النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
غزوة حنين
وفي حديث سهل ابن الحنظلية - عند أبي داود بإسناد حسن - أنهم ساروا
مع رسول الله عَّله فأطنبوا السير، فجاء رجل فارس فقال: إني انطلقت من بين
أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، وإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم، بظعنهم
ونعمهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين، فتبسم عَّه وقال: تلك غنيمة المسلمين غدا،
إن شاء الله تعالى ..
سمع، وعلم ما قد أجمعوا، عليه من حربه معَ له، وسمغ من لملك وأمر هوازن، وما هم عليه.
وعند الواقدي أنه انتهى إلى خباء ملك، فيجد عنده رؤساء هوازن، فسمعه يقول لأصحابه:
إن محمدًا لم يقاتل قومًا قط قبل هذه المرة، وإنما كان يلقي قومًا أغمارا لا علم لهم بالحرب،
فيظهر عليهم، فإذا كان السحر، فصفوا مواشيكم، ونساءكم، وأبناءكم من ورائكم، ثم صفوا، ثم
تكون الحملة منكم، واكسروا جفون سيوفكم، فتلقوله بعشرين ألف سيف مكسورة الجفون،
واحملوا حملة رجل واحد، واعلموا أن الغلبة لمن حمل أوَّلاً، فأقبل حتى أتاه عَ لِّ، فأخبره
الخبر، فقال لعمر: ((ألا تسمع ما يقول))، فقال: كذب، فقال ابن أبي حدرد: لئن كذبتني يا عمر
ربما كذبت بالحق، فقال عمر: ألا تسمع ما يقول، فقال عَّله: ((قد كنت ضالاً فهداك اللَّه))، وقوله
بعشرین الف سیف صواب، ويأتي تحقیقه قریبا.
(وفي حديث سهل ابن الحنظلية،) هي أمه، أو جدته، أو أم جده، واسم أبيه الربيع، أو .
عبيد، أو عمر بن عدي، وهو الأشهر بن زيد بن جشم الأنصاري الأوسي.
قال البخاري: صحابي بايع تحت الشجرة، وكان عقيمًا، لا يولد له، وقال غيره: شهد
المشاهد إلاَّ بدرًا، توفي في صدر خلافة معوية، قاله في الاصابة ملخصًا، ووقع في نسخ
سعد ابن الحنظلية، وهو خطأ، فالذي في الفتح وغيره سهل، وهو الذي (عند أبي داود بإسناد
حسن، أنهم ساروا مع رسول اللَّه عَّه) يوم حنين، (فأُطنبوا السير،) بالغوا فيه حتى كان عشيته،
حضرت صلاة الظهر عند رسول اللَّه عَ له، (فجاء رجل فارس،) قال الحافظ: هو عبد الله بن أبي
حدرد، كما دل عليه حديث جابر عند ابن إسحق، يعني الحديث المتقدم، (فقال إني انطلقت
من بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، وإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم) بفتح الموحدة،
وسكون الكاف، قاله ابن الأثير، وتبعه غيره، فهو الرواية هنا، وان كان فتح الكاف لغة، (بظعنهم،
ونعمهم، وشائهم،) جمع شاة، (اجتمعوا إلى حنين، فتبسم عَ ◌ّه، وقال: «تلك غنيمة المسلمين
غدًا إن شاء اللَّه تعالى))،) وهذا صنعه اللَّه لرسوله، وان كان قد غيب ذلك على لملك بن عوف،
فعند ابن إسحق وغيره، أن هوازن لما إجتمعت على حرب المصطفى، سألت «ريد بن الصمة
الزياسة عليها، فقال: وما ذاك، وقد عمي بصري، وما أستمسك على ظهر الفرس، أي لأنه بلغ

٥٠٢
غزوة حنين
وقوله عن بكرة أبيهم: كلمة للعرب، يريدون بها الكثرة وتوفر العدد، وليس
هناك بكرة في الحقيقة، وهي التي يستقى عليها الماء، فاستعيرت هنا.
مائة وعشرين، أو وخمسين، أو وسبعين سنة، أو قارب المائتين، قال: ولكن أحضر معكم لأشير
عليكم رأيي، بشرط أن لا أخالف، فإن ظننتم، إني مخالف، أقمت، ولم أخرج، فقالوا: لا
نخالفك، وجاءه ملك، وكان جماع أمرهم إليه، فقال له: لا نخالفك فيما تراه، فقال: تريد أنك
تقاتل رجلا كريمًا، قد أوطأ العرب، وخافته العجم ومن بالشام، وأجلى يهود الحجاز، إما قتلاً وإما
خروجًا عن ذل وصغار، ويومك هذا الذي تلقى فيه محمدًا، ما بعده يوم، قال لملك: إني لأطمع
أن ترى ما يسرك، قال دريد: منزلي حيث ترى، فإذا جمعت الناس رست إليك.
فلما خرج لملك بالظعن والأموال، وأقبل دريد، قال للملك: ما لي أسمع بكاء الصغير،
ورغاء البعير، ونهاق الحمير، وخوار البقر، قال: أردت أن أجعل خلف كل إنسان أهله وماله،
يقاتل عنهم، فانتقص به دريد، وقال: راعي ضأن، واللَّه ماله وللحرب، وصفق بإحدى يديه على
الأخرى تعجبًا، وقال: هل يرد المنهزم شىء، إنها إن كانت لك لم ينفعك إلاَّ رجل بسيفه
ورمحه، وإن كانت عليك، فضحت في أهلك ومالك، إنك إن لم تصنع بتقديم بيضة هوازن إلى
نحور الخيل، فارفع الأموال، والنساء، والذراري إلى ممتنع بلادهم، ثم ألق القوم على متون
الخيل، والرجال بين أصناف الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك
ألفاك، وقد أحرزت أهلك ومالك. فقال لملك: واللَّه لا أفعل، ولا أغير أمرًا فعلته، إنك قد كبرت،
و کبر عقلك، فغضب دريد، وقال: يا معشر هوازن ما هذا برأي، إن هذا فاضحكم في عورتكم،
وممکن منکم عدۆ کم، ولاحق بحصن ثقیف وتار ککم، فانصرفوا وتر کوه، فسل ملك سیفه،
وقال: إن لم تطيعوني لاقتلن نفسي، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي، فمشى بعضهم إلى
بعض، فقالوا: لئن عصیناه لیقتلن نفسه وهو شاب، ونبقی مع دريد وهو شیخ کبیر، لا قتال معه،
فاجمعوا رأيكم مع لملك، فلما رأى دريد أنهم خالفوه قال:
يا ليتني فيها جذع أخب فـيـهـا وأضع
أقود وطفاء الزمع كأنها شاة صدع
وطفاء بفتح الواو، وسكون المهملة، وبالفاء، والمد، والزمع بفتح الزاي، والميم، ومهملة،
صفة محمودة في الخيل، (وقوله عن بكرة أبيهم كلمة للعرب يريدون بها الكثرة، وتوفر العدد،)
وأنهم جاءوا جميعاً، لم يتخلف منهم أحد، (وليس هناك بكرة في الحقيقة، وهي التي يستقي
عليها الماء، فاستعيرت هنا،) أي استعملت، لا المعنى الاصطلاحي، وكان المراد أن اجتماع
بني أب على بكرة أبيهم التي يستقي بها، يلزمها الكثرة عرفاً، فأطلق العبارة مريدًا لازمها، وهو

٥٠٣٠
غزوة حنين
وقوله: بظعنهم: أي بنسائهم، واحدها ظعينة، وأصل الظعينة الراحلة التي
ترحل ويظعن عليها، أي يسار، وقيل للمرأة ظعينة لأنها تظعن مع زوجها حيثما
ظعن، ولأنها تحمل على الراحلة إذا ظعنت. وقيل الظعينة: المرأة التي في الهودج،
ثم قيل للمرأة بلا هودج، وللهودج بلا امرأة ظعينة. انتهى.
وروى يونس بن بكير، في زيادة المغازي عن الربيع قال: قال رجل يوم
حنین
مطلق الكثرة، (وقوله بظعنهم) بضم الظاء المعجمة، والعين المهملة، (أي بنسائهم واحدها ظعينة،
وأصل الظعينة)، يقال (للراحلة التي ترحل ويطعن عليها، أي يسار، وقيل للمرأة،) أي
سميت، (لأنها تظعن،) ترحل (مع زوجها، حيثما ظعن، ولأنها تحمل على الراحلة إذا ظعنت،)
فهي من تسمية المحمول باسم الحامل، (وقيل الظعينة المرأة التي في الهودج، ثم قيل للمرأة
بلا هودج، وللهودج بلا امرأة ظعينة انتهى.)
وبقية حديث سهل ابن الحنظلية، ثم قال عَّة: ((من يحرسنا الليلة))، قال أنس بن أبي
مرثد: أنا يا رسول اللَّه، قال: ((فاركب))، فركب فرسًا له، وجاء إلى رسول اللَّه عَّه، فقال له:
(استقبل هذا الشعب حتى تكون في اعلاه، ولا نغرن من قبلك الليلة))، فلما أصبحنا خرج عَّيه
إلى مصلاه، فركع ركعتين، ثم قال: ((هل أحسستم فارسكم)) قالوا ما أحسسناه، فوثب بالصلاة،
فجعل عَّ يصلي، وهو يلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى صلاته وسلم، قال: ((أبشروا، فقد
جاءكم فارسكم))، فجعل ينظر إلى خلال الشجر في الشعب، فإذا هو قد جاء حتى وقف عليه،
فقال: إني انطلقت حتى إذا كنت في أعلى هذا الشعب، حيث أمرني طَّ فلما أصبحت طلعت
الشعبين كلاهما، فنظرت، فلم أر أحدًا، فقال عَّله: ((هل نزلت الليلة))، قال: لا إلاَّ مصيبًا أو
قاضي حاجة، فقال له: ((قد أوجبت، فلا عليك أن تعمل بعدها)).
رواه أبو داود، والنسائي، ونغرن بضم النون، وفتح المعجمة، وشد الراء.
(وروى يونس بن بكير) بن واصل الشيباني، أبو بكر الكوفي، الصدوق، الحافظ، عن ابن
إسحق وهشام وخلف، وعنه ابن معين، وغيره مات سنة تسع وتسعين ومائة، (في زيادة
المغازي») لشيخه ابن إسحق أي فيما زاده على ما رواه عنه، (عن الربيع) بن أنس البكري أو
الحنفي البصري، صدوق له أوهام.
روى له الأربعة مات سنة أربعين ومائة أو قبلها، (قال: قال رجل يوم حنين) هو غلام من
الأنصار، كما في حديث أنس عن البزار، وقيل: هو مسلمة بن وقش، وقيل: هو رجل من بني بكر.

٥٠٤
غزوة حنين
لن نغلب اليوم من قلة، فشق ذلك على النبي عَ لَّه.
ثم ركب معَ ◌ّله بغلته البيضاء ((دلدل)) لطيفة
حكاه ابن إسحق: (لن نغلب اليوم من قلة، فشق ذلك على النبي عَّله)) لأن ظاهره
الافتخار بكثرتهم والإخبار بنفي الغلبة لانتفاء القلة، فكأنه قال: سبب الغلبة القلة، ونحن كثير فلا
تغلب، كما روى الحاكم وصححه، وابن المنذر وابن مردويه وغيرهم عن أنس، لما اجتمع يوم
حنين أهل مكة وأهل المدينة أعجبتهم كثرتهم، فقال القوم: اليوم واللَّه نقاتل حين اجتمعنا،
فكره مَُّ ما قالوا وما أعجبهم من كثرتهم، ووقع عند ابن إسحق: حدثني بعض أهل مكة أن
رسول اللَّه عَ له قال حين رأى كثرة من معه من جنود اللَّه تعالى: ((لن نغلب اليوم من قلة)، قال
الشامي والصحيح: ان قائل ذلك غيره عَّةٍ.
وروى الواقدي عن سعيد بن المسيب أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول اللَّه لن نغلب اليوم
من قلة، وبه جزم ابن عبد البر انتهى، وعلى فرض صحة أن المصطفى عَّ قاله أو الصديق،
ليس المراد الافتخار، بل التسليم للَّه، فالمقصود نفي القلة لا نفي الغلبة، أي إن غلبنا فليس
دجل القلة، بل من اللَّه الذي بيده النصر والخذلان، كما أفاد ذلك الطيبي في حواشي الكشاف،
فقال: هذا مثل قوله تعالى: ﴿لم يخروا عليها صما وعميانا﴾ [الفرقان: ٧٣] الآية، في أن قوله لم
یخروا لیس نفیا للخرور، إنما هو إثبات له ونفي للصمم والعمى، کذلك لن نغلب ليس نفيًا
للمغلوبية، وإنما هو إثبات ونفي للقلة، يعني متى غلبنا، كان سببه عن القلة، هذا من حيث
الظاهر، ليس كلمة إعجاب، لكنها كناية عنها، فكأنه قال: ما أكثر عددنا، (ثم ركب عَّه بغلته
البيضاء دلدل).
قال الحافظ في الفتح: كذا عند ابن سعد، وتبعه جماعة ممن صنف في السير، وفيه نظر
لأن دلدل أهداها له المقوقس، وقد روى مسلم عن العباس: انه عَّ كان على بغلة له بيضاء،
أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، وله عن سلمة، وكان على بغلته الشهباء.
قال القطب الحلبي: يحتمل أن يكون يومئذ ركب كلاً من البغلتين، إن ثبت أنها كانت
صحيته، إلاَّ فما في الصحيح أصح، وأغرب النووي، فقال: البيضاء والشهباء واحدة، ولا يعرف به
بغلة غيرها، وتعقبوه بدلدل، فقد ذكرها غير واحد، لكن قيل: أن الإسمين لواحدة انتهى.
وهذا القيل زعمه ابن الصلاح، وهو مردود بأن البيضاء التي هي الشهباء أهداها له فروة بن
نفاثة، بضم النون، وخفة الفاء ومثلثة، ودلدل أهداها المقوقس، (لطيفة) قال القطب الحلبي:
استشكلت عند الدمياطي ما ذكره ابن سعد، فقال لي: كنت تبعته فذكرت ذلك في السيرة،
وكنت حينئذ سيريًا محضًا، وكان ينبغي لنا أن نذكر الخلاف.

٥٠٥
غزوة حنين
ولبس درعين والمغفر والبيضة. فاستقبلهم من هوازن ما لم يروا مثله قط من السواد
والکثرة، وذلك في غبش الصبح،
قال الحافظ: ودل هذا على أنه كان يعتقد الرجوع عن كثير مما وافق فيه أهل السير،
وخالف الأحاديث الصحيحة، وأن ذلك كان منه قبل تضلعه منها، ولخروج نسخ كتابه، وانتشاره
لم یتمکن من تغییرہ إنتھی.
ووقع في رواية لأحمد، وأبي داود وغيرهما: أنه عَّ. كان يومئذ على فرس، قال الشامي:
وهي شاذة، والصحيح أنه كان على بغلة.
قال الواقدي عن شيوخه: لما كان ثلث الليل عمد لملك بن عوف إلى أصحابه، فعبأهم
في وادي حنين، وهو واد أجوف خطوط ذو شعاب ومضايق، وفرق الناس فيها، وأوعز إليهم أن
يحملوا على المسلمين حملة واحدة، وعبأَعَّ له أصحابه، وصفهم صفوفًا في الشجر، ووضع
الألوية والرايات في أهلها، (ولبس درعين، والمغفر، والبيضة،) واستقبل الصفوف، وطاف عليهم
بعضًا خلف بعض ينحدرون، فحضهم على القتال، وبشرهم بالفتح إن صدقوا وصبروا، وقدم
خالد بن الوليد في بني سليم، وأهل مكة، وجعل ميمنة، وميسرة وقلبا كان عَُّله فيه.
قال ابن القيم: من تمام التوكل استعمال الأسباب التي نصبها اللَّه لمسبباتها قدرًا، وشرعًا؛
فإنه مګ أكمل الخلق تو كلاً، وقد دخل مكة، والبيضة على رأسه، ولبس یوم حنین درعين، وقد
أنزل اللّه عليه: ﴿واللَّه يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧].
وكثير ممن لا تحقيق عنده يستشكل هذا، ويتكايس في الجواب تارة بأنه فعله تعليمًا
لأمته، وتارة بأنه قبل نزول الآية، ولو تأمل أن ضمان اللَّه العصمة، لا ينافيه تعاطيه لأسبابها، فإن
ضمان ربه لا ينافي احتراسه من الناس، كما أن إخباره تعالى بأنه يظهره على الدين كله ويعليه،
لا يناقض أمره بالقتال، واعداده العدة، والقوّة، ورباط الخيل، والأخذ بالجد والحذر، والاحتراس
من عدوه، ومحاربته بأنواع الحرب والتورية، فكان إذا أراد غزوة ورى بغيرها، وذلك لأنه إخبار
من اللَّه عن عاقبة حاله وما له بما يتعاطاه من الأسباب، التي جعلها بحكمته موجبة لما وعده من
النصر والظفر، وإظهار دينه وغلبة عدوه انتهى.
(فإستقبلهم من هوازن ما لم يروا مثله قط من السواد والكثرة؛) لأنهم أزيد من عشرين
الفاء (وذلك في غبش،) بفتح المعجمة، والموحدة، وبالمعجمة قال في القاموس: بقية الليل أو
ظلمة آخره، فإضافته إلى (الصبح) الذي هو أول النهار إشارة إلى شدة قربه من الليل حتى كأن
ظلمته باقية، وفي حديث جابر عند ابن إسحق وغيره في عماية الصبح، بفتح المهملة، وخفة
الميم بقية ظلمته، ولا ینافي هذا ما عند أبي داود وغيره بسند جيد عن أبي عبد الرحمن بن

٥٠٦
غزوة حنين
وخرجت الكتائب من مضيق الوادي، فحملوا حملة واحدة فانكشفت خيل بني
سليم مولية وتبعهم أهل مكة والناس.
ولم يثبت معه عَّ يومئذ إلا العباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب،
يزيد: أنه أتاه عَّ حين زالت الشمس قال: ((ثم سرنا يومنا فلقينا العدو))، لأنه يجمع بأنهم ساروا
بقية اليوم، ونزلوا بحنين ليلاً، والتقوا بغبش الصبح، (وخرجت الكتائب من مضيق الوادي،)
وكانوا فيه كامنين، (فحملوا حملة واحدة، فالكشفت خيل بني سليم مولية،) لتقدم كثير ممن
لا خبرة له بالحرب، وغالبهم من شبان مكة، (وتبعهم أهل مكة) مؤلفة وغيرهم ممن إسلامه
مدخول، قيل فقالوا: أخذلوه هذا وقته، فانهزموا (والناس) المسلمون.
قال الحافظ: والعذر لمن انهزم من غير المؤلفة، أن العدو كانوا ضعفهم في العدد، وأكثر
من ذلك انتهى، بل في النور أنهم كانوا أضعاف المسلمين، وما وقع في البيضاوي والبغوي
ونحوهما: أن ثقيف وهوازن كانوا أربعة آلاف إن صح، فلا ينافيه لأنهم إنضم إليهم من العرب
ما بلغوا به ذلك، فقد مر أنهم أقاموا حولاً يجمعون لحربه عليه السلام، لا أنهم باعتبار ما معهم
من نساء ودواب يرون ضعفًا وأضعاف المسلمين، وإن كانوا في نفس الأمر أربعة آلاف، لأن
ـده لا يخفي، كما كتبناه عن شيخنا في التقرير، أي لأن فيه رد كلام الحافظ الثقات الإثبات
لا دليل، فإن أربعة داخلة في الزائد، فلا يصح رد الزائد إليها، بهذا الحمل المتعسف الذي يأباه
قول لملك بن عوف تلقونه بعشرين ألف سيف، فإن البهائم لا سيوف معها، ثم كون هذا سبب
انكشافهم، وأنهم بمجرد التلاقي ولوا مدبرين، هو ما وقع عند ابن سعد وغيره، ورواه ابن إسحق
وأحمد وابن حبان عن جابر: لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد أجوف خطوط له مضايق
وشعوب، وإنما ننحدر فيه انحداراً، وفي عماية الصبح: وقد كان القوم سبقونا إلى الوادي، فكمنوا
في شعابه، وأجنابه، ومضايقه وتهيئوا وأعدوا، فوالله ما راعنا ونحن محيطون الا الكتائب قد
شدوا علينا شدة رجل واحد، وكانوا رماة، وانحاز عَ لم ذات اليمين، ثم قال: ((أيها الناس هلم
إلي، أنا رسول اللَّه، أنا محمد بن عبد اللَّه))، قال: فلأي شىء حملت الإبل بعضها على بعض،
فإنطلق الناس وفي حديث البراء عند البخاري، كما يأتي: أن هوازن كانوا رماة، ولما حمل
المسلمون عليهم كشفوهم فأكبوا على المغانم، فاستقبلوهم بالسهام، فهذا صريح في أنهم لم
يفروا بمجرد التلاقي، بل قاتلوا المشركين حتى كشفوهم، واشتغلوا بالغنيمة، وذكر الحافظ
السببين ولم يجمع بينهما، (ولم يثبت معه عَّة يومئذ إلاَّ العباس بن عبد المطلب وعلي بن
أبي طالب.)
قال أنس: وكان يومئذ أشد الناس قتالا بين يديه، رواه أبو يعلى والطبراني لرجال ثقات،

٥٠٧
غزوة حنين
والفضل بن العباس، وأبو سفين بن الحرث بن عبد المطلب، وأبو بكر وعمر
وأسامة بن زيد، في أناس من أهل بيته وأصحابه.
قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلته أكفها مخافة أن تصل إلى العدو، وفعل
ذلك العباس لأنه معَّه كان يتقدم في نحر العدو، وأبو سفين بن الحرث آخذ
بر کابه،
(والفضل بن العباس) أكبر ولده، وبه كان يكنى استشهد في خلافة عمر (وأبو سفين بن الحرث بن
عبد المطلب)، زاد ابن إسحق في حدیث جابر وأخوه ربیعة وابنه، قال ابن هشام واسمه جعفر،
قال: وبعض الناس يعد فيهم قثم بن العباس ولا يعد ابن أبي سفين، ويأتي فيه نظر لأن قئما كان
صغيرًا يومئذ، (وأبو بكر، وعمر، وأسامة بن زيد في أناس من أهل بيته وأصحابه) منهم أيمن
ابن أم أيمن وقتل يومئذ.
قال الحافظ: وأكثر ما وقفت عليه قول ابن عمر وما معه عليه السلام مائة رجل.
وللبخاري عن أنس فأدبروا عنه حتى بقي وحده، ويجمع بينهما بأن المراد بقي وحده
متقدمًا مقبلاً على العدو والذين ثبتوا معه، كانوا وراءه أو الوحدة بالنسبة لمباشرة القتال،
وأبو سفين بن الحرث وغيره، كانوا يخدمونه في إمساك البغلة وغير ذلك، ولأبي نعيم في الدلائل
تفصيل المائة بضعة وثلاثون من المهاجرين، والبقية من الأنصار.
ومن الأنصار من النساء أم سلم وأم حارثة انتهى، ويأتي مزيد لذلك حيث أعاد الكلام فيه
المصنف، (قال العباس) في رواية مسلم وغيره: شهدت يوم حنين، فلزمته أنا وأبو سفين بن
الحرث، فلم تفارقه الحديث وفيه تولي المسلمين مدبرين، فطفق عَّه يركض بغلته قبل الكفار،
(وأنا آخذ بلجام بغلته أكفها مخافة أن تصل إلى العدو، فعل ذلك العباس، لأنه مَّدٍ كان يتقدم
في نحر العدو) أي صدره، أي أوله، (وأبو سفين بن الحرث آخد بركابه).
وفي حديث البراء عند البخاري وغيره وأبو سفين بن الحرث: آخذ برأس بغلته البيضاء
وفي رواية له وابن عمه يقود به قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن أبا سفين كان آخذًا أولا بزمامها،
فلما ركضها ◌ُّه إلى جهة المشركين، خشى العباس فأخذ بلجامها يكفها، وأخذ أبو سفين
بالر کاب، وترك اللجام للعباس، اجلالاً له، لأنه عمه انتھی.
قال ابن عقبه: فرفع ◌َّالة يديه وهو على البغلة يدعو: ((اللهم إني أنشدك ما وعدتني، اللهم
لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا».
وروى أحمد برجال الصحيح عن أنس كان من دعائه عَّه يوم حنين: ((اللهم إنك إن
تشا لا تعبد بعد اليوم»، وعند الواقدي كان من دعائه حين انكشف الناس ولم يبق معه إلاّ المائة

٥٠٨
غزوة حنين
وجعل عليه الصلاة والسلام يقول للعباس: ناد يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة
- يعني شجرة بيعة الرضوان - التي بايعوا تحتها، أن لا يفروا عنه.
فجعل ينادي تارة يا أصحاب السمرة، وتارة أيا أصحاب سورة البقرة -
.. . .
الصابرة: ((اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان))، فقال له جبريل: لقد لقنت
الكلمات التي لقن اللَّه تعالى موسى يوم فلق البحر، وكان البحر أمامه وفرعون خلفه.
وروى البيهقي عن الضحاك قال: دعا موسى حين توجه إلى فرعون، ودعا رسول اللَّه ◌ِّ.
يوم حنين: ((كنت وتكون، وأنت حي لا تموت، تنام العيون، وتنكدر النجوم، وأنت حي قيوم لا
تأخذه سنة ولا نوم، يا حي يا قيوم)، والجمع أنه دعا بجميع ذلك، وقوله: ((لا تعبد بعد اليوم))،
لأنه أول يوم لقي فيه المشركين بعد الفتح الأعظم، ومعه المشركون والمؤلفة قلوبهم، والعرب
في البوادي كانت تنتظر بإسلامها قريشًا، فلو وقع والعياذ بالله تعالى خلاف ذلك، لما تُبد اللّه.
وقد روى الواقدي عن قتادة قال: مضى سرعان المنهزمين إلى مكة يخبرون أهلها بالهزيمة،
فسر بذلك قوم من أهلها وأظهروا الشماتة، وقال قائلهم: ترجع العرب إلى دين آبائها وقد قتل
محمد وتفرق أصحابه، فقال عتاب بن أسيد: ان قتل محمد فإن دين اللَّه قائم، والذي يعبده
محمد حي لا يموت، فما أمسوا حتى جاءهم الخبر بنصره عَ له فسر عتاب ومعاذ، وكبت اللَّه من
کان یسر خلاف ذلك.
وعند ابن إسحق لما رأى من كان معه عَّله من جفاة أهل مكة ما وقع، تكلم رجال بما
في أنفسهم، فقال أبو سفین بن حرب: و کان إسلامه بعد مدخولا: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر،
وإن الأزلام لمعه في كنانته. وصرخ جبلة بن الحنبل، وقال ابن هشام كلدة بن الحنبل: وأسلم
بعد ألا بطل السحر اليوم، فقال له أخوه لأمه صفوان بن أمية، وهو حينئذ مشرك: اسكت فض اللَّه
فاك، لأن يريني رجل من قريش أحب إلي من أن يريني رجل من هوازن، وقال شيبة بن عثمن بن
أبي طلحة: اليوم أدرك ثأري، أقتل محمدًا فاقبل شىء حتى غشي فؤادي فعلمت أنه ممنوع
مني، وعند ابن أبي خيثمة: لما هممت به حال بيني وبينه خندق من نار، وسور من حدید
فالتفت إلي ◌َّه، وتبسم وعرف ما أردت فمسح صدري وذهب عني الشك، (وجعل
عليه الصلاة والسلام يقول للعباس ناد يا معشر الأنصار،) لأنهم بايعوه ليلة العقبة على عدم
الفرار، (يا أصحاب السمرة يعني شجرة الرضوان التي بايعوا تحتها على أن لا يفروا عنه،) كما
في مسلم، بل في البخاري أنهم بايعوه على الموت.
وجمع الترمذي بأن بعضًا بايع على هذا وبعضًا بايع على هذا وبعضًا على ذاك، كما مر
مفصّلا، (فجعل ينادي تارة يا أصحاب السمرة، وتارة يا أصحاب سورة البقرة(،) خصت بالذكر

٥٠٩
غزوة حنين
وكان العباس رجلاً صيتا - فلما سمع المسلمون نداء العباس أقبلوا كأنهم الإبل إذا
حنت على أولادها.
وفي رواية مسلم: قال العباس: فوالله لكأن عطفتهم - حين سمعوا صوتي -
عطفة البقر على أولادها. يقولون: يا لبيك، يا لبيك. فتراجعوا إلى رسول الله عـ
حتى أن الرجل منهم إذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع انحدر عنه وأرسله، ورجع
بنفسه
حين الفرار لتضمنها ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة﴾، أو لتضمنها ﴿وأوفوا بعهدي أوف
بعهدكم﴾، أو ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله﴾، وليس النداء بها اجتهادًا من
العباس، بل بأمره عَّة، ففي مسلم وغيره قال العباس: فقال مَّله: (يا عباس، ناد يا معشر الأنصار
يا أصحاب السمرة يا أصحاب سورة البقرة» (وكان العباس رجلاً صيئًا ولذا خصه بالنداء).
قيل: كان يسمع صوته من ثمانية أميال، (فلما سمع المسلمون نداء العباس، أقبلوا
كأنهم الإبل إذا حنت على أولادها،) حتى نزل عَّه كأنه في حرجة، بفتح المهملة والراء
وبالجيم، شجر ملتف كالفيضة.
قال العباس: فلرماح الأنصار كانت أخوف عندي على رسول اللَّه من رماح الكفار.
أخرجه البيهقي وغيره، أي لعلمه بحفظ اللَّه له من رماح الكفار، وبعدهم عنه بخلاف
رماح الأنصار، خاف أن يصيبه شىء منها بغير قصدهم، لشدة عطفهم عليه ومجيئهم لديه.
(وفي رواية مسلم) أيضًا: أن الذي قبلها روايته عن العباس، شهدت مع رسول اللّه يوم
حنين الحديث وفيه: وكنت رجلا صيتا، فناديت بأعلى صوتي أين الأنصار أين أصحاب السمرة
أين أصحاب سورة البقرة، (قال العباس: فوالله لكان عطفهم،) أي إقبالهم على رسول اللَّه معلّم.
(حين سمعوا صوتي عطفة،) أي حنو (البقر على أولادها،) وفي السابقة الإبل فتارة شبههم بها،
وتارة بالبقر، والمعنى صحيح، لأن كل حنوا زائدًا، وفيه دليل على أنهم لم يبعدوا حين تولوا،
(يقولون: يا) عباس (لبيك يا) عباس (لبيك،) فالمنادي محذوف نحوًا لا يا أسلمي، ألا يا
اسجدوا في قراءة، أي إجابة لك بعد إجابة، ولزوما بطاعتك بعد لزوم، (فتراجعوا إلى
رسول اللّه عَةٍ) وازدحموا، (حتى أن الرجل منهم إذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع،) أي لكثرة
الأحزاب المنهزمین، كما ذكره ابن عبد البر، (انحدر عنه وأرسله ورجع بنفسه).
وفي رواية ابن إسحق: فأجابوا لبيك لبيك، فيذهب الرجل ليثني بعيره، فلا يقدر على
ذلك، فيأخذ درعه، فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله، فيؤم

٥١٠
غزوة حنين
إلى رسول الله عـ
فأمرهم عليه الصلاة والسلام أن يصدقوا الحملة، فاقتتلوا مع الكفار، فأشرف
رسول الله عَّلل فنظر إلى قتالهم فقال: الآن حمي الوطيس، وهو كما قال جماعة
التنور يخبز فيه، يضرب مثلا لشدة الحرب الذي يشبه حرها حره. وهذا من فصيح
الكلام الذي لم يسمع من أحد قبل النبي عَّه.
وتناول مَّ حصيات من الأرض ثم قال: شاهت الوجوه - أي قبحت - ....
الصوت حتى ينتهي (إلى رسول اللَّه عَ ل، فأمرهم عليه الصلاة والسلام أن يصدقوا الحملة)
على المشركين، فامتثلوا أمره، (فاقتلوا مع الكفار).
وفي رواية ابن إسحق حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس فاقتتلوا، فكانت
الدعوى أولا للأنصار، ثم خلصت أخيرًا للخزرج وكانوا صبرا عند الحرب، (فأشرف
رسول اللَّه عَّ فنظر إلى قتالهم،) أسقط من مسلم قوله وهو على بغلته كالمتطاولة، (فقال:
الآن) وفي رواية هذا حين (حمي الوطيس).
قال في الروض: من وطست الشىء إذا كدرته، وأثرت فيه، (وهو كما قال جماعة التنور
يخبز فيه،) وقال ابن هشام: حجارة توقد العرب تحتها النار، ويشوون فيها اللحم وفي الروض
الوطيس نقرة في حجر، يوقد حوله النار فيطبخ فيه اللحم والوطيس التنور.
(يضرب مثلاً) بعد نطقه عليه السلام به لأنه أول من قاله، (لشدة الحرب الذي يشبه
حرها) ألمها الحاصل منها، (حره) التنور الحاصل من ملاقاته إذ ليس فيها حرارة حسية تشبه
بحره، وفي السبل الوطيس شيء كالتنور يخبر. فيه شبه شدة الحر به، وقيل: حجارة مدورة إذا
حميت منعت الوطء عليها، فضرب مثلاً للأمر يشتد، (وهذا من فصيح الكلام الذي لم يسمع
من أحد قبل النبي صٍَّ)) كما قاله في الروض وغيره، (وتناول عَّ حصيات من الأرض) بنفسه،
كما روى أبو القاسم البغوي والبيهقي وغيرهما عن شيبة، قال عَله: ((يا عباس ناولني من
الحصباء)) فأقعد اللَّه تعالى البغلة، فانخفضت به حتى كاد بطنها يمس الأرض، فتناول من
البطحاء، فحتى به في وجوههم، وقال: «شاهت الوجوه حم لا ينصرون).
ووقع عند أبي نعم بسند ضعيف عن أنس، انه كان على بغلته الشهباء دلدل، فقال لها:
((دلدل البدي)، فألزقت بطنها بالأرض، فأخذ حفنة من تراب، كذا في هذه الرواية الضعيفة اسمها
دلدل، والصحيح أنه كان على فضة، کما مر، (ثم قال: شاهت الوجوه، أي قبحت،) خبر بمعنی
الدعاء أي اللهم قبح وجوههم وقال: «شاهت الوجوه)» وجوههم ويحتمل أنه خبر، لوثوقه بذلك

٥١١
غزوة حنين
ورمى بها في وجوه المشركين، فما خلق الله منهم إنسانا إلاّ ملاً عينيه من تلك
القبضة.
وفي رواية لمسلم: ثم قبض قبضة من تراب الأرض. فيحتمل أنه رمى بذا
مرة وبذا مرة أخرى. ويحتمل أن يكون أخذ قبضة واحدة مخلوطة من حصى
وتراب.
ولأحمد وأبي داود والدارمي، من حديث أبي عبد الرحمن الفهري في قصة
حنين .
(ورمى بها في وجوه المشركين،) زاد مسلم، ثم قال: انهزموا ورب محمد، ففيه معجزتان فعلية
خبرية، فإنه رماهم بالحصيات وأخبر بهزيمتهم فانهزموا، (فما خلق اللَّه منهم إنساناً إلا ملأ عينيه)
الثنتين (من تلك القبضة).
قال البرهان: بضم القاف الشىء المقبوض، ويجوز فتحها انتهى، لكن المناسب هنا الضم
اسم للقبض باليد، وفي بقية رواية مسلم هذه عن العباس فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما
زلت أرى جدهم كليلاً وأمرهم مديراً فوالله ما رجع الناس، إلا والأسارى عنده عَّ له مكتفون.
(وفي رواية لمسلم) أيضًا من حديث سلمة بن الأكوع: فلما غشوا النبي ◌َّةٍ، نزل عن
البغلة، (ثم قبض قبضة من تراب الأرض،) ثم استقبل به وجوههم، فقال: شاهت الوجوه، فما
خلق اللَّه منهم إنساناً إلا ملأت عينه ترابا تلك القبضة، فولوا منهزمين، (فيحتمل) في الجمع بين
روايتي العباس وسلمة، (أنه رمى بذا) الحصى (مرة وبذا) التراب (أخرى، ويحتمل أن يكون أخذ
قبضة واحدة مخلوطة من حصى وتراب).
لكن بقي: أن في الرواية الأولى أنه لم ينزل عن البغلة، وقد بينا كيف أخذه وهو عليها
وفي الثانية انه نزل وأخذه، ويأتي قريبا أن ابن مسعود ناوله كفّا من تراب، وللبزار من حديث ابن
عباس أن عليًا ناوله التراب يومئذ.
قال الحافظ ويجمع بين هذه الأحاديث: بأنه عَّه قال لصاحبه: ((ناولني)) فناوله، فرماهم
ثم نزل عن البغلة فأخذ بيده فرماهم أيضًا، فيحتمل أن الحصى في إحدى المرتين، وفي الأخرى
التراب انتهى. أي وأن كلاً من ابن مسعود وعلي ناوله، (ولأحمد وأبي داود والدارمي)
عبد الله بن عبد الرحمن، الحافظ الثقة، شيخ مسلم وأبي داود، والترمذي، وكذا رواه ابن سعد
وابن أبي شيبة والطبراني وابن مردويه والبيهقي رجاله ثقات كلهم (من حديث أبي عبد الرحمن
الفهري،» بکسر الفاء الصحابي قیل اسمه یزید بن أیاس، وقيل الحرث بن هشام وقيل عبيد،
وقيل كرز بن ثعلبة شهد حنينا، ثم فتح مصر، كما في الإصابة وغيرها (في قصة حنين) ولفظة

٥١٢
غزوة حنين
قال: فولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى، فقال ◌َله: أنا عبد الله ورسوله
أنا عبد الله ورسوله، ثم اقتحم عن فرسه، فأخذ كفا من تراب. قال: فأخبرني الذي
كان أدنى إليه مني أنه ضرب به وجوههم وقال: شاهت الوجوه فهزمهم الله تعالى
كنت معه ◌َّله في حنين، في يوم قائظ شديد الحر، فنزلنا تحت ظلال الشجر، فلما زالت
الشمس، ليست لامتي، وركبت فرسي، فأتيت رسول اللَّه عَّه، وهو في فسطاطة، فقلت: السلام
عليك يا رسول اللَّه ورحمة اللَّه، قد حان الرواح. قال: ((أجل))، ثم قال: ((يا بلال فثار من تحت
شجرة كأن ظله ظل طائر، فقال: لبيك وسعديك، وأنا فداؤك قال: إسرج لي فرسي، فأتى بسرج
وقفاه من ليف، ليس فيهما أشر ولا بطر فركب فرسه، ثم سرنا يومنا، فلقينا العدوَّ، وتشاءمت
الخيلان فقاتلناهم، (قال: فولى المسلمون،) أي أكثرهم، كما مر، ويأتي أنه ثبت معه جماعة
نحو المائة (مدبرين) ذاهبين إلى خلف ضد الإقبال، (كما قال الله تعالى، فقال) رسول اللَّه
(عَُّ: (أنا عبد اللَّه ورسوله أنا عبد الله ورسوله)))) وفي مرسل عكرمة عند أبي الشيخ، فقال: ((أنا
محمد رسول اللَّه) ثلاث مرات.
وفي حديث أنس عند أحمد والحاكم وغيرهما قال: جاءت هوازن بالنساء والصبيان،
والإبل والغنم فجعلوهم صفوفًا ليكثروا على رسول اللَّه عَّه، فالتقى المسلمون والمشركون،
فولى المسلمون مديرين، كما قال اللّه تعالى، وبقي عَّ وحده، فقال: ((يا عباد اللَّه أنا عبد الله
ورسوله))، ونادى عَّه نداءين لم يخلط بينهما كلام فالتفت عن يمينه، فقال: ((يا معشر الأنصار أنا
عبد الله ورسوله))، فقالوا: لبيك يا رسول اللّه نحن معك، ثم التفت عن يساره، فقال: يا معشر
الأنصار، أنا عبد الله ورسوله)، فقالوا: لبيك يا رسول اللّه نحن معك، فهزم اللَّه المشركين، ولم
يضرب بسيف، ولم يطعن برمح، (ثم اقتحم عن فرسه،) قال الشامي: هي رواية شاذة، والصحيح
أنه كان على بغلة انتهى، ويحتمل أنه عبر عنها بالفرس، مجازا لشبهها بها في الإقدام بحيث كان
العباس يكفها، ونزوله بعد انخفاضها به وأخذه الحصى ورميهم به، كما مر فلا تنافي.
قال العلماء: وفي نزوله عن البغلة، حين غشوه مبالغة في الشجاعة والثبات والصبر، وقيل
فعله مواساة لمن كان نازلا على الأرض من المسلمين انتهى، فزعم أن الراوي لم يتأمله تحقيقًا
لكثرة الناس، وظن بانخفاضها نزوله عنها توهيم، للرواة الإثبات بلا داعية، فقد أمكن الجمع
بدون توهيم فنزوله عنها ثابت في الصحيحين وغيرهما، (فأخذ كفا من تراب قال) أبو
عبد الرحمن المذكور: (فأخبرني الذي كان أدنى) أقرب (إليه مني انه ضرب به وجوههم،
وقال: ((شاهت الوجوه))، فهزمهم اللّه تعالى).
ولأبي يعلى، والطبراني برجال ثقات عن أنس: أنه عَّ أخذ يوم حنين كفّا من حصباء

٥١٣
غزوة حنين
قال يعلى بن عطاء راويه عن أبي همام عن أبي عبد الرحمن الفهري فحدثني
أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه ترابا وسمعنا
صلصلة من السماء كإمرار الحديد على الطست الجديد - بالجيم ..
قال في النهاية: وصف الطست وهي مؤنثة بالجديد وهو مذكر، إما لأن
تأنيثها غير حقيقي فأوله على الإناء والظرف، أو لأن فعيلا يوصف به المؤنث بلا
علامة تأنيث كما يوصف به المرأة، نحو امرأة قتيل. انتهى.
ولأحمد والحاكم من حديث ابن مسعود: فحادت به عَلَّهُ بغلته، فمال
السرج فقلت ارتفع رفعك الله،
أبيض فرمى به، وقال: ((هزموا ورب الكعبة))، (قال يعلى) بتحتية أوّله (ابن عطاء) العامري، ويقال
الليثي الطائفي الثقة، المتوفي سنة عشرين ومائة أو بعدها، روى له مسلم والأربعة (راويه عن أبي
همام) الكوفي عبد الله بن يسار، ويقال عبد الله بن رافع مجهول من الثالثة، كما في التقريب
روى له أبو داود (عن أبي عبد الرحمن الفهري،) الصحابي المذكور، ومقول يعلى الموصوف
بذلك هو قوله: (فحدثني أبناؤهم عن آبائهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه تراباء)
فزاد الفم (وسمعنا صلصلة) صوتا له دوي (من السماء كامرار الحديد على الطست، الجديد
بالجيم) تنديها على قوّة الصوت الذي سمعوه، فإن صوت الجديد أقوى من العتيق.
(قال في النهاية: وصف الطست، وهي مؤنثة بالجديد، وهو مذكر إما لأن تأنيثها غير
حقيقي، فأوّله على الإناء والظرف) الواو بمعنى أو، وهذا قد يفهم أن المؤنث الحقيقي لا يصح
مع أنه يصح بالتأويل على إرادة الشخص، كما صرحوا به كثيرًا، إلا أن غير الحقيقي أسهل (أو
لأن فعيلا يوصف به المؤنث بلا علامة تأنيث، كما يوصف به المرأة نحو امرأة قتيل انتهى،)
وفيه أن الذي يستوي فيه المذكر والمؤنث هو فعيل بمعنى مفعول كقتيل وجريح لا بمعنى فاعلٍ،
كقوله: جديد إذ معناه قامت به الجدة، ولذا اعترض من قال ذلك في قوله تعالى: ﴿إِن رحمة اللّه
قريب﴾ [الأعراف: ٥٦]، بأنه بمعنى فاعل، لأن معناه قام به القرب، (ولأحمد، والحاكم،)
والطبراني، وأبي نعيم والبيهقي، برجال ثقات (من حديث ابن مسعود) قال: كنت مع
رسول اللَّه عَّه يوم حنين، فولى الناس وبقيت معه في ثمانين رجلا من المهاجرين والأنصار،
فقمنا على أقدامنا ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله تعالى عليهم السكينة ورسول اللَّه عَلَّه
على بغلته لم يمض قدما، (فحادت) مالت (به عَ ليه بغلته))) ولعل معناه خرجت عن الإستقامة لأمر
أصابها، (فمال السرج) لخروجها عنها في نفسها، (فقلت: ارتفع رفعك اللَّه) خطاب له ودعاء

٥١٤
غزوة حنين
فقال: ناولني كفا من تراب، فضرب وجوههم وامتلأت أعينهم ترابا، وجاء
المهاجرون والأنصار سيوفهم بإيمانهم كأنها الشهب فولى المشركون الأدبار.
وروى أبو جعفر بن جرير بسنده عن عبد الرحمن بن مولى عن رجل كان
في المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله عَّله لم يقوموا
لنا حلب شاة، فلما لقيناهم جعلنا نسوقهم في آثارهم حتى انتهينا إلى صاحب
البغلة البيضاء، فإذا هو رسول الله عَ له. قال: فتلقانا عنده رجال بيض الوجوه حسان
فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا. قال: فانهزمنا وركبوا أكتافنا.
تأدبًا، والمراد صاحبه عَ ◌ّه، (فقال: ((ناولني كفّا من تراب))) زاد في رواية فناولته، (فضرب) به
(وجوههم وامتلأت أعينهم ترابًا، وجاء المهاجرون والأنصار سيوفهم بأيمانهم، كأنها الشهب)
جمع شهاب، (فولى المشركون الأدبار).
روى البخاري في التاريخ والبيهقي عن عمرو بن سفين قال: قبض عَّ يوم حنين قبضة
من الحصى، فرمى بها وجوهنا، فما خيل إلينا إلاَّ أن كل حجر وشجر فارس يطلبنا، وعند ابن
عساكر عن الحرث بن زيد مثله، وليس في هذا كله ما ينفي قتال الصحابة؛ فإنهم حين صرخ
بهم العباس عادوا فقاتلوا بأمره عليه السلام، وأشرف عليهم، وقال: ((الآن حمي الوطيس))، فأخذ
القبضة، ورمى بها، فانهزموا، ولا ينافيه ما وقع عند أبي نعيم بسند ضعيف عن أنس بلفظ، فأخذ
حفنة من تراب، فرمى بها في وجوههم، وقال: ((حم لا ينصرون))، فانهزم القوم وما رمينا بسهم،
ولا طعنا برمح، لأن نفيهما لا ينفي اجتلادهم بالسيوف، وقد ثبت في حديث شيبة فأقبل
المسلمون والنبي يقول: (أنا النبي لا كذب))، فجالدوهم بالسيوف، فقال: ((الآن حمي الوطيس)).
(وروى أبو جعفر) محمد (بن جرير،) الطبري الحافظ، المجتهد (بسنده،) وكذا رواه
البيهقي وابن عساكر ومسدد كلهم (عن عبد الرحمن بن مولى،) كذا في النسخ وصوابه، كما
في رواية المذكور ابن مولى أم برثن، وفي التقريب عبد الرحمن بن آدم البصري، صاحب
السقاية، مولى أم برثن، بضم الموحدة، وسكون الراء، بعدها مثلثة مضمومة، ثم نون صدوق من
الثالثة، روى له مسلم وأبو داود، (عن رجل كان في المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن
وأصحاب رسول اللَّه عَ يٍ لم يقوموا لنا،) لم يصبروا لقتالنا، (حلب شاة)، أي مقدار حلبها، بل
ولو أمن رشق النبل ونيتهم العود، (فلما لقيناهم جعلنا نسوقهم،) ونحن متبعوهم (في آثارهم).
وفي رواية فبينا نحن نسوقهم في أدبارهم، (حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء،
فإذا هو رسول اللَّه عَ لّه قال: فتلقانا عنده رجال بيض الوجوه حسان، فقالوا لنا: شاهت الوجوه
إرجعوا، فانهزمنا وركبوا أكتافنا،) أي تمكنوا منا تمكنًا تامًا، واتصلوا بنا حتى كأنهم ركبوا أكتافنا.

٥١٥
غزوة حنين
وفي سيرة الدمياطي: كان سيما الملائكة يوم حنين عمائم حمر أرخوها بين
أکتافھم.
وفي حديث جبيربن مطعم: نظرت والناس يقتتلون يوم حنين إلى مثل
البجاد الأسود يهوي من السماء.
والبجاد: بالموحدة والجيم آخره دال مهلمة: الكساء، وجمعه: بجد، أراد
الملائكة الذين أيدهم الله تعالی بهم،
وفي رواية، وكانت إياها، أي الهزيمة، ولم يعلم هل أسلم بعد هذا الرجل الذي حدث
عبد الرحمن، أم لا إلاّ أن ظاهرٍ سياق الحديث إسلامه، ثم كون الرائي للملائكة مشركًا، لأنه لا
يراها على صورة المقاتلة، إلاَّ المشرك، لأن القصد إرهابهم، فقد أخرج ابن مردويه، والبيهقي
وابن عساكر، عن شيبة بن عثمان قال: خرجت مع رسول اللَّه عَّه يوم حنين والله ما خرجت
إِسلامًا، ولكن خرجت إتقاء أن تظهر هوازن على قريش، فوالله إني لواقف مع رسول اللَّه عَّةٍ إِذ
قلت: يا رسول الله إني لأرى خيلا بلقا، قال: ((يا شيبة انه لا يراها إلا كافرا، فضرب بيده في
صدري، وقال: ((اللهم اهد شيبة))، فعل ذلك ثلاث مرات، فوالله ما رفع عَّه الثالثة، حتى ما أجد
من خلق اللَّه تعالى إلي منه، فالتقى المسلمون، فقتل من قتل، ثم أقبل عَّه وعمر آخذ باللجام،
والعباس آخذ بالثغر الحديث، فإن صح، فلعل عمر تناوب مع العباس في أخذ اللجام، ولعل
حكمة عدم رؤية المسلمين لهم، لئلا يعتمدوا عليهم. أو يشتغلوا بالنظر إليهم لكون قتالهم خارقًا
للعادة، فيفوتهم الاجتهاد في الحرب والثواب المرتب عليه، (وفي سيرة الدمياطي كان سيما)
خبر مقدم، أي علامات (الملائكة يوم حنين عمائم أرخوها بين أكتافهم،) كما روى عند
الواقدي عن لملك بن أوس بن الحدثان، وقال ابن عباس: كانت عمائم خضرا أخرجه ابن إسحق
والطبراني، فيحتمل أن بعضها خضر، وبعضها حمر.
(وفي حديث جبير بن مطعم) عند ابن إسحق وابن مردويه، والبيهقي وأبي نعيم، (نظرت)
قبل هزيمة القوم، أي المشركين (والناس يقتتلون يوم حنين إلى مثل البجاد الأسود يهوي من
السماء) نقل بالمعنى، ولفظه رأيت قبل هزيمة القوم، والناس يقتتلون مثل البجاد الأسود أقبل من
السماء حتى سقط بين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي لم أشك أنها
الملائكة، ولم يكن إلاَّ هزيمة القوم (والبجاد، بالموحدة) المكسورة، (والجيم) الخفيفة (آخره
دال مهملة الكساء، وجمعه بجد أراد الملائكة الذين أيدهم اللَّه تعالى بهم،) لأنهم لكثرتهم
واختلاط بعضهم ببعض صاروا في ذلك کالیجاد المتصل أجزاؤه بنسجه.

٥١٦
غزوة حنين
قاله ابن الأثير.
وفي البخاري: عن البراء وسأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول الله
يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله عَّه لم يفر، كانت هوازن رماة، وإنا لما حملنا
عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم
وروى الواقدي عن شيوخ من الأنصار قالوا: رأينا يومئذ كالبجاد السود هوت من السماء
ركاما، فنظرنا فإذا نمل مبثوث، فإن كنا ننفضه عن ثيابنا، فكان نصر اللَّه أيدنا به، قال شيخنا:
ولعل نزولهم في صورة النمل ليظهروا للمسلمين فيسألوا عنه، ويتوصلوا بذلك للعلم بهم،
فيعلموا أن ذلك من معجزاته، فيقوى بذلك إيمانهم. (قاله ابن الأثير.)
وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: في يوم حنين أيد اللّه تعالى رسوله بخمسة
آلاف من الملائكة مسومين، ويومئذ سمى اللَّه الأنصار مؤمنين، قال اللَّه تعالى: ﴿فأنزل اللَّه
سكينته على رسوله وعلى المؤمنين﴾ [الفتح: ٢٦]، وأخرج أيضًا عن السدى الكبير في قوله
تعالى: ﴿وأنزل جنودًا لم تروها﴾ [التوبة: ٢٦]، قال: هم الملائكة وعذب الذين كفروا، قال:
قتلهم بالسيف، (وفي البخاري) في مواضع بطرق (عن) أبي إسحق السبيعي سمع (البراء) بن
عازب، (وسأله رجل من قيس).
قال الحافظ: لم أقف على اسمه، (أفررتم عن رسول اللَّه مَّ يوم حنين) وفي رواية له
أيضًا: أقررتم من النبي عَّه، ويمكن الجمع بينهما بحمل المعية على ما قبل الهزيمة، فبادر إلى
إخراجه، (فقال: لكن رسول اللَّه عٍَّ لم يفر،) قال النووي: هذا الجواب من بديع الأدب، لأن
تقديره أفررتم كلكم، فيدخل فيهم النبي عَّه، فقال البراء: لا والله ما فرعَّله، ولكن جرى كيت
وكيت، فأوضح أن فرار من فر لم يكن على نية الاستمرار، وكأنه لم يستحضر الرواية الثانية،
ويحتمل أن السائل أخذ التعميم من قوله تعالى: ﴿ثم وليتم مدبرين﴾ [التوبة: ٢٥] فبين له أنه من
العموم الذي أريد به الخصوص انتهى.
وفي رواية أما أنا فأشهد على النبي أنه لم يزل، وفي أخرى ولا والله ما ولى يوم حنين
دبره وبين سبب التولي، بقوله: (كانت) بالتأنيث، كما هو الثابت في البخاري، فما في نسخ كان
بالتذكير تصحيف (هوازن رماة،) وللبخاري في الجهاد تكملة لهذا السبب، قال: خرج شبان
أصحابه وأخفارهم حسرًا، بضم الحاء وشد السين المهملتين، ليس عليهم سلاح، فاستقبلهم
جمع هوازن وبنو نصر ما يكادون يسقط لهم سهم، فرشقوهم رشقًا ما یکادون يخطئون، (وإنا
لما حملنا عليهم انكشفواء) أي انهموا، كما هو روايته في الجهاد، (فأكبينا) بفتح الموحدة
الأولى، وسكون الثانية، بعدها نون، أي وقعنا (على الغنائم،) وفي الجهاد فأقبل الناس على

٥١٧
غزوة حنين
فاستقبلنا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله عَ ليه على بغلته البيضاء وإن أبا سفين بن
الحرث أخذ بزمامها، وهو يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب.
الغنائم، (فاستقبلنا) بضم التاء وكسر الموحدة، وفي الجهاد فاستقبلونا (بالسهام،) وفي مسلم
فرموهم برشق من نبل كأنها رجل جراد، وعنده أيضًا عن أنس جاء المشركون بأحسن صفوف
رأيت صف الخيل، ثم المقاتلة، ثم النساء من وراء ذلك، ثم الغنم، ثم الإبل، ونحن بشر كثير
وعلى خيلنا خالد بن الوليد، فجعلت خيلنا تلوذ خلف ظهورنا، فلم نلبث أن انكشفت خيلنا
وفرت الأعراب، ومن تعلم من الناس، (ولقد رأيت رسول اللَّه عَّ على بغلته البيضاء) التى
أهداها له فروة بن نفاثة، كما في مسلم وعند ابن سعد وغيره، على بغلته دلدل وفيه نظر، لأن
دلدل اهداها له المقوقس، وجمع القطب الحلبي باحتمال أنه ركب كلا منهما يومئذ كما مر،
(وأن أبا سفين بن الحرث) بن عبد المطلب (أخذ بزمامها) أولا، فلما ركضها عَّ له إلى جهة
المشركين، خشي العباس، فأخذه، وأخذ أبو سفين بالركاب، كما مر جمعًا بينه وبين ما في
مسلم، أن العباس كان آخذا بزمامها، وللبخاري في الجهاد فنزل، أي عن البغلة، فاستنصر.
وفي مسلم فقال: ((اللهم أنزل نصرك))، (وهو يقول أنا النبي لا كذب،) قال ابن التين:
كان بعض العلماء يفتح الباء ليخرجه عن الوزن، قال الدماميني: وهذا تغيير للرواية بمجرد خيال
يقوم في النفس ولا حاجة للعدول عن الرواية، لأن هذا لا يسمى شعرًا، أي لما سيذكره
المصنف، (أنا ابن عبد المطلب).
قال الحافظ: اتفقت الطرق التي أخرجها البخاري لهذا الحديث على سياقه إلى هنا، إلا
رواية زهير بن مئوية فزاد في أخرها، ثم صف أصحابه، وفي مسلم قال البراء: كنا واللّه إذا احمر
البأس، نتقي به وإن الشجاع منا الذي يحاذيه يعني النبي عَّه قال: ((وفي الحديث من الفوائد
حسن الأدب في الخطاب، والإرشاد إلى حسن السؤال بحسن الجواب، وذم الإعجاب))، وفيه
الانتساب إلى الآباء ولو ماتوا في الجاهلية، والنهي عنه محمول على ما هو خارج الحرب، ومثله
الرخصة في الخيلاء في الحرب دون غيره، وجواز التعرض إلى الهلاك في سبيل اللّه تعالى، ولا
یقال کان ٹے متیقئًا بالنصر بوعد الله تعالى له به، وهو حق لأن أبا سفين بن الحرث قد ثبت
معه آخذًا بلجام بغلته، وليس هو في اليقين، وقد استشهد في تلك الحالة ابن أم أيمن، كما مر
وفي ركوب البغلة اشارة إلى مزيد الثبات، لأن ركوب الفحولة مظنة الاستعداد للفرار والتولي،
وإذا كان رئيس الجيش قد وطن نفسه على عدم الفرار وأخذ بأسباب ذلك، كان ذلك أدعى
لأتباعه على الثبات، وفيه شهرة الرئيس نفسه في الحرب مبالغة في الشجاعة، وعدم المبالاة
بالعدوّ انتھی.

٥١٨
غزوة حنين
وهذا فيه إشارة إلى أن صفة النبوة يستحيل معها الكذب، فكأنه قال: أنا
النبي، والنبي لا يكذب، فلست بكاذب فيما أقول حتى أنهزم، بل أنا متيقن أن
الذي وعدني الله به من النصر حق، فلا يجوز علي الفرار.
وأما ما في مسلم عن سلمة بن الأكوع من قوله: ((فأرجع منهزما)) إلى قوله:
(ومررت على رسول الله عَّله منهزما فقال: لقد رأى ابن الأكوع فزعا)) فقال
العلماء: قوله منهزما حال من ابن الأكوع - لا من رسول الله عَّه - كما صرح أولا
بانهزامه، ولم يرد أن النبي عَّ انهزم، وقد قالت الصحابة كلهم: إنه عليه الصلاة
والسلام ما انهزم ولم ينقل أحد قط أنه انهزم في موطن من المواطن. وقد نقلوا إجماع
(وهذا)) أي قوله لا كذب (فيه إشارة إلى أن صفة النبوّة يستحيل معها الكذب،) أي
قوله لا كذب؛ لأنها صفة شريفة، والكذب ذميمة، فهما ضدان لا يجتمعان، وقد قال عَّهِ: ((لا
یکذب الكاذب إلا من مهانة نفسه علیه».
أخرجه الديلمي عن أبي هريرة؛ (فكأنه قال: أنا النبي، والنبي لا يكذب، فلست بكاذب
فيما أقول حتى أنهزم، بل أنا متيقن أن الذي وعدني اللَّه به من النصر حق،) لأن اللَّه لا يخلف
الميعاد، (فلا يجوز عليّ الفرار،) وقد قال له تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ (وأما ما في
رواية مسلم عن سلمة بن الأكوع من قوله:) غزونا مع رسول اللَّه عَّه حنينًا فلما واجهنا العدوّ
تقدمت فأعلو ثنية، فاستقبلني رجل من المشركين فأرميه، بسهم وتوارى عني، فما دريت ما
صنع، ثم نظرت إلى القوم، فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى فالتقوا هم والصحابة، فولى
الصحابة، (فأرجع) أنا (منهزما) وعلي بردتان مؤتزر بإحداهما، مرتدي بالأخرى، فاستطلق إزاري،
فجمعتهما جميعًا.
وهذا ما أشار إلى أنه حذفه (إلى قوله: ومررت على رسول اللَّهِ مَِّ منهزمًا، فقال: ((لقد
رأى ابن الأكوع فزعًا))،) خوفًا (فقال العلماء: قوله منهزمًا حال من ابن الأكوع، لا من
رسول اللَّه ◌َّةُ)) ونسبه للعلماء تنبيهًا على أنه مجمع عليه، (كما صرح أولا بانهزامه) في قوله:
فأرجع منهزمًا.
قال الحافظ: ولقوله من طريق أخرى مررت على رسول اللَّه عَّه منهزمًا، وهو على
بغلته (ولم يرد) سلمة (أن النبي عَ﴾ إنهزم،) فلا يرد على أقسام البراء أنه ما ولى، (وقد قالت
الصحابة كلهم أنه: عليه الصلاة والسلام ما انهزم،) فلا يجوز أن ينقل عن سلمة ما يخالفهم
بمجرد لفظ محتمل دفعته الرواية الأخرى عنه، فهذا من جملة ما استند إليه العلماء في أنه حال
من ابن الأكوع، (ولم ينقل أحد قط أنه الهزم في موطن من المواطن، وقد نقلوا إجماع

٥١٩
غزوة حنين
المسلمين على أنه لا يجوز أن يعتقد انهزامه ◌َّةٍ، ولا يجوز ذلك عليه، بل كان
العباس وأبو سفين بن الحرث آخذين ببغلته يكفانها عن إسراع التقدم إلى العدو.
وقد تقدم في غزوة أحد ما نسب لابن المرابط، من المالكية، فيما حكاه
القاضي عياض في الشفاء: أن من قال إن النبي عَِّ هزم يستتاب، فإن تاب وإلا
قتل، وأن العلامة البساطي تعقبه بما لفظه: هذا القائل إن كان يخالف في أصل
المسألة يعني: حكم الساب، فله وجه، وإن وافق على أن الساب لا تقبل توبته
فمشکل. انتھی.
وقال بعضهم: وقد كان ركوبه عليه الصلاة والسلام البغلة في هذا المحل
الذي هو موضع الحرب والطعن والضرب تحقيقاً للنبوة، لما كان الله تعالى خصه
به من مزيد الشجاعة وتمام القوة، وإلا فالبغال عادة من مراكب الطمأنينة، ولا
يصلح لمواطن الحرب في العادة إلا الخيل
المسلمين) وهو حجة (على أنه لا يجوز أن يعتقد انهزامه مَّله، ولا يجوز ذلك عليه، بل)
إنتقال مؤكد لما قبله، (كان العباس وأبو سفين بن الحرث) الهاشميان (آخذين ببغلته يكفانها عن
إسراع التقدم إلى العدوّ،) لما ركضها في نحورهم، فنزل عنها، واستنصر، وتقدم ورمى العدوّ
بالتراب، مبالغة في الشجاعة والثبات والصبر، (وقد تقدم في غزوة أحد ما نسب لابن المرابط)
محمد بن خلف الإفريقي (من المالكية، فيما حكاه القاضي عياض في الشفاء، أن من قال ان
النبي ◌َُّ هزم يستتاب، فإن تاب وإلا قتل،) مبالغة في الرد على توهم نسبة ذلك إليه، حيث
جعله ردة على رأي قوم، (وأن العلامة البساطي) محمد بن أحمد بن عثمن، (تعقبه بما لفظه هذا
القائل إن كان يخالف) الملكية، (في أصل المسألة، يعني حكم الساب فله وجه،) لأنه خرج
عن مذهبه لغيره، (وإن وافق على أن الساب لا تقبل توبته) بالنسبة إلى أحكام الدنيا، بمعنى أنها
لا تفيده في نفي قتله، لأن حده كالزاني والشارب، (فمشكل) لمخالفته نص لملك وأصحابه أنه
يقتل بلا استتابة (انتهى) فكيف يجوز عليه نسبة شىء يرتد ناسبه أو يقتل، ولو تاب على
اختلاف العلماء.
(وقال بعضهم وقد كان ركوبه عليه الصلاة والسلام البغلة في هذا المحل الذي هو
موضع الحرب والطعن والضرب تحقيقًا للنبوّة، لما كان اللَّه تعالى خصه به من مزيد الشجاعة
وتمام القوة،) وفي الفتح قال العلماء: في ركوبه البغلة يومئذ، دلالة على النهاية في الشجاعة
والثبات انتهى، فنسبه المصنف إلى البعض لما فيه من زيادة الإيضاح، لا سيما قوله: (وإلاَّ فالبغال
عادة من مراكب الطمأنينة، ولا تصلح لمواطن الحرب في العادة، إلاَّ الخيل) لأنها أشد

٥٢٠
غزوة حنين
فبين عليه الصلاة والسلام أن الحرب عنده كالسلم قوة قلب وشجاعة نفس وثقة
وتوكلا على الله تعالى، وقد ركبت الملائكة في الحرب معه عليه الصلاة والسلام
على الخيل لا غير لأنها بصدد ذلك القتال عرفا دون غيرها من المركوبات، ولهذا
لا يسهم في الحرب إلا للخيل، والسر في ذلك أنها المخلوقة للكر والفر بخلاف
الإبل. انتهى.
وعند ابن أبي شيبة، من مرسل الحكم بن عتيبة: لم يبق معه عليه الصلاة
والسلام إلا أربعة
الدواب عدوًا وفي طبعها الخيلاء في مشيها، والسرور بنفسها ومحبة صاحبها، (فبيّن عليه
الصلاة والسلام) بركوب البغلة (أن الحرب عنده، كالسلم قوة قلب) مفعول لأجله، أي لقوة
قلبه، (وشجاعة نفس، وثقة) بوعد الذي لا يخلف الميعاد، (وتوكلاً على اللَّه تعالى،) ومن
يتوكل على الله فهو حسبه، وكفى بالله وكيلا.
(وقد ركبت الملائكة في الحرب،) شمل اطلاقه هذه الغزوة وغيرها، مما ركبت فيه
الملائكة (معه عليه الصلاة والسلام على الخيل) البلق، كما مر في حديث شيبة بن عثمن، ومر
تول النفر الثلاثة: رأينا رجالاً بيضًا على خيل بلق، فوالله ما نقاتل إلاَّ أهل السماء، وقول سعيد بن
جبير: يوم حنين أعز اللَّه رسوله بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين.
وعند الواقدي عن ملك بن أوس بن الحدثان: ولقد رأينا يومئذ رجالاً بلقا على خيل بلق،
عليها عمائم حمر قد أرخوها على أكتافهم بين السماء والأرض، كتائب كتائب ما يليقون شيئًا،
ولا نستطيع أن نقاتلهم من الرعب منهم، ويليقون بتحتانيتين بينهما لام مكسورة فقاف (لا غير،
لأنها بصدد ذلك القتال،) والصالح له الخيل (عرفًا، دون غيرها من المركوبات، ولهذا لا يسهم
في الحرب إلاَّ للخيل،) فيسهم للفرس مثلاً فارسه عند الأئمة الثلاثة، لخبر الصحيحين عن ابن
عمر: أنه عَ لَّهِ جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا، وقال أبو حنيفة: له سهم واحد كصاحبه،
وأكره أن أفضل بهيمة على مسلم، وأيما كان، فاتفقوا على أنه لا يسهم إلاَّ للخيل، (والسر في
ذلك أنها مخلوقة للكر) على القتال، (والفر) منه عند الحاجة، (بخلاف الإبل) والبغال والحمير
والفيلة، وإن قوتل عليها (انتهى).
قول بعضهم: (وعند ابن أبي شيبة من مرسل الحكم بن عتيبة،) بفوقية، ثم موحدة مصغر .
الكندي، أبي محمد الكوفي التابعي، الوسط الثقة، الثبت الفقيه الحافظ، مات سنة ثلاث عشرة،
أو أربع عشرة، أو خمس عشرة ومائة.
روى له الستة قال: لما ولّى الناس يوم حنين، (لم يبق معه عليه الصلاة والسلام إلا أربعة
شرح الزرقاني على المواهب المدنية — pages 501-520 | ScribeTools Library