النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ عائشة أم المؤمنين أنها ماتت في خلافة عمر، وجزم الذهبي في التاريخ الكبير بأنها ماتت في آخر خلافة عمر، وقال ابن سيد الناس: إنه المشهور. [عائشة أم المؤمنين] وأما أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها - وأمها أم رومان ابنة عامر بن عويمر بن عبد شمس، من بني لملك بن كنانة- فكانت مسماة على جبيربن مطعم، فخطبها النبي معدل﴾. أبي العلاء المصري صدوق. روى له الجماعة (إنها ماتت في خلافة عمر) بن الخطاب، (و) لذا (جزم الذهبي في التاريخ الكبير، بأنها ماتت في آخر خلافة عمر،) وهو قد توفي في آخر ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، (وقال ابن سيد الناس أنه المشهور) وتبعه الشامي، وقال الخميس أنه الأصح، فهذا تباين كبير، وروى عنها ابن عباس، ويحيى بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، وروت عنه عَّم. في الكتب المتداولة خمس أحاديث للبخاري منها حديث واحد والله أعلم. عائشة أم المؤمنين (وأما أُم المؤمنين عائشة رضي اللَّه عنها،) قال المصنف: بالهمز وعوام المحدثين يبدلونها ياء، وقال البرهان في لغة عيشة، حكاها علي بن حمزة وغيره، وهي فصيحة، وعائشة أفصح، وكانت بيضاء وزاعم أنها سوداء كذبه ابن معين وغيره، (وأَمها أم رومان) بضم الراء وفتحها، واسمها زينب، وقيل دعد (ابنة عامر بن عويمر،) بالتصغير (ابن عبد شمس). هكذا نسبها مصعب قال في الإصابة، وخالفه غيره، فذكر ابن إسحق أنها بنت عبد بن دهمان أحد بني فراس، والخلاف في نسبها من عامر إلى كنانة، لكن اتفقوا على أنها (من بني) غنم بن (هلك بن كنانة(،) أسلمت، وبايعت وهاجرت، ماتت في حياته عَّه. روى ابن سعد والبخاري في تاريخه، وابن منده، وأبو نعيم، عن القسم بن محمد، قال: لما دليت أم رومان في قبرها، قال عَّله: من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين، فلينظر إلى أم رومان، ولكن في موتها في حياته عَِّ نزاع طويل ليس هذا موضعه، (فكانت مسماة على جبير) الصحابي (ابن مطعم،) أي إنه كان خطبها لابنه من أبيها، (فخطبها النبي عَّه)) لأنه لم يعلم بالخطبة أو كان قبل النهي. روى أحمد بن أبي عاصم، والطبراني وغيرهم عن عائشة لما ماتت خديجة، جاءت خولة بنت حكيم، فقالت: يا رسول اللَّه ألا تتزوج، قال: من قالت: إن شئت بكرا، وإن شئت ثيبًا، فأما ٣٨٢ عائشة أم المؤمنين وأصدقها - فيما قاله ابن إسحق - أربعمائة درهم، وتزوجها بمكة في شوال سنة عشر من النبوة قبل الهجرة بثلاث سنين، ولها ست سنين، وأعرس بها بالمدينة في شوال سنة اثنتين من الهجرة على رأس ثمانية عشر شهرًا، ولها تسع سنين. وقيل بعد سبعة أشهر من مقدمه عليه الصلاة والسلام. البكر فابنة أحب خلق اللَّه إليك عائشة بنت أبي بكر، وأما الثيب فسودة بنت زمعة، قد آمنت بك، قال: فاذكريهما علي، فأتيت أُم رومان، فقلت: ماذا أدخل اللَّه عليكم من الخير والبركة، قالت: وما ذلك، قلت: رسول اللَّه يذكر عائشة، قالت: وددت انتظري أبا بكر، فجاء فذكرت ذلك له، فقال: أو تصلح له، وهي ابنة أخيه، فرجعت، فذكرت ذلك للنبي عَّه، فقال: قولي له أنت أخي، وأنا أخوك في الإسلام، وابنتك تصلح لي، فرجعت وأخبرته بذلك، فقال أبو بكر لأم رومان: أن المطعم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه واللَّه ما أخلف أبو بكر وعداً قط، فأتى لمطعم وعنده امرأته أم الفتى، فقال: ما تقول في أمر هذه الجارية، فأقبل على امرأته، فقال: ما تقولين: فأقبلت على أبي بكر، فقالت: لعلنا إن أنكحنا هذا الصبي إليك تصبئه وتدخله في دينك، والذي أنت عليه، فقال أبو بكر: ما تقول أنت؟ فقال: إنها تقول ما تسمع، فقام أبو بكر ليس في نفسه شيء من الموعد، فقال لخولة: قولي لرسول اللَّه فليأت، فدعته، فجاء، فملكها، أي تزوجها (وأصدقها فيما قاله ابن إسحق أربعمائة درهم) تبرأ منه، لأنه خلاف ما في مسلم عنها أن صداقه ◌َِّ لأزواجه كان خمسمائة درهم، وهي زيادة صحيحة، فيجب قبولها، (وتزوجها بمكة في شوال سنة عشر من النبوة قبل الهجرة بثلاث سنين) زيادة إيضاح لسنة عشر، (ولها ست سنين،) لأنها ولدت في الإسلام سنة أربع من النبوة، كما في العيون والإصابة، (وأعرس بها بالمدينة في شؤَّال سنة اثنتين من الهجرة على رأس ثمانية عشر شهرًا،) فيما قاله بعضهم، وأخره في الإصابة والفتح، وصدر بأنه بني بها في السنة الأولى، وهو الذي يأتي عليه قوله، (ولها تسع سنين،) كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عنها. أما على هذا القول الضعيف الذي قدمه المصنف وما كان ينبغي تقديمه، فيكون لها عشر سنين ونصف سنة، والظاهر أنه مقدم عن محله، وأنه بعد قوله، (وقيل بعد سبعة أشهر من مقدمه عليه الصلاة والسلام). وروى ابن سعد وغيره، عنها قالت: أعرس بي على رأس ثمانية أشهر، وبهذا صدر في الإصابة، والعيون وفي مسلم، عنها: تزوجني عٍَّ في شؤَّال وبنى بي في شؤَّال. قال في الفتح: وإذا ثبت أنه بنى بها في شؤَّال من السنة الأولى قوي قول من قال: دخل ٣٨٣ عائشة أم المؤمنين وخرج الشيخان عن عائشة أنها قالت: تزوجني رسول الله عَّه وأنا ابنة ست سنين فقدمنا المدينة، فنزلنا في بني الحرث بن الخزرج، فوعكت فتمزق شعري، فأتتني أمي - أم رومان - وإني لفي أرجوحة مع صواحب لي، فصرخت بي فأتيتها، ما أدري ما تريد مني، فأخذت بيدي فأوقفتني على باب الدار، وأنا أنهج، بها بعد الهجرة بسبعة أشهر، وقد وهاه النووي في تهذيبه، وليس بواه إذا عددنا من ربيع، وجزمه بأن دخوله بها كان في الثانية يخالف ما ثبت أنه دخل بها بعد خديجة بثلاث سنين، وقال الدمياطي في سيرته: ماتت خديجة في رمضان، وعقد على سودة في شؤَّال، ثم على عائشة، ودخل بسودة قبل عائشة انتهى. وكان المصنف قلد النووي دون مراجعة الفتح وهو عجيب مع كثرة اعترافه في ذا الكتاب منه بعزو ودونه، (وخرج الشيخان،) عن عروة، (عن عائشة) الصديقة صاحبة الترجمة بنت الصديق، (إنها قالت تزوجني رسول اللَّه عَّه، وأنا آبنة ست سنين)) وفي رواية الأسود عنها: وأنا بنت سبع سنين، رواه مسلم والنسائي، وجمع الإصابة بأنها أكملت السادسة، ودخلت في السابعة، (فقدمنا المدينة،) وذلك كما رواه الطبراني من وجه آخر عنها بعد أن استقر بها النبي عَّه وأبو بكر، وبعث عبد الله بن أريقط، وكتب إلى عبد الله بن أبي بكر أن يحمل معه أم رومان، وأم أبي بكر، وأنا وأسماء، وبعث عَّهِ زيد بن حارثة، وأبا رافع، فخرجا بفاطمة وأم كلثوم وسودة، وأما أيمن وأسامة وأيمن، فاصطحبنا حتى قدمنا المدينة، فنزل آل النبي عنده وهو يومئذ يبني مسجده وبيوته، فادخل سودة أحد تلك البيوت، وكان يكون عندها، ونزلنا في عيال أبي بكر، (فنزلناً في بني الحرث بن الخزرج، فوعكت) بضم الواو، وسكون الكاف، أي حممت، (فتمزق) بزاي مشددة تقطع (شعري،) وللكشميهني: فتمرق بالراء، أي انتتف وأسقط المصنف من الحديث قولها: فوفى جميمه بتخفيف الفاء كثر وفيه حذف تقديره، ثم نصلت من الوعك، فتربى شعري، فكثر جميمه بالجيم مصغر جمة بالضم مجمع شعر الناصية، كما في الفتح وللطبراني، فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه ما يمنعك أن تبنى بأهلك؟ وعند أحمد: فجاء عَّه فدخل بيتنا، (فأتني أمي أُم رومان، وإني لفي أرجوحة). قال المصنف: بضم الهمزة، وسكون الراء، وضم الجيم، فواو فمهملة، حبل يشد في كل من طرفيه خشبة، فيجلس واحد على طرف، وآخر على أخر ويحركان، فيميل أحدهما بالآخر نوع من لعب الصغار (مع صواحب لي) بغير تنوين، (فصرخت بي) نادتني، (فأتيتها ما،) وفي رواية لا (أدري ما تريد مني، فأخذت بيدي، فاوقفتني على باب الدار وأنا أنهج) بالنون، أي النفس نفسًا عاليًا، كما في الفتح. ٣٨٤ عائشة أم المؤمنين حتى سكن بعض نفسي، ثم أخذت شيئًا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت فقلت: على الخير والبركة، فأسلمتني إليهن فأصلحن من شأني، فلم يرعني إلا رسول الله عَّه ضحى، فأسلمتني إليه، وأنا يومئذٍ بنت تسع سنين. وقال المصنف: بالنون والجيم مع فتح الهمزة، والهاء بضم الهمزة، وكسر الهاء، أي أتنفس نفسًا عاليًا من الإعياء (حتى سكن بعض نفسي) بفتح الفاء، (ثم أخذت شيئًا من ماء، فمسحت به وجهي ورأسي). زادت في رواية أحمد وفرقت جميمتي، (ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت. قال المصنف: لم أعرف أسماءهن، (فقلت على الخير والبركة) وعلى خير طائر، هذا أسقطه من رواية الشیخین. قال الحافظ وغيره، أي على خير حظ ونصيب، (فأسلمتني إليهن، فأصلحن من شأني، فلم يرعني) بضم الراء وسكون العين، أي لم يفزعني شىء (إلا رسول اللَّه عَ لَه) قد دخل علي (ضحى،) وكنت بذلك عن المفاجأة بالدخول على غير علم، فإنه يفزع غالبًا. قاله الحافظ: وتبعه المصنف، وهو صريح في أنه ضحى بالضم منوّنا اسم للوقت، لا بالفتح فعل ماض بمعنى ظهر، لأنه خلاف الرواية، وقد ترجم البخاري في النكاح باب البناء في النهار، ثم روى الحديث مختصرًا عن عائشة بلفظ تزوجني عَّله، فأتتني أمي، فادخلتني الدار، فلم یرعني إلاَّ رسول اللّه ێ ضحى. قال المصنف: كغيره أي وقت الضحى، ففيه ما ترجم له أن دخوله كان نهارًا انتهى. فليت من لم يقف على شىء لا يتجاسر على ضبط الحديث برأيه، (فاسلمتني) أمي (إليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين). زاد في رواية لمسلم ولعبتها معها، وروى أحمد من وجه آخر هذه القصة مطولة، وفيها بعد مجيء المصطفى ودخوله بيتهم، وصراخ أمها بها ومسحها بالماء، ثم أقبلت بي تقودني، ثم دخلت بي على رسول اللَّه عَّةِ، فإذا رسول اللَّه عَّه جالس على سرير عنده رجال ونساء من الأنصار، فأجلستني في حجره، ثم قالت: هؤلاء أهلك يا رسول اللَّه، بارك اللَّه لك فيهن، وبارك لهن فيك، فوثب الرجال والنساء وبنى بي عَّهُ. ذكره في الفتح، ولم يتنزل للجمع بينه وبين حديث الشيخين الصريح في انه لم يرعها إلاَّ دخوله عليها، وحديث أحمد المصرح بأن أمها أدخلتها، عليه فاجلستها في حجره فوق السرير، ٣٨٥ عائشة أم المؤمنين وأخرجه أبو حاتم بتغيير بعض ألفاظه. قال أبو عمر: كان نكاحه عليه الصلاة والسلام في شوال، وابتنى بها في شوال، وكانت تحب أن تدخل النساء من أهلها وأحبتها في شوال على أزواجهن. و کانت أحب نساء رسول الله ێ إليه، فيحتمل أنه عَ لِّ استبطأهن لاشتغالهن بتسكين نفسها واصلاح شأنها، فجاء من البيت الذي كان جالسًا فيه مع الأنصار، فدخل عليها جبرًا لهن، فاعظمن مجيئه عَّه، وقلن هي تأتي إليك، فعاد إلى مجلسه، فأتت بها أمها في النسوة، وأسلمتها من بينهن إليه، ودعت لهما، وأما كون قضيته أنه كان الرجال والنساء في البيت مع النبي حين دخلت بها أمها، وقضية رواية الصحيحين خلافه، فهذا سهل، فغايته أن في الرواية اختصارًا، وحاصله أنه لما جاء عَّهِ حين قال له أبو بكر: ألا تبني باهلك؟ كانت عائشة تلعب، فنادتها أمها ثم أصلحت من شأنها، ثم أسلمتها للنسوة، كذلك وهو عَِّه في بيت آخر على سرير في جماعة من الأنصار رجال ونساء، (وأخرجه أبو حاتم) بن حبان (بتغيير بعض ألفاظه). وفي رواية أحمد وبنى بي رسول اللَّه عَّ في بيتنا، ولا واللَّه ما نحرت على جزور ولا ذبحت من شاة، ولكن جفنة كان يبعث بها سعد بن عبادة إليه عَّه، وعنده عن أسماء بنت يزيد بن السكن كنت صاحبة عائشة التي هيأتها وأدخلتها عليه عَّهِ، ومعي نسوة، فوالله ما وجدنا عنده قرى إلاَّ قدحًا من لبن، فشرب منه، ثم ناوله عائشة، فاستحيت، فقلت: لا تردي يد رسول اللَّه، خذي منه، فأخذته على حياء، فشربت، ثم قال: ناولي صواحبك، فقلن: لا نشتهيه، فقال: لا تجمعن جوعًا وكذبًا، فقلت: يا رسول اللَّه إنا إذا قلنا لشىء فشتهيه لا فشتهيه بعد ذلك كذبًا، قال: ان الكذب یکتب كذبًا حتى تكتب الكذيبة كذبة. (قال أبو عمر: كان نكاحه عليه الصلاة والسلام) لها (في شؤَال، وابتتنى بها في شؤَال،) کما في مسلم وغيره. عنها قال الجوهري: تقول العامة بنى بأهله، وهو خطأ، وإنما يقال بنى على أهله، والأصل فيه أن الداخل على أهله يضرب عليه قبة ليلة الدخول، ثم قيل لكل داخل بأهله بأن قال الحافظ: ولا معنى لهذا التغليط لكثرة استعمال الفصحاء له وحسبك بقول عائشة: بنى بي وبقول عروة بنى بها، (وكانت تحب أن تدخل النساء من أهلها واحبتها في شؤَّال على أزواجهن،) لذلك قال أبو عاصم إنما كره الناس الدخول في شؤَال لطاعون وقع فيه قديما، (وكانت أحب نساء رسول اللَّه عَ ◌ّةٍ) اللاتي اجتمعن معها (إليه،) كما قال عَّه حين سأله عمرو بن العاصـ، أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قال من الرجال؟ قال أبوها، وقال عمر لحفصة: لا يغرنك ٣٨٦ عائشة أم المؤمنين وكانت إذا هويت الشىء تابعها عليه، وفقدها في بعض أسفاره فقال: واعروساه. خرجه أحمد. وقال لها عليه الصلاة والسلام - كما في الصحيحين -: رأيتك في المنام ثلاث ليال، جاءني بك الملك في سرقة من حرير، فيقول: هذه هذه التي أعجبها حسنها وحب رسول اللَّه عَّه إياها، وقص ذلك عمر عليه، فتبسم عَّهِ، ومن حبه لها إنه كان يدور على نسائه ويختم بها، وأمر السيدة فاطمة بحبها، ولما نزلت عليه آية التخيير بدأ بها، واختياره الإقامة عندها أيام مرضه، وكلها في الصحيح، وقام لها، ووضعت خدها على منكبه حتى تنظر إلى لعب الحبشة بحرابهم في المسجد. رواه الترمذي وغيره، وأصله في الصحيح وانه كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها. رواه ابن عدي وقوله لها: إني لا أعلم إذا كنت علي راضية، وإذا كنت على غضبى، قالت: بم؟ قال: إذا كنت راضية، قلت: لا ورب محمد، وإذا كنت غضبى، قلت: لا ورب إبراهيم، قال: صدقت ما أهجر إلا اسمك. رواه البخاري ومسلم والنسائي، ومسابقته لها في سفر، فسبقته، فلما حصلت من اللحم سابقته، فسبقها، فقال: يا عائشة هذه بتلك، رواه أبو داود والنسائي، ودعاه جار له فارسي لطعام، فقال: وهذه معي لعائشة، فقال الرجل: لا وأشار له، فقال: وهذه معي، فقال: لا، فأشار إليه الثالثة، فقال: وهذه معي، قال: نعم، رواه مسلم. ومن حبه لها أن اللَّه أنزل في براءتها وحيّا يتلى في محاريب المسلمين إلى يوم الدين، وإنه كان يعذرها، ويبدي عذرها، كقوله لما كسرت الصحفة غارت أمكم إلى غير ذلك مما يطول ذكره، وأخرج الترمذي وصححه وابن سعد أن رجلاً نال من عائشة عند عمار بن ياسر، فقال: غرب مقبوحًا منبوحًا أنؤذي حبيبة رسول اللَّه عَّهِ. وروى ابن سعد أن عمر زادها على الأزواج ألفين، وقال إنها حبيبة رسول اللَّه، (و) من حبه لها أنها (كانت إذا هويت الشىء،) بفتح الهاء وكسر الواو أحببته، (تابعها عليه،) وافقها، (وفقدها في بعض أسفاره، فقال واعروساه). (خرجه أحمد) عن النعمان بن بشير، (وقال لها عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين)، من حديثها (رأيتك). وفي رواية أريتك بضم الهمزة مقدمة على الراء (في المنام ثلاث ليال جاءني بك،) أي بصورتك (الملك) جبريل (في سرقه،) بفتح المهملة والراء، والقاف قطعة (من حرير يقول هذه ٣٨٧ عائشة أم المؤمنين امرأتك، فأكشف عن وجهك فأقول: إن بك من عند الله يمضه والسَّرَقَّة: شقة الحرير البيضاء. وفي الترمذي أن جبريل جاءه عليه الصلاة والسلام بصورتها في خرقة حرير خضراء وقال هذه زوجتك في الدنيا والآخرة. وفي رواية عنده: قال جبريل: إن الله قد زوجك بابنة أبي بكر، ومعه صورتها. امرأتك، فاكشف عن وجهك). زاد في رواية فإذا هي أنت وفي لفظ، فإذا أنت هي، (فأقول إن بك) هذا (من عند الله يمضه) بضم أوله. قال الطيبي: هذا الشرط مما يقوله المتحقق لثبوت الأمر، المدلى بصحته تقريرًا لوقوع الجزاء وتحققه قول السلطان لمن يجب قهره. ان كنت سلطانا انتقمت منك، أي أن السلطنة مقتضية للإنتقام. وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون قال ذلك قبل البعثة، فلا إشكال فيه، وإن كان بعدها، ففيه احتمالات التردد هل هي زوجته في الدنيا والآخرة أو في الآخرة فقط، أو أنه لفظ شك لا يراد به ظاهره، وهو نوع من البديع عند أهل البلاغة يسمونه تجاهل العارف، وسماه بعضهم مزج الشك باليقين، أو وجه التردد هل هي رؤيا وحي على ظاهرها وحقيقتها، أو رؤيا وحي لها تعبير، كلا الأمرين جائز في حق الأنبياء إنتهى. قال الحافظ: الأخير هو المعتمد، وبه جزم السهيلي عن ابن العربي، قال: وتعبيره باحتمال غيره لا ارضاه والأول يرده أن السياق يقتضي إنها كانت قد وجدت، فإن ظاهر قوله فإذا هي أنت يشعر بأنه كان قد رآها وعرفها قبل ذلك، والواقع أنها ولدت بعد البعثة، ويرد الاحتمالات رواية ابن حبان في آخر الحديث هي زوجتك في الدنيا والآخرة، والثاني بعيد. (والسرقة) بفتحات (شقة الحرير البيضاء) في أحد القولين لغة، والآخر انه الحرير عامة والجمع سرق بفتحات، كما في القاموس، والمراد هنا الثاني، لأنها خضراء، ومن ثم لم يقيدها المصنف في الشرح تبعًا للفتح بالبيضاء، (وفي الترمذي) وحسنه من حديثها (إن جبريل جاءه عليه الصلاة والسلام بصورتها في خرقة حرير خضراء، وقال هذه زوجتك في الدنيا والآخرة،) فبينت هذه الرواية لون الشقة، وأن الزوجية في الدارين. (وفي رواية عنده) عن ابن عمر قال: (قال) رسول اللَّه عَّه أتاني (جبريل،) فقال: (إن اللَّه) عز وجل (قد زوجك بابنة أبي بكر ومعه صورتها) لفظ الرواية صورة عائشة، وعند ابن حبان أنه ٣٨٨ عائشة أم المؤمنين وكانت مدة مقامه معها عليه الصلاة والسلام تسع سنين، ومات عنها ولها ثماني عشرة سنة، ولم يتزوج بکرا غيرها، لما سار فاطمة في مرضه تكلمت عائشة، فقال عَّهِ: أما ترضين أن تكوني زوجتي في الدنيا والآخرة، وأنها قالت: من أزواجك في الجنة، قال: أما انك منهن. وروى أبو الحسن الخلعي منها رفعته: يا عائشة إنه ليهون علي الموت، أني قد رأيتك زوجتي في الجنة. ورواه ابن عساكر بلفظ ما أبالي بالموت مذ علمت أنك زوجتي في الجنة. والسلفي بلفظ هون عليّ الموت أني رأيت عائشة في الجنة. وروى أحمد عنها رفعته لقدر رأيت عائشة في الجنة، كأني انظر إلى بياض كفيها ليهون بذلك علي عند موتى، ومن ثم خطب عمار بن ياسر، فقال: والله إني لاعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة رواه البخاري. وروى ابن سعد عنها فضلت على نساء النبي عَّه بعشر لم ينكح بكرا قط غيري، ولا امرأة أبواها مهاجران غيري، وأنزل اللَّه برءاتي من السماء، وجاء جبريل بصورتي من السماء في حريرة، وكنت اغتسل أنا، وهو في إناء واحد، ولم يكن يصنع ذلك باحد من نسائه غيري، وكان يصلي وأنا معترضه بين يديه دون غيري، وكان ينزل عليه الوحي، وهو معي، ولم ينزل وهو مع غيري، وقبض وهو بين نحري وسحري، وفي الليلة التي كان يدور علي فيها، ودفن في بيتي وفيه عيسى بن ميمون واهي الحديث، كما في الإصابة، لكن شواهده كثيرة، وقد رواه ابن سعد أيضًا والطبراني برجال الصحيح، وابن أبي شيبة أنها قالت أعطيت تسع خلال ما أعطيتها امرأة، وللَّه ما أقول هذا فخر، أنزل الملك بصورتي، وتزوجني لسبع واهديت إليه لتسع، وتزوجني بكرًا، وكان الوحي يأتيه، وأنا وهو في لحاف واحد، وكنت أحب الناس إليه، وبنت أحب الناس إليه، ولقد نزلت في آيات من القرءان، وقد كادت الأمة تهلك في، ورأيت جبريل ولم يره أحد من نسائه غيري، وقبض في بيتي، لم يله أحد غيره وغير الملك. وفي رواية أبي يعلى: لقد أعطيت تسعًا ما أعطيتهن امرأة إلاَّ مريم. نزل جبريل بصورتي في راحته، وتزوجني بكرّا، وقبض ورأسه في حجري، وقبرته في بيتي، وحفت الملائكة بيتي، ونزل عليه الوحي في لحافي، وأنا ابنة خليفته وصديقه، ونزل عذري من السماء، وخلقت طيبة، وعند طيب ولقد وعدت مغفرة ورزقًا كريمًا، ومن مجموع هذا ينتظم أكثر من عشر خلال، (وكانت مدة مقامه معها عليه الصلاة والسلام تسع سنين، ومات عنها ولها ثماني عشرة سنة،) كما في مسلم وغيره عنها، (ولم يتزوج بكرا غيرها،) كما في الصحيح. ٣٨٩ عائشة أم المؤمنين وكانت فقيهة عالمة فصيحة، كثيرة الحديث عن رسول الله عَّ له، عارفة بأيام العرب وأُشعارها، قال الحافظ: وهو متفق عليه بين أهل النقل، (وكانت فقيهة) جدًا حتى قيل ان ربع الأحكام الشرعية منقول عنها كما في الفتح، وأما حديث خذوا شطر دينكم عن الحميراء المذكور في النهاية بلا عزو، وحديث خذوا ثلث دينكم من بين الحميراء المذكور في الفردوس بلا إسناد، وبيض ولده لسنده، فذكر الحافظ ابن كثير أنه سأل عنه المزي والذهبي، فلا يعرفاه، وكذا قال الحافظ في تخريج ابن الحاجب: لا أعرف له سندًا (عالمة) بكل العلوم. قال أبو موسى الأشعري: ما اشكل علينا أصحاب رسول اللَّه عَ طِّ حديث قط، فسألنا عنه عائشة إلاَّ وجدنا عندها منه علما رواه الترمذي وصححه، وقال عروة ما رأيت أحدًا أعلم بالقرءان، ولا بفريضة، ولا بحرام، ولا بحلال، ولا بفقه، ولا بشعر، ولا بطب، ولا بحديث العرب، ولا نسب من عائشة، رواه الحاكم والطبراني وغيرهما بسند حسن. وقال مسروق: والله لقد رأيت الأكابر من الصحابة، وفي لفظ مشيخة أصحاب رسول اللَّه: الأكابر يسألون عائشة عن الفرائض، رواه الطبراني والحاكم، وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيًا في العامة رواه الحاكم وغيره، (فصيحة،) قال مطوية: والله ما رأيت خطيبًا قط أبلغ، ولا أفصح، ولا أفطن من عائشة. رواه الطبراني، وعنده برجال الصحيح عن موسى بن طلحة: ما رأيت أحدًا كان أفصح من عائشة. وروى أحمد في الزهد والحاكم عن الأحنف بن قيس قال: سمعت خطبة أبي بكر، وعمر، وعثمن، وعلي والخلفاء هلم جرّا، فما سمعت من فم أحد منهم كلامًا أفخم، ولا أحسن منه من في عائشة. (كثيرة الحديث عن رسول اللَّه عَّ،) روي لها الفان بالتثنية، ومائتا حديث وعشرة، اتفق الشيخان على مائة وأربعة وسبعين، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين ومسلم بثمانية وستين. (عارفة بأيام العرب) وقائعها (وأشعارها،) فما كان ينزل بها شىء إلا أنشدت فيه شعرًا، أسند الزبير بن بكار عن أبي الزناد قال: ما رأيت أحدًا اروى لشعر من عروة، فقلت له ما أرواك؟ فقال: ما روايتي في رواية عائشة، ما كان ينزل بها شىء إلاَّ أنشدت فيه شعرًا. وروى أحمد عن عروة أنه قال لها: يا أمتاه لا أعجب من فقهك، أقول زوجة رسول اللَّه عَّهِ وابنة أبي بكر، ولا أعجب من علمك بالشعر، وأيام الناس أقول ابنة أبي بكر، وكان أعلم أو من أعلم الناس به، ولكن أعجب من علمك بالطب كيف هو، وأين هو فضربت ٣٩٠ عائشة أم المؤمنين روى عنها جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين، وكان عَّهِ يقسم لها ليلتين، ليلتها وليلة سودة بنت زمعة، لأنها وهبت ليلتها لما كبرت لها - كما تقدم - ولنسائه ليلة ليلة، وكان يدور على كل نسائه ويختم بعائشة. على منكبه، وقالت: أي عربة إن رسول اللَّه عٍَّ كان يسقم، وفي لفظ كثرت أسقامه عند آخر عمره، فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه، فتنعت له الانعات، وفي لفظ: وكانت أطباء العرب والعجم ينعتونه، وكنت أَعالجها، فمن ثم وروى أنها مدحت النبي عَّه بقولها: فلو سمعوا في مصر أوصاف خده لما بذلوا في سوم يوسف من نقد لواحي زليخا لو رأين جبينه لآثرن بالقطع القلوب على الأيدي وكانت زاهدة، كثيرة الكرم والصدقة. روى ابن سعد عن أم درة قالت: أتيت عائشة بمائة ألف ففرقتها، وهي يومئذ صائمة، فقلت لها: أما استطعت فيما أنفقت أن تشتري بدرهم لحما تفطرين عليه؟ فقالت: لو أدركتيني لفعلت. روت عائشة عنه عَُّالمِ الكثير الطيب، وروت أيضًا عن أبيها، وعن عمر وفاطمة، وسعد بن أبي وقاص، وأسيد بن حضير، وحذامة بن وهب وضمرة ابن عمرو. و(روى عنها جماعة كثيرة من الصحابة،) كعمر وابنه عبد اللَّه، وأبي هريرة، وأبي موسى، وزيد بن خالد، وابن عباس، وربيعة بن عمرو، والسائب بن يزيد، وصفية بنت شيبة، وعبد الله بن عامر بن ربيعة بن الحرث بن نوفل، (والتابعين،) فمن كبارهم ابن المسيب، وعمرو بن ميمون، وعلقمة بن قيس، ومسروق وعبد اللَّه بن عليم، والأسود بن يزيد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو وائل، ومن آل بيتها اختها أم كلثوم، وبنتها عائشة بنت طلحة، وأخوها من الرضاعة عوف بن الحرث، وابنا أخيها محمد القُسم، وعبد اللَّه، وبنتا أخيها الآخر عبد الرحمن حفصة، وأسماء، وحفيده عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن، وابنا أُختها أسماء عبد اللَّه، وعروة، وحفيد عبد الله عباد بن حمزة وآخرون كثيرون. (وكان عَّةٍ يقسم لها ليلتين ليلتها وليلة سودة بنت زمعة، لأنها وهبت ليلتها لما كبرت،) وأراد المصطفى طلاقها (لها، كما تقدم) وهو في الصحيحين عن عائشة: أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان عَّلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة، فالتي كان لا يقسم لها سودة على الصواب، وفي مسلم عن ابن جريج قال عطاء: التي لا يقسم لها صفية بنت حيي بن أخطب. قال الطحاوي وعياض وغيرهما، وهو غلط من ابن جريج، وهو أن سودة إذ وهبت يومها لعائشة (ولنسائه ليلة ليلة(،) أي كل واحدة ليلة واحدة، (وكان يدور على كل نسائه، ويختم بعائشة،) احتج ٣٩١ عائشة أم المؤمنين به من قال لم يكن القسم واجبًا عليه، وإنما كان يفعله تفضلاً، والأكثر وجوبه عليه، وأجابوا باحتمال انه قبل وجوب القسم عليه، أو كان يرضى صاحبة النوبة، كما استأذنهن أن يمرض في بيت عائشة، أو كان يقع ذلك عند استيفاء القسمة، ثم يستأنفها، أو عند إقباله من سفر، أو بغير ذلك مما فیه لین. قال الحافظ: وأغرب ابن العربي، فقال: خص اللَّه نبيه فأعطاه ساعة في كل يوم لا يكون لإزواجه فيها حق يدخل فيها على جميعهن، فيفعل ما يريد، ثم يستقر عند من لها النوبة، وكانت تلك الساعة بعد العصر، فإن اشتغل عنها كانت بعد المغرب. قال أعني الحافظ: ويحتاج إلی ثبوت ما ذکر مفصلاً انتھی. ففي ختمه بها مزيد حبه لها، لجعلها المنتهى، فلا تتأذى بأنه يذهب لغيرها بعدها، وليكون آخر عهده بها، ولا سيما إن كانت الليلة لها، فلا يكون بينها وبين ساعة الدوران فاصل بأحد من النساء، وكفى بذلك حبًا وحسبها فضلاً عَّله فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على الطعام، وقوله عَّةٍ يا عائشة هذا جبريل يقرئك السلام، فقلت: عليه السلام ورحمة اللَّه وبركاته، وقوله لله يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل عليّ الوحي، وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها، وكلها في الصحيح قال في الفتح: مما يسأل عنه اختصاصها بذلك، فقيل لمكان أبيها؛ وانه لم يكن يفارقه عَّه في أغلب أحواله فسرى سره لابنته مع ما كان لها من مزيد حبه عَّةٍ، وقيل كانت تبالغ في تنظيف ثيابها التي تنام فيها معه عَدٍ، واستدل به على فضلها على خديجة، وليس ذلك بلازم لاحتمال أن لا يكون أراد إدخال خديجة في ذلك، والمراد بقوله منكن المخاطبة، وهي أم سلمة ومن أرسلها، أو من كان موجودًا حينئذ من النساء، وعلى تقدير إرادة الدخول، فلا يلزم من ثبوت خصوصية شىء من الفضائل ثبوت الفضل المطلق، كحديث أقرأكم أبي وأفرضكم زيد، ونحوهما، كما أن قوله فضل عائشة على النساء لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وقد أشار ابن حبان إلى أن فضلها الذي دل عليه هذا الحديث وغيره مقيد بنسائه حتى لا يدخل مثل فاطمة جمعا بينه وبين حديث أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة انتهى. وروى الطبراني والبزار برجال ثقات وابن حبان عنها: رأيت رسول اللَّه عَ ◌ّل طيب النفس، فقلت: يا رسول اللّه ادع لي، قال: ((اللهم اغفر لعائشة ما تقدم من ذنبها، وما تأخر، وما أسرت، وما أعلنت))، فضحكت عائشة حتى سقط رأسها في حجرها من الضحك، فقال: عَّه أسرك دعائي، فقالت: ما لي لا يسرني دعاؤك، قال: فوالله إنها لدعوتي لأمتي في كل صلاة. ٣٩٢ عائشة أُم المؤمنين وماتت بالمدينة سنة سبع وخمسين. وقال الواقدي: ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان سنة ثمان وخمسين، وهي ابنة ست وستين سنة، وأوصت أن تدفن بالبقيع ليلاً، وصلى عليها أبو هريرة رضي الله عنه وكان يومئذٍ خليفة مروان على المدينة في أيام معوية بن أبي سفين. وكانت عائشة تكنى أم عبد الله، يروى أنها أسقطت من النبي عَّ سقطًا، ولم يثبت والصحيح أنها كانت تكنى بعبد الله بن الزبير، ابن أختها، فإنه عليه الصلاة والسلام تفل في فيه لما ولد، وفي الصحيح عن القسم بن محمد، أن عائشة مرضت، فعادها ابن عباس، فقال: يا أم المؤمنين تقدمين على فرط صدق على رسول اللَّه علّةٍ وعلى أبي بكر، (وماتت بالمدينة سنة سبع وخمسين) فيما ذكره على ابن المديني عن سفين عن هشام بن عروة، قال في التقريب وهو الصحيح، (وقال الواقدي ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان سنة ثمان وخمسين،) وعليه اقتصر المصنف في الشرح، وصدر به في الفتح كالإصابة، وعزاه فيها للأكثرين وتبعه الشامي، وزاد انه الصحيح، وقيل سنة ست وخمسين، حكاه في العيون، وقيل تسع وخمسين، حكاه في الفتح، (وهي ابنة ست وستين سنة) على القول الأول، لأنها ولدت سنة أربع من النبوة، فتضم تسع لسبع وخمسين تبلغ ذلك، وعلى الثاني بإسقاط عام الولادة أو الموت، وعلى الثالث بإسقاطهما معًا فعاشت بعده عٍَّ، كما في فتح الباري قريبًا من خمسين سنة انتهى، لأنه توفي ولها ثمان عشرة، فنفع اللَّه بها الأمة في نشر العلوم وقد روى البلاذري عن القسم بن محمد قال: استفعلت عائشة بالفتوى زمن أبي بكر، وعمر، وعثمن، وهلم جرا إلى أن ماتت، (وأوصت) ابن أختها عروة (ان تدفن بالبقيع)،) فقالت له: إذا أنا مت فادفني مع صواحبي بالبقيع رواه ابن أبي خيثمة، فدفنت به (ليلاً،) ونزل في قبرها القُسم بن محمد وابن عمه عبد الله بن عبد الرحمن، وعبد الله بن أبي عتيق، وعروة، وعبد اللَّه ابنا الزبير، كما في العيون، وحضر جنازتها أكثر أهل المدينة، (وصلى عليها أبو هريرة رضي اللَّه عنه، وكان يومئذ خليفة مرون) بن الحكم أمير المدينة حينئذ من جهة معوية (على المدينة،) لأنه حج، فاستخلف أبا هريرة، كذا في الشامية (في أيام معوية بن أبي سفينٍ) رضي اللَّه عنهما، (وكانت عائشة تكنى أم عبد اللَّه،) فقيل ان ذلك لما (يروى) عند ابن الأعرابي في معجمه (أنها أسقطت من النبي عَ لَّ سقطًا،) فسماه عبد اللَّه (ولم يثبت) ذلك. قال السهيلي لأنه يدور على داود بن المحبر، وهو ضعيف، (والصحيح أنها كانت تکنی بعبد اللَّه بن الزبير ابن أختها) أسماء، (فإنه عليه الصلاة والسلام تفل في فيه لما ولد) وأتته ٣٩٣ حفصة أم المؤمنين وقال لعائشة: هو عبد الله وأنت أم عبد الله، قالت: فما زلت أكنى بها وما ولدت قط. خرجه أبو حاتم. [حفصة أم المؤمنين] وأما أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما - وأمها زينت بنت مظعون - فأسلمت وهاجرت. وكانت قبل رسول الله عَلِّ تحت خنيس - بضم المعجمة وفتح النون وبالسين المهملة - ابن حذافة السهمي، هاجرت معه، ومات عنها بعد غزوة بدر. به، قالت عائشة: فكان أول شىء دخل جوفه، (وقال لعائشة: هو عبد اللَّه وأنت أُم عبد اللَّه، قالت: فما زلت أكنى بها وما ولدت قط). (خرجه أبو حاتم) بن حبان في صحيحه وابن سعد، وله طرق كثيرة عنها، وروى ابن أبي خيثمة عنها، قلت: يا رسول اللَّه ألا تكنيني إن لكل صواحبى كنى، فلو كنيتني، قال: اكتني بابنك عبد الله بن الزبير، فكانت تكنى بأم عبد اللَّه حتى ماتت، فكانه لما قال لها أنت أم عبد اللَّه لما حنك ابن الزبير، احتمل عندها أنه أراد انه من المؤمنين التي هي من أمهاتهم، فسألته أن يكنيها، فقال: لها ذلك، وفي الروض بعد تضعيف حديث السقط، وأصح منه حديث أبي داود أنه معَِّ قال لها: تكني بابن أختك عبد اللَّه بن الزبير، ويروى بابنك عبد اللَّه، لأنها كانت قد استوهبته من أبويه، فكان في حجرها يدعوها، أما ذكره ابن إسحق وغيره انتهى. واللَّه تعالى أعلم. حفصة أم المؤمنين (وأما أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنهما،) التالية لعائشة في الفضل على ما استقر به الإمام السبكي، الكبير، المولودة قبل البعثة بخمس سنين، وقريش تبني الكعبة، (وأمها زينب بنت مظعون،) بالظاء المعجمة، وهذا ظاهر عند أهله، لكني سمعت بعض طلبة الفقه يهملها، فقلت: له ذلك. قاله البرهان الجمحية، الصحابية، أم عبد اللَّه أيضًا من المهاجرات، كما ذكر الزبير، والقول بموتها قبلٍ الهجرة، وهم لما في البخاري أن عمر قال في ولدهٍ عبد اللّه، هاجر به أبواه، وقول العيون، وأمها قدامة بنت مظعون وهم، لأن قدامة خالها لا أمها، نبه عليه البرهان، (فأسلمت وهاجرت، وكانت قبل رسول اللَّه عَّل تحت) الصحابى، الجليل، البدري (خنيس بضم) الخاء (المعجمة، وفتح النون،) وسكون التحتية، (وبالسين المهملة ابن حذافة) بضم المهملة، وبالذال المعجمة، فألف، ففاء القرشي (السهمي، هاجرت معه ومات عنها بعد غزوة بدر) ٣٩٤ حفصة أم المؤمنين فلما تأيمت ذكرها عمر على أبي بكر وعثمن فلم يجبه واحد منهما إلى زواجها، فخطبها رسول الله عَّ فأنكحه إياها في سنة ثلاث من الهجرة، من جراحات أصابته بیدر، وقیل باحد. قال اليعمري والأول أشهر، وفي الإصابة: الراجح انه قتل باحد سنة ثلاث، وفي الشامية رجح كلام جحون، والأول أشهر، (فلما تايمت) تعزبت، والايم يقال للعزب ذكرًا كان أو أنثى، بكرًا أو ثيبًا قال الشاعر: فإن تنكحي انكح وإن تتايمى وإن كنت أفتى منكم أتايم (ذكرها) عرضها (عمر على أبي بكر الصديق (وعثمن) بن عفان قبله، (فلم يجبه واحد منهما إلى زواجها،) وهذا أصح مما قدمه المصنف في ترجمة السيدة رقية، أن عثمن خطب ابنة عمر، فرده، فبلغ النبي، فذكر الحديث، وعزاه لتخريج الخجندي، لأن ما هنا رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر قال: تايمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة، السهمي وكان من أصحاب رسول اللَّه عَ له قد شهد بدرًا، وتوفي بالمدينة. قال عمر: فلقيت عثمن، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة، قال: سأنظر في أمري فلبث ليالي، ثم لقيني، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج في يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة، فصمت، فلم يرجع إلي شيئًا فكنت عليه أوجد مني على عثمن، فلبثت ليالي، ثم خطبها عَّه، فانكحتها إياه، فلقيني أبو بكر، فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة، فلم أرجع إليك شيئًا، فقلت نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني قد علمت أن رسول اللَّه عَّهِ قد ذكرها فلم أكن لأُفشي سره ولو تركها لقبلتها. وهذا أيضًا أصح مما في العيون انه عرضها على الصديق قبل عثمن لكونه في أرفع الصحيح، ولأبي يعلى أن عمر قال: يا رسول اللَّه ألاَّ تعجب من عثمن، عرضت عليه حفصة فاعرض عني، فقال عَّله قد زوج اللَّه عثمن خيرًا من حفصة، وزوج حفصة خيرًا من عثمن، (فخطبها رسول اللَّه ◌َّلِ، فانكحه) عمر (إياها في سنة ثلاث من الهجرة،) كما رواه ابن أبي خيثمة، عن الزهري، عن رجل من بني سهم، وعنده أيضًا عن أبي عبيدة انه تزوجها سنة اثنتين من الهجرة، وبه جزم ابن عبد البر قال في الإصابة: والراجح الأول لأن زوجها قتل بأحد سنة ثلاث، لكن قال في الفتح: الثاني أولى لأنهم قالوا تزوجها عَّ له بعد خمسة وعشرين شهرًا من الهجرة، وفي رواية بعد ثلاثين، وفي أخرى بعد عشرين، وكانت أُحد بعد الهجرة بأكثر من ثلاثین شهر، أو قد جزم ابن سعد بأن زوجها مات بعد قدومه عے من بدر انتھی. وقال ابن سيد الناس تزوجها في شعبان على رأس ثلاثين شهرًا من مهاجره على القول ٣٩٥ حفصة أم المؤمنين وطلقها تطليقة واحدة، ثم راجعها، نزل عليه الوحي: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة. وروى عنها جماعة من الصحابة والتابعين. وماتت في شعبان سنة خمس وأربعين في خلافة مطوية، وقيل الأول، أي موت زوجها بعد بدر وبعد أُحد على الثاني، (وطلقها تطليقة واحدة، ثم راجعها) رحمة لأبيها، ولأنه (نزل) جبريل (عليه)) فقال له: (راجع حفصة فإنها صوامة قوامة، وانها زوجتك في الجنة). أخرجه ابن سعد والطبراني برجال الصحيح من مرسل قيس بن سعد، أنه معَِّ طلق حفصة، فدخل عليها خالاها قدامة، وعثمن ابنا مظعون، فبكت وقالت: والله ما طلقني عن شيء فجاء عَّهِ، فتخليت فقال: قال لي: جبريل راجع حفصة فذكره. وروى ابن أبي خيثمة عن أنس أنه عَّهِ طلق حفصة تطليقة، فأتاه جبريل، فقال: طلقت حفصة وهي صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة. وعن عقبة بن عامر أنه عَُّ طلق حفصة، فبلغ ذلك عمر، فحثا على رأسه التراب، وقال: ما يعبأ اللَّه بعمر وابنته بعدها، فنزل جبريل من الغد، وقال: إن اللَّه يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر، ثم أراد أن يطلقها ثانية، فقال له جبريل: لا تطلقها فإنها صوامة قوامة أُخرجه. وروى أبو يعلى عن ابن عمر قال: دخل عمر على حفصة، وهي تبكى: فقال: لعل رسول اللَّه عَ لّه قد طلَّقك انه كان قد طلقك، ثم راجعك من أجلي، فإن كان طلقك مرة أخرى لا أكلمك أبدًا، وفى هذه الأحاديث تنبيه من اللَّه على فضلها، والثناء عليها بكثرة الصيام والقيام، والأخبار بأنها زوجة في الجنة للمختار، وقالت عائشة في حقها؛ أنها ابنة أبيها تنبيهًا على فضلها، رواه أبو داود عن الزهري، واسترضاهاً عٍَّ لما عتبت عليه بوطء مارية في بيتها، فحرمها وشهد بدرًا من أهلها سبعة: أبوها، وعمها زيد، وزوجها وأخوالها: عثمن، وعبد اللَّه، وقدامة، والسائب بن عثمن خالها، وروى لها عنه عَّه ستون حديثًا في البخاري منها خمسة. و (روى عنها جماعة من الصحابة والتابعين) كأخيها عبد الله، وابنه حمزة، وزوجته صفية بنت أبي عبيد، وحارثة بن وهب، والمطلبٍ بن أبي وادعة، وأَم مبشر الأنصارية، وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام، وعبد الله بن صفوان بن أمية وغيرهم، (وماتت في شعبان سنة خمس وأربعين) بالمدينة (في خلافة مطوية،) وبه جزم في التقريب، وصلى عليها مروان بن الحكم أمير المدينة وحمل سريرها بعض الطريق، ثم حمله أبو هريرة إلى قبرها، ونزل فيه أخوها عبد اللَّه، وعاصم، وسالم، وعبد اللَّه، وحمزة بنو عبد اللّه بن عمر، كما ذكر ابن سعد، (وقيل) ماتت في جمادى ٣٩٦ أُم سلمة أُم المؤمنين سنة إحدى وأربعين، وهي ابنة ستين سنة، وقيل إنها ماتت في خلافة عثمن. [أم سلمة أم المؤمنين] وأما أم المؤمنين أم سلمة هند، وقيل رملة والأول أصح - وأمها عاتكة بنت ا عامر بن ربيعة - وليست عاتكة بنت عبد المطلب - فكانت قبل رسول الله عَ ليه تحت أبي سلمة بن عبد الأسد، وكانت هي وزوجها أول من هاجر إلى أرض / الحبشة، فولدت له بها زینب، ١ الأولى (سنة إحدى وأربعين،) حين بايع الحسن معوية، (وهي ابنة ستين سنة) على القول الثاني، لأنها ولدت قبل النبوة بخمس سنين، فتضم إلى ثلاث عشرة قبل الهجرة، ثم إلى إحدى وأربعين بعدها تبلغ ذلك، أما على الأول فتكون ابنة ثلاث وستين، وقد أحسن اليعمري حيث قال بعد الأول، وقد بلغت ثلاثًا وستين سنة، (وقيل إنها ماتت في خلافة عثمن) سنة سبع وعشرين، قال في الإصابة حكاه الدولابي، وهو غلط، وكان قائله استند إلى ما رواه ابن وهب عن لملك أنه قال: ماتت حفصة عام فتحت أفريقية، ومراده فتحها الثاني الذي كان على يد معوية بن خديج، وهو في سنة خمسين، وأما الأول الذي كان في عهد عثمن سنة سبع وعشرين فلا، انتهى، وقيل ماتت سنة خمسين، وقيل سنة سبع وأربعين، حكاهما البرهان، وأوصت إلى أخيها عبد اللَّه بما أوصى إليها عمرو بصدقة تصدقت بها، بمال وقفته بالغاية. ذكره أبو عمر والله أعلم. أم سلمة أم المؤمنين (وأما أُم المؤمنين أم سلمة) الموصوفة بالجمال البارع، والعقل البالغ والرأي الصائب، وإشارتها عليه عَ لّه يوم الحديبية تدل على وفور عقلها وصواب رأيها، حتى قال إمام الحرمين لا نعلم امرأة أشارت برأي فأصابت إلاَّ أم سلمة (هند، وقيل رملة والأول أصح،) بل قال أبو عمر: يقال رملة وليس بشيء، وتقدم اسم أبيها ونسبه، (وأَمها عاتكة بنت عامر بن ربيعة) بن ملك، لكنانية، (وليست عاتكة بنت عبد المطلب) خلافًا لمن أخطأ، فظنها بنت عمته مَّةِ، وإنما هي بنت زوجها، وأخواها عبد اللَّه، وزهير ابنا عمته عليه السلام، (فكانت قبل رسول اللَّه معد له تحت) ابن عمها عبد اللَّه (أبي سلمة بن عبد الأسد) بن المغيرة المخزومي، (وكانت هي وزوجها) ممن أسلم قديمًا، و(أول من هاجر إلى أرض الحبشة) في أحد الأقوال، وقيل عثمن، وقيل سلط، وقيل حاطب كما مر، (فولدت له بها زينب) فيما يقال، لكن في مسند البزار ما يدل على أنها وضعتها بعد موت أبي سلمة، فحلت، فخطبها عَّه، فتزوجها، وكان اسمها برة، فغيره علێے زینب. ٣٩٧ أم سلمة أم المؤمنين وولدت له بعد ذلك سلمة وعمر ودرة، وقيل هي أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة، أسنده ابن أبي خيثمة عنها، حفظت عنه عَّةٍ، وروت عنه وعن أزواجه، ذكره في الإصابة في ترجمة زينب، (وولدت له بعد ذلك سلمة) الذي زوجه عَ لّ أمامة بنت حمزة عمه، وعاش إلى خلافة عبد الملك ولم يحفظ له رواية. (وعمر) الصحابي الصغير، وله رواية في الكتب الستة، واستعمله على فارس والبحرین، ومات بالمدينة سنة ثلاث وثمانين على الصحيح، (ودرة) التي قالت أم حبيبة: يا رسول اللَّه إنا قد تحدثنا أنك ناكح درة بنت أبي سلمة، فقال: إنها لو لم تكن ربيبة في حجري ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاعة رواه البخاري، وقد علمت أن كون زينب أكبر أولادها إنما هو قول ضعيف، ولذا جزم في الإصابة في ترجمة أم سلمة بقوله، فولدت له سلمة بالحبشة، ثم قدما مكة، وهاجر إلى المدينة، فولدت له عمر ودرة وزينب، وأما الشامي، فتناقض كلامه، فقال: أولاً سلمة أكبرهم، وعمر، وزينب أصغرهم، ثم بعده بقليل جزم بأن عمر ولد بالحبشة في السنة الثمانية من الهجرة، ولدت زينب بأرض الحبشة، وترك ذكر درة رأسًا، وكأنه أراد أن يحكي ذلك قولاً مقابلاً لما صدر به فنسي، لكن الشفاء في الأصابة، فإنه قال في زينب ما علمت، وفي عمر ولد في الحبشة في السنة الثانية، وقيل قبل ذلك وقبل الهجرة، ويدل عليه قول ابن الزبير كان أكبر مني بسنتين، (وقيل هي أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة،) كما رواه البغوي عن قبيصة بن ذؤيب. وروى ابن إسحق عنها: لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل بعيرًا له، وحملني، وحمل معي ابن سلمة، ثم خرج يقود بعيره، فلما رآه بنو المغيرة قالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد، ونزعوا خطام البعير من يدي وأخذوني، فغضب عند ذلك بنو عبد الأسد، وأهووا إلى سلمة، وقالوا: والله لا نترك ابنتنا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، فتجاذبوا سلمة حتى خلعوا يده، وانطلق به عبد الأسد ورهط أبي سلمة، وحبسني بنو المغيرة عندهم، فكنت أنطلق غداة، وأجلس أبكي بالأبطح، فما أزال أبكي حتى أُمسي سبعًا، أو قربها حتى مر بي رجل من بني عمي، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة، فرقتم بينها وبين زوجها وابنها، فقالوا: الحقي بزوجك إن شئت. ورد على عبد الأسد عند ذلك ابني، فرحلت بعيري، ووضعت ابني في حجري، ثم خرجت أُريد المدينة وما معي أحد من خلق اللَّه حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمن بن طلحة، فقال: أين يا بنت أبي أمية، قلت أريد زوجي بالمدينة، فقال: هل معك أحد، قلت: لا والله ٣٩٨ أُم سلمة أُم المؤمنين وقيل غيرها، ومات أبو سلمة سنة أربع وقيل سنة ثلاث من الهجرة. وكانت أم سلمة سمعته عليه الصلاة والسلام يقول: ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول: اللَّهم أجرني في مصيبتي وأخلفني خيرًا منها إلا أخلف الله له خيرًا منها قالت: فلما مات أبو سلمة إلاَّ اللَّه وبني هذا، فقال: والله ما مثلك يترك فأخذ بخطام البعير، فانطلق معي يقودني، فوالله ما صحبت رجلاً من العرب كان أكرم منه، إذا نزل المنزل أناخ بي، ثم تنحى إلى شجرة، فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري، فقدمه ورحله، ثم تأخر عني وقال: اركبي فإذا استويت أتى فأخذ بخطامه فقادني، فلم يزل يصنع ذلك حتى قدم بي المدينة، فلما نظر إلى قباء، قال: زوجك في هذه القرية، وكان أبو سلمة بها، (وقيل غيرها) قال في الإصابة، ويقال: إن ليلى امرأة عامر بن ربيعة شاركتها في هذه الأولية، وقال الشامي: ويقال بل ليلى، (ومات أبو سلمة) البدري المسلم بعد عشرة أنفس، كما قال ابن إسحق: بجرح أصابه بأحد، فعالجه شهرًا حتى برىء، ثم بعثه عَّله في سرية، فغاب شهرًا، ثم عاد فانتقض جرحه، فمات لثمان خلون من جماد الآخرة (سنة أربع) عند الجمهور، منهم: ابن جرير: ويعقوب ابن سفين، وابن البرقي، وابن أبي خيثمة، (وقيل) في جمادى الآخرة أيضًا، لكن (سنة ثلاث من الهجرة،) قاله ابن عبد البر، قال في الإصابة: والراجح الأول انتهى، (وكانت أم سلمة سمعته عليه الصلاة والسلام،) وفي رواية أن زوجها حدثها عنه بذلك، ولا منافاة، فحدثها أولاً، ثم سمعته عَّه. (يقول) كما في أبي داود والنسائي عن أم سلمة، ولم يذكروا عن أبي سلمة (ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول: ((اللهم أجرني))). قال السيوطي: بهمزة قطع ممدودة، وكسر الجيم بوزن أكرمني، وبسكون الهمزة، وضم الجيم بوزن انصرني، أي أثبني وأعطني (في مصيبتي وأخلفني،) بضم اللام (خيرًا منها إلا أخلف اللَّه له خيرًا منها،) ولمسلم والنسائي، وغيرهما أن أبا سلمة جاء إلى أم سلمة، فقال: سمعت من رسول اللَّه عَّه حديثًا هو أعجب إلي من كذا، وكذا، ما أدري ما أعدل به، سمعته يقول لا تصيب أحدًا مصيبة، فيسترجع عند ذلك، ثم يقول: اللهم عندك احتسب مصيبتي هذه، اللهم اخلفني فيها بخير منها إلاَّ أعطاه اللَّه ذلك وللترمذي. وقال حسن غريب، والنسائي، وابن ماجه، عن أم سلمة، عن أبي سلمة مرفوعًا إذا أصاب أحدكم مصيبة فليقل (إنا لله وإنا إليه راجعون)). ((اللهم عندك احتسب مصيبتي)) الحديث. (قالت: فلما مات أبو سلمة) استرجعت، وقلت: ((اللهم عندك احتسب مصيبتي))، هذه كما في رواية الجماعة عنها زاد في رواية البغوي وغيره ولم تطب نفسي أن أقول اللهم اخلفني ٣٩٩ أم سلمة أُم المؤمنين قلت أي المسلمين خير من أبي سلمة، ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله عَّه فأرسل إلى رسول الله عَّه حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له. وفي رواية: فخطبها أبو بكر فأبت، وخطبها عمر فأبت، ثم أرسل إليها رسول الله عَّةِ فقالت: مرحبًا برسول الله، إن فيَّ خلالا ثلاثًا: أنا امرأة شديدة الغيرة، وأنا امرأة مصبية وأنا امرأة ليس لي هنا أحد من أوليائي فيزوجني. فغضب عمر رضي الله عنه أشد مما غضب لنفسه حين ردته، فأتاها رسول الله عَ له فقال لها: أما ما ذكرت خيرًا منها و(قلت أي المسلمين خير من أبي سلمة) في قيامه بامرىء على الوجه الذي أريده وبعيد أن يكون غيره مثله في حقي، فلم ترد إنكار خيرية أحد من المسلمين على الإطلاق، وهذا أولى من قول صاحب فتح الإله، كأنها أرادت غير نحو العشرة ممن لم تعرف لهم أفضلية على غيرهم حينئذٍ، وظنها أفضلية أبي سلمة على الكل بعيد من كمال عقلها وفقهها انتهى. وفي رواية فكنت إذا أردت أن أقول وأبدلني خيرًا منها، أقول ومن خير من أبي سلمة، وفي رواية لابن ماجه، فلما أردت أن أقول: ((اللهم عضئي خيرًا منها»، قلت في نفسي: أعاض خيرًا من أبي سلمة، (ثم إني قلتها)، أي المقالة التي هي ((اللهم الخ ... ، (فاخلف اللَّه لي رسول اللَّه عَِّ، فأرسل إلى رسول اللَّه عَّه) بعد انقضاء عدتها بوضع زينب، كما في رواية النسائي (حاطب بن أبي بلتعة يخطبني) بضم الطاء، (له) كما في مسلم وغيره، وللنسائي وغيره أنه أرسل عمر بن الخطاب يخطبها له، وللطبراني برجال الصحيح والنسائي أيضًا من وجه آخر، والدارقطني أنه عَّه خطبها بنفسه، وجمع بأنه بعثهما أولاً، ثم خطب بنفسه ثانيًا، (وفي رواية) عند النسائي وغيره بسند صحيح من حديثها، (فخطبها أبو بكر،) وفي رواية، فلما انقضت عدتها، أرسل أبو بكر يخطبها، (فأبت وخطبها عمر،) وفي رواية، فأرسل إليها عمر يخطبها، (فأبت، ثم أرسل إليها رسول اللَّه عَّه) يخطبها، (فقالت: مرحبًا برسول اللَّه، إن في خلالاً ثلاثًا) أخافهن على رسول اللَّه عَّه، (أنا امرأة شديدة الغيرة، وأنا امرأة مصبية،) بضم الميم، وسكون المهملة، وكسر الموحدة، وخفة التحتية، أي ذات صبية ذكور وأناث، (وأنا امرأة ليس لي هنا أحد من أوليائي فيزوجني،) والنسائي فقالت: ما مثلي ينكح أنا لا يولد لي وغيور، وذات عيال، (فغضب عمر رضي اللَّه عنه أشد مما غضب لنفسه حین ردته). زاد في رواية، فقال: أنت التي تردين رسول اللَّه عَلَّه، فقالت يا ابن الخطاب إن في كذا وكذا، (فأتاها رسول اللَّه عَِّ، فقال لها:) زاد في رواية النسائي أنا أكبر منك، و(أما ما ذكرت ٤٠٠ أُم سلمة أُم المؤمنين من غيرتك فإني أرجو الله أن يذهبها عنك، وأما ما ذكرت من صبيتك فإن الله سيكفيهم، وأما ما ذكرت من أوليائك فليس أحد من أوليائك يكرهني. فقالت لابنها: زوج رسول الله عَّله فزوجه. قال صاحب ((السمط الثمين)) رواه بهذا السياق هدبة بن خالد و((صاحب الصفوة)) وخرج أحمد والنسائي طرفًا منه، ومعناه في الصحيح. ومنه دلالة على أن الابن يلي العقد على أمه، وعندنا أنه إنما زوجها بالعصوبة لأنه ابن ابن عمها، لأن أبا سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله، وأم سلمة هند بنت سهيل بن المغيرة بن عبد الله، ولم يكن من عصبتها . من غيرتك، فإني أرجو اللَّه أن يذهبها عنك). وفي رواية فسأدعو اللَّه، فيذهب غيرتك، فدعا مَّه، فكانت في النساء كأنها ليست منهن)، لا تجد من الغيرة شيئًا، (وأما ما ذكرت من صبيتك فإن اللَّه سيكفيهم). وفي رواية النسائي: وأما العيال فإلى اللَّه ورسوله، (وأما ما ذكرت من أوليائك فليس أحد من أوليائك يكرهني). وفي رواية شاهد ولا غائب إلا سيرضاني، (فقالت لابنها) عمر، كما في رواية أحمد والنسائي. وروى ابن إسحق أنه سلمة أخوه، وعليه الأكثر، قال البلاذري: وهو أثبت، وأقره في الإصابة (زوج رسول اللَّه عَّ) أُمك، (فزوجه) إياها. (قال) المحب الطبري (صاحب السمط:) بكسر السين العقد (الثمين،) أي الغالي في أزواج الأمين (رواه بهذا السياق هدبة،) بضم الهاء، وسكون الدال، بعدها موحدة (ابن خالد) بن الأسود العنسي أبو خالد البصري، ويقال له هداب، بفتح الهاء والتثقيل، ثقة عابد، لقيه البخاري، ومسلم، وأبو داود، ورووا عنه، ومات سنة بضع وثلاثين ومائتين، (وصاحب الصفوة) ابن الجوزي، (وخرج أحمد والنسائي طرفًا منه، ومعناه في الصحيح) لمسلم، (وفيه دلالة على أن الابن يلي العقد على أمه٤) كما ذهب إليه أبو حنيفة، ولملك، وجماعة، (وعندنا) يعني الشافعية (انه إنما زوجها بالعصوبة، لأنه ابن ابن عمها، لأن أبا سلمة عبد الله بن عبد الأسد) بسين ودال مهملتين، (ابن هلال بن عبد اللّه) بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي. (وأم سلمة هند بنت) أبي أُمية، واسمه (سهيل) في أحد الأقوال، وقيل هشام، وقيل حذافة، وصدوا في الإصابة (ابن المغيرة بن عبد اللّه) بن عمر بن مخزوم المذكور، (ولم يكن من عصبتها