النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ في ذكر أزواجه الطاهرات وسراريه المطهرات ابن رياب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن کبیر بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة. وميمونة بنت الحرث الهلالية. وزينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين. وجويرية بنت الحرث الخزاعية المصطلقية. وواحدة غير عربية من بني إسرائيل وهي صفية بنت حيي من بني النضير. فمات عنده علم منهن اثنتان: خديجة باسم من أسمائنا أهل البيت، ولكني قد سميته جحشًا، والجحش أكبر من البرة رواه الدارقطني في كتاب المؤتلف والمختلف انتهى. (ابن رياب) بكسر الراء وخفة التحتية وتبدل همزة فألف فموحدة. (ابن يعمر،) بفتح التحتية، وسكون العين المهملة، وضم الميم. (ابن صبرة،) بفتح الصاد المهملة، وكسر الموحدة. (ابن مرة بن كبير) ضد صغير (ابن غنم) بفتح الغين المعجمة وسكون النون. (ابن دودان) بضم الدال المهملة، وسكون الواو، فدال أُخرى، فألف فنون. (ابن أسد بن خزيمة) بن مدركة بن الياس بن مضر، فاجتمعت معه في جده الأعلى خزيمة، فهي عربية وتلتقي معه فيما فوق قريش. (وميمونة بنت الحرث) بن حزن بن بجير بموحدة وجيم وتحتية مصغر ابن هزم بضم الهاء، وفتح الزاي ابن رؤية، بضم الراء بعدها همزة مفتوحة تبدل واوًا ابن عبد اللَّه بن هلال بن عامر (الهلالية،) نسبة إلى جدها الأعلى هلال المذكور، فهي قريبة ميمونة وعامر هو ابن صعصعة بن مطوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بفتح المعجمة والمهملة والفاء ابن قيس عيلان بفتح المهملة وسكون التحتية (أُم المساكين). (وجويرية بنت الحرث) بن أبي ضرار بن حبيب بن أبي عائذ بهمزة فذال معجمة بن ملك بن جذيمة بفتح الجيم وكسر المعجمة، وهو المصطلق بن سعد بن كعب بن عمرو، وهو خزاعة (الخزاعية) نسبة إلى جدها هذا (المصطلقية،) بضم الميم، وسكون الصاد، وفتح الطاء المهملتين، وكسر اللام، وبالقاف إلى جدها المذكور. (وواحدة غير عربية من بني إسرائيل) يعقوب، فهي من بنات عمه إسحق بن إبراهيم عليه، (وهي صفية بنت حيي) بن أخطب (من بني النضير، فمات عنده عَ لَّه منهن اثنتان خديجة ٣٦٢ في ذكر أزواجه الطاهرات وسراريه المطهرات وزينب أم المساكين، ومات عَّ له عن تسع، ذكر أسماؤهن الحافظ أبو الحسن بن الفضل المقدسي نظمًا فقال: توفي رسول الله عن تسع نسوة إليهن تعزى المكرمات وتنسب فعائشة ميمونة وصفية وحفصة تتلوهن هند وزينب جويرية مع رملة ثم سودة ثلاث وست ذكرهن مهذب ولا خلاف في أن أول امرأة تزوج بها منهن خديجة بنت خويلد، وأنه عَّه لم يتزوج عليها حتى ماتت. وهذا حين الشروع في ذكرهن على الترتيب: وزينب أم المساكين) احترازًا عن زينب بنت جحش، (ومات عَّم عن تسع ذكر أسماءهن الحافظ أبو الحسن) علي (بن الفضل) بن علي العلامة شرف الدين بن العاصي أبي المكارم (المقدسي،) ثم السكندري الملكي ولد سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وسمع السلفي فأكثر عنه وانقطع إليه، وتخرج به وكان من أئمة المذهب العارفين به، وحفاظ الحديث مع ورع ودين وأخلاق رضية ومشاركة في الفضائل. أخذ عنه المنذري وخلائق، وله تصانيف مفيدة، مات بالقاهرة في مستهل شعبان سنة إحدى عشرة وستمائة (نظمًا، فقال: (توفي رسول اللَّه عن تسع نسوة إليهن تعزى المكرمات وتنسب) (عطف تفسير لتعزی): (فعائشة ميمونة وصفية وحفصة تتلوهن هند وزينب) هند هي أم سلمة، وهو أحد قولين والثاني رملة كما يأتي: (جويرية مع رملة ثم سودة ثلاث وست ذكرهن مهذب) رملة هي أم حبيبة على أصح قولين والآخر هند كما يأتي، (ولا خلاف في أن أول امرأة تزوج بها منهن خديجة بنت خويلد وانه) كما رواه مسلم من طريق الزهري عن عروة عن عائشة قالت: انه (عٍَّ لم يتزوج عليها) واستمر ذلك (حتى ماتت) بمكة رضي اللَّه عنها (وهذا حين،) أي أوان (الشروع في ذكرهن على الترتيب) في تزوجه بهن لا باعتبار الفضل لأنه قدم سودة على عائشة وهي أفضل منها بلا خلاف. وجرى المصنف في ترتيبهن على ما رواه يونس عن الزهري أنه عَّ له تزوج بعد خديجة سودة، ثم عائشة، ثم حفصة، ثم أم سلمة، ثم أم حبيبة، ثم زينب بنت جحش، ثم أم المساكين، ثم ميمونة، ثم جويرية، ثم صفية. وفي رواية عقيل عنه ٣٦٣ خديجة أم المؤمنين (خديجة أم المؤمنين) فأما أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها - وأمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم . فكانت تدعى في الجاهلية ((الطاهرة))، وكانت تحت أبي هالة النباش بن زرارة، فولدت له هندًا خديجة، ثم سودة، ثم عائشة، ثم أم حبيبة ثم حفصة، ثم أم سلمة، ثم ابنة جحش، ثم جويرية، ثم ميمونة، ثم صفية، ثم أُم المساكين، وقيل في ترتيبهن غير ذلك. أخرج ابن أبي خيثمة عن هند بن أبي هالة، قال: قال رسول اللَّه عٍَّ: (إن اللَّه أبى لي أن أزوج أو أتزوج إلاّ أهل الجنة)، وأخرج عبد الملك بن محمد النيسابوري عن أبي سعيد الخدري قال: قال عَ له: (ما تزوجت شيئاً من نسائي ولا زوجت شيئاً من بناتي إلاَّ بوحي جاءني به جبريل عن ربي عز وجل)). خديجة أم المؤمنين (فأما أم المؤمنين خديجة رضي اللَّه عنها) أول خلق اللَّه تعالى أسلم بإجماع المسلمين، لم يتقدمها رجل ولا امرأة. قاله الحافظ أبو الحسن عز الدين بن الأثير، وأقره الإمام الذهبي، وسبقهما لحكاية الإِجماع الثعلبي، وابن عبد البر، فسنت أحسن السنن، فلها أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، (وأُمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم) لقب لجندب بن حجر بن بغيض بن عامر بن لؤي، وفي نسخة بنت زائدة بنت ابن الأصم، وهي وصف ثان لفاطمة لا الزائدة لئلا يوهم أن زائدة اسم لأمها مع أنه أبو هالة وأمها هالة بنت عبد مناف بن الحرث بن منقذ بن بغيض بن عامر بن لؤي، وأَم هالة قلابة بنت سعيد من بني كعب بن لؤي فكيفما دار نسبها دار في قريش، (فكانت تدعى) توصف أو تنادى (في الجاهلية الطاهرة) لتركها ما كانت تفعله نساء الجاهلية، (وكان تحت أبي هالة) واسمه فيما جزم به أبو عبيد، وقدمه مغلطاي (النباش،) بفتح النون، فموحدة ثقيلة، فألف فشين معجمة، وقيل لملك. حكاه الزبير بن بكار والدارقطني وصدر به في الفتح، وقيل زرارة حكاه ابن منده والسهيلي، وقيل هند جزم به العسكري، وتبعه اليعمري (ابن زرارة) بن النباش بن عدي التميمي بميمين من بني تميم، (فولدت له هندًا،) الصحابي، راوي حديث الصفة النبوية، البدري الفصيح البليغ الوصاف، وله ولد اسمه أيضًا هند، فعلى قول العسكري أن إِسم أبي هالة هند يكون ممن ٣٦٤ خديجة أم المؤمنين وهالة وهما ذكران. ثم تزوجها عتيق بن عابد المخزومي، فولدت له جارية اسمها هند، وبعضهم يقدم عتيقًا على أبي هالة. ثم تزوجها رسول الله عَّله، ولها يومئذٍ أربعون سنة وبعض أخرى، وكان سنه عليه الصلاة والسلام إحدى وعشرين سنة، وقيل خمسًا وعشرين، وعليه الأكثر، وقيل ثلاثين. و کانت قد عرضت نفسها علیه، اشترك مع أبيه وجده في الاسم، (وهالة) التميمي قال أبو عمر له صحبة. وروى المستغفري عن عائشة قدم ابن لخديجة يقال له هالة والنبي عّ لّهِ قائل فسمعه، فقال: هالة هالة هالة، وروى الطبراني عن هالة بن أبي هالة أنه دخل على النبي عَّهِ، وهو راقد، فاستيقظ، فضم هالة إلى صدره، وقال هالة ثلاثًا، (وهما ذكران) خلافًا لمن وهم، فزعم هالة أُنثى وإن مشى عليه الشامي هنا، ويرده قول عائشة ابن لخديجة، ومن ثم أورده في الإصابة في الرجال لا في النساء، (ثم) بعد موت أبي هالة في الجاهلية (تزوجها عتيق بن عابد) بالموحدة والدال المهملة ابن عبد البربن عمر بن مخزوم (المخزومي) القرشي، (فولدت له جارية إِسمها هند) أسلمت وصحبت ولم ترو شيئًا، قاله الدارقطني. وقال الزهري: وهي أُم محمد بن صيفي المخزومي، وهو ابن عمها. قال ابن سعد: ويقال لولد محمد بنو الطاهرة لمكان خديجة، وقال بعضهم ولدت لعتيق عبد اللَّه، وقيل عبد مناف وهندًا، ثم كونه بعد أبي هالة هو قول الأكثر، وصححه ابن عبد البر، (وبعضهم يقدم عتيقًا) في تزويج خديجة (على أبي هالة) وهو قتادة وابن شهاب وابن إسحق في رواية يونس قالوا: تزوجها وهي بكر عتيق، ثم هلك عنها، فتزوجها أبو هالة واقتصر عليه في .. عيون والفتح وحكى القولين في الإِصابة، (ثم) بعد موتهما معًا عنها (تزوجها رسول اللَّه عَلَّه) ولها يومئذٍ أربعون سنة)) كما رواه ابن سعيد، واقتصر عليه اليعمري، وقدمه مغلطاي والبرهان وصحح، وقيل خمس وأربعون، وقيل ثلاثون وقيل ثمانية وعشرون. حكاها مغلطاي وغيره: أما قوله (وبعض أخرى) فينظر قائله ومها قدر البعض، (وكان سنه عليه الصلاة والسلام إحدى وعشرين سنة) في قول الزهري، (وقيل خمسًا وعشرين) سنة (وعليه الأكثر) من العلماء، (وقيل ثلاثين) حكاه ابن عبد البر، وقيل غير ذلك، (وكانت قد عرضت نفسها عليه) بلا واسطة، كما عند ابن إسحق أو بواسطة نفيسة بنت منية، كما رواه ٣٦٥ خديجة أم المؤمنين فذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه منهم حمزة، الواقدي عنها، وقد قدمت ذلك ولا تنافي فإنها أرسلت له نفيسة أولاً، فلما حضر كلمته بنفسها، وسبب العرض ما حدثها به غلامها ميسرة حين سافر معه في تجارتها وما رأته هي أيضًا فيه من الآيات، وما رواه المدائني عن ابن عباس أن نساء مكة اجتمعن في عيد لهن، فجاء رجل، فنادى بأعلى صوته أنه سيكون في بلدكن نبي يقال له أحمد، فمن استطاع منكن أن تكون زوجًا له فلتفعل فحصبنه إلا خديجة فأعرضت عن قوله ولم تعرض عنه، (فذكر ذلك لأعمامه) فيه أن اللَّه جبله على الإِستشارة من قبل النبوة، (فخرج معه منهم حمزة،) كما عند ابن إسحق، ونقل السهيلي عن المبرد أن أبا طالب هو الذي نهض معه، وهو الذي خطب، وجمع بأنهما خرجا معًا، والخاطب أبو طالب، لأنه أسن من حمزة. وروى أحمد والطبراني برجال الصحيح، عن ابن عباس والبزار والطبراني برجال ثقات عن جابر بن سمرة أو رجل من الصحابة والطبراني بسند ضعيف عن عمران، وهو والبزار پسند ضعيف عن عمار دخل حديث بعضهم في بعض أنه عَّةٍ كان يرعى وهو شريك له إبلاً لأَخت خديجة مدة، فلما انقضت جعل شريكه يأتي يتقاضاها ما بقي لهما عليها فقالت له مرة أين محمد، قال قلت له فزعم أنه يستحي، فقالت ما رأيت رجلاً أشد حياءً منه، ولا أعف، ولا ولا فوقع في نفس خديجة، فبعثت إليه، فقالت: اثت أبي فاخطيني، قال: إن أباك رجل كثير المال وهو لا يفعل. وفي حديث عمار مررت معه عَّ على أخت خديجة، فنادتني فانصرفت إليها ووقف عليه السلام، فقالت أما لصاحبك في تزويج خديجة حاجة فأخبرته، فقال: بلى لعمري، فرجعت إليها، فأخبرتها انتهى، فقالت له عَّه: كلم أبي وأنا أكفيك، وائت عند سكره، فأتاه عَّه، فكلمه، وكان أبوها يرغب أن يزوجه، فذبحت خديجة بقرة، وصنعت طعامًا وشرابًا، ودعت أباها ونفرًا من قريش، فطعموا وشربوا حتى ثملوا، فقالت: إن محمد بن عبد اللَّه يخطيني، فزوجني إياه، ففعل فخلقته وألبسته حلة وضربت عليه قبة، وكذا كانوا يفعلون بالآباء، فلما سرى عنه سكره نظر ذلك، فقال: ما شأني ما هذا، قالت: زوجتني محمد بن عبد اللَّه، فلما أصبح قيل له أحسنت زوجت محمدًا، قال أو قد فعلت؟ قالوا: نعم فدخل عليها، فقال: إن الناس يقولون إني روجت محمدًا وما فعلت، قالت: بلى، قال: أنا أزوج يتيم أبي طالب لا لعمري، قالت: ألا تستحي تريد أن تسفه نفسك عند قريش، تخبر الناس أنك كنت سكران، فإن محمدًا كذا وكذا، فلم تزل به حتى رضي، ثم بعثت إليه عَّ﴾ بوقيتين فضة أو ذهب، وقالت اشتر حلة واهدها لي وكساء، وكذا وكذا، ففعل، ولا تعارض بين هذه الأسباب لعرضها نفسها عليه، فإن ٣٦٦ خديجة أم المؤمنين حتى دخل على خويلد بن أسد، فخطبها إليه فتزوجها عَ ◌ّه وأصدقها عشرين بكرة. وزاد ابن إسحق من طريق آخر: وحضر أبو طالب ورؤساء مضر: فخطب أبو طالب. وقد قدمت خطبته في المقصد الأول عند ذكر تزويجها له عَّهِ. وذكر الدولابي وغيره أن النبي عَّه أصدق خديجة اثنتي عشرة أوقية ذهبًا. و کانت خديجة ۔ کما قدمته- أول من آمن من الناس، من جملة أسبابه وصف أُختها له، وهي تسمع بشدة الحياء والعفة وغيرهما، فأرسلت له أولاً نفيسة لتعلم أله فيها رغبة، فلما علمت ذلك كلمته بنفسها، فكأنه أبطأ عليها بعض أيام، فذكرته لأختها فمر عليها مع عمار، فقالت لعمار ذلك، فوافق عَّ على ذلك، وكلم أعمامه، فذهب معه اثنان (حتى دخل على) أبيها (خويلد بن أسد، فخطبها إليه،) أي من خويلد لنفسه مَّه، (فتزوجها ◌ٍَّ) بعدما تحيلت على أبيها بما ذكر، لأنه كان يرغب عن أن يزوجه واللَّه هداها ووفقها، وكون أبيها هو الذي زوجها هو ما جزم به ابن إسحق أولاً، ثم صدر به هنا وهو ظاهر أحاديث المذكورين، وقيل أخوها عمرو بن خويلد، وقيل عمها عمرو بن أسد، ورجحه الواقدي وغلط من قال بخلافه، لأن أباها مات قبل ذلك. قال السهيلي وهو الأصح وبالغ المؤملي، فحكى عليه الاتفاق (وأصدقها عشرين بكرة،) كما قاله المحب الطبري قائلاً ولا تخالف بينه وبين ما يقال أصدقها عنه أبو طالب، لجواز أنه عَِّ زاد في صداقها فكان الكل صداقًا. (وزاد ابن إسحق من طريق آخر، وحضر أبو طالب ورؤساء مضر، فخطب أبو طالب، وقد قدمت خطبته في المقصد الأول عند ذكر تزويجها له) مصدر مضاف لمفعوله، أي تزويج أبيها له (عَّةِ،) فسقط زعم أن الصواب تزوجها، نعم هو أولى فقط ويكون مضافًا لفاعله، (وذكر الدولابي وغيره أن النبي عَّهِ أصدق خديجة اثنتي عشرة أوقية ذهبًا) ونشًا، كما هو بقية كلام من نقل عنه، كما أسلفه في المقصد الأول، وقال: إن النش نصف أوقية، وكل أُوقية أربعون درهمًا انتهى، وهو بفتح النون والشين المعجمة، وفي مسلم عن عائشة كان صداق رسول اللَّه عَ لّه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ذهبًا ونشًا، أتدري ما النش؟، قلت: لا، قالت: نصف أوقية، فذلك خمسمائة درهم، فذلك صداقه لأزواجه، وهذا لصحته أولى مما ذكره ابن إسحق أن صداقه لأكثر أزواجه أربعمائة درهم، ولزيادته فإن من ذكر الزيادة معه زيادة علم، فلعل ما وقع لبعضهم أنه أصدق خديجة أربعمائة دينار أصله درهم، ويكون بناءً على كلام ابن إسحق. (وكانت خديجة، كما قدمته أول من آمن من الناس) على الإطلاق، كما حكى عليه الثعلبي وابن عبد البر وابن الأثير الاتفاق، وإنما الخلاف في أول من آمن بعدها، وتقدم الجمع ثمة. ٣٦٧ خديجة أم المؤمنين وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: ((أن جبريل قال للنبي عَ ◌ّه يا محمد، هذه خديجة قد أتتك بإناء فيه طعام - أو إدام أو شراب - فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، قال في الإصابة: وأُصرح ما وقفت عليه في سبقها إلى الإسلام ما رواه أبو نعيم في الدلائل بسند ضعيف عن عائشة كان ◌َ ◌ّ جالسة مع خديجة إذ رأى شخصًا بين السماء والأرض، فقالت له خديجة: ادن فدنا منها، فقالت: تراه، قال: نعم، قالت: أدخل رأسك تحت درعي ففعل، فقالت: تراه، قال: لا، قالت: أبشر هذا ملك لو كان شيطانًا لما استحى ثم رآه بأجياد فنزل إليه وبسط له بساطًا، وبحث في الأرض، فنبع الماء، فعلمه جبريل كيف يتوضأ فتوضأ، وصلى ركعتين نحو الكعبة، وبشره بنبوته، وعلمه اقرأ باسم ربك ثم انصرف فلم يمر على شجر ولا حجر إلاَّ قال: سلام عليك يا رسول اللَّه، فجاء إلى خديجة فأخبرها، فقالت أرني كيف أراك فأراها، فتوضأت كما توضأ، ثم صلت معه، وقالت: أشهد أنك رسول اللَّه انتهى. (وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن جبريل قال للنبي عَّه) لفظ الرواية، وفي الصحيحين أتى جبريل النبي عَّله، زاد الطبراني بحراء (يا محمد) لفظ البخاري في باب تزويجها وفضلها، فقال يا رسول اللَّه (هذه خديجة قد أتتك) هو لفظ مسلم. قال الحافظ: أي توجهت إليك، وقوله ثانيًا، فإذا هي أتتك، أي وصلت إليك، ولفظ البخاري قد أتت بلا كاف (بإناء فيه طعام، أو) قال (إدام) بكسر الهمزة (أو) قال (شراب،) كذا رواية الصحيحين بالشك من الراوي ثلاثًا وللإسمعيلي فيه إدام أو طعام وشراب بالشك مرتين. وفي رواية الطبراني أنه كان حيسًا، (فإذا هي أتتك)،) أي وصلت إليك، (فاقرأ) بهمزة وصل وفتح الراء (عليها السلام من ربها،) إضافة تشريف لها (ومني). قال المصنف: وهذه لعمر الله خاصة لم تكن لسواها، وسبقه إلى هذا ابن القيم في الهدى، فقال: وهذه فضيلة لا تعرف لامرأة سواها انتهى. زاد الطبراني، فقالت: هو السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام، وللنسائي عن أنس قال: قال جبريل للنبي عَ لّه إن اللَّه يقرىء خديجة السلام يعني فأخبرها، فقالت: إن اللَّه هو السلام وعلى جبريل السلام وعليك السلام ورحمة اللَّه وبركاته، زاد ابن السني وعلى من سمع السلام إلا الشيطان. قال في فتح الباري: قال العلماء في هذه القصة دليل على وفور فقهها، لأنها لم تقل وعليه السلام كما وقعٍ، لبعض الصحابة حيث كانوا يقولون في التشهد السلام على اللَّه، فنهاهم عَّه وقال: إن اللَّه هو السلام، فقولوا التحيات للَّه، فعرفت خديجة لصحة فهمها أن اللَّه لا ٣٦٨ خديجة أم المؤمنين وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب)) والقصب: اللؤلؤ المجوف. يرد عليه السلام، كما يرد على المخلوقين لأن السلام من أسمائه، وهو أيضًا دعاء بالسلامة، وكلاهما لا يصلح أن يرد به على اللَّه، فكأنها قالت: كيف أقول عليه السلام، والسلام اسمه، ومنه يطلب، ومنه يحصل، فيستفاد منه أنه لا يليق باللَّه إلَّ الثناء عليه، فجعلت مكان رد السلام عليه الثناء عليه، ثم غايرت بين ما يليق باللَّه وما يليق بغيره، فقالت وعلى جبريل السلام، ثم قالت وعليك السلام، ويستفاد منه رد السلام على من أرسله وعلى من بلغه. والذي يظهر أن جبريل كان حاضرًا عند جوابها فردت عليه وعلى النبي مرتين مرة بالتخصيص ومرة بالتعميم، ثم أخرجت الشيطان ممن سمع، لأنه لا يستحق الدعاء بذلك، وإنما بلغها جبريل بواسطة المصطفى، ولم يواجهها بالخطاب، كمريم قيل لأنها نبية، وقيل لأنها لم يكن معها زوج محترم، فخاطبها. (وبشرها ببيت في الجنة من قصب،) بفتح القاف والصاد المهلة وبالموحدة (لا صخب فيه) بفتح المهملة والمعجمة بعدها موحدة الصياح والمنازعة برفع الصوت (ولا نصب) بفتح النون والمهملة فموحدة التعب فبشرها عَّله، لأنه لا يتخلف عن امتثال ما أمر به. وقد روى أحمد والطبراني وأبو يعلى برجال ثقات وابن حبان عن عبد الله بن جعفر رفعه أمرت أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. وروى الشيخان عن عائشة أنه عَّه بشر خديجة ببيت في الجنة الحديث. وروى الطبراني برجال الصحيح عن جابر سئل عَ ل﴾ عن خديجة، فقال: أبصرتها على نهر من أنهار الجنة في بيت من قصب لا لغو فيه ولا نصب. قال السهيلي: مناسبة نفي هاتين الصفتين أعني المنازعة والتعب أنه عَِّ لما دعا إلى الإِيمان أجابت خديجة طوعًا فلم تحوجه إلى رفع صوت ولا منازعة ولا تعب في ذلك، بل أزالت عنه كل نصب، وآنسته من كل وحشة، وهونت عليه كل عسير، فناسب أن يكون منزلها الذي بشرها به ربها بالصفة المقابلة لفعلها، (والقصب اللؤلؤ المجوف،) كما ورد مفسرًا في كبير الطبراني من حديث أبي هريرة، ولفظه بيت من لؤلؤة مجوفة، وأصله في مسلم وعنده في الأوسط، عن فاطمة قلت: يا رسول اللَّه أين أمي خديجة؟ قال: في بيت من قصب، قلت أمن هذا القصب؟، قال: لا من القصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت. قال السهيلي: النكتة في قوله من قصب، ولم يقلّ من لؤلؤ إن في لفظ القصب مناسبة لكونها أحرزت قصب السبق بمبادرتها إلى الإِيمان دون غيرها، وكذا وقعت في هذه المناسبة في ٣٦٩ خديجة أم المؤمنين قال ابن إسحق: كان عٍَّ لا يسمع شيئًا يكرهه من رد عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بخديجة إذا رجع إليها تثبته وتخفف عنه، وتصدقه وتهون عليه أمر الناس حتى ماتت رضي الله عنها. وعن عبد الرحمن بن زيد قال: قال عادم عليه السلام: إني لسيد البشر يوم القيامة، جميع ألفاظ هذا الحدیث انتهى. قال الحافظ: وفي القصب مناسبة أخرى من جهة استواء أكثر أنابيبه، وكذا كان لخديجة من الإستواء ما ليس لغيرها إذا كانت حريصة على رضاه بكل ممكن ولم تغضبه قط كما وقع لغيرها. والمراد بالبيت، كما قال أبو بكر الإِسكاف في فوائد الأخبار بيت زائد على ما أعد الله لها من ثواب عملها، ولذا قال لا نصب، أي لم تتعب بسببه، وقال السهيلي: لذكر البيت معنى لطيف لأنها كانت ربة بيت في الإِسلام منفردة به، فلم يكن على وجه الأرض في أول يوم بعث عَِّ بيت إسلام إلاّ بيتها، وهي فضيلة ما شاركها فيها أيضًا غيرها، قال: وجزاء الفعل يذكر غالبًا بلفظه وإن كان غيره أشرف منه، فلهذا جاء الحديث بلفظ بيت دون قصر انتهى. قال الحافظ وفيه معنى آخر لأن مرجع أهل بيت النبي عَّ إليها لما ثبت في تفسير قوله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، قالت أم سلمة: لما نزلت دعا النبي عَّه فاطمة وعليًا والحسن والحسين، فجللهم بكساء، فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي الحديث أخرجه الترمذي وغيره، ويرجع أهل البيت هؤلاء إلى خديجة، لأن الحسنين من فاطمة وقاطمة بنتها، وعلي نشأ في بيتها وهو صغير، ثم تزوج بنتها بعدها، فظهر رجوع أهل البيت النبوي إلى خديجة دون غيرها انتهى. (قال ابن إسحق) في إسلام خديجة فآمنت بما جاء به من اللَّه ووازرته على أمره فكانت أول من آمن بالله ورسوله، فخفف الله بذلك عن رسوله، (فکان ێ لا یسمع شیئا یکرهه من رد عليه وتكذيب له، فيحزنه ذلك إلاَّ فرج الله عنه بخديجة، إذا رجع) إليها (تثبته وتخفف عنه وتصدقه وتهون عليه أمر الناس،) تسهل عليه أذاهم، كأن تقول هم وإن قالوا فيك ما لا يليق، فهم يعلمون أنك بريء منه، وإنما قالوه حسدًا، واستمر ذلك (حتى ماتت رضي اللّه عتها،) ومر حديث الصحيح في تقويتها له لتلقي ما نزل عليه، وذكرها خصاله الحميدة وذهابها به إلى ورقة. (وعن عبد الرحمن بن زيد) بن أسلم العدوي، مولاهم المدني (قال: قال ءادم عليه السلام إني لسيد البشر يوم القيامة) من حيث الأبوة أو السيادة، لا تقتضي الأفضلية، فقد قال ٣٧٠ خديجة أم المؤمنين إلا رجلاً من ذريتى نبيًا من الأنبياء، يقال له أحمد، فضل علي باثنتين: زوجته عاونته فكانت له عونًا، وكانت زوجتي علي عونًا، وأعانه الله على شيطانه فأسلم، وكفر شيطاني، خرجه الدولابي، كما ذكره الطبري. وخرج الإمام أحمد من حديث ابن عباس أنه مَّه قال: أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة ابنة محمد، ومريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون. ابن عمر ما رأيت أسود من معوية، وقد رأى العمرين (إلاَّ رجلاً من ذريتي، نبيًا من الأنبياء يقال له أحمد، فضل علي باثنتين، زوجته عاونته، فكانت له عونًا) قبل البعثة وبعدها، (وكانت زوجتي علي عونًا،) حيث زينت له الأكل من الشجرة، (وأعانه اللَّه على شيطانه) قرينه الموكل به، (فأسلم) آمن بالله ورسوله، (وكفر شيطاني) إبليس لعنه الله. (خرجه الدولابي، كما ذكره الطبري،) الحافظ، محب الدين في السمط الثمين في أزواج الأمين، وهذا الحديث وإن كان مقطوعًا فلبعضه شواهد، فعند البزار عن ابن عباس: رفعه فضلت على الأنبياء بخصلتين: كان شيطاني كافرًا فأعاننى اللَّه عليه، فأسلم، قال: ونسيت الأخرى. وروى مسلم مرفوعًا ما منكم من أحد إلاّ وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول اللَّه، قال: وإياي إلاَّ أن اللّه أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلاّ بخير. روى بفتح الميم، ورجحه عياض والنووي، وهو المختار وبضمها، وصححه الخطابي، (وخرج الإِمام أحمد) وأبو داود، والنسائي، والحاكم، وصححاه (من حديث ابن عباس أنه معَّ. قال: أفضل نساء أهل الجنة) في ذكرها الإِيذان بأنهن أفضل حتى من الحور العين، ولو قال النساء لتوهم أن المراد نساء الدنيا فقط (خديجة بنت خويلد) لسبقها إلى الإِسلام ومواساتها وتعظيمها خير الأنام، وقال: إني رزقت حبها رواه مسلم، فتأمل قوله رزقت، ولم يقل أحبها نجد فيه ما فيه من غاية التعظيم ونهاية التفخيم. (وفاطمة ابنة محمد) قال السهيلي: تكلم الناس في المعنى الذي سادت به فاطمة أخواتها، فقيل لأنها ولدت الحسن الذي قال فيه جده: إن ابني هذا سيد، وهو خليفة، وبعلها خليفة، وأحسن من هذا قول من قال: سادت أخوتها وأمها، لأنهن متن في حياته عَّ له، فكن في صحيفته، ومات هو في حياتها، فكان في صحيفتها وميزانها، وقد روى البزار عن عائشة أنه عليه السلام قال لفاطمة: هي خير بناتي لأنها أصيبت في، وهذا قول حسن انتهى. (ومريم ابنة عمران) لأن اللَّه ذكرها في القرءان وشهد بصديقتيها، وأخبر أنه طهرها واصطفاها على نساء العالمين، وقيل بنبوتها. (وآسية) بنت مزاحم (امرأة فرعون) المذكورة في القرءان، وهما من زوجاته علـ ٣ في ٣٧١ خديجة أم المؤمنين قال الشيخ ولي الدين العراقي: خديجة أفضل أمهات المؤمنين على الصحيح المختار، وقيل: عائشة، انتھی. وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في شرح بهجة الحاوي، عند ذكر أزواجه عَّله: وأفضلهن خديجة وعائشة وفي أفضلهما خلاف، صحح ابن العماد تفضيل خديجة، لما ثبت الجنة، کما عند ابن عساکر بسند ضعيف. (قال الشيخ ولي الدين العراقي: خديجة أفضل أُمهات المؤمنين على الصحيح المختار) عند العلماء بدليل هذا الحديث، والذي قبله من إقراء السلام عليها من اللَّه تعالى، ولقوله عَ ليه خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة. رواه البخاري، أي مريم خير نساء الأُمة الماضية، وخديجة خير نساء هذه الأمة، كما قال الحافظ جاء ما يفسر المراد صريحًا، فروى البزار والطبراني عن عمار رفعه: لقد فضلت خديجة على نساء أُمتي، كما فضلت مريم على نساء العالمين إسناده حسن انتهى، وقال في الإِصابة: يفسره ما أخرجه ابن عبد البر عن عمران أنه عَّه قال لفاطمة: ألا ترضين أنك سيدة نساء العالمين، قالت: يا أبت فأين مريم، قال: تلك سيدة نساء عالمها انتهى، ولأنه عَّه أثنى على خديجة ما لم يثن على غيرها، قالت عائشة: كان عٍَّ لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة، فيحسن الثناء عليها. رواه الدولابي، وابن عبد البر، وللطبراني: وكان إذا ذكر خديجة لم يسأم من ثناء عليها، واستغفار لها، (وقيل عائشة،) وضعف بحيث بالغ ابن العربي، فقال: لا خلاف أن خديجة أفضل من عائشة، قالت في الفتح: ورد بأن الخلاف ثابت قديمًا، وإن كان الراجح أفضلية خديجة بما تقدم (انتهى) کلام الوليد. (وقال شيخ الإسلام زكريا) بن أحمد (الأنصاري،) العلامة، المحدث، الفقيه، الإِمام الصوفي، مجاب الدعوة، صاحب التصانيف، شهرته تغني عن تعريفه، وعمر نحو مائة حتى انقرض جميع أقرانه، وألحق الأصاغر بالأكابر، وصار كل من بمصر من أتباعه أو أتباع أتباعه، وتوفي سنة نيف وعشرين وتسعمائة (في شرح بهجة الحاوي،) الذي قرىء عليه سبعًا وخمسين مرة، حتى كان تلميذه الشمس الرملي يقول: هذا شرح أهل بلد لا شرح رجل واحد (عند ذكر أزواجه مَِّ وأفضلهن خديجة وعائشة، وفي أفضلهما خلاف) زاد في الروضة، ثالثها الوقف، (صحح ابن العماد) والسبكي وغيرهما (تفضيل خديجة لما ثبت) عند الطبراني بسند جيد، ٣٧٢ خديجة أم المؤمنين أنه عَّه قال لعائشة رضي الله عنها، حين قالت له: قد رزقك الله خيرًا منها فقال: ((لا والله ما رزقني الله خيرًا منها، آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وأعطتني مالها حين حرمني الناس)). وسئل ابن داود أيهما أفضل؟ فقال: عائشة أقرأها النبي عَّه السلام من جبريل، وخديجة أقرأها جبريل السلام من ربها على لسان محمد، فهي أفضل. قيل له: فمن أفضل خديجة أم فاطمة؟ فقال: إن رسول الله عَّه قال: ((فاطمة بضعة مني)) فلا أعدل ببضعة رسول الله عَ لل أحدًا. ويشهد لهذا قوله عد له: والدولابي (أنه عَِّ قال لعائشة رضي اللَّه عنها حين قالت له) لما غارت من كثرة ثنائه عليها واستغفاره لها قالت: فاحتملتني الغيرة، فقلت: (قد رزقك الله خيرًا منها) ولأحمد والطبراني، فقلت: قد أبدلك الله بكبيرة السن، حديثة السن، فغضب غضبًا شديدًا، وسقطت في جلدي، وقلت: اللهم أذهب غيظ رسولك لم أعد أذكرها بسوء ما بقيت، ولأحمد أيضًا، فغضب حتى قلت، والذي بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا إلاّ بخير، (فقال لا والله ما رزقني الله خيرًا منها، آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتتي حين كذبني الناس، وأعطتني مالها حين حرمني الناس. زاد الطبري: وآوتني إذ رفضني الناس، ورزقت مني الولد إذا حرمتوه، ولأحمد ورزقني الله أولادها إذ حرمني أولاد النساء، وأصل الحديث في الصحيحين مختصرًا، فخلفه عَِّ على ذلك مع أنه صادق مصدوق بلا قسم، وتعديده مآثرها الحميدة أدل دليل على أنها أفضل من عائشة رضي اللَّه عنهما. (وسئل) الإمام أبو بكر (ابن) الإِمام المجتهد الحافظ (داود) بن علي الظاهري: (أيهما أفضل؟) بالتذكير، كقوله تعالى: ﴿بأي أرض تموت﴾ [لقمان: ٣٤]، وتؤنث أيضًا وقرىء باية أرض، (فقال عائشة أقرأها النبي عَُّ السلام من جبريل) من قبل نفسه، (وخديجة أقرأها جبريل السلام من ربها على لسان محمد، فهي) أي خديجة (أفضل، قيل له فمن أفضل خديجة أم فاطمة؟، فقال: إن رسول اللَّه عَ لَّه قال: فاطمة بضعة) بفتح الموحدة، كما هو الرواية، وحكى ضمها وكسرها، أي قطعة لحم (مني، فلا أعدل ببضعة رسول اللَّه عَ لَّه أحدًا). قال السهيلي وهذا استقراء حسن، ويشهد له أن أبا لبابة حين ربط نفسه، وحلف أن لا يحله إلاَّ رسول اللَّه جاءت فاطمة لتحله، فأبى لقسمه، فقال عَّ فاطمة بضعة مني، فحلته قال: أعني السهيلي: (ويشهد لهذا) أيضًا (قوله عَّة) لفاطمة في مرض موته لما أخبرها أنه مقبوض، ٣٧٣ خديجة أم المؤمنين أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم. واحتج من فضل عائشة رضي الله عنها بما احتجت به من أنها في الآخرة مع النبي عليه، وفاطمة رضي الله عنها مع علي. وسئل السبكي فقال: والذي نختاره، وندين الله به، أن فاطمة بنت محمد أفضل، ثم أمها خديجة، ثم عائشة، فبكت، فقال: (أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة إلاَّ مريم،) فضحكت، فهذا دليل على فضلها على أمها، وبهذا استدل السبكي. قال في الفتح: والذي يظهر أن الجمع بين الحديثين أولى، وأن لا نفضل إحداهما على الأُخرى انتهى، يعني هذا الحديث، وحديث أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة، وقال في الإِصابة، وقد ذكر حديث خير نسائها خديجة، وقوله لفاطمة: ألاَّ ترضين أنك سيدة نساء العالمين، يحمل على التفرقة بين السيادة والخيرية، أو على أن ذلك بالنسبة إلى من وجد من النساء حين قاله لفاطمة انتهى، وفيه نظر فإن المراد بالسيادة الخيرية، وهي الفضل، كما صرح به في رواية أحمد وغيره وحمله على الموجودات حين الخطاب يأباه قوله نساء العالمين، وهو في الصحيحين، كما مر في ترجمتها، لأنه تخصيص للعام بلا مخصص، فقد ساوت أمها، وزادت عليها، كونها بضعة المختار، فهي أفضل منها، وقد صرح هو في الفتح في المناقب بما لفظه، قيل انعقد على الإجماع أفضلية فاطمة، وبقي الخلاف بين عائشة وخديجة انتهى، بل توسع بعض المتأخرين، فقال: فاطمة وأخوها إبراهيم أفضل من سائر الصحابة حتى من الخلفاء الأربعة، فإن أراد من حيث المبضعة، فمتحمل وإن كان الخلفاء أفضل من حيث العلوم الجمة، وكثرة المعارف ونصر الدين والأُمة، (واحتج من فضل عائشة رضي اللَّه عنها) على فاطمة، وهو أبو محمد بن حزم (بما احتجت) هي (به من أنها في الآخرة) في الجنة (مع النبي عَّه) التي هي أعلى الدرجات، (وفاطمة رضي اللَّه عنها مع علي) ولا حجة في هذا، وإلاّ لزم أنها وبقية أزواجه أفضل من سائر الأنبياء والمرسلين، لأنه عَ لَّه أعلى درجة في الجنة من الجميع، وهو خلاف المعلوم من الدين بالضرورة، ومن ثم قال في الفتح وفساده ظاهر، (و) قد (سئل السبكي) الكبير، والسائل له الإِمام الأذرعي، نزيل حلب ومفتيها عن جملة مسائل منها: هل قال أحد أن أحدًا من نسائه عَّله غير خديجة وعائشة أفضل من فاطمة؟، (فقال) في الجواب قاله من لا يعتد بقوله، وهو من فضل نساءه على جميع الصحابة، لأنهن في درجته في الجنة، وهو قول ساقط مردود ضعيف لا مستند له من نظر ولا نقل، (والذي نختاره وندين اللّه به أن فاطمة بنت محمد أفضل، ثم أُمها خديجة، ثم عائشة). ٣٧٤ خديجة أم المؤمنين ثم استدل لذلك بما تقدم بعضه. وأما خبر الطبراني: خير نساء العالمين مريم بنت عمران ثم خديجة بنت خويلد، ثم فاطمة بنت محمد، ثم آسية امرأة فرعون. فأجاب عنه ابن العماد: بأن خديجة إنما فضلت فاطمة باعتبار الأمومة، لا باعتبار السيادة. واختار السبكي: أن مريم أفضل من خديجة لهذا الخبر، وللاختلاف في نبوتها، انتھی. وقال أبو أمامة بن النقاش: إن سبق خديجة، وتأثيرها في أول الإسلام ومؤازرتها قال: والخلاف شهير ولكن الحق أحق أن يتبع، (ثم استدل لذلك بما تقدم بعضه،) فقال والحجة في ذلك حديث الصحيح: أما ترضين، فذكره وما رواه النسائي مرفوعًا أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة. (وأما خبر الطبراني) عن ابن عباس رفعه: (خير نساء العالمين مريم بنت عمران، ثم خديجة بنت خويلد، ثم فاطمة بنت محمد، ثم آسية امرأة فرعون،) فأتى بثم المرتبة، فقدم خديجة المقتضى لفضلها على ابنتها، (فأجاب عنه ابن العماد؛ بأن خديجة إنما فصلت فاطمة بإعتبار الأمومة، لا بإعتبار السيادة،) فلا شاهد فيه على أنها أفضل منها، على أن ابن عبد البر قد روى هذا الحديث عن ابن عباس سيدة نساء العالمين مريم، ثم فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية. قال ابن عبد البر: وهذا حديث حسن يرفع الإشكال، ونقله الفتح، وأقره، فقدم فاطمة، (واختار السبكي: أن مريم أفضل من خديجة لهذا الخبر وللاختلاف في نبوتها انتهى،) ولم يتعرض للتفضيل بين مريم وفاطمة، واختار السيوطي تفضيل فاطمة على مريم بمقتضى الأدلة، ففي مسند الحرث بسند صحيح لكنه مرسل مريم خير نساء عالمها، وفاطمة خير نساء عالمها، وأخرجه الترمذي موصولاً من حديث علي بلفظ خير نسائها مريم وخير نسائها فاطمة. قال الحافظ بن حجر والمرسل يعتضد بالمتصل، وسبقه إلى اختيار ذلك الزركشي والخيضري والمقريزي كما مر، لكن يرد عليهم هذا الحديث المرتب بثم، وقوله في حديث الصحيح لفاطمة في مرض وفاته: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة إلاَّ مريم، نعم يعارضه حديث عمران أنه معَّ قال لفاطمة: ألا ترضين أنك سيدة نساء العالمين، قالت: يا أبت فأين مريم، قال: تلك سيدة نساء عالمها، أخرجه ابن عبد البر، ولم ينقدح لي وجه الجمع. (وقال أبو أمامة بن النقاش أن سبق خديجة وتأثيرها في أول الإِسلام ومؤازرتها) مستعار ٣٧٥ خديجة أم المؤمنين ونصرها وقيامها في الدين بنفسها ومالها لم يشركها فيه أحد، لا عائشة ولا غيرها من أمهات المؤمنين. وتأثير عائشة رضي الله عنها في آخر الإسلام، وحمل الدين وتبليغه إلى الأمة وإدراكها من الأحاديث ما لم تشركها فيه خديجة ولا غيرها، مما تميزت به عن غيرها، انتهى. من الجبل واشتقاقه من الوزر وهو الثقل، (ونصرها) عطف تفسير، (وقيامها في الدين بنفسها ومالها، لم يشركها فيه أحد، لا عائشة، ولا غيرها من أمهات المؤمنين،) فقد تكون أفضل من هذه الحيثية، (وتأثير عائشة رضي الله عنها في آخر الإِسلام، وحمل الدين، وتبليغه إلى الأمة وإدراكها من الأحاديث،) وفي نسخة من الأدلة (ما لم تشركها فيه خديجة، ولا غيرها مما تميزت به عن غيرها،) فقد تكون أفضل منها بهذا الإِعتبار (انتهى) كلام أبي أمامة، وكأنه أشار إلى أن جهات الفضل بينهما متفاوتة، كما قاله ابن تيمية. قال في الفتح: وكأنه رأى التوقف، وقال ابن القيم: إن أريد بالفضل كثرة الثواب عند اللَّه، فذلك أمر لا يطلع عليه، فإن عمل القلوب أفضل من عمل الجوارح، وإن أريد كثرة العلم، فعائشة لا محالة أو شرف الأصل، ففاطمة لا محالة، وهي فضيلة لا يشاركها فيها غير أخواتها أو شرف السيادة، فقد ثبت النص لفاطمة وحدها، قلت: امتازت فاطمة عن أخواتها؛ بأنه متن في حياته عَُّله، ومات هو في حياتها، وأما ما امتازت به عائشة من فضل العلم، فإن لخديجة ما يقابله، وهي أنها أول من أجاب إلى الإِسلام، ودعا إليه، وأعان على ثبوته بالنفس والمال والتوجه التام، فلها مثل أجر من جاء بعدها، ولا يقدر قدر ذلك إلاّ اللّه تعالى انتهى. وقال في الإِصابة: ومن طواعيتها له قبل البعثة؛ أنها رأت مهله إلى زيد بن حارثة بعد أن صار في ملكها، فوهبته له عَّه، فكانت هي السب فيما امتاز به زيد من السبق إلى الإِسلام حتى قيل إنه أول من أسلم مطلقًا انتهى. وفي الصحيح عن عائشة كان عَّه إذ ذبح الشاة يقول: أرسلوا إلى أصدقاء خديجة، قالت عائشة: فاغضبته يومًا، فقلت: خديجة، فقال إني رزقت حبها. وروى الشيخان عن عائشة ما غرت على أحد ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان عٍَّ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة، فيقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له، كأنه لم يكن في الدنيا إلاّ خديجة، فيقول: إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد. وروى ابن حبان عن أنس كمان عَّا إذا أتى بالشىء يقول اذهبوا به إلى بيت فلانة، فإنها كانت صديقة لخديجة، ولنمسك عنان القلم رغبة عن التطويل. ٣٧٦ خديجة أم المؤمنين وماتت خديجة رضي الله عنها بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل بأربع، وقيل خمس، ودفنت بالحجون، وهي ابنة خمس وستين سنة، ولم يكن يومئذٍ يصلى على الجنازة، وكانت مدة مقامها مع النبي عَّه خمسًا وعشرين سنة، وقيل أربعًا وعشرين سنة. (وماتت خديجة رضي الله عنها بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين) على الصحيح، كما في الفتح والإصابة، زاد عن الواقدي لعشر خلون من شهر رمضان، (وقيل) قبلها (بأربع) سنين، (وقيل خمس) حكاهما في الإصابة، وقيل بست سنين. حكاه في الفتح، وروى ابن عساكر بسند ضعيف عن ابن عباس؛ أنه عَُّ دخل على خديجة وهي في الموت، فقال: يا خديجة إذا لقيت ضرائرك فاقرئيهن مني السلام، فقالت: يا رسول اللَّه وهل تزوجت قبلي؟، قال لا ولكن اللَّه زوَّجني مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وكلثم أُخت موسى، ورواه الزبير بن بكار بلفظ أنه دخل على خديجة وهي في الموت، فقال: تكرهين ما أرى منك يا خديجة، وقد يجعل اللَّه في الكره خيرًا، أشعرت أن اللَّه أعلمني أنه سيزوجني معك في الجنة مريم وآسية وكلثم؟، فقالت: اللَّه أعلمك بهذا يا رسول اللَّه؟، قال: نعم. وروى هو والطبراني بسند فيه من لا يعرف عن عائشة، أنه عَّةٍ أُطعم خديجة من عنب الجنة. أورده السهيلي بعد حديث الأخبار بالضرائر، فظاهره أنه أطعمها حينئذ؛ فكأنه لما أخبرها بهن والمقصود منه إخبارها في هذه الحالة بانها زوجته في الجنة من جملة الزوجات الفاضلات، أكد اللَّه إخباره، الصادق، وآتاه من عنب الجنة، فاطعمها إِكرامًا لها وله معَ ◌ّه. (ودفنت) كما أسنده الواقدي عن حكيم بن حزام (بالحجون) قال: ونزل عَّ في حفرتها، (وهي ابنة خمس وستين سنة،) كما في رواية الواقدي هذه، وفي السمط أربع وستين وستة أشهر، (ولم يكن يومئذ يصلى على الجنازة(،) لأنها لم تكن شرعت، (وكانت مدة مقامها مع النبي عَِّ خمسًا وعشرين سنة) على الصحيح، كما في الفتح، وهو المطابق للصحيح، وقول الأكثر أنه تزوجها، وهو ابن خمس وعشرين سنة، (وقيل أربعًا وعشرين سنة) وأربعة أشهر، قاله ابن عبد البر، وهو مطابق له أيضًا بإلغاء الكسر في عامي الزواج والوفاة. أما على أن سنة إحدى وعشرون، أو ثلاثون، فلا يتأتى أن قالا أن موتها سنة عشر من البعثة، وفي مسلم عن عائشة أنه عدّله لم يتزوج على خديجة حتى ماتت. قال الحافظ: ولا خلاف فيه بين أهل الأخبار، وفيه دليل على عظيم قدرها عنده، وعلى مزيد فضلها، لأنها أغنته عن غيره، واختصت به بقدر ما اشترك فيه غيرها مرتين، لأنه عَّه عاش ٣٧٧ سودة أم المؤمنين [سودة أم المؤمنين] وأما أم المؤمنين سودة بنت زمعة - وأمها الشموس بنت قيس - فأسلمت قديمًا وبايعت، وكانت تحت ابن عم يقال له السكران بن عمرو - أخو سهيل بن عمرو - أسلم معها قديمًا، وهاجرا جميعًا إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، فلما قدما مکة مات زوجها، بعد أن تزوَّجها ثمانية وثلاثين عامًا، انفردت منها خديجة بخمسة وعشرين وهي نحو الثلاثين، ومع طول المدة، فصان اللَّه قلبها فيها من الغيرة، ومن نكد الضرائر الذي ربما حصل منه ما يشوش عليه بذلك، وهو فضيلة لم يشركها فيها غيرها. وروى ابن سعد بسند قوي مرسل جاءت خولة بنت حكيم، فقالت: يا رسول اللَّه كأني أراك قد دخلتك خلة لفقد خديجة، قال: أجل كانت أم العيال وربة البيت، وعنده أيضًا من مرسل عبيد بن عمير قال: وجد عٍَّ على خديجة حتى خشي عليه حتى زوج عائشة. قال ابن إسحق: وكانت خديجة له وزيرة صدق، وكان يسكن إليها، وماتت هي وأبو طالب في عام واحد، قيل فسماه عام الحزن واللَّه أعلم. سودة أم المؤمنين (وأما أُم المؤمنين سودة) بفتح السين المهملة، علم منقول من صفة دالة على المدح، وهو السفح المستقيم تفاؤلاً أن تكون بعد كبرها بهذه الصفة، وقد كانت رضي الله عنها طويلة جسيمة، (بنت زمعة) بزاي، فميم، فمهملة مفتوحات قال ابن الأثير: وأكثر ما سمعنا أهل الحديث والفقهاء يقولونه بسكون الميم، وقول المصباح لم أظفر بالسكون في كتب اللغة قصور، فقد قدمه القاموس، ثم حكى الفتح، فظاهره أن السكون أكثر لغة، وتقدم إنهاء نسبها إلى عامر بن لؤي بن غالب، (وأَمها الشموس) بشين معجمة، وميم، فواو، فمهملة (بنت قيس) بن عمرو بن زيد الأنصارية من بني عدي بن النجار بنت أخي سلمى بنت عمرو بن زيد أم عبد المطلب، (فأسلمت قديمًا، وبايعت) على الإِسلام قديمًا، (وكانت تحت ابن عم) لأبيها (يقال له السكران بن عمرو) بن عبد شمس بن عبدود وأبوها زمعة بن قيس بن عبد شمس المذكور، فعمرو وقيس اخوان، فالسكران ابن عم أبيها، (أخو سهيل) بالتصغير (ابن عمرو،) وسهل بالتكبير، وسليط، وحاطب بنو عمرو، وكلهم صحابة رضي اللَّه عنهم، وإنما اقتصر تبعًا للإصابة على سهيل لشهرته (أُسلم معها قديمًا، وهاجرا جيمعًا إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، فلما قدما مكة مات زوجها،) وولدت له ابنا اسمه عبد الرحمن، قتل في حرب جلولاء قرية من ٣٧٨ سودة أُم المؤمنين وقيل إنه مات بالحبشة. وتزوجها عَ لَه بمكة بعد موت خديجة قبل أن يعقد على عائشة، هذا قول قتادة وأبي عبيدة، ولم يذكر ابن قتيبة غيره، ويقال تزوجها بعد عائشة. ويجمع بين القولين: بأنه عَّله عقد على عائشة قبل سودة، ودخل بسودة قبل عائشة، والتزويج يطلق على كل منهما، وإن كان المتبادر إلى الفهم العقد دون الدخول. قرى فارس، (وقيل إنه مات بالحبشة،) وعن ابن عباس أنها رأت في المنام كأن النبي عَ ◌ّ أقبل يمشي حتى وطىء عنقها، فأخبرت زوجها بذلك، فقال: إِن صدقت رؤياك لأموتن وليتزوَّجنك، ثم رأت في المنام ليلة أُخرىٍ إِنَّ قمرًا انقض عليها، وهي مضطجعة، فأخبرت زوجها، فقال: لئن صدقت رؤياك لم ألبث إلاَّ يسيرًا حتى أموت وتتزوجين من بعدي، فاشتكى السكران من يومه ذلك، فلم يلبث إلاّ قليلاً حتى مات، (وتزوجها عَّه) عقد، ودخل عليها (بمكة) ويروى بالمدينة. قال النامي: وهي رواية شاذة وقع فيها، وهم (بعد موت خديجة) سنة عشر من النبوة، وقيل سنة ثمان بناء على المشهور، ومقابلة في وفاة خديجة (قبل أن يعقد على عائشة) على الصحيح، وأصدقها أربعمائة درهم قي قول ابن إسحق. وأخرج ابن سعد برجال ثقات وابن أبي عاصم وغيرهما، أن خولة بنت حكيم قالت: ألا أخطب عليك؟ قال: بلى، فإنكن معشر النساء أرفق بذلك، فخطبت عليه سودة وعائشة، فتزوجهما، فبنى بسودة بمكة وعائشة بعد الهجرة. (هذا قول قتادة وأبي عبيدة) معمر بن المثنى، (ولم يذكر ابن قتيبة غيره،) وبه جزم الجمهور. قال في الإصابة: ورواه ابن إسحق، فقال: كانت سودة أول امرأة تزوجها بعد خديجة. قال اليعمري وهو الصحيح، (ويقال تزوجها بعد عائشة). قال عبد الله بن محمد بن عقيل (ويجمع بين القولين،) كما نقله في الفتح عن الماوردي؛ (بأنه عَّ عقد على عائشة قبل سودة،) أي قبل الدخول بسودة لا قبل العقد عليها، كما توهمه من استشكله، بدليل بقية كلام المصنف، فلا ينافي أنه عقد عليها قبل عائشة، (ودخل بسودة قبل عائشة) بعد عقده على عائشة، (والتزويج يطلق على كل منهما) من العقد والدخول، فيحمل الأول على العقد، والثاني على الدخول، لكونه سببًا فيه، فيتفق القولان (وإن كان المتبادر للفهم العقد دون الدخول،) وهو الذي جاء منه تباين القولين، وبهذا الجمع سقط قول الخيضري كيف يكون الأول أصح، ومقابله في مسلم، فهو من باب صحيح وأصح، وكلاهما صحيح، فتقدم رواية الأكثر انتهى، لأنه بناه على العقد فيهما، وأما ابن كثير، فقال: ٣٧٩ سودة أُم المؤمنين ولما كبرت سودة أراد النبي عَّلَّهِ طلاقها، فسألته أن لا يفعل وجعلت يومها لعائشة فأمسكها. الصحيح أنه عقد على عائشة قبل سودة، ولم يدخل بها إلاَّ في ثانية الهجرة، ودخل بسودة بمكة وسبقه إلى ذلك أبو نعيم، وفيه نظر، فإن جزمه بدخوله في الثانية يخالف ما ثبت أنه دخل بعائشة بعد خديجة بثلاث سنين، كما في فتح الباري، وتصحيحه أنه عقد عليها قبل سودة معارض بتصحيح اليعمري، وجزم الدمياطي أنه عقد على عائشة بعد عقده على سودة. روى الإمام أحمد بسند جيد، والطبراني برجال ثقات، عن عائشة وابن سعد والبيهقي بسند حسن من مرسل أبي سلمة بن عبد الرحمن بن حاطب، ووصله ابن أبي عاصم أن خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون جاءت إلى رسول اللَّه عَّله، فقالت: ألاَّ تتزوج؟، قال: من، قالت: إن شئت بكرًا، وإن شئت ثيبًا، أما البكر فابنة أحب الخلق إليك عائشة، وأما الثيب فسودة بنت زمعة قد آمنت بك واتبعتك، قال: اذهبي فاذكريهما على الحديث، وفيه فذهبت إلى سودة، فقلت: ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟، قالت: وما ذاك؟ قلت: إن رسول اللَّه أرسلني إليك لأخطبك عليه، قالت: وددت ذلك لكن ادخلي على أبي فاذكري له ذلك، وكان شيخًا كبيرًا قد جلس على المواسم، فحييه بتحية الجاهلية، فقلت: أنعم صباحًا، فقال: ومن أنت؟ فقلت: خولة، فرحب بي، وقال ما شاء أن يقول، فقلت: إن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يذكر ابنتك، قال: هو كفء كريم، فما تقول صاحبتك؟، قلت: تحب ذلك، قال: فقولي له فليأت، فجاء ◌َّهِ، فملكها وقدم عبد الله بن زمعة، فوجد أُخته قد تزوجها رسول اللَّه، فحثا التراب على رأسه، فلما أسلم كان يجد في نفسه من ذلك شيئًا ويقول: اني لسفيه يوم أحثوا التراب على رأسي أن تزوج علّبيه أختي، وأفاد الحديث أن أباها هو الذي زوجها للمصطفى، وقال ابن إسحق: زوجه إياها سليط بن عمرو، ويقال أبو حاطب بن عمرو، وتعقبه ابن هشام، بأن ابن إسحق نفسه يخالف هذا، لأنه ذكر أنهما كانا غائبين بالحبشة في هذا الوقت، (ولما كبرت سودة) بكسر الباء مضارعه بالفتح لا غير، أي أسنت وبضمها فيهما في الأجسام والمعاني، وكلاهما في القرءان أنشدنا شيخنا بالمجلس عن شيخه العلامة عبد اللّه الدنوشري لنفسه: كبرت بكسر الباء في السن وارد مضارعه بالفتح لا غير يا صاح وفي الجسم والمعنى كبرت بضمها مضارعه بالضم جاء بإيضاح قال: وقوله وارد هو المناسب لقوله جاء بإيضاح، وهو الذي سمعته من لفظه (أراد النبي عَِّ طلاقها، فسألته أن لا يفعل، وجعلت يومها لعائشة فامسكها،) كما رواه ابن عبد البر ٣٨٠ سودة أُم المؤمنين وتوفيت بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين. وروى البخاري في تاريخه بإسناد صحيح إلى سعيد بن أبي هلال: عن عائشة لما أسنت سودة هم عَّه بطلاقها، فقالت: لا تطلقني وأنت في حل مني، فأنا أُريد أن أُحشر في أزواجك، وإنى قد وهبت يومي لعائشة، وإني لا أريد ما تريد النساء، فامسكها حتى توفي. وأخرج الترمذي بسند حسن عن ابن عباس، وأبو داود والحاكم عن عائشة أن سودة خشيت أن يطلقها عَّله، فقالت: لا تطلقني وأمسكني، واجعل يومي لعائشة، ففعل، ففعلت، فأنزل اللَّه ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا﴾ [النساء: ١٢٨]. قال في الإصابة: وأخرجه ابن سعد عن عائشة من طرق في بعضها، أنه بعث إليها بطلاقها، وفي بعضها أنه قال لها اعتدي والطريقان مرسلان، وفيهما أنها قعدت له على طريقه، فناشدته أن يراجعها، وجعلت يومها وليلتها لعائشة، ففعل، ومن طريق معمر بلغي أنها قالت ما بي على الأزواج من حرص، ولكني أُحب أن يبعثني اللَّه يوم القيامة زوجًا لك انتهى. ولو صحا لأمكن الجمع، لكن صحح الدمياطي وتلميذه اليعمري، أنه لم يطلقها، وكانت شديدة الإِتباع لأمره عَّه. روى أحمد عن أبي هريرة عَ له قال لنسائه عام حجة الوداع هذه ثم ظهور الحصر، قال: فكن كلهن يحججن إلاَّ زينب وسودة، فقالتا: واللَّه لا تحركنا دابة بعد أن سمعنا ذلك منه عَّه، وصح عن عائشة عند أبي يعلى وغيره؛ أنها قالت ما من الناس أحد أحب إلى أن أكون في مسلاحه من سودة أن بها الاحدة فيها كانت تسرع منها الفيئة، مسلاخ بكسر الميم، وسكون المهملة، وخفة اللام والخاء المعجمة هديها وطريقتها. وفي الصحيح عن عائشة: استأذنت سودة رسول اللَّه عَ لَّهِ ليلة المزدلفة أن تدفع قبل الناس، وكانت امرأة بطيئة يعني ثقيلة، فأذن لها، ولأن أكون استأذنته أحب إلى من مفروح به. وعن إبراهيم النخعي قال: قالت سودة لرسول اللَّه عَّهِ صليت خلفك الليل، فركعت بي حتى أمسكن ما بقي مخافة أن يقطر الدم فضحك، وكانت تضحكه بالشىء أحيانًا. رواه ابن سعد برجال الصحيح، وعنده أيضًا، عن محمد بن سيرين أن عمر بعث إلى سودة بغرارة من دراهم، فقالت: ما هذه؟، قالوا: دراهم، قالت: في غرارة مثل التمر ففرقتها، (وتوفيت بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين) في خلافة معوية، كما رجحه الواقدي. وقال الحافظ في تقريبه سنة خمس وخمسين على الصحيح. (وروى البخاري في تاريخه بإسناد صحيح إلى سعيد بن أبي هلال) الليثي، مولاهم.