرها، (قالوا: قد قبلنا) البشرى (يا رسول اللَّه)) واستشكل بأن قدوم تميم في التاسعة، والأشعريين قبلهم في السابعة، وأجيب باحتمال أن طائفة من الأشعريين قدموا بعد ذلك، (جئنا لنتفقه في الدين، ونسألك عن هذا الأمر،) أي: الحاضر الموجود، وكأنهم سألوه عن أحوال هذا العالم، وهو الظاهر، ويحتمل أنهم سألوا عن أول جنس المخلوقات. وفي قصة نافع بن زيد: ونسألك عن أول هذا الأمر، (فقال: كان اللّه) فى الأزل منفردًا متوحدًا، (ولم يكن شيء غيره،) وللبخاري في التوحيد، ولم يكن شيء قبله ولغيره بعده، والقصة ١٦٨ الوفد الثامن: وفد الأشعريين وكان عرشه على الماء. وكتب في الذكر كل شىء. وقوله: وجاء نفر من أهل اليمن، هم الأشعريون قوم أبي موسى. متحدة، فاقتضى ذلك أن الرواية وقعت بالمعنى، لكن الأول أصرح في القدم، وفيه أنه لم يكن ماء، ولا عرش، ولا غيرهما، لأن كل ذلك غير اللَّه، ويكون معنى قوله: (وكان عرشه على الماء؛) أنه خلق الماء، ثم العرش. قال الطيبي: هو فصل مستقل، لأن القديم من لم يسبقه شيء، ولم يعارضه في الأزلية، فهو إشارة إلى أن الماء والعرش كانا مبدأ هذا العالم، لخلقهما قبل السموات والأرض، فلم يكن تحت العرش إذ ذاك إلاّ الماء، ويحتمل أن مطلق، وكان عرشه على الماء، مقيد بقوله، ولم يكن شيء غيره، والمراد بكان في الأول الأزلية، وفي الثاني الحدوث بعد العدم. وقد روى أحمد، والترمذي وصححه مرفوعًا؛ أن الماء خلق قبل العرش، ووقع في بعض الكتب: كان اللَّه ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان، وهي زيادة ليست في شيء من كتب الحديث، نبه على ذلك العلامة تقي الدين بن تيمية، وهو مسلم في قوله: وهو الآن .. الخ، وأما لفظ: ولا شيء معه، فرواية الباب بلفظ، ولا شيء غيره بمعناها. وفي حديث نافع الحميري: كان اللَّه لا شيء غيره بغير واو، (وكتب) قدر (في الذكر،) أي: محله، وهو اللوح المحفوظ (كل شيء) من الكائنات، وبقية الحديث: وخلق السموات والأرض، بالواو في بدء الخلق، وبثم في التوحيد، وفي الحديث جواز السؤال عن مبدأ الأشياء، والبحث عن ذلك، وجواب العالم بما يستحضره، والكف إن خشي على السائل مفسدة، وفيه أن جنس الزمان ونوعه حادث، وأن اللَّه تعالى أوجد هذه المخلوقات بعد أن لم تكن، لا عن عجز عن ذلك، بل مع القدرة، واستنبط بعضهم من سؤال الأشعريين عن هذه القصة، أن الكلام في أصول الدين، وحدوث العالم مستمر لذريتهم، حتى ظهر ذلك في أبي الحسن الأشعري، منهم أشار إليه ابن عساكر (وقوله: وجاء نفر من أهل اليمن، هم الأشعريون قوم أبي موسى،) ولذلك لم يظهر لي أن المراد بأهل اليمن أهل حمير، لكن لما كان زمان قدوم الطائفتين مختلفًا، ولكل منهما قصة غير قصة الأخرى، وقع العطف انتهى كله ملخصًا من فتح الباري. قال: وقد روى البزار عن ابن عباس بينا رسول اللَّه عَّ له بالمدينة، إذ قال: اللَّه أكبر إذا جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمن، نقية قلوبهم، حسنة طاعتهم، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية. وروى الطبراني: أن النبي عَّه، قال لعيينة بن حصن: أي الرجال خير؟ قال: ((أهل نجدة)، ١٦٩ الوفد التاسع: قدوم صرد بن عبد الله الأزدي. الوفد التاسع: وقدم عليه صلوات الله وسلامه عليه صرد بن عبد الله الأزدي، فأسلم وحسن إسلامه، في وفد من الأزد، فأمَّره عليه السلام على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بمن أسلم أهل الشرك. فخرج صرد يسير بأمر رسول الله عَّ حتى نزل بجرش، وبها قبائل من قبائل العرب، قال: ((كذبت، بل هم أهل اليمن الإيمان يمان .. الحديث))، انتهى، وقد أطلت، وما تركته أطول، وإن كان من النفائس خشية الملل. (الوفد التاسع:) (وقدم عليه صلوات الله وسلامه عليه صرد بن عبد اللّه الأزدي). بضم الصاد، وفتح الراء، ثم دال مهملات. مصروف، فلا يقدر أنه معدول عن صادر، لأن العلم الذي بزنة فعل إن سمع مصروفًا، كأدد وصرد لا يقدر له العدل ليمنع، وإن سمع منعه، كعمر قدر ليكون فيه علتان، (فأسلم، وحسن إسلامه في وفد من الأزد). بفتح الهمزة وبالزاي الساكنة، أي: أزد شنوأة . بفتح المعجمة، وضم النون، فواو، فهمزة بعدها، وقد تشدد الواو، سميت بذلك لشنآن كان بينهم، ويقال أيضًا: بالسين بدل الزاي، وكانوا خمسة عشر، ولم يقل من قومه لئلا يوهم أن المراد من له اختصاص بهم، كإخوته وأقار به، ولم يقل قدم وفد الأزد، وفيهم صرد، لجواز أنه الذي قصد الوفادة ابتداء، وتبعوه أولاً أنه أفضلهم، (فأمره). بشد الميم، أي: جعله (عليه السلام) أميرًا (على من أسلم من قومه) الذين أتوا معه، وغيرهم ليكن لم يفصح، كغيره بأن جميع القادمين أسلموا مع صرد، أو بعضهم أم لا، (وأمره أن يجاهد بمن أسلم أهل الشرك،) أي: من يليه منهم، كما هو لفظ الرواية عند ابن إسحق وأتباعه، ويحتمل أن المصنف حذفه، لأنه ليس قيدًا، بل هو الغالب، (فخرج صرد يسير بأمر رسول اللَّه عَ لَّ حتى نزل بجرش). بضم الجيم، وفتح الراء، وشين معجمة. مخلاف من مخاليف اليمن. بكسر الميم، أي: كورة، أي: ناحية ممنوع الصرف، كما يقتضيه قول القاموس، كزفر مخلاف باليمن، لأن غالب الأعلام التي على وزن فعل المنع ما لم يسمع مصروفًا. وقال في الرواية، وهي يومئذ مدينة مغلقة، (وبها قبائل من قبائل العرب،) تعبيره به دون اليمن يشعر بأن فيهم غيرهم، ويصرح به قول الرواية، وقد ضوت عليهم خثعم حين سمعوا بمسير المسلمين إليهم، وخثعم، كجعفر بن أنمار أبو قبيلة من معد، كما في القاموس، فظاهره أنها ١٧٠ الوفد التاسع: قدوم صرد بن عبد الله الأزدي فحاصروهم فيها قريبًا من شهر، وامتنعوا فيها، فرجع عنهم قافلاً، حتى إذا كان في جبل لهم وظنوا أنه إنما ولى عنهم منهزمًا خرجوا في طلبه، حتى أدركوه عطف عليهم فقلتهم قتلاً شديدًا. وكان أهل جرش بعثوا إلى رسول الله عَّم رجلين منهم، فبينما هما عنده عليه الصلاة والسلام عشية فقال لهما عليه الصلاة والسلام: ((إن بدن الله لتنحر عند شكر، أي المكان الذي وقع به قتل قومهم)، قال: ليست من اليمن، لكن الرواية، وبها قبائل من قبائل اليمن، وقد ضوت، أي: أوت إليهم خثعم، فأفاد أن القبائل التي بجرش إنما هي من اليمن، والزائد عليهم قبيلة واحدة من غيرهم هي خثعم، (فحاصروهم فيها قريبًا من شهر، وامتنعوا فيها،) لكونها مدينة، (فرجع عنهم،) أي: انصرف عن حصارهم (قافلاً) راجعًا إلى أرضه، فأتى به مع أن القفول، الرجوع دفعًا لإيهام أنه انصرف لقتال غيرهم أو مكان آخر يقيم به مدة، (حتى إذا كان في جبل لهم،) وهو شكر، كما يأتي، (وظنوا أنه إنما ولى عنهم منهزمًا، خرجوا في طلبه حتى أدركوه، عطف) رجع (عليهم، فقتلهم قتلاً شديدًا،) باعتبار صفته التي وقع عليها، أو كثرته فيهم بقتل غالبهم، فلا يرد أن القتل إزهاق الروح، فلا تفاوت فيه، فهو نحو قولهم: الموت الأحمر إذا كان على حالة رديئة، (وكان أهل جرش بعثوا إلى رسول اللَّه عَّه رجلين منهم) يرتادان، أي: يطلبان الأخبار، وينظران، (فبينما هما عنده عليه الصلاة والسلام عشية) بعد العصر، إذ قال عَِّ: ((بأي بلاد اللَّه شكر))، فقام الجرشيان، فقالا: يا رسول اللّه ببلادنا جبل، يقال له كشر، وكذلك تسميه أهل جرش، (فقال لهما عليه الصلاة والسلام:) إنه ليس بكشر، ولكنه شكر، قالا: فما شأنه يا رسول اللَّه؟ قال: (إن بدن اللَّه). بضمتين وتسكين الدال للتخفيف، كما في المصباح. (لتنحر عند شكر،) بفتح الشين المعجمة، وإسكان الكاف وبالراء، جبل من جبال جرش، كما اعتمده البرهان، وهو مقتضى القاموس، لأنه قال الشكر الحر، أي: الفرج ولحمها، ويكسر فيهما وجبل باليمن، وقاعدته إذا أطلق فتح الأول، يكون الثاني ساكنًا، فإن كان مفتوحًا قيده بقوله محرك، وهو صريح المصباح، ففيه شكر كفلس الحر، وضبط في العيون بالقلم، بفتح الكاف، ووهنه النور، (أي: المكان الذي وقع به قتل قومهم،) فإطلاق البدن عليهم استعارة، أو تشبيه بليغ، وأصله أن قومكم الذين هم كالبدن في عدم الإدراك، حيث لم يؤمنوا، وحاربوا المسلمين، وإضافتهم إلى اللَّه إشارة إلى تحقيق الاستعارة، حيث جعلوا كالبدن التي تنحر، تقربًا أو إشارة إلى أنهم مخلوقون للَّه، مغمورون بأنعامه، فأضافهم إليه، توبيخًا لهم على عدم الإيمان، قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦] الآية، فمحاربتهم كأنها إنكار، وجحد للنعمة، (قال: ١٧١ الوفد العاشر: بني الحرث بن كعب فجلس الرجلان إلى أبي بكر وعثمن فقالا لهما إن رسول الله عَّ لينعي لكما قومكما. فخرجا إلى قومهما فوجداهم قد أصيبوا في اليوم الذي قال فيه عَ ل ما قال، وفي الساعة التي ذكر فيها ما ذكر. فخرج وفد جرش حتى قدموا عليه صلوات الله وسلامه عليه فأسلموا وحمى لهم حمى حول قريتهم. الوفد العاشر: قال ابن إسحق: بعث رسول الله عَِّ خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر، أو جمادى الأولى سنة عشر إلى بني الحرث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى فجلس الرجلان إلى أبي بكر وعثمن، فقالا لهما:) ويحكما (إن رسول اللَّه عَّ لينعي لكما قومكما،) أي: يخبركما بموتهم. زاد في الرواية: فقوما إليه، فاسألاه أن يدعو اللَّه يرفع عن قومكما، فسألاه ذلك، فقال: اللهم إرفع عنهم، (فخرجا إلى قومهما، فوجداهم، قد أصيبوا في اليوم الذي قال فيه مَّة. ما قال، وفي الساعة التي ذكر فيها ما ذكره) لأنه إما عن مشاهدة، أو وحي، ولا ينافي ذلك قوله: اللهم ارفع عنهم، لأنها أجيبت في الذين في القرية دون من في الجبل، لوقوعها بعد قتلهم، (فخرج وفد جرش حتى قدموا عليه صلوات الله وسلامه عليه، فأسلموا وحمى لهم حمى،) بكسر، ففتح مقصور منون. (حول قريتهم) على أعلام معلومة للفرس والراحلة ولبقرة الحرث، فمن رعاه من الناس فماله سحت، فقال رجل من الأزد في تلك الغزوة: وكانت خثعم تصعيب من الأزد في الجاهلية، وكانوا يعدون في الشهر الحرام: يا غزوة ما غزونا غير خائبة فيها البغال وفيها الخيل والحمر حتى أتينا جريشًا في مصانعها وجمع خثعم قد شاعت لها النذر إذا وضعت خليلاً كنت أحمله فما أبالي جاؤوا بعد أم كفروا (الوفد العاشر:) وفد بني الحرث بن كعب، (قال ابن إسحق: بعث رسول اللَّه عَظُلِّ خالد بن الوليد،) سيف اللّه المخزومي، (في شهر ربيع الآخر، أو جمادى الأولى،) يحتمل أنه شك، أو إشارة إلى قولين، فقد حكاهما الحاكم في الإكليل قولين، مصدرًا بالأول (سنة عشر إلى بني الحرث بن كعب، بنجران) ناحية بين اليمن، وهجر سمى بنجران بن زيد بن سبأ، (وأمره أن يدعوهم إلى ١٧١ الوفد العاشر: بني الحرث بن كعب الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثًا، فإن استجابوا فأقبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم. فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه، ويدعون إلى الإسلام، ويقولون: أيها الناس أسلموا تسلموا، فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه. فأقام خالد فيهم، يعلمهم الإسلام وكتب إلى رسول الله عَّ له بذلك. ثم أقبل على رسول الله عَّةٍ ومعه وفدهم، منهم: قيس بن الحصين، ويزيد بن المحجل، وشداد بن عبد الله. الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثًا) من الأيام، متعلق بيدعوهم، (فإن استجابوا) . بسين التأكيد، أي: أجابوا إليه، (فأقبل منهم، وإن لم يفعلوا، فقاتلهم، فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون،) يسيرون (في كل وجه، ويدعون إلى الإسلام، ويقولون: أيها الناس أسلموا تسلموا) في الدارين، (فأسلم الناس، ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام خالد فيهم، يعلمهم الإسلام،) وكتاب اللَّه، وسنة نبيه، وبذلك كان أمره عَّ: إن هم أسلموا ولم يقاتلوا، كما عند ابن إسحق، (وكتب إلى رسول اللَّه عَ لَّم بذلك،) فكتب إليه يأمره بالقدوم، ومعه وفدهم، وقد ذكر ابن إسحق لفظ الكتابين، (ثم أقبل على رسول اللَّه عَُّ ومعه وفدهم،) كما أمره (منهم قيس بن الحصين) بن يزيد بن شداد الخرثي، الكعبي الصحابي. قال ابن الكلبي: رأس الحسين، والد قيس مائة سنة، وكان له أربعة أولاد، يقال لهم فوارس الأرباع، كانوا إذا حضرت الحرب، ولى كل واحد منهم ربغها، ويقال للحصين: ذو الغصة لغصة كانت في حلقة، لا يكاد يبين معها الكلام، وذكره عمر بن الخطاب يومًا، فقال: لا تزاد امرأة في صداقها على كذا، ولو كانت بنت ذي الغصة، كما في الروض، وربما وصف بها ابنه قيس. قال البرهان: ويحتمل أن يقال له ذو الغصة، وابن ذي الغصة، لأنه وأباه كان بهما الغصة، وفيه بعد، (ويزيد بن المحجل،) بميم، فحاء، فجيم، فلام، كما هو رسمه في ابن إسحق وأتباعه، كالإصابة، فنسخة المحمل تحريف، (وشداد بن عبد الله) الغساني، ويقال: القناني. بفتح القاف، وتخفيف النون، وهو الصواب، قاله في الإصابة. زاد ابن إسحق: ويزيد بن عبد المدان، وعبد الله بن قراد الزيادي، وعمرو بن عبد الله الضبابي، كذا رأيته في ابن إسحق. وفي نقل الإصابة، عنه عبد الله بن قريظ، وعمرو بن عمرو، وقال عقبة: وزاد الواقدي عبد الله بن عبد المدان، وقال في عبد اللَّه بن قريظ عبد الله بن قراد، وفي عمرو بن عمرو وعمرو بن عبد اللَّه، والباقي سواء انتهى، فلعل هذا رواية غير ابن هشام، عن البكائي، عن ١٧٣ الوفد الحادي عشر: وفد همدان وقال لهم عليه الصلاة والسلام: بم كنتم تغلبون من قاتلكم؟ قال: كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحدًا بظلم، قال: صدقتم. وأمر عليهم قيس بن الحصين، فرجعوا إلى قومهم في بقية من شوال أو من ذي القعدة، فلم يمكثوا إلا أربعة أشهر حتى توفي رسول الله عَّ له. الوفد الحادي عشر: ابن إسحق، إذ روايته موافقة، لما عند الواقدي، كما رأيت. قال ابن إسحق: فلما رآهم النبي عٍَّ، قال: ((من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند»؟ قيل: هؤلاء بنو الحرث بن كعب، فسلموا عليه وقالوا: نشهد أنك لرسول اللَّه وأنه لا إله إلاَّ هو، فقال: (وأنا أشهد أن لا إله إلاَّ اللَّه وأني رسول اللَّه)، ثم قال: ((أنتم الذين إذا زجروا استقدموا))، فسكتوا، فأعادها ثلاث مرات، فقال يزيد بن عبد المدان بعد الرابعة: نعم يا رسول اللَّه نحن الذين إذا زجروا استقدموا، قالها أربع مرات، فقال عَّله: ((لو أن خالدًا لم يكتب إليَّ أنكمٍ أسلمتم، ولم تقاتلوا لألقيت رؤوسكم تحت أقدامكم))، فقال يزيد بن عبد المدان: أما والله ما حمدناك وما حمدنا خالدًا، قال: فمن حمدتم؟ قال: حمدنا اللَّه الذي هدانا بك يا رسول الله، قال: صدقتم. (وقال لهم عليه الصلاة والسلام: ((بم كنتم تغلبون من قاتلكم) في الجاهلية»؟ قال: لم نكن نغلب أحدًا، قال: ((بلى قد كنتم تغلبون من قاتلكم))، (قال،) أي: يزيد بن عبد المدان: كما رأيت، فتصرف المصنف في الرواية، فلم يعلم منه فاعل، قال: وفي نسخة قالوا: وهي أظهر، لأنه حكاه بالمعنى، فنسبه إليهم، وأن المتكلم يزيد لكونهم عليه (كنا نجتمع ولا نتفرق ولا نبدأ أحدًا بظلم، قال: ((صدقتم))). وروى ابن شاهين في الصحابة أنه عَّه، قال لهم: ((ما الذي تغلبون به الناس وتقهرونهم))؟ قالوا: لم نقل فندل، ولم نكثر فنتحاسد ونتجادل، ونجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحدًا بظلم، ونصبر عند البأس، فقال: ((صدقت))، (وأمر) . بشد الميم. (عليهم قيس بن الحصين، فرجعوا إلى قومهم في بقية من شؤَّال، أو من ذي القعدة). لفظ ابن إسحق: أو في صدر ذي القعدة، (فلم يمكثوا إلاَّ أربعة أشهر حتى توفي رسول اللَّه عَّه). زاد ابن إسحق: وكان عَُّّ بعث إليهم بعد أن ولى وفدهم عمرو بن خرم ليفقههم في الدين، ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم، وكتب إليه كتابًا عهد إليه فيه عهده، وأمره فيه أمره، وذكر لفظ الكتاب مطولاً، والله أعلم. (الوفد الحادي عشر:) ١٧٤ الوفد الحادي عشر: وفد همدان وقدم عليه عَِّ وفد همدان، فيهم: لملك بن النمط، وضمام بن ملك، وعمرو بن ملك، (وقدم عليه عٍَّ وفد همدان). بفتح الهاء، وإسكان الميم، وبالدال المهملة. شعب عظيم من قحطان، وأما بفتح الميم والذال المعجمة فمدينة بالجبال، لكن ليس منها أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا تابعيهم إنما هم من الأولى التي هي القبيلة، (فيهم ملك بن النمط) بن قيس بن لملك بن سعد بن لملك الهمداني، ثم الأرحبي - بفتح الهمزة، وإسكان الراء، وحاء مهملة مفتوحة وموحدة. نسبة إلى أرحب بطن من همدان. قال أبو عمر: يقال فيه اليامي بالتحتية، فألف، فميم، نسبة إلى يام من همدان، قال: ويقال: الخارفي، أي: بخاء معجمة، وراء مكسورة، ثم فاء، يعني أن منهم من ينسبه إلى جده الأعلى همدان، ومنهم من ينسبه إلى أحد آبائه يام، أو خارف، أو أرحب، وهو واحد يكنى أبا نور، ولقبه ذو المشغار. بميم مكسورة، فشين، فغين معجمتين، أو مهملتين، ثم راء. كان شاعرًا محسنًا له في النبي ◌َُّ أبيات حسان هي: ذكرت رسول اللَّه في فحمة الدجى ونحن بأعلى رحرحان وصلدد بركبانها في لاحب متمدد تمر بنا مر الهجف الحفيدد صوادر بالركبان من هضب قردد رسول أتى من عند ذي العرش مهتد ومن بنا خوض طلائع تعتلى على كل فتلاء الذراعين جسرة حلفت برب الراقصات إلى منى بأن رسول اللَّه فينا مصدق فما حملت من ناقة فوق رحلها أشد على أعدائه من محمد وأعطى إذا ما طالب العرف جاءه وأمضى بحد المشرفي المهند ونمط بنون، فميم مفتوحتين، فطاء مهملة. نوع من البسط، فهو علم منقول على الظاهر، أو لقب لأمر اقتضاه، (وضمام بن ملك). بكسر الضاد المعجمة، وخفة الميم الأولى السلماني، نسبة إلى جد له اسمه سلمان، ترجم له في الإصابة وقال: قدم على النبي عَّه مرجعه من تبوك، ذكره أبو عمر في ترجمة لملك بن نمط، وزعم الرشاطي أنه الذي قبله، يعني ضمام بن زيد بن ثوابة بن الحكم بن سلمان بن عبد عمرو بن الخارف بن ملك بن عبد الله بن كبير بن ملك بن جشم بن حامد بن جشم بن خيران بن نوف الهمداني، ثم الخارفي. قال ابن الكلبي، والطبري والهمداني: وفد على النبي عَّله وأسلم، (وعمرو))) كذا في النسخ، والذي في ابن هشام عميرة (بن ملك) الخارفي، وهو الصواب، ففي الإصابة عميرة بالتصغير ابن ملك الخارفي، ذكره أبو عمر في ترجمة لملك ابن نمط، ولم يذكره هنا، فاستدر كه ١٧٥ الوفد الحادي عشر: وفد همدان فلقوا رسول الله عَّمِ مرجعه من تبوك، وعليهم مقطعات الحبرات والعمائم العدنية، صِّىاللّه على الرواحل المهرية والأرحبية، ولهلك بن النمط يرتجز بين يديه عليـ ابن الأثير، وأغفله ابن فتحون وهو على شرطه، انتهى فضبط النور لعميرة مكبرًا فيه نظر، وكأنه انتقال نظر، فإن عميرة المكبر ابن فروة الكندي صحابي ذكره في الإصابة قبل هذا، وضبطه بزنة عظيمة، ولا يصح أن يريد المصنف عمرو بن لملك بن لاي الأرحبي، لأنه ليس مما جاء مع الوفد، وإنما أتى في حجة الوداع. ففي الإصابة عمرو بن ملك بن لاي الأرحبي، يكنى أبا زيد، ذكر الرشاطي أن قيس بن نمط لما وفد على النبي عَِّ وصفه بأنه فارس مطاع، فكتب إليه النبي، ثم دخل مكة بعد الهجرة، فصادف النبي عٍَّ قد هاجر إلى المدينة، ثم وفد في حجة الوداع إلى النبي عَّه، ذكره الهمداني في الإكليل، ولما حكى في الإصابة عن أبي عمران الوافد لملك بن نمط، قال: وسيأتي في ترجمة نمط بن قيس بن لملك أنه الوافد، وقيل: أبوه قيس، والذي يجمع الأقوال أنهم وفدوا جميعًا، فقد ذكر الحسن بن يعقوب الهمداني أنهم كانوا مائة وعشرين نفسًا، ذكره عنه الرشاطي انتهى، وزاد ابن هشام في روايته: لملك بن أيفع (فلقوا رسول اللَّه عَّهِ مرجعه) اسم لزمان الرجوع، أي: لقوه في زمن رجوعه (من تبوك،) وكان في رمضان سنة تسع عند ابن إسحق وابن سعد، وقيل: في شعبان (وعليهم مقطعات الحبرات). بكسر المهملة، كما في النور، والقاموس وغيرهما جمع حبرة بزنة عنبة وعنبات، ففتحها سبق قلم، وفتح الموحدة، فألف، فراء برود تصنع باليمن، والمقطعات الثياب القصار، قاله أبو عبيد محتجًا بحديث ابن عباس في صلاة الضحى إذا انقطعت الظلال، أي: قصرت، وبقولهم في الأراجيز مقطعات، وخطاه ابن قتيبة وقال: إنما هي الثياب المخيطة، كالقميص ونحوه، سميت بذلك، لأنها تقطع وتفصل، ثم تخاط، والظاهر ما قاله ابن قتيبة، فلا معنى لوصفها بالقصر في هذا الموطن، قاله السهيلي، وحكى ابن الأثير القولين، فقال: المقطعات ثياب قصار، لأنها قطعت عن تلوث القمام، وقيل: كل ما يفصل ويخاط من قميص وغيره، بخلاف ما لا يقطع منها كالأزر والأردية انتهى، (والعمائم العدنية) · بعين، فدال مهملتين مفتوحتين. نسبة إلى عدن مدينة باليمن (على الرواحل المهرية). بفتح الميم، وإسكان الهاء، وكسر الراء. نسبة إلى مهرة قبيلة من قضاعة (والأرحبية). بفتح الهمزة، والحاء بينهما راء ساكنة، ثم موحدة. نسبة إلى أرحب بطن من همدان، كما سبق، والمعنى أنهم قدموا متجملين بالثياب والعمائم والرواحل المنسوبة لما ذكر، ولها شأن عندهم، وهذا مما يقوي تفسير ابن قتيبة للمقطعات إذ القصار لا تجمل فيها غالبًا، ولذا استظهره السهيلي (وملك بن النمط پرتجز بین یدیه ێ) ويقول: ١٧٦ الوفد الحادي عشر: وفد همدان وذكروا له كلامًا كثيرًا حسنًا فصيحًا. فكتب لهم عليه الصلاة والسلام كتابًا أقطعهم فيه ما سألوه، وأمر عليهم ملك بن النمط، واستعمله على من أسلم من قومه، وأمره بقتال ثقيف. وكان لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه. وروى البيهقي بإسناد صحيح عن البراء بن عازب أن النبي عَّه بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام. قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر ندعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوا، ثم إن النبي عَّ بعث علي بن أبي طالب فأمره أن يقفل خالدًا إلا رجلاً ممن كان مع إليك جاوزن سواد الريف في هبوات الصيف والخريف محظمات بحبال الليف (وذكروا له كلامًا كثيرًا حسنًا فصيحًا، فكتب لهم عليه الصلاة والسلام كتابًا) من جنس كلامهم، (أقطعهم فيه ما سألوه،) وذكر المصنف ذلك بتمامه في المقصد الثالث، (وأمر عليهم ملك بن النمط، واستعمله) جعله عاملاً، أي: أميرًا (على من أسلم من قومه،) ولا ينافي ذلك ما رواه ابن شاهين وغيره: أن قيس بن لملك وفد على النبي عَّهُ وهو بمكة فأسلم، ورجع إلى قومه، ثم رجع إلى النبي عَّه بأن قومه أسلموا، فقال عَّه: ((نعم وافد القوم قيس))، وأشار باصبعه إليه، وكتب عهده على قومه همدان عربها ومواليها وخلائطها، أن يسمعوا له ويطيعوا، ولهم ذمة اللَّه ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، انتهى لاحتمال أنه شرك مع قيس بعد ذلك لملك بن نمط، أو غير ذلك، (وأمره بقتال ثقيف، وكان) في العيون، فكان بالفاء، وهي أحسن، كما لا يخفى (لا يخرج لهم سرح). بفتح السين وإسكان الراء، وحاء مهملات. مال سائم، أي: راع (إلاَّ غار عليه) أخذه، وهذا الذي ساقه المصنف وقع في سيرة ابن هشام من زيادته بإسناد ضعيف مرسل، (و) جاء ما يخالفه، فقد (روى البيهقي بإسناد صحيح، عن البراء بن عازب) الصحابي، أبن الصحابي: (أن النبي عَِّ بعث خالد بن الوليد إلى) بعض (أهل اليمن) وهم همدان، كما يدل عليه بقية الحديث، (يدعوهم إلى الإسلام). (قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر ندعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوا، ثم إن النبي ◌َّه بعث علي بن أبي طالب، فأمره أن يقفل). بضم الياء، وسكون القاف، وكسر الفاء، أي: يرجع (خالدًا إِلاَّ رجلاً،) أي: جنسه، يعني، أي: رحل (ممن كان مع خالد أن) سقط من لفظ البيهقي، أراد أن (يعقب). بضم الياء، وفتح العين، وشد القاف ١٧٧ الوفد الحادي عشر: وفد همدان خالد أن يعقب مع علي. فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلى بنا علي، ثم صفنا صفًا واحدًا، ثم تقدم بين أيدينا، فقرأ عليهم كتاب رسول الله عَّله، فأسلمت همدان جميعًا، فكتب علي إلى رسول الله عَّه بإسلامهم. فلما قرأ رسول الله عَ لِ الكتاب خر ساجدًا ثم رفع رأسه فقال: السلام على همدان، السلام على همدان مرتين. وأصل الحديث في صحيح البخاري. وهذا أصح مما تقدم، المكسورة، أي: يرجع (مع علي) إلى اليمن، بعد أن رجع منه، ولفظ رواية البخاري: مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب، ومن شاء فليقبل. قال البراء: فكنت فيمن عقب معه، (فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا) مقاتلين، فدعاهم علي إلى الإسلام، فأبوا، ورموا بالنبل والحجارة، فحمل عليهم علي بأصحابه، فقتل منهم عشرين رجلاً، فتفرقوا وانهزموا، فكف عنهم قليلاً، كما عند ابن سعد وغيره، ففي الحديث اختصار انتهى، (فصلی بنا علي، ثم صفنا صفًا واحدًا) ليريهم قوتهم على الحرب، (ثم تقدم بين أيدينا) حتى لحقهم ودعاهم إلى الإسلام، (فقرأ عليهم كتاب رسول اللَّه عَلَّ، فأسلمت همدان جميعًا). وعند ابن سعد: فأسرعوا وأجابوا، وبايعه نفر من رؤسائهم على الإسلام، وقالوا: نحن على من وراءنا من قومنا، وهذه صدقاتنا، فخذ منها حق اللّه، وجمع علي الغنائم، فجزأها خمسة أجزاء، فكتب في سهم منها اللَّه، وأقرع عليها، فخرج أول السهام سهم الخمس، وقسم على أصحابه بقية المغنم، (فكتب علي إلى رسول اللَّه عَلَّه بإسلامهم،) أي: بإسلام من كان باقيًا منهم على الشرك، فلا يخالف ما تقدم أن القادمين في الوفد أسلموا، وأمر عليهم مالكًا، (فلما قرأ رسول اللَّه عَ لَله الكتاب،) أي: قرىء عليه (خر ساجدًا) شكر الله على إسلامهم، (ثم رفع رأسه، فقال: السلام على همدان، السلام على همدان مرتين، وأصل الحديث في صحيح البخاري،) وهو من إفراده عن مسلم، عن البراء: بعثنا رسول اللَّه عَّه مع خالد إلى اليمن، ثم بعث عليًا بعد ذلك مكانه، فقال: مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب، ومن شاء فليقبل. قال البراء: فكنت فيمن عقب، فغنمت، أواقي ذات عدد. قال الحافظ: لم أقف على تحريرها، (وهذا أصح مما تقدم) المخالف له من وجهين، ١٧٨ الوفد الثاني عشر: وفد مزينة ولم تكن همدان تقاتل ثقيفًا ولا تغير على سرحهم، فإن همدان باليمن وثقيف بالطائف. قاله ابن القيم في الهدى النبوي. الوفد الثاني عشر: روى البيهقي عن النعمان بن مقرن قال: قدمنا على رسول الله عَ ليه أربعمائة أحدهما: أنهم وفدوا وأسلموا، وأمر عليهم مالكًا، وهذا الحديث الصحيح، أنه بعث إليهم خالدًا، ثم عليًا، فلو كان كذلك ما بعثهما واحدًا بعد واحد، ويمكن الجمع بينهما بأن البعث لمن لم يسلم ولم يأت، والتأمير إنما هو على قوم الذين أسلموا، وإن جمع الكل اسم همدان، فلا خلف على أنه في فتح الباري. قال في حديث البراء: إن البعث كان بعد رجوعهم من الطائف، وقسمة الغنائم بالجعرانة انتهى، فالوفد إنما كان بعد البعث، لأنه في آخر الثامنة، والوفد في التاسعة، والوجه الثاني ما ذكره بقوله: (ولم تكن همدان تقاتل ثقيفًا، ولا تغير على سرحهم، فإن همدان باليمن، وثقيف بالطائف،) وهذه علة أقوى من الأولى، ويحتمل على بعد؛ أنه عليه السلام أمره إذا مر عليهم في عوده لليمن بقتالهم ففعل، وأغار على سرحهم، ولم يمكنه القتال لتحصنهم بحصنهم، ولا يخالف ذلك التعبير بكان مع المضارع، فإنه يصدق ولو بمرة، كحديث كان يبعث ابن رواحة يخرص تمر خيبر، مع أنه إنما بعثه مرة واحدة، ولأن كلاً من وفدي ثقيف وهمدان قدم مرجعه من تبوك، لاحتمال أن همدان سبقوهم (قاله،) أي: جميع ما ذكره في ذا الوفد (ابن القيم في الهدي النبوي،) أي: كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد. (الوفد الثاني عشر:) وفد مزينة . بضم الميم، وفتح الزاي، وسكون التحتية بعدها نون. اسم امرأة عمرو بن أد بن طابخة، بموحدة، ومعجمة ابن إلياس بن مضر، وهي مزينة بنت كلب بن وبرة، وهي أم أوس وعثمان ابني عمر وفذرية هذين يقال لهم مزينة والمزنيون، ومن قدماء الصحابة منهم عبد الله بن مغفل وعمه خزاعي، وإياس بن هلال وابنه قرة وآخرون، كما في الفتح، ولعل المصنف لم يقل، وقدم عليه وفد مزينة على قياس سابقه، إشارة إلى أنه لا يتعين. (روى البيهقي،) ومن قبله الإمام أحمد (عن النعمان بن مقرن) . بضم الميم، وفتح القاف، وكسر الثقيلة ونون . ابن عائذ المزني كان معه مزينة يوم فتح مكة، وله ذكر كثير في فتوح العراق، وهو الذي فتح أصبهان وسكن البصرة، ثم تحوّل إلى الكوفة، وقدم بشيرًا بفتح القادسية علی عمر، واستشهد في خلافته بنهاوند سنة إحدى وعشرين. ١٧٩ الوفد الثالث عشر: وفد دوس رجل من مزينة، فلما أردنا أن ننصرف قال: يا عمر، زود القوم، قال: ما عندي إلا شىء من تمر ما أظنه يقع من القوم موقعًا. قال: انطلق فزودهم. فانطلق بهم، فأدخلهم منزله ثم أصعدهم إلى علية، فلما دخلنا إذا فيها من التمر مثل الجمل الأورق، فأخذ القوم منه حاجتهم. قال النعمان: وكنت في آخر من خرج، فنظرت: وما أفقد موضع تمرة من مكانها. الوفد الثالث عشر: وفد دوس: وكان قدومهم عليه معدُّلّه بخيبر. (قال: قدمنا على رسول اللَّه عَ ل أربعمائة رجل من مزينة،) وعند ابن سعد عن كثير بن عبد اللَّه المزني عن أبيه، عن جده: أول من وفد على النبي عُِّ من مضر أربعمائة من مزينة وفي الألفية: أول وفد وفدوا المدينة سنة خمس وفدوا مزينه زاد في رواية: وجهينة، فلعلهم كانوا قليلاً، أو اتباعًا، فلم يعدهم النعمان، (فلما أردنا أن ننصرف قال:) وفي رواية، قال القوم: يا رسول اللَّه ما لنا من طعام نتزوده؟ فقال: ((يا عمر زود القوم))، قال: ما عندي) ما أزودهم به (إلاَّ شيء من تمر، ما أظنه يقع من القوم موقعًا) لقلته، (قال: ((انطلق فزودهم))، فانطلق بهم، فأدخلهم منزله) بيته، (ثم أصعدهم إلى علية). بكسر العين وضمها. غرفة، (فلما دخلنا إذا فيها من التمر مثل الجمل الأورق) . بهمزة مفتوحة، فواو ساكنة، فراء، فقاف. ما في لونه بياض إلى سواد، وهو أطيب الإبل لحمًا لا سيرًا وعملاً، قاله القاموس، وهذا معجزة له عّلّه، فإنه كان قليلاً في الواقع، فأخبر بذلك عمر على ما يعلمه منه، (فأخذ القوم منه حاجتهم). (قال النعمان: وكنت في آخر من خرج، فنظرت وما أفقد موضع تمرة من مكانها) معجزة أخرى له عليه السلام، حيث زاد القليل، وأخذوا كفايتهم منه، واستمر على زيادته، وفي رواية: وقد احتمل منه أربعمائة، وكأنا لم نرزأه تمرة . بنون مفتوحة، فراء ساكنة، فزاي مفتوحة، فهمزة، فهاء أي: ننقصه، انتھی. (الوفد الثالث عشر:) (وفد دوس) . بفتح المهملة، وسكون الواو، ومهملة. قبيلة أبي هريرة، ينسبون إلى جدهم دوس بن عدنان . بضم المهملة، فدال ساكنة، فمثلثة، فألف. ابن عبد اللَّه، ينتهي نسبهم إلى الأزد، فدوس مصروف، لأنه في الأصل علم لمذكر، ولأن أصل الأسماء الصرف حتى يوجد ١٨٠ الوفد الثالث عشر: وفد دوس قال ابن إسحق: كان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة ورسول الله عَ لّ بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان لطفيل رجلاً شريفًا شاعرًا لبيبًا، فقالوا له: إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر، يفرق بين المرء وابنه وبين المرء وأخيه، وبين الرجل وزوجه، وإنما نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه ولا تسمع منه. قال: فوالله ما زالوا بي حتى عزمت أن لا أسمع منه شيئًا، ولا أكلمه، حتى حشوت في أذني حين غدوت إليه کرسفًا، مانعه، (وكان قدومهم عليه عَّةٍ بخيبر،) كما سيأتي في القصة، فهو سنة سبع. (قال ابن إسحق) في السيرة: بلا إسناد في غالب النسخ، وفي نسخة أسندها عن صالح بن كيسان، عن الطفيل، وكذا أخرجه ابن سعد من وجه آخر، وكذا الأموي وابن الكلبي بإسناد آخر، كما في الإصابة، (كان الطفيل بن عمرو) بن طريف بن العاصي بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس (الدوسي) لقبه ذو النور . براء آخره. لما يجيء. قال البغوي: أحسبه سكن الشام، واستشهد بأجنادين في خلافة الصديق، أو باليمامة، أو باليرموك، أقوال (يحدث أنه قدم مكة ورسول اللَّه عَّه بها) قبل الهجرة، (فمشى إليه رجال من قریش). قال في النور: لا أعرفهم بأعيانهم، (وكان لطفيل رجلاً شريفًا، شاعرًا لبيبًا). زاد ابن سعد: كثير الضيافة، وهذه الأوصاف جملة معترضة، ليست مما حدث به الطفيل، وإنما هي حدث به عبد الواحد ابن أبي عون الدوسي، كما عند ابن سعد، (فقالوا له: إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا فرق جماعتنا) أمكنة، واعتقادًا بأن أزال الألفة بينهم وفرقهم في البلاد، (وشتت أمرنا،) أي: فرق ما كنا عليه من اعتقاد عبادة الأصنام، بعد أن كنا كشيء واحدٍ، فهو عطف مباين أولى من جعله تفسيرًا، إذ التأسيس خير من التأكيد، (وإنما قوله كالسحر،) كأنه عطف علة على معلول، أي: إنما فعل ذلك بنا، لأن كلامه كالسحر يسلب العقول، (يفرق بين المرء). مثلث الميم. (وابنه). بنون، أو تحتية، (وبين المرء وأخيه، وبين الرجل وزوجه،) امرأته أفصح من زوجته، وهذا بيان لجهة السحر، (وإنما نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا) من الكلام الذي يفتن به، حتى تبعه من تبعه، (فلا تكلمه، ولا تسمع منه،) لئلا تفتتن، (قال: فوالله ما زالوا بي حتى عزمت،) أجمعت وصممت (أن لا أسمع منه