النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ ثم غزوة تبوك وقيل: استخلف سباع بن عرفطة. وتخلف نفر من المسلمين من غير شك ولا ارتياب، منهم؛ كعب بن ملك، إذا عرض للمدينة شىء عاون ابن مسلمة في دفعه، ولو استكمل عبارة الشامي لعلم أن الحق مع المصنف، وأنه لا تسمح في كلامه، فإنه لما حكى عن الواقدي القول بأنه علي قال ما نصه: قال أبو عمرو تبعه ابن دحية، وهو الأثبت. قلت ورواه عبد الرزاق في المصنف بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص، ولفظه: أن رسول اللَّه عٍَّ لما خرج إلى تبوك، استخلف على المدينة علي بن أبي طالب انتهى. فهذا صريح في ترجيحه، وأن ترجمته إنما هي توفية بتأدية كلام أهل المغازي، ويهجس في خاطري أنه لم يقرأ له بقية كلامه، أو سقط من النسخة التي كانت عنده، لأنه كان يشكو كثرة تحريفها وسقطها (وقيل: استخلف سباع) بكسر المهملة، وخفة الموحدة (ابن عرفطة) بضم المهملة، وسكون الراء، وضم الفاء فطاء مهملة حكى هذا القول ابن هشام عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، ويقال: أنه استخلف ابن أم مكتوم. حكى الأقوال الأربعة الواقدي، وقد علمت أن أرجحها علي لصحة الحديث به وترجيح جهابذة الحفاظ له، فناهيك بابن عبد البر، وابن دحية، والعراقي ويليه محمد بن مسلمة لترجيح الواقدي والدمياطي، وأما الأخيران فلم يرجحا، وقال شيخنا يجمع بتقدير صحة جميعها؛ بأن عليًا على أهله، وابن مسلمة على المدينة، وابن أم مكتوم على الصلاة، وسباع أولاً، ثم عرض ما منعه، فاستخلف ابن مسلمة انتهى. وملحظه فيه ما أصله، كما علمت من ترجيح أنه ابن مسلمة، (وتخلف نفر من المسلمين من غير شك) في أمره عَ ◌ّه، (ولا ارتياب،) بل كانوا جازمين متيقنين أنه خاتم النبيين. (منهم كعب بن لملك) الأنصاري السلمي، بالفتح المدني، الصحابي المشهور، مات في خلافة علي. روی له الجمیع قال في حدیث تخلفه عند الشیخین: تجهز عێ﴾ والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئًا، فأقول في نفسي أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بى حتى اشتد بالناس الجند، فأصبح عَّه والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئًا فقلت أتجهز بعده بيوم، أو يومين، ثم ألحقهم فرجعت ولم أقض شيئًا. ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئًا فلم يزل حتى اسرعوا، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك. ٨٢ ثم غزوة تبوك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، وفيهم نزل ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ [التوبة: ١١٨] وأبو ذر، وأبو خثيمة، ثم لحقاه بعد ذلك. ولما رأی علیه (ومرارة) قال في الفتح بضم الميم وراءين الأولى خفيفة. (ابن الربيع) الأنصاري العمري، بفتح المهملة، وسكون الميم، نسبة إلى بني عمرو بن عوف بن لملك بن الأوس، ووقع لبعضهم العامري، وهو خطأ، وكونه ابن الربيع هو المشهور، ووقع في مسلم ابن ربيعة وعند ابن مردويه من حديث مجمع بن جارية مرارة بن ربعي، وهو خطأ، وكذا ما عند ابن أبي حاتم من مرسل الحسن من تسميته ربيع بن مرارة، وهو مقلوب، وذكر في هذا المرسل: أن سبب تخلفه أنه كان له حائط حين زها، فقال في نفسه: قد غزوت قبلها، فلو أقمت عامي هذا، فلما تذكر ذنبه قال: اللهم أني أشهدك أني قد تصدقت به في سبيلك. (وهلال بن أمية) الأنصاري الواقفي بقاف، ثم فاء نسبة إلى بني واقف بن امرىء القيس بن ملك بن الأوس. ذكر في مرسل الحسن: أن سبب تخلفه، أنه كان له أهل تفرقوا، ثم اجتمعوا، فقال: لو أقمت هذا العام عندهم، فلما تذكر قال: اللهم لك علي أن لا أرجع إلى أهل ولا مال، وفيهم نزل ﴿و تاب (على الثلاثة الذين خلفوا﴾) [التوبة: ١١٨] عن التوبة عليهم بقرينة بقية الآية، ويأتي له مزيد (وأبو ذر). ذكر الواقدي: أن سبب إبطائه عن السير أن بعيره كان أعجف، فقال: أعلفه أيامًا، ثم الحقه عليه الصلاة والسلام، فعلفه أيامًا، ثم خرج فلم ير به حركة، فحمل متاعه على ظهره وسار. (وأبو خيثمة) قال في الفتح اسمه سعد بن خيثمة، كذا أخرجه الطبراني من حديثه ولفظه تخلفت عن رسول اللَّه عَ لّهِ، فدخلت حائطًا، فرأيت عريشًا قد رش بالماء، ورأيت زوجتي، فقلت: ما هذا بإنصاف رسول اللَّه عَلَّه في السموم والحر وأنا في الظل والنعيم، فقمت إلى ناضح لي وتمرات وخرجت، فلما طلعت على العسكر فرآني الناس قال عَّله: ((كن أبا خيثمة))، فجئت فدعا لي. وذكره ابن إسحق عن عبد اللَّه ابن أبي بكر بن حزم مرسلاً، وذكر الواقدي: أن اسمه عبد الله بن خيثمة، وقال ابن هشام: اسمه لملك بن قيس انتهى. (ثم لحقاه بعد ذلك) روی ابن إسحق عن ابن مسعود، لما سار عَّه إلى تبوك جعلوا يقولون تخلف فلان، فيقول: ((دعوه فإن يكن فيه خير، فسيلحقه اللَّه بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم اللَّه منه))، وتلوم أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه على ظهره، ثم خرج يتبع أثره عَّله ماشيًا، (ولما رأى عليه ٨٣ ثم غزوة تبوك الصلاة والسلام أبا ذر الغفاري - وكان عَِّ نزل في بعض الطريق - فقال: يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده. فكان كذلك. وأمر عَِّ لكل بطن من الأنصار والقبائل من العرب أن يتخذوا لواء وراية. الصلاة والسلام أبا ذر الغفاري وكان عليه الصلاة والسلام نزل في بعض الطريق،) قال أبو ذر: فطلعت عليه نصف النهار وقد أخذ مني العطش. رواه الواقدي قال في حديث ابن إسحق: فنظر ناظر من المسلمين، فقال: يا رسول اللَّه إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال عَّ: ((كن أبا ذر))، فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول اللّه هو واللَّه أبو ذر، (فقال:) ((رحم الله أبا ذر (يمشي وحده، ويموت وحده ويبعث وحده). هكذا الرواية عن ابن مسعود عند ابن إسحق وأتباعه فما يقع في نسخ يعيش بدل يبعث تحريف من النساخ، وعند الواقدي: فلما قدم على النبي عَّه وأخبره خبره قال: ((لقد غفر اللَّه لك يا أبا ذر بكل خطوة ذنبًا إلى أن لقيتني))، ووضع متاعه عن ظهره، ثم استسقى فأتى بإناء من ماء فشربه، وقوله: ((كن أبا ذر، كن أبا خيثمة)، بلفظ الأمر قيل: معناه الدعاء، كما تقول أسلم، أي سلمك اللَّه، أي اللهم اجعله أبا ذر، وقيل: معناه أنت أبو ذر، ثم أنه يقع في نسخ حذف، ويبعث وحده، لأنه لم يتقيد بالرواية، بل اقتطف منها ما يدل على الآية الباهرة التي شوهدت والبعث لم يشاهد بعد، فهي أنسب بقوله (فكان كذلك). روى ابن إسحق عن ابن مسعود: لما نفى عثمن أبا ذر إلى الربذة وأصابه بها قدره لم یکن معه أحد إلاَّ امرأته وغلامه، فأوصاهما أن غسلاني وكفناني، ثم ضعاني على قارعة الطريق، فأول ركب يمر بكم، فقولوا: هذا أبو ذر صاحب رسول اللَّه عَ لَّهِ، فأعينونا على دفنه، فلما مات فعلا ذلك به، وأقبل ابن مسعود في رهط من أهل العراق عمار، فلم يرعهم إلاّ والجنازة على ظهر الطريق، وقد كادت الإبل تطؤها، وقام إليهم الغلام، فقال: هذا أبو ذر صاحب رسول اللَّه معد له فأعينونا على دفنه، فاستهل عبد الله بن مسعود يبكي، ويقول: صدق رسول اللَّه عَ لَّه تمشي وحدك، وتموت وحدك وتبعث وحدك، ثم نزل هو وأصحابه فواروه، ثم حدثهم ابن مسعود بالحديث، وعسكر عليه السلام بثنية الوداع، كما قال ابن إسحق. زاد الواقدي: ولما رحل منها، عقد الألوية والرايات، (وأمر ◌ٍَّ لكل بطن من الأنصار والقبائل من العرب أن يتخذوا لواء وراية). قال الواقدي: فدفع لواءه الأعظم إلى الصديق ورايته العظمى إلى الزبير، ودفع راية الأوس إلى أسيد بن حضير، وراية الخزرج إلى أبي دجانة، ويقال إلى الحباب بن منذر. قال: ورأى براس الثنية عبدًا لامرأة متسلحًا فقال: أقاتل معك، فقال: ارجع إلى سيدتك، ٨٤ ثم غزوة تبوك وكان معه عليه الصلاة والسلام ثلاثون ألفا. وعند أبي زرعة سبعون ألفا، وفي رواية عنه أيضًا أربعون ألفا. وكانت الخيل عشرة آلاف فرس. لا تقتل معي فتدخل النار، ونادى مناديه عَّه لا يخرج معنا إلاَّ مقو، فخرج رجل على بكر صعب، فصرعه بالسويداء مصغر سوداء موضع على ليلتين من المدينة، فقال الناس: الشهيد الشهيد، فبعث علّه مناديًا ينادي لا يدخل الجنة عاص، قال: وكان دليله إلى تبوك علقمة بن الفغواء الخزاعي وأبوه بفتح الفاء، وسكون الغين المعجمة وبالواو. وروى عبد الرزاق وابن سعد عن كعب بن لملك: خرج عَّ﴾ إلى تبوك يوم الخميس، وعسكر عبد الله بن أبي معه على حدة عسكره أسفل منه نحو ذباب، فأقام مدة إقامته، فلما سار عليه السلام نحو تبوك تخلف ابن أبي راجعًا إلى المدينة فيمن تخلف من المنافقين، وقال: يغزو محمد بني الأصفر مع جهد الحال والحر والبلد البعيد إلى ما لا طاقة له به يحسب أن قتالهم معه اللعب، واللَّه لكأني أنظر إلى أصحابه مقرنين بالحبال إرجافًا به وبأصحابه. قال ابن إسحق والواقدي وابن سعد: وكان عسكر ابن أبي فيما يزعمون ليس بأقل العسکرین. قال ابن حزم: هذا باطل لم يتخلف عنه إلاَّ ما بين السبعين إلى الثمانين فقط، (وكان معه عليه الصلاة والسلام ثلاثون ألفًا) الذي جزم به ابن إسحق والواقدي، وابن سعد ورواه الحاكم في الإكليل عن معاذ بن جبل والواقدي عن زيد بن ثابت، قالا: خرجنا مع رسول اللَّه عَّةٍ إلى غزوة تبوك زيادة على ثلاثين ألفًا، فكان المصنف ألغى الزائد في حكاية هذا القول. (وعند أبي زرعة) عبيد الله بن عبد الكريم الحافظ، الثقة، الرازي، الإمام، المشهور أنه كان معه (سبعون ألفًا،) نقله الحاكم عنه في الإكليل قال الشامي: وجمع بين الكلامين بأن من قال ثلاثين ألفًا لم يعد التابع، ومن قال سبعين عد التابع والمتبوع. (وفي رواية عنه أيضًا أربعون ألفًا) وهي التي نقلها عنه في الفتح قائلاً، ولا تخالف حديث معاذ أكثر من ثلاثين لاحتمال أن من قال أربعين ألفًا جبر الكسر انتهى. لكن تعقبه تلميذه السخاوي بأن المروي عن أبي زرعة أنهم كانوا سبعين، نعم الحصر بالأربعين في حجة الوداع، فكأنه سبق قلم، أو انتقال نظر، نقله عنه تلميذه المصنف في شرح البخاري، وأقره، وهو عجيب مع جزمه هنا بأنهما روايتان عن أبي زرعة، وتأليفه للشرح متأخر عن المواهب لإحالته فيه كثيرًا عليها وعلى تسليم النقل، فقد جمع شيخنا على قياس السابق بينهما وبين من قال أربعين بأنه عد المتبوعين ومن يقرب منهم من التابعين. (وكانت الخيل عشرة آلاف فرس) رواه الواقدي من حديث زيد، وقيل: زيادة ألفين، ٨٥ ثم غزوة تبوك ولما مر عَّ بالحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم - بديار ثمود قال: لا تشربوا من مائها شیئا، وعليه حمل في الفتح ما وقع في بعض طرق حديث كعب عند مسلم، والمسلمون يزيدون على عشرة آلاف قال: تحمل على إرادة عدد الفرسان، (ولما مر عَّ بالحجر بكسر الحاء وسكون الجيم بديار ثمود،) بدل من الحجر بإعادة الجار، وفي الفتح، وهو منزل ثمود، وفي الأنوار هو واد بين المدينة والشام، كانوا يسكنونه بمنع الصرف على إرادة القبيلة للعلمية والتأنيث المعنوي، وبالصرف على إرادة اسم الأب وكلاهما في القرءان وإلى ثمود وعادٍ، أو ثمودًا (قال: ((لا تشربوا) ظاهر سياقه أنه لم ينزل به، وعند ابن إسحق أنه لما نزل وقال لا تشربوا، وترجم البخاري نزول النبي عَّ الحجر. قال الحافظ: وزعم بعضهم أنه مر ولم ينزل، ويرده تصريح ابن عمر بأنه: لما نزل الحجر أمرهم أن لا يشربوا (من مائها شيئًا،) خوفًا أن يورثهم شربه قسوة في قلوبهم، أو ضررًا في أبدانهم. قاله المصنف زاد ابن إسحق ولا تتوضأوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه، فاعلفوا الإبل، ولا تأكلوا منه شيئًا، وكأن من زعم أنه لم ينزل به تمسك بما أخرجه البخاري عقب الترجمة عن ابن عمر لما مر عَّه بالحجر قال: (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلاَّ أن تكونوا باكين))، ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى جاز الوادي، وغفل عما أخرجه في أحاديث الأنبياء عن ابن عمر: أن رسول اللَّه عَِّ لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا منها واستقينا، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجيب ويهريقوا ذلك الماء، وأخرج الشيخان عن ابن عمر: أن الناس نزلوا معه عَّ ل أرض ثمود الحجر، فاستقوا من بئرها واعتجنوا به، فأمرهم أن يهريقوا ما استقوا من بئرها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة، وروى أحمد والحاكم بإسناد جيد عن جابر قال: لما مر عَّله بالحجر قال: ((لا تسالوا الآيات فقد سالها قوم صالح))، وكانت الناقة ترد من هذا الفج، وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم، وكانت تشرب يومًا ويشربون لبنها يومًا، فعقروها، فأخذتهم صيحة أهمد اللَّه من تحت أديم السماء منهم إلاَّ رجلاً واحدًا كان في حرم الله، وهو أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه، قال الحافظ: سئل شيخنا البلقيني من أين علمت بثر الناقة، فقال: بالتواتر إذ لا يشترط فيه الإسلام انتهى. والذي يظهر أنه عَِّ علمها بالوحي، ويحمل كلام الشيخ على من سيجيء بعده، وفيه كراهة الاستقاء من آبار ثمود، ويلحق بها نظائرها من الآبار والعيون التي كانت لمن هلك بعذاب الله علي ٨٦ ثم غزوة تبوك ولا يخرجن أحد منكم إلا ومعه صاحب له، ففعل الناس، إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعيره، فأما الذي خرج لحاجته فخنق على مذهبه وأما الذي خرج في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طيء. فأخبر بذلك رسول الله عَّه فقال: ألم أنهكم؟ ثم دعا للذي خنق على مذهبه فشفي، وأما الآخر فأهدته طيء لرسول الله عَ ه حين قدم المدينة. كفره، واختلف هل الكراهة للتنزيه، أو للتحريم، وعليه هل يمنع صحة التطهر من ذلك الماء أم لا انتهى. ((ولا يخرجن أحد منكم) الليلة، كما عند ابن إسحق (إلاَّ ومعه صاحب له)))، لحكمة علمها عَّ اللّه لعلها أن الجن لا تقدم على اثنين. وقد روى الإمام في الموطأ مرفوعًا: أن الشيطان يهم بالواحد، قال الباجي: يحتمل أن يريد، أنه يهم باغتياله والتسلط عليه وأنه يهم بغيه وصرفه عن الحق وإغرائه بالباطل انتهى. وأخرج أصحاب السنن بإسناد حسن، وصححه ابن خزيمة والحاكم مرفوعًا، الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب، (ففعل الناس) ما أمرهم به عَ ليه (إلاَّ رجلين من بني ساعدة) من الأنصار. قال البرهان: لا أعرفهما، (خرج أحدهما لحاجته) التغوُّط، (والآخر في طلب بعيره، فأما الذي خرج لحاجته، فخنق) بنون ومعجمة مبني للمفعول، أي صرع (على مذهبه) بفتح الميم، والهاء بينهما معجمة ساكنة، وهو الموضع الذي يتغوط فیه. (وأما الذي خرج في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طيء). قال في الروض وتبعه في النور: هما اجأ وسلمى عرف أجا بفتح الهمزة والجيم آخره همزة مقصورة باجأ بن عبد الجن بجيم ونون، كما سيأتي كان صلب فيه وسلمى بفتح المهملة وإسكان اللام والقصر بسلمى بنت حام صلبت فيه فيما ذكر (فأخبر بذلك رسول اللَّه عَلَّهِ، فقال: ((ألم أنهكم) أن يخرج منكم أحد إلاَّ ومعه صاحبه)) (، ثم دعا للذي،) وفي نسخة دعا الذي، أي طلبه، فحضر فدعا له، والأولى أظهر، وهي التي عند ابن إسحق للذي بلام الجر (خنق على مذهبه فشفي، وأما الآخر فأهدته طيء لرسول اللَّه عٍَّ حين قدم المدينة،) كذا وروى ابن إسحق حديث الرجلين عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن عباس بن سهل الساعدي، قال: وقد حدثني عبد اللَّه أن العباس سماهما له، ولكنه استودعه إياهما، فأبى أن يسميهما لي، وعارضه البرهان بأن الذي في مسلم أن ذلك كان بتبوك لا الحجر، وهو متعقب بأنهما قصتان إحداهما بالحجر، وهي التي ذكرها ابن إسحق وتبعه اليعمري، والثانية بتبوك، ويؤيد التعدد أن في ٨٧ ثم غزوة تبوك وفي صحيح مسلم من حديث أبي حميد: انطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم أحد منكم، فمن كان له بعير فليشد عقاله، فهبت ريح شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء. وروى الزهري: لما مر رسول الله عَّ بالحجر سجى ثوبه على وجهه واستحث راحلته ثم قال: لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم باكون، خوفا أن يصيبكم ما أصابهم. الأولى رجلين، وفي الثانية رجل، ولوح لذلك المصنف، فقال (وفي صحيح مسلم) والبخاري بنحوه: فالأولى عزوه لهما كلاهما (من حديث أبي حميد) الساعدي اسمه المنذر، أو عبد الرحمن، أو عمر بن سعد بن المنذر، أو ابن لملك شهد أحدًا وما بعدها وعاش إلى سنة ستين (انطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول اللَّه عَ له: ((ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم أحد منكم، فمن كان له بعير فليشد عقاله))). وفي رواية البخاري فليعقله، (فهبت ريح شديدة، فقام رجل، فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء،) ولم يبين ما حصل لذلك الرجل بعد على تعدد القصة ويحتمل الاتحاد، وأن قصة الذي خرج لحاجته كانت بالحجر، والذي ألقته الريح كانت بتبوك، فجمع بينهما في الذكر في مرسل ابن إسحق، ولم يتنزل في الفتح للجمع مع ذكره رواية ابن إسحق في شرح الحديث. (وروى الزهري) محمد بن مسلم عن سالم عن أبيه قال: (لما مر رسول اللَّه عَلَّه بالحجر سجى،) غطى (ثوبه،) وضمنه معنى وضع فقال: (على وجهه واستحث راحلته) ، أي حضها على السير( ثم قال: ((لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم))). قال الحافظ: شامل لثمود وغيرهم ممن هو كصفتهم، وإن كان السبب ورد فيهم، قال: ليس المراد الاقتصار في ذلك على ابتداء الدخول، بل دائمًا عند كل جزء من الدخول، وأولى في حال الاستقرار (إلاَّ وأنتم باكون؛) بأن تستحضروا ما أصابهم بذنوبهم، فترق قلوبهم، فتبكوا (خوفًا أن يصيبكم،) بفتح الهمزة مثل (ما أصابهم). قال المصنف: لا ينافيه قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [فاطر: ١٨] الآية، لحمل الآية على عذاب يوم القيامة انتهى. وثبوت خوفًا في ذي الرواية يؤيد البصريين في رواية إلاَّ أن تكونوا باكين أن يصيبكم بالفتح مفعول له، أي كراهة الإصابة حيث قدروا كراهة، أو خشية الإصابة، وقدر الكوفيون لئلا یصیبکم. قال الحافظ: ويؤيد الأول أن في رواية لأحمد إلاَّ أن تكونوا باكين، وإن لم تكونوا باكين، ٨٨ ثم غزوة تبوك رواه الشيخان. فتباكوا خشية أن يصيبكم ما أصابهم، ووجه الخوف أن البكاء يبعث على التفكر والاعتبار، فكأنه أمرهم بالتفكر في أحوال توجب البكاء من تقدير اللَّه على أولئك بالكفر، مع تمكنهم من الإتيان بالإيمان، وتمكينه لهم في الأرض، وإمهالهم مدة طويلة، ثم إيقاع نقمته بهم وشدة عذابه، وهو سبحانه مقلب القلوب، فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إلى مثل ذلك، والتفكر أيضًا في مقابلة أولئك نعمة اللَّه بالكفر وإهمالهم إعمال عقولهم فيما يوجب الإيمان والطاعة، فمن مر عليهم ولم يتفكر فيما يوجب البكاء اعتبارًا بأحوالهم، فقد شابههم في الإهمال، ودل على قساوة قلبه وعدم خشوعه، فلا يأمن أن يجره ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم، فيصيبه ما أصابهم، وفيه الحث على المراقبة، والزجر عن السكنى في ديار المعذبين انتهى. من الفتح في موضعين (رواه الشيخان) في مواضع قال ابن إسحق فلما أصبح الناس ولا ماء معهم، شكوا ذلك له عَ لّه، فدعا، فأرسل الله سحابة، فأمطرت حتى ارتوى الناس، وحملوا حاجتهم من الماء. حدثني عاصم بن عمر عن محمود بن لبيد عن رجال من قومه قال: كان رجل معروف نفاقه يسير معه عَِّ حيثما سار، فلما كان من أمر الحجر ما كان، ودعا عَ لّه، فأرسل الله السحابة، فأمطرت حتى ارتوى الناس، أقبلنا عليه نقول: ويحك هل بعد هذا شيء، قال: سحابة مارة. وروى الإمام أحمد وإبنا خزيمة وحبان والحاكم عن عمر: خرجنا إلى تبوك في يوم قيظ شديد فنزلنا منزلاً، وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى أن كان الرجل ليذهب يلتمس الرجل، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع حتى إن كان الرجل لينحر بغيره، فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده. فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه إن اللَّه قد عودك في الدعاء خيرًا، فادع الله لنا قال: (أتحب ذلك))، قال: نعم، فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأظلت،،ثم سكبت فملؤا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت العسكر. فعند ابن إسحق أن هذه القصة کان بالحجر، كما ترى. لكن روى ابن أبي حاتم عن أبي حرزة قال: نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، ونزلوا الحجر، فأمرهم عَّ أن لا يحملوا من مائها شيئًا، ثم ارتحل ونزل منزلاً آخر وليس معهم ماء، فشكوا إليه عٌَّ، فقام فصلى ركعتين، ثم دعا فأرسل اللَّه سحابة، فأمطرت عليهم حتى استقوا منها، فقال أنصاري لآخر من قومه يتهم بالنفاق: ويحك قد ترى ما دعا عَّله، فأمطر اللَّه علينا السماء، فقال: إنما مطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ [الواقعة: ٨٢]. ٨٩ ثم غزوة تبوك ولما كان عليه الصلاة والسلام ببعض الطريق ضلت ناقته .. فقال زيد بن اللصيت - وكان منافقا -: أليس محمد يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال رسول الله عَ له: إن رجلا يقول ... كذا وذكر مقالته، وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في الوادي في شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها. فانطلقوا حتى تأتوني بها. فانطلقوا فجاؤوا بها. رواه البيهقي وأبو نعيم. ويحتمل الجمع بأن قول ابن إسحق فلما أصبح، أي بعد أن سار ونزل منزلاً بعد الحجر، وأنه لما طلب منه أبو بكر الدعاء صلى، ثم مد يديه ودعا واللَّه أعلم. (ولما كان عليه الصلاة والسلام ببعض الطريق) بعد ما سار من الحجر، كما عند الواقدي، وابن إسحق (ضلت ناقته،) غابت وخفيت فلم يهتد إليها، قال الواقدي: وهي القصواء، (فقال زيد بن اللصيت:) قال في الإصابة: بلام ومهملة، وتحتية مصغر، وقيل: بنون أوله وآخره موحدة القينقاعي انتهى. وفي النور آخره فوقية، تصغير لصت، بفتح اللام في الكثير، وهو اللص بلغة طيء. وحكى شيخنا في القاموس تثليث اللام في المكبر والجمع لصوت انتهى. وهو في القاموس في باب الفوقية، فقول الإصابة وآخره موحدة، يعني على أن أوله نون، (وكان منافقًا). قال الواقدي: كان يهوديًا من بني قينقاع فأسلم فنافق، وكان فيه خبث اليهود وغشهم، وكان مظاهرًا لأهل النفاق، (أليس يزعم محمد أنه نبي، ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته،) وعند ابن إسحق وكان زيد في رحل عمارة بن حزم العقبي البدري، وكان عنده عليه السلام، (فقال رسول اللَّه عَلَّه) وعمارة عنده (((أن رجلاً،) وعند الواقدي أن مهافقًا (يقول كذا)، وذكر مقالته) التي أعلمها اللَّه له بالوحي إلهامًا، أو غيره («وإني واللَّه لا أعلم إلاَّ ما علمني اللَّه،) فإخباري بأمر السماء إنما هو بتعليم اللَّه والنبي لا يعلم كل غيب)). قال ذلك رد الزعم المنافق، أنه لو كان نبيًّا لعلم مكان ناقته (((وقد دلني اللّه عليها، وهي في الوادي في شعب كذا وكذا) لشعب عينه، وأشار لهم إليه (قد حبستها،) منعتها (شجرة بزمامها، فانطلقوا) فعل أمر (حتى تأتوني بها))، فانطلقوا) ماض، (فجاؤوا بها). قال الواقدي: الذي جاء بها الحرث بن خزمة الأشهلي، لكن الجمع كما قال البرهان يدل على أنه كان معه غيره وخزمة، بفتح المعجمة، وإسكان الزاي وفتحها، وقيل: خزيمة بالتصغير بدري أحدي له حديث (رواه البيهقي وأبو نعيم،) وابن إسحق والواقدي، وزاد فرجع عمارة إلى رحله، فقال: والله لعجب لشيء حدثناه رسول اللَّه عَِّ آنفًا عن مقالة قائل أخبره الله ٩٠ ثم غزوة تبوك وفي مسلم من حديث معاذ بن جبل: أنهم وردوا عين تبوك، وهي تبض بشىء من ماء، وأنهم غرفوا منها قليلا قليلا حتى اجتمع في شن ثم غسل عَّه به وجهه ويديه ثم أعاده فيها فجرت بماء كثير، فاستقى الناس. الحديث. ويأتي إن شاء الله في مقصد المعجزات. ولما انتهى عَِّ إلى تبوك أتاه صاحب أيلة بكذا وكذا للذي قال زيد، فقال رجل ممن كان في رحل عمارة. قال الواقدي: هو أخوه عمرو بن حزم زيد واللَّه قائل هذه المقالة قبل أن تطلع علينا، فاقبل عمارة على زيد يطعنه في عنقه، ويقول: يا عباد اللَّه إن في رحلي لداهية، وما أشعر فاخرج يا عدو اللَّه من رحلي، ولا تصحبني، قال ابن إسحق: فزعم بعض الناس أن زيدًا تاب بعد ذلك، وقال بعض الناس: لم يزل متهمًا بشر حتى هلك، وقد ذكره في الإصابة في القسم الأول، وأورد فيه القصة المذكورة عازًا لابن إسحق، ونقل الاختلاف في توبته، ولم يزد عليه شيئًا؛ فكأنه أ: تمد قول من زعم توبته، أو كتبه على الاحتمال. (وفي مسلم) والموطأ (من حديث معاذبن جبل؛ أنهم وردوا عين تبوك، وهي تبض،) بفتح الفوقية، وكسر الموحدة وضاد معجمة، أي تقطر وتسيل هكذا رواه ابن مسلمة وابن القُسم في الموطأ بالمعجمة، ورواه يحيى وطائفة بالمهملة، أي تبرق، قاله الباجي (بشىء من ماء) يشير إلى تقليله، (وأنهم غرفوا منها قليلاً قليلاً.) لفظ لملك ومسلم أنه عٍَّ قال: ((إنكم ستأتون غدًا عين تبوك وأنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئًا حتى آني)). فجئناها وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض بشىء من ماء فسألهما عَّه: ((هل مسستما من مائها شيئًا))، قال: نعم، فسبهما وقال لهما: ((ما شاء الله أن يقول))، ثم غرفوا من العين قليلاً قليلاً (حتى اجتمع في شن،) بفتح المعجمة، ونون قربة خلقة فصريحه أن ماءها كافة يخرج بنفسه، وأن الذي جمعوه كان بعد سبه للرجلين اللذين مساها، أي بسهمين ليكثر ماؤها، كما في الروض عن رواية ابن قتيبة، (ثم غسل عَّ به وجهه ويديه) ومضمض (، ثم أعاده فيها، فجرت بماء كثير، فاستقى الناس الحديث) بقيته، ثم قال عليه السلام: ((يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما ههنا مليء جنانًا، (ويأتي إن شاء اللَّه تعالى في مقصد المعجزات) بتمامه))، وإنما ذكرت لفظه هنا، لأن من الناس من توهم من ذكره المصنف بمعناه: أن الرجلين السابقين للعين رواية أخرى، فجعلها معارضة، وجوز لها جمعًا، (ولما انتهى عٍَّ إلى تبوك أتاه صاحب أيلة،) بفتح الهمزة، وسكون التحتية مدينة بين مصر ومكة على ساحل البحر من بلاد ٩١ ثم غزوة تبوك فصالحه وأعطاه الجزية. وأتاه أهل جرباء - بالجيم - واذرح - بالذال المعجمة والراء والحاء المهملتين- بلدين بالشام بينهما ثلاثة أميال، فأعطوه الجزية، وكتب لهم عَ كتابا. الشام، قاله أبو عبيدة، وهو يحنة، بضم التحتية، وفتح المهملة، والنون المشددة، ثم تاء تأنيث ابن رؤية، بضم الراء، فهمزة ساكنة، فموحدة، النصر إني قال البرهان: لا أعرف له ترجمة والظاهر هلا که علی دینه. وذكر الواقدي: أن سبب إتيانه أنه لما بعث عَِّ خالدًا إلى أكيدر، أشفق أن يبعث إليه، فقدم (فصالحه وأعطاه الجزية)، أي التزمها وانقاد لإعطائها، قالوا: وقطع عَّ الجزية جزية معلومة ثلثمائة دينار كل سنة، وكانوا ثلثمائة رجل. روى ابن أبي شيبة والبخاري عن أبي حميد الساعدي: قدم ملك أيلة على رسول اللَّه عَلَّه فأهدى إليه بلغة بيضاء، فكساه عَّله بردًا، وكتب إليه بيحرهم وأسند الواقدي عن جابر رأيت يحنة بن رؤبة يوم أتى رسول اللَّه عَّله، صليب من ذهب، وهو معقود فلما رأى رسول اللَّه عَله. كفى وأومأُ برأسه، فأوماً إليه عَّه بيده أن إرفع رأسك وصالحه، يومئذٍ وكساه بردًا بمنية، وأمر له بمنزل عند بلال. وذكر أن أبا العباس عبد الله بن محمد السفاح اشترى ذلك البرد بعد ذلك بثلثمائة دينار، (وأتاه أهل جربا، بالجيم) المفتوحة، فالراء الساكنة، فموحدة تقصر وتمد، (و) أهل (أذرح،) بالهمزة المفتوحة، و (بالذال المعجمة) الساكنة، (والراء المهملة) المضمومة، (والحاء المهملة،) قيل هي فلسطين (بلدين بالشام بينهما ثلاثة أميال) جمع ميل، قال في القاموس: وغلط من قال بينهما ثلاثة أيام، وإنما الوهم من رواة الحديث من إسقاط زيادة، ذكرها الدارقطني، وهي ما بين ناحيتي حوضي، كما بين المدينة وجربا وأذرح انتهى. (فأعطوه الجزية،) قال الواقدي: أتوه مع صاحب أيلة بجزيتهم، فأخذها (وكتب لهم مَّهِ) أي أمركما هو معلوم، وقد عين الواقدي أن الكاتب لصاحب أيلة جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة (كتابا) أراد جنس الكتاب، لأنه كتب لصاحب أيلة كتابًا ولأهل جربًا وأذرح معًا كتابًا، كما أفاده في المقصد الثاني، مع ذكر لفظ الكتابين، وما أفاده المصنف من أنه وقت انتهائه إلى تبوك أتوه تبع فيه لفظ ابن إسحق فأنه كله لفظه، كما تبعه اليعمري، وكأنه لم يثبت عندهم السبب الذي ذكره الواقدي في مجيء يحنة، لا سيما وابن إسحق بعد أن ذكر ذلك، قال: ثم بعث خالدًا إلى أكيدر الا أن تكون، ثم للترتيب الذكرى والعلم عند الله. ٩٢ ثم غزوة تبوك ووجد هرقلٍ بحمص، فأرسل خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك النصراني، وكان ملكًا عظيمًا بدومة الجندل، في أربعمائة وعشرين فارسًا في رجب سرية، وقال له عليه الصلاة والسلام لخالد: إنك ستجده ليلا يصيد البقر، (ووجد هرقل بحمص) دار ملكه لم يتحرك، ولم يرجف فكان الذي أخبر به عَّه من تعبیة أصحابه ودنوه إلى الشام باطلا لم يرد ذلك، ولا هم به. ذكره الواقدي، فكتب له كتابًا، كما سيذكره، ولو ذكره هنا كان أنسب إذ لا يتفرع عليه قوله، (فأرسل خالد بن الوليد إلى أكيدر،) بضم الهمزة وفتح الكاف، وسكون التحتية، وفتح المهملة، آخره راء، لا يصرف للعلمية، ووزن الفعل (ابن عبد الملك) بن عبد الجن، بجيم ونون، كما في الفتح (النصراني) المختلف في إسلامه، والأكثر على أنه قتل كافرًا، وقد ذكره ابن منده وأبو نعيم الصحابة. ورده ابن الأثير بأنه خطأ ظاهر، فأنه إنما أهدى للنبي وصالحه، ولم يسلم باتفاق أهل السير، أسره خالد في زمن أبي بكر، فقتله كفرًا، وقال أخوه أبو السعادات من الناس من يقول: إنه أسلم وليس بصحيح، وممن وقع في كلامه ما يدل على ذلك الواقدي، فأنه، قال في المغازي حدثني شيخ من دومة؛ أنه عٍَّ كتب لأكيدر هذا الكتاب «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول اللَّه لأكيدر))، حين جاء إلى الإسلام، وخلع الأنداد والأصنام إلى أن قال: ((فيه تقيمون الصلاة، وتؤدون الزكاة عليكم بذلك عهد اللَّه وميثاقه، ولكم الصدق والوفاء)). قال في الإصابة :: فالذي يظهر أنه صالح على الجزية، كما قال ابن إسحق، ويحتمل أنه أسلم بعد ذلك، كما قال الواقدي، ثم ارتد بعده عٍَّ ومنع ما عليه، فقتله خالد، كما قال البلاذري انتھی. وسيذكر المصنف لفظ الكتاب في المقصد الثاني، وما استظهره الحافظ، لا محيد عنه إذ هو جمع بين كلامهم، وعلى كل حال فعده صحابيًا غلط، لأن آخر أمره قتله كافرًا، ولذا ذكره في القسم الرابع من الإصابة فيمن ذكر في الصحابة غلطًا. (وكان ملكًا عظيمًا) من قبل هرقل (بدومة،) بضم الدال وفتحها والواو ساكنة. (الجندل) بفتح فسكون حصن وقرى من طرف الشام بينها وبين دمشق خمس ليال، يقال: عرفت بدومة بن اسمعيل (في أربعمائة وعشرين فارسًا في رجب سرية، وقال عليه الصلاة والسلام لخالد:) وقد، قال له: كيف لي به، وهو وسط بلاد كلب، وإنما أنا في اناس يسيرين ((أنك ستجده ليلا يصيد البقر،) فتأخذه فيفتح اللَّه لك دومة، فإن ظفرت به، فلا تقتله، وانت به إلي فإن أبى فاقتله)). ٩٣ ثم غزوة تبوك فانتهى إليه خالد، وقد خرج من حصنه في ليلة مقمرة، إلى بقر يطاردها، هو وأخوه حسان، فشدت عليه خيل خالد، فاستأسر أكيدر وقتل أخاه حسانا، وهرب من كان معهما فدخل الحصن، ثم أجار خالد وروى يونس في زيادات المغازي عن بلال بن يحيى، قال: بعث عَّ ◌ُله أبا بكر على المهاجرين، وبعث خالدًا على الأعراب معه، وقال: ((إنطلقوا أنكم ستجدون أكيدر دومة يقتنص الوحش فخذوه أخذًا فابعثوا به إلي، ولا تقتلونه))، ومن طريقه أخرجه البيهقي، ورواه ابن منده، عن بلال بن يحيى، عن حذيفة موصولاً، قال الشامي: وذكر أبي بكر في هذه السرية غريب جدًا لم يتعرض أحدًا من أئمة المغازي التي وقفت عليها انتهى. فمضوا (فانتهى إليه خالد وقد خرج من حصنه في ليلة مقمرة إلى بقر يطاردها،) أي يريد ذلك فعند ابن إسحق وابن سعد، فخرج خالد حتى كان من حصنه بمنظر العين في ليلة مقمرة صائفة، وهو على سطح له ومعه امرأته الرباب بكسر الراء وموحدتين وقينة تقنيه، وقد شرب فباتت البقر تحك بقرونها باب الحصن، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط، قال: لا واللَّه. قالت: فمن يترك هذه؟ قال: لا أحد، وعند ابن عائذ: واللّه ما رأيتها قط جاءتنا إلاَّ البارحة، ولقد كنت أضمر لها الخيل اليومين والثلاثة، وفي لفظ شهر ولكن قدر الله ونزل، فأسرج له فرسه، وخرج (هو واخوه حسان) في نفر من أهل بيته ومملوكين له، فتلقتهم الخيل (فشدت عليه خيل خالد فاستأسر أكيدر) ولم يقتله، كما أمره عَّةِ أعطى بيده ولم يقاتل، (وقتل أخاه حسانًا،) لأنه قاتل. قال ابن إسحق: وقد كان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب، فاستلبه خالد، فبعث به إلى رسول اللَّه عَلِ قبل قدومه فحدثني عاصم بن عمر، عن أنس رأيت قباء أكيدر دومة حين قدم به، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم يتعجبون منه، فقال عَ له: ((أتعجبون من هذا، فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا)، وحديثه الذي رواه، لا يدل لمدعاه إلاّ بتقدير مضاف، أي قباء أخي أكیدر. لكن، قد روى حديث أنس في البخاري في الهبة بلفظ أهدى أكيدر دومة الحديث والهداية غير السلب، فإن كان ما، قاله محفوظًا، وقد وافقه الواقدي، وذكر أن المرسل به عمرو بن أميلا الضمري حين أرسله بشيرًا، فيكون هذا غير الذي أهداه بعد، لأن هذا سلب أخيه المقتول، وهو مأسور، فلا ينسب إليه أنه أهداه، ويكون التعجب وقع من كليهما، وقال المصطفى: ذلك في كل منهما والعلم عند اللَّه. (وهرب من كان معهما) وهم النفر والملوكان، (فدخل الحصن) وأغلقوه، (ثم أجار خالد ٩٤ ثم غزوة تبوك أكيدر من القتل، حتى يأتي به رسول الله عَّةٍ على أن يفتح له دومة الجندل، ففعل وصالحه على ألفي بعير وثمانمائة فرس وأربعمائة درع وأربعمائة رمح. وفي هذه الغزوة كتب عليه كتابا في تبوك إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، فقارب الإجابة ولم يجب. أكيدر من القتل حتى يأتي به رسول اللَّه عَّ على) صلة اجار (أن يفتح له) لخالد (دومة الجندل ففعل). ذكر ابن سعد وشيخه: أن خالدًا، قال له، لما أسره: هل لك أن أجيرك من القتل حتى آتي بك رسول اللَّه، على أن تفتح لي دومة الجندل، قال: نعم فانطلق به خالد حتى أدناه من الحصن، فنادى أكيدر أهله أن افتحوا باب الحصن، فأرادوا ذلك، فأبى عليهم مضاد أخو اكيدر، فقال أكيدر لخالد: تعلم واللَّه أنهم، لا يفتحون ما رأوني في وثاقك، فحل عني فلك اللَّه والأمانة أن أفتحه لك إن أنت صالحتني على أهلي، قال خالد: فأني أصالحك، فقال: إن شئت حكمتك، وإن شئت حكمتني، قال خالد: بل نقبل منك ما أعطيت، (وصالحه على ألفي بعير ·وثمانمائة فرس،) كذا في النسخ، والذي لابن سعد وشيخه، وهو المنقول في العيون رأس (وأربعمائة درع وأربعمائةٍ رمح) على أن ينطلق به وبأخيه إلى رسول اللَّه فيحكم فيهما حكمه، فلما قاضاه على ذلك خلى سبيله، ففتح الحصن، فدخله خالد، وأوثق مضادًا، وأخذ ما صالح عليه من الإبل والرقيق والسلاح، فعزل خالد صفيه له عَّه قبل أن يقسم، ثم خمسها، ثم قسم ما بقي في أصحابه، فصار لكل واحد منهم خمس قلائص، ثم قدم خالد بأكيدر عليه عّلِّ، فحقن له دمه وصالحه على الجزية، وخلى سبيله، فرجع إلى قريته، فقال بجير الطائي: تبارك سائق البقرات أني رأيت اللَّه يهدي كل هاد فمن يك حائدًا عن ذي تبوك فإنا قد أمرنا بالجهاد وعند ابن منده وأبي نعيم وابن السكن، فقال عَ لّه لبجير: ((لا يف اللَّه فاك فاتت عليه تسعون سنة، وما تحرکت له سن)). (وفي هذه الغزوة كتب عَّله كتابًا في تبوك إلى هرقل) غير الكتاب الذي كان أرسله مع دحية في مدة الهدنة المذكورة في الصحيح، فأنه بعثه في آخر سنة ست ووصل في المحرم سنة سبع، قاله الواقدي، واعتمده في الفتح، وكان المبعوث بهذا أيضًا دحية، كما في رواية أحمد (يدعوه إلى الإسلام، فقارب الإجابة ولم يجب) خوفًا على ملكه. ذكر في الروض أنه أمر مناديًا إلاَّ أن هرقل، قد آمن بمحمد واتبعه، فدخلت الأجناد في ٩٥ ثم غزوة تبوك رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أنس. وفي مسند أحمد أن هرقل كتب من تبوك إلى النبي عَّهِ: أني مسلم فقال النبي معَّ: كذب هو على نصرانيته. سلاحها، واطافت بقصره تريد قتله فأرسل إليهم إني أردت أن اختبر صلابتكم في دينكم، فقد رضيت عنكم، فرضوا عنه، ثم كتب كتابًا، وأرسله مع دحية يقول: إني مسلم ولكني مغلوب على أمري، وأرسل إليه هدية، فلما قرأ عَ لّه كتابه، قال: ((كذب عدو اللّه ليس بمسلم هو على نصرانيته))، وقبل هديته وقسمها بين المسلمين، وكان، لا يقبل هدية مشرك محارب، فقبل هذا، لأنها فيء، ولذا قسمها عليهم، ولو أتته في بيته كانت له خاصة انتهى. (رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أنس.) وروى الحرث بن أبي أسامة عن بكر بن عبد اللَّه، قال عَّله: ((من يذهب بهذا الكتاب إلى قيصر وله الجنة))، فقال رجل: وإن لم يقبل، قال: ((وإن لم يقبل))، فانطلق الرجل، فأتاه بالكتاب فقرأه، فقال: إذهب إلى نبيكم، فأخبروه إني متبعه، ولكن، لا أريد أن أدع ملكي، وبعث معه بدنانير إلى رسول اللَّه، فرجع فأخبره، فقال عد اله ((کذب وقسم الدنانیر)). (وفي مسند أحمد) من طريق سعيد بن أبي راشد عن التنوخي رسول هرقل إليه عَ له، قال: قدم رسول اللَّه عَّهِ تبوك، فبعث دحية إلى هرقل بكتاب، فدعا قسيسي الروم وبطارقتها، ثم أغلق عليه وعليهم الدار، فقال: قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم وأرسل يدعوني إلاّ ثلاث خصال أن أتبعه على دينه، أو الجزية، أو الحرب، وقد عرفتم فيما تقرأون من الكتب ليأخذن أرضنا، فهلم فلنتبعه، أو نعطه مالاً، فنخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من برانسهم، وقالوا: تدعون إلى أن نذر النصرانية، أو نكون عبيدًا لأعرابي جاء من الحجاز، فلما رأى ذلك، قال: إنما أردت أن أعلم صلابتكم على دينكم، ثم دفع إلي كتابًا، فقال: إذهب إليه، فاحفظ من حديثه ثلاثًا هل يذكر كتابه الذي كتب إلي، وإذا قرأ كتابي هل يذكر الليل وهل في ظهره شىء؟، قال: فناولته الكتاب فدعاني إلى الإسلام، فأبيت فضحك، وقال إنك، لا تهدي من أحببت، إني کتبت إلى كسرى، فمزقه واللَّه ممزقه، وإلى صاحبك صحيفة، فأمسكها لن يزال الناس يجدون منه بأسًا ما دام في العيش خير، فقلت هذه إحدى الثلاث، فكتبتها في جفن سيفي، ثم ناول الكتاب إلى معوية فقرأ فيه: تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، فأين النار؟، فقال ◌َ له: ((سبحان اللَّه أين النهار إذا جاء الليل)) فكتبته في جفن سيفي، فذكر الحديث بطوله، وفيه (أن هرقل كتب من تبوك إلى النبي عَّهِ أني مسلم، فقال النبي عَّهُ: ((كذب هو على نصرانيته)))) وأنه وَد أن يعطيه جائزة، فأتاه عثمن بحلة، وأمر أنصاريًا بإنزاله، فقام معه فناداه عليه السلام، ٩٦ ثم غزوة تبوك وفي كتاب الأموال لأبي عبيد، بسند صحيح من مرسل بكر بن عبد الله نحوه ولفظه: فقال: كذب عدو الله ليس بمسلم. ثم انصرف عَّله من تبوك، بعد أن أقام بها بضع عشرة ليلة. وقال الدمياطي - ومن قبله ابن سعد - عشرين ليلة، يصلي ركعتين، ولم يلق کیدا، فكشف له ظهره، فرأى خاتم النبوة. (وفي كتاب الأموال لأبي عبيد) القاسم بن سلام بالتشديد البغداوي الإمام المشهور، الثقة الفاضل المصنف، المتوفي سنة أربع وعشرين ومائتین (بسند صحيح من مرسل بكر بن عبد اللَّه) المزني، البصري الثقة الثبت من رجال الستة مات سنة ست ومائة (نحوه، ولفظه، فقال: ((كذب عدو اللَّه ليس بمسلم)). قال في الفتح: فعلى هذا اطلاق صاحب الاستيعاب أنه آمن، أي أظهر التصديق لكنه لم يستمر عليه ويعمل بمقتضاه، بل شح بملكه، وآثر الفانية على الباقية، (ثم انصرف عٍَّ من تبوك بعد أن أقام بها بضع عشرة ليلة،) قاله ابن عقبة وابن إسحق، واقتصر عليه اليعمري، (وقال الدمياطي ومن قبله ابن سعد،) والواقدي وابن حزم: (عشرين ليلة يصلي بها ركعتين.) وأخرجه أحمد، عن جابر وابن سعد، عن يحيى بن أبي كثير، قالا: أقام عَّه بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة، ويحتمل الجمع بأنه حسب يوم القدوم ويوم الإرتحال، فيصدق البضع بما عداهما، (ولم يلق كيدًا،) أي حربًا، فكان من الحكمة فيها ما حصل من إغاظة الكفار، وظهور عز المسلمين وفضيحة المنافقين وإذلالهم. وذكر الواقدي أنه شاور أصحابه في التقدم، فقال عمران: كنت أمرت بالمسير فسر، فقال: لو أمرت بالمسير لم أستشركم فيه، فقال: يا رسول اللَّه إن للروم جموعًا كثيرة، وليس بها مسلم، وقد دنونا وأفزعهم دنوك، فلو رجعنا هذه السنة حتى ترى، أو يحدث اللَّه أمرًا، وأخرج يونس في زيادات المغازي، وأبو سعد في الشرف، وابن أبي حاتم والبيهقي عن عبد الرحمن بن غنم أن اليهود، قالوا: يا أبا القسم إن كنت صادقًا أنكِ نبي فالحق بالشام، فأنها أرض المحشر، وأرض الأنبياء، فصدق ما قالوا، فغزا تبوك، لا يريد إلاّ الشام، فلما بلغ تبوك أنزل اللَّه عليه آيات من سورة بني إسرائيل بعدما ختمت السورة ﴿وإن كادوا ليستفزونك﴾ [الإسراء: ٧٦]، فأمره اللّه بالرجوع إلى المدينة، وقال: فيها محياك ومماتك ومنها تبعث، فرجع عَ لّه، فقال جبريل: سل ربك، فإن لكل نبي مسألة، وكان جبريل له ناصحًا، والنبي عَّه مطيعًا، قال: فما تأمرني أن أسأل، فقال جبريل: ﴿وقل رب ادخلني مدخل صدق﴾ [الإسراء: ٨٠] فهؤلاء الآيات نزلنا عليه في رجعته من تبوك، قال في الفتح: إسناده حسن مع كونه مرسلاً انتهى. ٩٧ ثم غزوة تبوك وبنى في طريقه مساجد. وأقبل عليه الصلاة والسلام حتى نزل بذي أوان - بفتح الهمزة بلفظ الأوان: الحين - وبينها وبين المدينة ساعة جاءه خبر مسجد الضرار من السماء. فدعا لملك بن الدخشم ومعن بن عدي العجلاني فقال: وأغرب السيوطي، فقال في اللباب: هذا مرسل ضعيف الإسناد، وله شاهد عن ابن أبي حاتم، وآخر عند ابن جرير انتهى. وفيه نظر فإنه من رواية عبد الحميد بن بهرام، وهو صدوق، كما في التقريب عن شهر بن حوشب، وهو صدوق أيضًا. روى له مسلم وأصحاب السنن عن عبد الرحمن بن غنم، بفتح المعجمة، وسكون النون ذكره العجلي في كبار التابعين الثقات، واختلف في صحبته، فالحق قول الفتح حسن، وروى أحمد وغيره: أنه عَّه، قال في غزوة تبوك: ((إذا وقع الطاعون بأرض، وأنتم بها، فلا تخرجوا منها، وإن كنتم بغيرها، فلا تقدموا عليها))، قال الحافظ: في بذل الطاعون يشبه والله أعلم أن السبب في ذلك أن الشام كانت قديمًا ولم تزل معرفة بكثرة ذلك، فلما قدم عَبّ تبوك غازيًا الشام بلغه أن الطاعون كان في الجهة التي كان قاصدها، فكان ذلك من أسباب رجوعه من غير قتال (وبنى في طريقه مساجد) عشرين، أي كان سببًا في بنائها لصلاته في تلك الأماكن، وأعلم عليها فبنيت بعده، كما يعلم من كلام الشريف السمهودي، ويجوز بناؤه للمفعول، أي أنها بنيت في طريقه التي صلى فيها، وعند ابن إسحق مساجده في طريقه إلى تبوك مسماة معلومة مسجد بتبوك ومسجد بكذا فعدها سبعة عشر مسجدًا، (وأقبل عليه الصلاة والسلام حتى نزل بذي، أوان بفتح الهمزة). قال البرهان والخشني: يرويه بضم الهمزة حيث وقع انتهى. وقال البكري: أظن الراء سقطت من بين الهمزة والواو، أي أروان منسوب إلى البئر المشهورة، وعلى الأوّل هو (بلفظ الأوان) بفتح الهمزة، وكسرها لغة (الحين) بالجر بدل والرفع خبر هو (وبينها،) أي ذي أوان، وهي بلد (وبين المدينة ساعة) من نهار، قاله ابن إسحق وأتباعه، وفي القاموس وأوان عين بالمدينة انتهى. فلعل البلد كانت بها عين (جاءه خبر مسجد الضرار) المضارة لأهل مسجد قباء (من السماء،) فنزلت هذه الآية، (فدعا لملك بن الدخشم) بضم المهملة والمعجمة بينهما خاء معجمة ساكنة آخره ميم، ويقال: الدخيشم بالتصغير، ويقال: بنون بدل الميم مكبرًا مصغرًا الأوسي البدري باتفاق، قال أبو عمر: لا يصح عنه باتفاق، (ومعن بن عدي) بن الجد بن العجلات. (العجلاني) ، نسبة إلى جده هذا البلوي حليف الأنصاري، شهد أحد، أو استشهد يوم اليماه»، ثم الرواية عند ابن إسحق بالشك، قال: فدعا لملكا ومعن بن عدي، أو أخاه عاصم بن عدي، (فتال: ٩٨ ثم غزوة تبوك انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه. فخرجا فحرقاه وهدماه. وذلك بعد أن أنزل الله فيه: ﴿والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا﴾ الآية [التوبة/ ١٠٧]. قال الواحدي: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: الذين اتخذوا مسجد الضرار کانوا اثني عشر رجلا، ((انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله) بالكفر والتفريق بين المؤمنين، (فاهدماه وحرقاه))،) وعند غيره: فدعا مالكًا ومعنًا وأخاه. زاد البغوي وعامر بن السكن ووحشيًا قاتل حمزة، وزاد في التجريد سويد بن عباس الأنصاري، فقال: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدموه واحرقوه، فيحتمل أنه أرسلهما أوّلاً، وخاطبهما بلفظ التثنية، ثم عززهما بالأربعة، وخاطبهم بالجمع، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخر، (فخرجا،) قال ابن إسحق: سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف رهط لملك بن الدخشم، فقال لملك لمعن: انظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل، فأشعل فيه نارًا، ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهله، (فحرقاه وهدماه.) وفي رواية: فخرجوا مسرعين حتى أتوا بني سالم، فأخذ لملك سعفًا وأشعله، ثم خرجوا يشتدون حتى أتوه بين المغرب والعشاء وفيه أهله، فحرقوه وهدموه حتى وضعوه بالأرض، وتفرق عنه أصحابه، فلما قدم عليه السلام المدينة عرضه على عاصم بن عدي ليتخذه دارًا، فقال: ما كنت أتخذه، وقد أنزل اللَّه فيه ما أنزل، ولكن أعطه ثابت بن أقرن فأنه، لا منزل له فأعطاه. فلم يولد في ذلك البيت مولود قط، ولا حمام، ولا دجاج. وروى ابن المنذر عن ابن جبير وابن جريج وقتادة، قالوا: ذكر لنا أنه حفر في موضعه بقعة، فأبصروا الدخان يخرج منها، (وذلك بعد أن أنزل اللَّه فيه:) لما نزل بذي أوان، وأتاه المنافقون، وسألوه أن يأتي مسجدهم، فدعا بقميصه ليلبسه على ما روى، (﴿والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا﴾ [التوبة: ١٠٧] لأنهم بنوه ليكون معقلاً للكفار (الآية). (قال) علي بن أحمد بن محمد بن علي (الواحدي) استاذ عصره نحوًا وتفسيرًا، تلميذ للثعلبي وأخذ عنه علم التفسير، وزاد عليه، ورزق السعادة في تصانيفه. توفي في جمادي الآخرة سنة ثمان وستين وأربعمائة. (قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: الذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا كانوا اثني عشر رجلا) سرد ابن إسحق، وتبعه اليعمري وغيره أسماءهم، فقال خذام وهو بخاء مكسورة ٩٩ ثم غزوة تبوك يضارون به مسجد قباء، وذلك أنهم قالوا في طائفة من المنافقين: نبني مسجدا فنقيل فيه فلا نحضر خلف محمد. قال المفسرون: ولما بنوا ذلك لأغراضهم الفاسدة عند ذهاب رسول الله علي اله إلى غزوة تبوك، قالوا: يا رسول الله، بنينا مسجدا لذي العلة، والليلة المطيرة، ونحن نحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة، وذال معجمتين: ابن خالد، ومن داره أخرج هذا المسجد وثعلبة بن حاطب، ومتعب بن قشير، وأبو حبيبة بن الأذعر، وعباد بن حنيف أخو سهل وجارية، وهو بجيم وتحتية وابناه مجمع وزيد بن جارية بن عامر، ونبتل، وهو بفتح النون، وسكون الموحدة وفتح الفوقية، ولام ابن الحرث، وبخزج بموحدة مفتوحة، فمهملة ساكنة، فزاي مفتوحة فجيم، وبجاد، بفتح الموحدة، وخفة الجيم فألف فمهملة، ابن عثمن ووديعة بن ثابت، وأشار السهيلي إلى انتقاده في مجمع بن جارية، فقال: وذكر فيهم مجمعًا، وكان إذ ذاك غلامًا حدثا، قد جمع القرءان، فقدموه إمامًا لهم، وهو، لا يعلم بشىء من شأنهم، وقد ذكر: إن عمر أراد عزله عن الإمامة، وقال: أليس بإمام مسجد الضرار، فأقسم له مجمع أنه ما علم بشىء من أمرهم، وما ظن إلاَّ الخير، فصدقه عمر، وأقره ومعتب بن قشير، بقاف ومعجمة مصغر ترجم له في القسم الأول من الإصابة، ثم، قال: وقيل كان منافقًا، وقيل إنه تاب، وذكره ابن إسحق فيمن شهد بدرًا (يضارون به مسجد قباء، و) بيان (ذلك أنهم قالوا في) مع (طائفة من المنافقين:) لما بنى بنو عمرو بن عوف مسجد قباء الذي أسسه عَّه، لما قدم المدينة، وصلى فيه بعثوا إليه عليه السلام أن يأتيهم، فيصلي فيه فرأى ذلك ناس من بني، بفتح المعجمة، وسكون النون ابن عوف، فقالوا: (نبني) نحن أيضًا (مسجدًا،) كما بنوا، (فنقيل فيه، فلا نحضر خلف محمد،) فقال لهم أبو عامر الفاسق قبل خروجه إلى الشام: إبنوا مسجدكم، واستمدوا فيه بما استطعتم من سلاح وقوة فإني ذاهب إلى قيصر، فآتي بجند الروم، فأخرج محمدًا وأصحابه، فكانوا يرصدون قدومه، وقد خرج محاربا لله ورسوله، ورواه ابن جرير وجماعة عن ابن عباس وغيره. (قال المفسرون:) المذكورون وغيرهم (ولما بنوا ذلك) المسجد (لأغراضهم الفاسدة) من المضارة والكفر والارصاد (عند ذهاب رسول اللَّه)، أي عند إرادته (عَّ) الذهاب (إلى غزوة تبوك). وفي حديث ابن عباس عند ابن مردويه والبيهقي: فلما فرغوا من بناء مسجدهم أرادوا أن يصلي فيه عَِّ ليروج لهم ما أرادوه من الفساد والكفر والعناد، فأتاه جماعة منهم، وهو يتجهز إلى تبوك، (قالوا: يا رسول اللَّه بنينا مسجدًا لذي العلة،) المرض، والحاجة، (والليلة المطيرة، ونحن نحب أن تصلي فيه، وتدعو لنا بالبركة) كما، قال تعالى: ﴿وليحلفن إن أردنا إلاَّ ١٠٠ ثم غزوة تبوك فقال عليه الصلاة والسلام: إني على جناح سفر، وإذا قدمنا إن شاء الله تعالى صلينا فيه. فلما قفل من غزوة تبوك سألوه إيتان المسجد، فنزلت هذه الآية. ولما دنا عَِّ من المدينة خرج الناس لتلقيه، وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع الحسنى﴾ [التوبة: ١٠٧]، أي هذه الأمور التي أظهروها، والله يشهد أنهم لكاذبون. روى ابن مردويه وابن أبي حاتم عن ابن عباس: لما بنى مسجد الضرار، قال عَّه: («ليخرج ويلك ما أردت))، قال واللَّه ما أردت إلاَّ الحسنى، فنزلت الآية، (فقال عليه الصلاة والسلام: ((إني على جناح سفر،) أي مفارقة الأوطان، (وإذا قدمنا إن شاء اللَّه صلينا فيه))، فنزلت هذه الآية) يريد الجنس، ففي حديث أبي رهم الغفاري، فلما نزل بذي أوان على ساعة من المدينة أنزل الله: ﴿والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا﴾ [التوبة: ١٠٧]، إلى آخر القصة. أخرجه ابن مردويه، وفي حديث ابن عباس عند البيهقي: فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لا تقم على قبره﴾ [التوبة: ٨٤]، إلى قوله ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ الآية، وقدمنا في الهجرة الخلاف في المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى وأن الصحيح أنه مسجد قباء. وعند مسلم أنه المسجد النبوي وأنه، لا منافاة فكل أسس عليها، غير أن قوله تعالى: ﴿من أول يوم﴾ و﴿رجال يحبون أن يتطهروا﴾ يقتضي مسجد قباء، والله تعالى أعلم. (ولما دنا) قرب (عَُّ من المدينة خرج الناس) الرجال الكاملون، لأنهم الذين جرت العادة بخروجهم للقاء الأمير (لتلقيه) تعظيمًا له وإكرامًا، ولطول غيبته وتحدث المنافقين عليه بالسوء. روى ابن أبي حاتم عن جابر، قال: جعل المنافقون الذين تخلفوا بالمدينة يخبرون عن النبي عَّهِ أخبار السوء يقولون: إن محمدًا وأصحابه، قد جهدوا في سفرهم، وهلكوا فبلغهم تكذيب حديثهم، وعافية النبي عَّه وأصحابه، فساءهم ذلك فأنزل الله: ﴿إن تصبك حسنة تسوءهم﴾ [التوبة: ٥٠]، (وخرج النساء والصبيان والولائد) الأماء، فالعطف مباين وإن أريد بالناس ما يشمل الرجال وغيرهم، فأفرد هؤلاء بالذكر لبيان خروجهم حال كونهم (يقلن:) غلب النساء والولائد على ذكور الصبيان لكثرتهن، ولأن الغناء عادتهن بخلاف الصبيان، وإنما خرج الجميع فرحًا وسرورًا بضد ما أرجف به المنافقون، ولأنهن ألفنه عَّ خله بخلاف الهجرة، فصعدت المخدرات على الأسطحة، لأنهن لم يكن رأيته، وإن فشا فيهم الإسلام: (طلع البدر علينا من ثنيات الوداع)