النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
و ((العليم)) و((المعلم)) و (معلم أمته)) فقال تعالى: ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم﴾
[النساء/ ١١٣]، وقال تعالى: ﴿ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم
تكونوا تعلمون﴾ [البقرة/ ١٥١].
وأما ((الخبير)) فمعناه: المطلع على كنه الشىء، العالم بحقيقته، وقيل:
المخبر، فقال تعالى: ﴿الرحمن فاسأل به خبيرًا﴾ [الفرقان/ ٥٩]. قال القاضي
بكر بن العلاء - فيما ذكره في الشفاء -: المأمور بالسؤال غير النبي عَّةٍ،
والمسؤول الخبير هو النبي عَّ ه. وقال غيره: بل السائل النبي عَّ.
الدنيوية والأخروية، ((والعليم))) اسم فاعل للمبالغة الذي له كمال العلم وثباته، وهما مما سماه به
تعالى من أسمائه، ((والمعلم))) اسم مفعول من التعليم، أو اسم فاعل، وهما اسمان، كما مر في
السرد («ومعلم أمته))) بكسر اللام المرشد لهم للخير، والدال عليه، واستدل للأولين ولثالث على
أنه اسم مفعول بقوله: (فقال تعالى: ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم﴾)، أرشدك وهداك إلى ما
لم يكن لك به علم، ولا سبق لك فيه معرفة من حوادث الأمور وضمائر القلوب. وأسرار الغيوب،
وأمر الدين، والأحكام وشرائع الإسلام، وعلى الأخيرين، أو الأخير بقوله، (وقال تعالى:
﴿ويعلمكم الكتاب﴾ الآية القرءان، (﴿والحكمة﴾) ما فيه من الأحكام (﴿ويعلمكم ما لم تكونوا
تعلمون﴾) من المواعظ، وأخبار من مضى، وأحوال القيامة ومقدماتها، وغير ذلك مما لا طريق له
سوى الوحي غير المتلو ولذا أعيد الفعل لتغايرهما، (وأما الخبير،) وهو مما سماه اللَّه تعالى به
من أسمائه، (فمعناه) في حق اللَّه ورسوله (المطلع) الواقف على كنه) بضم فسكون، أي حقيقة
(الشىء العالم بحقيقته) وهي ذاته، لا غايته، كما، قيل، وهو في حق اللَّه واضح وفي حق
رسوله كذلك، باطلاع اللَّه تعالى له بوحيه، (وقيل) معناه (المخبر) بكسر الباء، أي أنبياءه ورسله
بكلامه المنزل عليهم وعباده يوم القيامة بأعمالهم فإنه لا يغرب عن علمه شىء وفي حق رسوله
بما نزل عليه من القرءان وغيره، (فقال:) الفاء للتعليل، أي لقوله (تعالى:) ﴿ثم استوى على العرش
الرحمن فاسأل به خبيرًا﴾)، عالمًا، أي عنه، والضمير، لما قبله من خلق السموات، والأرض
والاستواء، (قال القاضي بكر:) بفتح الموحدة ابن محمد (بن العلاء) بن زياد القشيري، وأمه من
ولد عمران بن حصين أبو الفضل البصري، ثم المصري أحد كبار الفقهاء الملكية وعلماء
الحديث صاحب التصانيف مات بمصر سنة أربع، وأربعين وثلثمائة، وقد جاوز الثمانين بأشهر.
(فيما ذكره في الشفاء) عياض (المأمور بالسؤال) في الآية (غير النبي عَّة) من كل من يتأتى
منه السؤال، لا النبي، لأنه المخاطب، (والمسؤول الخبير هو النبي (عَّه)) لأنه العالم بحقيقة ما
ذكر دون غيره فدل على تسميته خبيرًا. (وقال غيره) غير القاضي بكر، (بل السائل النبي عَ ◌ّه)

٢٦٢
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
والمسؤول الله عز وجل، فالنبي عَّة خبير بالوجهين المذكورين، قيل لأنه عَّ اه.
على غاية من العلم بما علمه الله من مكنون علمه، وعظيم معرفته، مخبر لأمته بما
أذن له في إعلامهم به.
وأما (العظيم)) فقال الله تعالى في شأنه: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾
[القلم/٤] ووقع في أول سفر من التوراة عن إسماعيل: وسيلد عظيمًا لأمة عظيمة.
لأنه المخاطب به، (والمسؤول اللَّه عز وجل، فالتبي ◌َّةٍ خبير بالوجهين المذكورين،) أي على
التفسيرين، فالباء بمعنى على، أو ظرفية أما الأول فظاهر لإطلاقه عليه، ولأنه لو لم يكن خبيرًا لم
يؤمر بسؤاله، وأما الثاني، فاذنه له في السؤال دال على إعلامه به.
(قيل) في تعليل تسميته خبيرًا على تفسيره بالعالم بالحقيقة، أو بالمخبر، (لأنه معَّ على
غاية من العلم بما علمه اللَّه من مكنون علمه وعظيم معرفته) أي سمي بذلك، لما أعلمه به من
الخفيات، والمغيبات التي أطلعه عليها بوحيه وما جبله عليه من المعرفة العظيمة، (مخبر لأمته بما
أذن له في إعلامهم به) دون ما لم يأذن من الأسرار الإلهية، وهذا باعتبار أنه عالم قبل السؤال
وما قبله باعتبار ما أجاب به بعد سؤاله، فافترقا، (وأما العظيم،) وهو من أسمائه تعالى، أي الجليل
الشأن، أو الذي كل شىء دوبه، أو البالغ أقصى مراتب العظمة، فلا تتصوره الأفهام، ولا تحيط
بعظمته الأوهام، أو الذي ليس لعظمته غاية، ولا لكبريائه نهاية سبحانه، (فقال اللَّه تعالى في
شأنه) بهمزة وإبدالها ألفًا: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ فجمع اللَّه تعالى له من محاسن
الأخلاق ما لا يتصور في سواه وإذا وصف خلقه بالعظيم فقد وصفه به، فهو من أسمائه، فلا
يرد أنه صفة للخلق لا له، وإن العظمة مختصة باللّه، أو هو توطئة لقوله، (ووقع في أول سفر)
بكسر، فسكون كتاب (من التوراة عن إسمعيل) نبي اللَّه ابن خليله، وكان الظاهر أن، يقال في
حق إسمعيل فكأنه صفة سفر، أي فيه ما يصدر عن إسمعيل، (وسيلد عظيمًا) من الولادة، وهو
المصطفى عَّله، لأنه العظيم الذي ولده إسمعيل (لأمة عظيمة،) وفيه مبالغة في وصفه بالعظمة،
إذ جعل أتباعه عظماء فما بالك به، وهذا هو الذي في الشفاء، والنسخ الصحيحة من الشامية نقلاً
عنها وعن ابن دحية بلام بعدها دال من الولادة، وعظيمًا مفعول، فلا عليك مما يقع في نسخ
سيدًا وعظيمًا، أو وسيلة عظيمة، أو سيرد براء بدل اللام عظيمًا فإنه كله من تحريف النساخ، وإن
تكلف توجيه الأولتين بأن المعنى بعثناه سيدًا فإنه فاسد، لأن الضمير لإسمعيل ولي القصد
الإخبار عنه، وإلاَّ كان، لا معنى لذكره احتجاجًا على تسمية المصطفى بعظيم، والثالثة بأن
المعنى سيرد على الحوض، فإنه فاسد كذلك فإنما هو مجرد خيالات تقوم في العقول دون

٢٦٣
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
فهو عَّ عظيم وعلى خلق عظيم.
وأما (الشاكر)) و((المشكور)) فقد وصف عَّله نفسه بذلك فقال: ((أفلا أكون
عبدًا شكورًا)) أي: آأترك تهجدي فلا أكون عبدًا شكورًا؟! والمعنى: أن المغفرة
سبب لكون التهجد شكرًا، فكيف أتركه؟ وعلى هذا فتكون ((الفاء)) للسببية. وقال
القاضي عياض: شكورًا أي: معترفًا بنعم ربي، عالمًا بقدر ذلك، مثنيًا عليه، مجهدًا
نفسي في الزيادة من ذلك، لقوله تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ [إبراهيم/ ٧].
وأما ((الشكار)) فهو أبلغ من شاكر، وفي حديث ابن ماجه أنه عٍَّ كان من
دعائه: رب اجعلني لك شكارًا.
مراجعة النقول، (فهو عَ ◌ّه عظيم،) كما وصف به في التوراة، أي جليل شأنه كامل في ذاته
وصفاته، (وعلى خلق عظيم)، كما وصف به في القرءان، (وأما ((الشاكر)) اسم فاعل، (والشكور)
كثير الشكر، وهو من أسمائه تعالى إن ربنا لغفور شكور، أي المعطى الثواب الجزيل على العمل
القليل، أو المثني على المطيعين، (فقد وصف عَّ نفسه بذلك،) لما صلى حتى تورمت قدماه،
فقيل له أتتكلف هذا، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟، (فقال: أفلا أكون عبدًا
شكورًا؟) رواه الشيخان، (أي أأترك تهجدي، فلا أكون عبدا شكورًا،) فالاستفهام الإنكاري يدل
على أنه وصف ثابت له، (والمعنى أن المغفرة سبب لكون التهجد شكرًا فكيف أتركه، وعلى
هذا فتكون الفاء للسببية، وقال القاضي عياض) في الشفاء تفسيرًا لقوله (شكورًا، أي معترفًا) مقرًا
(بنعم ربي عالمًا بقدر ذلك)،) أي قدر عظمها، لا عددها لقوله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة اللَّه لا
تحصوها﴾ الآية، (مثنيًا عليه) بلساني، وأركاني، (مجهدًا) بزنة متعبًا، أي باذلاً جهدي وطاقتي
ومتعبًا (نفسي في الزيادة من ذلك) الاعتراف، والثناء (لقوله تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾).
من النعم التي شكرتموها وعدًا ممن لا يخلف الميعاد، (وأما ((الشكار))، فهو أبلغ من
شاكر) ومن شكور، لأنه ينبىء عن وجود الشكر وكماله. وشكار ينبىء عن تكرار الشكر وكثرته
وصيرورته كالطبيعة له، وصرح أبو بكر بن طلحة النحوي بتفاوت صيغ المبالغة، كما مر، (وفي
حديث ابن ماجه) عن ابن عباس (أنه عٍَّ كان من دعائه رب اجعلني لك شكارًا،) قيل الشاكر
الذي يشكر على العطاء، أو على الموجود، والشكور الذي يشكر على البلاء، أو على المفقود،
وحكي أن شقيقًا البلخي سأل جعفر الصادق عن الفتوة، فقال: ما تقول أنت، فقال: إِن أعطينا
شكرنا وإن منعنا صبرنا، فقال جعفر: هكذا تفعل كلاب المدينة، فقال شقيق: يا ابن رسول اللَّه

٢٦٤
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
وأما ((الكريم)) و((الأكرم)) و((أكرم ولد عادم)) فسماه الله به في قوله تعالى:
﴿إنه لقول رسول كريم﴾ [سورة الحاقة/ ٤٠] أي محمد عَّ ◌ُلّه، وليس المراد به
جبريل عليه السلام، لأنه تعالى لما قال: ﴿إنه لقول رسول كريم﴾ ذكر بعده أنه
ليس بقول شاعر ولا كاهن، والمشركون لم يكونوا يصفوا جبريل عليه السلام
بذلك، فتعين أن يكون المراد بالرسول الكريم هنا محمدًا عَّهِ، كما سيأتي إن شاء
الله تعالى بيانه فى مقصد أي التنزيل. وقال عليه الصلاة والسلام: أنا أكرم ولد
ءادم.
وأما ((الولي)) و((المولى))
فما الفتوة عندكم؟، فقال: إن أعطينا شكرنا وإن منعنا صبرنا، (وأما ((الكريم))) وهو من أسمائه
تعالى، أي الكثير الخير، أو المتفضل، أو العفو، أو العلي، وهي صحيحة في حقه عَِّ،
(والأكرم) من الأسماء الحسنى، كما في رواية ابن ماجه وفي التنزيل ﴿اقرأ وربك الأكرم﴾، أي
الزائد في صفة الكرم على غيره، وقد قال عَ له: ((أنا أكرم الأولين والآخرين على اللَّه ولا فخر)).
رواه الدارمي، (وأكرم ولد ءادم فسماه اللَّه به) بالكريم (في قوله تعالى) في سورة الحاقة: ﴿فلا
أقسم بما تبصرون﴾. ﴿وما لا تبصرون﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٢٣٩ (أنه)، أي القرءان (لقول رسول
كريم، أي محمد عَّ) أضيف إليه لنزوله عليه وتلقي الأمة له عنه، (وليس المراد به جبريل
عليه السلام، لأنه تعالى، لما قال: ﴿إِنه لقول رسول كريم﴾، ذكر بعده أنه ليس بقول شاعر،
ولا كاهن)، إذ قال: سبحانه: ﴿وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون﴾، ولا بقول كاهن، ولو
قال المصنف، لأنه تعالى قال بعده، وذكر اللفظ إلى هنا لأُغناه عن التكرار وحكاية القرءان
بالمعنى، (والمشركون لم يكونوا يصفوا) بحذف النون للتخفيف، وفي نسخ بالنون، وهو أولى
[أي:] (جبريل عليه السلام بذلك) الشعر، والكهانة (فتعين أن يكون المراد بالرسول الكريم هنا
محمدًا عَّه، كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى بيانه في مقصد آي التنزيل) السادس، وأما في
سورة التكوير، فذكر المصنف في المقصد المذكور ترجيح أنه جبريل، ونسب عياض لأكثر
المفسرين أنه محمد عَّه.
قيل ولا حاجة لإثباته بهاتين الآيتين المختلف فيهما لاتصافه معَّه بالكريم وبمعناه في
الأحاديث الصحيحة، (وقال عليه الصلاة والسلام: ((أنا أكرم ولد وادم،») أي أشرف من الأنبياء
وغيرهم دليل تسميته بهذا الاسم وبالأكرم وقدمت له دليلاً آخر، (وأما الولي، والمولى) بفتح
الميم، واللام وهما من أسمائه تعالى، وهو الولي الحميد، اللَّه ولي الذين آمنوا ذلك بأن اللَّه مولى

٢٦٥
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
فقال عليه الصلاة والسلام: أنا ولي كل مؤمن.
وأما (الأمين)) فقد كان عليه الصلاة والسلام يعرف به، وشهر به قبل النبوة
وبعدها، وهو أحق العالمين بهذا الاسم، فهو أمين الله على وحيه ودينه، وهو أمين
من في السماء والأرض.
وأما (الصادق)) و((المصدوق)) فقد ورد في الحديث تسميته بهما، ومعناهما
غیر خفي،
الذين آمنوا ومعناهما الناصر، أي الذي ينصرهم على أعدائهم.
قال تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾ [المائدة: ٥٥]، أي ناصركم ولم
يقل أولياؤكم، لأن نصرتهم واحدة، أو لأن الناصر إنما هو اللّه وغيره بتبعيته وإعانته، كما، قال وما
النصر إلاَّ من عند الله، (فقال عليه الصلاة والسلام،) كما رواه البخاري عن أبي هريرة (أنا ولي
كل مؤمن) ناصره ومتوليه، والقائم بمصالحه.
وفي البخاري أيضًا مرفوعًا ما من مؤمن إلاَّ، وأنا أولى به في الدنيا، والآخرة، فمن ترك
مالاً فلعصبته من كانوا، فإن ترك دينًا، أو ضياعًا فليأتني، فأنا مولاه، وقال عَّه من كنت مولاه
فعلي مولاه، رواه الترمذي وحسنه، (وأما الأمين) فعيل بمعنى مفعول مبالغة، أو بمعنى فاعل من أمن
ككرم، فهو أمين، (فقد كان عليه الصلاة والسلام يعرف به) من صغره، (وشهر به قبل النبوة
وبعدها،) فكانت توضع عنده الودائع، والأمانات، ومن، ثم لما هاجر خلف عليًا ليؤدي عنه
الودائع وبه سماه الله في قوله مطاع، ثم أمين في أحد القولين. وسماه به كعب بن ملك في
شعره، (وهو أحق العالمين بهذا الاسم) لوقاره وصدق لهجته، واجتنابه الأدناس، والقاذورات،
وقوته على الطاعات، ولأنه الحافظ للوحي، كما، قال: (فهو أمين اللَّه على وحيه ودينه، وهو أمين
من في السماء والأرض) أمره وحكمه، وقد مر شرح هذا الاسم مبسوطًا، (وأما الصادق) اسم
فاعل من الصادق، (والمصدوق) اسم مفعول من صدق المتعدي كقوله صدق وعده، (فقد ورد
في الحديث) الصحيح (تسميته بهما،) فقال ابن مسعود: حدثنا رسول اللَّه، وهو الصادق
المصدوق أخرجه البخاري وغيره، وكذا ورد في عدة أحاديث، ولا يضر كونها موقوفة، لأن
الموقوف، يقال له حدیث.
قال ابن دحية: كان الصادق المصدوق علمًا، واضحًا له إذ جرى مجرى الأسماء،
(ومعناهما غير خفي،) وهو أنه صادق في نفسه وصدق الأنبياء، والكتب التي قبله، ولیس
مكذب عند الناس.

٢٦٦
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
وكذلك ((الأصدق)). وروي أنه عليه الصلاة والسلام لما كذبه قومه حزن فقال له
جبريل: إنهم يعلمون أنك صادق.
وأما ((الطيب)) و((ماذ ماذ)) - بميم ثم ألف ثم ذال معجمة منونة، ثم ميم ثم
ألف ثم ذال معجمة ــ كذا رأيته لبعض العلماء، ونقل العلامة الحجازي في حاشيته
على الشفاء عن السهيلي: ضم الميم وإشمام الهمزة ضمة بين الواو والألف
ممدود، وقال: نقلت عن رجل أسلم من علماء بني إسرائيل، وقال معناه: طيب
طیب،
وقد روى الترمذي، والحاكم عن علي أن أبا جهل، قال للنبي عَّاله: إنا، لا نكذبك ولكن
نكذب ما جئت به، فأنزل اللَّه ﴿فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾،
(وكذلك الاصدق) ورد في الحديث، ومعناه غير خفي، وهو أفعل تفضيل للمبالغة إذ، لا أحد
أقوى، ولا أثبت على الحق منه، فهو الأصدق. (وروى) على ما ذكره عياض في أوائل الشفاء،
وقال السيوطي في تخريجه لم أجده (إنه عليه الصلاة والسلام، لما كذبه قومه حزن، فقال له
جبريل عليه السلام أنهم يعلمون أنك صادق،) والفضل ما شهدت به الأعداء أتى به دليلاً على
أنه يسمى الصادق، كما، قال جبريل، وأنه كان معروفًا به عند أعدائه، كما هو ظاهر.
(وأما الطيب) بوزن سيد الطاهر، أو الزكي، لأنه، لا أطيب منه قلبًا وقالبًا، وقد روى
الترمذي في الشمائل عن أنس ما شممت مسكًا قط، ولا عطرًا كان أطيب عن عرقه
وريحه عَّالِ. (وماذماذ بميم) مفتوحة، (ثم ألف) غير مهموز فيهما، كما اقتصر عليه عياض، فتبعه
المصنف وروى موذموذ بواو وبدلها عزاه العزفي لصحف إبراهيم وميذميذ بتحتية فيهما عزاه أيضًا
العزفي للتوارة، (ثم ذال معجمة منونة،) وقال البرهان في المقتفى ساكنة، (ثم ميم، ثم ألف، ثم
ذال معجمة) كذلك منونة، أو ساكنة، (كذا رأيته لبعض العلماء) وبه ضبطه الحافظ برهان الدين
الحلبي في شرح الشفاء، إلاّ أنه أبدل منونة بساكنة، وقال عقب ضبطه بذلك المفيد إنه الرواية
ما نصه لكن ينبغي ضم ذاله، لأنه اسم غير منصرف للعلمية والعجمة، وتقديره أنت ماذماذ، أو
ياماذ، (ونقل العلامة) أحمد بن محمد بن علي بن حسن بن إبراهيم الشهاب، (الحجازي،)
الأنصاري، الخزرجي، الفاضل، الأديب، الشاعر، البارع، صاحب التصانيف، أجاز له العراقي،
والهيثمي مات في رمضان سنة خمس وسبعين وثمانمائة (في حاشيته على الشفاء عن السهيلي
ضم الميم وإشمام الهمزة ضمة بين الواو، والألف ممدودة، وقال) السهيلي: (نقلته عن رجل
أسلم من علماء بني إسرائيل، وقال) هذا المسلم العالم: (معناه طيب طيب،) والتكرار للتأكيد،
أو المراد طيب في نفسه، أو دنياه وطيب في صفاته وآخرته، وكونه اسمًا واحدًا مثل مرمر، أو

٢٦٧
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
ولا ريب أنه معَّ ◌ُلّه طيب الطيبين، وحسبك أنه كان يؤخذ من عرقه ليتطيب به، فهو
عَّ الله طيب الله الذي نفحه في الوجود، فتعطرت به الكائنات وسمت، واغتذت به
القلوب فطابت، وتنسمت به الأرواح فنمت.
وأمّا ((الطاهر)) و((المطهر)) و((المقدس)) أي المطهر من الذنوب، كما قال الله
تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح/٢] أو الذي يُتطهر
به من الذنوب، ويتنزه بأتباعه عنها، كما قال الله تعالى: ﴿ويزكيهم﴾ [البقرة/
١٢٩] وقال: ﴿ويخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ [المائدة/ ١٦] أو يكون
مقدسًا بمعنى مطهرًا من الأخلاق الذميمة والأوصاف الدنية.
وأما ((العفو)
مركب خلاف الأصل، وزعم أن داله مهملة لم يقله أحد، وقول التلمساني يحتمل أنه مأخوذ من
الماذ، وهو العسل الأبيض لتحلاوته في ذاته وصفاته، أو من الماذ بمعنى الدرع اللينة السهلة، لأنه
حصن حصين للعالمين رد بأنه يقتضي أنه عربي، ولم يقل أحد قط، (ولا ريب،) لا شك
(أنه سَ لّ طيب الطيبين وحسبك) كافيك (إنه كان يؤخذ من عرقه ليتطيب به، فهو عَالّ.
طيب اللَّه الذي نفحه) بالفاء، والحاء المهملة، نشره (في الوجود فتعطرت به الكائنات،) أي
الموجودات، (وسمت) علت، وارتفعت، (واغتذت))) بذال معجمة، (به القلوب، فطابت
وتنسمت) بسين مهملة من النسيم ومعجمة من النشم، وهو كما في القاموس طيب الرائحة (به
الأرواح فنمت) زادت، (وأما الطاهر) بالطاء المهملة النقي من النقائص، والأدناس الحسية،
والمعنوية حتى، قال قوم بطهارة فضلاته، وهو المعتمد، (والمطهر) بفتح الهاء وكسرها على ما
يأتي، (والمقدس) بفتح الدال وكسرها فسره تبعًا لعباض بقوله، (أي المطهر من الذنوب) تفسيرًا
للأسماء الثلاثة بناءً على أن الأخيرين بفتح الهاء، والدال، (كما، قال الله تعالى: ﴿ليغفر لك اللَّه
ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾) [الفتح: ٢]، منه، ويأتي الكلام على هذه الآية، (أو الذي
يتطهر به) بالبناء للمفعول (من الذنوب ويتزه بأتباعه) يتباعد بسببه (عنها) بناءً على أنهما بكسر
الهاء، والدال، أي الطهر من اتبعه وهما احتمالان، كما قاله السيوطي ومر كلامه ونحوه تفسير
المصنف هذا، (كما قال تعالى: ﴿ويزكيهم﴾) [البقرة: ١٢٩]، يطهرهم من الذنوب،
(وقال) تعالى: (ويخرجهم من الظلمات) الكفر، والمعاصي (إلى النور،) الإيمان والتقوى والطاعة،
بإرشادهم وتوفيق اللَّه ببركته عَّه، (أو يكون مقدسًا بمعنى مطهرًا من الأخلاق الذميمة)
بالمعجمة، أي المذمومة، (والأوصاف الدنية) الحقيرة التي، لا تليق بجنابه عَّه من التقديس،
وهو التطهير، وقيل: معناه المفضل على غيره، وقيل تقديسه الصلاة عليه عَ له، (وأما العفو)

٢٦٨
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
و(الصفوح)) فمعناهما واحد، وقد وصفه الله بهما في القرءان والتوراة والإنجيل،
كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي عند البخاري ولا يجزي بالسيئة السيئة
ولكن يعفو ويصفح وأمره تعالى بالعفو كما قال تعالى: ﴿خذ العفو﴾ [الأعراف/
١٩٩] وقال تعالى: ﴿فاعف عنهم واصفح﴾ [المائدة: ١٣].
وأما (العظوف»
المبالغ في العفو عن السيئات، وهو محوها وإزالتها، ولذا، قيل إنه أبلغ من الغفور، لأنه من الغفر،
وهو الستر، ولا يلزم منه الإزالة، (والصفوح) صيغة مبالغة من الصفح، وهو الإعراض عن الذنب،
كما في الصحاح، (فمعناهما واحد،) كما، قال عياض: من حيث إن حاصل معنى كل الإعراض
عن السيئات، وإن قيل الصفوح أبلغ، لأن الإنسان، قد يعفو، ولا يصفح، وقيل العفو أبلغ، لأن
الصفح إِعراض عن المؤاخذة، والعفو محو الذنب ومن لازمه الإعراض، ولا عكس، (وقد
وصفه اللَّه بهما في القرءان) إذ أمره بهما فيه، فقال: فاعف عنهم واصفح، كما سيقول،
فامتثل عَّه للأمر وتخلق به، فيقتضي الاتصاف به على أبلغ وجه، وأتمه إذ كان جبلة له، لأنه، لا
يعصي له أمرًا، فلا يرد أنه لم يصفه في القرءان إنما أمر ولو سلم اتصافه به، لا يقتضي كونه على
وجه المبالغة التي دل عليها فعول، والأمر، لا يقتضي التكرار على الأصح (والتوراة، والإنجيل،
كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي) الصحابي ابن الصحابي.
(عند البخاري) عن عطاء بن يسار، قال لقيت عبد الله بن عمرو، فقلت أخبرني عن صفة
رسول اللَّه عَ لِّ، قال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرءان الحديث وفيه،
(ولا يجزى بالسيئة السيئة،) فلا يسيء لمن أساء إليه (ولكن يعفو ويصفح،) فقد وصفه بهما في
الكتابين. (و) أما في القرءان، فقد (أمره تعالى بالعفو، كما، قال تعالى خذ العفو) بناءً على أن
المراد به الصفح، لما روي أنه سأل جبريل ما هذا؟، قال: لا أدري حتى أسأل ربي فسأله، ثم
تع، فقال: إن ربك أمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك، وتحسن
1. من أساء إليك.
ذكره البغوي، والقرطبي، والذي عليه الأكثر أن العفو المال الفاضل عن نفقة العيال، كما
في قوله يسألونه ماذا ينفقون قل العفو، ثم نسخت بآية الزكاة فلا شاهد فيها، ولذا أتى بدليل
ثان بقوله (وقال تعالى: ﴿فاعف عنهم واصفح)) [المائدة: ١٣]، فامتثل الأمر حتى صار
جبلة له، وأفاد الوصف بهما، ومواطن العفو والصفح منه، لا تحصى، والمصنف تابع لعياض،
ولم يذكر شيئًا عن الإنجيل، لأن الراوي الصحابي صرح بأن ذلك في التوراة، (وأما العطوف،
فهو الشفوق) حقيقة على مقتضى المصباح، والقاموس لكن صرح الشامي بأنه مجاز، فقال صفة

٢٦٩
في ذكر أسمائة الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
فهو الشفوق، وسمي به عليه الصلاة والسلام لكثرة شفقته على أمته، ورأفته بهم.
وأما ((النور)) فقال تعالى: قد جاءكم من الله نور﴾ [المائدة/ ١٥] قيل:
محمد عَّهِ وقيل القرءان، فهو نور الله الذي لا يطفأ.
وأما ((السراج)) فسماه تعالى به في قوله: ﴿وسراجًا منيرًا﴾ [الأحزاب/ ٤٦]
لوضوح أمره، وبيان نبوته، وتنوير قلوب المؤمنين والعارفين بما جاء به، فهو نيّر في ذاته
مشبهة من العطف، وهو الانثناء، يقال عطف الغصن إذا أماله، ثم استعير للميل، والشفقة إذا عدي
بعلى، وإذا عدي بعن كان على الضد من ذلك (وسمي به عليه الصلاة والسلام لكثرة شفقته
علی أمته ورأفته بهم،) كما قال حسان:
عطوف عليهم لا يثني جناحه إلى كنف يحنو عليهم وبمهد
(وأما النور،) وهو من أسمائه تعالى، أي ذو النور وخالقه، أو منور السموات والأرض
بالأنوار، أو قلوب المؤمنين بالهداية، قاله عياض كغيره، وهو المشهور، وذهب الغزالي، والحكماء
إلى أنه حقيقة في ذات اللَّه، لأن معناه الظاهر بنفسه المظهر لغيره، وقال الأشعري نور ليس
كالأنوار، (فقال تعالى: ﴿قد جاءكم من اللَّه نور) وكتاب مبين﴾ الآية، (قيل) النور هنا
(محمد عَّة) لظهور آياته، (وقيل القرءان) لإزالته ظلمة الكفر، والجهل، (فهو) أي المذكور من
كل منهما (نور اللَّه الذي لا يطفأ،) حكاهما عياض وغيره على حد سواء، فتبعهم المصنف،
ولكن الأصح الأول، فقد انتصر عليه الجلال، وقد التزم الاقتصار على الأصح، ولا يشكل عليه
افراد الضمير في قوله يهدي به اللَّه من اتبع رضوانه مع تغايرهما وعطفهما بالواو لرجوعه إليهما
معًا باعتبار المذكور، أو لأنهما معًا كالشىء الواحد، وهداية أحدهما عين هداية الآخر، وقد صرح
الفراء بجواز مثله جوزًا مطردًا، وبه وردت آيات كثيرة، وأنشد عليه:
رماني بأمر كنت منه ووالدي بريا ومن هول الطوى رماني
وقال ابن عباس عند ابن مردويه، وابن عمر عند الطبري وسعيد بن جبير وكعب الأحبار في
قوله تعالى: ﴿مثل نوره كمشكاة﴾، المراد بالنور هنا محمد عّلّهه (وأما السراج) المنير،
(فسماه تعالى به في قوله وسراجًا منيرًا،) مفعلاً من أنار إنارة، وهو راجع إلى النور.
سمي بذلك على نهج الاستعارة، أو التشبيه البليغ، كما قال (لوضوح أمره) كالسراج المنير
الذي، لا يخفى (وبيان نبوته،) أي كونها ظاهرة تضىء ضوء السراج في الليلة الظلماء، (وتنوير
قلوب المؤمنين، والعارفين) به (بما جاء به،) فاستضاءوا به من ظلمات الجهالة، واقتبسوا من نوره
أنوار البصائر، لأن اللَّه أمدها بنور نبوته، كما أمد بنور السراج أنوار الأبصار، (فهو نير في ذاته،)

٢٧٠
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
منير لغيره، فهو السراج الكامل في الإضاءة، ولم يوصف بالوهاج كالشمس، لأن
المنير الذي ينير من غير إحراق بخلاف الوهاج.
وأما ((الهادي)) فبمعنى الدلالة والدعاء، قال الله تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى
صراط مستقيم﴾ [الشورى/ ٥٢] وقال تعالى فيه: ﴿وداعيًا إلى الله بإذنه﴾
[الأحزاب / ٤٦].
ناظر لاسمه النور (منير لغيره،) ناظر للسراج، (فهو السراج الكامل في الإضاءة) الذي أضاءت
الدنيا بنوره ومحا ظلام الكفر بظهوره، (ولم يوصف بالوهاج كالشمس) حيث وصفت به في
قوله تعالى: ﴿وجعلنا سراجًا وهاجًا﴾، (لأن المنير هو الذي ينير من غير إحراق بخلاف
الوهاج) أي الوقاد، فقد يكون مع إحراق أو، لأن المراد بالسراج الشمس، لأنه الغاية في النيرات،
أو، لأنه بعث في زمان يشبه الليل من ظلمات الكفر، والجهل، فكشفه بنور اليقين، والهداية.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي، قال علماؤنا: سمي سراجًا، لأن السراج الواحد يؤخذ منه
السرج الكثيرة، ولا ينقص من ضوئه شىء، وكذلك سرج الطاعات أخذت من سراجه عَّهِ، ولم
ينقص من أجره شىء، وفسر السراج أيضًا بالحجة، والهادي، لأنه حجة الله الظاهرة، كالسراج
على الخلائق وهاديهم إلى الدين القويم، (وأما الهادي،) وهو من أسمائه تعالى، كما مر (فبمعنى
الدلالة،) أي ذو الدلالة، لأنه اسم فاعل من هدى هداية، وهي الدلالة إن تعدت بحرف الجر،
والوصول إن تعدت بنفسها.
قال الراغب: أصل معنى الهداية الدلالة بلطف، لما يوصل، أو الموصلة على الخلاف
المشهور، وهي أنواع ما يعم كل مكلف من العقل والعلوم الضرورية، ودعاؤه إياهم على ألسنة
رسله، والتوفيق الذي يختص به من اهتدى.
والتي في الآخرة في قوله الحمد لله الذي هدانا لهذا، ولا يقدر الإنسان بهدى إلاّ
بالدعاء، ولذا بقيت تارة، وأثبتت أخرى انتهى، (والدعاء،) أي الدعوة، ومنه قوله ولكل قوم هاد،
أي داع، وتطلق على خلق الاهتداء، وهو التوفيق وذلك مختص باللّه، ولذا، قال: لا تهدي من
أحببت وبمعنى الدلالة، والدعاء على غيره، كما، (قال اللَّه تعالى له: ﴿وإنك لتهدي﴾)
[الشورى: ٥٢]، تدل وتدعو (﴿إلى صراط مستقيم)) [الشورى: ٥٢]، لا عوج فيه،
طريق الإسلام الموصلة إلى سعادة الدارين على القراءة المشهورة بالبناء للفاعل، وقرىء شاذًا
للمفعول، فهو اللَّه، (وقال تعالى فيه: ﴿وداعيًا إلى اللَّه بإذنه﴾) أي إرادته وتيسيره، والإذن
يستعمل مجازًا مشهورًا في ذلك، وعبر أولاً بله، لأنه خطاب، يقال: قال له كذا إذا خاطبه، وثانيًا
بفيه لعدم الخطاب، لأنه في حقه ووصفه، فسقط زعم أنه، لا وجه لتغاير المتعلقين.

٢٧١
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
وأما (البرهان)) فقال تعالى: ﴿يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم﴾
[النساء/ ١٧٤] قيل: محمد عَ ◌ّله، وقيل معجزاته وقيل القرءان.
وأما (النقيب)) فروي أنه عٍَّ لما مات نقيب بني النجار أبو أمامة أسعد بن
زرارة وجد عليه عَّه ولم يجعل عليهم نقيبًا بعده، وقال: أنا نقيبكم فكانت من
مفاخرهم، والنقيب هو شاهد القوم وناظرهم وضمينهم.
وأما ((الجبار)) فسمي به في مزامير داود، في قوله من مزمور أربعة وأربعين.
تقلد أيها الجبار سيفك، فإن ناموسك وشرائعك
(وأما البرهان) الحجة الواضحة النيرة التي تعطي اليقين، وهو من أسمائه تعالى، كما في
رواية ابن ماجه، (فقال تعالى: ﴿يا أيها الناس، قد جاءكم برهان من ربكم﴾﴾ [النساء: ١٧٤]
(قيل محمد عَّة)، كما فسره به سفين بن عيينة، وجزم به ابن عطية، والنسفي، والجلال،
فهو المعتمد، (وقيل معجزاته، وقيل القرءان،) وهو أجل معجزاته وعلى كل منها يصح تسميته
بالبرهان، كما لا يخفى، (وأما النقيب، فروي) عند الحاكم في المستدرك من طريق الواقدي
عن ابن أبي الرجال، (أنه عَِّ، لما مات نقيب بني النجار أبو أمامة أسعد بن زرارة)، الخزرجي
النجاري، شهد العقبتين، ويقال إنه أول من بايع ليلة العقبة، مات على رأس تسعة أشهر من
الهجرة في شوال، كما في نفس هذه الرواية المذكورة، (وجد) بفتح الجيم، والمهملة حزن
(عليه عَ ليه)) فجاء بنو النجار، فقالوا: يا رسول اللَّه مات نقيبنا فنقب علينا، فقال: أنتم اخوالي
(ولم يجعل عليهم نقيبًا بعده، وقال: أنا نقيبكم، فكانت من مفاخرهم) الجليلة، (والنقيب هو
شاهد القوم وناظرهم وضمينهم،) وأمينهم، لأنه عَِّ شهيد على أمته، وناظر، لما عملوا وضمين
لهم الجزاء الأوفى على العمل الصالح والتجاوز عن السيئات والشفاعة حتى يدخلهم الجنة، ولو
بعد تعذيب. وفي الشامية أصله لغة النقب الواسع، فنقيب القوم هو الذي ينقب عن أحوالهم،
فيعلم ما خفي منها.
(وأما الجبار،) وهو من أسمائه تعالى، كما مر بمعناه، (فسمي به) بالبناء للمجهول، أي
سماه اللَّه (في مزامير داود،) أي الصحف الإلهية المنزلة عليه (في قوله من مزمور أربعة وأربعين)
مخاطبًا له عَِّ لتنزيله منزلة الموجود لتحققه عنده، (تقلد) أمر (أيها الجبار سيفك،) أي اجعل
حمائله على عاتقك، واحمله كالقلادة، وفيه إشارة إلى أنه سيؤمر بالجهاد، (فإن ناموسك) الوحي
النازل عليك، أو عظمتك في قلوب الناس، (وشرائعك) جمع شريعة، ونسخة سراياك تحريف،
فالذي ذكره عياض، وابن دحية شرائعك، وقال في شرح الشفاء يحتمل أنه عطف تفسير، ولذا

٢٧٢
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
مقرونة بهيبه يمينك، لأنه الجبار الذي جبر الخلق بالسيف على الحق، وصرفهم
عن الكفر جبرًا. قال القاضي عياض: وقد نفى الله عنه في القرءان جبرية التكبر
التي لا تليق به فقال: ﴿وما أنت عليهم بجبار﴾ [ق/ ٤٥].
وأما ((الشاهد)) و((الشهيد)) فسماه الله تعالى بهما في قوله: ﴿إنا أرسلناك
شاهدًا﴾ [الأحزاب / ٤٥] أي على من بعث إليهم بتصديقهم وتكذيبهم، ونجاتهم
وضلالهم. وفي قوله تعالى: ﴿ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾ [البقرة/ ١٤٣]،
روي أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ أنبيائهم،
وحد الخبر في قوله (مقرونة بهيبة يمينك،) أي بالخوف من سيفك، فكني بما ذكر عنه، أو تجوز
باليمين عما فيه.
سمي بذلك، (لأنه الجبار،) أي المجاهد القتال (الذي جبر الخلق بالسيف على الحق
وصرفهم عن الكفر جبرًا،) أو لإصلاحه أمته بالهداية والتعليم، أو لقهر أعدائه، أو لعلو منزلته على
الخلق، وعظيم خطره، وهو من أسمائه تعالی.
بهذه المعاني الثلاثة، كما في الشفاء وبمعنى المتكبر.
(قال القاضي عياض: وقد نفى اللّه عنه في القرءان جبرية) بفتح الباء وسكونها وصوب.
قال أبو عبيد أنه مولد، وأضافها إلى (التكبر) احترازًا عن الجبرية بمعنى الجبر خلاف
القدرية (التي، لا تليق به،) لأنها من صفات اللَّه التي، لا تناسب غيره، (فقال وما أنت عليهم
بجبار) لا بمتكبر، ولا متعاظم، بل أنت لين هين، تدعوهم برفق وتهديهم بناءً على أن الآية محكمة،
وقيل معناها بمسلط، وبه فسرها ابن عباس وغيره، وهي منسوخة آية القتال، لأنها مكية وآيته مدنية.
قال السيوطي فيكون حينئذٍ جبارًا، بمعنى المسلط بعد أمره بالقتال، وهو المناسب لسياق
الزور، (وأما الشاهد) العالم، أو المطلع الحاضر، (والشهيد) العليم، أو العدل المزكي، وهو من
أسمائه تعالى، أي الذي، لا يغيب عنه شىء، أو الشهيد يوم القيامة بما علم.
قال ابن الأثير فعيل من أبنية المبالغة في فاعل، فإذا اعتبر العلم مطلقًا، فهو العليم، فإذا
أضيف إلى الأمور الباطنة، فهو الخبير، أو إلى الظاهر، فهو الشهيد انتهى. (فسماه اللَّه تعالى
بهما،) فسماه بالشاهد (في قوله ﴿إنا أرسلناك شاهدًا﴾) حال مقدرة، أي مقبولاً شهادتك (على
من بعثت إليهم) ولهم (بتصديقهم وتكذيبهم ونجاتهم وضلالهم، و) بالشهيد (في قوله تعالى:
﴿ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾) معدلاً مزكيًا.
قال البيضاوي (روى) عند مسلم بمعناه (إن الأمم يوم القيامة يجحدون) ينكرون (تبليغ
أنبيائهم،) لعل المراد أكثر الأمم، وقد روى الشيخان عن أبي سعيد رفعه يدعى نوح يوم القيامة،

٢٧٣
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
فيطالبهم الله ببينة التبليغ - وهو أعلم بهم - إقامة للحجة على المنكرين، فيؤتى بأمة
محمد عَِّ فيشهدون، فتقول الأمم: بم عرفتم؟ فيقولون علمنا ذلك بإخبار الله
تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق، فيؤتى محمد عَّله فيسأل عن
حال أمته، فيشهد بعدالتهم، وهذه الشهادة وإن كانت لهم لكن لما كان الرسول
كالرقيب المهيمن على أمته عدي بعلى)) وقدمت الصلة للدلالة على اختصاصهم
بكون الرسول شهيدًا عليهم. قاله البيضاوي.
وأما (الناشر)) فسمي بذلك لأنه نشر الإسلام وأظهر شرائع الأحكام.
وأما ((المزمل)) فأصله المتزمل، فأدغمت التاء في الزاي وسمي به، لما روي أنه
عليه الصلاة والسلام كان يفرق من جبريل عليه السلام ويتزمل بالثياب أو ما جاءه،
فيقال له: هل بلغت فيقول: نعم، فيقال لأمته هل بلغكم فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقال: من
يشهد لك فيقول: محمد وأمته فيشهدون أنه، قد بلغ، ولأحمد، والنسائي يجيء النبي يوم
القيامة، ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان، وأكثر من ذلك، فيقال لهم هل بلغتم الحديث،
(فيطالبهم اللَّه ببينة التبليغ، وهو أعلم بهم) إذ لا يغيب عنه، شىء (إقامة للحجة على
المنكرين، فيؤتى بأمة محمد عَّه، فيشهدون) للأنبياء أنهم قد بلغوا، (فتقول الأمم بم عرفتم،)
فإنكم، لا تدركوا عصرنا، (فيقولون علمنا ذلك بأخبار اللّه تعالى في كتابه الناطق على لسان
نبيه الصادق، فيؤتى بمحمد عَّله، فيسأل عن حال أمته) أهم عدول فتقبل شهادتهم، (فيشهد
بعدالتهم) وفيه فضيلة له عَّه، لأن الأنبياء يسألون، ولا يسأل، هو ولا أمته، إذ لم ينكروا تبليغه،
بل شهدوا للأنبياء، (وهذه الشهادة وإن كانت لهم) للأمة المحمدية بالعدالة، (لكن، لما كان
الرسول كالرقيب) الحافظ (المهيمن) المراقب، كذا في النسخ، والذي البيضاوي المؤتمن
(على أمته عدي بعلى) لتضمينه معنى رقيبًا، كما قال بعضهم، لكن ظاهر الكلام أن مجرد كون
اللفظ بمعنى آخر يعدى بما يعدى به ما هو بمعناه وليس من التضمين، (وقدمت الصلة،) أي قوله
عليكم (للدلالة على اختصاصهم بكون الرسول شهيدًا عليهم).
(قال البيضاوي) في سورة البقرة، (وأما الناشر) المظهر للشيء بعد طيه اسم فاعل من
النشر، وهو البسط ومنه نشر الصحيفة، والحديث، والسحاب، (فسمي به، لأنه نشر الإسلام،
وأظهر شرائع الأحكام،) وقيل إنه بمعنى الحاشر، (وأما المزمل، فأصله المتزمل،) لأنه من تزمل،
(فأدغمت التاء) بعد قلبها (في الزاي وسمي به، لما روى أنه عليه الصلاة والسلام كان يفرق)
بفتح الراء، يخاف (من جبريل عليه السلام، ويتزمل بالثياب أول ما جاءه،) لأنه خشي الموت

٢٧٤
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
وقيل: أتاه وهو في قطيفة، وقال السدي معناه: يا أيها النائم، وكان متلففًا في ثياب
نومه، وعن ابن عباس: يعني المتزمل بالقرءان، وعن عكرمة بالنبوة.
وقيل من الزمل، بمعنى الحمل، ومنه الزاملة، أي: المتحمل بأعباء النبوة،
وعلى هذا يكون التزمل مجازًا.
قال السهيلي: ليس (المزمل)) باسم من أسمائه يعرف به، وإنما هو مشتق من
حالته التي كان التبس بها حالة الخطاب، والعرب إذا قصدت الملاطفة بالمخاطب
بترك المعاتبة نادوه باسم مشتق من حالته التي هو عليها، كقول النبي عدّه لعلي
رضي الله عنه - وقد نام ولصق جنبه بالتراب- قم ابا
من شدة الرعب، أو تعيير الكفار له، أو أن يقتلوه، أو عدم الصبر على أذاهم، أو تكذيبهم إياه، أو
المرض، أو دوامه، أو العجز عن رؤية الملك، أو مفارقة الوطن، كما تقدم مبسوطًا في بدء
الرحي، (وقيل) سمي به، لأن جبريل (أتاه، وهو) عَّةٍ متزمل (في قطيفة) كساء له خمل، (وقال
السدي) بالضم وشد الدال إسمعيل بن عبد الرحمن، والمفسر المشهور (معناه،) أي قوله تعالى:
﴿يا أيها المزمل﴾ الآية، (يا أيها النائم وكان متلففًا في ثياب نومه،) لما جاءه.
(وعن ابن عباس، يعني المتزمل بالقرءان) على الاستعارة، (وعن عكرمة بالنبوة، وقيل) أنه
(من الزمل) بفتح الزاي وسكون الميم، (بمعنى الحمل) مصدر زمل الشىء حمله، (ومنه) قيل
للبعير (لزاملة،) لأنه يحمل متاع المسافر، والهاء للمبالغة، كما في المصباح، (أي المتحمل
بأعباء) بالفتح أثقال (النبوة. وعلى هذا) المذكور من تفسير ابن عباس وعكرمة وما بعده (يكون
التزمل مجازًا،) لأن حقيقته التلفف بالثياب.
(قال السهيلي) الإمام الحافظ الشهير عبد الرحمن (ليس المزمل باسم من أسمائه) عَله.
(يعرف به، وإنما هو مشتق من حالته التي كان التلبس) حاصلاً (بها حالة الخطاب، والعرب إذا
قصدت الملاطفة بالمخاطب،) بالفتح (بترك المعاتبة، نادوه باسم مشتق من حالته التي هو
عليها) حال النداء، (كقول النبي عَّله)) لما جاء بيت فاطمة فلم يجد عليًا، فقال أين
ابن عمك، قالت: كان بيني وبينه شىء فغاضبني، فخرج فلم يقل عندي، فقال عَِّ الإنسان:
انظر أين هو، فقال هو في المسجد راقد، فجاء عَّه، فقال (لعلي رضي اللَّه عنه، وقد نام ولصق)
بکسر الصاد (جنبه بالتراب).
وفي رواية فخلص ظهره إلى التراب، قال الحافظ وكأنه نام أولاً على مكان، لا تراب فيه،
ثم انقلب فصار ظهره على التراب، أو سفي عليه التراب، فجعل عَّه يمسحه عنه ويقول (قم) يا (أبا

٢٧٥
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
تراب إِشعارًا بأن ملاطف له، فقوله: ﴿يا أيها المزمل﴾ [المزمل: ١] فيه تأنيس وملاطفة.
وأما ما روي عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: كان متزملاً مرطا طوله
أربعة عشرة ذراعًا، نصفه علي وأنا نائمة ونصفه عليه، فكذب صراح، لأن نزول
يا أيها المزمل بمكة في أول مبعثه، ودخولها بعائشة كان بالمدينة.
وأما ((المدثر)) فأصله: المتدثر، فأدغمت التاء في الدال. روي أنه عليه
الصلاة والسلام قال: كنت بحراء فنوديت فنظرت عن يميني وشمالي. فلم أر شيئًا،
فنظرت فوقي فإذا هو على عرش بين السماء والأرض - يعني الملك الذي ناداه -
فرعبت
تراب،» وفي رواية اجلس يا أبا تراب مرتين، والحديث في الصحيحين وغيرهما عن سهل بن
سعد.
قال سهل وما كان لعلي اسم أحب إليه منه (إشعارًا بأنه ملاطف له،) لما كان بينه وبين
الزهراء من المغاضبة (فقوله: ﴿يا أيها المزمل﴾ فيه تأنيس وملاطفة، وأما ما روي عن عائشة
رضي اللَّه عنها أنها قالت: كان متزملاً مرطًا) بكسر فسكون، كساء (طوله أربعة عشر ذراعًا نصفه
علي، وأنا نائمة ونصفه عليه فكذب صراح) خالص، (لأن نزول يا أيها المزمل) كان (بمكة في
أول مبعثه ودخولها بعائشة كان بالمدينة،) وإنما الوارد عن عائشة لما نزلت يا أيها المزمل، قم
الليل إلاَّ قليلاً، قاموا سنة حتى ورمت أقدامهم فنزلت: ﴿فاقرأوا ما تيسر منه﴾. أخرجه
الحاكم، وروى ابن جرير مثله عن ابن عباس وغيره، وهو مرسل، لأنهما، لما يدرك ذلك، لكنه
موصول حكمًا.
(وأما المدثر، فأصله المتدثر،) لأنه من تدثر إذا تلفف في الدثار، وهو الثياب، (فأدغمت
التاء في الدال) بعد القلب، (وروي) في الصحيحين من حديث جابر، ولا يقال في مثله.
روى (أنه عليه الصلاة والسلام، قال كنت بحراء) بكسر الحاء وخفة الراء، والمد،
والتذكير، والصرف على الصحيح جبل بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال، ولفظ الشيخين جاورت
بحراء شهرًا، فلما قضيت جواري هبطت (فنوديت، فنظرت، عن يميني) فلم أر شيئًا، (و) نظرت
عن (شمالي فلم أر شيئًا،) ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، (فنطرت فوقي فإذا، هو) أي المنادي
المستفاد من نوديت ولفظ الصحيحين فإذا الملك الذي جاءني بحراء (على عرش،) أي سرير
كرواية على كرسي (بين السماء والأرض،) وأتى بقوله: (يعني الملك الذي ناداه) لذكره الرواية
بالمعنى (فرعبت) منه، بضم الراء، وكسر العين مبني للمفعول، واقتصر عليه النووي، وللأصيلي

٢٧٦
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
ورجعت إلى خديجة فقلت دثروني دثروني، فنزل جبريل وقال: يا أيها المدثر. وعن
عكرمة: يا أيها المدثر بالنبوة وأثقالها قد تدثرت هذا الأمر فقم به.
وقيل: ناداه بالمزمل والمدثر في أول أمره، فلما شرع خاطبه الله تعالى
بالنبوة والرسالة.
وأما ((طه)) فروى النقاش عنه عليه الصلاة والسلام: لي في القرءان سبعة
أسماء فذکر
بفتح الراء وضم العين، أي فزعت.
قال الحافظ: وهذا يدل على بقية بقيت معه من الفزع الأول ثم زالت بالتدريج، (ورجعت
إلى خديجة فقلت دثروني دثروني) مرتين، هكذا في الصحيحين في التفسير وللبخاري زملوني
زملوني، ورجحت الأولى باتفاقهما، وبأنها، كما قال الزركشي أنسب بقوله، (فنزل جبريل وقال
يا أيها المدثر) إيناسًا له وتلطفًا، والمعنى يا أيها المدثر بثيابه على الصواب الذي عليه
الجمهور، كما، قال النووي، (وعن عكرمة يا أيها المدثر بالنبوة، وأثقالها، وقد تدثرت هذا
الأمر،) كالمدثر بالثياب (فقم به) مقام تصميم، فهو مجاز، وروى الطبراني بسند ضعيف عن
ابن عباس، أن الوليد بن المغيرة صنع طعامًا لقريش، فلما أكلوا، قال: ما تقولون في هذا الرجل،
فقال بعضهم ساحر، وبعضهم كاهن، وبعضهم شاعر، وبعضهم سحر، يؤثر فحزن عَّ له، وقنع
رأسه، وتدثر، فأنزل اللَّه ﴿يا أيها المدثر﴾ إلى قوله ﴿ولربك فاصبر﴾، (وقيل ناداه بالمزمل،
والمدثر في أول أمره) بالتبليغ بعد ثلاث سنين، لا في أول ما أوحى إليه، كما توهمه من جعلها
أول ما نزل، كما مر بسطه، (فلما شرع) في الإنذار والتبليغ (خاطبه اللَّه تعالى بالنبوة والرسالة(،)
أي يا أيها النبي، يا أيها الرسول، إجلالاً له وتبجيلاً، ولم يناده باسمه في القرءان ويرحم اللَّه القائل:
ودعا جميع الرسل كلاً باسمه ودعاك وحدك بالرسول وبالنبي
وذكر السهيلي أيضًا نحو ما مر في المزمل من أنه ملاطفة وتأنيس على عادة العرب،
كقوله عليه السلام لحذيفة قم يا نومان، فلو ناداه تعالى باسمه، أو بالأمر المجرد من الملاطفة،
وهو في تلك الحالة لهاله ذلك، فلما بدأه بالمدثر علم رضاه عليه، وهو مطلوبه وبه كانت تهون
عليه الشدائد، فإن قيل كيف ينتظم يا أيها المدثر مع قم فانذر، وما الرابط بينهما في البلاغة، قلنا
من صفته ما قاله عٍَّ أنا النذير العريان والنذير المجد بجرد ثوبه، والتدثر ضده، ففيه اطباق بيِّن
والتئام بديع وسمانة في المعنى، وجزالة في اللفظ انتهى.
(وأماطه فروي النقاش عنه عليه الصلاة والسلام لي في القرءان سبعة أسماء، فذكر

٢٧٧
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
منها طه. قيل: هو اسم الله تعالى، وقيل معناه: يا رجل، وقيل: يا إنسان. وقيل:
يا طاهر يا هادي يعني النبي ◌َّله، وهو مروي عن الواسطي، وقيل معناه: يا مطمع
الشفاعة للأمة، ويا هادي الخلق إلى الملة، وقيل: الطاء في الحساب بتسعة والهاء
بخمسة وذلك أربعة عشر فكأنه قال: يا بدر، وهذه من محاسن التأويل، لكن
المعتمد أنهما من أسماء الحروف.
وأما (يس)) فحكى أبو محمد مكي
منها طه،) كما تقدم لفظه قبل سرد الأسماء، (قيل هو اسم اللَّه تعالى،) حكاه عياض وغيره ونقل
عن ابن عباس، فيكون مما سمي به من أسمائه تعالى، (وقيل معناه يا رجل،) أي رجل وحرف
النداء مقدر معه. ورواه البيهقي عن ابن عباس، وقال به جماعة وهل بالنبطية، وهي لغة سواد
العراق أو السريانية أو الحبشية أو عك أو عكل خلاف بسطه المصنف في المقصد السادس،
وقال فيه إن الزمخشري قال: كان أصله يا هذا، فقلبوا الياء طاء واقتصروا عليه، وإن أبا حيان
رده، بأنه لا يوجد في لسان العرب قلب ياء النداء طاء، ولا حذف اسم الإشارة وإبقاءها التنبيه،
(وقيل) معناه (يا إنسان) نقله البغوي عن الكلبي، وقال أنه لغة عك وغاير يا رجل من حيث
شموله لغة للأنثى لفظًا وإن كان المراد الذكر عَّه، (وقيل) معناه (يا طاهر) من كل ذنب وعيب
و (يا هادي) إلى كل خير، فكل حرف منه بعض اسم، فهو اسم مركب من أسمى حرفين، كما،
قيل في الم (يعني النبي عَّه، وهو مروي عن الواسطي) أبي بكر محمد بن موسى، الإمام
العارف من كبار أتباع الجنيد له، تكلم في أصول التصوف حسن وكرامات، توفي بمرو بعد
العشرين وثلثمائة، وهذا المروي عنه نقله عياض في الباب الأول ولفظه.
قال الواسطي أراد يا طاهر يا هادي، فقول الشامي بعد أن حكاه بقيل ذكره الواسطي، أي
القيل استنباطًا من عند نفسه، لا حكاية عن بعضهم بلفظ، قيل، كما توهم، (وقيل معناه يا
مطمع) بضم الميم، وسكون الطاء اسم فاعل من أطمع (الشفاعة للأمة، ويا هادي الخلق إلى
الملة،) وهذا من نمط ما قبله من أن كل حرف بعض اسم، (وقيل الطاء في الحساب بتسعة،
والهاء بخمسة وذلك أربعة عشر فكأنه، قال يا بدر،) فإن الباء باثنين، والدال بأربعة، والراء
بثمانية، (وهذه) الأقوال الثلاثة التي بعد يا إنسان (من محاسن التأويل،) وصرح في المقصد
السادس، وقد ذكر الأقوال الثلاثة بأن هذه الأقوال، لا يعتمد عليها، إذ هي كما قال المحققون
من بدع التفسير، ويحتمل هنا عود اسم الإشارة، لما قبل الثلاثة أيضًا لقوله (لكن المعتمد أنهما
من أسماء الحروف) التي رجح جماعة أنها مما استأثر اللَّه بعلمه.
(وأما يس، فحكى أبو محمد مكي) بن أبي طالب بن محمد القيسي، الفقيه الملكي،

٢٧٨
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
أنه روى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: لي عند ربي عشرة أسماء ذكر منها
(يس)). وقد قيل معناه: يا إنسان بلغة طيء، وقيل بالحبشية، وقيل بالسريانية، وأصله
كما قاله البيضاوي وابن الخطيب وغيرهما: يا أنيسين: فاقتصر على شطره لكثرة
النداء به وقيل يس. لكن تعقب بأنه لا يعلم أن العرب قالوا في تصغيره أنيسين،
وأن الذي نقل عنهم في تصغيره أنيسيان، بياء بعدها ألف،
الأديب المقرىء غلب عليه علم القرءان وكان راسخًا فيه، أخذ عن ابن أبي زيد والقابسي
بالقيروان ورحل وحج، فأخذ عن ابن فارس وإبراهيم المروزي وجماعة، ثم عاد إلى قرطبة فعلا
ذكره، ورحل الناس إليه من كل قطر، وله تصانيف كثيرة، وروى عنه ابن عتاب وغيره مات سنة
سبع وثلاثين وأربعمائة (أنه روي) بالبناء للمفعول (عنه عليه الصلاة والسلام أنه، قال لي عند
ربي،) أي في علمه يعني أنه الذي سماه اعتناءً وتكريمًا (عشرة أسماء ذكر منها يس،) ولفظه أنا
محمد وأحمد، والفاتح والخاتم، وأبو القسم والحاشر والعاقب والماحي ويس وطه، أخرجه
ابن مردويه، وأبو نعيم عن أبي الطفيل وضعفه ابن دحية، وتبعه السيوطي بأن فيه أبا يحيى وضاع،
وسیف بن وهب ضعيف.
قال الشامي: وليس كذلك، فإن أبا يحيى التيمي اثنان إسماعيل بن يحيى الوضاع المجمع
على تركه، وليس هو الذي في سند هذا الحديث. وإسمعيل بن إبراهيم التيمي، كذا سمي هو،
وأبوه في رواية ابن عساكر، وهو كما قال الحافظ في التقريب ضعيف انتهى، أي لا وضاع،
فيكون في سنده ضعيفان، فهو ضعيف فقط، ورواه البيهقي عن محمد بن الحنفية مرسلاً،
فيعتضد وقول السهيلي لو كان من أسمائه، لقيل يس بالضم، رده تلميذه ابن دحية بأنه غير لازم
مع أنه قرىء بالضم أيضًا، (وقد، قيل معناه) يا (إنسان بلغة طيء،) قاله ابن عباس والحسن
وغيرهما، (وقيل بـ) اللغة (الحبشية،) قاله مقاتل، (وقيل بالسريانية) حكاه الكلبي، وقيل بلغة
كلب، (وأصله، كما، قاله البيضاوي، وابن الخطيب) الإمام فخر الدين الرازي (وغيرهما)
كالزمخشري (يا أنيسين، فاقتصر على شطره) بعضه (لكثرة النداء به،) كما، قيل م اللَّه في
أيمن الله، (وقيل) حين اقتصر (يس) وهذا لفظ الزمخشري وتبعه البيضاوي بادئًا له بلفظ، قيل
ولفظ الرازي وتقريره أن تصغير إنسان أنيسين وكأنه أخذ الصدر وحذف العجز، وقيل يس فعلى
هذا يكون الخطاب معه عَّله، ويدل عليه إنك لمن المرسلين، (لكن تعقب) المتعقب أبو حيان،
(بأنه لا يعلم) بالبناء للمفعول (أن العرب، قالوا في تصغيره أنيسين،) كما ادعاه الزمخشري
وموافقوه، (وأن الذي نقل عنهم في تصغيره انيسيان بياء بعدها ألف،) قال أعني أبا حيان، فدل
على أن أصله انسيان، لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها ونحوه في المصباح، وظاهرهما أنه لم

٢٧٩
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
وبأن التصغير من التحقير الممتنع في حق النبوة لنصهم على أن التصغير لا يدخل
في الأسماء العظيمة شرعًا. ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في الفصل الرابع
من النوع الخامس من أنواع المقصد السادس. وعن ابن الحنفية: معناه يا محمد،
وعن أبي العالية: يا رجل، وعن أبي بكر الوراق: يا سيد البشر، وعن جعفر الصادق:
يا سيد مخاطبة له عليه الصلاة والسلام، وفيه من تعظيم على تفسير أنه يا سيد ما فيه.
يسمع في تصغيره إلاَّ هذا.
لكن قال شيخنا في التقرير هو معارض بنقل الرازي والزمخشري وغيرهما، لأنهم مثبتون،
وأبو حيان ناف فيقدم المثبت، لأن النافي لم يصحبه دليل نفيه، وأما قوله الذي نقل عنهم
فباعتبار ما بلغه، (وبأن التصغير من التحقير الممتنع في حق النبوة لنصهم،) أي العلماء، (على
أن التصغير، لا يدخل في الأسماء العظيمة شرعًا) كأسماء اللَّه، وأنبيائه، لإيهامه التحقير، وإن
جاء للتعظيم في قوله دويهة، لأنه إنما جاء فيما يجوز تصغيره، فصغروه تلطفًا منهم، كما، قيل:
ما قلت حبيبي من التحقير بل يعذب اسم الشىء بالتصغير
وأجاب شيخنا في التقرير باحتمال جواز دخوله فيها، لا بقصد التحقير، لكنه مجرد
احتمال صادمه النص.
قال المصنف في المقصد السادس نصوا على أن التصغير، لا يدخل في الأسماء المعظمة
شرعًا، ولذا حكي أن ابن قتيبة، لما قال المهيمن مصغره مؤمن، وأصله مؤيمن، فأبدلت الهمزة هاء،
قيل له هذا يقرب من الكفر فليتق الله قائله انتهى، وهذا صريح في صحة قوله هنا لنصهم من النص،
ويقع في بعض النسخ لنصبهم بزيادة ميم وموحدة على أنه تعليل لامتناعه في حق النبوة، أي
لمنصبهم العظيم، ثم ما بعده علاوة مفيدة للترقي، والمعنى، فإذا كان كذلك في حق كل عظيم،
فالمصطفى أولى، (ويأتي مزيد لذلك إن شاء اللَّه تعالى في الفصل الرابع من النوع الخامس
من أنواع المقصد السادس، وعن ابن الحنفية) محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، الثقة
العالم المدني، المتوفى بعد الثمانين من رجال الستة اشتهر بأمه، (معناه يا محمد وعن
أبي العالية) رفيع براء، ففاء مصغر ابن مهران بكسر الميم الرياحي، بكسر الراء، وتحتية التابعي،
الثقة معناه (يا رجل،) والمراد به محمد عَّله، (وعن أبي بكر الوراق) معناه (يا سيد البشر،) ويلزم
منه سيادته على غيرهم لشرف نوع الإنسان حتى على الملك على الأصح المرتضى، (وعن
جعفر الصادق) لصدقه في مقاله ابن محمد الباقر بن علي بن الحسين، (يا سيد مخاطبة له عليه
الصلاة والسلام،) بفتح الطاء، والنصب بفعل مقدر، أي خاطبه به مخاطبة مخصوصة به، والتوجيه
من جعفر، كما في الشفاء قائلاً، (وفيه من تعظيمه) وتمجيده (على تفسير يا سيد ما فيه،) قال

٢٨٠
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
وأما ((الفجر)) فقال ابن عطاء في قوله تعالى: ﴿والفجر وليال عشر﴾
[الفجر/ ١، ٢]، الفجر محمد عَّله، لأن منه تفجر الإيمان.
وهو تأويل غريب
شارحه فيه إيجاز ومبالغة، أي فيه أمر عظيم، لا يمكن الوقوف عليه، كقوله الحاقة، ما الحاقة
لوصفه بالسيادة المطلقة المفيدة للعموم في المقام الخطابي، فيفيد تفوقه على من سواه، لأنه
واسطة كل خير، وهو اكتفاء ببعض الكلمة عن باقيها، وسمع من العرب حكاه سيبويه وغيره
فيقولون: ألاتا، بمعنى ألا تفعل، فيقول: بلى، فا أي أفعل، وفي الحديث كفى بالسيف شا أي
شاهدًا، وقال التجاني التحقيق إنهم يكتفون ببعض حروف الكلمة معبرين باسم بعض حروفها
کقوله:
قلت لها قفي فقالت قاف
أي وقفت، فيحتمل أن يس عبر عنه باسمين من أسماء حروفه، لا بمسماه، كما، قاله
الرازي، وإن كانت العرب، قد تكتفي ببعض الكلمة كقوله:
كانت مناها بأرض لا يبلغها
أي منایاها وقوله:
درس المنا بمتالع فابان
أي المنازل ونظائره كثيرة، وليس من ترخيم غير المنادى، بل من ذكر حرف من كلمة
إشارة إلى بقيتها انتهى ملخصًا.
(وأما الفجر، فقال) الإمام أبو العباس أحمد بن محمد بن سهل (بن عطاء) الزاهد البغدادي
المعروف بالآدمي، قيل: كان يختم كل ليلة ختمة، وصحب الجنيد، مات سنة تسع، أو إحدى
عشرة وثلثمائة فهي قوله تعالى: ﴿والفجر وليال عشر﴾ الفجر محمد عَّ، لأنه منه تفجر
الإيمان) بفتح التاء وضم الجيم الثقيلة مصدر، وبفتح الجيم فعل، فالإيمان بالجر والرفع من تفجر
الصبح طلع، قاله ابن رسلان أما على تشبيه الإيمان بالنور المشرف من أفق الوحي الماحي لظلمة
الكفر، أو استعارة مكنية لتشبيهه بالماء، وإثبات التفجر له تخييل، قاله الدلجي، وقال غيره
الأحسن أن يشبه الصبح، وأنواره بماء تفجر، ثم يستعار ذلك لشهرته، لما ظهر منه معَّه من الدين
والتوحيد، كما، قال ابن تميم:
انظر إلى الصبح المنير، وقد بدا يغشى الظلام بمائه المتدفق
غرقت به زهر النجوم، وإنما سلم الهلال. لأنه كالزورق
(وهو تأويل غريب،) لأنه خلاف الظاهر، والقرءان والأحاديث، لا يعدل عن ظاهرها إلاّ