النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
أُم سلمة أم المؤمنين
أحد حاضرًا غيره.
وكانت أم سلمة من
أحد حاضرًا غيره) من المستوين في الدرجة، لا إنه إذا غاب أقرب العصبة زوج الأبعد، لأنه إنما
يزوجها حينئذٍ القاضي، كما هو مذهب الشافعية، ثم استشكل استدلال كل من الفريقين بصغر
سن ابنيها سلمة وعمر عن أن يتولى واحد منهما النكاح، إذ لم يبلغ واحد منهما حتى أقدم
بعضهم على الرواية، فقال: هي وهم أو هو عمر بن الخطاب، وقالت له زوج أمك مجازًا باعتبار
الأول، لأنها تصير أم المؤمنين، وبعض أقدم بالظن، وتكلم بلا علم، فظن الأنثى ذكرًا، فقال قد
كان لها ابنان سلمة ودرة، ولم ينقل أن واحدًا منهما زوجها، وقد علمت أن درة انثى، وإن قول
الأكثر أن المزوج لها سلمة، وأنه أثبت، والحق أنه عَِّ تزوجها من نفسه بلا ولي، كما هو من
خصوصياته، وقبله من ابنها صورة تطييبًا لخاطرهما، وبذلك جزم السيوطي في خصائصه، فقال:
وقال لأم سلمة مري ابنك أن یزوجك، فزوجها وهو يومئذٍ صغیر لم يبلغ انتهى.
وروى الطبراني برجال الصحيح عنها: أنه عَّ أتاها فلف رداءه، ووضعه على أسكفة
الباب، واتكأ عليه، وقال: هل لك يا أم سلمة؟ قلت إني امرأة شديدة الغيرة، وأخاف أن يبدو
للنبي عَيُّ ما يكره، فانصرف، ثم عاد، فقال: هل لك يا أم سلمة؟ إن كان لزيادة في صداقك
زدنا، فعادت لقولها، فقالت أم عبد: يا أم سلمة تدرين ما يتحدث به نساء قريش؟ يقلن إنما ردت
محمدًا، لأنها تريد من قريش أحدث منه وأكثر مالاً، فأتت رسول اللَّه عَّ. فتزوجها.
وروى ابن سعد عنها قالت: قلت لأبي سلمة بلغني أنه ليس امرأة يموت زوجها، وهما من
أهل الجنة، ثم لم تتزوج بعده إلاَّ جمع اللَّه بينهما في الجنة، وكذلك إذا ماتت المرأة، وبقي
الرجل بعدها فتعال أعاهدك أن لا تتزوج بعدي، ولا أتزوج بعدك، قال: أتعطيني؟ قالت: ما سألتك
إلاّ لأعطيك، قال: فإذا أنا مت فتزوجي، ثم قال: ((اللهم ارزق أم سلمة بعدي رجلاً خيرًا مني، لا
يحزنها ولا يؤذيها))، فلما مات قلت: من هذا الذي هو خير لي من أبي سلمة؟ فلبثت ما لبثت،
فجاء رسول اللَّه مَِّ، فوقف على الباب، فذكر نحو ما سبق.
قال ابن إسحق: وأصدقها فراشًا حشوه ليف، وقدحًا، وصحفة، ومجشة انتهى.
قال في الروض: وهي الرحى، ومنه سمى الحشيش، وذكر معها أشياء لا تعرف قيمتها،
منها جفنة وفراش.
وفي مسند البزار قال أنس: أصدقها متاعًا قيمته عشرة دراهم، قال البزار، ويروى أربعون
درهمًا انتهى.
وفي الحديث أنه بنى بها، فبات، فلما أصبح قال: إن لك على أهلك كرامة، فإن شئت
سبعت لك وسبعت النسائي، وإن شئت ثلثت ودرت، فقالت: بل ثلث، (وكانت أم سلمة من

٤٠٢
أُم سلمة أُم المؤمنين
أجمل الناس، وتزوجها رسول الله عَّله في ليال بقين من شوال من السنة التي مات
فيها أبو سلمة.
وماتت سنة تسع وخمسين وقيل سنة اثنتين وستين، والأول أصح،
.
أجمل الناس،) قالت عائشة: لما تزوَّجها حزنت حزنًا شديدًا لما ذكر لنا من جمالها، فذكرت
ذلك لحفصة، فقالت: ما هي، كما يقال، فتلطفت حتى رأيتها، فرأيت واللَّه أضعاف ما وصفت،
فذكرت لحفصة، فقالت: نعم ولكني کنت غیری.
رواه ابن سعد، وروى أحمد أنه عَّ لما تزوجها، قال: يا أم سلمة إني أهديت إلى
النجاشي حلة، وأواقي مسك، ولا أراه إلا قد مات، ولا أرى هديتي إلاَّ مردودة، فهي لك، فكان
كما قال، فاعطى كل واحدة من نسائه أوقية، وأعطى أم سلمة المسك والحلة.
وروى أبو الحسن الخلعي، عن زينب بنت أبي سلمة أنه عَّه كان عند أمها، فجعل حسنًا
في شق، وحسينًا في شق، وفاطمة في حجره، وقال: رحمة اللَّه وبركاته عليكم أهل البيت، إنه
حميد مجيد، فبكت أم سلمة، فقال ما يبكيك؟ قالت: يا رسول اللّه خصصتهم، وتركتني وابنتي،
فقال: إنك من أهل البيت.
وروى عمر الملاء عن عائشة: كان ◌َِّ إذا صلى العصر، دخل على نسائه واحدة
واحدة، يبدأ بأم سلمة لأنها أكبرهن ويختم بي.
وروى الشيخان عن أم سلمة قلت: يا رسول اللَّه هل لي أجر في بني أبي سلمة، أنفق
عليه، ولست بتاركتهم هكذا وهكذا إنما هم بني؟ فقال: نعم لك أجر ما أنفقت عليهم،
(وتزوجها رسول اللَّه عَّ في ليال بقين من شؤَّال من السنة التي مات فيها أبو سلمة،) وهي
الرابعة على الصحيح أو الثالثة، وأما قول أبي عبيدة وابن عبد البر: تزوجها بعد وقعة بدر في شؤَّال
سنة اثنتين، فقال اليعمري ليس بشيءٍ، لأن أبا عمر قال في وفاة أبي سلمة، أنها في جمادى
الآخرة سنة ثلاث، وهو لم يتزوجها إلاّ بعد انقضاء عدتها من وفاته انتهى، (وماتت سنة تسع
وخمسين) في شؤَّال، قاله الواقدي، وتبعه ابن عساكر، (وقيل سنة اثنتين وستين،) قاله إبراهيم
الحربي، قال في التقريب، وهو الأصح.
وقال البخاري في التاريخ الكبير سنة ثمان وخمسين، وقيل سنة إحدى وستين بعد ما
جاءها خبر قتل الحسين.
قال ابن عبد البر هذا هو الصحيح، وقيل سنة ستين، قال اليعمري وهو الصحيح، فقول
المصنف (والأول أصح) فيما قاله بعضهم معارض بهذه التصحيحات، قال في الإصابة: وهي
آخر أمهات المؤمنين موتًّا، فقد ثبت في مسلم أن الحرث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وعبد اللَّه بن

٤٠٣
أم حبيبة أم المؤمنين
ودفنت بالبقيع وصلى عليها أبو هريرة، وقيل سعيد بن زيد، وكان عمرها أربعًا
وثمانين سنة.
[أم حبيبة أم المؤمنين]
وأما أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله عنها، رملة بنت أبي سفين صخر بن
حرب، وقيل اسمها هند، والأول أصح - وأمها صفية بنت أبي العاصي بن أمية عمة
عثمان بن عفان -
صفوان دخلا على أم سلمة في خلافة يزيد بن معوية، فسألاها عن الجيش، وكان ذلك حين جهز
يزيد مسلم بن عقبة بعسكر الشام إلى المدينة، فكانت وقعة الحرة سنة ثلاث وستين، وهذا كله
يدفع قول الواقدي.
وحكاه ابن عبد البر: أن أم سلمة أوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد فإن سعيدًا مات
سنة خمس أو إحدى أو اثنتين وخمسين، فيلزم منه أن تكون ماتت قبل ذلك، (ودفنت بالبقيع) وليس
كذلك اتفاقًا، ويمكن تأويله بأنها مرضت، فأوصت بذلك، ثم عوفیت، فمات سعيد قبلها انتهى، وهو
تأويل حسن، ويؤيده أن الواقدي نفسه قال، (وصلى عليها أبو هريرة،) إذ لو كان من أوصت له
حيًا ما صلى أبو هريرة، (وقيل سعيد بن زيد،) حكاه عبد الغني في الكمال وابن الأثير، وهو
مشكل، لأنه مات قبلها باتفاق كما ترى، (وكان عمرها أربعًا وثمانين سنة) على الصواب،
وروت عنه عَّةِ، وعن أبي سلمة، وفاطمة الزهراء، وعنها ابناها عمر وزينب وابن أخيها مصعب بن
عبد الله، ومكاتبها نبهان ومواليها عبد اللّه بن رافع، ونافع وشعبة، وابنه، وأبو بكير، وخيرة والدة
الحسن وممن يعد في الصحابة صفية بنت شيبة، وهند بنت الحرث الفراسية، وقبيصة بن
ذؤيب، وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام، ومن كبار التابعين أبو عثمن النهدي، وأبو وائل،
وابن المسيب، وأبو سلمة، وحميد، ولدا عبد الرحمن بن عوف، وعروة، وأبو بكر بن عبد الرحمن،
وسليمان بن يسار، وآخرون كما في الإصابة.
أم حبيبة أم المؤمنين
(وأما أم المؤمنين أم حبيبة) بفتح الحاء المهملة (رضي اللَّه عنها رملة) بفتح الراء (بنت
أبي سفين صخر بن حرب، وقيل اسمها هند، والأول أصح،) وبه جزم الزهري وابن إسحق
وخلق. اشتهرت بكنيتها بابنتها من عبيد اللّه حبيبة، ولدت بمكة، وهاجرت معها إلى الحبشة،
ورجعت معها إلى المدينة، قاله ابن إسحق، وابن عقبة، وحكى ابن إسحق قولاً أنها ولدت
بالحبشة صحابية ربيبة المصطفى، (وأَمها صفية بنت أبي العاصي بن أمية عمة عثمن بن عفان،

٤٠٤
أم حبيبة أم المؤمنين
فكانت تحت عبيد الله ابن جحش، وهاجر بها إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية،
ثم تنصر وارتد عن الإسلام ومات هناك، وثبتت أم حبيبة على الإسلام.
واختلف في وقت نكاح رسول الله عَّه إياها، وموضع العقد، فقيل: إنه عقد
عليها بأرض الحبشة سنة ست، فروي أنه عَّهِ بعث عمرو بن أمية الضمري إلى
النجاشي ليخطبها عليه، فزوجها إياه، وأصدقها عنه أربعمائة دينار، وبعث بها إليه
مع
فكانت تحت عبيد اللَّه) بتصغير العبد (ابن جحش،) فأما أخوه عبد اللَّه بالتكبير، فاستشهد بأحد،
ووهم، زاعم أنه زوجها؛ لأنه لم يتنصر، (وهاجر بها إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، ثم تنصر
وارتد عن الإسلام) عطف تفسير، إذ التنصر بعد الإسلام ردة، (ومات هناك وثبتت أم حبيبة على
الإِسلام،) فأتم لها اللَّه الإسلام والهجرة.
وروى ابن سعد عنها، رأيت في المنام كأن زوجي عبيد اللّه بأسوأ صورة، ففزعت،
فأصبحت، فإذا به قد تنصر، فأخبرته بالمنام، فلم يحفل به، وأكب على الخمر حتى مات،
فأتاني آت في نومي، فقال: يا أم المؤمنين، ففزعت، فما هو إلاّ أن انقضت عدتي، فما شعرت
إلّ برسول النجاشي يستأذن، فإذا هي جارية يقال لها أبرهة، فقالت: إن الملك يقول لك وكلي
من يزوجك الحديث.
(واختلف في وقت نكاح رسول اللَّه عَبئة إياها وموضع العقد،) وفي العاقد، (فقيل إنه عقد
عليها بأرض الحبشة سنة ست).
قاله أبو عبيدة، قال اليعمري: وليس بشيء.
وفي الإصابة روى ابن سعد أنه سنة سبع، وقيل ست والأول أشهر، (فروي أنه عَّه بعث
عمرو بن أمية الضمري،) بفتح، فسكون الصحابي المشهور، المتوفى في خلافة مطوية نسبة إلى
ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة (إلى النجاشي ليخطبها) النجاشي لا عمر، ولأنه رسول فقط،
وضمنه معنى حبس ومنع، فقال (عليه) دون إليه أوله المتبادر من تعدية خطب، أي ليلتمس له
نكاحها ويقبله له، (فزوجها إياه) النجاشي، أي تولى عقدها على ظاهر هذه الرواية، وهو أحد
الأقوال المحكية في العيون وغيرها، (وأصدقها عنه أربعمائة دينار،) كما في المستدرك وغيره.
قال في العيون وهو أثبت، وفي نسخة من العيون تسعمائة دينار، قال في النور وهو غلط،
وفي المستدرك أيضًا وأمهرها عنه أربعة آلاف دينار، وسكت عليه الذهبي في تلخيصه.
وفي أبي داود أربعة آلاف درهم، وعند ابن أبي خيثمة عن الزهري، زعموا أنه ساق عنه
أربعين أوقية، فإن كانت من الفضة، فيكون ألفًا وستمائة درهم، (وبعث بها إليه) عَّهِ (مع

٤٠٥
أم حبيبة أم المؤمنين
شرحبیل بن حسنة.
وروي أن النجاشي أرسل إليها جاريته ((أبرهة)) فقالت: إن الملك يقول لك
إن رسول الله عَ ◌ّله كتب إلي أن أزوجك منه، وأنها أرسلت إلى خالد بن سعيد بن
العاصي فوكلته وأعطت أبرهة سوارين وخواتم من فضة سرورًا بما بشرتها به، فلما
كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك من المسلمين فحضروا،
فخطب النجاشي فقال: الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز
الجبار، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدي ودین
الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أما بعد: فإني أجبت إلى ما
دعا إليه رسول الله عي) وقد أصدقتها عنه أربعمائة دينار ذهبًا،
شرحبيل،) بضم المعجمة، وفتح الراء، وسكون المهملة، (ابن حسنة) هي أمه التي ربته، وأبوه
عبد الله بن المطاع الكندي كان أميرًا في فتح الشام، وبها مات سنة ثماني عشرة.
(وروي) عن ابن سعد من طريق إسمعيل بن عمرو بن سعيد الأموي، عن أم حبيبة رأيت في
النوم، فذكرت الحديث، كما مر، وفيه (أن النجاشي أرسل إليها جاريته أبرهة) التي قدمت معها
وصحبت، (فقالت: إن الملك يقول لك إن رسول اللَّه عَ ل. كتب إلي أن أزوجك منه،) فوكلي
من يزوجك، (وإنها أرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاصي) بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف
من السابقين الأولين، قيل كان رابعًا أو خامسًا استشهد بمرج الصفراء أو بأجنادين، (فوكلته
وأعطت أبرهة سوارين وخواتم من فضة سرورًا بما بشرتها به، فلما كان العشي أمر النجاشي
جعفر بن أبي طالب،) الأمير المستشهد بمؤتة، (ومن هناك من المسلمين فحضروا، فخطب
النجاشي، فقال: الحمد للَّه الملك القدوس) الطاهر عما لا يليق به (السلام) ذي السلامة من
النقائص، (المؤمن،) المصدق رسله بخلق المعجزة لهم، (المهيمن) الشهيد على عباده
بأعمالهم، (العزيز) القوي (الجبار،) الذي جبر خلقه على ما أراد، (أشهد أن لا إله إلاَّ اللَّه، وأن
محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره) يعليه (على الدين كله)، جميع
الأديان المخالفة له، (ولو كره المشركون) ذلك، (أما بعد؛ فإني أجبت إلى ما دعا إليه
رسول اللَّهُ مَّةٍ).
وفي رواية ابن سعد، فإن رسول اللَّه كتب إلي أن أزوجه أم حبيبة) فأجبت، (وقد أصدقتها
(عنه أربعمائة دينار ذهبا).
قال الحاكم: إنما أُصدقها ذلك استعمالاً لأخلاق الملوك في المبالغة في الصنائع، لاستعانة

٤٠٦
أم حبيبة أم المؤمنين
ثم سكب الدنانير بين يدي القوم. فتكلم خالد بن سعيد فقال: الحمد لله أحمده،
وأستعينه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده
ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
أما بعد: فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله عَّةٍ وزوجته أم حبيبة بنت أبي
سفين، فبارك الله لرسوله عَّله فيها. ودفع الدنانير إلى خالد بن سعيد بن العاص
فقبضها، ثم أرادوا أن يقوموا فقال: اجلسوا فإن سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل
طعام على التزويج، فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا. خرجه صاحب الصفوة كما قاله
الطبري. وكان ذلك سنة سبع من الهجرة.
قال أبو عمر: واختلف فيمن زوجها، فروي أنه سعيد بن العاصي،
النبي عَّه به في ذلك انتهى، وعند ابن أبي خيثمة عن أم حبيبة وما بعث إليه عَّ ◌ُلّ بشيء، (ثم
سكب الدنانير بين يدي القوم، فتكلم خالد بن سعيد، فقال: الحمد لله، أحمده واستعينه،
وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله
بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، أما بعد فقد أجبت إلى ما
دعا إليه رسول اللَّه عٍَّ وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفين، فبارك اللَّه لرسول اللَّه عَّ فيها،
ودفع) النجاشي (الدنانير إلى خالد بن سعيد بن العاصي فقبضها، ثم أرادوا أن يقوموا).
وفي رواية أراد بالإفراد، أي هو ومن معه، وخصه بالإرادة، لأنه لما كان أمر العقد منوطًا
به، وثم أراد الانصراف لانتهاء الحاجة، (فقال: اجلسوا فإن سنة الأنبياء،) طريقتهم وسيرتهم
الحميدة، (إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج، فدعا بطعام، فأكلوا، ثم تفرقوا).
زاد ابن سعد قالت أم حبيبة: فلما وصل إلى المال أعطيت أبرهة منه خمسين دينارًا، فردتها
علي، وردت على ما كنت أعطيتها أولاً، وقالت: إن الملك عزم علي بذلك، ثم جاءتني من الغد
بعود، وورس، وعنبر وزباد كثير، فقدمت به معي على رسول اللَّه عَ لَّه.
(خرجه صاحب الصفوة) ابن الجوزي، (كما قاله الطبري) الحافظ محب الدين، وأخرجه
ابن سعد بأبسط منه، كما علم، (وكان ذلك في سنة سبع من الهجرة،) كما رواه ابن سعد،
وقيل سنة ست، والأول أشهر، كما في الإصابة، بل في العيون أن الثاني ليس بشيء، كما مر،
وعلى فرض ثبوته يحتمل أن البعث سنة ست، والعقد سنة سبع، فلا منافاة بينهما.
(قال أبو عمر) بن عبد البر، (واختلف فيمن زوجها، فروي أنه سعيد بن العاصي) أخو
خالد، كما في الإصابة، فنسب لجده، وفيه نظر، فقد ذكر ابن شاهين أن إسلامه كان قبل الفتح

٤٠٧
أم حبيبة أم المؤمنين
وروي عثمن بن عفان وهي ابنة عمته. وذكره البيهقي أن الذي زوجها خالد بن
سعيد بن العاصي وهو ابن عم أبيها، لكن إن صح التاريخ المذكور فلا يصح أن
يكون عثمن هو الذي زوجها، فإنه كان مقدمه من الحبشة قبل وقعة بدر في السنة
الثانية من الهجرة.
وكان أبو سفين أبوها حال نكاحها بمكة مشركًا محاربًا لرسول الله عَلـ
بيسير، كما نقله في الإصابة، فلم يكن من مهاجرة الحبشة.
(وروي) عند الطبراني عن الزهري: (عثمن بن عفان، وهي ابنة عمته،) لأن أمها صفية
أخت عفان لأمه وأبيه، (وذكر البيهقي،) وهو الذي رواه ابن سعد عنها، (إن الذي زوجها
خالد بن سعيد بن العاصي،) وبه جزم ابن القيم.
قال اليعمري: وهو أثبت انتهى، (وهو ابن ابن عم أبيها)، لأن العاصي ابن أمية
وأبو سفين بن حرب بن أمية، وقيل عقد عليها النجاشي، وكان قد أسلم، حكاه اليعمري وغيره
وفيه نظر، لأنه وكيل عنه عَِّ فهو الذي قبل له.
قال الشامي: ويحتمل أن يكون النجاشي هو الخاطب والعاقد، أما عثمن أو خالد على ما
تضمنه الحديث، (لكن إن صح التاريخ المذكور) من القولين في وقته، (فلا يصح أن يكون
عثمن هو الذي زوجها، فإنه كان مقدمه من الحبشة قبل وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة،)
وأما سعيد أو خالد، فكلاهما محتمل على ما يعطيه ظاهر المصنف، وقد علمت ما في سعيد من
نظر، (وكان أبو سفين أبوها حال نكاحها بمكة، مشركًا، محاربا لرسول عَّله)) فقيل له: إن
محمدًا قد نكح ابنتك، فقال: هو الفحل لا يقدع أنفه.
رواه أبو سعد وغيره، وهو بضم التحتية، وسكون القاف، وفتح الدال وبالعين المهملتين.
قال الجوهري: أي لا يضرب أنفه، وذلك إذا كان كريمًا، وليس ذكره مجرد فائدة لا تعلق
لها بالتزويج، بل لرد القول بأن أباها هو الذي زوجها عملاً بما في مسلم من طريق عكرمة بن
عمار، عن أبي زميل، عن ابن عباس: أن أبا سفين قال للنبي عَِّ: أسألك ثلاثًا، فأعطاه إياهن
الحديث، وفيه عندي أجمل العرب أم حبيبة، أزوجك إياها، فقيل: الصحيح أنه تزوجها بعد الفتح
لهذا الحديث، ولا يرد بنقل المؤرخين، وهذه طريقة باطلة عند أدنى من له علم بالسير والتواريخ،
وما قد كان، وقيل هو غلط لا خفاء به.
قال ابن حزم: هو موضوع بلا شك كذبه عكرمة بن عمار، وقال ابن الجوزي: فيه وهم
من بعض الرواة لا شك فيه ولا تردد، اتهموا به عكرمة للإجماع على أنه عَّ له تزوجها وهي

٤٠٨
أم حبيبة أم المؤمنين
وقد قيل إن عقد النكاح عليها كان بالمدينة بعد رجوعها من أرض الحبشة
بالحبشة، وإن أباها جاء زمن الهدنة، فدخل عليها، فثنت فراشه عٍَّ حتى لا يجلس عليه، وتبعه
على ذلك جماعة آخرهم أبو الحسن بن الأثير في أسد الغابة، وتعقب بالقول بأنه تزوجها
بالمدينة، كما يأتي، نعم لا خلاف أنه دخل عليها قبل إسلام أبي سفين، وأنكر ابن الصلاح هذا
على ابن حزم، وبالغ في الشناعة عليه، وقال: لا نعلم أحدًا من أئمة الحديث نسب عكرمة إلى
الوضع، وقد وثقه وكيع وابن معين وغيرهما، وقالت طائفة: بل سأله أن يجدد العقد تطييبًا لقلبه،
فإنه كان تزوجها بغير اختياره، وخفي عليه صحة العقد بغير رضاه في تلك الحالة.
قال بعض الحفاط: وهذا أيضًا باطل لا يظن به عَّله، ولا يعقل أبي سفين، ولم يكن شيء
من ذلك، وقالت طائفة، منهم البيهقي والمنذر: يحتمل أن هذه المسألة وقعت من أبي سفين في
بعض خرجاته إلى المدينة، وهو كافر حين سمع نعي زوج بنته بالحبشة والتعسف والتكلف الذي
في هذا الكلام يغني عن رده، وقالت طائفة: للحديث محمل صحيح، وهو أن المعنى أرضى
الآن أن تكون زوجك، فإني لم أكن قبل ذلك راضيًا به، وهذا من زبد الصدور، لا من زبدها،
وقيل لما سمع أبو سفين أنه عَِّ طلق نساءه حين حلف لا يدخل عليهن شهرًا، قدم المدينة،
وقال ذلك ظنًا منه أنه طلقها، وهذا من جنس ما قبله، وقالت طائفة: الحديث صحيح، لكن
الغلط والوهم من أحد رواته في تسمية أم حبيبة، وإنما سأله أن يزوجه أختها عزة وخفاء التحريم
عليه غير مستبعد، فقد خفي على ابنته وهي أفقه منه، واعلم حيث قالت له عَِّ هل لك في
أختي، فهذه التي عرضها أبو سفين، فسماها الراوي من عنده أم حبيبة وهما، وقيل كانت كنيتها
أيضًا أم حبيبة، وهذا جواب حسن لولا قوله، فأعطاه ما سأل فيقال حينئذٍ هذه اللفظة من الراوي،
وإنما أعطاه بعض ما سأل أو أطلق اتكالاً على فهم المخاطب أنه أعطاه ما يجوز إعطاؤه مما
سأل.
وقال المنذري أيضًا: ظن أبو سفين بإسلامه تجدد ولايته عليها، فأراد تجديد العقد يوم
ذلك لا غير، قال اليعمري: وهذا جواب يتساوك هزلاً انتهى، بضم الهاء مفعول له، أي يتمايل
لأجل الضعف والهزل، وقد ظهر لي الجواب، بأن المعنى يديم التزويج ولا يطلق، كما فعل
بغيرها، ولا ينافيه قوله عندي، لأن الإضافة لأدنى ملابسة، ولا بأس به فإنه قريب.
(وقد قيل إن عقد النكاح عليها كان بالمدينة بعد رجوعها من أرض الحبشة،) وعمل له
عثمن وليمة لحم.
روي ذلك عن قتادة والزهري، وهو يرد دعوى ابن حزم وغيره الإجماع على أنه إنما تزوجها

٤٠٩
زينب بنت جحش أم المؤمنين
والمشهور الأول.
وماتت بالمدينة سنة أربع وأربعين وقيل: سنة اثنتين وأربعين.
[زينت بنت جحش أم المؤمنين]
وأما أم المؤمنين زينت بنت جحش - وأمها أميمة بنت عبد المطلب بن
هاشم -
وهي بالحبشة، ويحمل على أن عثمن جدد له العقد بعد قدومها، كذا في الإصابة، (والمشهور
الأول،) ولشهرته حكى عليه غير واحد الإجماع، وقضوا بالوهم على ما في الصحيح، كما رأيت.
وفي الإصابة: قيل نزل في ذلك عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة،
وهذا بعيد انتهى.
وفي الروض قال مجاهد في الآية: هي مصاهرة النبي عَّةٍ لأبي سفين، وروى
ابن أبي خيثمة، والزبير بن بكار بإسناد يرفعه إلى من سمع النبي عَله، يمازح أبا سفين في بيت
أم حبيبة، وأبو سفين يقول له: تركتك، فتركتك العرب، ولم ينتطح بعدها جماء، ولا قرناء،
وهو مَّه يضحك ويقول: أنت تقول هذا يا أبا حنظلة؟ (وماتت بالمدينة سنة أربع وأربعين،) جزم
به ابن سعد وأبو عبيد، ورجحه البلاذري، (وقيل سنة اثنتين وأربعين،) قاله ابن حبان، وابن قائع،
وابن منده.
وقال ابن أبي خيثمة: سنة تسع وخمسين، قال في الإصابة: وهو بعيد، وقال في النور: هو
غريب ضعيف، قيل قبرت بدمشق، والصحيح بالمدينة انتهى، وقيل مات سنة خمسين، وقيل سنة
خمس وخمسين، وأخرج ابن سعد، عن عائشة: دعتني أم حبيبة عند موتها، فقالت: قد كان
يكون بينناً ما يكون بين الضرائر، فحلليني من ذلك، فحللتها، واستغفرت لي، واستغفرت لها،
فقالت لي: سررتني سرك اللَّه، وأرسلت إلى أم سلمة بمثل ذلك، روت أم حبيبة عنه عَّله عدة
أحاديث في الكتب الستة، وعن ضرتها زينب بنت جحش، وعنها بنتها حبيبة وأخواها معوية،
وعتبة وابن عبد اللَّه، وأبو سفين بن سعيد بن المغيرة الثقفي، وهو ابن أختها ومولياها سالم،
وأبو الجراحِ، وصفية بنت شيبة، وزينب بنت أم سلمة، وعروة بن الزبير، وأبو صالح السمان،
وآخرون والله أعلم.
زينب بنت جحش أم المؤمنين
(وأما أم المؤمنين زينب بنت جحش) الأسدية، تقدم نسب أبيها (وأمها أميمة) بالتصغير
(بنت عبد المطلب بن هاشم) عمته عَّله، المختلف في إسلامها، وأثبته ابن سعد، وقال:

٤١٠
زينب بنت جحش أم المؤمنين
فكان رسول الله عَّله زوجها من زيد بن حارثة، فمكثت عنده مدة ثم طلقها - كما
سيأتي إن شاء الله تعالى في الخصائص - فلما انقضت عدتها منه قال
رسول الله عَّ لزيد بن حارثة اذهب فاذكرني لها، قال: فذهبت إليها، فجعلت
ظهري إلى الباب فقلت يا زينب بعث رسول الله عَّهُ يذكرك، فقالت: ما كنت
لأحدث شيئًا حتى أوامر ربي عز وجل، فقامت إلى مسجد لها، فأنزل الله تعالى:
﴿فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها﴾ [الأحزاب/ ٣٧]
اطعمها عَِّ أربعين وسقا من خيبر، فعليه كانت موجودة لما تزوج بنتها، (فكان رسول اللَّه عَّ.
زوجها من) حبه، ومولاه (زيد بن حارثة،) باشر تزويجها له، لأن من خصائصه أن يزوج من شاء
ممن شاء، أو سعی له في ذلك.
وقد روى الطبراني بسند صحيح، عن قتادة وابن جرير، عن ابن عباس قالا: خطب
النبي عَّ زينب، وهو يريدها لزيد، فظنت أنه يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد أبت
واستنكفت، وقالت: أنا خير منه حبسًا، فأنزل اللَّه ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة﴾ كلها،
فرضيت، وسلمت، (فمكثت عنده مدة،) وألقى اللَّه في قلبه كراهتها، فجاء يشكوها إليه عَّه،
فقال له: أمسك عليك زوجك، واتق اللَّه، فنزلت ﴿وتخفي في نفسك ما اللَّه مبديه﴾
[الأحزاب: ٣٧]، أي علمك بالوحي بأنه سيطلقها، وأنك تتزوجها، كما قاله علي بن الحسين
والزهري وغيرهما، وعليه أهل التحقيق، (ثم طلقها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في
الخصائص،) لكراهته لها، لتعاظمها عليه بشرفها، لا لرغبة المصطفى في نكاحها، كما زعمه من
وهم، (فلما انقضت عدتها منه قال رسول اللَّه عَ لّه لزيد بن حارثة،) إظهارًا لمزيد حبه له وقوة
إيمانه، حيث اطمأنت نفسه إلى خطبة من فارقها له عليه السلام.
قال البيضاوي: وذلك ابتلاء عظيم، وشاهد بين على قوة إيمانه، (اذهب فاذكرني لها،)
ويروى أنه قال له ما أجد في نفسي أوثق منك، فاخطب زينب علي.
(قال: فذهبت إليها، فجعلت ظهري إلى الباب،) من مزيد ورعه حتى لا يراها، وإلا فهو
كان قبل زوال الحجاب، (فقلت: يا زينب بعث رسول اللَّه عَ ◌ّه يذكرك) يخطبك، (فقالت: ما
كنت لأحدث شيئًا حتى أوامر،) بضم الهمزة، وفتح الواو، أو بهمزتين مضارع آمر، أي أستخير
(ربي عز وجل، فقامت إلى مسجد لها فأنزل الله) تعالى على رسوله (﴿فلما قضى زيد منها
وطرًا زوجناكها﴾)، أي جعلناها لك زوجة بلا واسطة، عقد على الصواب الذي لا يجوز
غيره، فإنها كانت تفخر بأن الله هو الذي زوجها، وقال ابن إسحق زوجها أخوها أبو أحمد
يمكن تأويله؛ بأنه لما رآه أتى منزلها، رضيه وفرح به، إذ لا كلام له ولا لغيره مع اللّه،

٤١١
زينب بنت جحش أم المؤمنين
فجاء رسول الله عَّ فدخل عليها بغير إذن. أخرجه مسلم.
وقال المنافقون: حرم محمد نساء الولد، وقد تزوج امرأة ابنه، فأنزل الله
تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾ [الأحزاب/: ٤٠] الآية.
وكانت زينب تفخر على أزواج النبي عَّة. تقول: زوجكن آباؤكن، وزوجني
الله من فوق سبع سموات،
(فجاء رسول اللّه عَّةِ، فدخل عليها بغير إذن).
(أخرجه مسلم)، وأحمد، والنسائي من حديث أنس قال: لما انقضت عدة زينب، فذكره،
وعند ابن سعد بسند مرسل بينا رسول اللَّه عَ لِ يتحدث عند عائشة إذ أخذته عشبة فسري عنه.
وهو يتبسم ويقول: من يذهب إلى زينب فيبشرها وتلا ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه﴾
[الأحزاب: ٣٧]، قالت عائشة: فأخذني ما قرب وما بعد لها يبلغنا من جمالها، وأخرى هي
أعظم وأشرف ما صنعٍ لها زوجها اللَّه من السماء، وعنده بسند ضعيف، عن ابن عباس لما أخبرت
زينب بتزويج رسول اللَّه عَ له لها سجدت، (وقال المنافقون: حرم محمد نساء الولد، وقد تزوج
امرأة ابنه،) لأنه كان تبناه، (فأنزل اللَّه تعالى ﴿ما كان محمد أبا أحدٍ من رجالكم﴾
[الأحزاب: ٤٠ ] الآية).
قال ابن عطية اذهب اللَّه سبحانه بهذه الآية ما وقع في نفوس منافقين وغيرهم من تزوجه
زوجة دعيه، فنفى تلك البنوة، واعلم أنه في حقيقة أمره لم يكن أبا أحد من المعاصرين له، ولم
يقصد بالآية أنه عَّه لم يكن له ولد، فيحتاج في أمر بنيه؛ أنهم كانوا ماتوا، ولا في أمر الحسن
والحسين؛ بأنهما ابنا بنته، ومن قال ذلك تأول معنى البنوّة على غير ما قصد بها انتهى، وهو
حسن نفيس، وقد صرح بأن القول ليس من المنافقين فقط، وأخرج الترمذي عن عائشة لما
تزوج ◌َّله زينب، قالوا: تزوج حليلة ابنه، فنزل ما كان محمد، الآية، (وكانت زينب تفخر) بفتح
المعجمة، وفي نسخة تفتخر (على أزواج النبي عَّه، تقول: زوجكن آباؤكن، وزوجتي اللَّه من
فوق سبع سموات).
(رواه الترمذي وصححه) من حديث أنس، وفي رواية غيره أنها كانت تقول: إن آباء كن
أنكحوكن، وإن اللّه أنكحني إياه من فوق الخ ... ، وليس هذا من الفخر المنهى عنه، بل من
التحدث بالنعمة، وقد سمعها عَّ وأقرها، فروى ابن سعد عن عبد الواحد بن أبي عون، قالت
زينب: يا رسول اللَّه إني والله ما أنا كأحدٍ من نسائك، ليس امرأة من نسائك إلا زوَّجها أبوها، أو
أخوها، أو أهلها غيري زوجنيك اللَّه من السماء، وعن الشعبي كانت زينب تقول لرسول اللَّه عَل:

٤١٢
زينب بنت جحش أم المؤمنين
رواه الترمذي وصححه.
وكان اسمها ((برة)) فسماها النبي عێ﴾ زينب.
وعن أنس: لما تزوج عية زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا
يتحدثون، فإذا هو عَّه كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام وقام من
قام، وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي عَّه ليدخل فإذا القوم جلوس،
لأني لأُدل عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تدل بهن، إِن جدي وجدك واحد، وإن اللَّه أنكحك
إياي من السماء، وإن الساعي في ذلك جبريل تريد عبد المطلب، لأنه أبو أمها فهو نحو رواية أنا
بنت عمتك، (وكان اسمها برة،) بفتح الموحدة، والراء المشددة، كما في النور، أما أبوها
جحش، فكان اسمه برة بضم الموحدة، كما في التبصير والروض، (فسماها النبي عَّةِ زينب)
لما دخلت عليه.
ذكره ابن عبد البر، أي كراهة أن يقال خرج من عند برة، أو ما هنا برة مثلاً لحبه الفال
الحسن، لا لأنها كانت تز کي نفسها، كما زعم لأنه سوء ظن.
(و) روى البخاري ومسلم، (عن أنس لما تزوج عَّ زينب بنت جحش دعا القوم،
فطعموا) الخبز واللحم، كما في الرواية، وفي الصحيح أيضًا ما رأيت النبي عَّ أولم على أحد
من نسائه ما أولم على زينب بنت جحش. أولم عليها بشاة، أي شكر اللَّه حيث زوجه إياها
بالوحي، كما قال الكرماني أو وقع اتفاقًا لا قصدًا، كما قال ابن بطال أو لبيان الجواز، كما قال
غيرهما، وفي الصحيح أيضًا بنى بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فأرسلت داعيًا، فيجيء قوم،
فيأكلون ويخرجون، ثم قوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتى ما أجد أحدًا، قلت يا نبي الله ما
أجد أحدًا أدعوه، قال: ((ارفعوا طعامكم))، (ثم جلسوا يتحدثون،) فأطالوا الجلوس، (فإذا هو عَّه،
كأنه يتهيأ للقيام) ليتفطنوا لمراده، فيقوموا القيامة، (فلم يقوموا،) وكان يستحيي أن يقول لهم
قوموا، (فلما رأى ذلك قام) لكي يقوموا ويخرجوا، (وقام من قام، وقعد ثلاثة نفر) لم يسموا،
والإضافة بيانية، أي ثلاثة هم نفر لا حقيقية، وإلا لكان المعنى أنهم تسعة، أو أكثر إذ أقل النفر
ثلاثة وليس بمراد، وفي رواية للبخاري رجلان، وأجاب الكرماني بأن مفهوم العدد لا اعتبار له، أو
المحادثة كانت بينهما، والثالث ساكت، وقال الحافظ: كأن أحد الثلاثة فطن لمراد الرسول،
فخرج وبقي الاثنان، (فجاء النبي ◌َّهِ ليدخل) على زينب، (فإذا القوم جلوس) في بيتها، فرجع
زاد في رواية أخرى في الصحيح، فانطلق إلى حجرة عائشة، فقال: السلام عليكم أهل البيت
ورحمة الله، فقالت: وعليك السلام ورحمة اللَّه، كيف وجدت أهلك يا رسول اللَّه، وبعض حجر

٤١٣
زينب بنت جحش أم المؤمنين
ثم إنهم قاموا، فانطلقت فجئت فأخبرت النبي عَ لّ أنهم قد انطلقوا. فجاء عَّة.
حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها
الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي﴾ [الأحزاب/٥٣] الآية.
.....
وكان تزويجها له عَّ في سنة خمس من الهجرة، وقيل سنة ثلاث.
نسائه يقول لهن، كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت، (ثم إنهم قاموا،) فخرجوا، (فانطلقت،
فجئت فأخبرت النبي عَّه أنهم قد انطلقوا، فجاء) عَّهِ (حتى دخل، فذهبت أدخل، فألقى
الحجاب،) أي الستر (بيني وبينه، فأنزل اللَّه تعالى) بعد خروج القوم (﴿يا أيها الذين آمنوا لا
تدخلوا بيوت النبي﴾ الآية)، إلى قوله عظيمًا.
وفي البخاري عن أنس أيضًا: أنا أعلم الناس بآية الحجاب لما أهديت زينب بنت جحش
إلى رسول اللّه كانت معه في البيت، فدعا القوم فذكر نحوه، وروى البخاري أيضًا عن أنس، قال
عمر: قلت: يا رسول اللَّه، ياخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب،
فأنزل الله آية الحجاب.
وأخرج الطبراني بسند صحيح عن عائشة: كنت آكل مع النبي عَّله في قعب، فمر عمر،
فدعاه، فأكل، فأصاب أصبعه، فقال: أوه لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، فنزلت آية الحجاب.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس: دخل رجل على النبي عَّه، فأطال الجلوس،
فخرج عَُّلِ ثلاث مرات ليخرج فلم يفعل، فدخل عمر فرأى الكراهية في وجهه، فقال عمر لعلك
آذيت النبي عَّهِ، فقال عَّه: لقد قمت ثلاثًا لكي يتبعني، فلم يفعل، فقال عمر: يا رسول اللَّه لو
اتخذت حجابًا فإن نساءك لسن كسائر النساء، وذلك أطهر لقولهم، فنزلت آية الحجاب.
قال الحافظ يمكن الجمع بأن ذلك وقع قبيل قصة زينب فلقربه منها أطلق نزول آية
الحجاب بهذا السبب ولا مانع من تعدد الأسباب انتهى. (وكان تزويجها له عَّ في سنة خمس
من الهجرة،) كلامه صريح في ترجيحه ولم أجده، (وقيل سنة ثلاث) ذكره ابن أبي خيثمة عن
أبي عبيدة، وصدر به في الإصابة والسبل، وقيل سنة أربع وقدمه في العيون، قالت أم سلمة كانت
زينب معجبة لرسول الله، وكان يستكثر منها، وكانت صالحة صوامه قوامه صنعاء تصدق بذلك
كله على المساكين، رواه ابن سعد، وقالت عائشة، وهي التي كانت تساميني من أزواج
النبي صَّهِ، كما في الصحيح، أي تضاهيني وتفاخرني بجمالها ومكانتها عنده عليه السلام.
وعن راشد بن سعد قال: دخل علِّ منزله ومعه عمر، فإذا هو بزينب تصلي، وهي تدعو
في صلاتها، فقال عَّهِ: إنها لأوّهة، رواه الطبراني، وعن ميمونة كان عَّم يقسم ما أفاء الله على
رهط من المهاجرين، فتكلمت زينب بنت جحش، فانتهرها عمر، فقال عٍَّ: خل عنها يا عمر

٤١٤
زينب بنت جحش أم المؤمنين
وهي أول من مات من أزواجه بعده. وقالت عائشة في شأنها: ولم تكن امرأة خيرًا
منها في الدين، وأتقى الله وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة
فإنها أوّاهة، فقال رجل: يا رسول اللَّه ما الأوَّاه، قال: الخاشع المتضرع، وإن إبراهيم لحليم أوَّاه،
منيب، رواه ابن عبد البر وغيره، وتفسيره عَّ له لا معدل عنه، فمن فسره بكثير التأوّه والتأسف على
الناس من ذنوبهم، فقد فسره باللازم، وفي حديث الإفك قالت عائشة: وكان عٍَّ يسأل زينب
عن أمري، فقال: ماذا علمت أو رأيت، فقالت: يا رسول اللَّه أحمي سمعي وبصري، واللَّه ما
علمت إلا خيرًا، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي عَّةِ، فعصمها اللَّه
بالورع، (وهي أول من مات من أزواجه بعده).
روى الشيخان واللفظ لمسلم عن عائشة، قالت: قال رسول اللَّه عَّه أسرعكن لحاقًا بي،
أطولكن يدًا، فكن يتطاولن أيهن أطول يدًا، قالت: وكانت أطولنا يدًا زينب، لأنها كانت تعمل
بیدیھا وتتصدق.
وفي رواية قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاته عَِّ نمد أيدينا في
الجدار، نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة، ولم
تكن بأطولنا، فعرفنا حينئذٍ أنه عَّه إنما أراد طول اليد بالصدقة، وكانت زينب صناع الیدین،
فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق به في سبيل اللَّه، وصناع بفتح الصاد المهملة، أي لها صنعة
تعملها بيديها، (وقالت عائشة في شأنها:) كانت زينب هي التي تساميني من أزواج النبي عليه.
في المنزلة عنده، (ولم تكن امرأة،) وفي رواية: وما رأيت امرأة قط (خيرًا منها في الدين،) فعلى
الرواية الثانية تحمل الأولى، فلا ترد خديجة، لأنها لم ترها، وعائشة، لأنها لا تزكي نفسها في
مقام الثناء على غيرها، وإن ذكرت فضائلها تحدثًا بالنعمة، كما مر في ترجمتها، ثم المراد من
أمهات المؤمنين، فلا ترد السيدة فاطمة، فإن عائشة نفسها صح عنها قولها: ما رأيت أحدًا قط
أفضل من فاطمة غير أبيها، كما مر، (وأتقى للَّه وأصدق حديثًا،) ومن ذلك حلفها في حديث
الإفك بأنها ما علمت إلا خيرًا مع كونها ضرتها، وعلمها بأنها أحب إليه منها، فلم تأخذها الغيرة
على السكوت وعلى الإخبار بنفي العلم فقط، بل حصرت العلم في الخير، ثم لم تكتف بذلك
حتى أقسمت عليه قبل ذكره، (وأوصل للرحم وأعظم صدقة).
روى ابن سعد وابن الجوزي عن برزة بنت رافع قالت: لما خرج العطاء أرسل عمر إلى
زينب بنت جحش بالذي لها، فلما أدخل عليها، قالت: غفر اللَّه لعمر غيري من إخواني كان
أقوى على قسم هذا مني، قالوا: هذا كله لك، قالت: سبحان اللَّه، واستترت منه بثوب، وقالت:
صبوه واطرحوا عليه ثوبًا، ثم قالت أدخلي يدك واقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى بني فلان،

٤١٥
زينب بنت جحش أم المؤمنين
وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تتصدق به يقرب إلى الله. رواه مسلم.
وماتت بالمدينة سنة عشرين، وقيل إحدى وعشرين، ولها ثلاث وخمسون
سنة، وصلّى عليها عمر بن الخطاب، وهي أول من جعل على جنازتها نعش.
وبني فلان من أهل رحمها، وأيتامها، ففرقته حتى بقيت منه بقية تحت الثوب، فقالت لها برزة:
غفر اللَّه لك يا أم المؤمنين، والله لقد كان لنا في هذا حق، قالت: فلكم ما تحت الثوب، فوجدنا
تحته خمسة وثمانين درهمًا، ثم رفعت يدها إلى السماء، فقالت: اللهم لا يدركني عطاء عمر
بعد عامي هذا، فماتت، وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب، كان عطاء زينب اثني عشر ألفًا،
لم تأخذه إلا عامًا واحدًا، فجعلت تقول: اللهم لا يدركني هذا المال قابل، فإنه فتنة، ثم قسمته
في أهل رحمها في أهل الحاجة، فبلغ عمر، فقال: هذه امرأة يراد بها خير، فوقف عليها وأرسل
بالسلام، وقال: بلغني ما فرقت، فأرسل بألف درهم تستبقيها، فسلكت به ذلك المسلك، (وأشد
ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تتصدق به، ويقرب إلى اللَّه))) ومر قريبًا قول عائشة في الصحيح:
كانت تدبغ وتخرز وتتصدق به في سبيل الله، (رواه مسلم،) وأوله فيه: كانت زينب، كما
ذكرته، وروى ابن سعد، عن القسم بن محمد، قالت زينب: حين حضرتها الوفاة أني قد أعددت
كفني، وإن عمر سيبعث إلي بكفن، فتصدقوا بأحدهما، وإن استطعتم أن تتصدقوا بحقوي
فافعلوا، (وماتت بالمدينة سنة عشرين،) جزم به الواقدي وابن إسحق، (وقيل سنة إحدى
وعشرين،) حكاه اليعمري وغيره، (ولها ثلاث وخمسون سنة).
وفي الإصابة قال الواقدي: تزوجها عَّله وهي بنت خمس وثلاثين سنة، وماتت سنة
عشرين، وهي بنت خمسين، ونقل عن عمر ابن عثمن الحجبي؛ أنها عاشت ثلاثًا وخمسين
انتھی.
وروى ابن سعد عن عمرة أن عمر بعث بخمسة أثواب، فكفنت فيها، وتصدقت عنها
أختها حمنة بكفنها الذي كانت أعدته، قالت عمرة: فسمعت عائشة تقول: لقد ذهبت حميدة
سعيدة مفزع اليتامى والأرامل، (وصلى عليها عمر بن الخطاب) روى البزار برجال ثقات، عن
الشعبي، عن عبد الرحمن بن أبزي؛ أنه صلى مع عمر على زينب، فكبر أربع تكبيرات، وكانت
أول نساء النبي عَّهِ موتًا، وكان يعجب عمر أن يدخلها قبرها، فأرسل إلى أزواجه عدّله من
يدخل هذه قبرها، فقلن من كان يدخل عليها في حياتها، (وهي أول من جعل على جنازتها
نعش،) أي من الأزواج، وأما الأولية الحقيقية، فالسيدة فاطمة، كما قدمه عن ابن عبد البر، حيث
قال: فاطمة أول من غطی نعشها، ثم زینب بعدها.

٤١٦
زينب أُم المساكين والمؤمنين
[زينب أم المساكين والمؤمنين]
وأما أم المؤمنين زينب بنت خزيمة بن الحرث الهلالية، وكانت تدعى في
الجاهلية أم المساكين لإطعامها إياهم، فكانت تحت عبد الله بن جحش في قول
ابن شهاب، قتل عنها يوم أحد فتزوجها رسول الله عَ ليه سنة ثلاث، ولم تلبث عنده
إلّ شهرين أو ثلاثة وتوفيت في حياته عَّه، وقيل مكثت عنده ثمانية أشهر، ذكره
الفضائلي.
وقیل
روت زينب عنه عَّه في الكتب الستة أحاديث، وعنها ابن أخيها محمد بن عبد الله بن
جحش، وأم حبيبة بنت أبي سفين، وزينب بنت أبي سلمة، وهم صحابة، وكلثوم بن المصطلق،
ومذكور مولاها وغيرهم والله أعلم.
زينب أُم المساكين والمؤمنين
(وأما أُم المؤمنين زينب بنت خزيمة بن الحرث) بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن
هلال بن عامر بن صعصعة بن بكر بن هوازن (الهلالية،) نسبة إلى جدها هلال المذكور، فهي
قريبة ميمونة، تجتمع معها في هلال، ولم يذكروا أمها إلاَّ أن علي بن عبد العزيز الجرجاني
النسابة ذكر أنها أخت ميمونة لأمها، فتكون أمها هند بنت عوف.
لكن قال ابن عبد البر: لم أر ذلك لغيره، وأقره اليعمري هنا، وحكاه في ميمونة عن
بعضهم، ولم يتعقبهم اتكالاً على ما قدمه، (وكانت تدعى في الجاهلية أم المساكين لإطعامها
إياهم).
قال الزهري: سميت بذلك لكثرة إطعامها المساكين رواه الطبراني، وقال ابن إسحق
لرحمتها إياهم ورقتها عليهم، ولم يقيداه بالجاهلية، وكذا في الإصابة والعيون، لكن ذكره ابن
أبي خيثمة، أي وأولى في الإسلام، (فكانت تحت عبد اللّه بن جحش في قول ابن شهاب قتل
عنها يوم أحد، فتزوجها رسول اللَّه عَّ. سنة ثلاث،) كذا حكاه أبو عمر عن الزهري، ورواه عنه
ابن أبي خيثمة، ولعلها كانت حاملاً منه، فأسقطت بعد موته، فانقضت عدتها في السنة
المذكورة، وهذا متعين، وإن لم يذكروه، إذ وقعة أحد كانت في شؤَّال سنة ثلاث باتفاق، فلا
يمكن انقضاء عدتها بالأشهر في السنة المذكورة، (ولم تلبث عنده إلاَّ شهرين أو ثلاثة، وتوفيت
في حياته عَّه، وقيل مكثت عنده ثمانية أشهر، ذكره الفضائلي،) (وقيل) قائله قتادة بن دعامة
رواه ابن أبي خيثمة.

٤١٧
زينب أُم المساكين والمؤمنين
كانت قبله عليه الصلاة والسلام تحت الطفيل بن الحرث، ثم خلف عليها أخوه
عبيدة بن الحارث، وقتل عنها يوم أحد شهيدًا، فخلف عليها رسول الله عَّهِ، والأول
أصح.
وتوفيت في ربيع الآخر سنة أربع ودفنت بالبقيع، على الطريق، قال الطبري:
كذا ذكره الفضائلي، وإنما يكون هذا على ما حكاه من أنها مكثت عنده، عليه
الصلاة والسلام ثمانية أشهر،
(كانت قبله عليه الصلاة والسلام تحت الطفيل بن الحرث) بن المطلب بن عبد مناف
القرشي، المطلبي.
ذكره ابن عقبة وابن إسحق في البدريين، وقال أبو عمر: شهد أحدًا وما بعدها، ومات سنة
إحدى أو اثنتين أو ثلاث وثلاثين انتهى، وبهذا جزم ابن الكلبي، وزاد فطلقها، (ثم خلف عليها
أخوه عبيدة بن الحرث) المطلبي، (وقتل عنها يوم أحد،) سبق قلم صوابه بدر (شهيدًا) في
المبارزة، كما مر تفصيله، وقال ابن إسحق: كانت أولاً عند ابن عمها جهنم بن عمرو بن الحرث،
ثم بعده عند عبيدة، فاستشهد، (فخلف عليها رسول اللّه عَ ظله) في شهر رمضان سنة ثلاث.
هذا بقية قول ابن الكلبي، (والأول أصح،) وهو كونها كانت تحت عبد الله بن جحش.
قال ابن إسحق: زوجه إياها قبيصة بن عمر والهلالي، وأصدقها أربعمائة درهم وفي العيون
اثنتي عشرة أوقية ونشا أي نصف أوقية. وقال ابن الكلبي خطبها عَّهِ إلى نفسها، فجعلت أمرها
إليه فتزوجها، وهذا ذكره ابن سعد بسند منقطع عن أم سلمة، وأخرج ابن سعد في ترجمة زينب
هذه عن عطاء بن يسار عن الهلالية التي كانت عند النبي ◌َّةٍ أنها كانت لها خادم سوداء،
فقالت: يا رسول اللَّه أردت أن أعتق هذه، فقال لها: ألا تفيدين بها بني أخيك أو بني أختك من
رعاية الغنم؟ قال في الإصابة: وهذا خطأ، فإن صاحبة هذه القصة هي ميمونة بنت الحرث، وهي
هلالية، وفي الصحيح نحو هذا من حديثها، وقد ذكر ابن سعد نحوه في ترجمة ميمونة من وجه
آخر، وأورد ابن منده في ترجمتها حديث أولكن لحوقًا بي أطولكن يدًا، وتعقبه ابن الأثير وغيره،
بأن المراد بها زينب بنت جحش، لأن المراد بلحوقهن به موتهن بعده، وهذه ماتت في حياته،
وهو تعقب قوي انتهى، (وتوفيت) وهي ابنة ثلاثين سنة، كما ذكره الواقدي (في ربيع الآخر
سنة أربع ودفنت،) وفي العيون، وصلى عليها عَّله، ودفنها (بالبقيع على الطريق).
(قال) المحب (الطبري، كذا ذكره الفضائلي: وإنما يكون هذا على ما حكاه،) هو (من
أنها مكثت عنده عليه الصلاة والسلام ثمانية أشهر،) وأنه تزوجها في رمضان.

٤١٨
ميمونة أم المؤهنين
أما على ما حكاه أبو عمر فلا يصح، إذ العقد كان في سنة ثلاث، ومدتها عنده
عَّهِ شهران أو ثلاثة فلا يصح أن تكون وفاتها في ربيع الآخر، انتهى، فليتأمل.
[ميمونة أم المؤمنين]
وأما أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها بنت الحرث الهلالية - وأمها هند
بنت عوف بن زهير بن الحرث بن حماطة بن حمير - فتزوجها رسول الله عَ ◌ّهم لما
كان بمكة معتمرًا سنة سبع بعد غزوة خيبر،
(أما على ما حكاه أبو عمر) بن عبد البر، (فلا يصح إذ العقد كان في سنة ثلاث) بعد
شوال، (ومدتها عنده عَّهِ شهران، أو ثلاثة، فلا يصح أن تكون وفاتها في ربيع الآخر،) والذي
أوقعه في ذلك التلفيق بين القولين وعدم حكايتهما على وجههما، وإلا فالمحكي عند
ابن عبد البر أنها لم تقم عنده إلاَّ شهرين أو ثلاثة بدون ذكر شهر الوفاة، وقول ابن الكلبي:
تزوجها في رمضان سنة ثلاث، فأقامت عنده ثمانية أشهر، وماتت في ربيع الآخر سنة أربع
(انتهى) كلام الطبري، (فليتأمل) كان وجه أنه يمكن إجراؤه على قول أبي عمر أيضًا بأن يكون
التزوج في آخر سنة ثلاث، ومكثت ثلاثة أشهر وماتت في أول ربيع الآخر، فلم يحسب شهر
النكاح والوفاة، وهذا تعسفه لا يخفى، وفي الشامية مكثت عنده ثمانية أشهر، وقيل شهرين، وقيل
ثلاثة، والصحيح أنها ماتت في ربيع الأول، وقيل الآخر سنة أربع، وقد بلغت ثلاثين سنة أو نحوها
انتهى، ولم يمت عنده إلا هي وخديجة على القول بأن ريحانة كانت سرية لا زوجة والله أعلم.
مجمونة أم المؤمنين
(وأما أم المؤمنين ميمونة رضي اللَّه عنها، بنت الحرث) بن حزن، بفتح المهملة،
وإسكان الزاي، ونون ابن بجير بموحدة، وجيم وراء مصغر ابن هزم، بضم الهاء، وفتح الزاي، وميم
ابن رؤية بضم الراء، وفتح الهمزة، وتبدل واوًا ابن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة
(الهلالية،) نسبة إلى جدها هلال المذكور، (وأمها هند).
قال البرهان: لا أعلم لها إسلامًا، وفي الإصابة أمها خولة، ووقع عند أبي عمر هند بدل
خولة (بنت عوف بن زهير بن الحرث بن حماطة بن حمير) الحميرية، (فتزوجها رسول اللَّه عَ لّ.
لما كان بمكة معتمرًا) عمرة القضية في ذي القعدة (سنة سبع بعد غزوة خيبر،) فيقال أرسل
جعفر بن أبي طالب يخطبها، فأذنت للعباس فزوجها منه، ويقال إن العباس وصفها له، وقال: قد
تأيمت من أبي رهم، فتزوجها وعند ابن سعد بسند له أنه تزوجها في شؤَّال سنة سبع، فإن ثبت
صح أنه تزوجها وهو حلال، لأنه إنما أحرم في ذي القعدة.

٤١٩
ميمونة أم المؤمنين
وكانت أختها أم الفضل لبابة الكبرى تحت العباس بن عبد المطلب، وأختها لأمها
أسماء بنت عميس تحت جعفر، وسلمى بنت عميس تحت حمزة، وكانت جعلت
أمرها إلى العباس
ذكره في الإصابة ولا منافاة بحمله شؤَّال على الخطبة والقعدة على العقد.
وقد روى لملك في الموطأ، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار؛ أنه عَّه بعث أبا رافع مولاه
ورجلاً من الأنصار، فزوجاه ميمونة بنت الحرث ورسول اللَّه عَّه بالمدينة قبل أن يخرج مرسل،
وصله الترمذي وحسنه، والنسائي عن سليمن عن أبي رافع، ورواه ابن سعد بسند الواقدي، وسمي
الأنصاري أوس بن خولى، وعلى هذا، فيكون وكلهما في قبول النكاح له على ظاهر قوله
فزوجاه، وحكى أنه وكل عمرو بن أمية الضمري، لكن سيأتي التصريح بأن العباس زوجها له بمكة
بعدما حل، فيحمل قوله فزوجاه على معنى خطباها له فقط مجازًا، (وكانت أختها أم الفضل
لبابة) بضم اللام، وخفة الموحدتين (الكبرى) من السابقين الأولين حتى قال ابن سعد: إنها أول
من أسلم بعد خديجة، لكن تعقب بأنه سبقتها سمية أم عمار وغيرها.
كان عَُّ يزورها وماتت في خلافة عثمن (تحت العباس بن عبد المطلب،) وأنجبت له
الستة النجباء، وهم: الفضل، وعبد اللَّه، وعبيد اللّه، ومعبد، وقثم وعبد الرحمن، وأختها لبابة
الصغرى أم خالد بن الوليد، تلقب عصماء صحابية، كما في الإصابة وعزة صحابية أيضًا، وهزيلة
بزاي مصغرة أم حفيد بالفاء مصغر صحابية أيضًا، كما في الإصابة، وذكر اليعمري: أن عصماء
غير لبابة الصغرى، وتبعه الشامي وزاد أنها كانت تحت أبي بن خلف وجرى عليه البرهان، فقال:
لم يعرف لعصماء إسلام، لكن جزم في الإصابة بأنها لبابة الصغرى، ونقله في حرف العين عن
ابن الكلبي، وهو مقدم على غيره في علم النسب، كما أن غيره مقدم عليه في الحديث، وكونها
زوجة أبي بن خلف لا يمنع كونها كانت تحت الوليد، وأنجبت منه سيف اللَّه، فما المانع من
أنه طلقها، فنكحها أبي، وهؤلاء إخوة ميمونة لأبويها (وأختها لأمها أسماء بنت عميس تحت
جعفر،) فولدت له عبد اللَّه ومحمدًا وعونًا، ثم مات فخلف عليها الصديق، فولدت له محمدًا،
ثم مات فخلف عليها علي، فولدت له يحيى وعونًا، (و) أختها لأمها أيضًا (سلمى بنت عميس)
الصحابية (تحت حمزة) سيد الشهداء، فولدت له أمة اللَّه، ثم خلف عليها شداد بن الهاد الليثي،
فولدت له عبد اللَّه وعبد الرحمن، ومن أخواتها لأمها سلامة بالتخفيف بنت عميس، ولم يعرف
لها إسلام، كما قال البرهان: ومر أن الجرجاني النسابة حكى أن أم المساكين أختها لأمها أيضًا،
ولذا كان يقال أكرم عجوز في الأرض أصهارًا ابنة عوف، أصهارها: رسول اللَّه، والصديق،
وحمزة، والعباس، وعلي، وجعفر وشداد بن الهاد، (وكانت) كما رواه أحمد والنسائي عن
ابن عباس لما خطبها معَّهِ (جعلت أمرها إلى العباس).

٤٢٠
ميمونة أم المؤمنين
فأنكحها النبي عَّه وهو محرم، فلما رجع بنى بها بسرف، ذكره أبو عمر.
وفي الصحيح من أفراد مسلم، عنها
وفي رواية ابن أبي خيثمة عن ابن عباس أنها جعلته إلى أم الفضل، فردته أم الفضل إلى
العباس، (فأنكحها التبي عَّ له،) واقتصر ابن إسحق على الرواية الأولى، ولم يحفظها ابن هشام،
وحفظ الثانية، فتعقبه بها، مع أنهما روايتان مسندتان عن ابن عباس، كما رأيت ولا معارضة
بينهما، لأنها جعلته لأختها، لتفوضه لزوجها، فنسبه ابن عباس لأمه، باعتبار الابتداء، ولأبيه لانتهاء
الأمر إليه، ويقربه أن المخدرات يستحين من ذكر النكاح، ففوضته لأختها، لتفوضه لزوجها، (وهو
محرم،) جزم به ابن عباس في هذه الرواية، وقد رواه عنه لملك والأئمة الستة أيضًا، وزاد في رواية
للبخاري في عمرة القضاء، وبه احتج الحنفية وموافقوهم على جواز نكاح المحرم، وإنكاحه
غيره، وأجاب الجمهور بأن قول ابن عباس وهم وإن كانت خالته، كما قاله ابن المسيب.
قال ابن عبد البر: الرواية أنه تزوجها وهو حلال، متواترة عن ميمونة نفسها، وعن أبي رافع
وسليمان بن يسار مولاها، ويزيد بن الأصم ابن أختها، وهو قول جمهور علماء المدينة، وما أعلم
أحدًا من الصحابة، روى أنه تزوجها وهو محرم سوى ابن عباس، والقلب إلى رواية الجماعة
أميل، لأن الواحد إلى الغلط أقرب انتهى، وسبقه إلى نحوه الإمام الشافعي، كما سلف في عمرة
القضية، لكن في دعوى انفراد ابن عباس به تقصير، فقد روى البزار عن عائشة نحوه، وكذا
الدارقطني بسند ضعيف عن أبي هريرة: اللهم إلاَّ أن يكون نفي العلم بقيد الصحة، وعلى أنه
ليس بوهم، فمن خصائصه عند الجمهور النكاح حال الإحرام، فلا يعارض قوله عنّ المحرم لا
ينكح ولا ينكح، رواه مسلم، وقيل هو مؤوَّل كما يأتي، (فلما رجع بنى بها بسرف،) بفتح
المهملة، وكسر الراء، وبالفاء بعد ما أقام بمكة ثلاثًا، فأتاه حويطب بن عبد العزى، وسهيل بن
عمرو، وأسلما بعد في نفر من قريش في اليوم الثالث، فقالوا له قد انقضى أجلك فاخرج عنا،
فقال: وما عليكم لو تركتموني فاعرست بين أظهركم، وصنعت لكم طعامًا، فحضرتموه، فقالوا:
لا حاجة لنا بك ولا بطعامك، فغضب سعد بن عبادة، وقال لسهيل: كذبت لا أم لك، ليست
بأرضك، ولا أرض أبيك، واللَّه لا يبرح إلاَّ طائعًا راضيًا، فتبسم عَّله، وقال: ((يا سعد لا تؤذ
قومنا، زارونا في رحالنا))، فخرج وخلف أبا رافع على ميمونة، فأقام حتى أمسى، فخرج بها،
فلقيت من سفهاء مكة عناء، فأتاه بها بسرف، كما أورده ابن إسحق والواقدي.
وروى بعضه ابن أبي خيثمة عن ابن عباس، (ذكره أبو عمر) بن عبد البر، الحافظ الشهير
تلخيصًا للمروي عن ابن عباس، وإن لم يقل أبو عمر به كما رأيت.
(وفي) الحديث (الصحيح من أفراد مسلم،) أي مما انفرد به عن البخاري (عنها،) أي