النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
وولى علي بن أبي طالب القضاء باليمن.
وولى عمرو بن العاص عمان وأهلها.
وولى أبا بكر الصديق إقامة الحج سنة تسع، وبعث في أثره عليًا، فقرأ على
الناس براءة، فقيل: لأن أولها نزل بعد أن خرج أبو بكر إلى الحج،
٠
ومقتضاه انه عاش بعد أبي بكر.
وروى المحاملي، عن أنس أنه عَّه استعمل عتابًا على مكة، وكان شديدًا على المنافقين
لينًا على المؤمنين، وكان يقول: والله لا أعلم متخلفًا عن الصلاة في جماعة إلاَّ ضربت عنقه،
فإنه لا يتخلف عنها إلاَّ منافق، فقال أهل مكة: يا رسول اللَّه استعملت على أهل الله إعرابيًا
جافيًا، فقال: إني رأيت فيما يرى النائم؛ أنه أتى باب الجنة، فأخذ بحلقة الباب، فقعقعها حتى
فتح له، ودخل رجاله ثقات إلاَّ محمد بن إسمعيل بن حذافة السهمي، ضعفوه في عير الموطا،
(وولى علي بن أبي طالب القضاء باليمن،) كما رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه
عنه: بعثني رسول اللَّه عَُّ على اليمن قاضيًا، وأنا حديث السن، قلت: يا رسول اللَّه تبعثني، وأنا
شاب أقضي، ولا أدري ما القضاء، فضرب بيده في صدري، فقال: اللهم إهد قلبه، وثبت لسانه،
وقال: إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك، قال: فما شككت في قضاء بين اثنين، وجمع بين
هذا ونحوه، وبين قول ابن عمر ما اتخذ عَّله قاضيًا، ولا أبو بكر، ولا عمر حتى كان في آخر
زمانه، قال ليزيد: ابن أخت نمير إكفني بعض الأمور رواه أبو يعلى برجال الصحيح.
وقال السائب بن يزد: أن النبي عَّه وأبا بكر لم يتخذا قاضيًا، وأوَّل من استقضى عمر،
قال ردعني الناس في الدرهم والدرهمين، رواه الطبراني بسند جيد، بأنه عَّه لم يستقض شخصًا
معينًا للقضاء بين الناس دائمًا، وإنما استقضى جماعة في أشياء، خاصة كقول معقل بن يسار
أمرني عَّ له أن أقضي بين قوم، فقلت ما أحسن أن أقضي، قال: إن اللَّه مع القاضي ما لم يحف
عمدًا، وجاءه عَ لِّ خصمان، فقال لعمر: اقض بينهما، رواهما أحمد والحاكم، وكذا قال لعقبة
في خصمين جاآه: اقض بينهما، رواه أحمد وغيره، (وولى عمرو بن العاصي عمان،) كغراب
(وأهلها، وولى أبا بكر الصديق إقامة الحج سنة تسع) في ذي الحجة على المعتمد، وقال
مجاهد وعكرمة بن خالد في ذي القعدة، (وبعث في أثره عليًا، فقرأ على الناس براءة).
قال الحافظ: فيه تجوز، لأنه أمره أن يؤذن ببضع وثلاثين آية، منتهاها ولو كره المشركون،
كما رواه ابن جرير عن محمد بن كعب وعنده عن علي بأربعين آية من أول براءة، (فقيل) في
حكمة إرساله وكونه لم يأمر الصديق بقراءتها مع أنه الأمير، (لأن أولها نزل بعد أن خرج أبو بكر
إلى الحج،) كما رواه ابن إسحق من مرسل أبي جعفر الباقر، لما نزلت براءة، وكان قد بعث

٦٢
رسله علّ
وقيل أردفه به عونًا له ومساعدًا، ولهذا لما قال له الصديق: أمير أو مأمور؟ قال: بل
مأمور، وأما الرافضة فقالوا: بل عزله، وهذا لا يبعد من بهتهم وافترائهم.
وقد ولى عَّ على الصدقات جماعة كثيرة.
مِاللّه
[ رسله ێ }]
وأما رسله مَّهِ، فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام بعث ستة نفر في يوم
واحد، في المحرم سنة سبع. وذكر القاضي عياض في الشفاء مما عزاه الواقدي:
أنه أصبح كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعثه إليهم.
الصديق ليقيم للناس الحج، قيل يا رسول اللَّه لو بعثت بها إلى أبي بكر، قال: ((لا يؤدي عني إلاَّ
رجل من أهل بيتي)، دعا عليًا، فقال: اخرج بهذه القصة من صدر براءة، وأذن في الناس يوم
النحر الحديث، لكن روى أحمد والترمذي، وحسنه عن أنس أن النبي عَّه بعث ببراءة مع
أبي بكر، فلما بلغ الحليفة قال: لا يبلغها إلاَّ أنا، أو رجل من أهل بيتي، فبعث بها مع علي.
رواه أحمد والطبري من حدیث علي بنحوه، وفیه إن أبا بکر رجع، وقال نزل في شیء یا
رسول اللَّه؟ قال: لا أنت صاحبي في الغار، وصاحبي على الحوض، ولكن جبريل، قال لي لا
يؤدي عنك إلاَّ أنت، أو رجل منك، ولم يتعرض الحافظ لجمع، ولا ترجيح، كأنه لظهور
الترجيح، لأن رواية نزولها بعد خروج أبي بكر مرسلة، ورواية نزولها قبل خروجه مسندة وإسنادها
حسن، (وقيل اردفه به عونًا له ومساعدًا) عطف تفسير، (ولهذا لما، قال له الصديق) أنت (أمير
أو مأمور) بالمساعدة لي، فتكون تحت أمري، (قال: بل مأمور وإما الرافضة، فقالوا: بل عزله،
وهذا لا يبعد من بهتهم) تقول (وافترائهم) كذبهم على المصطفى، فيما يوافق أغراضهم، (وقد
ولى عَّ على) جمع (الصدقات) الزكوات والقيام بأمرها (جماعة كثيرة) سیذ کر بعضهم قريبًا.
قال ابن القيم: لأنه كان على كل قبيلة وال يقبض صدقاتها، فمن هنا كثر عمال
الصدقات، (وأما رسله عَّةٍ، فقد روى) عن ابن سعد؛ (أنه عليه الصلاة والسلام،) لما رجع من
الحديبية في ذي الحجة سنة ست، أرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، وكتب إليهم كتبًا،
و (بعث ستة نفر في يوم واحد في المحرم سنة سبع،) فأفادت هذه الرواية بما زدته منها أن
العزم على الإرسال، والكتب في ذي الحجة، وتأخر البعث إلى أول المحرم، فخرجوا في يوم
واحد، وهي رواية واحدة فلا ينافي بعضها بعضًا، كما هو ظاهر.
(وذكر القاضي عياض في الشفاء، مما عزاه الواقدي أنه أصبح كل رجل منهم يتكلم
بلسان القوم الذين بعثه إليهم،) من غير مضي زمان يمكن فيه التعلم، معجزة له عَّ حتى

٦٣
صَلى الله
رسله عيناه
وكان أول رسول بعثه رسول الله عَ طله عمرو بن أمية الضمري، إلى النجاشي
ملك الحبشة، وكتب إليه كتابين يدعوه فى أحدهما إلى الإسلام ويتلو عليه
القرءان، فأخذه النجاشي ووضعه على عينيه ونزل عن سريره، فجلس على الأرض
ثم أسلم وشهد شهادة الحق وقال: لو كنت أستطيع أن آتيه لأتیته.
يفهموا ما يقال، ولا ينافي هذا دعاء بعض الملوك الترجمان، لأنه من تعاظم العجم، وما ذكره
الواقدي له شواهد، فأخرج ابن سعد عن بريدة، والزهري، ويزيد بن رومان، والشعبي أنه عَّ بعث
عدة إلى عدة، وأمرهم بنصح عباد الله، فأصبح الرسل كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين
أرسل إليهم، فذكر ذلك عَّه فقال: هذا أعظم ما كان من حق اللَّه في أمر عباده.
وروى ابن أبي شيبة من مرسل جعفر بن عمرو بعث عَّه أربعة رجلاً إلى كسرى، ورجلاً
إلى قيصر، ورجلاً إلى المقوقس، وعمرو بن أمية إلى النجاشي، فأصبح كل رجل منهم يتكلم
بلسان القوم الذين بعث إليهم، وكان جعفرًا لم يحفظ بقية الستة.
وقد روى الطبراني عن المسور بن مخرمة الصحابي، قال خرجٍ عَ لّةٍ إلى أصحابه، فقال:
إن الله بعثني للناس كافة، فادوا عني ولا تختلفوا علي، فبعث عبد الله بن حذافة إلى كسرى،
وسليطًا إلى هوذة، والعلاء إلى المنذر، وابن العاصي إلى ملكي عمان، ودحية إلى قيصر،
وشجاعًا إلى الحرث، وعمرو بن أمية إلى النجاشي، فعدهم سبعة، وزاد أصحاب السير جماعة
غيرهم، ففي هذا موازاة الصحابة للحواريين، فقد روى ابن عبد الحكم في فتوح مصر،
وابن إسحق في السيرة أنه عَِّ قام على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وتشهد ثم قال: أما بعد،
فإني أبعث بعضكم إلى ملوك العجم، فلا تختلفوا علي، كما اختلف بنو إسرائيل على عيسى،
وذلك أن اللَّه بعث إليه؛ أن أبعث إلى ملوك الأرض، فبعث الحواريين، فأما القريب مكانًا فرضى،
وأما البعيد مكانًا فكره، وقال: لا أحسن كلام من تبعثني إليه، فقال عيسى: اللهم أمرت الحواريين
بالذي أمرت، فاختلفوا علي، فأوحى الله إليه أني سأكفيك، فأصبح كل إنسان يتكلم بلسان
الذين أرسل إليهم، فقال المهاجرون: يا رسول الله، والله لا تختلف عليك أبدًا في شىء، فمرنا
وأبعثنا، (وكان أول رسول بعثه رسول اللَّه عَِّ عمرو بن أمية الضمري،) نسبة إلى جده ضمرة،
بفتح، فسكون، كما تقدم مرارًا (إلى النجاشي، ملك الحبشة وكتب إليه كتابين يدعوه في
أحدهما إلى الإسلام، ويتلو عليه القرءان،) أي بعضه، (فأخذه النجاشي، ووضعه على عينيه)
تبركًا وتعظيمًا، (ونزل عن سريره، وجلس على الأرض) تواضعًا للَّه على هذه النعمة التي ساقها
إليه، (ثم أسلم وشهد شهادة الحق،) إضافة بيانية، أي هي الحق.
(وقال: لو كنت أستطيع أن آتيه لأتيته،) لكني لا أستطيع ذلك خوفًا من خروج الحبشة،

٦٤
رسله ټپڼ
وفي الكتاب الآخر أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفين، فزوجه إياها كما تقدم في
الأزواج، ودعا بحق من عاج فجعل فيه كتابي رسول الله عَلَّه وقال: لن تزال
الحبشة بخير ما كان هذان الكتابان بين أظهرهم، وصلى عليه النبي عديدة وهو
بالحبشة كذا قاله الواقدي وغيره.
وليس كذلك، فإن النجاشي الذي صلى عليه رسول الله عَ ◌ّه ليس هو الذي
كتب كما تقدم.
وبعث عليه الصلاة والسلام دحية بن خليفة الكلبي - وهو أحد الستة - إلى
قيصر ملك الروم، واسمه هرقل يدعوه إلى الإسلام، فهمَّ بالإسلام فلم توافقه الروم
فخافهم على ملكه فأمسك.
وبعث عبد الله
وتلاشى أمرهم مع ما أؤمله من إسلامه ببقائي بينهم، (وفي الكتاب الآخر أن يزوجه أم حبيبة
بنت أبي سفين) وأن يبعث إليه من هاجر إليه من الصحابة، (فزوجه إياها، كما تقدم في
الأزواج،) وجهز إليه أصحابه، كما تقدم، (ودعا بحق من عاج، فجعل فيه كتابي
رسول اللَّه عَّه، وقال: لن تزال الحبشة بخير ما كان هذان الكتابان بين أظهرهم،) ومات
رحمه اللّه سنة تسع أو ثمان، (وصلى عليه النبي عَّله) بالمدينة يوم موته، (وهو بالحبشة، كما
قاله،) أي كل ما ذكره (الواقدي وغيره،) لاخصوص الصلاة، لأنها في الصحيحين، (وليس
كذلك، فإن النجاشي الذي صلى عليه رسول اللَّه عَّ ليس هو الذي كتب إليه كما تقدم،)
هذا وهم، فالذي تقدم إنه كتب إليهما جميعًا أصحمة الذي صلى عليه، والذي ولى بعده، وكان
كافرًا لم يعرف إسلامه، ولا اسمه، وخلط بعضهم، ولم يميز بينهما.
هذا كلام المصنف في كتابه إلى النجاشي، وما بالعهد من قدم، وقد روى البيهقي وغيره
أنه كتب إلى كل منهما، كما قدمته، فمن نفى الكتابة عن الأول، فقد وهم، والله أعلم.
(وبعث عليه الصلاة والسلام دحية بن خليفة الكلبي، وهو أحد الستة،) أي الثاني منها
والأنسب بما بعده أن يقول، وهو الثاني والمراد في العدو الذكر، لما مر أنهم خرجوا في يوم
واحد (إلى قيصر ملك الروم واسمه هرقل،) بكسر، ففتح، فسكون على المشهور في الروايات
(يدعوه إلى الإسلام، فهم بالإسلام، فلم توافقه الروم، فخافهم على ملكه، فامسك) على
نصرانيته حتى مات عليها، (وبعث عبد اللَّه) ابن حذافة بن قيس بن عدي بن سعيد بضم السين

٦٥
رسله ێے
السهمي إلى كسرى وهو الثالث.
وبعث الرابع وهو حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس فأكرمه، وبعث إلى
النبي عَّه بجاريتين وكسوة وبغلة ولم يسلم.
وبعث الخامس وهو شجاع بن وهب الأسدي إلى ملك البلقاء الحرث بن
أبي شمر الغساني.
وبعث السادس وهو سليط بن عمرو العامري إلى هوذة وإلى ثمامة بن أثال
الحنفي فأسلم ثمامة.
وبعث عمرو بن العاص في ذي القعدة سنة ثمان إلى جيفر وعبد ابني
ابن سهم القرشي، (السهمي،) نسبة إلى جده سهم المذكور (إلى كسرى، وهو الثالث، وبعث
الرابع، وهو حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس، فأكرمه وبعث إلى النبي عَ لّهِ بجاريتين) على
ما في روايات، وفي رواية بثلاث، فالإقتصار على اثنتين، لجمالهما، ومكانهما من القبط، كما مر
(وكسوة) عشرين ثوبًا من قباطي مصر (وبغلة) هي دلدل وحمار وغير ذلك، كما مر، (ولم
يسلم) على الصواب، ووهم من عده في الصحابة، (وبعث الخامس، وهو شجاع بن وهب
الأسدي،) نسبة إلى جده أسد ابن حزيمة (إلى ملك البلقاء،) بفتح الموحدة، وإسكان اللام وقاف
والمد، وتقصر مدينة من عمل دمشق فيها قرى كثيرة ومزارع واسعة (الحرث بن أبي شمر
الغساني) فلم يسلم، (وبعث السادس، وهو سليط بن عمرو العامري،) نسبة إلى جده عامر بن
لؤى القرشي (إلى هوذة،) صاحب اليمامة، (وإلى ثمامة) بضم المثلثة، وخفة الميمين (ابن أثال)
بضم الهمزة، وبمثلثة خفيفة، ولام مصروف ابن النعمان، (الحنفي) من فضلاء الصحابة، (فأسلم
ثمامة) ولم يسلم هوذة، كذا قال ابن إسحق: إنه بعث إليهما، وهو منابذ، لما في الصحيحن؛
أنه مَِّ بعث خيلاً قبل نجد، فجاءت بثمامة بن أثال، سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية المسجد
الحديث، وفيه، فقال ◌َ له: أطلقوا ثمامة، فانطلق، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن
لا إله إلاَّ اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه الحديث، وأخرجه بنحوه ابن إسحق نفسه في المغازي،
وذكر المصنف في المغازي كغيره، إن ذلك في المحرم سنة ست، فإن صح أنه أرسل إليه
أيضًا، فالمراد به أنه يكون عونًا لسليط على هوذة، ويؤوَّل قوله: فأسلم ثمامة، أي استمر على
إسلامه، لا أنه أسلم حين الإرسال، لأنه أسلم قبل ذلك بسنة بالمدينة لما أسر ومنَّ عليه
المصطفى، كما في الصحيحين، (وبعث عمرو بن العاصي في ذي القعدة سنة ثمان إلى جيفر

٦٦
رسله ◌َ
الجلندي بعمان فأسلما وصدقا.
وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين قبل
منصرفه من الجعرانة - وقيل قبل الفتح - فأسلم وصدق.
وبعث أبو موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن عند انصرافه من تبوك
وقيل بل سنة عشر في ربيع أوّل داعيين إلى الإسلام، فأسلم غالب أهلها من غير
قتال. ثم بعث علي بن أبي طالب بعد ذلك إليهم ووافاه بمكة في حجة الوداع.
وبعث المهاجر بن أبي أمية المخزومي إلى الحرث بن عبد كلال
وعبد إبنى الجلندي بعمان، فأسلما وصدقاء) كما تقدم بسطه، (وبعث العلاء بن الحضرمي إلى
المنذر بن ساوى العبدي،) نسبة إلى جده عبد اللَّه بن دارم التميمي، لا إلى عبد القيس، كما ظنه
بعض الناس، أفاده الرشاطي، كما في الإصابة (ملك البحرين قبل منصرفه من الجعرانة،) لاثنتي
عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سنة ثمان، فهو سنة الفتح، (وقيل قبل الفتح) لمكة، وجزم به
في الإصابة، وعزاه لابن إسحق، وغير واحد ونحو قول العيون بعد إنصرافه من الحديبية، (فأسلم
وصدق).
زاد الواقدى: ثم استقدم النبي عَّة العلاء بن الحضرمي، فاستخلف المنذر مكانه، (وبعث
أبو موسى) عبد الله بن قيس (الأشعري، ومعاذ بن جبل إلى اليمن عند انصرافه من تبوك،) رواه
الواقدي، وابن سعد، عن كعب بن لملك، وكان انصرافه منها في رمضان، أو شعبان سنة تسع،
(وقيل: بل سنة عشر في ربيع أوَّل،) حكاه ابن سعد، وقيل: عام الفتح سنة ثمان.
حكى الثلاثة في فتح الباري، فما يوجد في بعض نسخ المصنف من تبوك سنة عشر
بإسقاط، وقيل: بل خطأ نشأ عن سقط، وان أمكن توجيهه بأن سنة عشر معمول لبعث، لا لتبوك،
لكنه مع إيهامه يكون قاصرًا على قول (داعيين إلى الإسلام، فأسلم غالب أهلها من غير قتال،
ثم بعث علي بن أبي طالب بعد ذلك إليهم) في رمضان سنة عشر، كما قال ابن سعد، فقاتل
من لم يسلم، فهزموا، وقتل منهم فكف، ثم دعاهم إلى الإسلام، فأسرعوا الإجابة، فأقام فيهم
يقرئهم القرءان، ويعلمهم الشرائع، وكتب للنبي عَّه، فأمر أن يوافيه بالموسم، فقفل، (ووافاه بمكة
في حجة الوداع، وبعث المهاجر بن أبي أمية) بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم،
القرشي، (المخزومي) شقيق أم سلمة، أم المؤمنين له في قتال أهل الردة أثر كبير (إلى
الحرث بن عبد كلال) الأصغر ابن نصر بن سهل بن غريب بن عبد كلال الأوسط بن عبيد

٦٧
صَّ اللّه
رسله علية
الحميري باليمن.
وبعث جرير بن عبد الله البجلي إلى ذي الكلاع وذي عمرو يدعوهم إلى
الإسلام، فأسلما
(الحميري) أحدًا قبال اليمن.
قال الهمداني في الأنساب: كتب عَّه إلى الحرث وأخيه، وأمر رسوله أن يقرأ عليهما لم
يكن، فوفد عليه الحرث، فأسلم، فاعتنقه، وأفرشه رداءه، وقال قبل أن يدخل عليه: يدخل عليكم
من هذا الفج رجل كريم الجدين، صبيح الخدين، فكان هو، قال في الإصابة، والذي تظاهرت به
الروايات أنه أرسل بإسلامه، وأقام (باليمن)، وقال ابن إسحق: قدم على المصطفى مقدمه من تبوك
كتاب ملوك حمير: بإسلامهم منهم الحرث ابن عبد كلال، وكان عَِّ أرسل إليه المهاجر،
فأسلم، وكتب إلى المصطفى شعرًا يقول:
ودينك دين الحق فيه طهارة وأنت بما فيه من الحق آمر
(وبعث جرير،) بفتح الجيم (ابن عبد اللَّه) بن جابر بن لملك بن نصر (البجلي،) بفتح
الموحدة والجيم، نسبة إلى بجيلة بفتح، فكسر بنت صعب بن سعد العشيرة، تنسب إليها القبيلة،
الصحابي، الشهير، القائل: ما حجبنى عَِّ منذ أسلمت، ولا رآني إلاَّ تبسم رواه الشيخان،
وقال عَّ: ((جرير منا أهل البيت)).
رواه الطبراني، المتوفى سنة إحدى، أو أربع وخمسين، قال عمر: هو يوسف هذه الأمة،
لأنه كان جميلاً (إلى ذي الكلاع،) قال المصنف وغيره: بفتح الكاف واللام الخفيفة، فألف،
فعين مهملة اسمه إسميفع، بفتح الهمزة، والميم، والفاء، وسكون السين المهملة والتحتية، وآخره
عين مهملة، ويقال: أيفع بن باكور، أو يقال ابن حوشب، (وذي عمرو) الحميري (يدعوهم،) أي
هما وقومهما (إلى الإسلام، فأسلما).
قال الهمداني: وأعتق ذو الكلاع لذلك أربعة آلاف، ثم قدم المدينة زمن عمرو معه أربعة
آلاف، فسأله عمر في بيعهم، فأعتقهم، فسأله عمر عن ذلك، فقال إني أذنبت ذنبًا عظيمًا، فعسى
أن يكون ذلك كفارة، وذلك أني تواريت مرة، يعني قبل إسلامه، ثم أشرفت، فسجد لي مائة
ألف.
وروى يعقوب بن شيبة عن الجراح بن منهال قال: كان عند ذي الكلاع اثنا عشر ألف
بيت من المسلمين، فبعث إليه عمر، فقال: بعنا هؤلاء نستعين بهم على عدوَّ المسلمين، فقال:
لا هم أحرار، فأعتقهم كلهم في ساعة واحدة.
قال أبو عمر: لا أعلم له صحبة إلاَّ أنه أسلم في حياته عَّله وقدم في زمن عمر، فروى

٦٨
رسله عَبـ
وتوفي رسول الله عَ﴾. وجرير عندهم.
وبعث عمرو بن أمية الضميري إلى مسيلمة الكذاب بكتاب.
وبعث إلى فروة بن عمرو الجذامي - وكان عاملاً لقيصر - فأسلم، وكتب إلى
النبي عَِّ بإسلامه، وبعث إليه بهدية مع مسعود بن سعد، وهي: بغلة شهباء، يقال
لها فضة، وفرس يقال له الظرب، وحمار يقال له يعفور، وبعث إليه أثوابًا وقباء
سندسيًا مذهبًا، فقبل هديته ووهب لمسعود بن سعد اثني عشر أوقية.
عنه، وقتل بصفين مع ملوية، (وتوفي رسول اللَّه عَلَّه وجرير عندهم،) ذكره الحاكم وغيره،
ورجع جرير بعد الوفاة النبوية إلى المدينة، (وبعث عمرو بن أمية الضميري إلى مسيلمة الكذاب
بكتاب) يدعوه فيه إلى الإسلام، فكتب إليه مسيلمة جوابًا لكتابه يذكر فيه أنه رسول اللَّه مثله،
وأنه أشرك مع المصطفى بالنصف في الأرض، وإن قريشًا لا يعدلون، فكتب إليه بسم الله
الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللَّه إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد فإن الأرض للَّه يورثها من
يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين، بلغني كتابك الكذب والإفك والافتراء على اللَّه، والسلام على
من اتبع الهدى، وبعثه إليه مع السائب أخي الزبير بن العوام ذكره ابن سعد وغيره، (وبعث إلى
فروة بن عمرو) على الأشهر، ويقال ابن عامر (الجذامي، وكان عاملاً لقيصر) على من يليه من
العرب، وكان منزله معان وما حولها من الشام، كما ذكر ابن إسحق، (فأسلم وكتب إلى
النبي عَّهِ، بإسلامه) ولم ينقل أنه اجتمع به، كما في الإصابة.
قال ابن إسحق: فبلغ الروم اسلامه، فطلبوه فحبسوه، ثم قتلوه، فقال في ذلك:
أبلغ سراة المسلمين بأنني سلم لربي أعظمي وثيابي
(وبعث إليه بهدية مع مسعود بن سعد) الجذامي، أسلم وصحب، (وهي بغلة شهباء، يقال
لها فضة) بلفظ أحد النقدين، (وفرس، يقال له الظرب،) بالظاء المعجمة لكبره وسمنه، أو لقوته
وصلابة حافرة، (وحمار، يقال له يعفور) بناء على أنه غير عفير الذي أهداه المقوقس، (وبعث إليه
أثوابًا وقباء) بفتح القاف وخفة الموحدة والمد والقصر، قيل فارسي معرب، وقيل عربي مشتق
من قبوت الشيء إذا ضممت أصابعك عليه سمي به لإنضمام اطرافه.
وروي عن كعب أن أول من لبسه سليمن، قاله الحافظ وغيره (سندسيًا،) نسبة إلى
السندس، وهو مارق من الديباج، معرب اتفاقًا من نسبة الجزئي إلى كليه، لأن البقاء جزء من
جزئيات مطلق السندس، فلم يتحد المنسوب والمنسوب إليه (مذهبًا، فقبل هديته ووهب
لمسعود بن سعد) رسوله بالهدية، والإسلام (اثني عشر أوقيه،) وفي الإصابة عن الواقدي واجازه

٦٩
رسله عليه
وبعث المصدقين لأخذ الصدقات هلال المحرم سنة تسع:
فبعث عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم.
وبعث بريدة - ويقال كعب بن ملك - إلى أسلم وغفار.
وبعث عباد بن بشر إلى سليم ومزينة.
وبعث رافع بن مكيث إلى جهينة.
وبعث عمرو بن العاص إلى فزارة.
وبعث الضحاك بن سفين إلى بني كلاب.
وبعٹ بشر
بخمسمائة درهم، (وبعث المصدقين) بضم الميم وخفة المهملة السعاة، (لأخذ الصدقات هلال
المحرم سنة تسع،) كما قال ابن سعد، (فبعث عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم،)
وتقدمت القصة في المغازي، (وبعث بريدة) بضم الموحدة مصغر بن الحصيب الأسلمي، (ويقال
كعب بن ملك) الأنصاري (إلى أسلم)، بفتح، فسكون، قبيلة من الأزد (وغفار) بكسر المعجمة،
وخفة الفاء قبيلة من كنانة، وسبق إلى الإسلام منهم أبو ذر الغفاري وأخوه أنيس، ورجع أبو ذر
إلى قومه، فأسلم الكثير منهم، وفي القبيلتين، قال عَّهِ: أسلم سالمها اللَّه، وغفار غفر اللَّه لها
وفيه من جناس الإشتقاق ما يلذ على السمع لسهولته وانسجامه، وهو من الاتفاقات اللطيفة،
وحكي أن بني غفار كانوا يسرقون الحاج في الجاهلية، فدعا لهم النبي عَّه بعد أن أسلموا
ليمحو عنهم ذلك العار، (وبعث عباد بن بشر،) بكسر الموحدة، وسكون المعجمة الأنصاري
(إلى سليم) بالتصغير قبيلة (ومزينة) بضم الميم، وفتح الزاي، وسكون التحتانية، بعدها نون،
وهو إسم امرأة عمرو بن طابخة بموحدة ومعجمة ابن الياس بن مضر، وهي مزينة بنت كلب بن
وبرة، وهي أم أوس وعثمن ابني عمرو فولد هذين، يقال لهم مزينة والمزنيون، ومن قدماء
الصحابة منهم: عبد الله بن مغفل وعمه خزاعي، وإياس بن هلال وابنه قرة وآخرون، كما في
الفتح، (وبعث رافع بن مکیث) بميم وكاف.
قال في الإصابة: بوزن عظيم وآخره مثلثة الجهني شهد بيعة الرضوان، و کان أحد من
يجمل الوية جهينة يوم الفتح، وشهد الجابية مع عمر (إلى) قومه (جهينة) بالتصغير، قبيلة من
قضاعة، من مشهوري الصحابة، منهم عقبة بن عامر الجهني وغيره، (وبعث عمرو بن العاصي إلى
فزارة) بفتح الفاء والزاي، ثم راء قبيلة من قيس عيلان، (وبعث الضحاك بن سفين) الكلابي
(إلى) قومه (بني كلاب وبعث بشر،) قال في الإصابة: ضبطه ابن ماكولا وغيره بضم الموحدة،

٧٠
في مؤذنيه وخطبائه وحدائه وشعرائه
ابن سفين الكعبي - ويقال النحام العدوي - إلى بني كعب.
وبعث عبد الله بن اللتبية إلى ذبيان.
وبعث رجلاً من سعد هذيم إلى قوله.
الفصل السابع
في مؤذنيه وخطبائه وحدائه وشعرائه
أما مؤذنوه فأربعة: اثنان بالمدينة:
بلال بن رباح،
وسكون السين المهملة (ابن سفين) الخزاعي، (الكعبي،) نسبة إلى كعب بن عمرو بطن من خزاعة.
قال أبو عمر: أسلم سنة ست وشهد الحديبية، (ويقال النحام) بفتح النون وشد الحاء
المهملة، قال ابن ماكولا، كذا يقوله أصحاب الحديث.
وقال ابن الكلبي: هم بضم النون وخفة الحاء، واسمه كما قال البخاري وغيره نعيم بن
عبد الله القرشي، (العدوي،) قديم الإسلام بعد عشرة أنفس، ويقال بعد ثمانية وثلاثين، لقب
بالنحام لقوله عَّله: دخلت الجنة، فسمعت نحمة من نعيم فيها، والنحمة السعلة، قال في
التبصير ونحوه في الإصابة، واسمه في الأصل صالح.
ذكره ابن أبي حاتم (إلى بني كعب وبعث عبد اللّه بن اللتبية) قال في التبصير بضم اللام
وفتحها معا، ثم فوقية مفتوحة، ثم موحدة مكسورة، ثم ياء مشددة الأزدي له صحبة وقصة وفي
الكواكب بضم اللام، وسكون الفوقية، أو فتحها، وكسر الموحدة، وشد التحتية، وقيل بضم
الهمزة بدل اللام، فهي أربعة أوجه، والأصح انه باللام وسكون الفوقية نسبة إلى بني لتب، قبيلة
معروفة (إلى ذبيان،) بضم الذال المعجمة وكسرها.
قال ابن الأعرابي: رأيت الفصحاء يختارون الكسر، بعدها موحدة، فتحتية خفيفة قبيلة من
الأزد، (وبعث رجلاً من سعد هذيم،) كزبير أبو قبيلة، وهو ابن زيد، لكن حضنه عبد أسود هذيم،
فغلب عليه، كما في القاموس (إلى قوله) هذيم.
(الفصل السابع في مؤذنيه وخطبائه،) لا محل للجمع في هذا إذ لم يذكر إلاَّ واحدًا، إلا
أن تكون الإضافة في الجميع للجنس الصادق بالواحد، وهو الخطب والمعتدد وهم من عداه.
(وحداته) جمع حادي (وشعرائه) الذين ناضلوا عنه وهجوا كفار قريش، (أما مؤذنوه،) أي بيانهم
(فأربعة، اثنان بالمدينة بلال بن رباح) بفتح الراء، وخفة الموحدة، فألف فمهملة، (وأمه حمامة)
بفتح المهملة وخفة الميم الصحابية، وبها اشتهر ذكرها أبو عمر، فيمن كان يعذب في اللّه،

٧١
في مؤذنيه وخطبائه وحدائه وشعرائه
وأمه حمامة، مولى أبي بكر الصديق، وهو أول من أذن لرسول الله عَّه، ولم يؤذن
بعده لأحد من الخلفاء، إلا أن عمر لما قدم الشام حين فتحها أذن بلال، فتذكر
النبي عٍَّ، قال أسلم - مولى عمر بن الخطاب - فلم أر باكيًا أكثر من يومئذٍ،
فاشتراها أبو بكر، فأعتقها (مولى أبي بكر الصديق) ولاء عتاقة.
وجاء عن أنس عند الطبراني وغيره أنه حبشي، وهو المشهور وقيل نوبي. ذكر ابن سعد
أنه كان من مولدي السراة، (وهو أول من أذن لرسول اللَّه عَّ) حين شرع الآذان، ورآه
عبد الله بن زيد الأنصاري في المنام، فقال عَّله: قم مع بلال، فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به،
فإنه أندى منك صوتًا، (ولم يؤذن بعده لأحد من الخلفاء إلاَّ أن عمر لما قدم الشام حين
فتحها، أذن بلال،) استثناء متصل، أي لم يوجد منه أذان لأحد إلاَّ لعمر أو منقطع، أي لم يتخذه
أحد من الخلفاء مؤذنًا، لكنه أذن عند عمر بلا اتخاذ، (فتذكر النبي عٍَّ، قال: أسلم مولى
عمر بن الخطاب،) الثقة، المخضرم، المتوفى سنة ثمانين، وهو ابن أربع عشرة ومائة سنة، (فلم
أر باكيًا أكثر من يومئذٍ)) وفي نسخة من ذلك اليوم، أي لم أر إنسانًا يبكي أكثر من بكاء كل
واحد يومئذٍ، أو لم أر قومًا يبكون أكثر من الباكين يومئذٍ، لأن باكيًا نكرة في سياق النفي فتعم،
فلا يراد أن باكيًا مفعول رأى وأكثر حال إن كانت بصرية، ومفعول ثان إن كانت علمية،
وعليهما لا يصح وصف الباكي بأنه أكثر من الباكين، ولا يراد أن دلالة العام كلية، أي محكوم
فيها على كل فرد، لأن هذه قاعدة أكثرية على أن النظر في نحو هذا، إنما هو لمذهب النحاة،
أو يقال أن باكيًا صفة لمتعدد في المعنى، أي فريقًا باكيًا على أنه يمكن التخلص من أصل
الإيراد، بأنه ليس المراد الكثرة في نفس الأفراد التي نشأ الإشكال منها بأن يقدر أن أكثر صفة
الموصوف محذوف هو بكاء، أي لم أر باكيًا بكاءً أكثر من بكاء الباكين يومئذٍ.
وروى البخاري أن بلالاً، قال لأبي بكر: إن كنت إنما اشتريتني لنفسك، فأمسكني، وإن
كنت إنما اشتريتني للَّه فدعني وعمل اللّه.
زاد ابن سعد، قال أبو بكر: أنشدك اللَّه وحقي، فأقام معه حتى توفي، فتوجه إلى الشام
مجاهدًا بإذن عمر.
وروى ابن عساكر بسند جيد عن بلال، أنه لما نزل بداريا رأى النبي عَّ له، وهو يقول: ما
هذه الجفوة يا بلال، أما آن لك أن تزورني، فانتبه حزينًا خائفًا، فركب راحلته، وقصد المدينة،
فأتى قبر النبي عَّله، فجعل يبكي ويمرغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين فجعل يضمهما
ويقبلهما فقالا: نتمنى، نسمع أذانك الذي كنت تؤذن به لرسول اللَّه عَّةِ في المسجد، فعلا
سطح المسجد، ووقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلما، قال: الله أكبر ارتجت المدينة، فلما

٧٢
في مؤذنيه وخطبائه وحدائه وشعرائه
وتوفي سنة سبع عشرة، أو ثمان عشرة أو عشرين بداريا بباب كيسان، وله بضع
وستون سنة، وقيل دفن بحلب، وقيل بدمشق.
وعمرو بن أم مكتوم القرشي الأعمى، وهاجر إلى المدينة قبل النبي عليه.
وأذن له عليه
قال: أشهد أن لا إله إلاَّ اللَّه، ازدادت رجتها، فلما قال: أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، خرجت
العوائق من خدورهن، وقالوا: بعث رسول اللَّه، فما رؤي يوم أكثر باكيًا ولا باكية بالمدينة
بعده معَّ أكثر من ذلك اليوم، (وتوفي سنة سبع عشرة، أو ثمان عشرة،) بفتح النون، وحذف
الياء على قلة، (أو عشرين).
هكذا ساوى بين الأقوال الثلاثة في التقريب، لكن قال: وقيل سنة عشرين، وصدر في
الفتح بالثاني، (بداريا) بفتح الدال، والراء، والياء الثقيلة قرية بدمشق (بباب كيسان،) بفتح،
فسكون محل معروف بها، (وله بضع وستون سنة، وقيل دفن بحلب،) ذكره ابن منده ورده
المنذري، وقال: الذي دفن بحلب أخوه خالد، (وقيل بدمشق) وصححه الذهبي، فقال: مات
على الصحيح بدمشق سنة عشرين، وفي فتح الباري كانت وفاته بدمشق ودفن بباب الصغير،
وبهذا جزم النووي، وقيل دفن بياب كيسان، وقيل بداريا، وقيل بحلب.
ورده المنذري، وزعم ابن السمعاني أن بلالاً مات بالمدينة وغلطوه انتهى، (وعمرو) على
الأكثر، وقيل عبد اللَّه، وقيل كان اسمه الحصين فسماه عَِّ عبد الله، قال في الفتح: ولا يمتنع
أنه كان له اسمان (ابن أم مكتوم) نسب لأمه وهي عاتكة بنت عبد اللّه المخزومية، وزعم بعضهم
أنه ولد أعمى، فكنيت أمه به لاكتتام نور بصره، والمعروف أنه عمي بعد بدر بسنتين، كذا وقع
في الفتح، وتعقب بأن نزول عبس بمكة قبل الهجرة، فلعل أصله بعد البعثة.
وقد روى ابن سعد والبيهقي عن أنس أن جبريل أتى النبي عَّ وعنده ابن أم مكتوم،
فقال: متى ذهب بصرك، قال: وأنا غلام، ولفظ البيهقي وأنا صغير، فقال: قال اللَّه تبارك وتعالى:
إذا ما أخذت كريمة عبدي، لم أجد له بها جزاء إلا الجنة، والأشهر في اسم أبيه
قيس بن زائدة (القرشي،) العامري، (الأعمى،) المذكور في سورة عبس، ونزلت فيه غير أولى
الضرر، كما في البخاري، وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين، أسلم قديمًا بمكة، (وهاجر إلى
المدينة قبل النبي ێے،) وقيل بعده وبعد بدر بیسیر.
قال الواقدي والأول أصح، وكان عٍَّ يكرمه، واستخلفه ثلاث عشرة مرة، قاله ابن
عبد البر شهد القادسية في خلافة عمر ومعه اللواء، فاستشهد بها، قاله الزبير بن بكار، وقال
الواقدي: بل شهدها ورجع إلى المدينة، فمات بها ولم يسمع له بذكر بعد عمر، (وأذن له عليه

٧٣
في مؤذنيه وخطبائه وحدائه وشعرائه
الصلاة والسلام بقباء، سعد بن عائد أو ابن عبد الرحمن المعروف بسعد القرظ
وبالقرظي، مولى عمار، بقي إلى ولاية الحجاج على الحجاز، وذلك سنة أربع
وسبعین.
وبمكة أبو محذورة، واسمه أوس الجمحي المكي، أبوه: معير - بكسر الميم
وسكون وفتح التحتانية - مات بمكة سنة تسع وخمسين، وقيل تأخر بعد ذلك.
الصلاة والسلام بقباء سعد بن عائد، أو ابن عبد الرحمن المعروف بسعد القرظ) بالتنوين بلا
إضافة صفة له، لأنه كان يتجر فيه حتى كأنه صار جزء علم (وبالقرظي) بفتحتين وظاء معجمة
نسبة للقرظ أيضًا وغلط من ضمها، لأنه نسبة إلى بني قريظة، وليس هو منهم، إنما هو (مولى
عمار) بن ياسر، وقيل مولى الأنصار.
روى البغوي عن القسم الحسن بن محمد بن عمرو بن حفص بن عمر بن سعد القرظ عن
أبائه أن سعدًا شكا إلى النبي عَّ قلة ذات يده، فأمره بالتجارة، فخرج إلى السوق، فاشترى شيئًا
من قرظ فباعه، فربح فيه، فذكر ذلك للنبي عَّله، فأمره بلزوم ذلك.
روي عن النبي عَّهِ، وعنه ابناه عمار وعمر، قال أبو عمر نقله أبو بكر من قباء إلى
المسجد النبوي، فأذن فيه بعد بلال، وتوارثت عنه بنوه الأذان، قال خليفة: أذن لأبي بكر ولعمر
بعده.
وروى يونس عن الزهري: أن الذي نقله عن قباء عمر (بقي إلى ولاية الحجاج على
الحجاز، وذلك سنة أربع وسبعين،) كما في التقريب وغيره (وبمكة أبو محذورة واسمه أوس،)
وقيل سمرة، وقيل سلمة، وقيل سلمان، وقيل معير، وقيل عبد العزيز.
قال البلاذري: لا يثبت أنه أوس، لكن، قال ابن عبد البر: اتفق الزبير وعمه وابن إسحق
والسمعي على أن اسمه أوس، وهم أعلم بأنساب قريش، ومن قال اسمه سلمة، فقد أخطأ
(الجمحي،) القرشي، (المكي أبوه) اسمه (معير بكسر الميم، وسكون) العين، (وفتح
التحتانية) هذا هو المشهور، وحكى ابن عبد البر أن بعضهم ضبطه بفتح العين، وتشديد التحتانية
بعدها نون، وقيل اسمه سمرة، وقيل محيريز، وقيل عمر.
روى أبو محذورة عنه عَّم أنه علمه الآذان، وقصته في مسلم وغيره، وفي رواية أن تعليمه
إياه كان بالجعرانة.
قال ابن الكلبي: ولم يهاجر، بل أقام حتى (مات بمكة سنة تسع وخمسين، وقيل تأخر بعد
ذلك) حتى مات سنة تسع وسبعين، كما في الإصابة وفي الروض لما سمع أبو محذورة الآذان
سنة الفتح، وهو مع فتية من قريش خارج مكة أقبلوا يستهزؤن، ويحكون صوت المؤذن غيظًا،

٧٤
في مؤذنيه وخطبائه وحدائه وشعرائه
وكان منهم من يرجع الأذان ويثني الإقامة، وبلال لا يرجع ويفرد الإقامة،
فأخذ الشافعي بإقامة بلال، وأهل مكة أخذوا بأذان أبي محذورة وإقامة بلال. وأخذ
أبو حنيفة وأهل العراق بأذان بلال وإقامة أبي محذورة، وأخذ أحمد وأهل المدينة
بأذان بلال وإقامته، وخالفهم لملك في موضعين: إعادة التكبير وتثنية لفظ الإقامة.
فكان أبو محذورة من أحسنهم صوتًا، فرفع صوته مستهزئًا بالآذان، فسمعه عَّ ◌ُلم، فأمر به، فمثل
بين يديه وهو يظن أنه مقتول، فمسح عَّ ناصيته وصدره قال: فامتلأ قلبي نورًا وإيمانًا ويقينًا،
وعلمت أنه رسول اللَّه، فألقى عليه الآذان وعلمه إياه، وأمره أن يؤذن لأهل مكة وهو ابن ست
عشرة سنة، فكان يؤذنهم حتى مات، ثم عقبه بعده يتوارثون الآذان كابرًا عن كابر، (وكان
منهم،) أي بعضهم، وهي فائدة الاستطرادية، أو نشأت عن سؤال هو معلوم اختلاف المذاهب في
الآذان والإقامة، فما كان يفعله مؤذنو المصطفى الذين ذكرتهم، فأجاب بأنه كان منهم (من
يرجع الآذان، ويثني الإقامة،) وهو أبو محذورة، (وبلال لا يرجع، ويفرد الإقامة،) أي كلماتها إلا
لفظ قد قامت الصلاة بدليل قوله، (فأخذ الشافعي بإقامة بلال،) لأنه عَ لَّه سمعه، وأقره فليس
استدلالاً بفعل الصحابي والشافعي لا يقول به لا بإذانه بل بأذان، أبي محذورة، (وأهل مكة
أخذوا بأذان أبي محذورة،) وهو ترجيع الآذان، وتثنية الإقامة، (وإقامة بلال،) وهذا تطويل بلا
طائل، فلو قال: وأخذ الشافعي وأهل مكة بأذان أبي محذورة، وإقامة بلال لدفع ما يوهمه لفظه،
(وأخذ أبو حنيفة وأهل العراق بأذان بلال وإقامة أبي محذورة،) فقالوا: بترجيع الآذان، وتثنية
الإقامة، (وأخذ أحمد وأهل المدينة بأذان بلال وإقامته، وخالفهم لملك في موضعين إعادة
التكبير،) أي تربيعه، فقال: بعدمها (وتثنية لفظ الإقامة،) فقال: بإفرادها عملاً بقوله عَّ: الآذان
والإقامة واحدة، رواه ابن حبان.
وروى الدارقطني وحسنه في حديث لأبي محذورة، وأمره أن يقيم واحدة واحدة، ثم
المصنف في عهدة أنه خالف أهل المدينة، كما زعمه كابن القيم، فملك بعملهم أدرى، ونصب
الجدل يطول، وقد علم مما قررته أن إعادة بدل من موضعين بيان للمفعول في خالفهم، فهو
بيان للمخالف اسم مفعول لا اسم فاعل، لأن الأولى بالذكر من القولين ما نسب لمن خالفه من
جعل فاعلاً، وترك المصنف ممن أذن زياد بن الحرث الصدائي بضم المهملة أذن مرة،
فقال عَّ: من أذن فهو يقيم، أخرجه أحمد وأصحاب السنن، لأنه لم يتكرر ونظم الخمسة
البرماوي، فقال:
لخير الورى خمس من الغر أذنوا بلال ندي الصوت بدأ يعين
وعمر والذي أم لمكتوم أمه وبالقرظ أذكر سعدهم إذ يبين

٧٥
في مؤذنيه وخطبائه وحدائه وشعرائه
وأما شعراؤه عليه الصلاة والسلام الذين يذبون عن الإسلام: فكعب بن ملك.
وعبد الله بن رواحة الخزرجي الأنصاري.
وأوس أبو محذورة وبمكة زياد الصدائي نجل حارس يعلن
وعبد العزيز بن الأصم، ذكره أبو نعيم في الصحابة في بعض النسخ، وروى الحرث بن
أبي أسامة عن ابن عمر: كان للنبي عَّهِ مؤذنان أحدهما بلال، والآخر عبد العزيز بن الأصم، قال
في الإصابة: وهو غريب جدًا، وفيه موسى بن عبيدة ضعيف، ثم ظهرت لي علته، وهو أن أبا قرة
موسى بن طارق أخرجه مثله، وزاد، وكان بلال يؤذن بليل يوقظ النائم، وكان ابن أم مكتوم
يتوخى الفجر، فلا يخطئه، فظهر من هذه الرواية أن عبد العزيز اسم ابن أم مكتوم، والمشهور في
اسمه عمرو، وقيل عبد الله بن قيس بن زائدة ابن الأصم، فالأصم اسم جد أبيه نسب إليه في
هذه الرواية انتهى، (وأما شعراؤه عليه الصلاة والسلام الذين يذبون) بضم الذال، يدفعون (عن
الإسلام،) ويحمون لا الذين مدحوه بالشعر من رجال الصحابة ونسائهم، فإن اليعمري جمعهم
في مؤلف، فقارب بهم مائتين، (فكعب بن ملك) الأنصاري، السلمي بفتحتين شهد العقبة، وبايع
بها، وتخلف عن بدر، وشهد أحدًا وما بعدها، وتخلف عن تبوك، وهو أحد الثلاثة الذين تيب
عليهم قال ابن سيرين: له بيتان كانا سبب إسلام دوس:
قضينا من تهامة كلب وبر وخيبر ثم أغمدنا السيوفا
تخبرنا ولو نطقت لقالت قواطعهن دوسًا أو ثقيفًا
فلما بلغ ذلك دوسًا، قالوا خذوا لأنفسكم لا ينزل بكم ما نزل بثقيف. مات في خلافة
علي، وقيل مطوية.
روى أحمد عن كعب المذكور، قال: قال لنا رسول اللَّه عَُّلِّ: اهجوا المشركين بالشعر،
فإن المؤمن يجاهد بنفسه وماله، والذي نفس محمد بيده، كأنما ينضحونهما بالنبل (وعبد الله بن
رواحة الخزرجي، الأنصاري،) أحد النقباء ليلة العقبة، وشهد بدرًا وما بعدها إلى أن استشهد في
موته ومناقبه كثيرة.
قال المرزباني في معجم الشعراء: كان عظيم القدر في الجاهلية والإسلام، وكان يناقض
قيس بن الحطيم في حروبهم، ومن أحسن ما مدح به النبي عَ ل قوله:
لو لم يكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تنبيك بالخبر
وأخرج ابن سعد، وابن عساكر عن عروة، لما نزلت والشعراء يتبعهم الغاوون، قال
ابن رواحة: قد علم اللَّه أني منهم، فأنزل الله: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ الآية.

٧٦
في مؤذنیه وخطبائه وحدائه وشعرائه
وحسان بن ثابت بن المنذر بن عمرو بن حرام الأنصاري، دعا له عليه الصلاة
والسلام فقال: اللَّهم أيده بروح القدس، فيقال: أعانه جبريل بسبعين بيتًا، وفي
الحديث إن جبريل مع حسان ما نافح عني، وهو بالحاء المهملة أي دافع، والمراد
هجاء المشركين ومجاوبتهم على أشعارهم.
وعند ابن عساكر عن هشام بن حسان أن عبد اللَّه لما، قال للمصطفى:
فثبت اللَّه ما آتاك من حصن كالمرسلين ونصرًا كالذي نصروا
قال له عَّ: وإياك يا سيد الشعراء، (وحسان بن ثابت بن المنذر بن عمرو بن حرام)
بالمهملتين، (الأنصاري) الخزرجي، وأمه الفريعة بالفاء، والعين المهملة مصغر بنت خالد خزرجية،
أيضًا أسلمت، وبايعت وإليها كان ينسب، فيقال قال ابن الفريعة: ونسب هو نفسه إليها في قوله:
أمسى الحلائب قد عزوا وقد كثروا وابن الفريعة أضحى بيضة البلد
(دعا له عليه الصلاة والسلام، فقال) كما في الصحيحين عن سعيد بن المسيب، قال: مر
عمر بحسان في المسجد وهو ينشد، فلحظ إليه، فقال: كنت أنشد، وفيه من هو خير منك، ثم
التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك اللَّه أسمعت النبي عَِّ يقول أجب عني، (اللهم أيده،) أي
قوه (بروح القدس).
قال أبو هريرة: نعم، والمراد جبريل لحديث الشيخين عن البراء أنه عَ لَّهِ، قال لحسان:
اهجهم، أو هاجهم وجبريل معك، (فيقال أعانه جبريل بسبعين بيتًا،) كما أخرجه ابن عساكر،
وأبو الفرج الأصبهاني في الأغاني عن بريدة، قال: أعان جبريل حسان بن ثابت عن مدحه
النبي عليه بسبعين بيتًا، (وفي الحديث أن جبريل مع حسان ما) مصدرية (نافح عني،) وفي
مسلمٍ عن عائشة سمعت النبي عَّهُ يقول لحسان: إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت
عن الله ورسوله، قالت: وسمعته يقول: هجاهم حسان، فشفي وأشفى، (وهو بالحاء المهملة)
قبلها فاء، (أي دافع، والمراد) بذلك (هجاء المشركين ومجاوبتهم) بجيم، ثم واو فموحدة
(على أشعارهم) التي كانوا يلمزون بها الإسلام وأهله، كقوله يوم بدر مجيبًا لابن الزبعري
المسلم في الفتح لما رثى أصحاب القليب بأبيات، فقال حسان:
إبك بكت عيناك ثم تبادرت بدم تعل عروقها بسجام
وإذا بكيت به الذين تبايعوا هلا ذكرت مكارم الأقوام
سمح الخلائق صادق الأقدام
وذكرت منا ماجدًا ذا همة
فلمثله ولمثل ما يدعو له كان الممدح ثم غير كهام
ومجاوباته لهم كثيرة، فكم يقول ابن إسحق في السيرة، قال فلان من الكفار: كذا، فأجابه

٧٧
في مؤذنيه وخطبائه وحدائه وشعرائه
وعاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية وستين في الإسلام، وكذا
عاش أبوه ثابت، وجده المنذر، وجد أبيه حرام، كل واحد منهم عاش مائة
وعشرين سنة، وتوفي حسان سنة أربع وخمسين.
ولما جاءه عليه الصلاة والسلام بنو تميم، وشاعرهم الأقرع بن حابس، فنادوه
يا محمد اخرج إلينا نفاخرك ونشاعرك، فإن مدحنا زين وذمنا شين.
حسان بكذا.
وفي نسخة ومحاربتهم بمهملة وراء، أي مغالبتهم ومدافعتهم بالشعر سماه حربًا مجازًا.
وقد روى أبو داود عن عائشة: أن النبي عَّ كان يضع لحسان المنبر في المسجد يقوم
عليه قائمًا، يهجو الذين كانوا يهجونه عَّ، فقال عَّ: إن روح القدس مع حسان ما دام ينافح
عن رسول اللّه.
وروى أبو نعيم، وابن عساكر عن عروة: أن حسان ذكر عند عائشة، فقالت: سمعت
رسول اللَّه عَّ يقول: ذاك حاجز بيننا وبين المنافقين لا يحبه إلاّ مؤمن، ولا يبغضه إلاَّ منافق،
(وعاش مائة وعشرين سنة ستين في الجاهلية وستين في الإسلام،) كما قاله ابن سعد، (وكذا
عاش أبوه ثابت، وجده المنذر، وجد أبيه) بواسطة (حرام كل واحد منهم عاش مائة وعشرين
سنة،) إيضاح لما أفاده التشبيه لا بقيد الجاهلية والإسلام، فإنها كلها في الجاهلية، كما هو بين،
ثم المصنف في عهده أن حرامًا عاش كذلك، ولعل أصله وجد أبيه عمرو بن حرام، فالذي قاله
ابن منده وابن سعد، وكذلك عاش أبوه وجده وأبو جده لا يعرف في العرب أربعة تناسلوا من
صلب واحد اتفقت مدة تغميرهم مائة وعشرين سنة غيرهم، قال في ريح النسرين: ويشبه هذا أن
لسانه كان يصل لجبهته ونحره، وكذا كان أبوه وجده وابنه عبد الرحمن، قال أبو عبيدة: فضل
حسان الشعراء بثلاث، كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر المصطفى في أيام النبوة، وشاعر
اليمن كلها في الإسلام، (وتوفي حسان سنة أربع وخمسين،) قال في الإصابة: وذكر ابن إسحق:
أنه سأل سعيد بن عبد الرحمن بن حسان، فقال: قدم عَّةِ: المدينة، ولحسان ستون سنة، فعلى
هذا يلزم من قال: مات سنة أربع وخمسين أنه بلغ مائة وأربع عشرة، أو سنة خمسين مائة وعشرة،
أو سنة أربعين مائة، أو دونها، والجمهور أنه عاش مائة وعشرين، قيل مائة وأربع سنين، جزم به
ابن أبي خيثمة عن المدائني، (ولما جاءه عليه الصلاة والسلام) سنع تسع (بنو تميم،) وكانوا
سبعين فيما قيل، (وشاعرهم الأقرع بن حابس) الصحابي الشهير، (فنادوه) من وراء الحجرات،
(يا محمد اخرج إلينا نفاخرك ونشاعرك، فإن مدحنا زين وذمنا شين،) وعند ابن إسحق، فآذى

٧٨
في مؤذنيه وخطبائه وحدائه وشعرائه
فلم يزد عليه الصلاة والسلام على أن قال: ذلك الله إذا مدح زان وإذا ذم شان،
إني لم أبعث بالشعر، ولم أومر بالفخر، ولكن هاتوا، فأمر عليه الصلاة والسلام
ثابت بن قيس أن يجيب خطيبهم فخطب فغلبهم. فقام الأقرع بن حابس شاعرهم
وقال:
أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا إذا خالفونا عند ذكر.
........
ذلك رسول اللَّه عَّه من صياحِهم، وخرج إليهم، (فلم يزد عليه الصلاة والسلام على أن قال
ذلك) الموصوف بما قلتموه، (اللَّه إذا مدح زان) من مدحه، (وإذا ذم شأن) من ذمه، وصلى عَ ليه
الظهر، ثم جلس في صحن المسجد، وقال: (إني لم أبعث بالشعر، ولم أومر بالفخر، ولكن
هاتوا،) وعند ابن إسحق، فقالوا: ائذن لخطيبنا وشاعرنا، فقال: أذنت لخطيبكم، فليقل، فقام
عطارد بن حاجب، فقال: الحمد لله الذي له علينا الفضل، وهو أهله، الذي جعلنا ملوكًا، ووهب
لنا أموالاً عظامًا نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق، وأكثره عددًا وعدة، فمن مثلنا في
الناس؟ ألسنا برؤوس الناس وأولي فضلهم؟ فمن فاخرنا، فليعدد مثل ما عددنا، وإنا لو شئنا لأكثرنا
الكلام، ولكن نستحي من الإكثار فيما أعطانا وإنا نعرف بذلك، أقول هذا، لأن تأتوا بمثل قولنا
وأمر أفضل من أمرنا، ثم جلس، (فأمر عليه الصلاة والسلام) خطيبه (ثابت بن قيس أن يجيب
خطيبهم) عطارد بن حاجب، كما رأيت، وتجويز أنه الأقرع من عدم الإطلاع، وخطيب القوم لغة
من يتكلم عنهم، (فخطب فغلبهم،) وعند ابن إسحق، فقال عََّّ لثابت: قم فأجب الرجل في
خطبته، فقام، فقال: الحمد للَّه الذي السموات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه
علمه، ولم يكن شىء قط إلاَّ من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكًا، واصطفى خير خلقه
رسولاً، أكرمه نسبًا، وأصدقه حديثًا، وأفضله حسبًا، وأنزل عليه كتابًا وائتمنه على خلقه، فكان
خيرة اللَّه في العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان به، فآمن برسول اللَّه عَّهِ المهاجرون من قومه،
وذوي رحمه أكرم الناس احسابًا، وأحسن الناس وجوهًا، وخير الناس فعالاً، ثم كنا أول الخلق
إجابة واستجابة للَّه حين دعانا رسول اللَّه، فنحن أنصار اللَّه، ووزراء رسول اللَّه، نقاتل الناس حتى
يؤمنوا بالله ورسوله، منع ماله ودمه ومن فكر جاهدناه في اللَّه، وكان قتله علينا يسيرًا، أقول قولي
هذا وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم.
(فقام الأقرع بن حابس شاعرهم، فقال) الذي ذكره ابن هشام عن بعض علماء الشعر، فقام
الزبرقان بن بدر، فقال: (أتيناك كيما يعرف،) وفي لفظ يعلم، وما زائدة (الناس فضلنا، إذا
خالفونا،) أي جاؤوا بعدنا، وفي نسخة إذا خالفونا، والظاهر الأولى لإفادتها أن قصدهم معرفة
فضلهم لمن يخلفهم إذا بلغهم ما فاخروا به، أما معرفة فضلهم لمعارضهم، فهي عندهم لا تخفى

٧٩
في مؤذنيه وخطبائه وحدائه وشعرائه
المكارم
وأنا رؤوس الناس في كل معشر وأن ليس في أرض الحجاز كدارم
فأمر النبي عَ ◌ِّ حسانًا يجيبهم فقام فقال:
بني دارم لا تفخروا إن فخركم يعود وبالاً عند ذكر المكارم
هبلتم علينا تفخروه وأنتم لنا خول ما بين قن وخادم
(عند ذكر المكارم) ظرف ليعرف.
وفي رواية: إذا اختلفوا عند إحتضار المواسم، (و) يعرفون (أنا) بفتح الهمزة (رؤوس الناس)
عظماؤهم وأشرافهم شبه الواحد منهم بالرأس مجازًا، لأنه أشرف ما فيه لموته بإزالته، أو المراد
أصولهم، وفي المصباح رأس المال أصله (في كل معشر) طائفة، وفي لفظ في كل موطن، (وأن
ليس في أرض الحجاز كدارم،) بكسر الراء بطن من تميم وبعد هذين عند ابن هشام:
وأنا نذود المعلمين إذا انتحوا ونضرب رأس إلاّ صيد المتفاقم
وأنا لنا المرباع في كل غارة نغير بنجد أو بأرض الأعاجم
(فأمر النبي عٍَّ حسانًا) بالصرف على أنه من الحسن، ومنعه على أنه من الحسن، كذا
جوزه الجوهري وغيره، قال ابن ملك: والمسموع فيه منع الصرف (يجيبهم، فقام قال:)
هل المجد إلاَّ السود والعود والندى وجاه الملوك واحتمال العظائم
نصرنا وآوينا النبي محمدًا على أنف راض من معد وراغم
بجابية الجولان وسط الأعاجم
بأسيافنا من كل باغ وظالم
وطبنا له نفسًا بقىء المغانم
على دينه بالمرهفات الصوارم
ولدنا نبي الخير من آل هاشم
يعود وبالا عند ذكر المحارم)
لنا خول ما بين قن وخادم)
وأموالكم أن تقسموا في المقاسم
زكي جريد أصله وثراؤه
نصرناه لما حل وسط ديارنا
جعلنا بنينا دونه وبناتنا
ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا
ونحن ولدنا في قريش عظيمها
(بني دارم لا تفخروا إن فخركم
(هبلتم علينا تفخرون وأنتم
فإن کنتم جئتم لحقن دمائکم
فلا تجعلوا للَّه ندًا وأسلموا ولا تلبسوا زيًا كزي الأعاجم
هكذا أنشدها كلها ابن هشام في السيرة، وهبلتم، أي تعاظمتم علينا حال كونكم تفخرون،
والحال أنكم خول لنا دائرين بين قن وخادم، في القاموس: هبلته أمه، كفرح ثكلته، لكنه لا يظهر

٨٠
في مؤذنيه وخطبائه وحدائه وشعرائه
هنا لنسبة الفعل إلى المخاطبين، ولم يجعلهم مفعولين، فلم يقل هبلناكم إلاَّ أن يكون استعير
لذلك، أي ثكلتم، ثم استأنف استفهامًا إنكاريًا، فقال: تفخرون بحذف أداة الاستفهام، فعلينا
متعلق بالفعل بعده، غير أن هذا بعيد، ولذا لم يذكره شيخنا، وإن قرره، وتفسيره بأقبلتم، وإن ظهر
معناه، لكن لا تساعد عليه اللغة، وعند ابن إسحق، فقام الزبرقان بن بدر، فقال:
نحن الكرام فلا حي يعادلنا منا الملوك وفينا تنصب البيع
وكم قسرنا من الأحياء كلهم عند النهاب وفضل الغر يتبع
من الشواء إذا لم يؤنس الفزع
من كل أرض هويًا ثم نصطنع
للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا
إلا استكانوا وكاد الرأس يقتطع
فيرجع القوم والأخبار تستمع
ونحن نطعم عند القحط مطعمنا
فما ترى الناس تأتينا سراتهم
فننحر الكوم عبطًا في أرومتنا
فلا ترانا إلى حي نفاخرهم
فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه
إنا أبينا ولم يأبى لنا أحد إنا كذلك عند الفخر نرتفع
وكان حسان غائبًا، فبعث إليه عٍَّ، فقال: قم فأجبه، فقام، فقال:
إن الذوائب من فهر وإخوته قد بينوا سنة للناس تتبع
يرضى بها كل من كانت سريرته تقوى الإله وكل الخير يصطنع
أو حاولوا النفع في أشياءهم نفعوا
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم
سجية تلك منهم غير محدثة
إن كان في الناس سباقون بعدهم
لا يرفع الناس ما أوهت أكفهم
إن سابقوا الناس يومًا فاز سبقهم
أعفة ذكرت في الوحي عفتهم
لا يبخلون على جار بفضلهم
ـم من مطمع طبع
إذا نصبنا لحى لم ندب لهم
نسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها
لا يفخرون إذا نالوا عدوهم
إن الخلائق فاعلم شرها البدع
فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
عند الدفاع ولا يوهون ما رفعوا
أو وازنوا أهل مجد بالندى فنعوا
لا يطمعون ولا يرديهم طمع
ولا يمسسهم.
كما يدب إلى الوحشية الذرع
إذا الزعانف من أظفارها خشعوا
وإن أصيبوا فلا خور ولا ملع
كأنهم في الوغى والموت مكتنع أسد بجلبة في أرساغها فدع
خذ منهم ما أتى عفوًا إذا غضبوا ولا يكن همك الأمر الذي منعوا