النص المفهرس

صفحات 1-20

شِرَحُ الْعَلَامِ الرَّدَقَانِيِّ
المتوفى سنة ١١٢٢ هـ.
اعلى
المواهب اللدنيّة بالمسيح المحمديّة
للعَلَامَة القسطَلاني
المتوفى سنة ٩٢٣ هـ.
ضَبَطَرَ وَصَحْهُ
محمد عبد العزيز الخالدي
الجزء الخامسٌ
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان

جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب
العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة
أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا" أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة
كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات
ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيا".
Copyright C
All rights reserved
Exclusive rights by DAR al-KOTOB al-
ILMIYAH Beirut - Lebanon. No part of this
publication may be translated, reproduced,
distributed in any form or by any means, or
stored in a data base or retrieval system,
without the prior written permission of the
publisher.
الطّبعَة الأولى
١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
العنوان : رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت
تليفون وفاكس : ٢٦٤٣٩٨ - ٢٦٦١٣٥ - ٦٠٢١٣٣ (١ ٩٦١ ) ..
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
DAR al-KOTOB al-ILMIYAH
Beirut - Lebanon
Address : Ramel al-Zarif, Bohtory st., Melkart bldg., Ist Finne.
Tel. & Fax : 00 (961 1) 60.21.33 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon

بِشِالله الرحمن الرحيم
[وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم]:
فروي أنه لما رجع عليه الصلاة والسلام من الحديبية كتب إلى الروم، فقيل
له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا أن يكون مختومًا، فاتخذ خاتماً من فضة ونقش فيه
ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، و ((الله)) سطر، وختم به الكتاب.
وإنما كانوا لا يقرؤون الكتاب إلا مختومًا
وفي القاموس النمر، ككتف ابن تولب، ويقال النمر: بالفتح شاعر للنبي عَّه، وسيذكر
المصنف كتابه إلى بني نهد في المقصد الثالث، فذكره هنا في قوله إلى بني زهير لا فائدة فيه،
لأنهما غيران، والله أعلم.
(وأما مكاتباته عليه الصلاة والسلام) أي بيان كتابته (إلى الملوك وغيرهم، فروى) عند
ابن سعد وغيره عن ابن عباس (أنه لما رجع عليه الصلاة والسلام من الحديبية) في ذي الحجة
سنة ست، (كتب إلى الروم) يدعوهم إلى الإسلام، أي أمر بالكتب، فكتب وأراد إرساله، (فقيل
له إنهم لا يقرؤون كتابًا إلاَّ أن يكون مختومًا، فأخذ خاتماً من فضة،) هكذا في رواية ابن سعد
وغيره، وروى ابن عدي في هذه القصة، أنه عمل له خاتماً من حديد، فجاء جبريل، فقال: انبذه
من أصبعك فنبذه، فعمل له خاتماً من نحاس، فأمره جبريل، فنبذه، فعمل له خاتمًا من فضة، فأقره
جبريل، فإن صحا، فاقتصر من اقتصر على الفضة، لأنه الذي استقر عليه أمره، (ونقش فيه ثلاثة
أسطر من محمد سطر ورسول،) بالتنوين وعدمه على الحكاية (سطر واللّه) بالرفع والجر على
الحكاية (سطر،) ولابن سعد من مرسل ابن سيرين بسم اللَّه محمد رسول اللَّه.
قال الحافظ: ولم يتابع على هذه الزيادة، وقول بعض الشيوخ، يعني الاسنوي أن كتابته
كانت من فوق، يعني الجلالة أعلى الأسطر الثلاثة، ومحمد أسفلها، فلم أر التصريح بذلك في
شىء من الأحاديث، بل رواية الإسماعيلى يخالف ظاهرها ذلك، فإنه، قال محمد سطر، والسطر
الثاني رسول، والسطر الثالث اللَّه (وختم به الكتاب).
قال الحافظ: ولم تكن كتابة الخاتم على الترتيب العادي، فإن ضرورة الختم به تقتضي أن
الأحرف المنقوشة مقلوبة ليخرج الختم مستويًا انتهى.
وهو تعويل على العادة وأحواله عَّ خارجة عن طورها، بل في تاريخ ابن كثير عن
بعضهم أن كتابته كانت مستقيمة، وكانت تطبع كتابة مستقيمة، وفي رواية ابن سعد وغيره،
فخرج ستة نفر في يوم واحد، وأصبح كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعث إليهم، (وإنما
كانوا لا يقرؤون الكتاب) إذا ورد عليهم، (إلا مختومًا) بأن يطوى، ويجعل عليه ما يمنع فكه، ثم

٤
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
خوفًا من كشف أسرارهم، وللإشعار بأن الأحوال المعروضة عليهم ينبغي أن تكون
مما لا يطلع عليها غيرهم.
وعن أنس، إن ختم كتاب السلطان والقضاة سنة متبعة، وقال بعضهم: هو
صَّى الله
سنة لفعله عَ له.
فكتب إلى قيصر، المدعو ((هرقل)) ملك الروم يوم ذاك، ثم قال بعد تمام
الكتابة من ينطلق بكتابى هذا إلى هرقل وله الجنة، فقالوا: وإن لم يصل
يا رسول الله؟ قال: وإن لم يصل،
يختم عليه (خوفًا من كشف أسرارهم، وللإشعار بأن الأحوال المعروضة عليهم ينبغي أن تكون
مم لا يطلع عليها غيرهم،) صونًا لسورة الملك عن مشاركة العامة في أخبارهم.
(وعن أنس أن ختم كتاب السلطان،) أي من له سلطنة، فيشمل الأمراء، (والقضاة سنة
متبعة،) وقول الصحابي من السنة، كذا له حكم الرفع، كما في الالفية وغيرها، فافاد أنس أنه
مطلوب، (و) لذا، (قال بعضهم هو سنة لفعله عَّله،) فمؤدى العبارتين واحد، لا أن قول أنس
اخبار عن مجرد الإعتياد، وأن كلام بعضهم مقابل له، كما توهم، ثم عطف على قوله كتب إلى
الروم من عطف المفصل على المجمل لبيان المكتوب له، منهم قوله: (فكتب إلى قيصر
المدعو،) أي المسمى، (هرقل) بكسر الهاء، وفتح الراء، وسكون القاف على المشهور في
الروايات، وحكى الجوهري وغيره: سكون الراء، وكسر القاف، وجزم به القزاز وغيره، علم له
غير منصرف للعلمية، والعجمة ما في الفتح لقب قيصر بالقاف غير صافية في لغتهم من القصر،
وهو القطع في لغتهم، لأن أحشاء أمه قطعت حتى خرج منها، لأنها لما طلقت به ماتت، فبقر
بطنها عنه، فخرج حيا وكان يفخر بذلك، لأنه لم يخرج من فرج، وكان شجاعًا جبارًا مقدمًا في
الحروب، كذا ذكره العيني وغيره، ولا يشكل بقولهم قيصر اسم لكل ملك الروم، لأن المراد من
هرقل فمن بعده، ولا يشكل بقوله للَّه إذا هلك قيصر، فلا قيصر بعده، لأن المراد في إقليمه
الذي كان فيه، أو يملك مثله، أو غير ذلك مما أجابوا به (ملك الروم يوم ذاك) الكتب، وليس
المراد خصوص يوم معين، لأن العرب تريد باليوم مطلق الزمن، وقد ذكروا أنه ملك الروم احدى
وثلاثين سنة، وفي ملكه مات عَّله، (ثم قال بعد تمام الكتابة: من ينطلق بكتابي هذا إلى هرقل،
وله الجنة) مع السابقين، أو بلا حساب، (فقالوا: وإن لم يصل يا رسول اللَّه) بأن منعه مانع من
موت، أو غيره عن الوصول، (قال: وإن لم يصل،) لأن نيته الوصول، وهو خير من العمل، وفي
رواية الحرث بن أبي أسامة بلفظ يقتل في الموضعين، ثم يحتمل أنه بفوقية من القتل، أو بموحدة
من القبول، كأنهم استعظموا هذا الجزاء العظيم، وإن عاد الذاهب سالمًا، أو لم يقبل هرقل

وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
فأخذه دحية بن خليفة الكلبي، وتوجه إلى مكان فيه هرقل. ولفظه:
بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله عَ ليه -
الكتاب بأن لم يعمل به، فأخبرهم بذلك، لأنه رتب الجزاء على مجرد الانطلاق والقتل، أو
القبول شىء آخر، (فأخذه دحية).
قال الحافظ: بكسر الدال وفتحها لغتان، ويقال إنه الرئيس بلغة اليمن (ابن خليفة
الكلبي) الصحابي الجليل، كان من أحسن الناس وجهًا، وأسلم قديمًا، (وتوجه به إلى مكان فيه
هرقل،) وهو بيت المقدس، كما في الصحيح، وعنده في الجهاد أن اللَّه لما كشف عن هرقل
جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكرًا لله.
زاد ابن إسحق، فكان يبسط له البسط، وتوضع عليها الرياحين، فيمشي عليها.
وعند الطبري، وابن عبد الحكم من طرق متعاضدة أن كسرى أغزى جيشه بلاد هرقل،
فخربوا كثيرًا منها، ثم استبطأ كسرى أميره، فأراد قتله وتولية غيره، فاطلع أميره على ذلك، فباطن
هرقل، واصطلح معه على كسرى، وانهزم عنه بجنوده، فمشى هرقل إلى بيت المقدس شكرًا،
وعند ابن إسحق عن أبي سفين: لما كانت الهدنة خرجت تاجرًا إلى الشام مع رهط قريش، فقال
هرقل لصاحب شرطته: قلب الشام ظهر البطن حتى تأتي برجل من قوم هذا الرجل أسأله عن
شأنه، فوالله إنى وأصحابي بغزة إذ هجم علينا، فساقنا جميعًا، فذكر الحديث بنحو ما في
الصحيح أنهم أتوه، وهو بايلياء، فدعاهم في مجلسه، وحوله عظماء الروم، وعليه التاج الحديث
في الأسئلة والأجوبة، وفيه، ثم دعا بكتاب النبي مَّ الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى،
فدفعه إلى هرقل، فقرأه.
قال في الفتح: بصرى، بضم الموحدة والفصر مدينة بين المدينة ودمشق، وقيل هي
حوران وعظيمها هو الحرث بن أبي شمر الغساني. وفي الصحابة لابن السكن أنه أرسل بكتاب
النبي عليه إلى هرقل مع عدي بن حاتم، وكان عدي إذ ذاك نصرانيًا، فوصل به هو ودحية معًا.
وروى البزار: أن دحية نفسه ناول الكتاب لقيصر، ولفظه بعثني عَّة بكتاب إلى قيصر،
فقدمت عليه، وأعطيته الكتاب، (ولفظه بسم اللَّه الرحمن الرحيم،) فيه استحباب تصدير الكتب
بالبسملة، وإن كان المبعوث إليه كافرًا، وأجيب عن تقديم سليمن اسمه بأنه إنما ابتدأه بالبسملة،
وكتب اسمه عنوانًا بعد ختمة، لأن بلقيس إنما عرفت كونه من سليمن بقراءة عنوانه، ولذا، قالت
وانه بسم الله الرحمن الرحيم، فالتقديم واقع في حكاية الحال (من محمد رسول اللَّه عَل،) فيه
أن السنة أن يبدأ الكاتب بنفسه، وهو قول الجمهور، بل حكى فيه النحاس إجماع الصحابة.
قال الحافظ: والحق إثبات الخلاف، وفيه أن من التي لابتداء الغاية تأتي في غير الزمان

٦
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
وفي رواية البخاري: عبد الله ورسوله - إلى هرقل عظيم الروم - وفي رواية غير
البخاري: إلى قيصر صاحب الروم -: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني
أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين،
والمكان، كذا، قال أبو حيان، والظاهر أنها هنا لم تخرج عن ذلك لكن بارتكاب مجاز انتهى.
ثم هذا لفظ رواية البخاري في التفسير، (وفي رواية البخاري) في بدء الوحي وفي
الجهاد من محمد (عبد اللَّه ورسوله،) وفيه إشارة إلى أن رسل اللَّه وإن كانوا أكرم الخلق عليه،
فهم مع ذلك مقرون بأنهم عبيده، وإلى بطلان ما تدعيه النصارى في عيسى عليه السلام، وفي
رواية له أيضًا من محمد بن عبد اللَّه رسول اللَّه (إلى هرقل عظيم الروم،) أي المعظم عندهم
بالخفض على البدل، ويجوز الرفع على القطع، والنصب على الاختصاص، (وفي رواية غير
البخاري) كأبي نعيم وابن عساكر، وغيرهما من حديث دحية (إلى قيصر صاحب الروم،)
ويحتمل الجمع بأنها بالمعنى، ورواية البخاري باللفظ لموافقة مسلم له، وهو يحافظ على اللفظ،
ثم اتفق البخاري وغيره على قوله (سلام،) وللبخاري في كتاب الاستئذان: السلام (على من اتبع
الهدى،) أي الرشاد.
قال الحافظ: وقد ذكرت هذه الجملة في قصة موسى ولهرون مع فرعون، وظاهر السياق
يدل على أنه من جملة ما أمرا به أن يقولاه، فإن قيل كيف يبدأ الكافر بالسلام، فالجواب أن
المفسرين، قالوا: ليس هذا من التحتية، إنما المراد سلم من عذاب الله من أسلم، ولذا جاء بعد
أن العذاب على من كذب وتولى، وكذا في بقية هذا الكتاب، فإن توليت الخ، فمحصل
الجواب أنه لم يبدأ الكافر بالسلام قصدا، وإن كان اللفظ يشعر به، ولكنه لم يدخل في المراد،
لأنه ليس ممن اتبع الهدى، فلم يسلم عليه، (أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام) بكسر الدال
من قولك دعا يدعو دعاية نحو شكا يشكو شكاية، ولمسلم بداعية الإسلام، أي بالكلمة الداعية
إليه، وهي شهادة أن لا إله إلاَّ اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، والباء موضع إلى، كما في الفتح،
وتبعه المصنف وغيره، قال شيخنا: ولا يتعين، بل يجوز بقاؤها على ظاهرها، والمعنى أدعوك
بالكلمة الدالة على طلب الإسلام منك، وحملك عليه، وما بعده بيان للكلمة التي دعا بها، وهو
قوله (أسلم) بكسر اللام (تسلم) بفتحها فيه غاية الاختصار، ونهاية الإيجاز والبلاغة وجمع
المعاني، مع ما فيه من البديع، وهو الجناس الإشتقاقي، وهو رجوع اللفظين في الإشتقاق إلى
أصل واحد (يؤتك اللَّه أجرك مرتين) لإيمانه بنبيه، ثم بالنبي عَّه، وهو موافق لقوله تعالى:
﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين﴾ [القصص: ٥٤] أو من جهة أن إسلامه يكون سببًا لدخول أتباعه.
وللبخاري في الجهاد أسلم تسلم، وأسلم يؤتك بتكرار أسلم مع زيادة الواو في الثانية،

٧
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
فإن توليت فإن عليك إثم الأريسين، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا
وبينكم أن لا نعبد إلا الله
فيحتمل التأكيد، ويحتمل أن الأمر الأول للدخول في الإسلام، والثاني للدوام عليه كقوله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا باللّهِ﴾ [النساء: ١٣٦].
قاله الحافظ بناء على قول جماعة من أهل التفسير؛ أنها خطاب للمؤمنين، أو على قول
ابن عباس أنها لمؤمني أهل الكتاب، فلا يعترض عليه بقول مجاهد، إن الآية في المنافقين، (فإن
توليت) أعرضت عن الإجابة إلى الإسلام، وحقيقة التولي إنما هو بالوجه، ثم استعمل مجازًا في
الإعراض عن الشىء، وهو استعارة تبعية، (فإن عليك إثم الاريسين،) جمع أريس، بوزن فعيل،
وقد تقلب همزته ياء، وجاءت به رواية أبي ذر والأصيلي وغيرهما.
قال ابن سيدة الاريس: الاكار، أي الفلاح عند ثعلب، وعند كراع الأريس الأمير، وقال
الجوهري هي لغة شامية، وأنكر ابن فارس أن تكون عربية، وقيل في تفسيره غير ذلك، لكن هذا
هو الصحيح هنا، فقد صرح به في رواية ابن إسحق بلفظ فإن عليك إثم الأكارين.
زاد البرقاني، يعني الحراثين، وعند المدائني، فإن عليك إثم الفلاحين، وعند أبي عبيد:
وإن لم تدخل في الإسلام، فلا تحل بين الفلاحين وبين الإسلام.
قال أبو عبيد: المراد بهم أهل مملكته، لأن كل من كان يزرع، فهو عند العرب فلاح،
سواء كان يلي ذلك بنفسه، أو بغيره، وقال الليث بن سعد عن يونس الأريسون العشارون، يعني
أهل المكس، رواه الطبراني والأول أظهر، وهذا إن صح أنه المراد، فالمعنى المبالغة في الإثم،
ففي الصحيح في المرأة التي اعترفت بالزنا لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لقبل، (ويا أهل
الكتاب،) هكذا رواية النسفي، والقابسي، وعبدوس بالواو داخلة على مقدر معطوف على أدعوك،
أي أدعوك بدعاية الإسلام، وأقول لك ولأتباعك إمتثالاً لقوله تعالى: ﴿قل يا أهل الكتاب﴾ [آل
عمران: ٦٤]، فليس بزيادة في التلاوة، إذ الواو إنما دخلت على محذوف، ولا يردان حذف
المعطوف، وبقاء العاطف ممتنع، لأن محله إذا حذف المعطوف، وجميع تعلقاته، أما إذا بقي
شىء هو معمول للمحذوف، فيجوز نحو، والذين تبوأوا الدار والإيمان.
قال الحافظ: ويحتمل أنها من كلام أبي سفين، كأنه لم يحفظ جميع الألفاظ، فاستحضر
منها صدر الكتاب، فذكره، فكأنه قال: كان فيه كذا، وكان فيه يا أهل الكتاب، قالوا: ومن
كلامه لا من نفس الكتاب.
وذكر عياض: أن الواو ساقطة من رواية الأصيلي، وأبي ذر: (تعالوا إلى كلمة سواء) سوية
(بيننا وبينكم،) لا يختلف فيها القرءان والتوراة والانجيل، هي (أن لا نعبد إلا الله،) أي نوحده

٨
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله، فإن تولوا فقولوا
اشهدوا بأنا مسلمون رواه البخاري.
وكان عَّ أرسل هذا الكتاب مع دحية في آخر سنة ست، بعد أن رجع
من الحديبية، كما قاله الواقدي. ووقع في تاريخ خليفة أن إرساله كان سنة
خمس، والأول أثبت، بل هذا غلط لتصريح أبي سفين: بأن ذلك كان في مدة
بالعبادة، ونخلص له فيها، (ولا نشرك به شيئاً،) لا نجعل غيره شريكًا له في استحقاق العبادة،
ولا نراه أهلاً، لأن يعبد، (ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله،) فلا نقول عزير ابن اللَّه، ولا
المسيح ابن الله. ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوه من التحريم والتحليل، لأن كلاً منهم بشر مثلنا،
(فإن تولوا) عن التوحيد، (فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون،) أي لزمتكم الحجة، فاعترفوا بأنا
مسلمون دونكم، أو اعترفوا بأنكم كافرون بما نطقت به الكتب، وتطابقت عليه الرسل.
قال الحافظ: وقد اشتملت هذه الجملة القليلة التي تضمنها بعض هذا الكتاب على الأمر
بقوله أسلم والترغيب بقوله تسلم ويؤتك، والزجر بقوله فإن توليت، والترهيب بقوله فإن عليك،
والدلالة بقوله يا أهل الكتاب، وفي ذلك من البلاغة ما لا يخفى، وكيف لا، وهو كلام من أوتي
جوامع الكلم عَّةٍ، قال: واستنبط منه شيخنا، شيخ الإسلام، يعني البلقيني أن كل من دان بدين
أهل الكتاب كان في حكمهم في المناكحة والذبائح، لأن هرقل هو وقومه ليسوا من بني
إسرائيل، بل ممن دخل في النصرانية بعد التبديل، وقد قال لهم، يا أهل الكتاب، فدل على أن
لهم حكمهم، خلافًا لمن خص ذلك بالاسرائيليين، أو بمن علم أن سلفه دخل اليهودية، أو
النصرانية، قبل التبديل.
(رواه البخاري) في مواضع كثيرة، وأخرجه مسلم في المغازي، وهو من جملة حديث
طويل مشهور.
وعند ابن أبي شيبة من مرسل ابن المسيب: أن هرقل لما قرأه، قال هذا كتاب لم أسمعه
بعد سليمن، كأنه يريد الابتداء بالبسملة، (وكان عَّ أرسل هذا الكتاب مع دحية في آخر سنة
ست بعد أن رجع من الحديبية،) وكان وصوله إلى هرقل في المحرم سنة سبع، (كما، قاله
الواقدي) بما زدته، كما في الفتح قائلاً: (ووقع في تاريخ خليفة) بن خياط بن خليفة العصفري
البصري، الحافظ أحد شيوخ البخاري.
قال ابن عدي: له حديث وتاريخ حسن، وكتاب في طبقات الرواة، وهو مستقيم
الحديث، صدوق متيقظ، مات سنة أربعين ومائتين، (أن إرساله كان سنة خمس، والأول أثبت،
بل هذا غلط لتصريح أبي سفين) بن حرب، راوي الحديث، (بأن ذلك كان في مدة

٩
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
صلح الحديبية كما في حديث البخاري، في المدة التي كان عليه الصلاة
والسلام ماد فيها أبا سفين وكفار قريش، يعني مدة صلح الحديبية، وكانت سنة
ست اتفاقًا.
ولم يقل عَّه إلى هرقل ملك الروم، لأنه معزول بحكم الإسلام، ولم يخله
من الإكرام لمصلحة التأليف.
وقوله: يؤتك الله أجرك مرتين، أي لكونه مؤمنًا بنبيه ثم آمن بمحمد عَّه.
وقوله: فإن عليك إثم الأريسين: أي فإن عليك مع إثمك إثم الأتباع بسبب
أنهم اتبعوك على استمرار الكفر.
صلح الحديبية، كما في حديث البخاري) عن أبي سفين: إن هرقل أرسل إليه في ركب من
قريش، وكانوا تجارًا بالشام (في المدة التي كان عليه الصلاة والسلام ماد،) بشد الدال من
مادد، فأدغم الأول في الثاني من المثلين، (فيها أبا سفين، وكفار قريش،) بالنصب مفعول معه،
أو عطف على المفعول به، أعنى أبا سفين، (يعني مدة صلح الحديبية، وكانت سنة ست
إتفاقًا،) فكيف يتأتى قول خليفة سنة خمس.
(ولم يقل عَّ إلى هرقل ملك الروم، لأنه معزول) عن الملك (بحكم الإسلام،) ولا
سلطنة لأحد إلاَّ من قبله مَّة، (و) لكنه (لم يخله من الإكرام،) ويذكر اسمه مجردًا، بل قال
عظيم، أو صاحب (لمصلحة التأليف،) فلاطفه بالقول اللين، كما قال تعالى: ﴿فقولا له قولا
لينًا﴾ [طه: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك﴾ [النحل: ١٢٥]، (وقوله
يؤتك الله أجرك مرتين، أي لكونه مؤمنًا بنبيه) عيسى عليه السلام، (ثم آمن بمحمد عَّةٍ)) وهو
موافق لقوله تعالى: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين﴾ [القصص: ٥٤]، ويحتمل أن يكون
تضعيف الأجر له من جهة أن إسلامه يكون سببًا لدخول أتباعه، وصرح بذلك في حديث
الشعبي، كما في الفتح، (وقوله فإن عليك إثم الأريسين) بالهمزة، وفي رواية اليريسين، بقلبها
ياء)، جمع يريس، بوزن كريم، وفي أخرى اليريسيين بشد الياء بعد السين، جمع يريسي، وفي.
أخرى حكاها صاحب المشارق وغيره الأريسين بشد الراء.
قال ابن الأعرابي: أرس یارس بالتخفيف، فهو أریس وأرس بالتشديد يؤرس، فهو أريس
وفي أخرى الأرسين بتحتانية واحدة، وفي الكلام حذف دل عليه المعنى، (أي فإن عليك مع
المك اثم الإتباع بسبب أنهم اتبعوك على استمرار الكفر،) فلأن يكون عليه اثم نفسه أولى،
وهذا يعد من مفهوم الموافقه، ولا يعارض هذا قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾،

١٠
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
وقيل: إنه عليه الصلاة والسلام كتب هذه الآية: يعني ﴿يا أهل الكتاب﴾
قبل نزولها، فوافق لفظه لفظها لما نزلت، لأن هذه الآية نزلت في قصة وفد
نجران، وكانت قصتهم سنة
لأن وزر الآثم لا يتحمله عليه، ولكن الفاعل المتسبب، والمتلبس للسيئات يتحمل من وجهين
جهة فعله وجهة تسببه.
قال الخطابي: المراد أن عليه إثم الضعفاء، والإتباع إذا لم يسلموا تقليدًا له، لأن الاصاغر
أتباع الأكابر.
وقال الازهري: الأريس بالتخفيف وبالتشديد الأكابر لغة شامية، وكان أهل السواد أهل
فلاحة، وكانوا مجوسًا، وأهل الروم أهل صناعة، فأعلموا بأنهم، وإن كانوا أهل كتاب، فإن عليهم
من الإثم إن لم يؤمنوا مثل إثم المجوس انتهى.
وحكى غيره أن الأريسين ينسبون إلى عبد اللَّه بن أريس، رجل كانت النصارى تعظمه،
ابتدع في دينهم أشياء مخالفة لدين عيسى، وقيل: إنه من قوم بعث إليهم نبي فقتلوه، والتقدير
على هذا فإن عليك مثل إثم الأريسين.
وذكر ابن حزم أن أتباع عبد الله بن أريس كانوا أهل مملكة هرقل، ورده بعضهم بأنهم
كانوا قليلاً وما كانوا يظهرون، وكانوا ينكرون التثليث، وما أظن قول ابن حزم إلاَّ عن أصل، فإنه
لا يجازف في النقل انتهى، من فتح الباري في موضعين وفيه زيادات حسان تركتها خوف
الإطالة، وأيضًا لما قدمته عنه أن الصحيح تفسيره بالفلاحين لوروده في رواية أخرى كذلك،
وبلفظ الأكارين، وهو بمعناه.
قال النووي: نبه بهم على بقية الرعية، لأنهم الاغلب، ولأنهم أسرع انقيادًا.
قال الحافظ: ومراده انه نبه بذكر طائفة من الطوائف على بقية الطوائف، كأنه يقول إذا
امتنعت، فإن عليك اثم كل ممتنع بامتناعك، وكان يطيع لو أطعت كالفلاحين، فلا يرد تعقب
شيخنا البلقيني بأن من الرعايا غير الفلاحين من له قوة وعشيرة، فلا يلزم من دخول الفلاحين
دخول بقية الرعايا حتى يصح أنه نبه بذكرهم على الباقين.
نعم قول أبي عبيدة: ليس المراد بالفلاحين الزراعين فقط، بل جميع أهل المملكة ان أراد على
ما قررت به كلام النووي فمسلم والا فمعترض، (وقيل إنه عليه الصلاة والسلام كتب هذه الآية،
يعني: ﴿يا أهل الكتاب﴾ قبل نزولها، فوافق لفظه لفظها، لما نزلت،) كما نزل بموافقة عمر في
الحجاب، وأسرى بدر وعدم الصلاة على المنافقين وغير ذلك، (لأن هذه الآية نزلت في قصة
وفد نجران) بفتح النون وسكون الجين بلد قريب من اليمن، (وكانت قصتهم) وستأتى (سنة

١١
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
الوفود سنة تسع، وقصة أبي سفين هذه كانت قبل ذلك سنة ست. وقيل: نزلت
في اليهود، وجوز بعضهم نزولها مرتين، وهو بعيد والله أعلم.
ولما قرىء كتاب النبي ێ.
الوفود سنة تسع،) كما جزم به ابن سعد وغيره، (وقصة أبي سفين هذه كانت قبل ذلك سنة
ست،) كما علم، وقيل: بل نزلت سابقة في أوائل الهجرة، وإليه يومىء كلام ابن إسحق هكذا
في الفتح قبل قوله: (وقيل نزلت في اليهود،) فالقول الثالث عين مراد الثاني، ولذا قال (وجوز
بعضهم نزولها مرتين) مرة في أوائل الهجرة، وأخرى في سنة تسع (وهو بعيد،) لأن الأصل عدم
تكرار النزول، (والله أعلم) بما في نفس الأمر.
وهذا كلام الحافظ في الفتح، وقال ابن كثير: هذه القصة كانت بعد الحديبية وقبل
الفتح، كما صرح به في هذا الحديث.
وقد ذكر ابن إسحق وغيره ان صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها نزلت في
وفد نجران.
وقال الزهري: هم أول من بذل الجزية ولا خلاف أن آية الجزية نزلت بعد الفتح، فما
الجمع بين كتابة هذه الآية إلى هرقل، وبين ما ذكره ابن إسحق والزهري، أجيب بأن قدوم وفد
نجران كان قبل الفتح وبعد الحديبية. وما بذلوه كان مصالحة على المباهلة لا عن الجزية،
ووافق نزول الجزية بعد ذلك على وفقه، وبإحتمال تعدد النزول، واحتمال كتبها قبل نزولها
انتھی.
(ولما قرىء كتاب النبي ◌َّ) بالبناء للمفعول، وعند الواقدي من مرسل محمد بن كعب
القرظي، فدعا الترجمان الذي يقرأ بالعربية، فقرأه.
وعند البخاري في بدء الوحي والتفسير، ثم دعا بكتاب رسول اللَّه مَ له، فقرأه، فظاهره أن
هرقل هو الذي قرأه إلاّ أن تكون نسبة قراءته إليه مجازًا لكونه الأمر به، والقارىء الترجمان،
وللبخاري في الجهاد ما ظاهره أن قراءة الكتاب وقعت مرتين، ففي أوله، فلما جاء قيصر كتاب
رسول اللَّه عَ لَه، قال حين قرأه: التمسوا لي ههنا أحدًا من قومه لاسألهم عنه، فذكر القصة إلى أن
قال، ثم دعا بكتاب رسول اللَّه عَ ل، فقرىء.
قال في الفتح: والذي يظهر لي أن هرقل قرأه بنفسه أولاً، ثم لما جمع قومه، وأحضر أبا
سفين، ومن معه، وسأله، وأجابه أمر بقراءة الكتاب على الجمع، ويحتمل أن المراد بقوله أو لا
حين قرأه، أي عنوانه، لأنه كان مختومًا بختمه محمد رسول اللَّه، ولذا قال: إنه يسأل عن هذا
الرجل الذي يزعم أنه نبي، ويؤيده أن من جملة الأسئلة قول هرقل بم يأمركم؟ فقال: أبو سفين

١٢
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
غضب ابن أخي قيصر غضبًا شديدًا وقال: أرني الكتاب، فقال له وما تصنع به؟
قال: إنه بدأ بنفسه، وسماك صاحب الروم، فقال له عمه: والله إنك لضعيف الرأي،
أتريد أن أرمي بكتاب رجل يأتيه الناموس الأكبر، أو كلامًا هذا معناه، أو قال: أن
أرمي بكتاب لم أعلم ما فيه، لئن كان رسول الله إنه لأحق أن يبدأ بنفسه، ولقد
صدق: أنا صاحب الروم، والله مالكي ومالكه،
يقول اعبدوا اللَّه، ولا تشركوا به شيئاً، وهذا بعينه في الكتاب، فلو كان قرأه ما احتاج إلى السؤال
عنه إلاَّ أن يكون مبالغة في تقريره (غضب ابن أخي قيصر،) كما أخرجه الحسن بن سفين،
وسعيد بن منصور، عن دحية قال: بعثني النبي عَُّ إلى هرقل، فقدمت عليه، فاعطيته الكتاب،
وعنده ابن أخ له أحمر أزرق سبط الرأس، فلما قرىء الكتاب نخر ابن أخيه نخرة، فقال: لا
تقرأه، فقال قيصر: لم، قال: لأنه بدأ بنفسه، وكتب صاحب الروم، ولم يقل ملك الروم، قال:
اقرأ فقرىء الكتاب.
وذكر المدائني إن القارىء لما قرأ من محمد رسول اللَّه إلى عظيم الروم غضب أخو
هرقل، واجتذب الكتاب، فقال له هرقل: لملك؟ قال: بدأ بنفسه وسماك صاحب الروم، قال: إنك
لضعيف الرأي أتريد أن أرمي الكتاب قبل أن أعلم ما فيه؟ لئن كان رسول اللَّه لهو أحق أن يبدأ
بنفسه، ولقد صدق، أنا صاحب الروم، واللَّه مالكي ومالكهم، ذكره في فتح الباري في التفسير،
وعند ابن سعد في كتاب ملكي عمان تسمية أخي قيصر يناق.
قال البرهان: بفتح التحتية، وشد النون، فألف، فقاف لا أعرف له ترجمة، والظاهر هلاكه
علی دینه انتهى.
فيحتمل أن الأخ وابن الأخ وقع من كل منهما ما ذكر، ولفق المصنف من كل منهما
ناسيًا لابن الأخ ما ذكره بقوله: (غضبًا شديدًا، وقال أرني الكتاب، قال: وما تصنع به، قال: إنه
بدأ بنفسه،) وعادة العجم إذا كتبوا إلى ملوكهم بدأوا باسم ملوكهم، وهذا خالف العادة، فلا يقرأ
كتابه، (وسماك صاحب الروم،) ولم يقل ملك الروم، (فقال له عمه: واللَّه انك لضعيف الرأي،)
قليل العقل، (أتريد أن أرمي بكتاب رجل يأتيه الناموس الأكبر) جبريل عليه السلام بالوحي
من اللَّه، (أو كلاما هذا معناه،) والحاصل أنه لا يرمي به خوفًا من تعجيل العقوبة لو فعل، (أو قال
أن أرمي بكتاب لم أعلم ما فيه،) ولا يليق هذا بعقل الملوك، ثم تنزل معه زيادة في توبيخه
على ضعيف رأيه، لأن الخبر من حيث هو يحتمل الصدق، فقال: (لئن كان رسول اللَّه إنه الأحق
أن يبدأ بنفسه، ولقد صدق انا صاحب الروم، واللّه مالكي ومالكه،) أي الروم، وكأنه أفرد الضمير
باعتبار لفظ الروم ومر أن الرواية: مالكهم بالجمع، زاد في رواية، ولكن اللَّه سخرهم لي، ولو شاء

١٣
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
ثم أمر بإنزال دحية وإكرامه إلى أن كان من أمره ما ذكره البخاري في حديثه،
انتھی.
لسلطهم علي، كما سلط فارس على كسرى فقتلوه، ثم أخد كتاب رسول اللَّه عَّهِ، فوضعه على
رأسه، ثم قبله وطواه في الديباج والحرير، وجعله في سفط، (ثم أمر بإنزال دحية وإكرامه).
قال دحية: ثم بعث إلى من الغد سرًا، فأدخلني بيتًا عظيمًا فيه ثلاثمائة وثلاث وعشرة
صورة، فإذا هي صور الأنبياء المرسلين، فقال انظر أين صاحبك من هؤلاء، فرأيت صورة
النبي عَّله، كأنه ينطق، قلت: هذا، قال: صدقت.
رواه أبو نعيم وغيره (إلى أن كان من أمره ما ذكره البخاري في حديثه) من أنه رجع إلى
حمص، وجمع عظماء الروم في دار له، وقال: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد آخر
الابد، وإن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي، فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها
قد غلقت، فقال: علي بهم، فقال: إني إنما اختبرت شدتكم على دينكم، فقد رأيت منكم الذي
أحببت، فسجدوا له، ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل ( انتهى).
أي فيما يتعلق بهذه القصة، خاصة المتعلقة بدعائه الإيمان، لأنه انقضى أمره حينئذ، ومات
أو أطلق الآخرية بالنسبة إلى ما في علمه وهذا أوجه، لأنه قد وقعت له قصص أخرى من تجهيز
الجيش إلى مؤتة، ومكاتبة النبي عٍَّ ثانيًا، وهو بتبوك، وبعث به دحية أيضًا، وإرساله إلى
النبي عَ بذهب قسمه بين أصحابة، کما رواه ابن حبان.
وروى أحمد وأبو يعلى قدم عَّ لّ تبوك، فبعث دحية إلى هرقل، فلما جاءه الكتاب دعا
القسيسين والبطارقة، وأغلق عليهم وعليه، فقال: إن هذا الرجل يدعوني، ووالله لقد قرأتم فيما
تقرأون من الكتب، ليأخذن ما تحت قدمي، فهلم إلى أن نتبعه، فنخروا نخرة رجل واحد حتى
أن بعضهم خرج عن برنسه، فلما ظن انهم ان خرجوا من عنده، أفسدوا عليه الروم، قال: إنما
قلت لاعلم صلابتكم على أمركم الحديث، وقد تقدم بعضه في غزوة تبوك، وأن إرسال الهدية،
وكتابته إلى النبي عَه، وبعثه رسوله التنوخي، إنما كان لما أرسل إليه، وهو عليه السلام بتبوك،
كما في الحديث، وبه جزم السهيلي.
قال في الفتح: روى ابن حبان أنه عَّه كتب إليه بتبوك يدعوه إلى الإسلام، فقارب
الإجابة ولم يجب، فدل على استمراره على الكفر، لكن يحتمل مع ذلك انه كان يضمر الإيمان،
ويفعل هذه المعاصي مراعاة لملكه، وخوفًا من أن يقتله قومه، إلاَّ أن في مسند أحمد أنه كتب
من تبوك إلى النبي عَّه إني مسلم، فقال: كذب، بل هو على نصرانيته، ولأبي عبيد كذب
عدوّ اللَّه ليس بمسلم، فاطلاق صاحب الإستيعاب أنه آمن، أي أظهر التصديق، لكن لم يستمر

١٤
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
وكتب عَِّ إلى كسرى أبرويز بن هرمز بن أنو شروان ملك فارس:
بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس،
سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله،
عليه، ويعمل بمقتضاه، بل شح بملكه، وآثر الفانية على الباقية، ولو تفطن لقوله عَّ ه: أسلم تسلم،
وحمل الخبر على عمومه في الدنيا والآخرة لسلم، أو أسلم من كل ما يخافه، ولكن التوفيق
بيد اللَّه، واختلف الأخباريون، هل هو الذي حاربه المسلمون في زمن أبي بكر وعمر، أو ابنه،
والأظهر أنه هو (انتهى).
(وكتب عَّ إلى كسرى) بكسر الكاف، وتفتح لقب لكل من ملك الفرس، قال
ابن الأعرابي: الكسر أفصح، واختاره أبو حاتم، وأنكره الزجاج، واحتج بأن النسبة كسروى بالفتح،
ورده ابن فارس بأن النسبة قد يفتح فيها ما الأصل كسره أو ضمه، كما قالوا في بني تغلب
بكسر اللام تغلبي بفتحها، وفي سلمة كذلك، فلا حجة فيه على تخطئة الكسر.
قال في الفتح: ومعناه بالعربية المظفر (أبرويز،) بفتح الواو، وكسرها، ويقال له ابرواز
وآخره زاي معجمة، كما في القاموس ومقتضى قاعدته فتح همزته.
قال السهيلي في أوائل الروض: ومعنى ابرويز بالعربية المظفر، وهو الذي غلب على الروم
حين أنزل اللَّه ﴿ألم غلبت الروم﴾ [الروم: ٢]، انتهى، فعلى هذا، فكل من لفظ كسرى
وأبرويز معناه المظفر (ابن هرمز بن أنو شروان،) وهو كسرى الكبير المشهور، الذي بنى الإيوان،
وملك ثمانيًا وأربعين سنة، وقيل إنه الذي كتب إليه عَـ
قال الحافظ: وفيه نظر، لأن النبي عَّ انذر بأن ابنه يقتله، والذي قتله ابنه هو كسرى
أُبرويز بن هرمز (ملك فارس،) ولفظه فيما أخرجه الواقدي من حديث الشفاء بنت عبد الله
(بسم الله الرحمن الرحيم،) قال في فتح الباري: لم تجر العادة الشرعية، ولا العرفية بإبتداء
المراسلات بالحمد، وقد جمعت كتبه عَّةٍ إلى الملوك وغيرهم، فلم يقع في واحد منها البداءة
بالحمد، بل بالبسملة (من محمد رسول الله) فيه البداءة باسم الكاتب قبل المكتوب إليه، وقد
أخرج أحمد وأبو داود أن العلاء بن الحضرمي كتب إليه عَّهِ، وكان عامله على البحرين: من
العلاء إلى محمد رسول اللَّه، فبدأ بنفسه، وعند البزار أنه مَّ وجه عليًا وخالد بن الوليد، فكتب
إليه خالد، فبدأ بنفسه، وكتب إليه علي، فبدأ برسول اللَّه عَّلَّهِ، فلم يعب على واحد منهما،
وكتب ابن عمر إلى مدوية، وعبد الملك، فبدأ بهما، وكذا جاء عن زيد بن ثابت إلى معوية (إلى
کسری عظيم فارس، سلام) من عذاب اللَّه (على من اتبع الهدى) الرشاد، (وآمن باللَّه ورسوله،

١٥
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله. أدعوك
بدعاية الله عز وجل، فإني رسول الله إلى الناس كلهم، لينذر من كان حيا ويحق
القول على الكافرين، أسلم تسلم، فإن توليت فعليك إثم المجوس.
فلما قرىء عليه الكتاب مزقه، فبلغ ذلك رسول الله عَّه فقال: مزق ملكه.
وشهد أن لا إله إلاَّ اللَّه، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله،) أكد في هذا الكتاب،
وأوضح البيان، لأنهم مجوس، لا يقرأون الكتب، ولا يعرفون مدلولات الألفاظ بسرعة، بخلاف
قيصر، فإنه كتابي قد قرأ الكتب، فلم يصرح بدعائه إلى الشهادة له عَّه بالرسالة، لكونه منطويًا
في قوله على من اتبع الهدى وأسلم، ودعاية الإسلام، فإن جميعه يتضمن الإقرار بالشهادتين،
(أدعوك بدعاية الله عز وجل،) بكسر الدال، كما مر (فإني رسول الله إلى الناس كلهم،) كما
قال تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول اللَّه إليكم جميعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال
تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ [سبأ: ٢٨]، (لينذر) الرسول وراعى نظم القرءان مع
مراعاة لفظ رسول اللَّه.
وفي نسخة: لأنذر، وهو الذي في العيون عن رواية الواقدي المذكورة على الاقتباس (من
كان حيًّا) عاقلاً فهما، فإن الغافل كالميت، أو مؤمنًا في علم اللَّه، فإن الحياة الأبدية بالإيمان،
وتخصيص الإنذار به، لأنه المنتفع به، (ويحق القول،) يجب كلمة العذاب (على الكافرين)
المصرين على الكفر، وجعلهم في مقابلة من كان حيًّا إشعارًا بأنهم لكفرهم، وسقوط حجتهم،
وعدم تأملهم أموات في الحقيقة، كما قال البيضاوي: (أسلم تسلم،) لم يقل يؤتك الله أجرك
مرتين، لأنه مجوسي، عابدًا لنا لا كتاب له، ولا دين، (فإن توليت، فعليك) مع إنمك، (إثم
المجوس) يعني أتباعه عبده النار، واختلف هل كان لهم كتاب أم لا، فيروى عن علي: أنهم
کان لهم کتاب، فبدلوه، فأصبحوا وقد أسرى به.
رواه الإمام الشافعي، وقال: متصل، وبه نأخذ ورد بأن في إسناده سعيد بن المرزبان ضعفه
يحيى بن سعيد الأنصاري وابن معين، وقال الفلاس: بالفاء متروك الحديث، وقال أبو أسامة: كان
ثقة، وقال أبو زرعة: صدوق مدلس.
وقال ابن القيم: الأثر الذي فيه أنه كان لهم كتاب، فرفع ورفعت شريعتهم، لما وقع
ملکهم على بنته لا يصح البتة.
وعند الواقدي، قال عبد الله بن حذافة: فانتهيت إلى بابه، فطلبت الإذن عليه حتى وصلت
إليه، فدفعت إليه الكتاب، (فلما قرىء عليه الكتاب مزقه،) أي خرقه، (فبلغ ذلك
رسول اللَّه عَ لّ، فقال: مزق ملكه) دعاء، أو إخبار بالغيب، ويؤيد الأول قوله الآتي، فدعا عليهم.

١٦
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
وفي البخاري من حديث ابن عباس أن رسول الله عَ ظله بعث بكتابه إلى
كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه
عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعا
عليهم رسول الله عَِّ أن يمزقوا كل ممزق.
(وفي البخاري) في العلم والجهاد والمغازي وغيرها من أفراده عن مسلم (من حديث)
الزهري، عن عبيد اللَّه ابن عبد الله بن عتبة، عن (ابن عباس أن رسول اللَّه عَِّ بعث بكتابه إلى
كسرى مع عبد الله بن حذافة) القرشي (السهمي،) أسلم قديمًا، وكان من المهاجرين الأولين، قيل
واختاره لتردده عليه كثيرًا، (فأمره،) أي أمر المصطفى عبد اللَّه (أن يدفعه إلى عظيم البحرين)
المنذر بن ساوى بالمهملة وفتح الواو الممالة العبدي نائب كسرى على البحرين، (فدفعه عظيم
البحرين إلى كسرى).
قال الحافظ: الفاء عاطفة على محذوف تقديره، فتوجه إليه، فأعطاه الكتاب، فأعطاه
لقاصده عنده، فتوجه به، فدفعه إلى كسرى، ويحتمل أن المنذر توجه بنفسه، فلا يحتاج إلى
القاصد، ويحتمل أن القاصد لم يباشر إعطاء كسرى بنفسه، كما هو الأغلب من حال الملوك،
فيزداد التقدير اهـ، ولم يتنزل للجميع بينه وبين ما ذكره الواقدي أن عبد الله بن حذافة دفع
الكتاب إلى كسرى، لأن مثله لا يعارض به ما في الصحيح، فإن كان محفوظًا، فيحتمل أن
عبد الله، لما وصل إلى عظيم البحرين، أرسله أو ذهب به إلى كسرى، فاستأذن حتى دخل عليه،
(فلما قرأه) رواية الكشميهني، وللأكثر، فلما قرأ بحذف المفعول، وفيه مجازًا، فإنه لم يقرأه
بنفسه، وإنما قرىء عليه، كما ذكر ابن سعد من حديث عبد الله بن حذافة، هكذا في الفتح،
فقول المصنف: قرأه بنفسه، أو قرأه غيره عليه فيه نظر (مزقه) بزاي وقاف، أي قطعه، وهذا لفظ
البخاري هنا.
وفي كتاب العلم، وله في الجهاد خرقه بخاء معجمة، وشد الراء بدل مزقه، وهو قريب
منه في المعنى، (فحسبت أن ابن المسيب،) قال الحافظ: قائله الزهري، وهو موصول بالإسناد
المذكور، ووقع في جميع الطرق مرسلاً، ويحتمل أن ابن المسيب سمعه من عبد اللَّه بن حذافة
صاحب القصة، (قال: فدعا عليهم رسول اللَّه عَِّ أن يمزقوا كل ممزق) بفتح الزاي فيهما، أي
يتفرقوا ويتقطعوا، فاستجاب اللَّه لرسوله، فسلط اللَّه على أبرويز ابنه شيرويه، فقتله، ثم قتل إخوته،
وكان أبوه، لما علم أن ابنه يقتله احتال على قتل ابنه بعد موته، فعمل في بعض خزائنه المختصة
به حقًّا مسمومًا، وكتب عليه حق الجماع من تناول منه، كذا جامع، كذا فقرأه شيرويه، فتناول

١٧
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
وقيل: بعثه مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والذي في البخاري هو
الصحيح.
وفي كتاب ((الأموال)) لأبي عبيد من مرسل عمير بن إسحق قال: كتب
رسول الله عَّهِ إلى كسرى وقيصر، فأما كسرى فلما قرأ الكتاب مزقه، وأما قيصر
فلما قرأ الكتاب طواه ثم رفعه، فقال رسول الله عَّه: أما هؤلاء فيمزقون، وأما
هؤلاء فسيكون لهم بقية.
منه، فهلك بعد أبيه بستة أشهر، ولم يخلف ذكرًا، فملكوا أخته بوران بضم الموحدة ذكره ابن قتيبة
في المعارف، ثم ملكوا أختها أزدميدخت، كما ذكره الطبري فجر ذلك إلى ذهاب ملكهم ومزقوا،
كما دعا به عَّه هكذا في الفتح، ونقل غيره عن كتاب المعارف لابن قتيبة المذكور أنه تولى بعد
شيرويه ابن عمه كسرى بن قياذ بن هرمز وأردشير بن شيرويه وجرهان، ثم ملك بعدهم بوران بنت
كسرى، فبلغه عَّ له، فقال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، (وقيل بعثه،) أي الكتاب (مع عمر بن
الخطاب رضي الله عنه،) أخرجه ابن عدي بسند ضعيف عن ابن عباس.
قال الحافظ: فإن ثبت، فلعله كتب إلى ملك فارس مرتين، (والذي في البخاري هو
الصحيح،) وفي رواية عمر بن شبة أنه بعثه مع خنيس بن حذافة أخي عبد اللَّه، وهو غلط، فإنه
مات بأحد، فتأيمت منه حفصة، وبعث الرسل كان سنة سبع انتهى، وقيل مع خارجة بن حذافة،
ولا يصح لأن خارجة، كما في الإصابة من مسلمة الفتح والبعث كان قبله، وقيل مع شجاع بن
وهب وفيه نظر، فالمروى عند الطبراني وغيره أنه بعث شجاعًا إلى الحرث بن أبي شمر الغساني،
وبعثهم كان في آن واحد، (وفي كتاب الأموال لأبي عبيد من مرسل عمير) بضم العين مصغر
(ابن إسحق) أبي محمد، مولى بني هاشم مقبول من الثالثة، كما في التقريب (قال: كتب
رسول اللَّه عَُّ إلى كسرى وقيصر، فأما كسرى، فلما قرأ الكتاب مزقه، وأما قيصر، فلما قرأ
الكتاب طواه، ثم رفعه، فقال رسول اللَّه عَ لّ: أما هؤلاء،) أي كسرى وقومه (فيمزقون، وأما
هؤلاء فسيكون لهم بقية،) فكان كذلك، فعاش قيصر إلى زمان عمر سنة عشرين على الصحيح،
وقيل مات في زمنه عَّه، والذي حارب المسلمين بالشام ولده ولقبه أيضًا قيصر.
وفي حديث التنوخي رسول هرقل أنه معَّ له، قال له: يا أخا تنوخ إني كتبت بكتاب إلى
کسری، فمزقه واللَّه ممزقه وملكه، وكتبت إلى صاحبك بصحيفة، فأمسكها، فلن يزال الناس
يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير.

١٨
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
وروي أنه لما جاءه جواب كسرى قال: مزق ملكه، ولما جاءه جواب هرقل
قال: ثبت ملکه.
وذكر شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر رحمه الله في فتح الباري. عن
سيف الدين قلج المنصوري، أحد أمراء الدولة القلاوونية، أنه قدم على ملك
المغرب بهدية من الملك المنصور قلاوون، فأرسله ملك المغرب إلى ملك الفرنج
في شفاعة، وأنه قبله وأكرمه، وقال: لأتحفنك بتحفة سنية، فأخرج له صندوقًا
(وروى أنه، لما جاءه جواب كسرى، قال: مزق ملكه، ولما جاءه جواب هرقل، قال:
ثبت ملكه،) فذهب ملك كسرى أصلاً، وبقي ملك قيصر، وإنما ارتفع من الشام وما والاها، وعبر
بالملك نظرًا للظاهر، فلا ينافي أنهما معزولان عن الملك بحكم الإسلام، ولا يرد على هذا
حديث الصحيح إذا هلك كسرى، فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر، فلا قيصر بعده، لأن
المراد لا يبقى قيصر بالشام، ولا كسرى بالعراق، كما نقل عن الشافعي، وقيل غير ذلك.
وفي حديث عبد الله بن حذافة: فلما بلغ ذلك رسول اللَّه عَِّ، قال: اللهم مزق ملكه،
وكتب كسرى إلي باذان عامله على اليمن أن أبعث من عندك رجلين جلدين إلى هذا الرجل
الذي بالحجاز، فليأتيا بخبره فبعث باذان رجلين بكتاب إلى النبي عَّه، فقدما المدينة بكتابه،
فتبسم عَّه، ودعاهما إلى الإسلام، وفرائصهما ترعد، ثم قال: إرجعا عني حتى تأتياني الغد فجاآه
الغد، فقال لهما: أبلغا صاحبكما إن ربي قتل ربه في هذه الليلة لتسع ساعات مضت منها، قال:
وكان ذلك ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى الأولى سنة سبع، وإن اللَّه سلط عليه ابنه شيرويه،
فقتله، فانطلقا، فأخبراه، فقال: باذان إن يكن، كما قال: فوالله إنه لنبي، ويأتي الخبر إلى بذلك
يوم كذا، فأتاه الخبر كذلك، فبعث باذان بإسلامه وإسلام من معه إلى رسول اللَّه عَ لّه.
عن الزهري: بلغني أن كسرى كتب إلى باذان أن رجلاً من قريش يزعم أنه نبي فسر إليه،
فإن تاب وإلا فابعث إلي برأسه، فذكر القصة، قال: فلما بلغ باذان أسلم هو ومن معه.
(وذكر شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري) في حديث
هرقل من بدء الوحي، قال: أنبأني غير واحد عن القاضي نور الدين بن الصائغ الدمشقي، (عن
سيف الدين قلج) بقاف ولام وجيم معناه سيف بالتركي (المنصوري، أحد أمراء الدولة
القلاوونية أنه قدم على ملك المغرب بهدية من الملك المنصور قلاوون، فأرسله ملك
المغرب إلى ملك الفرنج في شفاعة، وأنه قبله وأكرمه،) وعرض عليه الإقامة عنده، فأبى، كما
في الفتح، (وقال لاتحفنك بتحفة) بضم التاء وفتح الحاء.
وحكى الصغاني سكونها (سنية، فأخرج له صندوقًا) بضم الصاد، وقد تفتح، وبالزاي

١٩
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
مصحفًا بالذهب، فأخرج منه مقلمة من ذهب فأخرج منها كتابًا قد زالت أكثر
حروفه، وقد ألصقت عليه خرقة حرير، فقال: هذا كتاب نبيكم لجدي قيصر، ما
زلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا آباؤنا عن آبائهم إلى قيصر، أنه ما دام هذا الكتاب
عندنا لا يزال الملك فينا، فنحن نحفظه غاية الحفظ، ونعظمه ونكتمه عن
النصارى ليدوم الملك فينا، انتهى.
وكتب عَّهِ إلى النجاشي:
بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك
والسين لغات وجمعه صناديق، كما في القاموس (مصفحًا بالذهب، فأخرج منه مقلمة من ذهب،)
بكسر الميم وعاء الأقلام، كذا في المصباح، وانتقده شيخنا بأن المناسب لتفسيرها بالوعاء أن
يكون بالفتح اسم مكان أما بكسرها، فيقتضي أنها اسم آلة وهي الواسطة بين الفاعل ومنفعله
القريب، (فأخرج منها كتابًا قد زالت أكثر حروفه، وقد ألصقت عليه خرقة حرير، فقال: هذا
كتاب نبيكم لجدي قيصر ما زلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا آباؤنا عن آبائهم إلى قيصر أنه ما
دام هذا الكتاب عندنا لا يزال،) أي يدوم (الملك فينا، فنحن نحفظه غاية الحفظ، ونعظمه
ونكتمه عن النصارى ليدوم الملك فينا،) وسماه تحفة، لأنه من آثاره عَّه، فهو أعظم شىء
یتحفه به (انتھی).
قال في الفتح: ويؤيد هذا مرسل عمير بن إسحق، فذكره، وقوله عَّله: إني كتبت إلى
صاحبكم بصحيفة، فأمسكها، فما يزال الناس يجدون منه بأسّا ما دام في العيش خير، فانظر
تفاوت الناس، وكونهم معادن حتى في الكفر.
وقد روي أن كسرى أهدى له بغلة، وأعل بأنه مزق الكتاب، كما يأتي للمصنف في
الفصل التاسع من ذا المقصد، وأجيب بجواز أن المهدي شيرويه ابنه، أو غيره ممن تولى بعده،
على أنه لا يلزم من التمزيق عدم الإهداء، لأنه مزقه لما جاءه للشقاوة التي كتبت عليه، ثم
يحتمل أنه لما خلا بنفسه خاف لاستيقانه نبوته، فأهدى له البغلة والعلم للَّه، (وكتب عَّةٍ إلى
النجاشي).
قال في الإصابة: بفتح النون على المشهور، وقيل تكسر عن ثعلب، وتخفيف الجيم،
وأخطأ من شددها عن المطرزي وتشديد آخره.
وحكى المطري: التخفيف، ورجحه الصغاني انتهى، وذكر الواقدي، ورواه البيهقي عن
ابن إسحق أن لفظه (بسم اللَّه الرحمن الرحيم من محمد رسول اللَّه إلى النجاشي ملك

٢٠
وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم
الحبشة، أما بعد: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، الملك القدوس السلام
المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول
الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى فخلقه من روحه، ونفخه كما خلق ءادم بيده،
وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني وتؤمن
بالذي جاءني،
الحبشة،) لم يقل عظيم، كما قال في غيره، لما رأى فيه من العلامات الدالة على أنه يسلم، لما
صنعه مع المسلمين الذين هاجروا إليه من الإحسان، ومنع الأذى ممن أراده بهم، ويحتمل أنه
علم بالوحي أنه يسلم، فلذا وصفه بالملك.
وفي رواية الواقدي: سلم أنت بكسر فسكون، أي مسالم أو مصالح، أو بمعنى الدعاء له أو
البشارة بأن يكون ذا سلامة، لما علمه من صدقه ومحبته وحسن حاله، وللبيهقي عن ابن إسحق
سلام عليك، ولم يذكر هو، ولا الواقدي (أما بعد،) بل عقب الواقدي قوله سلم أنت،
وابن إسحق سلام عليك بقوله، (فإني أحمد إليك اللَّه)) أي أنهى إليك حمد اللَّه (الذي لا إله إلاَّ
هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن)، هكذا ذكرهما في الكتاب ابن إسحق والواقدي،
فكأنهما سقطا من قلم المؤلف، (وأشهد أن عيسى ابن مريم روح اللَّه،) أي ذو روح أضيف إليه
تعالى تشريفًا له، لأنه أوجده بلا أب، أو لأنه يحيي الأموات أو القلوب، (وكلمته) هي قوله
تعالى: ﴿كن﴾ [آل عمران: ٥٩]، فكان بشرًا بلا أب، ولا واسطة، وقول البيضاوي: لعل جبريل
تمثل لها بشرًا سويًا، خلقه شابًا أمرد تستأنس بكلامه، لتهيج شهوتها، فتنحدر نطفتها إلى رحمها.
قال السيوطي: عليه كان في غنية عن هذا الكلام الفاسد، ولكن هذا ثمرة التوغل في
الفلسفة انتهى، (ألقاها) أوصلها (إلى مريم البتول،) المنقطعة عن الرجال التي لا شهوة لها فيهم،
وسميت فاطمة الزهراء بذلك، لانقطاعها عن الدنيا إلى اللّه تعالى (الطيبة الحصينة) بفتح الحاء،
وكسر الصاد المهملتين، العفيفة فعيلة بمعنى مفعلة، (فحملت بعيسى، فخلقه من روحه،) وسقط
من نسخة، فخلقه، لكنها ثابتة عند ابن إسحق والواقدي، (ونفخه،) أي اللَّه تعالى، أي نفخ رسوله
جبريل، كما قال تعالى: ﴿فنفخنا فيها من روحنا﴾ [الأنبياء: ٩١]، فأرسلنا إليها روحنا، فهو
عطف تفسير للروح.
وفي القاموس: من جملة معانيها النفخ، (كما خلق آدم بيده،) بقدرته وقوته إن مثل
عيسى عند الله، كمثل عادم خلقه من تراب من تشبيه الغريب بالأغرب، ليكون أقطع للخصم،
وأوقع في النفس، (وإني أدعوك إلى اللَّه وحده لا شريك له،) لا كما تزعمه النصارى من
التثليث وغيره، (والموالاة) المتابعة والمناصرة (على طاعته، وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني،