النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
هدم صنم طيء
وفي رواية أبي بكر بن الأنباري أنه لما وصل إلى قوله:
إن الرسول لنور يستضاء به مهند من سيوف اللَّه مسلول .
رمى عليه الصلاة والسلام إليه بردة كانت عليه.
بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا وليت وصلا لنا من حبلها رجعا
وقال ربيعة بن معرور الضبي:
بانت سعاد فأمسى القلب معمودًا وأخلفتك ابنة الحر المواعيدا
وقال قعنب بن ضمرة:
بانت سعاد وأمسى دونها عدن وغلقت عندها من قلبك الرهن
وقال النابغة الذبياني:
بانت سعاد وأمسى حبلها انخرما واحتلت الفرع والأجداع من أضما
وقال الأعشی میمون:
بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا واحتلت العرفا لجدين فالفرعا
وقال أيضًا:
بانت سعاد وأمسى حبلها رابا وأحدث النأي لي شوقًا وأوصابا
وقال الأخطل:
بانت سعاد ففي العينين مهلول من حبها وصحيح الجسم مخبول
وقال أيضًا:
بانت سعاد ففي العينين تسهيد وأسخفت لبه فالقلب معمود
وقال عدي بن الرقاع:
بانت سعاد وأخلفت ميعادها وتباعدت عنا لتمنع زادها
وقال قيس بن الحرادية:
بانت سعاد فأمسى القلب اعلالا وأسلبتها بي الأرباع اقلالا
انتھی.
(وفي رواية أبي بكر بن الأنباري) وابن قانع من مرسل ابن المسيب (أنه لما وصل إلى
قوله: إن الرسول لنور يستضاء به مهند من سيوف اللَّه مسلول، رمى عليه الصلاة والسلام إليه
بردة كانت عليه).
نقل المصنف في المقصد الثالث عن محمد به هلال قال: رأيت على هشام بن
عبد الملك برد النبي عَّه من حبرة له حاشيتنا رواه الدمياطي انتهى. وهشام هذا من سلاطين بني

٦٢
هدم صنم طيء
وأن معوية بذل فيها عشرة آلاف فقال: ما كنت لأوثر بثوب رسول الله عَّ أحدا، فلما
مات كعب بعث معوية إلى ورثته بعشرين ألفاً فأخذها منهم. قال: وهي البردة التي
عند السلاطين إلى اليوم.
وقال ابن إسحق: قال عاصم بن عمر بن قتادة: فلما قال كعب: ((إذا عرد
السود التنابيل» وإنما عنى معشر الأنصار، لما كان صاحبهم صنع به، وخص
المهاجرين بمدحته غضب عليه الأنصار، فقال بعد أن أسلم - يمدح الأنصار ..
أمية، ففيه تعيين البردة التي دفعت لكعب، لأنها آلت للملوك كما قال: (وأن معوية بذل فيها
عشرة آلاف) درهم، كما في الرواية، (فقال: ما كنت لأوثر) أفضل وأميز على نفسي (بثوب
رسول اللَّه عَّ) الذي أعطانيه، وهو البردة واسم الثوب يشملها (أحدًا،) لأن الإيثار المحمود إنما
هو في أمور الدنيا، كما في قوله تعالى: ﴿ويؤثرون على أنفسهم﴾، وما مس جسده
الشريف من أجل القرب، فهو من الأمور الأخروية وما إيثار الغير فيها بمحمود، (فلما مات كعب
بعث معوية إلى ورثته بعشرين ألفًا فأخذها منهم).
(قال) ابن الأنباري: (وهي البردة التي عند السلاطين إلى اليوم)، وعند ابن قانع عن ابن
المسيب فهي التي يلبسها الخلفاء في الأعياد.
قال الشامي: ولا وجود لها الآن والظاهر أنها فقدت في وقعة التتار، (وقال ابن إسحق:)
بعد ذكر القصيدة كلها (قال عاصم بن عمر:) بضم العين (ابن قتادة) بن النعمان التابعي حفيد
الصحابي الأنصاري، (فلما قال كعب: إذا عرد السود التنابيل وإنما عنى معشر الأنصار،) قال
في الروض: جعلهم سودًا لما خالط أهل اليمن من السودان عند غلبة الحبشة على بلادهم، ولذا
قال حسان في آل جفنة:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم بيض الوجوه من الطراز الأول
يعني أنهم كانوا من اليمن، ثم استوطنوا الشام، فلم تخالطهم السودان، كما خالطوا من
باليمن فهم من الطراز الأول الذي كانوا عليه من ألوانهم وأخلاقهم انتهى.
(لما كان أصحابهم صنع به) حيث وثب، وقال: دعني وعدو الله أضرب عنقه، (وخص
المهاجرين بمدحته،) لأنهم لم يتكلموا فيه إلا بخير، (غضبت عليه الأنصار) قال عبد الملك بن
هشام: ويقال انه عَّله لما أنشده بانت سعاد، قال له: ((لولا ذكرت الأنصار بخير فإن الأنصار
لذلك أهل))، (فقال بعد أن أسلم يمدح الأنصار) لغضبهم عليه وتحضيضه عليه الصلاة والسلام له
على ذلك إذ هم عصابة الاسلام، وأول ما رفع لمناره من الأعلام، فذكر بلاءهم معه عَّه

٦٣
هدم صنم طيء
من سره كرم الحياة فلا يزل في مٍقنب من صالحي الأنصار
ورثوا المكارم كابرا عن كابر إن الخيار هم بنو الأخيار
كسوالف الهندي غير قصار
المكرهين السمهري بأدرع
كالجمر غير كليلة الأبصار
والناظرين بأعين محمرة
للموت يوم تعانق وكرار
والبائعين نفوسهم لنبيهم
بدماء من علقوا من الكفار
يتطهرون يرونه نسكاً لهم
وموضعهم من اليمن، فقال: (من سره كرم الحياة فلا يزل، في مقنب) بكسر الميم، وإسكان
القاف، وفتح النون، ثم موحدة جماعة الخيل والفرسان، قيل هي دون المائة، وفي القاموس ومن
الخيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين أو زهاء ثلاثمائةٍ.
ذكره في النور (من صالحي الأنصار ورثوا المكارم كابرا عن كابر،) أي عن آبائهم
وأجدادهم كبيرًا عن كبير في العز والشرف، (إن الخيار همو بنو الأخيار المكرهين) اسم فاعل
مفعوله (السمهري) القناة الصلبة يقال: نسبة إلى سمهر اسم رجل كان يقوم الرماح، أي ردوها
عنهم ومنعوها من التأثير فيهم (بأدرع) لبسوها، فكأنهم أكرهوها على عدم الوصول إليهم، وهكذا
الرواية عند ابن إسحق المكرهين بالهاء، ويقع في نسخة المكرمين بالميم، فإن صحت فمعناه
أنهم ضموا أدرعهم لرماحهم، فأكرموها بذلك الضم، (كسوالف الهندي غير قصار). قال أبو ذر
في الاملاء: السوالف السيوف، وقد يراد بها الرماح أيضًا، لأنها قد تنسب إلى الهند، (والناظرين
بأعين محمرة) صفة مدح، لأن الشجاع إذا غضب أحمرت عيناه (كالجمر غير كليلة الأبصار،
والبائعين نفوسهم،) بالنصب مفعول اسم الفاعل (لنبيهم،) أي لأجله، (للموت) صلة البائعين (يوم
تعانق وكرار،) أي التحام الحرب وكر بعضهم على بعض (يتطهرون، يرونه) يعتقدونه (نسكًا)
بضم النون، وإسكان السين المضمومة للوزن عبادة (لهم بدماء) متعلق بيتطهرون، أي يسيلون
دماء (من علقوا) به (من الكفار) على أبدانهم كإسالة المغتسل الماء على بدنه، ويرونه عبادة،
وسماه طهارة، لأنه سبب لإزالة الذنوب عنهم ورفع الدرجات، فأشبه الطهارة الحسية المزيلة
للأقذار المحسنة للبدن، وبعد هذا البيت عند ابن إسحق:
دربوا كما دربت ببطن خفية علب الرقاب من الأسود ضواري
وإذا حللت ليمنعوك إليهم أصبحت عند معاقل الاغفار
ضربوا عليًا يوم بدر ضربة دانت لوقتها جميع تزار
لو يعلم الأقوام علمي كله فيهم لصدقني الذين أماري
ومراده علي بن أمية بن خلف، كما مر في بدر (قوم إذا خوت النجوم،) بفتح الخاء

٦٤
هدم صنم طيء
قوم إذا خوت النجوم فإنهم للطارقين النازلين مقاري
وقد كان كعب بن زحمر من فحول الشعراء، وأبوه
المعجمة، والواو فتاء تأنيث.
قال الجوهري: أي سقطت ولم تمطر في نوئها وأخوت مثله انتهى. أي على زعمهم،
وكان ذلك في بدء إسلام كعب قيل أن يتفقه في الدين، (فانهم للطارقين النازلين مقاري) بفتح
الميم، والقاف جمع مقرأة، وهي الحفنة التي يوضع فيها الطعام للأضياف، قاله أبو ذر، وقال
الجوهري: إناء يقري فيه الضيف وبعد هذا البيت:
في الغر من غسان في جرثومة اعيت بحافرها على النقار
(وقد كان كعب بن زهير من فحول الشعراء) بحيث قال خلف الأحمر: لولا قصائد لأبيه
ما فضلته عليه، وقال له الحطيئة: اذكرني في شعرك، وقد مر أنه أتم للنابغة ما لولاه لهلك، وقد
رواها ابن جنى بسند له عن عاصم بن الحدثان قال: دخل النابغة على النعمان فقال:
تخف الأرض أن تفقدك يوما وتبقى ما بقيت بها ثقيلا
فنظر إليه النعمان نظر غضبان، وكان كعب بن زهير حاضرًا، فقال: أصلح اللَّه الملك أن
مع هذا بيتًا ضل عنه وهو:
لأنك موضع القسطاس منها فتمنع جانبيها أن تميلا
فضحك وأمر لهما بجائزتين، ورويت على وجه ثالث أيضًا.
قال ابن عبد البر من جید شعر کعب:
سعي الفتى وهو مخبوء له القدر
لو كنت أعجب من شىء لأعجبني
فالنفس واجدة والهم منتشر
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها
لا تنتهي العين حتى ينتهى الأثر
والمرء ما عاش ممدود له أمل
قال السهيلي ومن جيده قوله يمدحه عدّ له
تخدى به الناقة الأدماء معتجرًا بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم
ففي عطافيه أو أثناء بردته ما يعلم اللَّه من دين ومن كرم
(وأبوه) زهير من فحول الشعراء، بحيث قال يونس بن حبيب النحوي: أهل الحجاز لا
يعدلون بزهير أحدًا، وقد روى أبو عبيد القُسم بن سلام عن ابن عباس قال لي عمر بن الخطاب:
أنشدني لأشعر شعرائكم، قلت: ومن قال زهير، قلت: وكان كذلك، قال: كان يعاطل بين
الكلام، ولا يتبع حوشیه، ولا یمدح الرجل إلا بما فيه.
قال ابن سلام: قال أهل النظر: كان زهير أحسنهم شعرًا، وابعدهم من سخفه، وأجمعهم

٦٥
ثم غزوة تبوك
وابنه عقبة وابن ابنه العوام بن عقبة.
[ثم غزوة تبوك]
مكان معروف، وهي نصف طريق المدينة إلى دمشق.
لكثير من المعاني في قليل من المنطق، (وابنه عقبة) المعروف بالظرب، كما في الروض، (وابن
ابنه العوام بن عقبة،) وهو الذي يقول:
ألا ليت شعري هل تغير بعدنا ملاحة عيني أم عمرو وجيدها
وهل بليت أثوابها بعد جدة ألا حبذا أخلاقها وجديدها
ذكره في الروض، كجميع ما ساقه المصنف من أول قوله، وقد كان كعب إلى هنا،
وكان لكعب ابن أيضًا اسمه العوام، كما نقله في الإصابة، فسمي ابن ابنه باسم عمه، ولم يقف
عليه البرهان، فأبداه احتمالاً بعد توقفه في كون العوام ابن ابنه، وهو من مثله عجيب، والروض
في يده واللَّه أعلم.
ثم غزوة تبوك
بفتح، الفوقية وضم الموحدة مخففة لا ينصرف على المشهور.
قال النووي: وتبعه الحافظ: للتأنيث والعلمية ورد بأن علة منعه كونه على مثال الفعل،
کتفول والمذ کور والمؤنث في ذلك سواء.
وتصرف على إرادة الموضع في حديث كعب، ولم يذكرني عَ ◌ّه حتى بلغ تبوك.
قال الحافظ: بغير صرف للأكثر، وفي رواية تبوكا على إرادة المكان انتهى. وبه يرد قول
البرهان أنه بالصرف في جميع نسخ البخاري، وأكثر نسخ مسلم (مكان معروف،) قال الحافظ:
بينه وبين المدينة من جهة الشام أربع عشرة مرحلة، وبينه وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة، وكذا
قاله غيره، وتوقف فيه البرهان بأنه سارها مع الحجيج في اثنتي عشرة مرحلة ولا وقفة، لأنهم
جدوا في السير، (وهو نصف طريق المدينة إلى دمشق،) كما في الفتح ومراده على التقريب
بدليل ما تراه من ضبطه ما بينهما بالمراحل، وصريحه قدم تسمية المكان بذلك، ويوافقه قول
الفتح وقعت تسميتها بذلك في الأحاديث الصحيحة منها في مسلم أنكم ستأتون غدا عين تبوك،
وكذا أخرجه أحمد والبزار من حديث حذيفة، وقيل: سميت بذلك لقوله عَّه للرجلين اللذين
سبقاه إلى العين ما زلتما تبوكانها منذ اليوم.
قال ابن قتيبة: فبذلك سميت العين تبوك والبوك كالنقش، والحفر والحديث المذكور
رواه لملك ومسلم بغير هذا اللفظ عن معاذ أنهم خرجوا معه عَله، فقال: ((أنكم ستأتون غدًا إن

٦٦
ثم غزوة تبوك
وهي غزوة العسرة، وتعرف بالفاضحة لافتضاح المنافقين فيها.
وكانت يوم الخميس في رجب سنة تسع من الهجرة بلا خلاف، وذكر
البخاري لها بعد حجّة الوداع لعله خطأ من النساخ.
شاء اللَّه تعالى عين تبوك فمن جارها فلا يمس من مائها، فجئناها وقد سبق إليها رجلان والعين
مثل الشراك تبض بشىء من ماء، فذكر الحديث في غسل رسول اللَّه عَّه وجهه ويديه بشيء من
مائها، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس انتهى كلام الفتح.
قال الشامي: دل صريح هذا الحديث على أن تبوك اسم لذلك الموضع الذي فيه العين
المذكورة، والنبي عَّ قال هذا القول قبل أن يصلها بيوم، (وهي غزوة العسرة،) كما قاله
البخاري وغيره.
قال الحافظ: بمهملتين الأولى مضمومة، بعدها سكون، مأخوذ من قوله تعالى: ﴿الذين
اتبعوه في ساعة العسرة﴾ [التوبة: ١١٧]، وفي حديث الشيخين قول أبي موسى في جيش
العسرة، وهي غزوة تبوك.
عن ابن خزيمة عن ابن عباس قيل لعمر حدثنا عن شأن ساعة العسرة، قال: خرجنا إلى تبوك
في قيظ شديد، فأصابنا عطش الحديث، (وتعرف بالفاضحة لافتضاح المنافقين فيها،) بما نزل
فيهم من الآيات الدالة على كذبهم، كقوله تعالى: ﴿وقالوا لا تنفروا في الحر﴾ [التوبة: ٨١]
﴿ومنهم من يقول ائذن لي﴾ [التوبة: ٤٩]، ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب﴾
[التوبة: ٦٥]. ﴿لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ [التوبة: ٦٦].
وتفصيل ذلك يطول (وكانت يوم الخميس،) كما رواه البخاري والنسائي عن كعب بن
ملك: أنه عَِّ خرج يوم الخميس في غزوة تبوك، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس.
وفي رواية للبخاري أيضًا عنه قلما كان يخرج إذا خرج في سفر إلا يوم الخميس، زاد
النسائي جهاد أو غيره (في رجب سنة تسع مع الهجرة). قبل حجة الوداع (بلا خلاف،) زاد
الحافظ وعند ابن عائذ عن ابن عباس: أنها كانت بعد الطائف بستة أشهر، وليس مخالفًا لقول من
قال في رجب إذا حذفنا الكسور، لأنه عَّ دخل المدينة من رجوعه من الطائف في ذي الحجة.
(وذكر البخاري لها) وضعًا (بعد حجة الوداع) قال الحافظ: خطأ و (لعله خطأ من
النساخ،) وهي آخر مغازيه عَّه، كما رواه أحمد في حديث كعب ويونس في زيادات المغازي
من مرسل الحسن، وابن عقبة من مرسل الزهري، فلعل البخاري تعمد تأخيرها إشارة إلى ذلك،
ولم يفصح به لكونه ليس على شرطه، كما هو دأبه فيما هو كذلك، فختم بها كتاب المغازي
الذي ترجم به أوّلا.

٦٧
ثم غزوة تبوك
وكان حرا شديدًا، وجدبا كثيرًا، فلذلك لم يور عنها كعادته في سائر
الغزوات.
وفي تفسير عبد الرزاق، عن معمر عن ابن عقيل قال: خرجوا في قلة من
الظهر وفي حر شديد، حتى كانوا ينحرون البعير فيشربون ما في كرشه من الماء،
فكان ذلك عسرة في الماء وفي الظهر وفي النفقة، فسميت غزوة العسرة.
وسببها أنه بلغه عليه الصلاة
وذكر غير المغازي إنما هو تتميم، فاتكل على المعلوم من أنها قبلها، مع أنه لم يلتزم
ترتيبًا، هذا ما ظهر لي، فإن انقدح، وإلا فما البخاري بأولى بالخطأ مني، (وكان) زمن خروجه
(حرًّا شديدًا)، وعند ابن عقبة عن الزهري جدًا قيظًا شديدًا في ليالي الخريف (وجدبًا) بفتح الجيم،
وإسكان المهملة وموحدة قحطًا (كثيرًا، فلذلك لم يور) بشد الراء لم يستر ويكن (عنها)،
والتورية ذكر لفظ يحتمل معنيين أحدهما أقرب من الآخر، فيتوهم إرادة القريب، وهو يريد البعيد،
والمتكلم صادق، لكن الخلل وقع من فهم السامع، خاصة وأصله من ورى الإنسان، كأنه ألقى
البيان وراء ظهره، (كعادته في سائر) باقي (الغزاوت) التي قبل هذه لئلا يتفطن العدو، فيستعد
للدفع، كما رواه البخاري ومسلم في حديث كعب بن لملك قال: لم يكن عَّه يريد غزوة إلا
ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، غزاها في حر شديد واستقبل سفرًا بعيدًا، وغزا عدوًا كثيرًا،
فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوتهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، وللبخاري في الجهاد
عنه: كان عَّلِ قلما يريد غزوة إلا ورى بغيرها، ولا خلف بينهما بحمل القلة على النفي
المطلق، المنتهي إلى العدم للرواية الأولى خصوصًا، والمخرج متحد وجلي بشد اللام، كما قال
الزركشي، والحافظ، والدماميني، أي أظهر، وجوز الأخيران تخفيفها.
وزعم العيني أنه خطأ، (وفي تفسير عبد الرزاق،) ابن همام، الحافظ الثقة، الصنعاني
المشهور (عن) شيخه (معمر) بن راشد الأزدي مولاهم البصري، نزيل اليمن الحافظ، الثقة الثبت،
كلاهما من رجال الكتب الستة، (عن) عبد الله بن محمد (بن عقيل)، بفتح العين، وكسر القاف،
فنسبه لجده ابن أبي طالب الهاشمي أبي محمد المدني، أمه زينب بنت علي صدوق، مات بعد
الأربعين ومائة، (قال: خرجوا في قلة من الظهر) مع كثرتهم، (وفي حر شديد حتى كانوا
ينحرون البعير، فيشربون ما في كرشه من الماء) حتى أغاثهم اللَّه ببركته عَّله، كما يأتي،
(فكان ذلك عسرة) شدة (في الماء، وفي الظهر وفي النفقة، فسميت غزوة العسرة،) أي الشدة
والضيق.
(و) اختلف في سببها، فقال ابن سعد وشيخه الواقدي وغيرهما: (سببها أنه بلغه عليه الصلاة

٦٨
ثم غزوة تبوك
والسلام من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم تجمعت
بالشام مع هرقل. فندب عَّم الناس إلى الخروج وأعلمهم بالمكان الذي يريد،
ليتأهبوا لذلك.
وروى الطبراني من حديث عمران بن الحصين قال: كانت نصارى العرب
كتبت إلى هرقل: إن هذا الرجل الذي خرج يدعي النبوة هلك، وأصابتهم سنون
فهلكت أموالهم. فبعث رجلاً من عظمائهم وجهز معه أربعين ألفًا. فبلغ ذلك
النبي عٍَّ ولم يكن للناس قوة.
وكان عثمن قد جهز عيرا إلى الشام فقال: يا رسول الله، هذه مائتا بعير
بأقتابها وأحلاسها،
والسلام من الأنباط،) قال الحافظ: نسبة إلى استنباط الماء واستخراجه، ويقال: إن النبط ينسبون
إلى نبيط بن هانب بن أميم بن لاوذ بن سام بن نوح، (الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى
المدينة، أن الروم) جمع رومي، نسبة إلى جدهم روم بن عيص بن إسحق، وغلب عليهم اسم
أبيهم، فصار كاسم القبيلة، كما في النور، (تجمعت بالشام مع هرقل،) بكسر الهاء، وفتح الراء،
وسكون القاف على المشهور، ويقال: بكسر الهاء، والقاف وسكون الراء علم على قيصر
أعجمي، لا ينصرف للعلمية والعجمة، وبقية هذا القول، وأن هرقل رزق أصحابه لسنة، وأجلبت
معهم لخم وجذام وعاملة وغسان وغيرهم من منتصرة العرب، وجاءت مقدمتهم إلى البلقاء، ولم
يكن لذلك حقيقة، (فندب عَّ) لما بلغه ذلك (الناس إلى الخروج، وأعلمهم بالمكان الذي
يريد، ليتأهبوا لذلك،) أي يكونوا على أهبة وإعداد لما يحتاجونه في السفر والحرب.
(وروى الطبراني) بسند ضعيف في سببها (من حديث عمران بن حصين،) الخزاعي
الصحابي، ابن الصحابي (قال: كانت نصارى العرب كتبت إلى هرقل أن هذا الرجل الذي خرج
يدعي النبوّة هلك، وأصابتهم سنون) جمع سنة بالفتح قحط، (فهلكت أموالهم) أسقط كالفتح
من رواية الطيراني، فإن كنت تريد أن تلحق دينك فالآن، (فبعث) هرقل (رجلاً من عظمائهم)
يقال له قباذ، كما في نفس رواية الطبراني، كما في الفتح (وجهز معه أربعين ألفًا، فبلغ ذلك
النبي ◌َّهِ، ولم يكن للناس قوّة) قدرة على الذهاب لتلك الأرض، لفقد الظهر والنفقة، لا
الضعف كما هو ظاهر.
(وكان عثمن قد جهز عيرًا إلى الشام، فقال:) لما علم بذلك، وبحثه عَ لَه على النفقة
والحملان (يا رسول اللَّه هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها،) جمع حلس بكسر فسكون كساء

٦٩
ثم غزوة تبوك
ومائتا أوقية - يعني من ذهب - قال: فسمعته يقول: لا يضر عثمن ما عمل بعدها.
وروى عن قتادة أنه قال: حمل عثمن في جيش العسرة على ألف بعير
وسبعین فرسا.
تحت البرذعة (ومائتا أوقية، قال) عمران: (فسمعته) عَّه (يقول: ((لا يضر عثمن ما عمل بعدها))).
يحتمل أن نفي الضرر لعدم وقوع زلة فهو إشارة إلى أن اللَّه منعه منها ببركة إنفاقه في
سبيل اللَّه، وأنه صلح أن يغفر له ما عساه يكون ذنبًا إن وقع، ولا يلزم من الصلاحية وجوده وقد
أظهر اللَّه صدق رسوله، فإنه لم يزل على أعمال أهل الجنة حتى فارق الدنيا.
قال الحافظ وحديث عمران أخرجه الترمذي والحاكم من حديث عبد الرحمن بن خباب
بنحوه، وقيل سببها ما رواه أبو سعد في الشرف والبيهقي في الدلائل وابن أبي حاتم ويونس في
زيادات المغازي من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بني غنم أن اليهود قالوا: يا أبا القسم
إن كنت صادقًا فالحق بالشام فإنها أرض المحشر وأرض الأنبياء، فغزا تبوك لا يريد إلا الشام،
فلما بلغ تبوك أنزل اللَّه: ﴿وإن كادوا ليستغزونك من الأرض﴾ [الإسراء: ٧٦].
قال الحافظ: إسناده حسن مع أنه مرسل انتھی.
وقيل سببها أن اللَّه تعالى لما منع المشركين من قرب المسجد الحرام في الحج وغيره،
قالت قريش: لتقطعن عنا المتاجر والأسواق وليذهبن ما كنا نصيب منها، فعوضهم اللَّه بالأمر بقتال
أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: ٢٨] إلى قوله:
﴿وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩]، وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾
[التوبة: ١٢٣]، فعزم عَّه على قتال الروم، لأنهم أقرب الناس إليه» وأولاهم بالدعوة إلى الحق
لقربهم إلى الإسلام.
ابن مردويه عن ابن عباس وابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد وابن جرير عن سعيد بن
جبير ويحتمل أن السبب جملة الأربعة، فليس بينها تناف.
ذكر الواقدي أنه عَِّ حض على النفقة والحملان في سبيل اللّه، فجاءوا بصدقات كثيرة،
فكان أوّل من جاء أبو بكر الصديق بماله كله أربعة آلاف درهم، فقال عَّهِ: هل أبقيت لأهلك
شيئًا قال: أبقيت لهم اللَّه ورسوله، وجاء عمر بنصف ماله فسأله: (هل أبقيت لهم شيأ)) قال: نعم،
نصف مالي، وحمل العباس وطلحة وسعد بن عبادة، وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية
إليه عَّه، وتصدق عاصم بن عدي بسبعين وسقًا من تمر، وجهز عثمن ثلث الجيش حتى كان
يقال: ما بقيت لهم حاجة حتى كفاهم شنق أسقيتهم انتهى. وأقل ما قيل أنه ثلاثون ألفًا فيكون
جهز عشرة آلاف، وقال ابن إسحق أنفق عثمن في ذلك الجيش نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها.
(وروى عن قتادة أنه قال: حمل عثمن في جيش العسرة على ألف بعير وسبعين فرسًا.

٧٠
ثم غزوة تبوك
وعن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمن بن عفان بألف دينار في كمه
حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره عَّ ◌ُله، فرأيت رسول الله عَ لّه يقلبها في
حجره ويقول: ما ضر عثمن ما عمل بعد اليوم. خرجه الترمذي وقال: حسن
غريب.
وعند الفضائلي والملاء في سيرته، كما ذكره الطبري في الرياض النضرة
من حديث حذيفة: بعث عثمن - يعني في جيش العسرة - بعشرة آلاف دينار إلى
رسول الله عَّێ.
وعن عبد الرحمن بن سمرة) بن حبيب بن عبد شمس القرشي العبشمي أبي سعيد صحابي من
مسلمة الفتح، يقال: كان اسمه عبد كلال، إفتتح سجستان، ثم سكن البصرة، وبها مات سنة
خمسين، أو بعدها، روى له الستة (قال: جاء عثمن بن عفان رضي اللّه عنه بألف دينار في كمه
حين جهز جيش العسرة) بالبناء للمفعول.
وفي رواية أحمد حين جهز رسول اللَّه عَّل جيش العسرة (فنثرها،) وفي رواية فصبها (في
حجره عَبه).
قال عبد الرحمن (فرأيت رسول اللَّه عَّلم يقلبها في حجره ويقول: (ما ضر عثمن ما عمل
بعد اليوم»).
(أخرجه الترمذي: وقال حسن غريب)، ورواه الإمام أحمد والبيهقي أيضًا، (وعند الفضائلي
والملاء) قال الشامي في جماع فضائل أهل البيت بفتح الميم وشد اللام: عمر الموصلي كان
يملأ من بئر في جامع الموصل احتسابًا وكان إمامًا عظيمًا، ناسكًا، زاهدًا، وكان السلطان نور
الدین الشهید یشهر قوله ویقبل شفاعته انتهى.
فوهم من ظنه الملائي فزاده ياء تعلقًا بأن في اللب وغيره الملائي، بضم الميم وخفة اللام
والمد، نسبة إلى بيع الملاءة التي يلتحف بها النساء، فإن هذا من الرواة لا سيرة له، وقد قال
المصنف (في سيرته: كما ذكره الطبري في الرياض النضرة) في فضائل العشرة: وقد أبعد
النجعة بالعز، ولغير المشاهير فقد أخرجه ابن عدي أيضًا كلهم (من حديث حذيفة) بن اليمان
قال: (بعث عثمن،) ولفظ ابن عدي جاء عثمن (يعني في جيش العسرة بعشرة آلاف دينار إلى
رسول اللَّه عَلَّهُ).
قال الحافظ في المناقب بعد عزوه لابن عدي: سنده واه، ولعلها كانت بعشرة آلاف
درهم، فتوافق رواية ألف دينار انتهى. ولو صح أمكن أن الألف جاء بها والعشرة بعث بها لكن

٧١
ثم غزوة تبوك
فصبت بين يديه، فجعل عَ لَه يقول بيده ويقلبها ظهرًا لبطن ويقول: غفر الله لك يا
عثمن ما أسررت وما أعلنت، وما هو كائن إلى يوم القيامة، ما يبالي ما عمل
بعدها.
ولما تأهب رسول الله عَ ليه للخروج، قال قوم من المنافقين: لا تنفروا في
الحر، فنزل قوله تعالى: ﴿وقالوا لا تنفروا في الحر، قل نار جهنم .......
يمنع ذلك رواية ابن عدي بلفظ جاء المفيدة أن بعث من تعبير الرواة لإتحاد المخرج، (فصبت
بين يديه، فجعل عَّةِ يقول بيده)، أي يفعل بها، فقوله (ويقلبها) بيان للقول المذكور، والضمير
عائد للدنانير بدليل قوله في الرواية التي فوقها يقلبها في حجره والحديث يفسر بعضه بعضًا ظهرًا
لبطن)، أي ما ظهر منها لما بطن تعجبًا من كثرتها وسماحته بها في سبيل اللَّه.
هذا هو المتبادر، وقال شيخنا: أي يجعل بطن يده تارة إلى السماء، وظهرها إليها أخرى،
ولعله كان تارة يدعو برفع البلاء، فيجعل ظهرها إلى السماء، وتارة بطلب النصر، ونحوه فيجعل
بطنها ولك الترجيح، (ويقول: ((غفر اللَّه لك يا عثمن ما أسررت، وما أعلنت، وما هو كائن إلى
يوم القيامة ما يبالي ما عمل بعدها))،) بشارة عظيمة بأن اللَّه غفر له الذنوب، أي سترها عنه،
فمنعه منها ببركة دعائه له، ونفقته في سبيل اللَّه، فليس يبالي بما عمل إذ لا يقع منه إلاّ الخير.
وقال ابن هشام: حدَّثني من أثق به أن عثمن أنفق ألف دينار غير الإبل، والزاد وما يتعلق
بذلك، فقال عٍَّ: ((اللهم أرض عن عثمن فإني عنه راض))، ومعلوم أن الألف دينار غير الإبل
والزاد وما يتعلق بذلك.
وقد روى الطيالسي، وأحمد والنسائي عن الأحنف بن قيس: سمعت عثمن يقول لسعد بن
أبي وقاص، وعلي، والزبير وطلحة: أنشدكم اللَّه تعالى هل تعلمون أن رسول اللّه عَ لَّه قال: ((من
جهز العسرة غفر الله له فجهزتهم حتى ما يفقدون خطامًا ولا عقالاً. قالوا: اللهم نعم.
وروى عبد اللَّه في زوائد المسند والترمذي والبيهقي عن عبد الرحمن بن خباب بمعجمة
وموحدتين الأولى ثقيلة. قال: خطب عَّله، فحث على جيش العسرة فقال عثمن: علي مائة بعير
بأحلاسها وأقتابها، ثم نزل مرقاة أخرى من المنبر، ثم حث فقال عثمن: علي مائة بعير أخرى
بأحلاسها وأقتابها، ثم نزل مرقاة أخرى فحث، فقال عثمن: علي مائة بعير أخرى بأحلاسها
وأقتابها، قال: فرأيت رسول اللَّه عَّه يقول بيده، هكذا يحركها كالمتعجب ما على عثمن بعد
هذا اليوم، أو قال بعدها، (ولما تأهب مَِّ للخروج قال) كما رواه ابن إسحق عن شيوخه (قوم
من المنافقين:) بعضهم لبعض (لا تنفروا) تخرجوا إلى الجهاد (في الحر،) زهادة في الجهاد،
وشكًّا في الحق وإرجافًا بالرسول، (فنزل قوله تعالى: ﴿وقالوا لا تنفروا في الحر، قل نار جهنم

٧٢
ثم غزوة تبوك
أشد حرا لو كانوا يفقهون﴾ [التوبة/٨١].
وأرسل عليه الصلاة والسلام إلى مكة وقبائل العرب يستفزهم.
وجاء البكاؤون يستحملونه، فقال عليه الصلاة والسلام: لا أجد ما أحملكم
علیه. وهم:
أشد حرًّا﴾ من تبوك فالأولى أن تتقوها بترك التخلف (﴿لو كان يفقهون﴾)، يعلمون ذلك ما
تخلفوا، فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيرًا جزاء بما كانوا يكسبون، فأخبر عن حالهم بالضحك
القليل في الدنيا، ومقابله في الآخرة بصيغة الأمر.
وعند ابن عقبة والواقدي وغيرهما: أن قائل ذلك الجد، بفتح الجيم، وشد المهملة
ابن قيس لمن معه من بني سلمة وأنه القائل: ائذن لي ولا تفتني.
وقد روى الطبراني، وأبو نعيم، وابن مردويه، عن ابن عباس، وابن أبي حاتم وابن مردويه عن
جابر: لما أراد عَّهِ أن يخرج إلى تبوك قال لجد بن قيس: ((ما تقول في مجاهدة بني الأصفر))،
فقال إني امرؤ صاحب نساء ومتى أرى نساءهم، أفتتن فائذن لي، ولا تفتني، فأعرض عنه، وقال:
قد أذنا لك فأنزل الله: ﴿ومنهم من يقول إئذن لي﴾ [التوبة: ٤٩]
قال ابن إسحق: أي إن كان إنما خشي منهن، وليس ذلك به فما سقط فيه من الفتنة أكبر
بتخلفه عن رسول اللَّه، والرغبة بنفسه عن نفسه يقول وإن جهنم لمن ورائه. زاد الواقدي عن
شيوخه فجاءه ابنه عبد اللَّه وكان بدريا فلامه فقال: ما لي وللخروج في الريح والحر الشديد
والعسرة إلى بني الأصفر وأنا أخالفهم في منزلي، أفأغزوهم وإني عالم بالدوائر، فأغلظ له ابنه
وقال: لا والله ولكنه النفاق واللَّه لينزلن فيك قرآن، فضرب بنعله وجه ولده فانصرف ابنه
ولم یکلمه فنزلت الآية.
وروى ابن هشام عن عبد الله بن حارثة عن أبيه قال: بلغ رسول اللَّه عَِّ أن ناسًا من
المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يثبطون الناس عن تبوك، فبعث عَّهِ طلحة
ابن عبيداللّه في نفر وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم ففعل، واقتحم الضحاك بن خليفة من
ظهر البيت، فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه فأفلتوا، (وأرسل عليه الصلاة والسلام إلى مكة
وقبائل العرب يستفزهم، وجاء البكاؤون يستحملونه) يطلبون منه ما يركبون عليه، ويحملهم
وكلهم معسر ذو حاجة لا يحب التخلف عن الغزو معه، (فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا أجد ما
أحملكم عليه وهم) ، كما قال ابن عباس عند ابن جرير، وابن مردويه، وأبي نعيم، وابن إسحق،
عن شيوخه الزهري، وعاصم، ويزيد، وغيرهم، وابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي وعند كل
ما ليس عند الآخر.

٧٣
ثم غزوة تبوك
سالم بن عمير، وعلبة بن زيد، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب المازني،
والعرباض بن سارية، وهرم بن عبد الله، وعمرو بن عنمة، وعبد الله بن مغفل،
وعبد الله بن عمرو المزني، وعمرو بن الحمام،
وصرح ابن إسحق وطائفة بأنهم سبعة والمتحصل من الجميع ما سرده المصنف تبعًا
لمغلطاي وحسن منه تقديم خمسة اتفق عليهم من ذكر وهم: (سالم بن عمير)، ويقال: ابن عمرو
ويقال: ابن عبد اللّه، ويقال: ابن ثابت بن النعمان الأوسي، يقال في نسبه العمري، لأنه من بني
عمرو بن عوف، شهد العقبة وبدرا وما بعدهما ومات في خلافة مطوية.
ووقع عند ابن جرير، عن محمد بن كعب، وغيره في تسمية البکائین سالم بن عمير من
بني واقف، قال في الإصابة: فيحتمل أن يكون غير الأول انتهى.
(وعلبة،) بضم المهملة، وسكون اللام، وفتح الموحدة، وتاء تأنيث. (ابن زيد) بن
عمرو بن عوف الأنصاري، (وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب) بن عمرو بن عوف الأنصاري،
الأوسي، (المازني) من بني مازن بن النجار، شهد أحدًا وما بعدها، ومات في خلافة عمر.
(والعرباض،) بكسر المهملة، وسكون الراء، وموحدة، فألف، فمعجمة.
(ابن سارية) السلمي قديم الإسلام ومن أهل الصفة، مات بعد السبعين، وهو من البكائين
بإتفاق من ذكرت، وعليه الواقدي وابنا سعد، وحزم، وأبو عمرو (وهرم) بفتح الهاء، وكسر الراء
وميم آخره، ويقال: هرمي بياء بعد الميم وقدمه جماعة (ابن عبد الله) بن رفاعة الأنصاري
الواقفي، بقاف مكسورة، ثم فاء المدني، (وعمرو بن عنمة) بفتح المهملة والنون والميم وتاء
تأنيث ابن عدي الأنصاري، ذكره ابن عقبة وغيره في البكائين وأهل بدر وقول الإصابة، وكذا
ذكره ابن إسحق، أي في رواية عن زياد، فلا يخالف نقله في الفتح عنه من عدم عده في
البكائين، (وعبد الله بن مغفل) بضم الميم، وفتح المعجمة والفاء المشددة، ابن عبد نهم، بفتح
النون، وسکون الهاء ومیم.
المزني من مشاهير الصحابة شهد بيعة الرضوان، مات سنة تسع وخمسين، أو ستين، أو
إحدى وستين بالبصرة، عده في البكائين ابن عباس وابن عقبة وابن إسحق والقرظي.
وروى ابن سعد وغيره عنه قال: إني لأحد الرهط الذين ذكر الله ﴿ولا على الذين إذا ما
أتوك﴾ [التوبة: ٩٢].
(وعبد الله بن عمرو) بن هلال (المزني،) حكاه ابن إسحق قولاً بدل ابن مغفل.
ورواه ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي، وابن مردويه عن مجمع بن جارية.
(وعمرو) بفتح العين (ابن الحمام،) بضم الحاء المهملة، والتخفيف ابن الجموح

٧٤
ثم غزوة تبوك
ومعقل المزني، وحرمي بن مازن، والنعمان وسويد ومعقل وعقيل وسنان وعبد
الرحمن وهند
الأنصاري من بني سلمة، ذكره فيهم ابن إسحق والطبري والدولابي.
(ومعقل) بفتح الميم، وسكون المهملة، وكسر القاف، ولام، ابن يسار (المزني) بايع
تحت الشجرة، وهو الذي ينسب إليه نهر معقل بالبصرة حكى كونه منهم ابن سعد عن بعض
الروايات.
(وحرمى) بفتح المهملة، فراء، فميم اسم بلفظ النسب (ابن) عمر، ومن بني (مازن) انفرد
بعده في البكائين محمد بن كعب القرظي، كما انفرد بذكر عبد الرحمن بن زيد أبي عبلة. رواه
عنه ابن جرير، قال ابن سعد: وبعضهم يقول البكاؤن بنو مقرن السبعة، وهم من مزينة، فسردهم
المصنف، فقال: (والنعمان) بن مقرن ابن عائذ، صحابي مشهور روی له الستة، استشهد بنهاوند
سنة إحدى وعشرين، وهم من زعم أنه النعمان بن عمرو بن مقرن، فذاك تابعي، وهو ابن أخي هذا.
(وسويد) مقرن صحابي مشهور نزل الكوفة روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي
ويقع في النسخ والنعمان بن سويد، وهو خطأ، فالذي في نفس سيرة مغلطاي الذي هو ناقل عنه
بواو العطف.
(ومعقل) ابن مقرن المزني قال ابن حبان: له صحبة وقال البغوي: سكن الكوفة. وروى
عنه علێ أحاديث.
(وعقيل) بفتح أوّله ابن مقرن المزني ذكره البخاري في الصحابة، والواقدي فيمن نزل
الكوفة منهم.
(وسنان) بن مقرن أحد الأخوة، وقال ابن سعد: له صحبة وذكره غير واحد في الصحابة.
(وعبد الرحمن) بن مقرن بن عائذ المزني قال ابن سعد: له صحبة، ويقال: كان اسمه عبد
عمرو، فغيره عَّةٍ، وهذا سقط من الشامي لما عذبني مقرن سهوًا، أو من الناسخ.
(وهند) لم أرله ذكرًا في الصحابة نعم فيها عبد اللَّه بن مقرن المزني أحد الأخوة.
روی عنه مجد بن سیرین وعبد الملك بن عمیر، کذا قال ابن منده: ولم يخرج له شيئًا،
وله ذكر في الفتوح.
قال سيف في كتاب الردة: خرج أبو بكر يمشي وعلى ميمنته النعمان بن مقرن، وميسرته
عبد اللَّه بن مقرن، وعلى الساقة سويد بن مقرن، فما طلع الفجر إلاّ وهم والعدوّ في صعيد واحد،
فذكر قصة قتال أهل الردة انتهى.
وقد صرح في الشامية بأن السابع لم يسم، فقيل: اسمه عبد اللَّه، وقيل النعمان، وقيل

٧٥
ثم غزوة تبوك
بنو مقرن. وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا
ألاّ يجدوا ما ينفقون﴾ [التوبة: ٩٢] قاله مغلطاي.
وفي البخاري، عن أبي موسى قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله عَ ليه
أسأله الحملان لهم، فقلت يا نبي الله، إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم،
فقال: والله لا أحملكم على شىء، فرجعت
ضرار (بنو مقرن،) بضم الميم، وفتح القاف وكسر الراء الثقيلة.
قال الواقدي وابن نمير: كان بنو مقرن سبعة كلهم صحب النبي عَّ، قال أبو عمر: ليس
ذلك لأحد من العرب غيرهم.
قال الحافظ: وقد ذكر هو في ترجمة هند بن حارثة الأسلمي ما ينقض ذلك، وأخرج
الطبري من طريق عبد الرحمن بن معقل بن مقرن أن ولد مقرن كانوا عشرة، نزل فيهم: ﴿ومن الأعراب من
يؤمن بالله واليوم الآخر﴾، (وهم الذين قال الله تعالى فيهم): ﴿ولا على الذين إذا ما
أتوك لتحملهم﴾ [التوبة: ٩٢]، قلت: لا أجد ما أحملكم عليه، (﴿تولوا﴾) انصرفوا جواب إذا،
(﴿وأعينهم تفيض﴾) تسيل (﴿من الدمع حزنًا﴾) لأجل (﴿ألاّ يجدوا ما ينفقون﴾) في
الجهاد، (قاله مغلطاي) جامعًا ما تفرق في الأخبار، قال الشامي: وذكر الحاكم أن فيهم
حرمى بن المبارك بن النجار، وابن عائذ مهدي بن عبد الرحمن ولم أر لهما ذكرًا في كتب الصحابة.
قال ابن إسحق والواقدي: لما خرج البكاؤون من عنده عَّة، وقد أعلمهم أنه لا يجد ما
يحملهم عليه لقي يامين بن عمر، والنضري أبا ليلى وعبد اللَّه بن مغفل، وهما يبكيان فقال: ما
يبكيكما قالا: جئناه عَ ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه وليس عندنا ما نتقوى به على
الخروج، ونكره أن تفوتنا غزوة معه، فأعطاهما ناضحًا له، وزود كل واحد منهما صاعين من تمر.
زاد الواقدي: وحمل العباس منهم رجلين وعثمن ثلاثة بعدما جهز من الجيش.
(وفي البخاري) ومسلم، (عن أبي موسى) عبد اللَّه بن قيس الأشعري (قال: أرسلني
أصحابي إلى رسول اللَّه عَّ أسأله الحملان لهم،) بضم الحاء المهملة وسكون الميم، أي
الشىء الذي يركبون عليه ويحملهم، قاله الحافظ وغيره، (فقلت: يا نبي الله إن أصحابي
أُرسلوني إليك لتحملهم، فقال: والله لا أحملكم على شىء).
زاد مسلم والبخاري في رواية: وما عندي ما أحملكم عليه، وأسقط من البخاري ومسلم
ما لفظه ووافقته وهو غضبان، ولا أشعر من شىء آخر قبل مجيئه لقوله: وافقته وقوله: لا أشعر
فكأن غضبه حمله على القسم، وفيه انعقاد اليمين في الغضب، (فرجعت) إلى أصحابي حال

٧٦
ثم غزوة تبوك
حزينا من منع النبي عَّةِ، ومن مخافة أن يكون النبي عَّه وجد في نفسه علي
فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم الذي قال النبي عَّهِ. فلم ألبث إلا سويعة إذ
سمعت بلالا ينادي: أين عبد الله بن قيس، فأجبته، فقال: أجب رسول الله عَ ليه
يدعوك. فلما أتيته قال: خذ هاتين القرينتين، وهاتين القرينتين لستة أبعرة ابتاعهن
حينئذٍ من سعد،
كوني (حزينًا من منع النبي عَّة) أن يحملنا (ومن مخافة أن يكون النبي عَّله) غضب (في نفسه
علي، فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بالذي قال النبي ◌َّله، فلم ألبث) بفتح الهمزة
والموحدة، بينهما لام ساكنة آخره مثلثة (إلاّ سويعة) بضم السين المهملة، وفتح الواو مصغر
ساعه، وهي جزء من الزمان، أو من أربعة وعشرين جزأ من اليوم والليلة.
قاله المصنف وجزم الشامي بالأول (إذ سمعت بلالاً ينادي أين عبد اللَّه) رواية أبي ذر
ولغيره، أي عبد اللَّه (بن قيس، فأجبته فقال: أجب رسول اللَّه عَ لَّم- يدعوك.) خبر رسول، أو حال،
فرسول منصوب بأجب، (فلما أتيته قال: ((خذ هذين القرينين) تثنية قرين. قال الحافظ: أي
التحملين المشدودين أحدهما إلى الآخر وقيل: النظيرين المتساويين (وهذين القرينين،) ولأبي ذر
عن غير المستملي وهاتين القرينتين، أي الناقتين فذكر، ثم أنث، فالأولى على أرادة البعير والثانية
على إرادة الاختصاص لا الوصفية انتهى.
وقال المصنف والشامي: ولأبي ذر عن الحموي والمستملي هاتين القرينتين، وهاتين
القرينتين، أي الناقتین.
قال الحافظ: وهو إما اختصار من الراوي، أو كانت الأولى اثنين والثانية أربعة، لأن القرين
بصدق على الواحد وعلى الأكثر فلا يخالف قوله (لستة أبعرة).
وتقدم، أي في البخاري في قدوم الأشعريين أنه عَّ أمر لهم بخمس ذود، فأما تعددت
القصة، أو زادهم على الخمس واحدًا انتهى.
وللبخاري أيضًا بثلاثة ذود وجمع بأنها باعتبار ثلاثة أزواج والأبعرة جمع بعير يقع على
الذكر والأثنى، فهو جار على كل من رواية التذكير والتأنيث (ابتاعهن).
قال الحافظ في رواية الكشميهني: ابتاعهم، وكذا انطلق بهن في روايته بهم، والصواب ما
عند الجماعة، لأنه جمع ما لا يعقل (حينئذ من سعد) لم يتعين لي من هو سعد إلى الآن، إلاّ أنه
بهجس في خاطري أنه سعد بن عبادة انتھی.
ففي قول المصنف قيل: هو ابن عبادة وقفة، وفي قدوم الأشعريين، فحلف أن لا يحملنا، ثم
لم يلبث عَّ أن أتى بنهب إبل، فأمر لنا بخمس ذود، ولم ينبه الحافظ على الجمع بين الروايتين.

٧٧
ثم غزوة تبوك
فانطلق بهن إلى أصحابك فقل: إن الله، أو إن رسول الله يحملكم على هؤلاء
فاركبوهن. الحديث.
وقام علبة بن زيد، فصلى من الليل وبكى وقال: اللهم إنك قد أمرت
بالجهاد ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك، وكم تجعل في
يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني
فيها، مال أو جسد أو عرض. ثم أصبح مع الناس. فقال عٍَّ: أين المتصدق بهذه
الليلة؟ فلم يقم أحد،
قال الشامي: فيحتمل أن يكون ما جاء من النهب أعطاه لسعد، ثم اشتراه منه لأجل
الأشعريين، أو يحمل على التعدد (فانطلق) بكسر اللام، والجزم على الأمر، قاله المصنف بناء
على قول الكوفيين الأمر مجزوم، أو مسامحة، ومراده على صورة المجزوم بناء على قول البصرة
مبني (بهن).
وللكشميهني بهم بالميم والصواب الأولى، كما علم (إلى أصحابك، فقل إن اللَّه، أو إن
رسول اللَّه عَ ليه يحملكم على هؤلاء) الأبعرة (فاركبوهن)) الحديث.) بقيته فانطلقت إليهم بهن،
فقلت إن النبي عَّه يحملكم على هؤلاء الأبعرة، ولكني واللَّه لا أدعكم حتى ينطلق معي
بعضكم إلى من سمع مقالة رسول اللَّه عَّه، لا تظنوا أني أحدثتكم شيئًا لم يقله رسول اللَّه عَ ليه
فقالوا: إنك عندنا بالمصدق، ولنفعلن ما أحببت، فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتى أتوا الذين
سمعوا قول رسول الله عێے ومنعه إياهم، ثم أعطاهم بعد، فحدثوهم بمثل ما حدثهم به أبو موسى،
(وقام علبة بن زيد) أحد البكائين المذكورين، (فصلى من الليل) ما شاء اللَّه (وبكى،) لفظ
الرواية، ثم بكى (وقال: اللهم إنك قد أمرت بالجهاد ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى
به مع رسولك، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدق على كل مسلم
بكل مظلمة أصابني) المسلم (فيها) في المظلمة (مال) بالجر بدل من مظلمة، ولفظ الروض
أصابني بها في مال (، أو جسد، أو عرض) بأن أعفو عنه والغالب أن لا يخلو أحد من ظلم غيره
له في شىء ما وبفرض أن لا ظلامة فهو مثاب على قصده الرأفة بالمسلمين.
وفي حديث أبي عبس: ولكني أتصدق بعرضي من آذاني، أو شتمني، أو لمزين فهو له
حل (، ثم أصبح مع الناس، فقال عَّةٍ:) وفي حديث عمرو بن عوف فأمر علم مناديًا فنادى
((أين المتصدق بهذه الليلة))، فلم يقم أحد ثم قال: ((أين المتصدق))، فلم يقم أحد) وكأنه ولو
علم بالوحي لم يبين له خصوصه، كأنه قيل له: أن رجلاً من أصحابك تصدق الليلة بكذا، أو

٧٨
ثم غزوة تبوك
ثم قال: أين المتصدق بهذه الليلة؟ فلم يقم أحد، ثم قال أين المتصدق فليقم،
فقام إليه فأخبره، فقال ◌َّ له: أبشر فوالذي نفس محمد بيده لقد كتبت في الزكاة
المقبلة. رواه يونس كما ذكره السهيلي في الروض له، والبيهقي في الدلائل.
وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم في التخلف، فأذن لهم، وهم اثنان
وثمانون رجلا.
وقعد آخرون من المنافقين بغير عذر وإظهار علة،
علم وأراد إذاعة فضله، ثم قال: ((أين المتصدق فليقم)))، زاد في الروض ولا يتزاهد ما صنع
هذه الليلة انتهى.
وكان علبة أراد خفاء عمله، فلم يقم في المرتين حتى أمره فلم يسعه إلاّ امتثاله، (فقام
إليه، فأخبره فقال ◌َّله: ((أبشر فوالذي نفس محمد بيده،) أقسم له ليزيد مسرته، ويدفع كربته
(لقد كتبت) بالبناء للمفعول، أي صدقتك (في) عداد (الزكاة المتقبلة))،) فثوابها كثوابها.
(رواه يونس) عن ابن إسحق (، كما ذكره السهيلي في الروض،) بلا سند، (والبيهقي
في الدلائل له) قال في الإصابة: وقد ورد موصولاً من حديث مجمع بن جارية، ومن حديث
عمرو بن عوف عند ابن أبي الدنيا وابن شاهين.
ومن حديث علبة نفسه عند البزار قال: حث ◌َّ على الصدقة، فذكره قال البزار: علبة
هذا مشهور من الأنصار ولم نعلم له غير هذا الحديث.
ومن حديث أبي عبس، بفتح فسكون ابن جبير عند الخطيب انتهى ملخصًا.
(وجاء المعذرون) جمع معذر بشد الذال.
قال البيضاوي: أما من عذر في الأمر إذا اقصر فيه موهمًا أن له عذرًا ولا عذر له، أو من
اعتذر إذا شهد العذر بإدغام التاء في الذال ونقل حركتها إلى العين، ويجوز كسر العين لالتقاء
الساكنين، وضمها للأتباع لكن لم يقرأ بهما، وقرأ يعقوب المعذرون من أعذر إذا اجتهد في
العذر (من الأعراب) إلى النبي عَّه (ليؤذن لهم في التخلف،) وتعللوا بالجهد وكثرة العيال،
(فأذن لهم) في التخلف، ولكن لم يعذرهم، كما قال ابن إسحق وغيره، أي لم يقبل عذرهم
لكذبهم فيه (وهم) ، كما قال ابن سعد وشيخه: (اثنان وثمانون رجلاً) من بني غفار، وفي
البيضاوي يعني أسد وغطفان، وقيل: هم رهط عامر ابن الطفيل، قالوا: إن غزونا معك اغارت
طيء على أهالينا ومواشينا.
(وقعد آخرون من المنافقين بغير عذر) في نفس الأمر، (و) بغير (إظهار علة) للنبي عَّ،

٧٩
ثم غزوة تبوك
جرأة على الله ورسوله وهو قوله تعالى: ﴿وقعد الذين كذبوا الله ورسوله﴾ [التوبة: ٩٠].
واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة. قال الدمياطي: وهو عندنا أثبت
ممن قال استخلف غيره. انتهى.
وقال الحافظ زين الدين العراقي، في ترجمة علي بن أبي طالب من شرح
التقريب: لم يتخلف عن المشاهد إلا تبوك، فإن النبي عَّةٍ خلفه على المدينة،
وعلى عياله، وقال يومئذٍ: أنت مني بمنزلة لهرون من موسى
(جراءة) بفتح الجيم والراء، كضخامة (على اللَّه ورسوله،) لعدم مبالاتهم بهما لكفرهم (، وهو
قوله تعالى: ﴿وقعد الذين كذبوا اللَّه ورسوله﴾ [التوبة: ٩٠]، في إدعاء الإيمان من منافقي
الأعراب عن المجيء للاعتذار.
(واستخلف على المدينة) فيما قال ابن هشام (محمد بن مسلمة) الأنصاري.
(قال الدمياطي:) تبعًا للواقدي، (، وهو عندنا أثبت ممن) ، أي من قول من قال، أو قائل
استخلافه أثبت ممن (قال استخلف غيره) عليًا، أو سباعًا، أو ابن أم مكتوم (انتهى.) كلام
الدمياطي وهو في هذا الترجيح تابع لقول الواقدي الثبت عندنا محمد بن مسلمة، (و) لكن (قال
الحافظ زين الدين العراقي في ترجمة علي بن أبي طالب من شرح التقريب، لم يتخلف)
علي (عن المشاهد) كلها، بل حضرها معه عَّه وخيبر، وإن تخلف في ابتدائها العذرة فقد
حضر معظمها بحيث كان الفتح على يديه (إلاّ تبوك، فإن النبي عَِّ خلفه على المدينة) ،
كما رواه عبد الرزاق في مصنفه بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص، ولفظه أن رسول اللَّه عَلَّه.
لما خرج إلى تبوك استخلف على المدينة علي ابن أبي طالب (و) خلفه أيضًا (على عياله،)
فقال: يا علي اخلفني في أهلي وأضرب وخذ وعظ، ثم دعا نساءه فقال: ((اسمعن لعلي وأطعن)).
رواه الحاكم في الأكليل من مرسل عطاء بن أبي رباح، وأخرج ابن إسحق عن سعد ابن
أبي وقاصٍ خلف عَّه عليًا على أهله وأمره بالإقامة فيهم فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلفه
إلاَّ استثقالاً له وتخففًا فأخذ علي سلاحه، ثم أتى رسول اللَّه عَّهِ، وهو نازل بالجرف، فقال: يا
نبي اللّه زعم المنافقون أنك إنما خلفتني، لأنك استثقلتني وتخففت مني، فقال: كذبوا ولكن
خلفتك لما تركت ورائي فأرجع في أهلي وأهلك، أفلا ترضي يا علي أن تكون مني بمنزلة لهرون
من موسى، إلاّ أنه لا نبي بعدي))، فرجع إلى المدينة ومضى عَّ على سفره، (وقال يومئذ:) ،
أي زمن استخلافه لما تراه أن قوله له لما لحقه بالجرف، فأراد باليوم القطعة من الزمن («أنت
هني،) وفي رواية لهما أيضًا، أما ترضى أن تكون مني (بمنزلة لهرون من موسى).

٨٠
ثم غزوة تبوك
إلا أنه لا نبي بعدي. وهو في الصحيحين من حديث سعد ابن أبي وقاص. انتهى.
ورجحه ابن عبد البر.
قال الطيب: مني خبر المبتدأ ومن اتصالية ومتعلق الخبر خاص والباء زائدة، كما في قوله
تعالى: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به﴾ [البقرة: ١٣٧]، أي فإن آمنوا إيمانًا مثل إيمانكم يعني
أنت متصل ونازل مني منزلة لهرون من موسى وفيه تشبيه، ووجه الشبه مبهم بينه بقوله، ((إلا أنه
لا نبي بعدي)).) فعرف أن الإتصال المذكور بينهما ليس من جهة النبوة، بل من جهة ما دونها
وهي الخلافة، ولما كان لهرون المشبه به إنما كان خليفة في حياة موسى، دل ذلك على
تخصيص خلافة علي له عَّ بحياته انتهى. يعني فلا حجة فيه للشيعة في أن الخلافة لعلي، وأنه
أوصى له بها، وكفرت الروافض جميع الصحابة، بتقديم غيره، وزاد بعضهم فكفر عليًا لكونه لم
يقم بطلب حقه، ولا حجة لهم في الحديث، ولا متمسك لهم به، لأنه إنما قال هذا حين
استخلفه بالمدينة في هذه الغزوة.
قال المصنف وغيره: ويؤيده أن لهرون المشبه به لم يكن خليفة بعد موسى، لوفاته قبله
بنحو أربعين سنة انتهى. ومر في أحد قولي البيضاوي: الأكثر أن موسى مات قبله بسنة، وقول
النور: بنحو خمسة أشهر، (وهو) ، أي كونه خلفه على المدينة وعلى عياله معًا ظاهر ما (في
الصحيحين) البخاري هنا، وفي المناقب ومسلم في الفضائل، والنسائي وابن ماجه كلهم (من
حديث سعد ابن أبي وقاص)، ولفظه أن رسول الله عَ ليه خرج إلى تبوك، واستخلف عليًا، فقال:
أتخلفني في الصبيان والنساء، قال: ((ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة لهرون من موسى، إلاّ أنه لا
نبي بعدي).
زاد أحمد فقال علي: رضيت، ثم رضيت، ثم رضيت، فقوله: استخلف عليًا ظاهر في أنه
على المدينة، وتأيد هذا الظاهر بورود هذه اللفظة في نفس حديث سعد في مصنف عبد الرزاق،
والروايات يفسر بعضها بعضًا، لا سيما والمخرج متحد، ومن ثم جزم الحافظ العراقي الذي
(انتهى).
كلامه بعزوه لهما استخلافه على المدينة، (ورجحه) الإمام الحافظ (ابن عبد البر،) وتبعه
الحافظ ابن دحية، وقطع به المصنف في شرح البخاري، لأن ما في أرفع الصحيح لا معدل عنه،
وأما الدمياطي فقد مر عنه أنه كان لما ألف السيرة سيريًا محضًا، يتبعهم ولو خالف الأحاديث
الصحيحة، فتبع هنا الواقدي في ترجيحه، ثم العجب من الشارح أخذ ترجمة الشامي من
استخلفه على أهله، ومن استخلفه على المدينة، وأتى بصدر كلامه فقط، وزعم أنه ظاهر
حديث البخاري. وقضى على المصنف بالتسمح، فإنه خلفه على أهله لكن لقربه منه وعظم أمره