النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ حج الصدیق بالناس فالمراد: الأخباث لما فيهم من خبث الظاهر بالكفر استوى وخبث الباطن بالعداوة قاله مقاتل. وروى النسائي عن جابر أن النبي عَّ لما رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحج، فأقبلنا معه حتى إذا كنا بالعرج ثوب بالصبح، فلما استوى للتكبير سمع الرغوة خلف ظهره فوقف على التكبير فقال: هذه رغوة ناقة النبي عَ ◌ِّ الجدعاء، لقد بدا لرسول الله عَّ له في الحج، فلعله أن يكون رسول الله عَ لّه فتصلي معه، فإذا ..... مسلم لحاجة أو اقتضته مصلحة كقاض ونحوه بالمسجد، وأما غيره فقاس عليه سائر المساجد، وقال أبو حنيفة: لا يمنع الكتابي لتخصيصه بالمشرك فيها وعنه إجازة دخوله للمشرك أيضًا، وأن المراد به النهي عن الحج والعمرة لا الدخول، وحيث كان كذلك، (فالمراد) بقوله نجس (الأخباث لما فيهم من خبث الظاهر بالكفر، وخبث الباطن بالعداوة) للمسلمين، (قاله مقاتل) المفسر المشهور، وقيل: لوجوب اجتناب كما يجتنب عن الأنجاس، وقيل لأنهم لا يتطهرون ولا يجتنبون النجاسة فهم ملابسون لها غالبًا. (وروى النسائي،) والدارمي، والطبري، وابن راهوية وصححه ابنا خزيمة وحبان كلهم (عن جابر أن النبي عَّ لما رجع) إلى المدينة (من عمرة الجعرانة) التي اعتمرها سنة الفتح (بعث أبا بكر) أميرا (على الحج) من قابل، وطوى ذكر من ولي الحج سنة ثمان، فيزول الاشكال الآتي، كما أفاده الفتح، (فأقبلنا معه حتى إذا كنا بالعرج) بفتح المهملة، وإسكان الراء، فجيم قرية على نحو ثمانية وسبعين ميلاً من المدينة، وبهذا جزم ابن سعد وعند الطبري عن ابن أبي وقاص أنه بضجنان ولا منافاة (ثوب) أبو بكر (بالصبح،) أي دعا إليها كما في المقدمة، (فلما استوى) قائمًا (للتكبير) ليحرم بالصبح (سمع الرغوة)، بفتح الراء وضمها، وحكى كسرها أيضًا صوت بعير (خلف ظهره) وإن لم يصرح القاموس والمصباح بإطلاق الرغوة على صوته لكن القياس يقتضيه، لأن اسم المرة من الثلاثي المجرد على فعلة، (فوقف على التكبير، فقال: هذه رغوة ناقة النبي عَّتِ الجدعاء) بالدال المهملة، وعند ابن إسحق من مرسل الباقر القصواء، وروى أيضًا العضباء قال المصنف في الجهاد فهذا يصرح أن الثلاثة صفة ناقة واحدة لإتحاد القصة، وبه جزم الحربي انتهى. ورواه ابن سعد عن الواقدي، وقال غيره: إنهما اثنتان القصواء، وهي العضباء، والثانية الجدعاء كانت شهباء، وكان لا يحمله عَّ عند نزول الوحي غيرها، كما في الفتح (لقد بدا لرسول اللَّه ◌ٍَّ في الحج، فلعله) أي القادم (أن يكون رسول اللَّه عَّ فتصلي معه، فإذا ١٢٢ حج الصديق بالناس علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال له أبو بكر رضي الله عنه أمير أم رسول، قال: لا بل رسول، أرسلني رسول الله عَ له ببراءة أقرؤها على الناس في مواقف الحج، فقدمنا مكة، فلما كان قبل التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس فحدثهم عن مناسكهم، حتى إذا فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم خرجنا معه، حتى إذا كان يوم عرفة قام أبو بكر فخطب الناس فعلمهم مناسكهم حتى إذا فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه عليها) على الناقة (فقال له أبو بكر رضي الله عنه:) أنت (أمير أم رسول قال: لا) ردًا لما توهم، وهو المعطوف عليه فقط، أي لست أميرًا، (بل) أنا (رسول أرسلني رسول اللَّه عَ لله ببراءة أقرؤها على الناس في مواقف الحج)، ولم يكتف بأبي بكر لأمر الله له بذلك، كما سلف معاملة للعرب بسنتهم المألوفة أنه لا يحل العقد إلاَّ من عقده أو واحد من أهل بيته، فاختار منهم عليًا، لأنه أفضلهم، (فقدمنا مكة، فلما كان قبل التروية،) بفتح الفوقية، وسكون الماء، وكسر الواو وخفة التحتية، لأنهم كانوا يروون فيه إبلهم، ويتروون من الماء، لأن تلك الأماكن لم يكن فيها آبار ولا عيون، وأما الآن فكثر جدًا واستغنوا عن حمل الماء، أو لأن عادم رأى فيه حواء واجتمع بها، أو لأن إبراهيم رأى ليلة ذبح ابنه فأصبح يتروى، أو لأن جبريل أرى إِبراهيم فيه المناسك، أو لأن الإمام يعلم الناس فيه المناسك وهي شاذة، إذ لو كان من الثاني لكان يوم الرؤية، أو الثالث لكان يوم التروي بشد الواو، أو الرابع لكان من الرؤيا، أو الخامس لكان من الرواية، كما في الفتح. (بيوم قام أبو بكر، فخطب الناس، فحدثهم عن مناسكهم حتى إذا فرغ قام علي) بعد الخطبة ليتم اجتماع الناس، وتعظيمًا لأبي بكر لكونه الأمير، (فقرأ على الناس براءة حتى ختمها)، ثم خرجنا معه حتى إذا كان يوم عرفة قام أبو بكر فخطب الناس، فعلمهم مناسكهم حتى إذا فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، (ثم كان يوم النحر فأفضنا، فلما رجع أبو بكر خطب الناس، فحدثهم عن إفاضتهم وعن نحرهم وعن مناسكهم، فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها). وعند الطبري عن أبي الصهباء قال: سألت عليًا عن يوم الحج الأكبر، فقال: إن رسول اللَّه عَل بعث أبا بكر يقيم للناس الحج، وبعثني بعده بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفه، فخطب، ثم التفت إلي فقال: يا علي قم فأد رسالة رسول اللَّه عَّله، فقمت فقرأت أربعين آية من أول براءة، ثم صدرنا حتى رمينا الجمرة، فطفقت أتتبع الفساطيط اقرأها عليهم، لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطية أبي بكر يوم عرفة، فهذا معارض لقول جابر حتى ختمها. ١٢٣ حج الصديق بالناس ثم كان يوم النحر، فأفضنا فلما رجع أبو بكر خطب الناس فحدثهم عن إفاضتهم وعن نحرهم وعن مناسكهم، فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها. فلما كان يوم النفر الأول قام أبو بكر فخطب الناس، فحدثهم كيف ينفرون، وكيف يرمون يعلمهم مناسكهم، فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها. وهذا السياق فيه غرابة من جهة أن أمير الحج سنة عمرة الجعرانة إنما هو عتاب بن أسيد، أما أبو بكر رضي الله عنه فإنما كان سنة تسع. قال الحافظ: فيجمع بأن عليًا قرأها كلها في المواطن المذكورة. وأما في سائر الأوقات، فكان يؤذن لا يحج بعد العام، إلخ ويستعين بأبي هريرة وغيره اهـ، فليتأمل فإن جملة المواطن عرفة، وقد صرح علي كما ترى بأنه قرأ فيها أربعين آية، فاللائق تأويل قول جابر حتى ختمها، أي المقصود منها تجوزًا، وهو أربعون، فيوافق قول علي، لأنه أدرى بما قرأ، (فلما كان يوم النفر الأول قام أبو بكر فخطب الناس، فحدثهم كيف ينفرون، وكيف يرمون يعلمهم مناسكهم، فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس) أوائل (براءة حتى ختمها). وحكمة تكريره أربع مرات ما صرح به علي كما سمعت، أن الجميع لم يحضروا خطبة عرفة، ولم يكتف بانتشار الخبر وتنبيهًا على الاعتناء بشأن هذا الأمر حتى كرره بعد الخطب، (وهذا السياق) كما قال الحافظ عماد الدين بن كثير (فيه غرابة من جهة أن أمير الحج سنة عمرة الجعرانة، إنما هو عتاب بن أسيد، فأما أبو بكر رضي الله عنه فإنما كان) أمير الحج (سنة تسع،) وقال المحب الطيري نحوه، وقال الحافظ في كتاب التفسير: يمكن رفع الأشكال في قوله: بعث أبا بكر، وقول أبي هريرة: لما قفل النبي عَّله من حنين اعتمر من الجعرانة، ثم أمر أبا بكر على تلك الحجة. أخرجه عبد الرزاق، وصححه ابن حبان، بأن المراد بعد أن رجع إلى المدينة وطوى ذكر من ولى الحج سنة ثمان، فإنه عَّ لما رجع من العمرة إلى الجعرانة فأصبح بها توجه هو ومن معه إلى المدينة إلى أن جاء أوان الحج، فأمر أبا بكر سنة تسع، وليس المراد أنه بعثه، أو أمره أن يحج سنة عمرة الجعرانة، وقوله: على تلك الحجة يريد الآتية بعد رجوعهم إلى المدينة انتهى، وهو حسن أولى من قوله هنا كان الطيري تبع الماوردي في قوله: أمر عَّله عتابًا أن يحج بالناس عام الفتح، والذي جزم به الأزرقي خلافه قال: لم يبلغنا أنه استعمل في تلك السنة على الحج أحدًا، وإنما ولى عتابًا أمرة مكة وحج المسلمون والمشركون جميعًا، وكان المسلمون مع عتاب ١٢٤ هلاك رأس المنافقين واستدل بهذه القصة على أن فرض الحج كان قبل حجة الوداع، والأحاديث في ذلك شهيرة كثيرة. وذهب جماعة إلى أن حج أبي بكر هذا لم يسقط عنه الفرض بل كان تطوعًا قبل فرض الحج ولا يخفی ضعفه. [هلاك رأس المنافقين] وفي هذه السنة مات عبد الله بن أبي بن سلول، لكونه الأمير إنتهى، لأن الأزرقي إنما نفى أنه بلغه، ولم يطلق النفي، وقد جزم الماوردي وابن كثير والمحب الطبري وغيرهم: بأنه عَّهِ ولى عتابًا مكة والحج سنة ثمان، وتبعهم المصنف في المقصد الثاني، (واستدل بهذه القصة) التي هي حديث أبي هريرة في أرفع الصحيح وحديث جابر وهو صحيح (على أن فرض الحج كان قبل حجة الوداع،) إذ لو لم يكن فرضًا لما اعتنى يبعث أمير يقيمه للناس، وإنما تخلف هو لما ذكر ابن عائذ أن المشركين كانوا يحجون مع المسلمين، ويعلون أصواتهم ليغلطوهم، يقولون: لا شريك لك إلاَّ شريكًا هو لك تملكه وما ملك، ويطوف رجال منهم عراة، فكره عَّله الحج ذلك العام، فلما دنا علي بذلك قالوا: نبرأ منك ومن ابن عمك إلاّ من الضرب والطعن، فلما رجعوا أرعبهم اللَّه، فأسلموا طوعًا وكرهًا، (والأحاديث في ذلك شهيرة كثيرة، وذهب جماعة إلى أن حج أبي بكر هذا لم يسقط عنه الفرض،) حيث خوطب به بعد، فلم يعتد به فيما وجب عليه، فلا يرد أن السقوط فرع الوجوب وهو لم يجب، فكيف عبر بالسقوط، (بل كان تطوعًا قبل فرض التحج ولا يخفى ضعفه) لكثرة الأحاديث الدالة على خلافه والله أعلم. هلاك رأس المنافقين (وفي هذه السنة) سنة تسع في ذي القعدة بعد الإنصراف من تبوك (مات عبد الله بن أبي بن سلول،) بفتح المهملة، وضم اللام وسكون الواو، ثم لام ورفع ابن صفة لعبد اللَّه، لأنها أمه، وهي خزاعية، وهو خزرجي بعد مرضه عشرين ليلة ابتداؤها من ليال بقيت من شؤال. ذكره الواقدي، ثم الحاكم في الإكليل، ومال بعض أهل الحديث إلى تصحيح إسلامه لصلاة النبي عََّّةُ عليه، ولم يقف على جواب شاف فيه، فأقدم على دعوى ذلك، وذهل عن الآيات والأحاديث المصرحة بما ينافي ذلك وهو محجوج بإجماع من قبله على نقيض قوله، وإطباقهم على ترك ذكره في الصحابة مع شهرته وذكرهم من هو دونه في الشرف والشهرة بأضعاف مضاعفة. ١٢٥ هلاك رأس المنافقين فجاء ابنه إلى رسول الله عَ ليه فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه. ثم سأله أن يصلي عليه، فقام ليصلي عليه، فقام عمر رضي الله عنه فأخذ بثوب رسول الله عٍَّ فقال: يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه، (فجاء ابنه) عبد اللَّه بن عبد اللَّه الخزرجي من فضلاء الصحابة، وشهد بدرًا وما بعدها، واستشهد يوم اليمامة في خلافة أبي بكر، ومن مناقبه أنه بلغه بعض مقالات أبيه في النبي صَ لّهه فجاء ليستأذنه في قتله، فقال: بل أحسن صحبته. أخرجه ابن منده من حديث أبي هريرة بإسناد حسن قال ابن عمر: لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه عبد اللَّه (إلى رسول اللَّه عَّه) وعند الطبري من طريق الشعبي لما احتضر جاء ابنه، فقال: يا رسول اللَّه إن أبي احتضر، فأحب أن تشهده وتصلي عليه قال: ((ما اسمك))، قال: الحباب، فقال: بل ((أنت عبد اللَّه الحباب)) اسم شيطان وهو بضم المهملة، وموحدتين مخففًا، وكأنه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام، ولا سيما وقد ورد ما يدل على أنه فعل ذلك بعهد من أبيه، (فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه،) وأخرج عبد الرزاق والطبري عن قتادة قال: أرسل عبد الله بن أبي إلى النبي عَّ، فلما دخل عليه قال: ((أهلكك حب يهود))، فقال: ، يا رسول اللَّه إنما أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتوبخني، ثم سأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه فأجابه، وهذا مرسل مع ثقة رجاله، ويعضده ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس لما مرض ابن أبي جاءه عَّهِ، فكلمه فقال: قد فهمت ما تقول فأمنن علي فكفني في قميصك وصل علي، ففعل (فأعطاه، ثم سأله أن يصلي، فقام ليصلي عليه). وفي حديث ابن عباس عن عمر في الصحيح: فلما قام وثبت إليه، فقلت يا رسول الله أتصلي عليه، وقد قال يوم كذا، كذا، وكذا أعدد عليه قوله يشير إلى مثل قوله لا تنفقوا على من عند رسول اللَّه حتى ينفضوا، وقوله ليخرجن الأعز منها الأذل، (فقام عمر رضي الله عنه، فأخذ بثوب رسول اللَّه عَِّ، فقال: يا رسول اللَّه تصلي،) وفي رواية أتصلي بإثبات همزة الاستفهام الإنكاري (عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه)،) استشكلٍ جدًا إطلاق النهي عن الصلاة، إذ لم يتقدم نهي عنها، كما دل عليه قوله آخر الحديث، فأنزل اللَّه حتى قال بعضهم هو وهم من بعض رواته وعاكسه غيره، فزعم أن عمر اطلع على نهي خاص في ذلك، وقال القرطبي: لعل ذلك وقع في خاطر عمر من قبيل الإلهام، ويحتمل أنه فهمه من قوله: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ [التوبة: ١١٣] انتهى. والثاني أقرب، لأنه لم يتقدم نهي، والذي يظهر أن في هذا الحديث تجوّزاً بينته رواية البخاري من وجه آخر بلفظ، فقال: تصلي عليه وهو منافق وقد نهاك اللَّه أن تستغفر لهم، وعند ١٢٦ هلاك رأس المنافقين فقال عٍَّ: إنما خيرني الله عز وجل قال: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ [التوبة/ ٨٠]. الطيري وعبد بن حميد عن عمر، فقلت: واللَّه ما أمرك اللَّه بهذا لقد قال: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ [التوبة: ٨٠]، وكأنه فهم من الآية ما هو الأكثر الأغلب في لسان العرب أن أو ليست للتخيير، بل للتسوية في عدم الوصف، أي أن الاستغفار وعدمه، سواء كقوله: ﴿سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم﴾، لكن الثانية أصرح، وأن سبعين مبالغة، والمراد نفي المغفرة، ولو كثر الاستغفار، فلا مفهوم للعدد، وأن المقصود الأعظم من الصلاة طلب المغفرة للميت والشفاعة. هذا تقرير ما صدر من عمر مع شدة صلابته في الدين، وكثرة بغضه للمنافقين،. فلذا أقدم على ما قال ولم يلتفت إلى احتمال إجرائه على ظاهر لما غلب عليه من الصلابة المذكورة، وقال ابن المنير: إنما قاله عمر عرضًا ومشورة، لا إلزامًا وله بذلك عوائد، ولا يبعد أنّه عَِّ كان أذن له في مثل ذلك، فليس باجتهاد مع وجود النص، كما زعم، بل أشار بما ظهر له فقط، ولذا احتمل منه أخذه بثوبه ومخاطبته له في مثل المقام حتى التفت إليه متبسمًا، (فقال عَّةِ: ((إنما خيرني اللَّه عز وجل) بين الإستغفار وتركه، (فقال: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ [التوبة: ٨٠]، واستشكل فهم التخيير من الآية حتى أقدم جماعة من الأكابر على الطعن في صحة هذا الحديث مع كثرة طرقه، وإتفاق الشيخين، وسائر الذين خرجوا الصحيح على صحته، وذلك ينادي على منكري صحته، كالباقلاني، وإمام الحرمين، والغزالي والداودي بعدم معرفة الحديث، وقلة الإطلاع على طرقه. وأجيب بأن العمل بالبقاء على حكم الأصل مع فهم المبالغة لا يتنافيان فجوّز حصول المغفرة بالزيادة على السبعين، لا أنه جازم بذلك ولا يخفي ما فيه، وبأن المنهي عنه استغفار ترجى إجابته بخلافه لمثل ابن أبي، فانه تطييب لقلوب من بقي وليس بمضي كقول، الزمخشري: إن قلت كيف خفي على أفصح الخلق، وأخبرهم بأساليب الكلام، وتمثيلاته أن المراد بهذا العدد أن الاستغفار ولو كثر لا يجدي، ولا سيما وقد تلاه قوله ذلك: ﴿بأنهم كفروا بالله ورسوله﴾ [التوبة: ٨٠]، فبين الصارف عن المغفرة لهم، قلت: لم يخف عليه ذلك لكنه فعل ما فعل، وقال ما قال إظهاراً لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليه كقول إبراهيم ﴿ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وفي إظهاراه الرأفة المذكورة لطف بأمته وباعث على رحمة بعضهم بعضًا، وتعقبه ابن المنير، فقال: لا يجوز نسبة ما قاله إلى الرسول لاخبار اللَّه أنه لا يغفر لهم، فطلبها لهم مستحيل، ولا يقع ١٢٧ هلاك رأس المنافقين وسأزيد على السبعين قال: إنه منافق. فصلى عليه رسول الله عَّله فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم منه عليه الصلاة والسلام، والجواب الجيد أن النهي عن الاستغفار لمن مات مشركًا لا يستلزم النهي عنه لمن مات مظهرًا للإسلام لإحتمال أن يكون صحيحًا، ولا ينافيه بقية الآية لجواز أن الذي نزل أولاً إلى قوله تعالى: ﴿فلن يغفر الله لهم﴾ [التوبة: ٨٠] الآية، بدليل تمسكهم ◌َ ◌ّه به وقوله إنما خيرني تمسكًا بالظاهر على ما هو المشروع في الأحكام، إلى أن يقوم الدليل الصارف عن ذلك، فلما وقعت هذه القصة، كشف اللَّه الغطاء، ونادى عليهم بعد ذلك بأنهم كفروا بالله، وبهذا يرتفع الاشكال، (وسأزيد على السبعين). ولعبد بن حميدة، عن قتادة والطبري، عن مجاهد وهو وابن ابن أبي حاتم عن عروة: فوالله لأزيدن على السبعين. وعند الطبراني من مرسل الشعبي فأنا أستغفر سبعين وسبعين وسبعين، وهي وإن كانت مراسيل يعضد بعضها بعضًا، فلا يصح جواب من أجاب عن الاشكال بأنه قاله استمالة لقلوب عشيرته لا أنه إن زاد يغفر له، ولا أنه زاد لثبوت الرواية بأنه سيزيد ووعده صادق، ولا سيما وقد قال: لأزيدن بصيغة المبالغة في التأكيد (قال) عمر: (إنه منافق) لما كان يطلع عليه من أحواله، (فصلى عليه رسول اللَّه عَِّ)) ولم يأخذ بقول عمر اجراء له على ظاهر حكم الإسلام واستصحابًا لظاهر الحكم ولإكرام ولده الذي تحقق صلاحه، واستئلافًا لقومه، ودفعًا للمفسدة، ولا سيما وقد كان ذلك قبل نزول النهي الصريح عن الصلاة على المنافقين. وفي رواية للبخاري فصلينا معه، ففيه كما قال الحافظ أبو نعيم: أن عمر ترك رأي نفسه، وتابعه علّله، وقد ورد ما يدل على أنه أطال في حال الصلاة عليه من الاستغفار له، فذكر الواقدي: أن مجمع ابن جارية قال: ما رأيت رسول اللَّه عَّه أطال على جنازة قط ما أطال على جنازة عبد الله بن أبي من الوقوف، وفي حديث ابن عباس عن عمر عند ابن إسحق: ومشى معه حتى قام على قبره حتى فرغ منه. قال الخطابي، وتبعه ابن بطال: إنما فعل ذلك لكمال شفقته على من تعلق بطرف من الدين ولتطييب قلب ولده الرجل الصالح، ولتألف الخزرج لرياسته فيهم، فلو لم يجب سؤال ابنه، وترك الصلاة عليه قبل ورود النهي الصريح لكان سبة على ابنه وعارًا على قومه، فاستعمل عَّ أحسن الأمرين في السياسة إلى أن كشف اللَّه الغطاء، (فأنزل اللَّه تعالى:) وفي حديث ابن عباس في الصحيح، فصلى عليه، ثم انصرف، فلم يمكث إلاَّ يسيرًا حتى نزلت: (﴿ولا تصل على أحد منهم﴾﴾ [التوبة: ٨٤]. قال البيضاوي: المراد من الصلاة الدعاء للميت والاستغفار له، وهو ١٢٨ هلاك رأس المنافقين مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾ [التوبة/٨٤] رواه الشيخان والنسائي. ممنوع في حق الكافر، ولذا رتب النهي على قوله (﴿مات أبدًا﴾﴾ [التوبة: ٨٤]، يعني على الكفر، فإن إحياء الكافر للتعذيب دون التمتع، فكأنه لم يحي (﴿ولا تقم على قبره إنهم كفروا باللَّه ورسوله وماتوا وهم فاسقون)) [التوبة: ٨٤]. قال قتادة: فذكر لنا أنه عَّه قال: ((وما يغني عنه قميصي من اللَّه وأني لأرجو أن يسلم بذلك ألف من قومه)). أخرجه الطبراني زاد مسدد، فترك الصلاة عليهم، وفي رواية ابن إسحق عن عمر فما صلى على منافق بعده حتى قبضه الله، زاد ابن جرير ولا قام على قبره، وظاهر الآية أنها نزلت في جميع المنافقين، لكن ورد ما يدل على أنها نزلت في عدد معين منهم. قال الواقدي: أخبرنا معمر عن الزهري قال: قال حذيفة قال لي رسول اللَّه عَّهِ: أني ((مسر إليك سرًّا فلا تذكره لأحد إني نهيت أن أصلي على فلان وفلان)) رهط ذوي عدد من المنافقين، قال: فلذلك كان عمر إذا أراد أن يصلي على أحد استتبع حذيفة، فإن مشى معه وإلا لم يصل عليه. ومن طريق آخر عن جبير بن مطعم أنهم اثنا عشر رجلاً ولعل حكمة اختصاصهم علم الله أنهم يموتون على الكفر بخلاف من سواهم فأنهم تابوا. وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة لما نزلت: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر اللَّه لهم﴾ [التوبة: ٨٠]، قال ◌َ له: ((لأزيدن على السبعين))، فأنزل الله تعالى: ﴿سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾ [المنافقون: ٦]، ورجاله ثقات مع إرساله، ويحتمل أن تكون الآيتان معاً نزلتا في ذلك انتهى جميعه ملخصًا من فتح الباري خلا ما نقلته عن البيضاوي. وفي شرح المصنف قد روي: أن ألفًا من الخزرج أسلموا لما رأوه يستشفع بثوبه، ويتوقع اندفاع العذاب عن هذا، وعجيب من الشارح مع زيادة فطنته، وشدة حذقه كيف كتب على قول المصنف، فصلی علیه. هذا حكاه البيضاوي بقيل وصدر بأنه ذهب ليصلي عليه، فنزلت فإذا كان لم يقف على غيره أفما كان يتنبه لقول المصنف. (رواه الشيخان والنسائي) بطرق عن ابن عمرو، وبنحوه من حديث ابن عباس عن عمر، فأين يقع ما صدر به من مرويهما. قال البيضاوي: وإنما لم ينه عن التكفين في قميصه، لأن الضنة به تخل بالكرم، ولأنه كان ١٢٩ هلاك رأس المنافقين وفي هذه السنة آلى عَبيّة من نسائه شهرًا. وجحش شقه - أي خدش - وجلس في مشربة له درجها من جذوع، مكافأة لإلباسه العباس قميصه حين أسر ببدر، زاد المصنف لئلا يكون لمنافق عليه منة، وقد أطلت وما تركته أطول. (وفي هذه السنة،) سنة تسع فيما قال بعضهم، وجزم به اليعمري في الحوادث، فتبعه المصنف هنا والذي اقتصر عليه في الفتح لفظه أفاد ابن حبان أن هذه القصة كانت في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة انتهى، وبه جزم شيخه ابن الملقن والمصنف في شرح البخاري (آلى) بمدة الهمزة (عَّ من نسائه،) أي حلف أن لا يدخل عليهن، ففي مسلم اقسم أن لا يدخل على أزواجه (شهرًا،) وليس المراد به الإيلاء المتعارف بين الفقهاء. قاله الحافظ وغيره لحرمته، فلا يفغله وإنما المراد اللغوي كقوله تعالى: ﴿ولا يأتل أولو الفضل﴾ [النور: ٢٢]، أي يحلف (وجحش). قال الحافظ بضم الجيم وكسر المهملة فشين معجمة (شقه) الأيمن، كما في رواية الزهري عن أنس في الصحيحين، وفي رواية حميد عن أنس: فجحشت ساقه أو كتفه، وللإسماعيلي انفكت قدمه، وكذا رواه أبو داود وابن خزيمة عن جابر، ولا منافاة لجواز وقوع الأمرين، وحاصله أن عائشة أبهمت الشكوى، فقالت وهو شاك وبين جابر وأنس السبب، وهو السقوط عن الفرس وعين جابر العلة في الصلاة قاعدًا، وهو انفكاك القدم فليس، كما قال عياض يحتمل أنه أصابه من السقطة رض منعه من القيام، (أي خدش)، وفي الفتح الجحش الخدش أو أشد منه قليلاً، والخدش قشر الجلد. روى الشيخان وغيرهما عن أنس: أنه عَّ سقط عن فرس، فجحشت ساقه أو كتفه، وآلى من نسائه شهرًا، فليس سببه أنه نام على حصير على السرير، فأثر في جسده الخدش، كما توهم من مجرد رواية قوله: فأثر في جسده وإلا فلم يقله أحد، (وجلس في مشربة). قال الحافظ: بفتح الميم، وسكون المعجمة، وضم الراء، ويجوز فتحها، أي غرفة عالية (له) في حجرة عائشة، كما في حديث جابر، وهو دال على أن الصلاة لم تكن في المسجد، وكأنه عجز عن الصلاة بالناس فيه، فكان يصلي فيها بمن حضر، لكن لم ينقل أنه استخلف، ولذا قال عياض: الظاهر أنه صلى في حجرة عائشة وائتم به من حضر عنده ومن بالمسجد وما قاله محتمل وإن لزم عليه صلاة الإمام أعلى من المأمومين، ومذهب عياض خلافه، لأن محله ما لم يكن معه الإمام العالي أحد، وهنا كان معه بعض الصحابة، ويحتمل أيضًا أن يكون استخلف، وإن لم ينقل (درجها من جذوع،) كذا للأكثر بالتنوين بغير إضافة، وللكشميهني من جذوع ١٣٠ هلاك رأس المنافقين فأتاه أصحابه يعودونه فصلى بهم جالسًا وهم قيام، فلما سلم قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا، ولا تركعوا حتى يركع، ولا ترفعوا حتى يرفع. النخل، (فأتاه أصحابه يعودونه) سمي منهم أنس وجابر وأبو بكر وعمر، (فصلى بهم) زاد في رواية الزهري صلاة من الصلوات. قال القرطبي اللام للعهد ظاهرًا، والمراد الفرض، لأنها التي عرف من عادتهم الاجتماع لها بخلاف النافلة. وحكى عياض عن ابن القسم: أنها كانت نفلاً، وتعقب بأن في رواية جابر عند ابن خزيمة وأبي داود الجزم بأنها فرض ولم أقف على تعيينها إلا أن في حديث أنس: فصلى بنا يومئذ، فكأنها نهارية الظهر أو العصر، ولأبي داود عن جابر: أنهم عادوه مرتين، فصلى بهم فيهما لكن بين أن الأولى كانت نافلة، وأقرهم على القيام وهو جالس، والثانية فريضة وابتدأوا قيامًا فأشار إليهم بالجلوس ونحوه للأسماعيلي عن أنس انتهى حال كونه (جالسًا وهم قيام) جملة اسمية حالية، كذا في رواية حميد عن أنس. وفي حديث عائشة في الصحيح: فصلى جالسًا، وصلى وراءه قوم قيامًا فأشار إليهم أن اجلسوا، وظاهرهما التعارض. قال الحافظ: فيجمع بينهما بأن أنسًا انتصر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس، وفي رواية الزهري عن أنس، فصلينا وراءه قعودًا، والجمع بينهما أنهم ابتدأوا الصلاة قيامًا، فأومأ إليهم بالقعود، فقعدوا فنقل كل من الزهري وحميد أحد الأمرين، وجمعتهما عائشة، وكذا جابر عند مسلم، (فلما سلم قال: إنما جعل الإمام) إمامًا (ليؤتم،) ليفتدى (به) ويتبع، ومن شأن التابع أن يأتي بمثل متبوعه على أثره، فلا يسبقه ولا يساويه، (فإذا صلى قائمًا، فصلوا قيامًا، وإذا صلى قاعدًا، فصلوا قعودًا) في جميع الصلاة لا أن المراد جلوس التشهد وبين السجدتين إذ لو كان مراد القال: وإن جلس فاجلسوا كما قال ابن دقيق العيد وغيره. وهو محمول على العجز، أي إذا كنتم عاجزين عن القيام كالإمام، أو منسوخ (ولا تركعوا حتی یر کع). قال ابن المنير: مقتضاه أن ركوع المأموم بعد ركوع الإمام إما بعد انحنائه، وإما بأن يسبقه الإمام بأوله، فيشرع فيه بعد أن يشرع، (ولا ترفعوا) رؤوسكم من الركوع والسجود (حتى يرفع) رأسه في حديث عائشة والزهري عن أنس وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا ربنا ولك ١٣١ هلاك رأس المنافقين ونزل لتسع وعشرين فقالوا: يا رسول الله إنك آليت شهرًا، فقال: إن الشهر یکون تسعا وعشرين. الحمد. (ونزل) عَّه (لتسع عشرين) يومًا مضت من الشهر، ولمسلم عن عائشة، فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل علي أي بأيامها، لأن العرب تؤرخ بالليالي، فالأيام تابعة لها، فلا يعارض حديث أم سلمة في الصحيحين، فلما مضى تسعة وعشرون يومًا غدا أو راح، (فقالوا:) وفي حديث أم سلمة، فقيل وفي مسلم عن عائشة بدأ بي. فقلت: (يا رسول اللَّه إنك آليت) حلفت لا تدخل على نسائك (شهرًا، فقال: ((إن الشهر يكون تسعًا وعشرين))،) وهذا كان كذلك لرواية أن الشهر تسع وعشرون. قال الخطابي: أل للعهد، أي الشهر المحلوف عليه، وسبب الحلف ما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة: أنه عَّهِ كان يشرب عسلاً عند زينب، ويمكث عندها، فتوطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها، فلتقل له: أكلت مغافير وهو بفتح الميم والمعجمة فالف ففاء صمغ له رائحة كريهة فدخل على إحداهما فقالت: إني أجد منك ريح مغافير قال: لا ((ولكني كنت أشرب عسلاً عند زينب بنت جحش فلن أعود له وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا». وفي الصحيح أيضًا من وجه آخر عن عائشة: أن التي شربه عندها حفصة بنت عمر من عكة أهدتها لها امرأة من قومها بمكة، قالت عائشة: ففرت فقلت لسودة إذا دنا منك، فقولي له: ما هذه الريح التي أجد منك، وقولي أنت يا صفية ذاك. وعند ابن مردويه عن ابن عباس أن شربه العسل كان عند سودة، وأن عائشة وحفصة هما اللتان تظاهرتا، فوافق الرواية الأولى، وإن اختلف في صحابة العسل، فيحمل على التعدد، أو أن كون صاحبة العسل زينب أثبت كما صوبه عياض وغيره، لموافقة ابن عباس لها على المتظاهرتين. فلو كانت حفصة صاحبة العسل لم تقترن بعائشة في المظاهرة، ورجح أيضًا بقول عائشة: كنت أنا وسودة، وصفية، وحفصة في خرب، وزينب وأم سلمة والباقيات في خرب، فلذا غارت من زینب لکونها من غیر خربها. قال ابن كثير وغيره: وفي ذلك نزل: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل اللَّه لك﴾ [التحريم: ١]، على الصحيح وقال الخطابي الأكثر على أن الآية نزلت في تحريم مارية على نفسه، ورجحه الحافظ بما رواه سعيد بن منصور، والضياء في المختارة، والطبراني في عشرة النساء، وابن مردويه والنسائي، ولفظه عن أنس أنه عَّ كان له أمة يطأها، فلم تزل به حفصة وعائشة حتى حرمها، فأنزل الله: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾ [التحريم: ١]. وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن أبي هريرة دخل عَّله بمارية بيت حفصة، فجاءت فوجدتها ١٣٢ البعث إلى اليمن [البعث إلى اليمن] ثم بعث أبا موسى ومعاذا إلى اليمن قبل حجة الوداع. كل واحد منهما علی مخلاف. قالوا: والیمن مخلافان، معه، فقالت: يا رسول اللَّه في بيتي دون بيوت نسائك، قال: فأنها «علي حرام أن أمسها يا حفصة واكتمي هذا علي))، فأتت عائشة، فأخبرتها فنزلت الآية قال: ويحتمل أنها نزلت في السببين معًا. قال في اللباب: وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنها نزلت في التي وهبت نفسها، وهو غريب، وسنده ضعيف والله أعلم. البعث إلى اليمن (ثم بعث) عَِّ (أبا موسى) عبد الله بن قيس الأشعري، (ومعاذا) هو ابن جبل (إلى اليمن قبل حجة الوداع،) هذه ترجمة البخاري، إلا أن المصنف زاد ثم أوّلها نظرًا إلى أنه مقتضى القبلية، ولذا قال الحافظ في كتاب الزكاة: كان البعث إلى اليمن سنة عشر قبل حجه عليه السلام، كما ذكر البخاري في آخر المغازي، وقيل في آخر سنة تسع عند منصرفه عَّ له من تبوك. رواه الواقدي وابن سعد عن كعب بن ملك وحكى ابن سعد أيضًا: أنه كان في ربيع الآخر سنة عشر، وقيل عام الفتح سنة ثمان انتهى. وقال هنا كأنه أشار بالتقييد بالقبلية إلى ما وقع في بعض أحاديث الباب؛ أنه رجع من اليمن فلقي النبي عَِّ بمكة في حجة الوداع، لكن القبلية نسبية، وعند أهل المغازي أنها كانت في ربيع الآخر سنة تسع انتهى. فعلى ما نسبه لأهل المغازي، فثم في المصنف للترتيب الذكري، وأما على غيره، فالترتيب حقيقي. قال الحافظ وبين البخاري في استتابة المرتدين عن أبي موسى: سبب بعثه إلى اليمن ولفظه قال: أقبلت ومعي رجلان من الأشعريين، وكلاهما سأل يعني أن يستعمله. فقال: ((لن نستعمل على عملنا من أراد، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى إلى اليمن)، ثم أتبعه معاذ بن جبل انتهى. وكأنه تراخى قليلاً فعبر بثم، وإلا فروايات الباب كلها بالواو في البخاري، وهو ظاهر قوله يسرًا الخ ... بخطاب المثنى. روى البخاري تلو الترجمة عن أبي بردة قال: بعث رسول اللَّه عَّ له أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن، وبعث (كل واحد منهما على مخلاف،) فكل بالنصب مفعول بعث الثابتة في الرواية التي استعنى المصنف عنها يبعث التي ذكرها أوّلاً لا مرفوع مبتدأ وخبر لأنه وإن جاز لكنه خلاف الرواية (قالوا:) كذا في النسخ وهو تصحيف صوابه كما في البخاري قال بالأفراد أي أبو ١٣٣ البعث إلى اليمن ثم قال: يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا. وقال لمعاذ: إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، بردة (واليمن مخلافان،) وهو بموحدة وراء واسمه عامر بن أبي موسى، وهو تابعي، فالحديث مرسل، ولذا عقبه البخاري بطريق أخرى موصولة، ثم قوّها بأحاديث، (ثم قال) عَّ لهما: ((يسرا) بتحتية ومهملة من اليسر، أي سهلاً (ولا تعسرا) لا تشددًا، أي عاملاً بالرفق في الأمور، فأقيما الأحكام مطابقة للأمر، فأقيما الحدود وأوصلا إلى كل ذي حق حقه، لكن برفق كأنظار معسر، ولا تعاملاً بالشدة، كالقتل قبل تكرير الدعاء إلى الإسلام. (وبشرا) بموحدة ومعجمة (ولا تنفرا))) بالفاء زاد بالبخاري في رواية وتطاوعًا، وهذا ظاهر جدًا في بعثهما معًا. قال الطيبي: هو من باب المقابلة المعنوية، لأن الحقيقة أن يقال: بشرا، ولا تنذرا، وآنسا، ولا تنفرا، فجمع بينهما ليعم البشارة والنذارة والتأنيس والتنفير. قال الحافظ: ويظهر لي أن النكتة في الاتيان بلفظ البشارة، وهو الأصل، وبلفظ التنفير، وهو اللازم، وأتى بالذي بعده على العكس للإشارة إلى أن الإنذار لا ينفي مطلقًا بخلاف التنفير، فاكتفى بما يلزم عن الإنذار وهو التنفير، فكأنه قيل إن أنذرتم فليكن بغير تنفير كقوله تعالى: ﴿فقولا له قولاً لينا﴾ [طه: ٤٤]، قال شيخنا: ولعل قول الطيبي فجمع بينهما أنه لما قابل البشارة بالنهي عن التنفير. علم منه طلب التأنيس ولزم منه عدم التنفير، فلما ذكر النهي عنه كأنه أريد به النهي عن الإنذار، فشملت عبارته الأمر بالتأنيس، والنهي عن الانذار انتهى. وبقية هذا الحديث في البخاري فانطلق كل واحد منهما إلى عمله الحديث. (و) في البخاري عن ابن عباس قال: (قال) عَّهِ (لمعاذ:) وعند أحمد وأبي يعلى برجال ثقات عن معاذ أنه عَّم لما بعثه إلى اليمن خرج يوصيه، ومعادّ راكب ورسول اللّه عَّه يمشي تحت ظل راحلته. فلما فرغ قال: ((يا معاذ انك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي وقبري))، فبكى معاذ لفراقه. وروى ابن عساكر عنه: أنه عَِّ مشى معه ميلاً، ومعاذ راكب لأمره عّ لّه له بذلك ولأحمد عنه: لما بعثني عَُّلُّ إلى اليمن قال: ((قد بعثتك إلى قوم رقيقة قلوبهم، فقاتل بمن أطاعك من عصاك)) (إنك ستأتي قومًا أهل كتاب). قال الحافظ: هو كالتوطئة للوصية ليستجمع عليها، لأن أهل الكتاب أهل علم في الحملة، فلا تكون مخاطبتهم كمخاطبة الجهال من عبدة الأوثان، وليس فيه أن جميع من يقدم عليهم أهل كتاب، بل يجوز أن فيهم غيرهم، وخصهم بالذكر تفضيلاً لهم على غيرهم، (فإذا جئتهم) قيل عبر بإذا تفاؤلاً بحصول الوصول إليهم، (فأدعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه، ١٣٤ البعث إلى اليمن فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة. فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وأن محمدًا رسول اللَّه،) وفي رواية وأني رسول اللّه، وفي أخرى فأوَّل ما تدعوهم إليه عبادة اللَّه، ويجمع بينهما بأن المراد بها توحيده وبه الشهادة له بذلك ولنبيه بالرسالة، وبدأ بهما لأنهما أصل الدين لا يصح شىء إلا بهما، فمن كان غيره موحد طولب بكل من الشهادتين على التعيين، ومن كان موحدًا طولب بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة، وإن اعتقدوا ما يقتضي الاشتراك أو يستلزمه كالقائل: بأن عزيرًا ابن اللَّه أو اعتقدوا التشبيه طولبوا بالتوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم. وذكر ابن إسحق في أوائل السيرة: أن أصل دخول اليهودية في اليمن زمن أسعد وهو تبع الأصغر، (فإن هم أطاعوا لك،) أي شهدوا وانقادوا وعدي أطاع باللام، وإن تعدى بنفسه لتضمينه معنى انقاد (بذلك). وفي رواية ابن خزيمة: فإن هم أجابوا لذلك، وفي رواية فإذا عرفوا ذلك، وفيه أن أهل الكتاب ليسوا بعارفين، وإن عبدوا اللَّه وأظهروا معرفته، لكن قال حذاق المتكلمين: ما عرف اللَّه من شبهه بخلقه أو أضاف إليه اليد أو الولد، (فأخبرهم أن اللَّه قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة،) وفيه أن الوتر ليس بفرض، (فإن هم أطاعوا لك) بأن التزموا فرضها، ويؤيده الأخبار بالفرضية، فتعود الإشارة (بذلك) إليها، أو المراد أطاعوا بفعل الصلاة، ورجح بأنهم لو بادروا إلى الامتثال بالفعل كفى ولم يشترط التلفظ بخلاف الشهادتين، فالشرط عدم الإنكار والإذعان للوجوب قاله ابن دقيق العيد، والذي يظهر أن المراد القدر المشترك بينهما، فمن امتثل بالاقرار وبالفعل كفاه أو بهما فأولى. وفي رواية فإذا صلوا، وفي رواية طاعوا بغير ألف، حكاها ابن التين قائلاً إذا امتثل أمره فقد أطاعه، وإذا وافقه فقد طاعه. قال الأزهري: طاع له انقاد، فإذا مضى لأمره فقد أطاعه، ومنهم من قال: طاع وأطاع بمعنى وحاصله أنه استعمل كل منهما لازمًا ومتعديًا إما بمعنى واحد مثل بدأ الخلق وأبدأه، أو دخلت الهمزة للتعدية وفي اللازم للصيرروة، أو ضمن المتعدي معنى فعل لازم، لأن كثيرًا من اللغويين فسروا أطاع بمعنى لأن. وانقاد وهو اللائق هنا وإن غلب التعدي في الرباعي واللزوم في الثلاثي، وهذا أولى من دعوى أنهما بمعنى لقلته، ومن دعوى أن اللام في الحديث زائدة، (فأخبرهم أن اللَّه قد فرض عليهم صدقة،) وفي رواية افترض عليهم زكاة في أموالهم (تؤخذ من أغنيائهم،) احتج به على أن الإمام يتولى قبض الزكاة وصرفها بنفسه، أو نائبه، فمن امتنع أخذت ١٣٥ البعث إلی الیمن فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب. منه قهرًا، (فترد على فقرائهم،) استدل به لقول لملك وغيره: بإخراج الزكاة في نصف واحد، وبحث فيه ابن دقيق العيد لإحتمال أن ذكر الفقراء لكونهم الغالب، وللمطابقة بينهم وبين الأغنياء. قال الخطابي: أخر الصدقة عن الصلاة لأنها إنما تجب على قوم دون قوم، ولأنها لا تكرر تكرر الصلاة، وهو حسن وتمامه أن يقال بدأ بالأهم فالأهم، وذلك من التلطف في الخطاب، لأنه لو طالبهم بالجميع في أول مرة لم يأمن النفرة. وقيل حكمة ذلك أن المقر بالتوحيد يكفر بجحد الصلاة، فيصير ماله فيء، فلا زكاة، واحتج به على عدم خطابهم بالفروع حيث دعوا إلى الإيمان فقط، ثم دعوا إلى العمل، ورتب ذلك بالفاء، وأيضًا فقول ((فإن هم أطاعوا فأخبرهم)، يفهم أنهم لو لم يطيعوا لم يجب عليهم شيء وفيه نظر للإختلاف في الاحتجاج بمفهوم الشرط. وقال بعضهم: هو إستدلال ضعيف لأن الترتيب في الدعوة لا يستلزم الترتيب في الوجوب، وقد قدمت إحداهما على الأخرى ورتبت الأخرى عليها بالفاء لئلا يلزم من عدم الإتيان بالصلاة إسقاط الزكاة، (فإنهم أطاعوا لك بذلك). وفي رواية فإذا أقروا بذلك (فإياك وكرائم) جمع كريمة، أي نفائس (أموالهم،) لأن الزكاة لمواساة الفقراء فلا يناسب ذلك الإجحاف بمال الأغنياء، وكرائم منصوب بفعل مضمر، لا يجوز اظهاره. قال ابن قتيبة: ولا يجوز حذف الواو، (واتق دعوة المظلوم،) أي تجنب الظلم لئلا يدعو عليك المظلوم، وفيه تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم، فالنكتة في ذكره عقب منع أخذ الكرائم الإشارة إلى أن أخذها ظلم. وقال بعضهم: عطف واتق على عامل اياك المحذوف وجوبًا، فالتقدير اتق نفسك أن تتعرض للكرائم، إشارة إلى أنه ظلم لكنه عمم إشارة إلى التحرز عن الظلم مطلقًا، (فإنه ليس بينها،) وفي رواية بينه، أي الدعاء (وبين اللَّه حجاب))،) أي صارف يصرفها، ولا مانع، أي أنها مقبولة وإن كان عاصيًا، كما في حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعًا: دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرًا، ففجوره على نفسه، وإسناده حسن، وليس المراد أن للَّه حجابًا يحجبه عن الناس، وقال الطيبي: اتق دعوة المظلوم تذييل لاشتماله على الظلم الخاص من أخذ الكرائم وعلى غيره، وقوله فإنه ليس بينها وبين الله حجاب تعليل للإتقاء وتمثيل للدعاء كمن يقصد دار ١٣٦ البعث إلى اليمن رواه البخاري. والمخلاف : - بكسر الميم وسكون المعجمة وآخره فاء - بلغة أهل اليمن الكورة والإقليم والرستاق. وكانت جهة معاذ العليا إلى صوب عدن، وكان السلطان متظلمًا، فلا يحجب. قال ابن العربي: إلا أنه وإن كان مطلقًا فهو مقيد بالحديث الآخر أن الداعي إما أن يعجل له ما طلب، وإما أن يدخل له أفضل منه، وإما أن يدفع عنه من السوء مثله، كما قيد مطلق قوله: أمن يجب المضطر إذا دعاه، بقوله فيكشف ما تدعون إليه إن شاء هذا، ولم يذكر الصوم والحج مع أن البعث كان في أواخر الأمر، وأجاب ابن الصلاح بأنه تقصير من بعض الرواة، وتعقب بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث لإحتمال الزيادة والنقصان، وقال شيخنا شيخ الإسلام: يعني البلقيني إذا كان الكلام في بيان الأركان لم يخل الشارع منها بشيء كحديث بني الإسلام على خمس، وإذا كان في الدعاء الإسلام اكتفى بالأركان الثلاثة ولو بعد فرض الصوم والحج قطعًا، لأن الأركان الخمسة اعتقادي وهو الشهادة، وبدني وهو الصلاة، ومالي وهو الزكاة، فاقتصر عليها التفرع الركنين الأخيرين عليها، فإن الصوم بدني محض، والحج بدني ومالي، وأيضًا فكلمة الإسلام هي الأصل، وهي شاقة على الكفار، والصلوات شاقة لتكررها، والزكاة شاقة لما في جبلة الإنسان من حب المال، فإذا أذعن لهذه الثلاثة كان ما سواها أسهل عليه بالنسبة اليها، انتهى من فتح الباري جميعه ملخصًا. (رواه) أي المذكور من حديثي أبي بردة وابن عباس (البخاري،) وكذا رواهما مسلم وغيره، ويقع في بعض نسخ المصنف إسقاط الصلاة، وهو خطأ نشأ عن سقط لعزوه للبخاري، وهي ثابتة فيه، فيسقط زعم أنها لم تذكر لأنها بدنية قد لا يشح بها، ومألوفة لأهل الكتاب لأنهم يصلون غايته أنهم يغيرونها على صفة أخرى، وهو سهل لأنه يوهم أن الشارع لم يذكرها وهو خطأ، لأنه ذكرها عليه السلام، (والمخلاف) كما في الفتح (بكسر الميم، وسكون) الخاء، (المعجمة وآخره فاء) هو (بلغة أهل اليمن الكورة،) بضم الكاف الناحية ويطلق على المدينة، كما في المصباح (والإقليم والرستاق). قال الحافظ: بضم الراء، وسكون المهملة بعدها فوقية وآخره قاف انتهى. قال في المصباح معرب يستعمل في الناحية التي هي طرف الإقليم والرزداق، بالزاي والدال مثله، والجمع رساتيق ورزاديق، (وكانت جهة معاذ العليا إلى صوب) جهة (عدن، وكان ١٣٧ بعث خالد إلى نجران من عمله الجند - بفتح الجيم والنون - وله بها مسجد مشهور. وكانت جهة أبي موسى السفلى. [بعث خالد إلى نجران] ثم أرسل خالد بن الوليد رضي الله عنه قبل حجة الوداع أيضًا، في ربيع الأول سنة عشر- وفي الإكليل: في ربيع الآخر، وقيل: في جمادى الأولى - .... من عمله،) أي معاذ (الجند، بفتح الجيم، و) فتح (النون) آخره دال مهملة، بلد باليمن ويقع في نسخة من عمل بإسقاط الضمير، وهي خطأ مخالفة للفتح لاقتضائها أن عدن من أعمال الجند، وهو خلاف الواقع، وأيضًا المصنف نفسه حيث جعل محل معاذ صوب عدن، فهي مشهورة قصد بها التعريف، قرره شيخنا (وله بها) لمعاذ بالجندي (مسجد مشهور) إلى اليوم، كما قال الحافظ قال: واتفقوا على أن معاذًا لم يزل على اليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر، ثم توجه إلى الشام، فمات بها، واختلف هل كان معاذ واليًا أو قاضيًا، فجزم ابن عبد البر بالثاني، والغساني بالأول، وقد دل حديث ابن عباس على أنه: كان أميرًا على المال، وحديث عمرو بن ميمون أنه كان أميرًا على الصلاة انتهى. وكأنه عنى ترجيح أنه كان واليًا، (وكانت جهة أبي موسى السفلى،) واستدل به على أن أبا موسى كان عالمًا فطنًا حاذقًا، ولولا ذلك لم يوله النبي عَةُ الإمارة، ولو كان فوض الحكم لغيره لم يحتج إلى توصيته بما وصاه به، ولذلك اعتمد عليه عمر، ثم عثمن ثم علي، وأما الخوارج والروافض فنسبوه إلى الغفلة وعدم الفطنة لما صدر منه في التحكيم بصفين. قال ابن العربي وغيره: والحق أنه لم يصدر منه ما يقتضي وصفه بذلك، وغاية ما وقع منه أنه أداه اجتهاده إلى أن يجعل الأمر شوری بین من بقي من الصحابة من أهل بدر ونحوهم لما شاهد من الإختلاف الشديد بين الطائفتين بصفين، فآل الأمر إلى ما آل إليه ذكره في الفتح والله أعلم. بعث خالد إلى نجران (ثم أرسل خالد بن الوليد رضي الله عنه قبل حجة الوداع أيضًا في ربيع الأول سنة عشر، وفي الإكليل) للحاكم (في ربيع الآخر، وقيل في جمادى الأولى) سنة عشر، وهو الذي في ابن إسحق في الوفود، ولفظه في شهر ربيع الآخر، أو جمادي الأولى سنة عشر، وتبعه اليعمري والمصنف في الوفود وغيرهما، وأو يحتمل أنها للشك، أو إشارة إلى قولين متساويين ١٣٨ بعث علي إلى اليمن إلى بني عبد المدان قبيلة بنجران فأسلموا. [بعث علي إلى اليمن] ثم أرسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى اليمن في شهر رمضان، سنة عشر . (إلى بني عبد المدان،) بوزن سحاب اسم صنم. قال في الروض: واسم عبد المدان عمرو بن الديان، واسم الدیان یزید بن قطن بن زياد بن الحرث بن لملك بن ربيعة بن كعب بن الحرث بن كعب (قبيلة) يقال لها: بنو الحرث (بنجران،) موضع باليمن سمي بنجران بن زيد بن سبأ، (فأسلموا) قال ابن إسحق: أمر عَّم خالد أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثًا، فإن استجابوا فاقبل منهم، وإن لم يفعلوا، فقاتلهم، فخرج حتى قدم عليهم فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإسلام، ويقولون أيها الناس أسلموا تسلموا، فأسلموا ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام خالد يعلمهم الإسلام والكتاب والسنة، وبذلك كان أمره إن هم أسلموا ولم يقاتلوا، ثم كتب إليه عليه السلام بذلك، فكتب إليه عَلِ أن يقدم ومعه وفدهم، فقدموا، فأمر عليهم قيس بن الحصين، فرجعوا إلى قومهم في بقية شوال أو طدر ذي القعدة، ويأتي إن شاء الله تعالى بسط ذلك في الوفود بعون اللَّه. زاد الشامي هنا سرية المقداد بن الأسود إلى أناس من العرب، وقال: روى البزار، والطبراني، والدارقطني والضياء عن ابن عباس: بعث عَّ سرية فيها المقداد، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلاَّ اللَّه، وحده لا شريك له فقتله المقداد فلامه رجل من الصحابة، ثم أخبره عَّلـ لما قدموا فقال: ((أقتلت رجلاً يقول لا إله إلاَّ اللَّه، فكيف لك بها غدًا، فأنزل اللَّه: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، إلى قوله: ﴿كذلك كنتم من قبل﴾ انتهى. وليس في قوله بعث سرية فيها المقداد أنه أميرها، بل ظاهره أنه ليس الأمير، فلا تعد سرية مستقلة، فيحمل على أن المقداد كان في أحد السرايا السابقة مع غيره، ثم نزول الآية فيه مخالف لما سبق من نزولها في غيره واللَّه تعالى أعلم. بعث علي إلى اليمن (ثم أرسل علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه إلى اليمن.) قال ابن سعد: يقال مرتين إحداهما (في شهر رمضان سنة عشر) من الهجرة، وهي الثانية كما جزم به الشامي. وأفاد أن الأولى بعثه إلى همدان، وبه صرح في فتح الباري، كما يأتي، فوهم من ترجى أنها سريته إلى الفلس المتقدمة، لأن تلك إلى بلاد طيء لهدم صنمهم والغارة عليهم، كما مر لا إلى جهة ١٣٩ بعث علي إلى اليمن من الهجرة، وعقد له لواء وعممه بيده. وأخرج أبو داود وأحمد والترمذي من حديث علي قال: بعثني النبي عَّ. إلى اليمن فقلت يا رسول الله. تبعثني إلى قوم أسن مني وأنا حديث السن لا أبصر القضاء. قال: فوضع يده في صدري وقال: اللهم ثبت لسانه واهد قلبه، وقال: یا علي إذا جلس إليك الخصمان، فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر الحديث. فخرج في ثلاثمائة، ففرق أصحابه فأتوا بنهب الیمن، (وعقد له لواء). قال الواقدي: أخذ عمامته، فلفها مثنية مربعة، فجعلها في رأس الرمح، ثم دفعها إليه، (وعممه بيده) عمامة ثلاثة أکوار، وجعل له ذراعًا بين يديه، وشبرًا من ورائه، وقال له: ((مض ولا تلتفت))، فقال علي: يا رسول اللَّه ما أصنع، قال: ((إذا نزلت بساحتهم، فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك، وادعهم إلى قول لا إله إلاّ اللَّه، فإن قالوا نعم، فمرهم بالصلاة، فإن أجابوا فلا تبغ منهم غير ذلك، واللَّه لأن يهدي اللَّه بك رجلاً واحدًا خير لك مما طلعت عليه الشمس أو غربت)). ذكره الواقدي، (وأخرج أبو داود وأحمد والترمذي من حديث علي قال: بعثني النبي عَّهِ إلى اليمن، فقلت: يا رسول اللَّه تبعثني إلى قوم أسن مني وأنا حديث السن لا أبصر) يجوز فتح الهمزة وضم الصاد، أي لا أعلم (القضاء،) وضم الهمزة وكسر الصاد، أي لا أراه بتنزيل المعقول منزلة المحسوس، (قال) علي: (فوضع يده) المباركة (في صدري،) أي عليه، (وقال: (اللهم ثبت لسانه) بشد الباء، أي اجعله مستقرًا دائمًا على النطق بالحق (واهد قلبه))،) بهمزة وصل، أضاف الثبات للسان لتحركه عند النطق، فناسب الثبات بمعنى القرار والهداية للقلب، لأن المراد بها خلق الاهتداء فيه، (وقال) عَّهِ: (((يا علي) النسخ الصحيحة بإثبات ياء النداء، ومثلها في الفتح، وفي نسخة بحذف أداة النداء، لكن الرواية بإثباتها (إذا جلس إليك الخضمان، فلا تقض بينهما،) وفي رواية فلا تقض لأحدهما (حتى تسمع من الآخر،) كما سمعت من الأول، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء»، هذا تمام (الحديث) عند المذ کورین. وفي رواية لأبي داود وغيره قال علي: واللَّه ما شككت في قضاء بين اثنين، (فخرج) كما قال ابن سعد وشيخه علي وعسكر بقناة بفتح القاف والنون الخفيفة، كما أمره حتى تمام أصحابه (في ثلثمائة فارس،) قالا: وكانت أول خيل دخلت تلك البلاد، وهي بلاد مذحج، (ففرق) لما انتهى إلى تلك الناحية (أصحابه، فأتوا بنهب) قال البرهان: بفتح النون بلا خلاف نص عليه غير واحد، وسمعت بعض الطلبة، يكسرها ولا أعرفه، ولا سمعته انتهى. وهو الغلبة والقهر، كما في ١٤٠ بعث علي إلى اليمن وغنائم ونساء وأطفال ونعم وشاء وغير ذلك. ثم لقي جمعهم فدعاهم إلى الإسلام فأبوا. ورموا بالنبل، ثم حمل عليهم علي بأصحابه فقتل منهم عشرين رجلاً فتفرقوا وانهزموا فكف عن طلبهم، ثم دعاهم إلى الإسلام فأسرعوا وأجابوا، وبايعه نفر من رؤسائهم على الإسلام وقالوا نحن على من وراءنا من قومنا، وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله. المصباح فهو هنا بمعنى المنهوب، لأنه الذي يؤتى به لا نفس الغلبة، كما هو ظاهر (وغنائم) تفسير للمنهوب لقول ابن سعد بنهب غنائم. قال في النور: بدل مما قبله وساقه الشامي بالواو كالمصنف، ثم قال: أنه يدل مما قبله، ولا يصح لوجود الواو فكأنه كتب كلام النور أو زادت عليه الواو سهوًا، (ونساء، وأطفال، ونعم وشاء وغير ذلك) بيان الغنائم قال ابن سعد: وجعل علي على الغنائم بريدة بن الحصيب الأسلمي، فجمع إليه ما أصابوا، (ثم لقي جمعهم، فدعاهم إلى الإسلام، فأبوا ورموا) المسلمين (بالنبل) والحجارة، (ثم) بعد أن خرج رجل من مذحج يدعو إلى البراز فبرز إليه الأسود بن خزاعي، فقتله الأسود وأخذ سلبه (حمل عليهم علي بأصحابه) بعد أن صفهم ودفع لواءه إلى مسعود بن سنان الأسلمي، (فقتل منهم عشرين رجلاً فتفرقوا، وانهزموا فكف عن طلبهم) قليلاً، (ثم) لحقهم حتى (دعاهم إلى الإسلام،) فلا يرد أنه کیف يدعوهم بعد تفرقهم، و کفه عن طلبهم أو لعلهم اجتمعوا بعد التفرق، وأتوا إليه فدعاهم، (فأسرعوا وأجابوا، وبايعه نفر من رؤسائهم على الإسلام، وقالوا نحن على من وراءنا من قومنا، وهذه صدقاتنا فخذ منها. حق اللَّه.) وجمع على الغنائم، فجزأها على خمسة أجزاء، فكتب في سهم منها للَّه، وأقرع عليها فخرج أول السهام سهم الخمس، وقسم على أصحابه بقية الغنم. ذكره ابن سعد وشيخه قال اليعمري: ويشبه أن هذه السرية هي الثانية والأولى هي ما ذكر ١١ شاط، قال وفي الحديث أنه: عَّه بعث عليًا إلى اليمن وذلك في رمضان سنة عشر، فأسلمت . . .إن كلها في يوم واحد، فكتب بذلك إليه عَّ، فخر للَّه ساجدًا، ثم جلس فقال: السلام على همدان، وتتابع أهل اليمن على الإسلام انتهى. وهو واضح لكن التاريخ وهم الاتحاده مع ما قال أنه الثانية كما ترى، فالأولى قول الحافظ لما شرح ما أخرجه البخاري عن البراء: بعثنا عَّه مع خالد إلى اليمن، ثم بعث عليًا بعد ذلك مكانه، فقال: مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك، فليعفب ومن شاء، فليقبل، فكنت فيمن عقب معه، فغنمت أواقي ذوات عدد. زاد الإسماعيلي: فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلى بنا علي، وصفنا صفًا واحدًا، ثم تقدم بين أيدينا، فقرأ عليهم كتاب رسول اللَّه عَّه، فأسلمت همدان جميعًا، فكتب علي إلى