النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
ميمونة أم المؤمنين
أنه عَّهِ تزوجها وهو حلال، زاد البرقاني بعد قوله تزوجها حلالاً: وبنى بها حلالاً
وماتت بسرف.
فيحمل قوله: وهو محرم، أي داخل الحرم،
ميمونة صاحبة الترجمة (أنه عَّ تزوّجها وهو حلال،) ولفظ مسلم من طريق يزيد بن الأصم عن
ميمونة: تزوجني ێ﴾ ونحن حلالان بسرف.
قال يزيد: وكانت خالتي وخالة ابن عباس، (زاد) الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن
غالب، (البرقاني،) بفتح الموحدة، نسبة إلى برقان من قرى خوارزم، سمع الإسماعيلي وغيره،
وصنف، وخرج على الصحيحين، وروى عنه البيهقي والخطيب، وقال: كان ثقة ثبتًا ورعًا لم نر
في شيوخنا أثبت منه عارفًا بالفقه، كثير الحديث، حريصًا على العلم، له حظ من العربية، ولد
سنة ست وثلاثين وثلثمائة، ومات في رجب سنة خمس وعشرين وأربعمائة (بعد قوله تزوَّجها
حلالاً وبنى بها حلالاً،) فأفادت هذه الزيادة، أنه عقد عليها حلالاً أيضًا، فسقط جمع بعضهم،
بأنه لا تنافي بين رواية ابن عباس، لحملها على العقد، وبين روايتها، لحملها على البناء، (وماتت
بسوف) من قول يزيد لا من قولها، كما هو واضح، وقد رجحت روايتها على رواية ابن عباس؛
بأنها أعلم بنفسها وامرأة كاملة، وهو ابن عشر سنين وأشهر، فبين الضبطين فرق لا يخفى، وقد
تواتر عن أبي رافع موافقتها، وكان السفير بينهما، وبأن رواية من باشر الوقعة أرجح ممن لم
يباشرها، وقد أخرج الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان عن أبي رافع قال: تزوَّج عٍَّ ميمونة، وهو
حلال، وبنى بها، وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما.
وأخرج ابن سعد عن ميمون بن مهران: دخلت على صفية بنت شيبة، وهي عجوز كبيرة،
فسألتها أتزوج عَّ ميمونة وهو محرم، فقالت: لا والله لقد تزوجها وإنهما لحلالان.
وروى يونس بن بكير وغيره عن يزيد بن الأصم: تزوج رسول اللَّه ميمونة، وهو حلال، وبنى
بها بسرف في قبة لها، وماتت بعد ذلك فيها.
وروى ابن سعد عن ابن المسيب: أنه عَِّ قدم وهو محرم، فلما حل تزوجها، وعلى هذا،
(فيحمل قوله)،) أي ابن عباس (وهو محرم، أي داخل الحرم) أو في الشهر الحرام، لأنه عربي
فصيح يتكلم بكلام العرب، وهم يقولون: أحرم إذا دخل الحرم، وأنجد إذا دخل نجدًا كما قال
الشاعر:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا قدعًا فلم أر مثله مجدولا
وهذا ذكره الباجي في شرح الموطأ، ونقله السهيلي عن بعض شيوخه، وقال: فاللَّه أعلم

٤٢١
ميمونة أم المؤمنين
ويكون العقد وقع بعد انقضاء العمرة، ثم خرج بها إلى سرف وابتنى بها فيه، وهو
على عشرة أميال من مكة، كذا قاله الطبري. وسيأتي إن شاء الله تعالى في مقصد
المعجزات في ذكر الخصائص مزيد بيان لذلك.
وكانت ميمونة قبل عند أبي رهم بن عبد العزى، ويقال: بل عبد الله بن أبي
رهم، وقيل: بل عند حويطب بن عبد العزى، وقيل: عند فروة بن عبد العزى.
أراد ذلك ابن عباس أم لا، (ويكون العقد وقع) في الحرم (بعد انقضاء العمرة، ثم خرج منه،) أي
الحرم (إلى سرف وابتنى بها فيه، وهو على عشرة أميال من مكة،) وقيل ستة أو سبعة أو تسعة
أو اثني عشر، وهو ما بين التنعيم وبطن مرو، وإلى التنعيم أقرب، (كذا قاله) المحب (الطبري،)
تبرأ منه لأنه خلاف المتبادر، ومن ثم توقف الإمام السهيلي في كونه مراد الابن عباس قال،
الباجي أيضًا: ويحتمل أن ابن عباس أخذ في ذلك بمذهبه، أن من قلد هديه فقد صار محرمًا
بالتقليد، فلعله علم بنكاحه بعد أن قلده، (وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى في مقصد المعجزات في
ذكر الخصائص مزيد بيان،) قليل (لذلك).
وقد أسلف في عمرة القضية من ذلك شيئًا، وفي الإصابة قيل عقد له عليها قبل أن يحرم،
وانتشر أمر تزويجها بعد أن أحرم، واشتبه الأمر.
قال ابن سعد: كانت آخر امرأة تزوجها يعني ممن دخل بها، (وكانت ميمونة قبل،) أي
قبله معَّله بلا واسطة (عند أبي رهم،) بضم الراء، وسكون الهاء (ابن عبد العزى) بن أبي قيس بن
عبدود من بني عامر بن لؤي.
قال البرهان: لا أعلم له إسلامًا فمات عنها، وكانت قبل أبي رهم عند مسعود بن عمرو بن
عمير الثقفي، ففارقها.
قال البرهان: لا أعرف له إسلامًا، وفي الصحابة من هو مسمى بهذا الاسم، قلت: ما هذا
التشكيك، وفي الإصابة مسعود بن عمرو بن عمير الثقفي.
ذكر الثعلبي عن مقاتل أنه نزل فيه ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللَّه وذروا ما بقي من الربا﴾
[البقرة: ٢٧٨]، (ويقال: بل عبد اللَّه) الذي في النور والإصابة، وقيل عند سخبرة (ابن
أبي رهم) المذكور، وضبطه في التبصير، بفتح السين المهملة، وسكون الخاء المعجمة، وفتح
الموحدة والراء، ولم يذكره في الإصابة، فليس بصحابي، (وقيل: بل عند) أخي أبي رهم، كما
قال ابن حزم: (حويطب بن عبد العزى،) الصحابي، القرشي، العامري أسلم يوم الفتح، وعاش مائة
وعشرين سنة، ومات سنة أربع وخمسين، (وقيل عند فروة بن عبد العزى) أخي حويطب، كما
في الإصابة، ولم يترجم له فيها، فليس بصحابي.

٤٢٣
ميمونة أم المؤمنين
قال ابن إسحق: ويقال: إنها وهبت نفسها للنبي عَّهِ وذلك أن خطبته عليه
الصلاة والسلام انتهت إليها وهي على بعيرها وقالت: البعير وما عليه لله ولرسوله.
وقيل: الواهبة نفسها غيرها.
وتوفيت ميمونة بسرف في الموضع الذي بنى بها فيه رسول الله عَّ ◌ُلّه، وذلك
سنة إحدی وخمسین،
وذكر ابن أبي خيثمة عن قتادة أنها كانت عند فروة بن عبد العزى بن أسد بن غثم بن
دودان، وهذا ليس بأخ لحويطب.
(قال ابن إسحق:) بعد قوله تزوج عَّ ميمونة، زوجه إياها العباس، وأصدقها عنه أربعمائة
درهم، (ويقال إنها وهبت نفسها للنبي عَّله)) وقد رواه ابن أبي خيثمة عن الزهري وقتادة، فنزلت
فيها الآية.
ورواه ابن سعد عن عكرمة، (وذلك أن خطبته عليه الصلاة والسلام انتهت،) وصلت
(إليها وهي على بعيرها،) لم يبين ذلك المحل الذي بلغتها فيه الخطبة.
وذكر السهيلي أنها رمت بنفسها من على البعير، (وقالت: البعير وما عليه للَّه ولرسوله).
ذكرت اللَّه تبركًا، والمراد أن البعير، وما عليه هبة له عَّهِ، (وقيل: الواهبة نفسها غيرها،)
فقيل: زينب بنت جحش، وقيل أم شريك، وقيل امرأة من بني أسامة بن لؤي، حكاها ابن إسحق
هنا، ويأتي بسطه للمصنف قريبًا، وقيل إنهن تعددن.
قال في الإصابة وهو الأقرب: روى ابن سعد عن عمرة، أنه قيل لها، أن ميمونة وهبت
نفسها، فقالت: تزوجها عَِّ على مهر خمسمائة درهم وأنكحه إياها العباس، وعنده أيضًا عن
علي بن عبد اللَّه بن عباس لما أراد عَِّ الخروج إلى مكة للعمرة، بعث أوس بن خولي، وأبا رافع
إلى العباس، ليزوجه ميمونة، فاضلا بعيريهما، فأقاما أيامًا ببطن رابغ إلى أن قدم عَّهِ، فوجدا
بعيريهما، فسارا معه حتى قدم مكة، فأرسل إلى العباس يذكر ذلك له، فجعلت أمرها إليه،
فجاء عَِّ إلى منزل العباس فخطبها إلى العباس، فزوجه إياها، ويقال: إن الذي زوجها عبد اللَّه بن
عباس، حكاه في النور، وهو غريب ضعيف، فعبد الله يومئذٍ غلام ابن عشر وأشهر، كما مر.
(وتوفيت ميمونة بسرف في الموضع الذي بنى بها فيه رسول اللَّه عَّ) باتفاق، ودفنت
في موضع قبتها، (وذلك سنة إحدى وخمسين) على الصحيح، كما في التقريب، وقال في
الإصابة: إنه الأثبت، ونقل ابن سعد عن الواقدي أنها ماتت سنة إحدى وستين، قال: وهي آخر
من مات من أزواجه عَّه، ولولا كلامه الأخير لاحتمل أن قوله وستين، وهم من بعض الرواة، وقد

٤٢٤
جويرية أُم المؤمنين
وقيل ست وستين وقيل ثلاث وستين، وصلى عليها ابن عباس ودخل قبرها.
[جويرية أم المؤمنين]
وأما أم المؤمنين جويرية رضي الله عنها بنت الحرث بن أبي ضرار - بكسر
الضاد المعجمة وتخفيف الراء- فكانت تحت مسافع - بالسين المهملة والفاء - ابن
صفوان المصطلقى. وكانت قد وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس
أخرج ابن سعد عن يزيد بن الأصم، قال: تلقيت عائشة من مكة أنا وابن لطلحة من أختها، وقد
كنا وقعنا في حائط من حيطان المدينة، فأصبنا منه، فبلغها ذلك، فلامت ابن أختها، ثم وعظتني
موعظة بليغة، ثم قالت: أما علمت أنَّ اللَّه ساقك حتى جعلك في بيت من بيوت نبيه. ذهبت
واللّه ميمونة، ورمى بحبلك على غاربك، أما أنها كانت من أتقانا للَّه، وأوصلنا للرحم فدل هذا
الأثر أن عائشة عاشت بعدها، وعائشة ماتت قبل الستين، بلا خلاف، وسنده صحيح، فهو أولى
من قول الواقدي، وقد جزم يعقوب بن سفين؛ بأنها ماتت سنة تسع وأربعين انتهى، (وقيل) ماتت
سنة (ست وستين،) حكاه السهيلي وغيره، قال في الإصابة: وليس بثابت، وقال البرهان: هو شاذ
باطل، (وقيل ثلاث وستين).
قاله ابن إسحق فيما أسنده عنه الطبراني في الأوسط برجال ثقات، قال في الإصابة: ولا
يثبت، أي لما صح أنها ماتت في حياة عائشة، وقول بعضهم للاتفاق على أنها ماتت قبلها فاسد،
إذ أصحاب هذه الأقوال لا يقولون بذلك، فأين الاتفاق. (وصلى عليها ابن عباس ودخل قبرها).
وروى الشيخان عن عطاء قال: حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة بسرف، فقال
ابن عباس: هذه زوجة النبي عَّة، فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوها، ولا تزلزلوها وارفقوا.
وروى ابن سعد عن يزيد الأصم، قال: دفنا ميمونة بسرف في الظلة التي بنى فيها عَّ ◌ُلّهِ.
جويرية أم المؤمنين
(وأما أم المؤمنين جويرية،) بضم الجيم مصغر (رضي اللَّه عنها بنت الحرث بن
أبي ضرار، بكسر الضاد المعجمة، وتخفيف الراء،) فألف، فراء ابن حبيب بن عائذ بن لملك بن
جذيمة، بجيم ومعجمة، مصغر، وهو المصطلق بطن من خزاعة الخزاعية، ثم المصطلقية، (فكانت
تحت مسافع) بضم الميم، و (بالسين المهملة، والفاء) المكسورة (ابن صفوان المصطلقي،)
المقتول كافرًا يوم المريسيع، كما جزم به ابن أبي خيثمة والواقدي، فقصر البرهان في قوله لا
أعلم له إسلامًا، والظاهر هلاكه على شركه، (وكانت) كما أخرجه ابن إسحق عن عائشة (قد
وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس) بمعجمة مفتوحة وميم مشددة، فألف فمهملة

٤٢٥
جويرية أُم المؤمنين
الأنصاري، في سنة خمس وقيل سنة ست، فكاتبته على نفسها، ثم جاءت
رسول الله عَ لّه فقالت يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث وكان من أمري ما لا
يخفى عليك، ووقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس وإني كاتبت نفسي،
وجئت أسألك في كتابتي، فقال رسول الله عَّةِ فهل لك إلى ما هو خير؟ فقالت:
وما هو يا رسول الله؟ قال: أؤدى عنك كتابتك وأتزوجك. قالت: قد فعلت.
(الأنصاري،) الخزرجي خطيب الأنصار، من كبار الصحابة، بشره عليه بالجنة، واستشهد
باليمامة، فنفذت وصيته بمنام رآه خالد بن الوليد.
قالت عائشة في حديثها، أو لابن عم له بأو التي للشك، وذكره الواقدي بالواو المشركة
وأنه خلصها من ابن عمه بنخلات له بالمدينة، زاد المصنف على الحديث، أن ذلك (في سنة
خمس) على الراجح، (وقيل سنة ست،) ومر الكلام فيه في غزوتها لبيان سنة التزويج، (فكاتبته
على نفسها) بتسع أواق من ذهب، كما ذكره الواقدي في الغزوة.
قالت عائشة: وكانت امرأة حلوة ملاحة، لا يراها أحد إلاَّ أخذت بنفسه وملاحة، بفتح
الميم، مصدر ملح، بضم اللام، أي ذات بهجة وحسن منظر، (ثم جاءت رسول اللَّه عَةٍ)
تستفتیه في کتابتها.
قالت عائشة: فوالله ما هو إلاَّ أن رأيتها على باب حجرتي، فكرهتها، وعرفت أنه سيرى
منها ما رأيت، فدخلت عليه، (فقالت: يا رسول اللَّه))) زاد الواقدي أني امرأة مسلمة، أشهد أن
لا إله إلاَّ اللَّه، وأنك رسول اللَّه، و(أنا جويرية بنت الحرث) سيد قومه، (وكان من أمري ما لا
يخفى عليك،) وفي رواية قد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، (ووقعت في سهم ثابت بن
قيس بن شماس) أو لابن عم له، كما في الرواية، (وإني كاتبت نفسي) والواقدي، ووقعت في
سهم ثابت وابن عم له، فخلصني منه بنخلات له بالمدينة، فكاتبني على ما لا طاقة لي به، ولا
يدان لي، ولا قدرة عليه، وهو تسع أواق من الذهب، وما أكرهني على ذلك إلاَّ أني رجوتك
صلى الله عليك، (وجئت أسألك في كتابتي، فقال رسول اللَّه عَِّ: ((فهل لك) ميل (إلى ما هو
خير،) ولا يقدر رغبة، لأن تعديتها بفي، (فقالت: وما هو يا رسول اللَّه؟ قال: أؤدي عنك كتابتك
وأتزوجك).
قال الشامي: نظرها عَِّ حتى عرف حسنها، لأنها كانت أمة، ولو كانت حرة ما ملأ عينه
منها، لأنه لا يكره النظر إلى الإماء، أو لأن مراده نكاحها، أو قبل نزول الحجاب عليه انتهى،
وفي الثالث نظر لنزوله سنة ثلاث أو أربع كما مر. (قالت:) نعم يا رسول اللَّه (قد فعلت،) زاد
الواقدي: فأرسل إلى ثابت بن قيس، فطلبها منه، فقال ثابت: هي لك يا رسول اللَّه، بأبي وأمي

٤٢٦
جويرية أُم المؤمنين
فتسامع الناس أن رسول الله عَ ليه قد تزوج جويرية فأرسلوا ما في أيديهم من السبي
وقالوا أصهار رسول الله عَ لَّه.
قالت عائشة: فما رأينا امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها، أعتق في
سببها مائة أهل بيت من بين المصطلق، خرجه أبو داود من حديث عائشة.
وقال ابن هشام: ويقال اشتراها عَ لَّه من ثابت بن قيس وأعتقها وأصدقها
أربعمائة درهم.
فادى عَِّ ما كان من كتابتها وأعتقها وتزوجها، (فتسامع الناس أن رسول اللَّه عَدٍ قد تزوج
جويرية، فأرسلوا ما في أيديهم من السبي) الباقي بأيديهم فداء على ما ذكره الواقدي؛ أنهم
فدوهم ورجعوا بهم إلى بلادهم، فيكون معناه فدوا جملة منهم، وأعتق المسلمون الباقي لما
تزوج جويرية، (وقالوا) هم (اصهار) أو بالنصب بتقدير أرسلوا أو أعتقوا أصهار (رسول اللَّه عَ لّه)
وروي أنها طلبتهم منه ليلة دخوله بها، فوهبهم لها، فإن صح فطلبها، وكونه وهبهم لا
ينافي أن المسلمين أطلقوهم، بل ذلك زيادة إكرام من اللَّه لرسوله حتى لا يسأل أحدًا منهم بشىء
أو مجانًا.
(قالت عائشة) رضي اللَّه عنها: (فما رأينا امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها أعتق
في سببها،) أي بسببها، وفي رواية فلقد أعتق اللَّه تعالى بها (مائة أهل بيت) بالإضافة، أي مائة
طائفة كل واحدة منهن أهل بيت (من بني المصطلق،) ولم تقل مائة هم أهل بيت الإبهام أنهم
مائة نفس كلهم أهل بيت وليس مرادًا، وقد روى أنهم كانوا أكثر من سبعمائة.
(خرجه أبو داود) وأحمد (من حديث) ابن إسحق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن
عمه عروة، عن خالته (عائشة) جزاها الله خيرًا ما أنصفها، تذكر فضائل ضراتها، وما هو منها
بعجيب، فهي الصديقة ابنة الصديق.
وروى البيهقي عن جويرية قالت: رأيت قبل قدوم النبي عَّ له بثلاث ليال كأن القمر يسير
من يثرب حتى وقع في حجري، فكرهت أن أخبر أحدًا، فلما سبينا رجوت الرؤيا، فأعتقني
وتزوجني، وظاهر هذا أو صريحه أنه جعل نفس العتق صداقًا، وبه جزم الشعبي التابعي المشهور،
فقال: كانت جويرية ملكه عَّله، فأعتقها وجعل عتقها صداقها، وأعتق كل أسير من بني
المصطلق.
(وقال ابن هشام: ويقال اشتراها عٍَّ من ثابت بن قيس، وأعتقها، وأصدقها أربعمائة
(درهم)، وقال: جاء أبوها بفدائها بإبل، فرغب في بعيرين منها، فغيبهما بالعقيق، ثم أتاه، فقال: يا

٤٢٧
جويرية أُم المؤمنين
وعن ابن شهاب: سبى عَّةٍ جويرية بنت الحرث يوم المريسيع فحجبها
وقسم لها، وكانت ابنة عشرين سنة، وكان اسمها (برة) فحوله النبي عَبّةٍ وسماها
جويرية. وقد تقدم مثل ذلك في زينب بنت جحش.
محمد هذا فداء ابنتي، فقال عَّهِ: فأين البعيران اللذان غيبتهما في العقيق في شعبٍ كذا وكذا،
فقال الحرث: أشهد أن لا إله إلاَّ اللَّه، وأنك رسول اللَّه، فوالله ما اطلع على ذلك إلاَّ اللَّه، فأسلم
الحرث، وأسلم معه ابنان له، وناس من قومه، وأرسل إلى البعيرين، فجاء بهما، ودفع الإبل إلى
النبي عَّ، ودفع إليه ابنته جويرية، وأسلمت، وحسن إسلامهم، وخطبها عَّه إلى أبيها، فزوجه
إياها، وأصدقها أربعمائة درهم، حكاه ابن هشام أيضًا.
(و) روى الطبراني بسند حسن (عن ابن شهاب) الزهري، قال: (سبى عَُّ جويرية بنت
الحرث) رضي اللَّه عنهما (يوم المريسيع،) بضم الميم، وفتح الراء، وسكون التحتيتين، بينهما
مهملة مكسورة، آخره عين مهملة ماء لبني خزاعة كانت به الغزوة، (فحجبها:) ضرب عليها
الحجاب، (وقسم لها) مع زوجاته، فدل ذلك على أنها زوجة، ومراد ابن شهاب رد القول بأنه
كان يطأها بملك اليمين والراجح الأول.
وقد روى الطبراني برجال الصحيح من مرسل مجاهد قال: قالت جويرية يا رسول اللَّه إن
أزواجك يفخرن علي، ويقلن لم يتزوجك رسول اللَّه عَّله، قال: أو لم أعظم صداقك، ألم أعتق
أربعين من قومك؟
وروى ابن سعد من مرسل أبي قلابة قال: سبى عَّةٍ جويرية، يعني وتزوجها، فجاء أبوها،
فقال: إن ابنتي لا يسبى مثلها، فخل سبيلها، فقال: أرأيت إن خيرتها أليس قد أحسنت؟ قال:
بلى، فأتاهاً أبوها، فقال: إن هذا الرجل قد خيرك، فلا تفضحينا، قالت: فإني أختار اللَّه ورسوله،
وسنده صحيح، (وكانت ابنة عشرين سنة،) فهداها اللَّه مع صغر السن، وشرفها بصحبة رسوله في
الدارين.
(و) روى ابن سعد، وابن أبي خيثمة، وأبو عمر عن ابن عباس قال: (كان اسمها برة، فحوله
النبي عَّهِ، وسماها جويرية،) كره أن يقال خرج من عند برة، ولا يشكل بقولها السابق أنا
جويرية لاحتمال أنها لم ترد العلم، بل تحقير نفسها، بأنها جويرية، أي امرأة حقيرة في نفسها،
وأرادت بذكر الحرث، وقوله سيد قومه بيان نسبها وشرفها فيهم ليرق لها عَّةٍ، (وقد تقدم مثل
ذلك في زينب بنت جحش،) فعلم أنه غير اسمهما معًا، وأخرج الترمذي بسند صحيح، عن
ابن عباس، عن جويرية؛ أن النبي ◌َّه مر عليها، وهي في مسجدها أول النهار، ثم مر عليها قريبًا
من نصف النهار، فقال: ما زلت على حالك، قالت: نعم، قال: ألا أعلمك كلمات تقوليهن،

٤٢٨
صفية أم المؤمنين
وتوفيت وعمرها خمس وستون سنة في ربيع الأول سنة خمسين، وقيل سنة
ست وخمسين.
[صفية أم المؤمنين]
وأما أم المؤمنين صفية رضي الله عنها بنت حيي بن أخطب بن سعد - بفتح
السين وسكون العين المهملتين وبالياء المثناة التحتية - ابن ثعلبة بن عبيد من بني
إسرائيل من سبط لهرون بن عمران عليه السلام.
سبحان اللَّه عدد خلقه ثلاث مرات، سبحان اللَّه رضا نفسه ثلاث مرات، سبحان اللَّه زنة عرشه
ثلاث مرات، سبحان اللَّه مداد كلماته ثلاث مرات.
وروى مسلم وأبو داود، عنها: أتى علي رسول اللَّه عَ لّ، فقال: لقد قلت بعدك أربع
كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم، لوزنتهن سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا
نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.
(وتوفيت وعمرها خمس وستون سنة،) لأنه تزوجها سنة خمس وهي ابنة عشرين، وقد
ماتت (في ربيع الأول سنة خمسين) على الصحيح، كما في التقريب، وتبعه في السبل، (وقيل)
ماتت في ربيع الأول أيضًا (سنة ست وخمسين) من الهجرة، وقد بلغت سبعين سنة، والقولان
حكاهما الواقدي قال: وصلى عليها مروان بن الحكم، وهو أمير المدينة، وتبعه في الإصابة بلا
ترجيح، وكذا في العيون إلاّ أنه قدم الثاني، ومن هذا علم أنها دفنت بالمدينة، ومعلوم أن مقبرتها
البقيع.
روت جويرية عنه عَّ أحاديث، وعنها ابن عباس، وجابر، وابن عمرو عبيد بن السباق،
والطفيل ابن أخيها وغيرهم انتهى.
صفية أم المؤمنين
(وأما أم المؤمنين صفية رضي اللَّه عنها) اسمها الأصلي، وقيل كان اسمها قبل السبي
زينب، فلما صارت من الصفي سميت صفية (بنت حيي) بضم الحاء، وتكسر، وتحتيتين الأولى
مخففة، والثانية مشددة، (ابن أخطب،) بفتح الهمزة، وسكون المعجمة، وفتح المهملة، وموحدة
(ابن سعد ، فمتح السين، وسكون العين المهملتين، وبالياء المثناة التحتية ابن ثعلبة بن عبيد، من
بني إسرائيل، من سبط) لاوى بن يعقوب، ثم من سبط (هرون بن عمران عليه السلام) أخي
موسی ءڭ.
قال الجاحظ: ولد صفية مائة نبي ومائة ملك ثم صيرها اللَّه أمة لنبيه عَ لَّهِ، وكان أبوها

٤٢٩
صفية أم المؤمنين
وأمها ضرة - بفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء- بنت سموأل - بفتح السين
المهملة والميم وسكون الواو وفتح الهمزة وباللام .. فكانت تحت كنانة بن
أبي الحقيق - بضم الحاء المهملة وفتح القاف الأولى وسكون المثناة التحتية -
فقتل يوم خيبر في المحرم سنة سبع من الهجرة.
قال أنس: لما افتتح عَّه خيبر وجمع السبي، جاءه دحية فقال يا رسول الله
أعطني جارية من السبي، فقال: اذهب فخذ جارية، فأخذ صفية بنت حيي فجاء
رجل إلى النبي عَّه فقال: يا رسول الله، أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة
قريظة والنضير، ما تصلح إلا لك، قال: ادعوه بها، فجاء بها، قال: فلما نظر ....
سيد بني النضير، قتل مع بني قريظة، (وأمها ضرة، بفتح الضاد المعجمة، وتشديد الراء،) فتاء
تأنيث، (بنت سموأل، بفتح السين المهملة والميم، وسكون الواو، وفتح الهمزة، وباللام).
قال البرهان: لا أعلم لها إسلامًا، والظاهر هلاكها على كفرها، نعم أخوها رفاعة صحابي،
(فكانت) أولاً كما ذكر ابن سعد، وأسند بعضه من وجه مرسل تحت سلام بن مشكم القرظي،
ثم فارقها، فكانت (تحت كنانة،) بكسر الكاف ونونين (ابن أبي الحقيق، بضم الحاء
المهملة، وفتح القاف الأولى، وسكون المثناة التحتية، فقتل) عنها وهو عروس (يوم خيبر في
المحرم سنة سبع من الهجرة،) كما مر.
(قال أنس) بن لملك: (لما افتح عَِّ خيبر، وجمع السبي، جاء دحية) بن خليفة الكلبي،
بكسر الدال، وفتحها ومعناه بلغة اليمن الشريف أو رئيس الجند، (فقال: يا رسول اللَّه أعطني
جارية من السبي، فقال: ((اذهب فخذ جارية) منه))، فذهب، (فأخذ صفية بنت حيي، فجاء
رجل).
قال الحافظ: لم أقف على اسمه، ونحوه قول البرهان: لا أعرفه (إلى النبي صَلّهِ، فقال:
يا رسول اللَّه أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة،) بضم القاف، وفتح الراء، والظاء
المعجمة، لأن أمها كانت بنت سيدهم، (والنضير،) لأن أباها كان له فيهم سيادة وعظمة (ما
تصلح إلاّ لك،) لأنها من بيت رياسة ومن بيت النبوة من ولد لهرون مع الجمال العظيم، فإنها
كانت من أضوأ ما يكون من النساء؛ وأنت صلى عليك اللَّه أكمل الخلق في هذه الأوصاف، بل
في كل خلق حميد، (قال: ادعوه بها،) أي دحية بصفية، فدعوه، (فجاء بها،) وعند أبي يعلى
بسند جيد عنها، قالت: انتهيت إلى رسول اللَّه عَّهِ، وما من الناس أحد أكره إلي منه، (فقال): إن
قومك صنعوا كذا وكذا، قالت: فما قمت من مقعدي، وما من الناس أحد أحب إلي منه، (فلما نظر

٤٣٠
صفية أم المؤمنين
إليها النبي عَّةٍ قال: خذ جارية من السبي غيرها، قال: وأعتقها وتزوجها. فقال له
ثابت: يا أبا حمزة ما أصدقها؟ قال: نفسها، أعتقها وتزوجها. حتى إذا كان بالطريق
إليها النبي عَِّ قال: خذ جارية من السبي غيرها،) لأنه إنما أذن له في جارية من حشو السبي لا
من أفضلهن، فلما رآه أخذ أنفسهن نسبًا وشرفًا وجمالاً، استرجعها لئلا يتميز دحية بها على سائر
الجيش، مع أن فيهم من هو أفضل منه، وأيضًا لما فيه من انتهاكها مع علو قدرها، وربما ترتب
عليه شقاق وغيره مما لا يخفى، فكان صفاؤه عَّهِ لها قاطعًا لهذه المفسدة.
ونقل الإمام الشافعي في الأم عن سير الواقدي أنه أعطى دحية أخت كنانة بن الربيع زوج
صفية تطييبًا لخاطره، وعند ابن إسحق أعطاه بنت عمها.
وفي الروض أعطاه ابنتي عمها، ولا تنافي فأعطاه الجميع، ففي مسلم أنه عَّ اشترى
صفية منه بسبعة أرؤس، وسماه شراء مجازًا، وليس في قوله سبعة منافاة لقوله هنا خذ جارية إذ لا
دلالة فيه على نفي الزيادة، كما مر مبسوطًا في الغزوة، (قال) أنس: (وأعتقها وتزوجها، فقال له
ثابت) البناني: (يا أبا حمزة) بمهملة وزاي كنية أنس (ما أصدقها، قال: نفسها أعتقها وتزوجها،)
بأن جعل نفس العتق صداقًا، ففي الصحيح أيضًا أن ثابتًا قال لأنس: ما أمهرها، قال: أمهرها
نفسها، وللطبراني وأبي الشيخ عن صفية أعتقني عَّه، وجعل عتقي صداقي، أو أعتقها بلا
عوض، وتزوجها بلا مهر لا حالاً ولا مآلاً، فحل العتق محل الصداق، كقولهم الجوع زاد من لا
زاد له، أو أعتقها بشرط أن ينكحها بلا مهر، فلزمها الوفاء أو أعتقها بلا عوض ولا شرط، ثم
تزوجها برضاها بلا صداق، وكلها من خصائصه عند الأكثر.
وذهب أحمد والحسن وابن المسيب وغيرهم إلى جوازه لغيره، وروى أبو يعلى عن رزينة
أنه عَّهِ أمهر صفية رزينة.
قال الحافظ الهيثمي: وهو مخالف لما في الصحيح انتهى، وهي بفتح الراء، وكسر الزاي،
وقيل بالتصغير.
وروى أبو يعلى أيضًا أنه عَِّ لما تزوج صفية أمر بشراء خادم لها وهي رزينة، كما في
الإصابة، فيحتمل أنه لما أخدمها إياها توهمت أنه جعلها مهرها، وإلا فالمروى عن صفية نفسها،
كما رأيت، بل وعنه عَّهِ، كما يأتي أنه جعل عتقها صدقها، وبه رد الحافظ وغيره على
ابن المرابط المالكي، والطبري، والشافعي ومن وافقهما زعمهم أن أنسا قاله ظنًا من قبل نفسه،
ولم يرفعه (حتى إذا كان بالطريق) بسند الصهباء، كما في رواية في الصحيح، فخرج بها حتى
بلغ سد الصهباء حلت له بفتح السين، وضمها والصهباء بفتح الصاد المهملة، وسكون الهاء،
وبالموحدة ومد، وفي رواية سد الروحاء بالمهملة، قال الحافظ: والصواب ما اتفق عليه الجماعة

٤٣١
صفية أم المؤمنين
جهزتها له أم سليم فأهدتها له من الليل، فأصبح عَّله عروسًا، فقال له: من كان
عنده شىء فليجىء به، قال: فبسط نطعًا، قال: فجعل الرجل يجيء بالأقط، وجعل
الرجل يجيء بالتمر، وجعل الرجل يجيء بالسمن، فحاسوا حيسًا فكانت وليمة
رسول الله عَ ليه
أنها الصهباء، وهي على بريد من خيبر، قاله ابن سعد وغيره، (جهزتها له أم سليم) بضم السين،
والدة أنس، راوي الحديث، وعند ابن سعد وأصله في مسلم، ودفعها إلى أمي أم سليم حتى
تهيئها وتصنعها، فمشطتها أم سليم وعطرتها، (فأهدتها) زفتها (له من الليل).
قال الكرماني: وفي بعضها، أي النسخ أو الروايات، فهدتها بغير همز، وصوب لقول
الجوهري: هديت أنا المرأة إلى زوجها.
قال الحافظ: لكن تواردت النسخ على إثباتها، ولا مانع من استعمال الهدية في هذا
استعارة، (فأصبح عَّ له عروسًا) بوزن فعول نعت يستوي فيه الرجل والمرأة ما دام في تعريسهما
أيامًا، وجمعه عرس بضمتين، وجمعها عرائس، كما قاله الخليل وغيره.
قال العيني: وقول العوام للذكر عريس، والأنثى عروسة لا أصل له لغة، (فقال له:) لأنس
(من كان عنده شيء،) وفي رواية من كان عنده فضلة، زاد (فليجىء به،) أمر بتقدير أنه
للوجوب، فهو يدفع ما عندهم للمولم عليه السلام، فجعله يقتضي وجوب الوليمة غفلة.
(قال) أنس: (فبسط) بفتحات (نطعًا،) بكسر النون، وفتح المهملة على الرواية، واقتصر
عليها ثعلب في الفصيح، وفيها لغات مرت في خيبر، (قال: فجعل الرجل يجيء بالأقط،) بفتح
الهمزة، وكسر القاف.
قال عياض: هو جبن اللبن المستخرج زبده، وقيل لبن مجفف مستحجر يطبخ به، (وجعل
الرجل يجيء بالتمر، وجعل الرجل يجيء بالسمن،) وفي رواية وجعل الرجل يجيء بالسويق،
(فحاسوا) بمهملتين، أي خلطوا أو اتخذوا (حيسًا،) بفتح، فسكون، وهو خلط السمن والتمر
والإقط قال الشاعر:
التمر والسمن جميعًا والأقط الحيس إلاَّ أنه لم يختلط
وقد يختلط مع الثلاثة غيرها، كالسويق قاله في الفتح ونحوه في القاموس، وقول الشاعر
لم يختلط يريد فيما حصره من الثلاثة، فهي حيس بالقوة لوجود مادته، وإن لم يحصل خلط
فيما عناه، (فكانت) قال الكرماني، أي الثلاثة المصنوعة أو أنث باعتبار الخبر، كما ذكر باعتباره
في قوله تعالى: ﴿قال: هذا ربي﴾ (وليمة رسول اللّه عَ ظله) على صفية، أي طعام عرسه من الولم،

٤٣٢
صفية أم المؤمنين
وفي رواية: قال الناس لا ندري أتزوجها أم جعلها أم ولد، قالوا: إن حجبها
فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي أم ولد، فلما أراد أن يركب حجبها.
وفي رواية: فانطلقنا حتى إذا رأينا جدار المدينة هششنا إليها، فدفعنا مطايانا،
ودفع رسول الله عَّ له مطيته، قال: وصفية خلفه قد أردفها، قال: فعثرت مطية
رسول الله پڼ فصرع وصرعت،
وهو الجمع، سمي به لاجتماع الزوجين.
وفي رواية للشيخين أيضًا عن أنس: أقام عَّهِ بين خيبر والمدينة ثلاثًا، يبني عليه بصفية،
فدعوت المسلمين إلى وليمته فما كان فيها من خبز ولا لحم أمر بالانطاع، فألقي فيها من التمر
والإقط والسمن، فكانت وليمته، ولأبي يعلى عن أنس؛ أنه جعل الوليمة ثلاثة أيام، وللطبراني
بسند جيد عن حسن بن حرب، أنه عَِّ قال لأصحابه: ((ما تقولون في هذه الجارية؟))، قالوا:
نقول إنك أولى الناس بها، وأحقهم قال: فإني أعتقها وأستنكحها، وجعلت عتقها مهرها، فقال
رجل: الوليمة يا رسول اللّه، فقال ◌َ له: الوليمة أول يوم حق، والثانية معروف، والثالثة فخر،
وأحمد برجال الصحيح، وأبو يعلى برجال ثقات عن جابر لما دخلت صفية على رسول اللَّه
فسطاطه حضر ناس وحضرت معهم ليكون فيها قسم، فخرج عَّةٍ، فقال: ((قوموا عن أمكم))،
فلما كان العشي خرج إلينا في طرف ردائه بنحو مد ونصف من تمر عجوة، فقال: ((كلوا من
وليمة أمكم)).
(وفي رواية) عن أنس أيضًا، (قال الناس: لا ندري أتزوجها أم جعلها أم ولد،) أي سرية،
وفي رواية فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه، (قالوا إن حجبها فهي
امرأته،) وفي رواية فهي إحدى أمهات المؤمنين، (وإن لم يحجبها فهي أم ولد) سرية.
وفي رواية فهي مما ملكت يمينه، أي لأن ضرب الحجاب إنما هو على الحرائر لا على
الإماء، (فلما أراد أن يركب حجبها) سترها، وفي رواية وطأ لها ومد الحجاب بينها وبين الناس.
وفي رواية فرأيت النبي ﴾﴾ يحوّي لها وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعیره، فیضع ر کبته،
وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب وكلها في الصحيح.
وفي مغازي أبي الأسود عن عروة: فوضع عَّه لها فخذه لتركب فأجلته أن تضع رجلها
على فخذه، فوضعت ركبتها على فخذه وركبت.
(وفي رواية) عن أنس أيضًا: (فانطلقنا حتى إذا رأينا جدار المدينة هششنا،) ارتحنا
(إليها، فدفعنا مطايانا،) أي أسرعنا بها، (ودفع رسول اللَّه عَلِّ مطيته، قال وصفية خلفه قد
أردفها، قال) أنس: (فعثرت مطية رسول اللَّه عَِّ، فصرع) بالبناء للمفعول، (وصرعت،) أي

٤٣٣
صفية أم المؤمنين
فليس أحد من الناس ينظر إليه ولا إليها حتى قام رسول الله عَ له فسترها. قال:
فدخلنا المدينة، فخرج جواري نسائه يتراءينها ويشمتن بصرعها. رواه الشيخان وهذا
لفظ مسلم.
وروي عن جابر أنه عَّهِ أتي بصفية يوم خيبر، وأنه قتل أباها وأخاها، وأن
بلالاً مر بها بين المقتولين، وأنه عَّه خيرها بين أن يعتقها فترجع إلى من بقي من
أهلها، أو تسلم فيتخذها لنفسه، فقالت: أختار الله ورسوله. خرجه في الصفوة.
وأخرج تمام في فوائده من حديث أنس أن رسول الله عَّ له قال لها: هل لك
فيَّ؟ قالت: يا رسول الله لقد كنت أتمنى ذلك في الشرك، فكيف إذا أمكنني الله منه
في الإسلام.
وقعت، (فليس أحد من الناس ينظر إليه ولا إليها،) إجلالاً واحترامًا، (حتى قام رسول اللَّه عَ لّ﴾،
فسترها،) قال أنس: فأتيناه، فقال: لم نضر، (قال: فدخلنا المدينة، فخرج جواري نسائه
يتراءينها،) ينظرن إليها، (ويشمتن،) بفتح الميم يفرحن (بصرعها،) سقوطها.
(رواه) أي المذكور من الروايات الثلاث (الشيخان، وهذا لفظ مسلم) عن أنس، (وروي
عن جابر أنه عٍَّ أتى بصفية) بالبناء للمفعول، والآتي دحية، كما مر، وعند ابن إسحق: أن
الآتي بلال، ولا منافاة لاحتمال أنه أرسل بلالاً إلى دحية ليأتي بصفية فجاءا بها معًا (يوم خيبر،
وأنه قتل أباها وأخاها، وأن بلالاً مر بها بين المقتولين).
وعند ابن إسحق، ومعها بنت عمها، فصاحت ابنة عمها، وصكت وجهها، وحثت التراب
على رأسها، فقال عَّهِ: أعزبوا هذه الشيطانة عني، وقال لبلال: أنزعت الرحمة من قلبك حين تمر
بالمرأتين عن قتلاهما، (وأنه عَّةٍ خيرها بين أن يعتقها، فترجع إلى من بقي من أهلها، أو تسلم)
قسيم قوله يعتقها، وبين لا تقع إلاّ على متعدد، فكان المتعين الواو، وكأنه نظر في أو إلى جانب
المعنى، وهو أن القصد ابتداء أحد الأمرين، لا الأمران معًا، (فيتخذها لنفسه).
وعند الطيراني عن ابن عمر أنها قالت: وما كان أبغض إلي من رسول اللَّه عَ لَه قتل أبي
وزوجي، فما زال يعتذر إلي وقال: ((يا صفية إن أباك ألب العرب، وفعل وفعل حتى ذهب ذلك
من نفسي))، (فقالت: أختار اللَّه ورسوله) فاصطفاها الله.
(خرجه) ابن الجوزي (في الصفوة) كتاب له، (وأخرج تمام) الإمام الحافظ محمد بن
عبد الله بن جعفر المروزي، ثم الدمشقي الثقة، المتوفي ثالث محرم سنة ست عشرة وأربعمائة
(في فوائده من حديث أنس؛ أن رسول اللَّه عٍَّ. قال لها: هل لك) رغبة (فيَّ، قالت: يا
رسول اللَّه لقد كنت أتمنى ذلك في الشرك فكيف إذا أمكنني اللَّه منه في الإسلام؟) ولعل سبب

٤٣٤
صفية أم المؤمنين
وأخرج أبو حاتم في حديث ابن عمر: رأى عَّهِ بعين صفية خضرة فقال: ما
هذه الخضرة؟ فقالت: كان رأسي في حجر ابن أبي الحقيق وأنا نائمة، فرأيت
قمرًا وقع في حجري فأخبرته بذلك فلطمني وقال: تمنين ملك يثرب. وبنى بها
حَ طِّ بالصهباء.
تمنيها ذلك رؤيتها منام دل عليه، ولذا حسن من المصنف تعقيب هذا الحديث، به فقال:
(وأخرج أبو حاتم) بن حبان في صحيحه والطبراني برجال الصحيح، كلاهما (من حديث
ابن عمر قال: (رأَى مَِّ بعين صفية خضرة، فقال: ما هذه الخضرة، فقالت: كان رأسي في
حجر ابن أبي الحقيق وأنا نائمة، فرأيت قمرًا وقع في حجري، فأخبرته بذلك، فلطمني وقال:
ثمنين) بحذف إحدى التاءين (ملك يثرب) أوله بخصوصه، وهو النبي عَّه، لأنه الظاهر عندهم
ظهور القمر الباهر، وإن جحدوه في الظاهر ظلمًا وعلوّا، لأنهم مستبقون نبوته، وعند ابن إسحق:
وكانت صفية رأت قبل ذلك أن القمر وقع في حجرها، فذكرت ذلك لأبيها، فلطم وجهها
وال: إنك لتمدين عنقك إلى أن تكوني عند ملك العرب، فلم يزل الأثر في وجهها حتى
سألها مَّله، فأخبرته.
قال البرهان: فلعلهما فعلا بها ذلك، وأخرج ابن أبي عاصم والطبراني عن أبي برزة لما
نزل ◌َّ خيبر كانت صفية عروسًا، فرأت في المنام أن الشمس وقعت على صدرها، فقصتها
على زوجها، فقال: والله ما تمنين إلاَّ هذا الملك الذي نزل بنا الحديث.
قال الشامي: ولا مخالفة بينهما باعتبار التعدد، فقصت ذلك على أبيها أولاً، ثم على
زوجها ثانيًا، ولهذا اختلف العبارة في التعيين انتهى، وأنت خبير بأنه لا يتخيل تعارض، فإن
رؤيتها وقوع الشمس على صدرها غير رؤيتها وقوع القمر في حجرها وقصتهما معًا على زوجها،
فلطمها في قصة القمر على عينها، فاخضرت ووبخها في الشمس، ورأت قبل ذلك القمر وقصته
على أبيها فالأثر الذي في وجهها من لطم أبيها غير خضرة عينها من لطم زوجها، (وبنى بها
بالصهباء))) بفتح الصاد المهملة، وسكون الهاء وبموحدة، ومد موضع أسفل خيبر.
وفي رواية بالروحاء بالمهملة، مكان قرب المدينة، بينهما نيف وثلاثون ميلاً من جهة
مكة، وقيل بقرب المدينة مكان آخر يقال له الروحاء، وعلى التقديرين، فليست قرب خيبر،
فالصواب ما اتفق عليه الجماعة إنها الصهباء، وهي على بريد من خيبر، قاله ابن سعد وغيره، كما
في الفتح، وأخرج ابن سعد بأسانيده قال: لم يخرج من خيبر حتى طهرت صفية من حيضها،
فحملها وراءه، فلما صار إلى منزل على ستة أميال من خيبر مال يريد أن يعرس بها، فأبت عليه،
فوجد في نفسه، فلما كان بالصهباء، وهي على بريد من خيبر، نزل بها هناك فمشطتها أم سليم

٤٣٥
صفية أم المؤمنين
وعطرتها.
قالت أم سنان الأسلمية: وكانت من أضوأ ما يكون من النساء، فدخل بأهله، فلما أصبح
سألتها عما قال لها، فقالت: قال لي ما حملك على الامتناع من النزول أولاً، قلت: خشيت
عليك من قرب اليهود فزادها ذلك عنده، وذكرت أنه سر بها، ولم ينم تلك الليلة، لم يزل
يتحدث معها، وعن عطاء بن يسار لما قدمت صفية من خيبر أنزلت في بيت لحارثة بن النعمان،
فسمع نساء الأنصار، فجئن ينظرون إلى جمالها، وجاءت عائشة متنقبة، فلما خرجت خرج عَّه
على أثرها، فقال: كيف رأيت يا عائشة، قالت: رأيت يهودية، قال: لا تقولي ذلك، فإنها
أسلمت، وحسن إسلامها، وبسند صحيح عن ابن المسيب قدمت صفية وفي أذنها خوصة من
ذهب، فوهبت منه لفاطمة ولنساء معها، وعن عائشة أنه عٍَّ كان في سفر فاعتل بعير صفية،
وفي إبل زينب بنت جحش فضل، فقال لها: إن بعير الصفية اعتل، فلو أعطيتها بعيرًا، فقالت: أنا
أعطي تلك اليهودية، فتركها عَّهذا الحجة، والمحرم شهرين أو ثلاثة لا يأتيها، قالت زينب:
حتی یئست منه.
رواها كلها ابن سعد، وأخرج الترمذي عن صفية، قالت: دخل علي عَّه وأنا أبكي، وقد
بلغني أن عائشة وحفصة قالتا: نحن أكرم على رسول اللَّه منها، نحن أزواجه وبنات عمه، فقال:
ما يبكيك؟ فذكرت له ذلك، فقال: ألا قلت، وكيف تكونان خيرًا مني، وأبي لهرون، وعمي
موسى، وزوجي محمد علي﴾.
وروى عمر الملاء عن صفية حج عَّل بنسائه، فلما كان ببعض الطريق برك جملي،
وكنت من آخرهم ظهرًا، فبكيت، فجاء عَّه وجعل يمسح دموعي بردائه وبيده، وجعلت لا أزداد
إلاَّ بكاءً وهو ينهاني، فلما أكثرت زبرني، قال أبو عمر: كانت صفية عاقلة حليمة فاضلة، روينا
أن جارية لها أتت عمر، فقالت: إن صفية تحب السبت، وتصل اليهود، فبعث عمر فسألها،
فقالت: أما السبت فإني لم أحبه منذ أبدلني اللَّه به الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحمًا، فأنا
أصلهم، ثم قالت للجارية: ما حملك على هذا، قالت: الشيطان، قالت: اذهبي فأنت حرة.
وأخرج ابن سعد بسند حسن عن زيد بن أسلم قال: اجتمع نساء النبي ◌َِّ عنده في
مرضه الذي توفي فيه، فقالت صفية: إني واللَّه يا نبي اللَّه لوددت أن الذي بك بي، فغمز بها
أزواجه، فبصربهن، فقال: مضمضن، قلن من أي شىء؟ قال: من تغامزكن بها والله إنها لصادقة،
وروى أبو داود والترمذي عن عائش قالت: قلت للنبي عَ له: حسبك من صفية كذا وكذا، تعني
قصيرة، قال: قد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته، روت صفية عن النبي عَّهِ، وعنها

٤٣٦
صفية أم المؤمنين
وماتت في رمضان سنة خمسين في زمن مطوية، وقيل غير ذلك.
فهؤلاء أزواجه اللاتي دخل بهن لا خلاف في ذلك بين أهل السير والعلم
بالأثر.
وقد ذكر أنه عَِّ تزوج نسوة غير من ذكر، وجملتهن اثنتا عشرة امرأة.
الأولى: الواهبة نفسها له ێ،
ابن أخيها ومولياها كنانة، ويزيد بن معتب، وزين العابدين بن الحسين، وإسحق بن عبد الله بن
الحرث، ومسلم بن صفوان، (وماتت في رمضان سنة خمسين).
قاله الواقدي وصححه في التقريب، وقال في الإصابة أنه أقرب، وقال ابن سعد: سنة اثنتين
وخمسين، وهو على كلا القولين (في زمن معوية).
قال ابن أبي خيثمة: وورثت مائة ألف درهم بقيمة أرض وعرض، وأوصت لابن أختها
بالثلث، وكان يهوديًا، (وقيل غير ذلك،) فقيل سنة ست وثلاثين.
حكاه ابن حبان، وجزم به ابن منده قال في الإصابة: وهو غلط فإن علي بن الحسين لم
يكن ولد، وقد ثبت سماعه منها في الصحيحين، ودفنت بالبقيع وسنها نحو ستين، لأنها قالت:
ما بلغت سبع عشرة سنة يوم دخلت على رسول اللَّه عَّه رواه ابن سعد، (فهؤلاء أزواجه اللاتي
دخل بهن لا خلاف في ذلك،) أي دخوله بهن وإن اختلف في أن جويرية سرية، والراجح أنها
زوجة، كما مر (بين أهل السير والعلم بالأثر،) ولا شك أنهن زوجاته في الآخرة بنصه عَّه،
كما مر، وهو أحد التعاليل في حرمتهن على غيره، وأما اللاتي فارقهن في الحياة دخل بهن أم
لا، ففي فتاوى النجم يحتمل أنهن كذلك، ويؤيده أن الراجح حرمتهن على غيره المعلل بما ذكر،
ويحتمل خلافه خصوصًا في المستعيذة ومن لم يردها أو اختارت الحياة الدنيا، ويؤيده ما روي
أن المستعيذة تزوجت بعده لكنه ضعيف، وأما نساء غيره من الأنبياء، فيحتمل أن يكن كذلك،
لكن قال القضاعي: إن حرمة زوجاته عَّه بعده مما خص به دون الأنبياء، وكذا السيوطي في
الأنموذج، ثم توقف النجم في ذلك، وأنه لم يقف على نقل فيه بخصوصه، ولعله أراد أثرًا أو
حديثًا، وإلا فالسيوطي، والقضاعي نقل، (وقد ذكر أنه عَّهِ تزوج نسوة غير من ذكر، وجملتهن
اثنتا عشرة امرأة) على ما ارتضاه المصنف، وإلا فقد قال الدمياطي: وأما من لم يدخل بها ومن
وهبت نفسها له، ومن خطبها ولم يتفق تزويجها له، فثلاثون امرأة على خلاف في بعضهن،
(الأولى الواهبة نفسها له عَّةٍ)) أي التي اشتهرت بذلك، فلا ينافي ما يأتي له من ذكر قول في
بعضهن أنها وهبت نفسها.

٤٣٧
صفية أم المؤمنين
واختلف من هي، فقيل أم شريك القرشية العامرية، واسمها: غزية - بضم الغين
المعجمة وفتح الزاي وتشديد المثناة التحتية - بنت جابر بن عوف، من بني
عامر بن لؤي وقيل بنت دودان بن عوف وطلقها النبي واختلف في دخوله بها.
وقيل هي أم شريك غزية الأنصارية من بني النجار، وفي الصفوة: هي أم
شريك غزية بنت جابر الدوسية. قال: والأكثرون على أنها وهبت
(واختلف) في جواب قول السائل (من هي،) فلا ينافي أن الاستفهام لا يسأل عنه، (فقيل)
هي (أم شريك القرشية العامرية) نسبة إلى عامر بن لؤي، (واسمها غزية بضم الغين المعجمة،
وفتح الزاي، وتشديد المثناة التحتية).
زاد في الإصابة: وقيل بفتح أولها، وقيل اسمها غزيلة بالتصغير،. ولام بعد الياء (بنت
جابر بن عوف من بني عامر بن لؤي) بن غالب، (وقيل) غزية (بنت دودان)، بدالين مهملتين
مكررتين، الأولى مضمومة وبعد الثانية ألف، ثم نون، كما ضبطه البرهان، فما يقع في النسخ
داود من تحريف النساخ، لشهرة هذا دون ذاك (ابن عوف) بن عمرو بن خالد بن ضباب بن
حجير بن بغيض بن عامر بن لؤي، هكذا نسبها ابن الكلبي.
روى أبو نعيم وأبو موسى بسند ضعيف عن ابن عباس قال: وقع في قلب أم شريك الإسلام
وهي بمكة، فأسلمت، ثم جعلت تدخل على نساء قريش سرًّا، فتدعوهن إلى الإسلام حتى ظهر
أمرها بمكة، فقالوا: لولا قومك لفعلنا بك، وفعلنا لكن سنردك إليهم، فحملوها على بعير عرى،
وتركوها ثلاثًا بلا أكل ولا شرب، ثم نزلوا منزلاً وأوقفوها في الشمس، واستظلوا وحبسوا عنها
الطعام والشراب، فدلي لها من السماء دلو من ماء فشربت حتى رويت، ثم صبته على جسدها
وثيابها، فلما استيقظوا رأوا أثر الماء وحسن الهيئة، فسألوها فأخبرتهم، فنظروا إلى الأسقية
فوجدوها كما تركوها، فأسلموا بعد ذلك، وأقبلت هي إلى النبي عَّةٍ، ووهبت نفسها له بغير
مهر، فقبلها ودخل عليها، (وطلقها النبي عَّه))) لأنه رآها كبيرة، (واختلف في دخوله بها،) فقال
ابن عباس: كما ترى أنه دخل، وقال غيره: لم يدخل، ويحتمل الجمع بأن المنفي الجماع،
والمثبت مجرد الدخول إن صحا، (وقيل) إن الواهبة ليست القرشية، بل (هي أم شريك غزية
الأنصارية من بني النجار،) فوافقتها في الكنية والاسم، واختلفا في النسبة.
روى ابن سعد برجال ثقات عن الشعبي قال: المرأة التي عزل عَ ل أم شريك الأنصارية،
وروى ابن أبي خيثمة عن قتادة قال: تزوج عَّه أم شريك الأنصارية النجارية، وقال: إني أحب أن
أتزوج في الأنصار، ثم قال: إني أكره غيرة الأنصار، فلم يدخل بها، (وفي الصفوة) لابن
الجوزي (هي أم شريك غزية بنت جابر الدوسية) الأزدية (قال: والأكثرون على أنها التي وهبت

٤٣٨
صفية أم المؤمنين
نفسها له عَِّ فلم يقبلها فلم تتزوج حتى ماتت.
وذكر ابن قتيبة في المعارف عن أبي اليقظان، أن الواهبة نفسها خولة بنت
حكيم السلمي، ويجوز أن يكونا وهبتا أنفسهما من غير تضاد.
وقال عروة بن الزبير: كانت خولة بنت حكيم، من اللائي وهبن أنفسهن
للنبي عَ لَّهِ، فقالت عائشة:
نفسها له عٍَّ، فلم يقبلها) لكبر سنها، (فلم تتزوج حتى ماتت،) ورجحه الواقدي، ورواه
ابن سعد عن عكرمة وعلي بن الحسين، وأخرج ابن سعد أيضًا عن منير بن عبد اللَّه الدوسي: أن
أم شريك غزية بنت جابر بن حكيم الدوسية عرضت نفسها على النبي عَّة، وكانت جميلة،
فقبلها، فقالت عائشة: ما في المرأة حين تهب نفسها لرجل خير، فقالت أم شريك: فأنا تلك
فسماها اللَّه مؤمنة، فقال: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي﴾ [الأحزاب: ٥٠]، فلما
نزلت هذه الآية قالت عائشة إن اللَّه ليسرع لك في هواك، ويمكن الجمع بين القبول ونفيه؛ بأنه
عقد عليها ولم يدخل.
قال في الإصابة: والذي يظهر في الجمع أن أم شريك واحدة اختلف في نسبها أنصارية أو
عامرية من قريش، أو أزدية من دوس، واجتماع هذه النسب الثلاثة ممكن؛ كأن تكون قرشية
تزوجت في دوس، فنسبت إليهم، ثم تزوجت في الأنصار، فنسبت إليهم أو لم تتزوج، بل نسبت
أنصارية بالمعنى الأعم انتهى منه في ترجمة العامرية، وأما أم شريك بنت جابر الغفارية، التي ذكرها
أحمد بن صالح المضري في الزوجات اللاتي لم يدخل بهن، فلا تذكر هنا، لأنها لم تهب نفسها.
(وذكر ابن قتيبة في المعارف عن أبي اليقظان أن الواهبة نفسها خولة) بفتح المعجمة
وسكون الواو، فلام، فتاء تأنيث، ويقال لها خويلة بالتصغير (بنت حكيم) بن أمية (السلمي) بضم
السين، نسبة إلى جده سليم، صحابية، صالحة، فاضلة، لها أحاديث يقال كنيتها أم شريك.
قاله أبو عمر، (ويجوز أن يكونا وهبتا أنفسهما من غير تضاد) بين الروايات.
(وقال عروة بن الزبير) ابن العوام: (كانت خولة بنت حكيم من اللائي) بالهمز (وهبن
أنفسهن للنبي عَّةٍ)) فهذا يؤيد الجمع المذكور لقوله من، وقد قال الحافظ: في شرحه سمى
منهن أم شريك، وخولة، وليلى بنت الخطيم.
ذكره ابن أبي خيثمة عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، ولم يدخل بهؤلاء.
وروي عن قتادة وغيره أن ميمونة بنت الحرث ممن وهبت نفسها، فتزوجها، وكذا قيل
في زينب بنت خزيمة أم المساكين، (فقالت عائشة:) فيه إشعار بأن عروة حمل الحديث عنها، فلا

٤٣٩
صفية أم المؤمنين
أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل، فلما نزلت: ﴿ترجي من تشاء منهن
وتؤوي إليك من تشاء﴾ [الأحزاب/ ٥١] قالت عائشة: يا رسول الله، ما أرى ربك
إلا يسارع لك في هواك. رواه الشيخان.
وهذه خولة هي زوجة عثمن بن مظعون، ولعل ذلك وقع منها قبل عثمن.
الثانية: خولة بنت الهذيل بن هبيرة. تزوجها عَّه فهلكت قبل أن تصل إليه.
يكون مرسلاً، (أما) بتخفيف الميم (تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل،) زاد في رواية بغير
صداق، (فلما نزلت ﴿ترجى﴾،) تؤخر (﴿من تشاء منهن.))
وفي مسلم وابن ماجه، فأنزل اللَّه ترجى من تشاء، وهي أظهر في أن نزول هذه الآية بهذا
السبب، وروى ابن سعد عن أبي رزين قال: هم عَِّ أن يطلق من نسائه، فلما رأين ذلك جعلته
في حل من أنفسهن يؤثر من يشاء، على من يشاء فأنزل اللَّه ﴿ترجى من تشاء﴾ [الأحزاب: ٥١]
ولا مانع من تعدد السبب وإلا فما في الصحيحين أصح.
(قالت عائشة: يا رسول اللَّه ما أرى) بفتح الهمزة (ربك إلاَّ يسارع لك في هواك،) أي
في رضاك.
قال القرطبي: هذا قول أبرزه الدلال والغيرة، وإلا فلا يجوز إضافة الهوى إليه عَ لّه، لكن
الغيرة مغتفر لأجلها إطلاق مثل ذلك (رواه الشيخان،) واللفظ للبخاري في النكاح، (وهذه خولة
هي زوجة عثمن بن مظعون،) بالظاء المعجمة، (ولعل ذلك وقع منها قبل عثمن،) أي قبل تزوجه
بها، وبه جزم ابن الجوزي في التلقيح، وزاد، فأرجأها، فتزوجها عثمن بن مظعون، وقال هشام بن
الكلبي: كانت ممن وهبت نفسها، وكان عثمن بن مظعون مات عنها (الثانية) ممن ذكر أنه
تزوج بهن، ولم يقل الثالثة مع أنه قدم أم شريك وخولة، لأنه جعل الواهبة واحدة على اختلاف
الأقوال في تعيينها، وإلاّ فلو جرى على ظاهر ما قدمه لقال الخامسة (خولة بنت الهذيل،) بذال
معجمة مصغرًا (ابن هبيرة) بالتصغير ابن قبيصة بن الحرث بن حبيب بن حرفة، بضم الحاء
المهملة، وسكون الراء، وبالفاء الثعلبية (تزوجها عَّة، فهلكت) في الطريق (قبل أن تصل إليه).
قاله أبو عمر عن الجرجاني النسابة قال في الإصابة: وقد ذكرها المفضل بن غسان الغلابي
في تاريخه عن علي بن صالح عن علي بن مجاهد قال: وتزوج خولة بنت الهذيب وأمها خرنق
بنت خليفة أخت دحية الكلبي، فحملت إليه من الشام، فماتت في الطريق انتهى. وذكرهم لها
في الصحابة مع أنهم لم يذكروا أنها اجتمعت بالنبي عَّله، فلا صحبة لها، اتفاقًا لقربها لطبقة
الصحابة كغيرها من المخضرمين، لا لأنهم صحابة، كما أفصح به ابن عبد البر وابن شاهين،

٤٤٠
صفية أم المؤمنين
الثالثة: عمرة بنت يزيد بن الجون - بفتح الجيم - الكلابية، وقيل: عمرة بنت
يزيد بن عبيد بن أوس بن كلاب الكلابية. قال أبو عمر: وهذا أصح.
تزوجها عَُّلّه فتعوذت منه حين أُدخلت عليه، فقال لها: لقد عذت بمعاذ،
فطلقها وأمر أسامة بن زيد فمتعها بثلاثة أثواب، فقال أبو عمر: هكذا روى عن
عائشة.
وقال قتادة: كان ذلك من امرأة من بني سليم. وقال أبو عبيدة: إنما ذلك لأسماء
بنت النعمان بن الجون، وهكذا ذكره ابن قتيبة. وسيأتي وقال في عمرة هذه: إن
أباها وصفها للنبي عَ لّه ثم قال وأزيدك أنها لم تمرض قط قال عليه الصلاة
والسلام: ما لهذه عند الله من خير فطلقها.
الرابعة: أسماء بنت النعمان بن الجون - بفتح الجيم - ابن الحرث
وغلط من جزم بأن ابن عبد البر يقول: إن المخضرمين صحابة نبه عليه في ديباجة الإصابة.
(الثالثة عمرة) بفتح العين (بنت يزيد بن الجون بفتح الجيم الكلابية، وقيل عمرة بنت
یزید بن عبيد بن أوس بن كلاب الكلابية).
(قال أبو عمر) بن عبد البر (وهذا) الثاني (أصح) في نسبها (تزوجها معَّر، فتعوذت منه)،
فقالت: أعوذ باللَّه منك (حين أدخلت عليه، فقال لها: لقد عذت بمعاذ) بفتح الميم، أي بالذي
يستعاذ به وهو اللَّه.
قاله المصنف في شرح البخاري، (فطلقها،) وصدر في الإصابة بأنه بلغه أن بها برصًا،
فطلقها ولم يدخل بها، فيحتمل أن سبب الطلاق كلا الأمرين، ونفى الدخول المراد به الوقاع،
(وأمر أسامة بن زيد، فمتعها بثلاثة أثواب).
(فقال أبو عمر) النمري: (هكذا روي عن عائشة) أنها المستعيذة، رواه هشام بن عروة عن
أبيه عنها، (وقال قتادة كان ذلك) المذكور من الاستعاذة (من امرأة من) بني (سليم) بالضم،
(وقال أبو عبيدة) معمر بن المثنى (إنما ذلك لأسماء بنت النعمان بن الجون، وهكذا ذكر
ابن قتيبة، وسيأتي) قريبًا، (وقال) ابن قتيبة (في عمرة هذه؛ أن أباها وصفها للنبي عَ ليه)
بالجمال، (ثم قال: وأزيدك) في أوصافها الحسنة (أنها لم تمرض قط).
(قال عليه الصلاة والسلام: ما لهذه عند اللَّه من خير)، لأن العبد لا يخلو من ذنب،
والمرض مكفر له أو رافع لدرجاته وكاسر لشماخة نفسه، (فطلقها) لذلك لا لأنها استعاذت منه.
(الرابعة أسماء بنت النعمان بن الجون، بفتح الجيم،) وسكون الواو، ونون (ابن الحرث،)