النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
باب غزوة الفتح الأعظم
يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان. وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما،
فكلما مر بصنم أشار إليه بقضيب وهو يقول: جاء الحق وزهق الباطل. إن الباطل
كان زهوقًا، فيقع الصنم لوجهه. رواه البهيقي.
وفي رواية أبي نعيم: قد ألزقها الشياطين بالرصاص والنحاس.
مكة تكبيرًا حتى جعل عَ لَه يشير إِليهم أن اسكتوا، والمشركون فوق الجبال ينظرون، فطاف
بالبيت ومحمد بن مسلمة آخذ بزمام لناقة سبعًا يستلم الحجر الأسود كل طوف (يوم الجمعة)
على المعروف خلافًا لما قدمه المصنف في المولد النبوي أنه يوم الاثنين، وإن جزم به بعض
المتأخرين هنا فلا عاضد له (لعشر بقين من رمضان، وكان حول البيت) أي في الجهات
المحيطة به وحرف من قال وعلى الكعبة لاقتضائه أنها على سطحها ولفظ الصحيحين وغيرهما
وحول البيت (ثلاثمائة وستون صنمًا).
وفي رواية البخاري، نصب قال الحافظ: بضم النون والمهملة، وقد تسكن فموحدة ما
نصب للعبادة من دون الله، ويطلق ويراد به الحجارة التي كانوا يذبحون عليها للأصنام، وليست
مرادة هنا، وعلى أعلام الطريق وليست مرادة هنا ولا في الآية، (فكلما مر بصنم أشار إِليه
بقضيبه) فعيل بمعنى مفعول وهو الغصن المقضوب أي المقطوع.
وفي البخاري بعود في يده وفي مسلم بسية القوس بكسر المهملة وفتح التحتية المخففة
ما عطف من طرفه، (وهو يقول: ((جاء الحق) الإِسلام (وزهق الباطل) بطل الكفر (إن الباطل كان
زهوقًا»،) مضمحلاً زائلاً من زهق روحه إذا خرج وفيه استحباب هذا القول عند إزالة المنكر،
كما قال السيوطي (فيقع الصنم لوجهه) أي عليه.
وعند الفاكهي، وصححه ابن حبان، في حديث ابن عمر فيسقط الصنم، ولا يمسه
وللفاكهي والطبراني، من حديث ابن عباس فلم يبق وثن استقبله إِلا سقط على قفاه مع أنها
کانت ثابتة بالأرض قد شد لهم إِبليس أقدامها بالرصاص.
(رواه البيهقي) عن ابن عمر أنه عَّ دخل مكة يوم الفتح وحول البيت فذكره، (و) كذا
هو (في رواية أبي نعيم) عنه وزاد (قد ألزقها الشيطان بالرصاص) بفتح الراء. (والنحاس) بضم
النون أي حملهم على ذلك فنسب إليه لكونه سببًا فيه، وإلا فمعلوم أن الشيطان لم يفعل ذلك،
كذا قال شيخنا: وحمله على الحقيقة أولى وإنما أبعد المصنف النجعة لقوله فيقع الصنم لوجهه.
ولزيادة أبي نعيم هذه وإلا فقد روى الشيخان عن ابن مسعود، قال: دخل عَّه يوم الفتح
وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ((جاء الحق وزهق الباطل،
جاء الحق وما یبدیء الباطل، وما یعید».

٤٦٢
باب غزوة الفتح الأعظم
وفي تفسير العلامة ابن النقيب المقدسي: إن الله تعالى لما أعلمه عَ لَّه بأنه
قد أنجز له وعده بالنصر على أعدائه، وفتحه مكة وإعلاء كلمة دينه، أمره إذ دخل
مكة أن يقول: وقل جاء الحق وزهق الباطل، فصار عَّه يطعن الأصنام التي حول
الكعبة بمحجنة ويقول: جاء الحق وزهق الباطل، فيخر الصنم ساقطًا، مع أنها
كانت مثبتة بالحديد والرصاص، وكانت ثلاثمائة وستين صنما بعدد أيام السنة.
قال: وفي معنى الحق والباطل لعلماء التفسير أقوال:
(وفي تفسير العلامة) الإِمام المفسر (ابن النقيب) جمال الدين أبي عبد الله محمد بن
سليمان بن حسن البلخي، ثم (المقدسي) الحنفي قدم مصر وأقام مدة بالجامع الأزهر وصنف
بها تفسيرًا كبيرًا إلى الغاية وكان عابدًا زاهدًا أمارًا بالمعروف ويتبرك بدعائه وبزيارته. مات
بالقدس في المحرم سنة ثمان وتسعين وستمائة ذكره في العبر (أن اللَّه تعالى لما أعلمه عَ ائّ
بأنه قد أنجز له وعده بالنصر على أعدائه وفتحه مكة وإعلاء كلمة دينه أمره إذا دخل مكة أن
يقول، وقل جاء الحق) الإِسلام أو القرءان (وزهق) اضمحل وتلاشى (الباطل) الكفر، أو
الأصنام، أو أبليس (فصار عَّه يطعن).
قال الحافظ: بضم العين وفتحها، والأول أشهر (الأصنام التي حول الكعبة بمحجنه) بكسر
الميم، وسكون المهملة، وفتح الجيم، فنون عصا محنية الرأس وهذا موافق لرواية الصحيحين،
فجعل يطعنها بعود في يده.
وظاهر قوله في رواية البيهقي، وأبي نعيم السابقة أشار إليه بقضيبه أنه مجرد إِشارة، بلا
طعن حقيقي، فيمكن التجوز في قوله أشار عن الطعن بالعود دون أن يمسها بيده الشريفة بأن
سمي الطعن إشارة لخفته حتى كأنه ليس بطعن حقيقي، (ويقول جاء الحق وزهق الباطل،) ولم
يأت بلفظ وقل مع أنها من جملة ما أمر بقوله على أصله أما، لأن المراد أن يتلو وقل الخ.
بدليل ما سيتلى عليك قريبًا أنها نزلت يومئذٍ، وأما لأنها معطوفة على شىء قبله في كلام
جبريل كأن يقال أمره أن يقول كذا وكذا ولم يسمه، وعطف عليه قوله وقل ففهم أن المأمور به
جاء الحق دون لفظ، وقل (فيخر) بكسر الخاء يسقط فقوله (ساقطاً) تأكيد أو لدفع توهم أن يراد
غير السقوط، لأن خر يستعمل لصوت الماء والنائم والمخنق كما في اللغة، (مع أنها كلها كانت
مثبتة بالحديد والرصاص، وكانت ثلاثمائة وستين صنمًا بعددٍ أيام السنة).
قال الحافظ وغيره: وفعل النبي عَّ ذلك لإِذلال الأصنام وعابديها ولإظهار أنها لا تنفع
ولا تضر ولا تدفع عن نفسها شیئا.
(قال) ابن النقيب: (وفي معنى الحق والباطل لعلماء التفسير أقوال) في المراد بهما في

٤٦٣
باب غزوة الفتح الأعظم
قال قتادة: جاء القرءان وذهب الشيطان. وقال ابن جريج: جاء الجهاد
وذهب الشرك، وقال مقاتل: جاءت عبادة الله وذهبت عبادة الشيطان.
وقال ابن عباس: وجد عَّه يوم الفتح حول البيت ثلاثمائة وستين صنما،
كانت لقبائل العرب يحجون إليها، وينحرون لها، فشكا البيت إلى الله تعالى فقال:
أي رب، حتى متى تعبد هذه الأصنام حولي دونك فأوحى الله تعالى إليه إني
سأحدث لك نوبة جديدة، يدفون إليك دفيف النسور، ويحنون إليك حنين الطير
إلى بيضها، لهم عجيج حولك بالتلبية. قال: ولما نزلت الآية يوم الفتح قال جبريل
عليه الصلاة والسلام لرسول الله عليه: خذ
الآية، وإلا فالحق كما قال التفتازاني هو الحكم المطابق للواقع يطلق على الأقوال والعقائد
والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك، ويقابله الباطل (قال قتادة: جاء) الحق، أي
(القرءان و) زهق (ذهب) الباطل (الشيطان) إبليس اللعين، لأنه صاحب الباطل أو لأَنه هالك، كمّا
قيل له الشيطان من شاط إِذا هلك، (وقال ابن جريج) عبد الملك: (جاء الجهاد) أي الأمر به، أو
حصل من المسلمين امتثالاً للأمر به. (وذهب الشرك) الكفر وتسويلات الشيطان.
(وقال مقاتل: جاءت عبادة اللَّه) في البلد الحرام بإِسلام غالب أهله في الفتح، ثم لم يبق
قرشي بعد حجة الوداع إلا أسلم كما في الإصابة (وذهبت عبادة الشيطان،) وقد روى أبو يعلى،
وأبو نعيم، عن ابن عباس لما فتح عَّ مكة رن إبليس رنة فاجتمعت إِليه ذريته، فقال: ايئسوا أن
تردوا أمة محمد إِلى الشرك بعد يومكم، ولكن انشوا فيها يعني مكة النوح والشعر.
(وقال ابن عباس وجد عَّه يوم الفتح حول البيت ثلاثمائة وستين صنمًا كانت لقبائل
العرب يحجون) يقصدون أي يأتون (إليها وينحرون لها) لتعظيمها.
وعند ابن إسحق في غير هذا الموضع مع اعترافهم بفضل الكعبة عليها، (فشكا البيت) بلسان
القال على المتبادر الظاهر بأن خلقت له قوة النطق بالشكاية، كنطق الجذع وغيره (إلى الله
تعالى، فقال: أي رب حتى متى) إِلى أي وقت (تعبد هذه الأصنام حولي دونك؟ فأوحى الله
تعالى إِليه) وحي الهام، كما أوحى إلى النحل (إني سأحدث لك نوبة جديدة،) بالنون جماعة،
أي دولة من الناس، (يدفون) بضم الدال، يسرعون (إليك دفيف النسور،) أي مثل إِسراعها فشبه
قدوم الناس له بدفيفها بفاءين وهو تحريك جناحيها للطيران، (ويحنون) بكسر الحاء، يشتاقون
(إليك حدين الطير إلي بيضها لهم عجيج) رفع صوت (حولك بالتلبية) الخالصة إِلى الله تعالی.
(قال) ابن عباس: (ولما نزلت الآية يوم الفتح، قال جبريل لرسول اللَّه عَ 4مل حد

٤٦٤
باب غزوة الفتح الأعظم
بمخصرتك ثم ألقها، فجعل يأتي لها صنمًا صنمًا ويطعن في عينه أو بطنه بمخصرته
ويقول: جاء الحق وزهق الباطل، فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعا. وبقي
صنم خزاعة فوق الكعبة وكان من قوارير صفر. فقال يا علي: ارم به، فحمله عليه
الصلاة والسلام حتى صعد ورمى به وكسره. فجعل أهل مكة يتعجبون. انتهى.
بمخصرتك) بكسر الميم قضيبك، كما عبر به في رواية البيهقي المارة، وهو المراد من المحجن
والعود (ثم ألقها) أي الأصنام، ولعله أشار إليها حين قال له ذلك إذ هي غير مذكورة في ذي الرواية،
(فجعل يأتي لها صنمًا صنمًا)، أي بعد صنم (ويطعن في عينه أو بطنه) تنويع لا شك وهو حقيقي.
وأما قوله في حديث ابن عمر فيسقط الصنم ولا يمسه فالضمير للمصطفى بدليل رواية من
غير أن يمسه بيده لا للعود إِذ لا يدله (بمخصرته، ويقول: ((جاء الحق وزهق الباطل)) فينكب الصنم
لوجهه حتى ألقاها جميعًا).
وفي رواية ابن إسحق وغيره عن ابن عباس، فما أشار إِلى صنم في وجهه إِلا وقع لقفاه،
ولا أشار لقفاه إلا وقع لوجهه حتى ما بقي منها صنم إِلا وقع، فقال تميم بن أسد الخزاعي:
وفي الأصنام معتبر وعلم لمن يرجو الثواب أو العقابا
وأفاد في روايته أن ذلك كان وهو طائف، فلما فرغ من طوافه نزل عن راحلته، وعند ابن
أبي شيبة عن عمر فما وجدنا مناخًا في المسجد حتى أنزل على أيدي الرجال، فأخرج الراحلة
فأناخها بالوادي، ثم انتهى عَّ إِلى المقام وهو لاصق بالكعبة، فصلى ركعتين ثم انصرف إِلى
زمزم، وقال لولا أن تغلب بنو عبد المطلب لنزعت منها دلوًا. فنزع له العباس دلوا، فشرب منه،
وتوضأ والمسلمون يبتدرون وضوءه يصبونه على وجوههم والمشركون ينظرون ويعجبون
ويقولون: ما رأينا ملكًا قط أبلغ من هذا، ولا سمعنا به وأمر بهبل فكسر وهو واقف عليه، فقال
الزبير لأبي سفين: قد كسر هبل أما إنك قد كنت يوم أحد في غرور حين تزعم أنه أنعم؟، فقال
أبو سفين: دع عنك هذا يا ابن العوام فقد أرى لو كان مع إِله محمد غيره لكان غير ما كان، ثم
جلس عٍَّ في ناحية المسجد والناس حوله.
وروى البزار عن أبي هريرة كان عَّه يوم الفتح قاعد وأبو بكر قائم على رأسه بالسيف
(وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة وكان من قوارير صفر) بضم الصاد وكسرها لغة نحاس على
شكل القوارير جمع بعضها إلى بعض.
وفي حديث علي وكان من نحاس موتدًا بأوتاد من حديد إِلى الأرض (فقال يا علي إِم
به، فحمله عليه الصلاة والسلام حتى صعد ورمى به وكسره، فجعل أهل مكة يتعجبون انتهى.)
كلام ابن النقيب وفي سياقه في هذه القصة الأخيرة اختصار، فقد رواه ابن أبي شيبة، والحاكم

٤٦٥
باب غزوة الفتح الأعظم
وعن ابن عباس: لما قدم عَّله أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها
فأخرجت، فأخرجوا صورة إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام في أيديهما الأزلام،
يعني: الأقداح، التي كانوا يستقسمون بها، فقال رسول الله عَ ل: قاتلهم الله، أما
والله
عن علي قال: انطلق عَّه حتى أتى بي الكعبة، فقال: إِجلس فجلست، إِلى جنب الكعبة فصعد
على منكبي، ثم قال: إِنهض فنهضت فلما رأى ضعفي تحته قال: إِجلس فجلست ثم قال: يا
علي إِصعد على منكبي ففعلت، فلما نهض بي خيل لي لو شئت نلت أفق السماء، فصعدت
فوق الكعبة وتنحی علے، فقال: «ألق صنمهم الأکبر»، و کان من نحاس موتدًا بأوتاد من حديد
إلى الأرض فقال عليه السلام عالجه ويقول لي: ((إيه إيه جاء الحق وزهق الباطل إِن الباطل كان
زهوقًا»، فلم أزل أعالجه حتى استمكنت منه، وقد أجاد القائل:
يا رب بالقدم التي أوطأنها من قاب قوسين المحل الأعظما
وبحرمة القدم التي جعلت لها كتف المؤيد بالرسالة سلما
قدمي وكن لي منقذًا ومسلما
ثبت على متن الصراط تكرما
واجعلهما ذخري فمن كاناله ذخرًا فليس يخاف قط جهنما
(وعن ابن عباس، لما قدم عَّة) مكة (أبى) امتنع (أن يدخل البيت) الحرام (وفيه
الآلهة،) أي الأصنام، وأطلق عليها الآلهة باعتبار ما كانوا يزعمون، وفي جواز إطلاق ذلك وقفة،
والذي يظهر كراهته وكانت تماثيل على صور شتى فامتنع من دخول البيت وهي فيه، لأنه لا يقر
على باطل، ولأنه لا يحب فراق الملائكة، وهي لا تدخل بيتًا فيه صورة (فأمر بها فأخرجت).
في حديث جابر عند ابن سعد وأبي داود أنه صَ أمر عمر بن الخطاب وهو بالبطحاء أن
يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها حتى محيت الصور، فكان عمر هو الذي
أخرجها والذي يظهر أنه محا ما كان من الصور مدهونًا مثلاً وأخرج ما كان مخروطًا ذكره في
الفتح، (فأخرجوا صورة إِبراهيم، وإِسمعيل عليهما السلام في أيديهما الأزلام) جمع زلم بضم
الزاي، ويقال: بفتحها واللام مفتوحة فيهما وهو السهم، (يعني الأقداح) جمع قدح بالكسر سهم
صغير لا ريش له ولا نصل (التي كانوا يستقسمون) يطلبون القسم والحكم (بها) في الخير والشر
مكتوب عليها إِفعل لا تفعل، فإذا أراد أحدهم فعل شىء أخرج واحدًا منها، فإن خرج الأمر مضى
لشأنه، وإِن خرج النهي كف، (فقال رسول اللَّه عٍَّ قاتلهم اللَّه) أي لعنهم، كما في القاموس
وغيره. (أما) بفتح الهمزة، وخفة الميم بعدها ألف حرف استفتاح.
قال الحافظ: كذا رواية بعضهم وللأكثر أم (والله) قال المصنف بحذف الألف للتخفيف

٤٦٦
باب غزوة الفتح الأعظم
لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط. فدخل البيت وكبر في نواحيه ولم يصل.
رواه الترمذي.
(لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط.) قال الحافظ: قيل وجه ذلك أنهم كانوا يعلمون أول من
أحدث الاستقسام بها وهو عمرو بن لحي، فكانت نسبتهم إلى إِبراهيم وولده، ذلك افتراء عليهما
انتھی.
قال الزركشي معنى قط هنا أبدًا، ورده الدماميني بأن قط مخصوص باستغراق الماضي من
الزمان، وأما أبدًا، فيستعمل في المستقبل نحو، لا أفعل أبدًا خالدين فيها أبدًا (فدخل البيت»)
وظاهر هذا أنها أخرجت قبل دخوله كظاهر قول جابر لم يدخلها حتى محيت الصور.
ووقع عند الواقدي في حديث جابر، وكان عمر قد ترك صورة إِبراهيم فلما دخل عَّيه.
رآها فقال: ((يا عمر ألم آمرك أن لا تدع فيها صورة قاتلهم اللَّه جعلوه شيخًا يستقسم بالأزلام)). ثم
رأى صورة مريم، فقال: ((امسحوا ما فيها من الصور، قاتل الله قومًا يصورون ما لا يخلقون)).
قال: في الفتح وفي حديث أسامة أنه عَّ دخل الكعبة فرأى صورًا فدعا بماء فجعل
يمحوها وهو محمول على أنه بقيت بقية خفيت على من محاها أولاً.
وقد حكى ابن عائذ عن سعيد بن عبد العزيز أن صورة عيسى وأمه بقيتا حتى رآهما بعض
من أسلم من نصارى غسان، فقال: إِنكما لبلاد عربية، فلما هدم ابن الزبير البيت ذهبا فلم يبق
لهما أثر، وقال عمر بن شبة حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج سأل سليمن بن موسى عطاء أدركت
في الكعبة تماثيل؟، قال: نعم أدركت تمثال مريم في حجرها ابنها عيسى مزوقًا وكان ذلك في
العمود الأوسط الذي يلي الباب، قال: متى ذهب ذلك، قال: في الحريق، وبه عن ابن جريج
أخبرني ابن دينار أنه بلغه أن النبي ◌َّ أمر بطلس الصورة التي كانت في البيت، وهذا سند
صحيح ومن طريق عبد الرحمن بن مهران عن عمير مولى ابن عباس عن أسامة أنه عدّ له دخل
الكعبة، فأمرني فأتيته بماء في دلو، فجعل ييل الثوب ويضرب به على الصورة، ويقول قاتل اللَّه
قومًا يصورون ما لا يخلقون انتهى.
وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر أن المسلمين تجردوا في الأزر وأخذوا الدلاء، وانجروا
على زمزم يغسلون الكعبة ظهرها وبطنها فلم يدعوا أثرًا من المشركين إِلا محوه وغسلوه انتهى،
فلعل صورة مريم کان لا يذهبها الغسل (و کبر في نواحيه ولم يصل،) وفي حديث بلال أنه صلى
ويأتي قريبا الجمع بوجهين في كلام المصنف.
(رواه الترمذي) كذا في النسخ وما أظنه إلا سبق قلم أراد أن يكتب البخاري فطغى عليه

٤٦٧
باب غزوة الفتح الأعظم
وعن ابن عمر قال: أقبل رسول الله عَّله عام الفتح على ناقته القصواء، وهو
مردف أسامة حتى أناخ بفناء الكعبة، ثم دعا عثمن بن طلحة فقال: اثتني بالمفتاح،
فذهب إلى أمه فأبت أن تعطيه فقال: والله لتعطينه، أو ليخرجن هذا السيف من
صلبي، فأعطته إياه، فجاء به النبي عَ لِّ فدفعه إليه، ففتح الباب رواه مسلم.
وروى الفاكهي من طريق ضعيفة، عن ابن عمر أيضًا قال: كان بنو أبي
طلحة يزعمون أنه لا يستطيع أحد فتح باب الكعبة غيرهم، فأخذ رسول الله عزّ له
المفتاح ففتحها بيده.
القلم. فإِن البخاري في يد المصنف وقد رواه في مواضع منها هنا وفي الحج (و) صح (عن ابن
عمر قال: أقبل رسول اللّه عَفي عام الفتح) وللبخاري في الجهاد يوم الفتح من أعلى مكة (على
ناقته القصواء) وهو يقرأ سورة الفتح يرجع صوته بالقراءة كما عند الشيخين، (وهو مردف
أسامة) بن زيد، وللبخاري في الجهاد والمغازي، ومعه بلال، وعثمن بن طلحة، (حتى أناخ بفناء
الكعبة ثم) بعدما دخل هو والثلاثة الكعبة وخرجوا كما في رواية الشيخين (دعا عثمن بن طلحة،
فقال: ائتني بالمفتاح فذهب إِلى أمه) وهي سلافة كما يأتي.
وعند الواقدي أن عثمن أخبر المصطفى أنه عند أمه فبث إليها فأبت: فقال عثمن: أرسلني
أخلصه لك منها فقال: يا أمه ادفعي إليّ المفتاح فإِنه عَّ له أمرني أن آتيه به (فأبت أن تعطيه).
وعند الواقدي، قالت: لا واللات والعزى، لا أدفعه إِليك أبدًا (فقال:) لالات ولا عزی قد
جاء أمر غير ما كنا فيه (واللَّه لتعطينه أو ليخرجن هذا السيف من صلبي).
وفي رواية الواقدي وإِنك إِن لم تفعلي قتلت أنا وأخي فأنت قتلتينا ووالله لتدفعنه أو ليأتين
غيري فيأخذه منك؟ فأدخلته في حجزتها وقالت: أي رجل يدخل يده هنا؟.
وروى عبد الرزاق، والطبراني من جهته من مرسل الزهري فأبطأ عثمن ورسول اللَّه عَلّد.
ينتظره حتى أنه لينحدر منه مثل الجمان من العرق ويقول ما يحبسه فيسعى إليه رجل، أي
أفيسعى وجعلت تقول: إِن أخذه منكم لا يعطيكموه أبدًا، فلم يزل بها، (فأعطته إياه، فجاء به
إلى النبي عَ ليه، فدفعه إِليه ففتح الباب، رواه مسلم) والبخاري، بنحوه لكن قوله فذهب إِلى
أمه الخ. من زيادة مسلم فلذا لم يعزه لهما.
قال الحافظ: وظهر من رواية البخاري في المغازي بلفظ وقال لعثمن ائتنا بالمفتاح فجاءه
بالمفتاح ففتح له الباب فدخل أن فاعل فتح في رواية في مسلم هو عثمن المذكور.
(و) لكن (روى الفاكهي من طريق ضعيفة عن ابن عمر أيضًا، قال: كانت بنو أبي طلحة
يزعمون أنه لا يستطيع أحد فتح باب الكعبة غيرهم فأخذ رسول اللَّه عَلّ المفتاح ففتحها بيده،)

٤٦٨
باب غزوة الفتح الأعظم
وعثمن المذكور: هو عثمن بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى، ويقال
له: الحجبي، بفتح الحاء المهملة والجيم، ويعرفون الآن بالشيبيين، نسبة إلى
شيبة بن عثمن بن أبي طلحة وهو ابن عم عثمن، وعثمن هذا لا ولد له وله صحبة
ورواية.
واسم أم عثمن: سلافة - بضم السين المهملة والتخفيف والفاء -.
وفي الطبقات لابن سعد:
ويحتمل الجمع بأنه عليه لما فتح الضبة بالمفتاح عاونه عثمن، فدفع الباب ففتحه له (وعثمن
المذكور هو عثمن بن طلحة بن أبي طلحة) واسمه عبد اللَّه قتل طلحة كافرًا يوم أحد.
قاله ابن إسحق وغيره (ابن عبد العزى) ابن عثمن بن عبد الدارٍ بن قصي بن كلاب العبدري
ومن قال كالبيضاوي عثمن بن طلحة ابن عبد الدار نسبه لجده الأعلى للتمييز بين أولاد قصي
على عادة أهل النسب فلا يفهم منه أن اسم أبي طلحة عبد الدار كما ظنه من وهم فإِنه لم يقله
أحد.
وفي التقريب تبعًا لغيره واسم جده أي عثمان عبد اللَّه (ويقال له الحجبي بفتح الحاء
المهملة والجيم) زاد في الفتح ولآل بيته الحجبة لحجبهم الكعبة. (ويعرفون الآن بالشيبيين
نسبة إلى شيبة بن عثمن بن أبي طلحة) المكي من مسلمة الفتح له صحبة وأحاديث.
روى له البخاري، وأبو داود، ابن ماجه ومات سنة تسع وخمسين (وهو) أي شيبة (ابن عم
عثمن، وعثمن هذا لا ولد له وله صحبة) وهجرة.
(ورواية) في مسلم وأبي داود وغيرهما مات سنة اثنتين وأربعين (واسم أم عشمن سلافة
بضم السين المهملة والتخفيف) للام (والفاء).
قال في الإصابة: وقال ابن الأثير، بالميم، وإنما هي بالفاء بنت سعيد الأنصارية الأوسية،
أسلمت بعده، ثم هذه العبارة جزم بها المصنف تبعًا للفتح في كتاب الحج من أول قوله وعثمن
المذكور إِلى هنا بلفظه وكأنه لم يصح عنده ما حكي أن ولد عشمن لما قدموا من المدينة منعهم
ولد شيبة، فشكوا إلى الخليفة المنصور ببغداد فكتب إلى ابن جريج يسأله، فكتب إليه أنه عليه
الصلاة والسلام دفع المفتاح إلى عثمن فأدفعه إلى ولده فدفعه فمنعوا ولد شيبة عن الحجابة،
فركبوا إِلى المنصور وأعلموه أن ابن جريج يشهد أن عليه السلام قال: خذوها يا بني طلحة
فكتب إِلى عامله أن شهد ابن جريج بذلك فأدخلهم، فشهد عند العامل بذلك فجعلها إِليهم
کلهم.
(وفي الطبقات لابن سعد) الحافظ محمد المشهور قال الخطيب: كان من أهل العلم

٤٦٩
باب غزوة الفتح الأعظم
عن عثمن بن طلحة قال: كنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الإثنين والخميس.
فأقبل النبي عَّهُ يومًا يريد أن يدخل الكعبة مع الناس، فأغلظت له ونلت منه،
فحلم عني ثم قال: يا عثمن، لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث
شئت، فقلت لقد هلكت قريش يومئذٍ وذلت، قال: بل عمرت وعزت يومئذٍ،
ودخل الكعبة، فوقعت كلمته مني موقعًا ظننت يومئذٍ أن الأمر سيصير إلى ما قال.
فلما كان يوم الفتح قال: يا عثمن ائتني بالمفتاح فأتيته به فأخذه مني، ثم دفعه
إلي
والفضل صنف كتابًا كبيرًا في طبقات الصحابة والتابعين، ومن يعدهم إِلى وقته فأجاد فيه
وأحسن. مات سنة ثلاثين ومائتين، فروى فيها من طريق إبراهيم بن محمد العبدري عن أبيه (عن
عثمن بن طلحة)، الصحابي المذكور (قال:) زاد في رواية الواقدي لقيني عَل بمكة قبل الهجرة
فدعاني إلى الإِسلام فقلت: يا محمد العجب لك حيث تطمع أن أتبعك وقد خالفت دين قومك
وجئت بدين محدث، و(كنا نفتح الكعبة في الجاهلية) أراد بها ما قبل الفتح لأنه أفاد أن ذلك
البعثة وقبل الهجرة، كقول ابن عباس في الصحيح سمعت أبي يقول في الجاهلية: اسقنا كأسًا
دهاقًا.
وابن عباس إنما ولد في الشعب (يوم الاثنين، والخميس فأقبل النبي عٍَّ يومًا يريد أن
يدخل الكعبة مع الناس) وذلك بعد بعثته لقوله (فأغلظت له) عنفته بالكلام.
وفي نقل العيون عن ابن سعد المذكور فغلظت عليه وهو مستعار من التغليظ في اليمين
أي شددت عليه القول (ونلت منه فحلم) بضم اللام صفح (عني، ثم قال: يا عثمن لعلك سترى
هذا المفتاح يومًا بيدي، أضعه حيث شئت، فقلت: لقد هلكت قريش، يومئذٍ وذلت) يعني أن
هذا محال، فإِن قريشًا ما دامت لا تقدر عليه، (قال بل عمرت) بفتح الميم وكسرها، ففي
القاموس عمر كفرح ونصر وضرب، عمرًا وعمارة بقي زمانًا، والمعنى أن هذا الأمر يحصل وبه
حياة قريش في الدارين الحياة الطيبة، (وعزت يومئذٍ) بدخولها في دين اللَّه، ومجاهدتها في
سبيله الملوك الأكاسرة، وتلقيها كتاب اللَّه وأحاديث رسوله بعد ذلها بمزيد الجهل وعبادة حجارة
تنحتها بأيديها إِذا خلي المرء وعقله لا يرتضيها وفيه علم من أعلام النبوة باهر.
(ودخل الكعبة فوقعت كلمته مني موقعًا ظننت أن الأمر سيصير إِلى ما قال،) لأنه كان
معروفًا بينهم بالصدق والأمانة، فإنهم لا يكذبونك وأسقط من هذا الخبر، ما لفظه فأردت الإِسلام
فإِذا قومي يزبرونني زبرًا شديدًا (قال فلما كان يوم الفتح، قال: يا عثمن ائتني بالمفتاح فأتيته
به) من عند أمي بعد امتناعها، على ما مر (فأخذه مني، ثم دفعه إليّ).

٤٧٠
باب غزوة الفتح الأعظم
وقال: خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمن إن الله استأمنكم على
بيته فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف. قال: فلما وليت ناداني،
فرجعت إليه فقال: ألم يكن الذي قلت لك؟! قال: فذكرت قوله لي بمكة قبل
الهجرة: لعلك سترى هذا المفتاح يومًا بيدي أضعه حيث شئت. قلت:
وروى الفاكهي عن جبير بن مطعم أنه عَ لما ناول عثمن المفتاح قال له غيبه.
قال الزهري: فلذلك يغيب المفتاح وفي هذه الأحاديث كلها أن الذي طلب منه المفتاح،
وأتى به عثمن ودفع إليه ووقع عند ابن أبي شيبة بسند جيد عن أبي السفر لما دخل عَّ الله مكة
دعا شيبة بن عثمن بالمفتاح مفتاح الكعبة فتلكأ، فقال لعمر: قم فاذهب معه فإِن جاء به وإِلا
فأخله رأسه، فجاء به فوضعه في حجره، ويمكن الجمع بأن أم عثمن لما امتنعت من دفعه حين
أرسل يطلبه المصطفى منها فذهب لها ابنها عثمن وأبطأت عليه دعا شيبة فطلبه منه حتى
لا يساعد المرأة في المنع فأرسله مع عمرو، قال له: هذه المقالة لتذهب عنه حمية الجاهلية
فسلمته لعثمن وهو الذي أتى به، ثم دفع إليه ونسب إليه المجيء به في هذه الرواية، لمجيئه مع
ابن عمه، وسكوته على ذلك وإلا فما في الصحيح من أن عثمن هو الآتي به أصح، (وقال
خذوها،) أي سدانة الكعبة (خالدة تالدة) معنى كل منها مقيمة، كما في القاموس وغيره فالثاني
تأكيد للأول حسنه اختلاف اللفظ، وقال المحب الطبري لعل تالدة من التالد وهو المال القديم،
أي هي لكم من أول الأمر وآخره، واتباعها لخالدة بمعناها (لا ينزعها منكم إلا ظالم).
وفي رواية، لا يظلمكموها إلا كافر أي كافر نعمة الفتح العظيم عليه ويحتمل الحقيقة،
أي أن استحل (يا عثمن إِن اللَّه استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصل إِليكم من هذا البيت،)
أي بسبب خدمته على سبيل التبرع، والبر (بالمعروف).
قال المحب الطبري: ربما تعلق به الجهال في جواز أخذ الأجر على دخول الكعبة،
ولا خلاف في تحريمه وأنه من أشنع البدع، وهذا إن صح احتمل أن معناه ما يأخذونه من بيت
المال على خدمته والقيام بمصالحه ولا يحل لهم إِلا قدر ما يستحقونه أو ما يقصدون به من البر
والصلة، على وجه التبرر فلهم أخذه وذلك أكل بالمعروف قال الشمس الحطاب الملكي:
والمحرم إنما هو نزع المفتاح منهم لا منعهم من انتهاك حرمة البيت وما فيه قلة أدب.
فهذا واجب لا خلاف فيه، لا كما يعتقده الجهلة أنه لا ولاية لأحد عليهم وأنهم يفعلون
في البيت ما شاؤوا فهذا لا يقوله أحد من المسلمين (قال) عثمن: (فلما وليت ناداني فرجعت
إِليه، فقال: ألم يكن الذي قلت لك، فذكرت قوله لي بمكة قبل الهجرة لعلك سترى هذا
المفتاح يومًا بيدي أضعه حيث شئت. قلت بلى) جواب للنفي أي قد كان ذلك ولم يقل له

٤٧١
باب غزوة الفتح الأعظم
بلى أشهد أنك رسول الله.
وفي التفسير: أن هذه الآية ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى
أهلها﴾ [النساء: ٥٨] نزلت في عثمن بن طلحة الحجبي. أمره عليه الصلاة والسلام
أن يأتيه بمفتاح الكعبة فأبى عليه، وأغلق باب البيت وصعد إلى السطح وقال: لو
علمت أنه رسول الله لم أمنعه، فلوى علي يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب،
فدخل عَّةِ البيت، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له بين السقاية
ذلك ابتداء تأنيسًا له وخشية أن يفهم عنه أنه يعنقه، فلما اطمأن بدفعه له وذهابه عاوده فقال:
ذلك ليعلمه بالمعجزة الظاهرة ليزداد إيمانًا إِلى إيمانه، ومن ثم قال: (أشهد أنك رسول الله) فلیس
ابتداء إيمانه، لأنه أسلم وهاجر قبل الفتح كما أسلفه المصنف.
(وفي التفسير) للثعالبي بلا سند (إن هذه الآية) وهي قوله تعالى: ﴿﴿إِن اللَّه يأمركم أن
تؤدوا الأمانات﴾) ما اثتمن عليه (﴿إِلى أهلها﴾)، خطاب يعم المكلفين، كما قاله
ابن عباس عند ابن أبي حاتم وجميع الأمانات، ومن ثم استدل به الملكية على أن الحربي إِذا
دخل دارنا بأمان فأودع وديعة ثم مات أو قتل وجب رد وديعته وماله إلى أهله. وأن المسلم إِذا
استدان من الحربي بدار الحرب، ثم خرج يجب وفاؤه وعلى حرمة خيانة أسير ائتمن طائعًا
واختار ابن جرير ما رواه عن علي وغيره أنها خطاب لولاة المسلمين أمروا بأداء الأمانة، لمن ولوا
عليه، فهي عامة وإِن (نزلت في عثمن بن طلحة الحجبي،) نسبة إلى الحجابة، وهي سدانة
البيت بسين مكسورة ودال مهملتين فألف فنون فتاء تأنيث خدمته وتولى أمره، وفتح بابه،
وإغلاقه.
(أمره عليه الصلاة والسلام أن يأتيه بمفتاح الكعبة، فأبى عليه، وأغلق باب البيت، وصعد
إلى السطح، وقال لو علمت أنه رسول اللَّه لم أمنعه) وهذا وهم كما يأتي، ولعله بفرض
صحته.
وقع من ابن عمه شیبة، لأنه لم یکن أسلم بعد، لکن بعدہ لا يخفى، لأنه لم يمكن من هو
اجل منه منع شىء ولا قول شیء يومئذٍ.
(فلوى على يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب).
وفي هذا السياق، نكارة ومخالفة لما يفهم من حديث الصحيح، أن الذي فتحه عنمن، أو
النبي ◌َُّ، على ما رواه الفاكهي وهو ظاهر رواية مسلم كما مر.
(فدخل عَّ البيت، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح، ويجمع له بين السقاية)

٤٧٢
باب غزوة الفتح الأعظم
والسدانة، فأنزل الله هذه الآية. فأمر عَّ عليا أن يرد المفتاح إلى عثمن ويعتذر
إليه، ففعل ذلك علي رضي الله عنه، فقال: أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق؟! فقال
علي: لقد أنزل الله تعالى في شأنك قرءانا، وقرأ عليه الآية. فقال عثمن: أشهد أن
محمدًا رسول الله. فجاء جبريل عليه الصلاة والسلام فقال: ما دام هذا البيت أو
لبنة من لبناته قائمة، فإن المفتاح والسدانة في أولاد عثمن.
وهي أحواض من أدم، ويوضع فيها الماء العذب لسقاية الحاج، وقد يطرح فيه التمر والزبيب.
فعل ذلك عبد المطلب لما حفر زمزم، وقام بها بعده العباس، فلما كان يوم الفتح، قال
الواقدي عن شيوخه.
قبض علّ ل مفتاح السقاية منه، ومفتاح البيت من عثمن، فسأله العباس أن يجمع له بین
السقاية. (والسدانة فأنزل اللَّه هذه الآية).
وهكذا روى عبد الرزاق عن ابن أبي مليكة، أن السائل العباس، وفي رواية ابن إسحق عن
بعض أهل العلم، أنه علي ولفظه، ثم جلس، أي بعد الخطبة، عَُّ في المسجد، فقام إليه علي
ومفتاح البيت في يده، فقال: إِجمع لنا الحجابة مع السقاية، والجمع بينهما أنه سأل لعمه لا لنفسه،
(فأمر عٍَّ عليًا أن يرد المفتاح إِلى عثمن، ويعتذر إليه، ففعل ذلك علي رضي اللَّه عنه).
واعتذر عَّ، كما روى عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة؛ أنه عليه الصلاة
والسلام قال لعلي: يومئذٍ إِنما أعطيكم ما ترزأون، ولم أعطكم ما ترزأون يقول: أعطيكم السقاية
لأنكم تغرمون فيها،ولم أعطکم البيت.
قال عبد الرزاق أي أنهم يأخذون من هديته.
(فقال:) عثمن لعلي (أكرهت وآذيت، ثم جئت ترفق؟، فقال علي: لقد أنزل اللَّه تعالى
في شأنك قرءانًا، وقرأ عليه الآية، فقال عثمن أشهد أن محمدًا رسول اللّه) .
قال في الإِصابة كذا وقع في تفسير الثعلبي بلا سند، أنه أسلم يوم الفتح بعد أن دفع له
المفتاح، وهو منكر، والمعروف أنه أسلم وهاجر مع عمرو بن العاصي وخالد بن الوليد، وبه جزم
غير واحد انتهى، وفيه نكارة أيضًا من جهة أن الذي دفع له المفتاح علي، والذي تظافرت به
الآثار، أن الذي دفعه له المصطفى، وأصرحها حديث جبير بن مطعم، أنه عَّةٍ لما ناول عثمن
المفتاح قال له غيبه وحديث الواقدي عن شيوخه، أنه أعطاه المفتاح ورسول اللَّه مطيع بثوبه عليه،
وقال غييوه؛ إِن اللَّه تعالى رضي لكم بها في الجاهلية والإِسلام.
(فجاء جبريل عليه السلام، فقال ما دام هذا البيت أو لبنة من لبناته قائمة فإِن المفتاح
والسدانة في أولاد عثمن) بن أبي طلحة. لا عثمن بن طلحة، لما قدمه المصنف قريبا تبعًا للفتح

٤٧٣
باب غزوة الفتح الأعظم
فلما مات دفعه إلى أخيه شيبة، فالمفتاح والسدانة في أولاده! يوم القيامة.
قال ابن ظفر في ((ينبوع الحياة)) قوله: ((لو أعلم أنه رسول الله لم أمنعه)) هذا
وهم، لأنه كان ممن أسلم. فلو قال هذا كان مرتدا.
وعن الكلبي: لما طلب عليه الصلاة والسلام المفتاح من عثمن مد يده
إليه، فقال العباس: يا رسول الله اجعلها مع السقاية، فقبض عثمن يده بالمفتاح،
فقال: هاكه بالأمانة، فأعطاه إياه فنزلت الآية.
أن عثمن هذا لا ولد له، (فلما مات دفعه إلى أخيه شيبة،) مر أيضًا أنه ابن عمه ويحتمل
تصحيحه بما مر أنه قال لأمه: إِن لم تدفعي المفتاح قتلت أنا وأخي.
لكن لم يسم، فيكون اسمه شيبة على ما يفيده هذا الخبر، ويكون أعطاه له أخوه فمات
ولم يعقب أيضًا فأخذه ابن عمه شيبة بن عثمن بن أبي طلحة، (فالمفتاح والسدانة في أولاده إِلى
يوم القيامة).
ولذا عرفوا بالشيبيين، ويحتمل أنه المراد الأخوة في سدانة البيت، وبالجملة فهذا الحديث
منكر من جهات عديدة، ومن ثم (قال) محمد (بن ظفر،) بفتح الظاء المعجمة، والفاء وبالراء
(في ينبوع الحياة،) اسم تفسيره؛ (قوله لو علمت أنه رسول اللَّه، لم أمنعه، هذا وهم لأنه كان
ممن أسلم،) وهاجر قبل الفتح في صفر سنة ثمان، وقيل سنة سبع، وقيل سنة خمس، كما قدم
المصنف وقدمت عن الإصابة أن الثالث وهم.
(فلو قال هذا كان مرتدًا) إلا أن يقال: هذا وقع من غيره ممن لم يسلم حينئذٍ من أهله،
فنسب إِلیه مجازًا، وبعده لا يخفى.
(وعن الكلبي) محمد بن السائب، فيما رواه ابن مردويه عنه عن أبي صالح عن ابن عباس
قال: (لما طلب عليه الصلاة والسلام المفتاح من عثمن، مد يده إليه، فقال العباس: يا
رسول اللّه، اجعلها مع السقاية، فقبض عثمن يده بالمفتاح، فقال له رسول اللَّه عَّهِ: إِن كنت يا
عشمن تؤمن بالله واليوم الآخر فهاته) بكسر التاء فعل أمر وهذا صريح في أنه كان آمن كما هو
المعروف، لأنه لو كان لم يؤمن لم يقل له ذلك.
(فقال: هاكه) اسم فعل بمعنى خذه (بالأَمانة) أي ملتبسًا بها، أي خذه أمانة على أن ترده
إلي، لأن كل شىء اليوم بيدك، وتحت قدمك، ولفظ ابن مردويه فقال: هاكه بأمانة اللّه، فقام
ففتح الكعبة، ثم خرج فطاف بالبيت، ثم نزل عليه جبريل برد المفتاح، فدعا عثمن بن طلحة
(فأعطاه إياه فنزلت الآية).

٤٧٤
باب غزوة الفتح الأعظم
قال ابن ظفر: وهذا أولى بالقبول.
ولفظ ابن مردويه ثم قال: ﴿إِن اللَّه يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾، حتى فرغ
من الآية.
(قال ابن ظفر: وهذا أولى بالقبول) من الخبر السابق.
وروى الأزرقي وغيره عن مجاهد: نزلت هذه الآية في عثمن بن طلحة، أخذ عليه الصلاة
والسلام منه مفتاح الكعبة ودخلها يوم الفتح، فخرج وهو يتلوها، فدعا عثمن، فدفعه إليه، وقال:
خذوها يا بني أبي طلحة بأمانة اللَّه، لا ينزعها منكم إلا ظالم.
قال: وقال عمر: لما خرج مَّه من الكعبة، خرج وهو يتلو هذه الآية، ما سمعته يتلوها قبل
ذلك، قال السيوطي: ظاهر هذا أنها نزلت في جوف الكعبة، انتهى.
وروى الأزرقي أيضًا نحوه من مرسل بن المسيب وقال: في آخره خذوها خالدة تالدة،
لا یظلمکموها إِلا کافر.
وروى ابن عائذ وابن أبي شيبة من مرسل عبد الرحمن بن سابط، أنه عَّ دفع المفتاح
إِلى عثمن، فقال: خذوها خالدة مخلدة، إني لم أدفعها إليكم، ولكن اللَّه دفعها إليكم ولا ينزعها
منکم إِلا ظالم.
وروى عبد الرزاق والطبراني من طريقه من مرسل الزهري: أنه عٍَّ لما خرج من البيت
قال علي: إِنا أعطينا النبوة والسقاية والحجابة ما قوم وبأعظم نصيبًا منا، فكره عَّةٍ مقالته، ثم دعا
عثمن بن طلحة، فدفع المفتاح إليه.
وعند ابن إسحق عن بعض أهل العلم فقال: هاك مفتاحك يا عثمن، الیوم یوم بر ووفاء،
وفي هذه الأخبار كلها دليل على بقاء عقبهم إِلى الآن.
قال العلامة الشمس الحطاب الملكي: ولا التفات إلى قول بعض المؤرخين أن عقبهم
انقطعٍ في خلافة هشام بن عبد الملك، فإنه غلط لقول لملك: لا يشرك مع الحجبة في الخزانة
أحد لأنها ولاية منه عَّله، ولملك ولد بعد هشام بنحو عشرين سنة.
وذكر ابن حزم وابن عبد البر جماعة منهم في زمانهم، وعاشا إِلى بعد نصف المائة
الخامسة.
وكذا ذكر العلامة القلقشندي، وعاش إلى إحدى وعشرين وثمانمائة، ولا دلالة لزاعم
انقراضهم، في إخدام مدوية الكعبة عبيدًا لأن إِخدامها غير ولاية فتحها، كما هو معلوم، وكثيرًا ما
يقع في كلام المؤرخين كالأزرقي والفاكهي ذكر الحجبة، ثم الخدمة، بما يدل على التغاير
بینھما. انتھی ملخصًا.

٤٧٥
باب غزوة الفتح الأعظم.
وفي رواية لمسلم: دخل عليه الصلاة والسلام هو وأسامة بن زيد وبلال
وعثلمن بن طلحة الحجبي فأغلقوا عليهم الباب. قال ابن عمر فلما فتحوا كنت
أول من ولج، فلقيت بلالاً فسألته: هل صلى فيه رسول الله عَّله؟ قال: نعم، بين
العمودين اليمانيين، وذهب عني أسأله: كم صلى.
(وفي رواية لمسلم،) وكذا للبخاري، ولا وجه لقصر العز وكلاهما من حديث ابن عمر:
(دخل عليه الصلاة والسلام) الكعبة عام الفتح، (هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمن بن طلحة
الحجبي،) زاد مسلم من طريق أخرى، ولم يدخلها معهم أحد، ووقع عند النسائي وأحمد
زيادة، والفضل بن عباس، (فاغلقوا عليهم الباب).
زاد أبو عوانة من داخل، وفي الموطأ فأغلقاها عليه، الضمير لعثمن وبلال ولمسلم،
فأجاف عليهم الباب. والجمع أن عثمن هو المباشر لذلك، لأنه من وظيفته، ولعل بلالاً ساعده
في ذلك، ورواية الجمع يدخل في الآمر بذلك والراضي به، وفي رواية فمكث نهارًا طويلاً،
وأخرى زمانًا بدل نهاراً، وأخرى فأطال، وكلها في البخاري ولمسلم فمكث فيها مليًا، وله أيضًا
فأجافوا عليهم الباب، وله أيضًا فمكث فيها ساعة، (قال ابن عمر) راوي الحديث: (فلما فتحوا
کنت أوّل من ولج).
(دخل) وفي رواية، ثم خرج فابتدر الناس الدخول، فسبقتهم.
وفي أخرى: وكنت رجلاً شابًا قويًا فبادرت الناس، فبدرتهم.
وأخرى: كنت أول الناس ولج على أثره.
وأخرى وأجد بلالاً قائمًا بين البابين. وكلها في البخاري.
(فلقيت بلالاً فسألته هل صلى فيه رسول اللّه عٍَّ قال نعم بين العمودين اليمانيين،)
بخفة الياء، لأنهم جعلوا الأَلف بدل إِحدى ياءي النسب.
وجوز سيبويه التشديد، والمحفوظ أنه سأل بلالاً كما رواه الجمهور، ولمسلم في رواية
أنه سأل بلالاً أو عثمن بالشك، ولأبي عوانة والبزار أنه سأل بلالاً وأسامة، ولأحمد والطبراني عن
ابن عمر أخبرني أسامة أنه صلى فيه ههنا، ولمسلم والطبراني فقلت: أين صلى؟ فقالوا فإن كان
محفوظًا، حمل على أنه ابتدأ بلالاً بالسؤال، ثم أراد زيادة الاستثبات في مكان الصلاة، فسأل
عثمن، وأسامة أيضًا.
ويؤيده رواية مسلم أيضًا: ونسيت أن أسألهم كم صلى بصيغة الجمع، وهذا أولى من
جزم عياض بوهم رواية مسلم.
وكأنه لم يقف على بقية الروايات، (وذهب) غاب (عني أسأله كم صلى،) أي نسيت

٤٧٦
باب غزوة الفتح الأعظم
وفي إحدى روايات البخاري:
سؤاله عن عدد صلاته.
وللبخاري: فنسيت أن أسأله كم صلى من سجدة أي ركعة، ولذا استشكل الإِسمعيلي
وغيره ما وقع في الصحيح، من رواية مجاهد عن ابن عمر، فسألت بلالاً: أصلى النبي لمَّهِ.
قال: نعم، ركعتين، بين الساريتين اللتين عن يسارك إِذا دخلت، ثم خرج فصلى في وجه الكعبة
ركعتين، لأن المشهور عن ابن عمر من رواية نافع وغيره، أنه نسي أن يسأل عن كمية الصلاة،
والجواب باحتمال أن ابن عمر اعتمد على القدر المحقق، لأن بلالاً أثبت له الصلاة، ولم ينقل
تنقله عليه الصلاة والسلام نهاراً بأقل من ركعتين، فتحقق فعل الركعتين لما استقرىء من عادته،
فعلى هذا قوله ركعتين، من كلام ابن عمر لا بلال، وقوله: نسيت أن أسأله كم صلى، أي لم
يتحقق، أزاد على الركعتين أم لا، ويؤيد هذا ويستفاد منه جمع آخر ما رواه عمر بن شبة من
طريق آخر، عن ابن عمر بلفظ فاستقبلني بلال، فقلت: ما صنع عَّله ههنا، فأشار بيده أن صلى
ركعتين بالسبابة والوسطى، فعلى هذا يحمل على أنه لم يسأله لفظًا ولم يجبه لفظًا، وإنما استفاد
منه صلاة ركعتين بإشارته، لا بنطقه.
ونقل عياض أن قوله: ركعتين غلط من يحيى بن سعيد لقول ابن عمر نسيت إلى آخر وإنما
دخل الوهم عليه من ذكر الركعتين مردود، والمغلط هو الغالط، فإنه ذكر الركعتين قبل وبعد،
فلم يهم من موضع إِلى موضع، ولم ينفرد يحيى بذلك حتى يغلط، بل تابعه أربعة من الحفاظ
عن شيخه، وتابع شيخه إثنان عن مجاهد، ثم قد ورد ذلك عن عثمن بن طلحة عند أحمد
والطبراني، بإسناد قوي، وعن أبي هريرة عند البزار، وعبد الرحمن بن صفوان في الطبراني بإسناد
صحيح، وعن شيبة بن عثمن عند الطبراني بإسناد جيد، قال: لقد صلى ركعتين عند العمودين.
وفي هذا الحديث من الفوائد رواية الصحابي عن الصحابي، وسؤال المفضول مع وجود
الأفضل، والاكتفاء، به والحجة بخبر الواحد، ولا يقال هو أيضًا خبر واحد، فكيف يحتج للشىء
بنفسه، لأنا نقول: هو فرد ينضم إلى نظائر مثله توجب العلم بذلك، وفيه اختصاص السابق
بالبقعة الفاضلة، والسؤال عن العلم والحرص فيه، وفضل ابن عمر لشدة حرصه على تتبع آثاره
عَّبه، ليعمل بها، وأن الفاضل من الصحابة قد كان يغيب عنه عَّله في بعض المشاهد الفاضلة،
ويحضره من هو دونه، فيطلع على ما لم يطلع عليه، لأن أبا بكر وعمر وغيرهما ممن هو أفضل
من بلال ومن ذكر معه لم يشاركوهم في ذلك. انتهى من فتح الباري كله ملخصًا.
(وفي إحدى روايات البخاري) في كتاب الصلاة حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا
ملك عن نافع عن ابن عمر، فذكر الحديث، وفيه فسألت بلالاً حين خرج: ما صنع النبي

٤٧٧
باب غزوة الفتح الأعظم
جعل عمودًا عن يساره وعمودًا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه.
وليس بين الروايتين مخالفة، لكن قوله في الرواية الأخرى: وكان البيت
يومئذٍ على ستة أعمدة مشكل، لأنه يشعر بكون ما عن يمينه أو يساره كان اثنين،
ولهذا عقبه البخاري برواية إسماعيل بن أبي أويس التي قال فيها: عمودين عن يمينه.
ويمكن الجمع بين الروايتين بأنه: حيث ثنى أشار إلى ما كان عليه البيت
في زمنه عَّله، وحيث أفرد أشار إلى ما صار إليه بعد ذلك، ويرشد إليه قوله: وكان
البيت يومئذٍ. لأن فيه إشعارا بأنه تغير عن هيئته الأولى.
ويحتمل أن يقال: لم تكن الأعمدة الثلاثة على سمت واحد، بل اثنان على
سمت والثالث
قال: (جعل عمودًا عن يساره وعمودًا عن يمينه)، بإفراد عمود.
فيهما كما هو الثابت في البخاري، (وثلاثة أعمدة وراءه، وليس بين الروايتين) رواية
ملك هذه ورواية جويرية عن نافع المروية في البخاري قبلها بلفظ: صلى بين العمودين المقدمين،
وبمعناها الرواية التي ساقها المصنف فوقها: بين العمودين اليمانيين، وهي في البخاري من رواية
الزهري عن سالم عن أبيه، (مخالفة) فإن معنى البينية جعل واحدًا عن يساره وآخر عن يمينه.
(لكن قوله في الرواية الأخرى) التي هي رواية ملك، كان اللائق للمصنف أن يقول في
بقية هذه الرواية: (وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة مشكل، لأنه يشعر بكون ما عن يمينه أو
يساره، كان اثنين)، فينافي قوله: في أولها عمود عن يساره وعمود عن يمينه بإفراد عمود فيهما،
(ولهذا عقبه البخاري برواية) شيخه (إسماعيل بن أبي أويس،) عبد اللّه بن عبد الله بن أويس بن
ملك الأصبحي المدني الصدوق، المتوفى سنة ست وعشرين ومائتين، (التي قال فيها) البخاري
ما لفظه، وقال لنا إِسمعيل: حدثني لملك فقال: (عمودين عن يمينه،) وعمودًا عن يساره.
(ويمكن الجمع بين الروايتين بأنه حيث ثنى أشار إلى ما كان عليه البيت في زمنه
وحیث أفرد أشار إلى ما صار إليه بعد ذلك،) حین هدم وبني في زمن ابن الزبير، (ويرشد
إليه،) أي الجمع المذكور (قوله: وكان البيت يومئذٍ، لأن فيه إِشعاراً بأنه تغير عن هيئته
الأولى).
وقال الكرماني لفظ العمود جنس يحتمل الواحد والاثنين، فهو مجمل بينته رواية عمودین،
(ويحتمل أن يقال لم تكن الأعمدة الثلاثة على سمت واحد، بل إِثنان على سمت والثالث

٤٧٨
باب غزوة الفتح الأعظم
على غير سمتهما، ولفظ ((المقدمين)) في إحدى روايات البخاري مشعر به.
وفي رواية لمسلم: جعل عمودين عن يساره وعمودًا عن يمينه، عكس رواية
إسماعيل، وكذلك قال الشافعي، وبشربن عمر في إحدى الروايتين عنهما.
وجمع بعض المتأخرين بين هاتين الروايتين باحتمال تعدد الواقعة، وهو بعيد
لاتحاد مخرج الحديث.
على غير سمتهما).
(ولفظ) رواية جويرية عن نافع عن ابن عمر، فسألت بلالاً: أين صلى: قال: صلى بين
العمودين (المقدمين).
وللكشميهني: المتقدمين بتاء قبل القاف، وأيامًا كان فهو مثنى، صفة للعمودين لا جمع صفة
للرجال كما توهم، (في إحدى روايات البخاري) التي علمتها (مشعر به،) قال الحافظ ويؤيده
أيضًا رواية مجاهد عن ابن عمر، عند البخاري أيضًا بلفظ بين الساريتين اللتين عن يسار الداخل،
وهو صريح في أنه كان هناك عمودان على اليسار، وأنه صلى بينهما، فيحتمل أنه كان ثم عمود
آخر على اليمين، لكنه بعيد، أو على غير سمت العمودين، فيصح قول من قال: جعل عن يمينه
عمودین.
وقول من قال: جعل عمودًا عن يمينه.
وجوز الكرماني احتمالاً آخر وهو أن يكون هناك ثلاثة أعمدة مصطفة، فصلى إِلى جنب
الأَوسط، فمن قال جعل عمودًا عن يمينه وعمودًا عن يساره، لم يعتبر الذي صلى إلى جنبه.
ومن قال عمودين اعتبره، (وفي رواية لمسلم) عن يحيى بن يحيى النيسابوري عن لملك
به، وقال: (جعل عمودين عن يساره وعمودًا عن يمينه عكس رواية إِسمعيل) المذكور.
(وكذلك قال) الإِمام (الشافعي) في روايته عن الملك (وبشر بن عمر) بن الحكم الزهراني
الأزدي، أبو محمد البصري، الثقة، الصدوق، الحافظ، أحد الرواة عن لملك: مات أول سنة سبع
ومائتين (في إحدى الروايتين عنهما،) عن الملك (وجمع بعض المتأخرين بين هاتين الروايتين
باحتمال تعدد الواقعة، وهو بعيد لاتحاد مخرج،) بفتح الميم وسكون المعجمة، أي موضع
خروج (الحديث)، وهو ابن عمر.

٤٧٩
باب غزوة الفتح الأعظم
وجزم البهيقي بترجيح رواية إسمعيل، ووافقه عليها ابن القسم والقعنبي وأبو
مصعب ومحمد بن الحسن وأبو حذافة وكذلك الشافعي وابن مهدي في إحدى
الروايتين عنهما. انتهى ملخصًا من فتح الباري.
قال الحافظ: (و)قد ذكر الدارقطني الاختلاف على ملك فیه، فوافق الجمهور عبد الله بن
يوسف في قوله: عمودًا عن يمينه وعمودًا عن يساره، و (جزم البيهقي بترجيح رواية إِسمعيل،
ووافقه عليها) عبد الرحمن (بن القسم) بن خالد بن جفادة العتقي، أبو عبد اللَّه المصري، الثقة،
الفقیه، المشهور.
(و) عبد اللَّه بن مسلمة، بن قعنب (القعنبي)، بفتح القاف والنون بينهما مهملة ساكنة آخره
موحدة، نسبة إِلى جده المذكور البصري، المدني الأصل، وسكنها مدة الثقة العابد كان ابن
معين وابن المديني لا يقدمان عليه في الموطأ أحدًا، أسمعه لملك نصف الموطأ، وقرأ هو على
لملك النصف الباقي، مات بمكة سنة إحدى وعشرين ومائتين، (وأبو مصعب،) أحمد بن أبي بكر
القسم بن الحرث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني،
الحافظ، الصدوق، الفقيه، شيخ الجماعة، سوى النسائي، مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين، وقد
زاد على التسعين.
(ومحمد بن الحسن) الشيباني، مولاهم الكوفي، صاحب أبي حنيفة، أحد رواة الموطأ،
وكان من بحور العلم والفقه، وسمع الثوري والأوزاعي ولملكاً وغيرهم، ومات سنة تسع وثمانين
ومائة.
(وأبو حذافة،) أحمد بن إِسمعيل، بن محمد السهمي، سماعه للموطأ صحيح، وخلط في
غيره، مات سنة تسع وخمسين ومائتين.
(وكذلك الشافعي،) الإِمام المعروف، حفظ الموطأ وهو ابن عشر، بمكة في تسع ليالٍ،
وقيل في ثلاث، ثم رحل، فأخذه عن لملك، كما في ديباج ابن فرحون (و) عبد الرحمن (بن
مهدي) بن حبان، أبو سعيد البصري، اللؤلؤي، الحافظ، روى عن شعبة ولملك والسفيانين
والحمادين وخلق وعنه خلائق منهم، ابن وهب وابن المبارك وابن المديني، وقال: كان أعلم
الناس.
والإِمام أحمد وقال: إِذا حدث ابن مهدي عن رجل، فهو حجة مات بالبصرة سنة ثمان
وتسعین ومائة عن ثلاث وستين سنة.
(في إِحدى الروايتين عنهما،) عن الملك (انتهى ملخصًا من فتح الباري) في باب الصلاة،
بين السواري من كتاب الصلاة (و) قال فيه: في كتاب الحج وقع في رواية للبخاري في

٤٨٠
باب غزوة الفتح الأعظم
وقد بين موسى بن عقبة في روايته عن نافع أن بين موقفه عَ لَه وبين الجدار
الذي استقبله قريبا من ثلاثة أذرع، وجزم برفع هذه الزيادة ملك عن نافع فيما
أخرجه الدارقطني في الغرائب. ولفظه: وصلى وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع.
وفي كتاب مكة للأزرقي، والفاكهي: أن مطوية سأل ابن عمر: أين صلى
رسول الله عَّه، فقال: اجعل بينك وبين الجدار ذراعين أو ثلاثة، فعلى هذا ينبغي
لمن أراد الاتباع في ذلك أن يجعل بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع، فإنه تقع قدماه
في مکان قدميه
المغازي، وكان البيت على ستة أعمدة سطرين، صلى بين العمودين من السطر المقدم وجعل
باب البيت خلف ظهره، وقال: في آخره وعند المكان الذي صلى فيه، مرمرة حمراء، وكل هذا
أخبار عما كان عليه البيت قبل أن يهدم وبينى في زمن ابن الزبير، فأما الآن فإِنه، (قد بين
موسى بن عقبة في روايته عن نافع،) عن ابن عمر، عند البخاري (أن بين موقفه، عَله، وبين
الجدار الذي استقبله، قريبًا من ثلاثة أذرع).
ولفظ البخاري عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان إِذا دخل الكعبة،
مشى قبل الوجه حين يدخل، ويجعل الباب قبل الظهر يمشي حتى يكون ما بينه وبين الجدار
الذي قبل وجهه، قريبًا من ثلاثة أذرع، فيصلي متوخيًا المكان الذي أخبره بلال أن
رسول اللَّه عَلَّه صلى فيه، (وجزم برفع هذه الزيادة) التي وقفها موسى بن عقبة، (ملك عن نافع،)
عن ابن عمر، (فيما أخرجه الدارقطني في الغرائب) من طريق ابن مهدي، وابن وهب وغيرهما،
وأبو داود من طريق ابن مهدي كلهم عن ملك، عن نافع، عن ابن عمر، (ولفظه صلى وبينه وبين
القبلة ثلاثة أذرع،) وكذا أخرجه أبو عوانة من طريق هشام بن سعد، عن نافع، وهذا فيه الجزم
بثلاثة أذرع، لكن رواه النسائي من طريق ابن القسم عن ملك، بلفظ نحو من ثلاثةٍ أذرع وهي
موافقة لرواية ابن عقبة، (وفي كتاب) تاريخ (مكة للأزرقي،) نسبة إلى جده الأعلى، فهو
محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن الوليد بن عقبة بن الأزرق بن عمر والغساني أبو الوليد
(والفاكهي).
من وجه آخر، (أن معوية سأل ابن عمر أين صلى رسول اللَّه عَج، فقال: اجعل بينك
وبين الجدار ذراعين أو ثلاثة، فعلى هذا ينبغي لمن أراد الاتباع في ذلك،) أي موضع صلاة
المصطفى في البيت، (أن يجعل بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع، فإِنه تقع قدماه في مكان قدميه