النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
باب غزوة الفتح الأعظم
فقال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما هذه ففي النفس منها
شيء.
فقال له العباس: ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله
قبل أن تضرب عنقك. فأسلم وشهد شهادة الحق. فقال العباس: يا رسول الله إن
أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئًا، قال: نعم.
الشهادة له، (فقال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما هذه ففي النفس منها
شىء) لفظ ابن إسحق واللّه أن في النفس منها شيئاً حتى الآن، (فقال له العباس:) خوفًا عليه لئلا
يبادر أحد بقتله فإنه ليس وقت مجادلة في الكلام لا سيما مع شدة حنق المسلمين عليه (ويحك
أسلم وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه قبل أن تضرب عنقك، فأسلم وشهد
شهادة الحق) رضي الله عنه، وعند بن عقبة والواقدي، قال أبو سفيان، وحكيم: يا رسول اللَّه
جئت بأوباش الناس من يعرف ومن لا يعرف إِلى أهلك وعشيرتك فقال علّله: أنتم أظلم وأفجر،
فقد غدرتم بعد الحديبية وظاهرتم على بني كعب بالإِثم والعدوان في حرم اللَّه وأمنه، فقالا:
صدقت يا رسول اللَّه، ثم قالا لو كنت جعلت جدك ومكيدتك لهوازن فهم أبعد رحماً وأشد
عداوة لك، فقال عَّه: (إني لأرجو من ربي أن يجمع لي ذلك كله فتح مكة وإعزاز الإِسلام بها
وهزيمة هوازن وغنيمة أموالهم وذراريهم فإني أرغب إِلى اللّه تعالى في ذلك)) انتهى.
ثم أراد العباس تثبيت إِسلام أبي سفيان لئلا يدخل عليه الشيطان أنه كان متبوعًا فأصبح
تابعًا ليس له من الأمر شىء (فقال العباس: يا رسول اللَّه إِن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل
له شيئًا قال: نعم) وعند ابن أبي شيبة، فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه إِن أبا سفيان رجل يحب
السماع يعني الشرف، فقال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقال: وما تسع داري زاد
ابن عقبة ومن دخل دار حكيم فهو آمن وهي من أسفل مكة ودار أبي سفيان بأعلاها ومن دخل
المسجد فهو آمن قال وما يسع المسجد، قال ومن أغلق بابه فهو آمن.
قال أبو سفيان: هذه واسعة، ثم لما أراد الانصراف أمر بحبسه حتى مرت عليه جنود اللَّه،
كما مر، ثم قال له العباس النجاء إلى قومك حتى إِذ جاءهم صرخ بأعلى صوته يا معشر قريش
هذا محمد قدجاء کم بما لا قبل لکم به.
زاد الواقدي أسلموا تسلموا من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا: قاتلك اللَّه وما تغنى
عنا دارك؟، قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن، فقامت إليه هند
زوجته فأخذت بشاربه وقالت: اقتلوا الحميت الدسم الأحمس قبح من طليعة قوم. فقال: ويلكم
لا تغرنكم هذه من أنفسكم فقد جاءكم بما لا قبل لكم به، فتفرقوا إِلى دوركم وإلى المسجد

٤٢٢
باب غزوة الفتح الأعظم
وأمر رسول الله مي ګ فنادى منادیه: من دخل المسجد فهو آمن ومن دخل دار أبي
سفين فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن إلا المستثنين.
وهم كما قال مغلطاي وغيره:
عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
كما أورده ابن إسحق وغيره مفصلاً فلخصه المصنف بقوله: (وأمر رسول اللَّه عَةٍ فنادى
مناديه:) هو أبو سفيان كما علم (من دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو
آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن) فليس المراد أنه أمر المنادي بذلك حين سأله العباس والصديق
كما قد يوهمه السياق، والحميت بفتح المهملة وكسر الميم وسكون، التحتية وبالفوقية، قال:
في الروض الزق نسبته إلى الضخم والسمن والدسم، بدال فسين مكسورة مهملتين الكثير الودك،
والأحمس بحاء وسين مهملتين، قال في الروض: أي الذي لا خير عنده من قولهم عام أحمس إِذا
لم یکن فیه مطر انتھی.
وفي النهاية الدسم الأحمس أي الأسود الدنيء، وفي حديث عبد بن حميد، أنها قالت: يا
آل غالب اقتلوا الأحمس فقال لها أبو سفيان: واللَّه لتسلمن أو لأضربن عنقك (إلا المستثنين) بوزن
المصطفين فاصله متثنيين بياءين تحركت الأولى وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، ثم حذفت لالتقاء
الساكنين، (وهم كما قاله مغلطاي وغيره) كالحافظ قال فى الفتح: قد جمعت أسماءهم من
متفرقات الأخبار (عبد الله بن سعد بن أبي سرح) بفتح السين وسكون الراء، وبالحاء المهملات.
ابن الحرث القرشي العامري، أول من كتب بمكة له آ روى أبو داود، والحاكم عن
ابن عباس، قال: كان عبد الله بن سعد يكتب للنبي عَّ له فاز له الشيطان فلحق بالكفار فأمر عَّ اله
قتله يعني يوم الفتح فاستجار له عثمن فأجاره وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله تعالى:
من قال سأنزل مثل ما أنزل اللَّه﴾، إنها أنزلت فيها، كان يكتب للنبي فيملي عليه عزیز
كيم فيكتب غفور رحيم، ثم يقرأ عليه فيقول نعم سواء فرجع عن الإِسلام ولحق بقريش.
ورواه عن السدي بزيادة، وقال: إِن كان محمد يوحى إليه فقد أوحى إليّ وإِن كان اللَّه
ينزله فقد أنزلت مثل ما أنزل اللَّه قال محمد: سميعًا عليمًا فقلت: أنا علیمًا حكيمًا.
وروی الحاکم عن سعد بن أبي وقاص أنه اختبأ عند عثمن فجاء به حتى أوقفه على
النبي عَّه وهو يبايع الناس، فقال: يا رسول اللَّه بايع عبد اللّه فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على
أصحابه، فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين كففت يدي عنٍ مبايعته فيقتله؟،
فقال رجل: هلا أومأت إِليَّ، فقال: إِن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين، وأفاد سبط

٤٢٣
باب غزوة الفتح الأعظم
أسلم.
وابن خطل: قتله أبو برزة. وقينتاه وهما: فرتني - بالفاء المفتوحة، والراء
الساكنة والتاء، المثناة الفوقية والنون - وقريبة - بالقاف والراء والموحدة مصغرًا -
أسلمت إحداهما وقتلت الأخرى. وذكر غير ابن إسحق أن التي أسلمت فرتني وأن
قريبة قتلت.
وسارة: مولاة لبني المطلب،
ابن الجوزي في مرآة الزمان أن الرجل عباد بن بشر الأنصاري وقيل عمر انتهى.
ثم أدركته العناية الأزلية وأنته السعادة الأبدية حتى (أسلم) وحسن إسلامه وعرف فضله
وجهاده، وكان على ميمنة عمرو بن العاصي في فتح مصر، وكانت له المواقف المحمودة في
الفتوح، وهو الذي افتتح إِفريقية زمن عثمنٍ سنة ثمان أو سبع وعشرين وكان من أعظم الفتوح،
بلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار، وغزا الأساود من النوبة سنة إحدى وثلاثين وهادن باقي النوبة
الهدنة الباقية بعده وغزاذات الصواري سنة أربع وثلاثین وولاه عمر صعيد مصر ثم ضم إليه عثمن
مصر كلها، وكان محمودًا في ولايته واعتزل الفتنة حتى مات سنة سبع أو تسع وخمسين.
روی البغوي بإسناد صحيح عن يزيد بن أبي حبيب، قال: لما كان عند الصبح، قال: ابن
أبي سرح اللهم اجعل آخر عملي الصبح فتوضأ، ثم صلى فسلم عن يمينه، ثم ذهب يسلم عن
يساره، فقبض اللَّه روحه رضي الله عنه.
(وابن خطل) بفتح المعجمة والمهملة كما يأتي قريبًا، ثم بعد قليل يأتي الخلاف في
اسمه وقاتله، وأن الأرجح أنه (قتله أبو برزة) بفتح الموحدة وسكون الراء وفتح الزاي، آخره هاء،
اسمه نضلة بن عبيد على الأصح بنون مفتوحة ومعجمة ساكنة.
الأسلمي أسلم قبل الفتح وغزا سبع غزوات ثم نزل البصرة وغزا خراسان وبها مات سنة
خمس وستين على الصحيح (وقيتتاه) يفتح القاف وسكون التحتية فنون ففوقية تثنية قينة الأمة
غنت أم لم تغن كثيرًا ما يطلق على المغنية، وقد كانتا تغنيانه بهجوه عَّهُ، (وهما فرتني بالفاء
.المفتوحة والراء الساكنة والتاء المثناة الفوقية و) تليها (النون) والقصر (وقريبة بالقاف والراء
والموحدة، مصغرًا،) وضبطه الصغاني بفتح القاف وكسر الراء، وأيده البرهان بقول الذهبي في
المشتبه لم أجد أحدًا بالضم لكن، قال في التقصير فيه نظر (أسلمت إحداهما) بعد أن هربت
حتى استؤمن لها عَـ
(وقتلت الأخرى) كذا وقع مبهمًا عند ابن إِسحق (وذكر غير ابن إسحق أن التي أسلمت
فرتني) فلم تقتل (وأن قريبة قتلت وسارة مولاة، لبعض بني المطلب) بن هاشم بن عبد مناف كذا

٤٢٤
باب غزوة الفتح الأعظم
أسلمت، ويقال كانت مولاة عمرو بن صيفي بن هاشم.
وأرنب - علم امرأة وقريبة: قتلت وعكرمة بن أبي جهل: أسلم
وقع بإِبهام البعض عند ابن إسحق، (ويقال) في تعيين هذا البعض (كانت مولاة عمرو بن
صيفي بن هاشم) بن المطلب بن عبد مناف وهي التي وجد معها كتاب حاطب ومر عن الفتح
قيل: كانت مولاة العباس.
وفي السبل كانت نواحة مغنية بمكة فقدمت قيل الفتح وطلبت الصلة وشكت الحاجة،
فقال عٍَّ: لها ما كان في غنائك ما يغنيك، فقالت: إِن قريشًا منذ قتل من قتل منهم ببدر تركوا
الغناء فوصلها وأوقر لها بعيرًا طعامًا فرجعت إلى قريش وكان ابن خطل يلقي عليها هجاء
رسول اللَّه فتغني به، فأسلمت قال ابن إسحق، ثم تعبت حتى أوطأها رجل فرسًا بالأبطح فقتلها
في زمن عمر (وأرنب علم امرأة) ذكرها الحاكم، وأنها مولاة ابن خطل أيضًا، قتلت، وأم سعد
قتلت فيما ذكره ابن إسحق ويحتمل أن تكون أرنب وأم سعد هما القينتان، اختلف في اسمهما
باعتبار الكنية واللقب، قاله في الفتح. (وقريبة قتلت) كما تراه قريبًا.
وتكلف شيخنا دفع التكرار فترجى أنه ذكره لضرورة أنه في ضمن من نقل عنه بقوله
ويقال: وفيه وقفة: (وعكرمة بن أبي جهل) بن هشام المخزومي، (أسلم) وحسن إِسلامه
واستشهد بالشام في خلافة أبي بكر على الصحيح.
روى الواقدي، أنه هرب ليلقي نفسه في البحر أو يموت تائهًا في البلاد وكانت امرأته أم
حكيم، بنت عمه الحرث أسلمت قبله، فاستأمنت له رسول اللَّه،
وروى أبو داود، والنسائي، أنه ركب البحر فأصابتهم ريح عاصف فنادى عكرمة، اللات،
والعزى، فقال أهل السفينة: أخلصوا فآلهتكم لا تغنى عنكم شيئًا ههنا، فقال عكرمة: والله لئن لم
ينجني من البحر إِلاَّ الإِخلاص لا ينجيني في البر غيره اللهم لك عهد إِن أنت عافيتني مما أنا
فيه أن آتي محمدًا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفواً غفورًا كريمًا فجاء فأسلم.
وروى البيهقي، عن الزهري، والواقدي، عن شيوخه أن امرأته، قالت: يا رسول اللَّه قد
ذهب عكرمة عنك إلى اليمن وخاف أن تقتله فأمنه فقال: هو آمن فخرجت في طلبه فأدر كته وقد
ركب سفينة ونؤتى بقول له أخلص أخلص قال: ما أقول؟ قال: قل لا إله إلا اللَّه قال: ما هربت
إلا من هذا وإِن هذا أمر تعرفه العرب والعجم حتى النواتي ما الدين إلا ما جاء به محمد، وغير
اللَّه قلبي وجاءت أم حكيم تقول يا ابن عم جئتك من عند أبر الناس وأوصل الناس وخير الناس
لا تهلك نفسك إني قد استأمنت لك رسول اللَّه فرجع معها وجعل يطلب جماعها فتأبي وتقول
أنت كافر وأنا مسلمة، فقال: أن أمرًا منعك مني لأمر كبير فلما وافى مكة، قال عَّه لأصحابه:

٤٢٥
باب غزوة الفتح الأعظم
والحويرث بن نقيد: قتله علي.
ومقيس بن صبابة - بمهملة وموحدتين الأولى خفيفة - قتله نميلة الليثي.
وهباربن الأسود: أسلم، وهو الذي عرض لزينب بنت رسول الله عَ له حين
هاجرت فنخس بها حتى سقطت على صخرة وأسقطت جنينها.
يأتيكم عكرمة مؤمنًا، فلا تسبوا أباه فإِن سب الميت يؤذي الحي. قال الزهري: وابن عقبة فلما
رآه عٍَّ وثب إِليه فرحًا به فوقف بين يديه ومعه زوجته متنقبة فقال: إِن هذه أخبرتني إنك أمنتني
فقال ◌َّه: صدقت فأنت آمن، قال الام: تدعو قال: أدعو إِلى أن تشهد أن لا إله إِلاَّ اللّه وأني
رسول اللَّه وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة، وكذا حتى عد خصال الإِسلام، قال: ما دعوت إِلا إِلى
خبر وأمر حسن جميل. قد كنت فينا يا رسول اللَّه قبل أن تدعونا، وأنت أصدقنا حديثًا وأبرنا ثم
قال: فإني أشهد أن لا إله إلاَّ اللّه وأن محمدًا رسول اللّه، ثم قال: يا رسول اللَّه علمني خير شىء
أقوله قال: تقول أشهد أن لا إِله إِلاَّ اللّه وأن محمدًا عبده ورسوله، قال: ثم ماذا، قال: تقول أشهد
اللَّه وأشهد من حضرني أني مسلم مجاهد مهاجر، فقال عكرمة ذلك.
رواه البيهقي (والحويرث) بالتصغير (ابن نقيد) بنون وقاف مصغر بن وهب بن عبد بن
قصي، قال البلاذري: كان يعظم القول فيه عَلّه وينشد الهجاء فيه ويكسر أذاه وهو بمكة، وقال
ابن هشام وكان العباس حمل فاطمة، وأم كلثوم، بنتي رسول اللَّه عَّله من مكة يريد بهما المدينة،
فنخس الحويرث بهما الجمل فرمي بهما الأرض شارك هبارًا في نخس جمل زينب لما
هاجرت فأهدر دمه (قتله علي) وذلك أنه سأل عنه، وهو في بيته، قد أغلق عليه بابه فقبل هو في
البادية فتنحى علي عن بابه فخرج يريد أن يهرب من بيت إلى آخر فتلقاه علي فضرب عنقه،
(ومقيس) بميم فقاف فسين مهملة (ابن صبابة بمهملة مضمومة وموحدتين الأولى خفيفة) كان
أسلم، ثم أتى على أنصاري فقتله، وكان الأنصاري قتل إِخاه هشامًا خطأ في غزوة، ذي قرد ظنه
من العدو فجاء مقيس فأخذ الدية، ثم قتل الأنصاري، ثم ارتد ورجع إلى قريش فأهدر دمه (قتله
نميلة) تصغير نملة ابن عبد اللَّه (الليثي) ويقال له: الكلبي نسبه لجده الأعلى كلب بن عوف بن
كعب بن عامر بن ليث وحيث يطلق الكلبي فإنما يراد به من كان من بني كلب بن وبرة كما في
الإصابة. (وهبار) بفتح الهاء، وشد الموحدة (ابن الأسود) بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن
قصي القرشي، الأسدي (أسلم) رضي الله عنه بالجعرانة بعد الفتح وكان شديد الأذى
للمسلمين، (وهو الذي عرض لزينب بنت رسول اللَّه عَّ حين هاجرت، فنخس بها حتى
سقطت على صخرة، وأسقطت جنينها،) ولم تزل مريضة حتى ماتت فاهدر دمه.

٤٢٦
باب غزوة الفتح الأعظم
وكعب بن زهير: أسلم وهند بنت عتبة: أسلمت ووحشي بن حرب: أسلم
أخرج الواقدي عن جبير بن مطعم، قال: كنت جالسًا مع رسول اللَّه عَ له منصرفه من
الجعرانة فطلع هبار فقالوا: يا رسول اللَّه هبار بن الأسود، قال: قد رأيته فأراد رجل القيام إليه فأشار
إليه أن اجلس فوقف هبار، وقال: السلام عليك يا نبي اللَّه أشهد أن لا إِله إِلاَّ اللَّه وأشهد أن
محمدًا رسول اللَّه وقد هربت منك في البلاد، وأردت اللحاق بالأعاجم، ثم ذكرت عائدتك
وصلتك وصفحك عمن جهل عليك وكنا يا رسول اللَّه أهل شرك، فهدانا اللَّه بك وأنقذنا من
الهلكة فأصفح عن جهلي، وعما كان يبلغك عني فإني مقر بسوء فعلى معترف بذنبي، فقال
5: قد عفوت عنك وقد أحسن اللَّه إِليك حيث هداك إِلى الإِسلام، والإِسلام، يجب ما قبله.
وروى ابن شاهين، من مرسل الزهري، أن هبارًا لما قدم المدينة جعلوا يسبونه فشكا ذلك
له عَّةٍ فقال: سب من سبك فكفوا عنه.
(وكعب بن زهير) ذكره الحاكم، (أُسلم) بعد ذلك ومدح وتأتي قصته، (وهند بنت
عتبة) بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية العبشمية زوجة أبي سفين، ذكرها الحاكم
فيمن أهدر دمه. (أسلمت) فأتته عَِّ بالأبطح، وقالت: الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختاره
لنفسه لتمسني رحمتك يا محمد. إِني امرأة مؤمنة بالله مصدقة به ثم كشفت، نقابها، فقالت: أنا
هند بنت عتبة، فقال عهے: مرحبًا بك ثم أرسلت إليه بهدية جدیین مشویین، وقدید مع جارية لها
فقالت: إِنها تعتذر إليك وتقول لك إِن غنمنا اليوم قليلة الوالدة، فقال عَله: بارك الله لكم في
غنمکم وأکثر والدته فلقد رأينا من کثرتها ما لم نره قبل ولا قريبًا فتقول هند هذا بدعائه
٤ ثم
تقول: لقد كنت أرى في النوم أني في الشمس أبدًا قائمة، والظل قريب مني لا أقدر عليه، فلما
دنا عَّه رأيت كأني دخلت الظل. أورده الواقدي بأسانيده.
وروى الشيخان عن عائشة قالت: هند بنت عتبة يا رسول اللَّه ما كان لي على ظهر
الأرض من أهل خباء أريد أن يذلوا من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم على وجه الأرض أحب
إلى من أن يعزوا من أهل خبائك.
(ووحشي بن حرب أسلم) قاتل حمزة رضي اللَّه عنهما صح عنه أنه لما قتله بأحد قال:
أقمت بمكة حتى فتحت فهربت إِلى الطائف، فكنت به فلما خرج وفد الطائف ليسلموا، ضاقت
عليّ المذاهب فقلت: ألحق بالشام أو باليمن أو ببعض البلاد. فواللَّه إني لفي ذلك من همي، إِذ
قال لي رجل: ويحك واللَّه إِنه ما يقتل أحدًا دخل في دينه، فخرجت حتى قدمت عليه فلم يرعه
إلا بي قائمًا على رأسه أشهد شهادة الحق. فلما رآني قال: وحشي قلت: نعم يا رسول الله. قال:
اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة فحدثته فلما فرغت قال: ويحك غيب وجهك عني، فكنت

٤٢٧
باب غزوة الفتح الأعظم
انتهى. وابن خطل: بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة. وابن نقيد: بضم النون
وفتح القاف وسكون المثناة التحتية آخرة دال مهملة مصغرًا.
ومقيس: بكسر الميم وسكون القاف وفتح المثناة التحتية آخره مهملة.
وقد جمع الواقدي عن شيوخه أسماء من لم يؤمن يوم الفتح وأمر بقتله
عشرة أنفس، ستة رجال، وأربع نسوة.
أتنكب رسول اللَّه عَل. حيث كان لئلا يراني حتى قبضه اللَّه (انتهى) ما قاله مغلطاي وغيره.
وقال الحافظ في الفتح قد جمعت أسماءهم من مفرقات الأخبار فذكر هؤلاء وزاد وذكر
أبو معشر فيمن أهدر دمه الحرث بن طلاطل الخزاعي قتله علي وأم سعد قتلت، ثم قال: فكملت
العدة تسعة رجال، وست نسوة، ويحتمل أن أرنب، وأم سعد هما القينتان، اختلف في اسمهما
باعتبار الكنية واللقب أي فيكون النساء أربعًا (وابن خطل بفتح الخاء المعجمة و) فتح (الطاء
المهملة) وباللام، واسم خطل عبد مناف من بني تيم بن فهر بن غالب (وابن نقيد بضم النون
وفتح القاف وسكون المثناة التحتية آخره دال مهملة مصغرًا ومقيس بكسر الميم، وسكون
القاف، وفتح المثناة التحتية آخره مهملة).
(وقد جمع الواقدي) محمد بن عمر بن واقد الأسلمي أبو عبد اللَّه المدني (عن شيوخه
أسماء من لم يؤمن) بضم الياء، وشد الميم مبني للمفعول أي الذين لم يؤمنهم عَّهِ (وأمر بقتله
عشرة أنفس ستة رجال) هم ابن سعد، وابن خطل وعكرمة، والحويرث، ومقيس وهبار (وأربع نسوة)
قينتا ابن خطل، وسارة، وأرنب وعد صاحب إِنسان العيون ممن لم يؤمن الحرث بن هشام،
وزهير بن أبي أمية، وصفوان أسلموا، وزهير بن أبي سلمى، فأما الأخير فغلط قطعًا لأَنه والد
كعب ابن زهير ولم يدرك الإِسلام، كما أخرجه ابن إسحق وغيره، ويأتي في قصة ابنه كعب.
وأما الثلاثة قبله فيتوقف على رواية، أنه عَّهِ أهدر دماءهم، فإن كانت شبهته في الأولين
أن أم هانىء أجارتهما، وقد كان شقيقها علي أراد قتلهما، فقال عَّيه قد أجرنا من أجرت، فهذا
ليس فيه أنه كان أهدر دمهما وإرادة على قتلهما، لكونهما كانا ممن قاتل خالدًا، ولم يقبلا
الأمان وفي صفوان خوفه وهروبه من النبي صَّهُ حين استأمنه له ابن عمه عمير بن وهب، فهذا
ليس فيه ذلك أيضًا فهروبه لعلمه بشدة ما فعل، ومن جملته أنه ممن جمع، وقاتل خالدًا وبغضًا
في الإِسلام حتى هداهم الله.
· وقد هرب ابن الزبعري وطائفة لم تهدر دماؤهم خوفًا وبغضًا، وبالجملة فزيادة لم يوجد
في كلام الحفاظ النص عليها مع قول خاتمتهم جمعها من مفرقات الأخبار، مع تكلمه على

٤٢٨
باب غزوة الفتح الأعظم
وروى أحمد ومسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: أقبل رسول الله عَّله وقد
بعث على أحد المجنبتين خالد بن الوليد، وبعث الزبير على الأخرى، وبعث أبا
عبيدة على الحسّر- بضم المهملة وتشديد السين المهملة، أي الذي بغير سلاح-
فقال لي يا أبا هريرة، اهتف بالأنصار، فهتف بهم فجاؤوا فطافوا به، فقال: أترون
إلى أوباش قريش وأتباعهم، ثم قال بإحدى يديه على الأخرى: احصدوهم حصدًا،
حتى توافوني بالصفا. قال أبو هريرة: فانطلقنا، فما نشاء أن نقتل أحدًا منهم .....
حديث أم هانىء في شرح الصحيح غير مرة لا تقبل إِلا بثبت واللَّه أعلم.
(وروى أحمد والنسائي عن أبي هريرة قال: أقبل رسول اللَّه عَّه) فدخل مكة (وقد بعث
على إحدى المجنبتين) بضم الميم، وفتح الجيم، وكسر النون المشددة، قال في النهاية،
مجنبة الجيش هي التي في الميمنة والميسرة، وقيل الكتيبة، تأخذ إِحدى ناحيتي الطريق، والأول
أصح (خالد بن الوليد).
وفي رواية ابن إسحق من مرسل ابن أبي نجيح أن خالدًا كان على المجنبة اليمنى،
(وبعث الزبير على الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسر بضم الحاء المهملة وتشديد السين
المهملة) فراء (أي الذين بغير سلاح،) كما قاله في الفتح، وقال في النور: وهم الذين لا دروع
لهم انتھی.
فيحتمل أنها المراد بالسلاح المنفي لا مطلقًا إِذا الذاهب للقتال لا يخرج بلا سلاح البتة.
وفي مسلم أيضًا أن أبا عبيدة كان على البياذقة بفتح الموحدة وخفة التحتية فألف فذال معجمة،
فقاف فتاء تأنيث أي: الرجالة فارسية معربة وكلاهما في العيون، خلافًا لما أوهمه الشارح وفي
مسلم وغيره أن قريشًا وبشت أو باشها وأتباعها، فقالوا: تقدم هؤلاء، فإن كان لهم شىء كنا معهم
وأن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا فرآني عَّةٍ (فقال لي: يا أبا هريرة) قلت: لبيك قال: (اهتف) صح
(( الأَنصار) ولا يأتيني إلا أنصاري، (فهتف بهم، فجاؤوا، فطافوا به) داروا حوله وحكمة
تخصيصهم عدم قرابتهم لقريش، فلا تأخذهم بهم رأفة، (فقال أترون إِلى أوباش قريش) بفتح
الهمزة، وسكون الواو، وبموحدة، فألف فمعجمة الجموع من قبائل شتى (وأتباعهم، ثم قال:
بإحدى يديه على الأخرى أحصدوهم) بهمزة وصل فإِن ابتدأت ضممت وبالحاء، والصاد،
المهملئي (حصدًا) أي اقتلوهم وبالغوا، في استئصالهم (حتى توافوني الصفا) قال الحافظ:
والجمع بين هذا وبين ما مر من تأمينه لهم أن التأمين علق بشرط وهو ترك قريش المجاهرة بالقتال،
فلما جاهروا به واستعدوا للحرب انتفى التأمين (قال أبو هريرة، فانطلقنا فما نشاء أن نقتل أحدًا منهم

٤٢٩
باب غزوة الفتح الأعظم
إلا قتلناه، فجاء أبو سفين فقال: يا رسول الله: أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد
الیوم. فقال له: من أغلق بابه فهو آمن.
قال في فتح الباري: وقد تمسك بهذه القصة من قال: إن مكة فتحت عنوة،
وهو قول الأكثر.
وعن الشافعي، وهو رواية عن أحمد: أنها فتحت صلحًا، لما وقع في هذا
من التأمين، ولإضافة الدور إلى أهلها، لأنها لم تقسم، ولأن الغانمين لم يملكوا
دورها. وإلا لجاز إخراج أهل الدور منها.
وحجة الأولين: ما وقع التصريح به من الأمر بالقتال، ووقوعه من خالد بن
الوليد، وبتصريحه عليه الصلاة والسلام بأنها أحلت له ساعة من نهار، ونهيه عن
التأسي به في ذلك.
وأجابوا عن ترك القسمة: بأنها لا تستلزم عدم العنوة، فقد تفتح البلد عنوة ويمن
إِلا قتلناه فجاء أبو سفين، فقال: يا رسول اللَّه أبيحت) بالبناء، للمفعول أي انتهبت وتم هلاكها.
وفي رواية لمسلم أيضًا أبيدت بينائه للمفعول أي أهلكت (خضراء قريش) بخاء مفتوحة
وضاد ساكنة معجمتين وبالمد جماعتهم وأشخاصهم والعرب تكنى بالسواد عن الخضرة وبها عن
السواد (لا قريش بعد اليوم) وهذا صريح في أنهم أثخنوا فيهم القتل بكثرة فهو مؤيد لرواية
الطيراني، أن خالدًا قتل منهم سبعين (فقال عَّ من أغلق بابه فهو آمن.) زاد في رواية ومن ألقى
سلاحه فهو آمن فألقى الناس سلاحهم، وغلقوا أبوابهم، (قال في فتح الباري، وقد تمسك بهذه
القصة من قال: إِن مكة فتحت عنوة) أي بالقهر والغلبة (وهو قول الأكثر) من العلماء.
(وعن الشافعي: وهو رواية عن أحمد أنها فتحت صلحًا لما وقع في هذا من التأمين)
ويأتي الجواب عنه، بأنه إنما يكون صلحًا إِذا كف المؤمن عن القتال وقريش لم تلتزم ذلك، بل
استعدوا للحرب وقاتلوا (ولإضافة الدور إِلى أهلها ولأنها لم تقسم ولأَن الغانمين لم يملكوا دورها
وإلا لجاز إخراج أهل الدور منها).
(وحجة الأولين ما وقع التصريح به) في الأحاديث الصحيحة (من الأمر بالقتال ووقوعه من
خالد بن الوليد، وتصريحه عليه الصلاة والسلام بأنها أحلت له ساعة من نهار ونهيه عن التأسي
به في ذلك،) لأنه من خصائصه، فهذه أربع حجج قوية كل منها بانفراده كافٍٍ في الحجية
(وأجابوا عن ترك القسمة بأنها لا تستلزم عدم العنوة فقد تفتح البلد عنوة ويمن

٤٣٠
باب غزوة الفتح الأعظم
عن أهلها، ويترك لهم دورهم.
عن أهلها ويترك لهم دورهم) وغنائمهم، ولأَن قسمة الأرض المغنومة ليست متفقًا عليها، بل
الخلاف ثابت عن الصحابة، فمن بعدهم وقد فتحت أكثر البلاد عنوة، فلم تقسم وذلك في زمن
عمر وعثمن مع وجود أكثر الصحابة.
وقد زادت مكة، بأمر يمكن أن يدعى اختصاصها به دون بقية البلاد، وهي دار النسك
ومتعبد الخلق وقد جعلها اللَّه تعالى حرمًا سواء العاكف فيه والبادي، هذا أسقطه المصنف من
کلام الفتح، وسلم له تلامذته وغيرهم.
هذه الأدلة والأجوبة لأَّنها كالشمس في رابعة النهار، حتى جاء سميه الشهاب الهيثمي،
فأجاب عن احتجاج الجمهور الأول بأن قوله حتى توافوني بالصفا إنما كان لخالد ومن معه
الداخلين من أسفلها، فقوله أحصدوهم أي إِن قاتلوكم، وهذا الحصر منه عجيب.
فالحديث الصحيح بعين الأنصار فحصر في غيرهم نظرًا لمذهبه يعين الانتصار مع أن
خالدًا لم يكن معه من الأنصار أحد إنما كان في قبائل قضاعة وسليم، ومزينة، وجهينة، وغيرهم
من قبائل العرب كما قاله ابن إسحق وغيره من أئمة السير، وقوله أي إِن قاتلوكم برده قول
أبي هريرة، في صحيح مسلم وغيره، فانطلقنا فما نشاء أن نقتل أحدًا منهم إلا قتلناه وما أحد
يوجه إِلينا منهم شيئًا فصرح بخلاف تأويله على أن كون المراد إِن قاتلوكم ينتج المدعي، وأن
قريشًا لم تلتزم التأمين فقاتلوهم حتى دخلوها عنوة وبهذا بطل جوابه عن الثاني بأن قتال خالد إنما
كان لمن قاتله، كما أمره عليه الصلاة والسلام قال: وبفرض، أنه باجتهاده فلا عبرة به مع رأيه
عَّ وفيه نظر فإِنه بفرض ذلك قد أفره عليه سيد الخلق ولم يعنفه بل قال قضاء اللَّه خير،
وأجاب عن الثالث، بأن حلها لا يستلزم وقوع القتال، لمن لم يقاتله، و کم أحل له أشياء لم
يفعلها وليس بشىء فهو عقلي مدفوع بالنقل كيف، وفي حديث مسلم كما نرى، أن الأَنصار
قاتلوا من لم يقاتلهم بأمره عليه الصلاة والسلام وقواه أحصدوهم حصدًا وفي الصحيحين،
والترمذي، والنسائي، قوله عَّه فإِن أحد ترخص لقتال رسول اللَّه فيها، فقولوا إِن اللَّه أذن لرسوله
ولم يأذن لكم. فقد صرح الدليل الصحيح بأن هذا من الأشياء التي أحلت له وفعلها، وأجاب عن
الرابع بأن عدم القسمة ليس دليلاً مستقلاً بل مقويًا يقال عليه لا تلازم فلا تقوية فيه وزعمه،
إمكان أنه دليل لأنه الأصل في عدم القسمة مدفوعٍ بقيام الدليل على خلافه وهو أمره بالقتال وأنه
من خصائصه فتعين حمله على أنه من عليهم بالأرض والأنفس، كما قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء
زعمه أن معناه الذين أطلقوا واسطة تركهم للقتال من أن يؤسروا أو يسترقوا فهو دليل الصلح
لا العنوة، تعسف إِذا لطليق كما قاله في النهاية وتبعه في الفتح وغيره الأسير إِذا أُطلق، فتفسيره

٤٣١
باب غزوة الفتح الأعظم
قال: وأما قول النووي: واحتج الشافعي بالأحاديث المشهورة أن النبي عَّه
صالحهم بمر الظهران قبل دخول مكة ففيه نظر، لأن الذي أشار إليه، إن كان مراده
ما وقع من قوله عَّله: من دخل دار أبي سفين فهو آمن - كما تقدم وكذا من
دخل المسجد- كما عند ابن إسحق - فإن ذلك لا يسمى صلحًا إلا إذا التزم من
أشير إليه بذلك الكف عن القتال،
بما زعمه خلاف مدلوله بل يأباه الحديث، فإِن قوله عَّ ماذا تقولون ماذا تظنون، قالوا: نقول
خيرًا ونظن خيرًا أخ كريم، وابن أخ كريم، وقد قدرت، فقال عَّ: فإني أقول كما قال أخي
يوسف، لا تثريب عليكم، اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين اذهبوا، فأنتم الطلقاء.
رواه البخاري، وأحمد وغيرهما، يدل على العنوة إذ لو كان، ثم صلح ما كان لقوله ذلك
لهم معنى ولا لقولهم له قد قدرت لأنه لو وقع ذلك لم يكن عندهم خوف أصلاً، وقد قال: في
الحديث بعد قوله فأنتم الطلقاء فخرجوا كأنما نشروا من القبور فدخلوا في الإِسلام.
(قال) في فتح الباري عقب ما قدمت أن المصنف، أسقطه، من كلامه.
(وأما قول النووي: واحتج الشافعي، بالأحاديث المشهورة، أن النبي عَّه صالحهم بمر
الظهران قبل دخول مكة، ففيه نظر لأن الذي، أشار له إن كان مراده ما وقع من قوله عَّه من
دخل دار أبي سفين فهو آمن كما تقدم) والأمان في معنى الصلح (وكذا من دخل المسجد،)
فهو آمن (كما عند ابن إسحق فإن ذلك لا يسمى صلحًا إلا إذا التزم من أشير إليه بذلك الكف
عن القتال).
(والذي ورد في الأحاديث الصحيحة، ظاهر في أن قريشًا لم يلتزموا ذلك لأنهم استعدوا
للحرب) أجاب سميه بأن أكابرهم، كفوا عن القتال، ولم يقع إلا من أخلاطهم في غير الجهة
التي دخل منها عٍَّ ولا عبرة بها ولا بمن بها لأنهم كانوا أخلاطًا لا يعبأ بهم، كما أُطبق عليه
أئمة السير، كذا قال: وليت شعري من أئمة السير الذين زعمهم وأئمتهم ابن إسحق، والواقدي،
وابن سعد، وغيرهم يقولون: إِن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، دعوا إِلى
قتاله ◌َّهِ وجمعوا ناسًا من قريش وغيرهم بالخندمة، وقاتلوا حتى هزمهم اللَّه أفما هؤلاء من أكابر
قريش؟، أما سهيل كان صاحب الهدنة يوم الحديبية، ألم يأب من كتب البسملة ورسول اللَّه ألم
يمتنع من إجازة ابنه المسلم للمصطفى مع قوله أجزِه لي غير مرة.
أما عكرمة وصفوان، من أجلاء يوم أحد والأحزاب، وقتال جيشه عَّفيه، وأن في غير الجهة
التي دخل منها هو قتال له، ألم تر أن سبب الفتح هو نقضهم عهد الحديبية بقتال حلفائه
خزاعة، وإنما دخل عليه من قوله: انظروا إلى أوباش قريش وأتباعهم، فظن أنه لم يكن فيهم أحد

٤٣٢
باب غزوة الفتح الأعظم
والذي ورد في الأحاديث الصحيحة ظاهر في أن قريشًا لم يلتزموا ذلك لأنهم
استعدوا للحرب. وإن كان مراده بالصلح وقوع عقده فهذا لم ينقل، ولا أظنه عنى
إلا الاحتمال الأول وفيه ما ذ کرته. انتهى.
ثم دخل عَ لّ مكة في كتيبته الخضراء،
من أكابرهم، (وإِن كان مراده) أي النووي رحمه اللَّه (بالصلح، وقوع عقده فهذا لم ينقل،)
فلا ينبغي أن يكون مراد مثل النووي، (ولا أظنه عني إلا الاحتمال الأول وفيه ما ذكرته) من أنهم
لم يلتزموا الأمان واستعدوا للحرب، وقد علمت أنه المنقول عند أصحاب السير وغيرهم وزعم
سميه أنه بفرض تأهبهم للقتال فلا يقتضي رد الصلح، لأنه الخوف بادرة تقع من شواذ ذلك
الجيش الحافل لا سيما قد سمعوا قول سعد: اليوم يوم الملحمة، كذا قال وأنه لعجيب قوله
بغرض مع قول الأئمة، دعوا إلى القتال، ونفيه اقتضاءه لعلته الباردة مردود بما صرحوا به من أن
الذين اجتمعوا بالخندمة أقسموا باللَّه لا يدخلها محمد عليهم عنوة أبدًا، فقاتلوا حتى هزموا
(انتهى) كلام فتح الباري، ثم قال: بعد كلام طويل وحنحت طائفة منهم الماوردي، إِلى أن
بعضها فتح عنوة، وقد رد ذلك الحاكم في الإكليل، والحق أن صورة فتحها عنوة، وعومل أهلها
معاملة من دخلت بأمان، ومنع جمع منهم السهيلي، ترتب عدم قسمتها، وجواز بيع دورها
وإِجارتها على أنها فتحت صلحًا.
أما أولاً فالإِمام مخير في قسمة الأرض بين الغانمين إِذا انتزعت من الكفار وبين إِبقائها وقفا
على المسلمين، ولا يلزم من ذلك منع بيع الدور وإِجارتها.
وأما ثانيًا فقال بعضهم: لا تدخل الأَرض في حكم الأموال، لأَن من مضى كانوا إِذا غلبوا
١
"على الكفارِ، لم يغنموا الأموال، وتنزل النار فتأكلها وتصير الأرض لهم عمومًا كما قال تعالى:
﴿ادخلوا الأرض المقدسة﴾ الآية، وقال: ﴿وأورثنا الأرض﴾ الآية انتهى.
(ثم) كما قال ابن إسحق وغيره لما ذهب أبو سفين إِلى مكة بعدما عاین جنود الله، وانتهى
المسلمون إلى ذي طوى، فوقفوا ينتظرونه عَّله حتى تلاحق الناس، فأقبل معتجرًا بشقة برد حبرة
حمراء (دخل عَّة) بهم (مكة) وهو يقرأ سورة الفتح يرجع صوته بالقراءة، كما أخرجه الشيخان
(في كتببته الخضراء) قال ابن هشام: إِنما قيل الخضراء، لكثرة الحديد وظهوره، فيها قال حسان:
لما رأى بدرا تسير جلاهه بكتيبة خضراء من بالخزرج
والعرب تكنى بالخضرة عن السواد، وبه عنها كما مر، ولعله إِيثار للون المحبوب لنفرة،
النفس من السواد ولا يرد قول جابر أنه عَّ له دخل مكة، وعليه عمامة سوداء، بغير إِحرام وقول
عمرو بن حريث، كأني أنظر إلى رسول اللَّه عَّ له يوم فتح مكة، وعليه عمامة سوداء حرقانية، قد

٤٣٣
باب غزوة الفتح الأعظم
وهو على ناقته القصواء بين أبي بكر وأسيد بن حضير، فرأى أبو سفين ما لا قبل له
به، فقال العباس: يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك ملكًا عظيمًا، فقال
العباس: ويحك، إنه ليس بملك ولكنها نبوة، قال: نعم.
أرخی طرفها بین کتفیه.
رواهما مسلم لأَن ذلك إِشارة إِلى أن هذا الدين لا يغير، كما أن السواد لا يقبل التغير بل
جميع الألوان ترجع إليه ولا يرجع هو إِلى لون منها، (وهو على ناقته القصواء) مردفًا أسامة (بين
أبي بكر) الصديق، (وأسيد بن حضير) بتصغيرهما، وفي كتيبته المهاجرون والأنصار، لا يرى
منهم إلا الحدق من الحدید.
قاله ابن إسحق، والواقدي وغيرهما، وتبعهم ابن سيد الناس، والشامي، الذين في يد الشارح
فعجيب قوله ذكر أبي بكرهنا لا ينافي أن كتيبته عَّله كانت من الأنصار، لأن المراد، أن
معظمها كان من الأنصار، وكان ذلك دخل عليه من العبارة الثانية، التي في ابن سيد الناس،
وهي فأقبل عَّهُ في كتيبة الأنصار، وغفل عن الأولى فوهم.
وأما ما رواه الطبراني، عن علي أنه عَّهُ دخل يوم الفتح بين عتبة ومعتب ابني أبي لهب،
يقول للناس هذان أخواي، وابنا عمي فرحا بإِسلامهما، استوهبتهما من اللَّه فوهبهما لي فهذا لما
دخل المسجد بعد ذلك، في أيام إِقامته بعد أن أسلما.
وقد روى ابن سعد عن العباس لما قدم عَّالل مكة في الفتح قال لي: يا عباس أين ابنا
أخيك عتبة ومعتب لا أراهما. قلت: تنحيا فيمن تنحى من مشركي قريش. قال: إذهب فائتني
بهما، فركبت إلى عرفة فأتيتهما، فقلت: أن رسول اللَّه عَّ يدعوكما فركبا معي مسرعين،
فدعاهما فأسلما، وبايعا، فقال ◌ٍَّ: إني استوهبت ابني عمي هذين من ربي فوهبهما لي.
قال في الإصابة: ويجمع بينه وبين حديث علي بأنه دخل المسجد بينهما بعد أن
أحضرهما العباس (فرأى أبو سفين ما لا قبل) بكسر ففتح طاقة (له به، فقال العباس: يا أبا الفضل
لقد أصبح ملك ابن أخيك ملكًا) لفظ ابن إِسحق الغداة بدل ملكًا (عظيمًا، فقال العباس: ويحك)
نصب وجوبًا لإضافته، فإن لم يضف كويح لزيد جاز رفعه على الابتداء، ونصبه بإضمار فعل.
وحكى ابن عصفور أنه استعمل من ويح فعل هو واح ويحًا (أنه ليس بملك ولكنها نبوة،
قال: نعم).
قال السهيلي: قال شيخنا أبو بكر يعني ابن العربي إنما أنكر عليه ذكر الملك مجردًا عن
النبوة، مع أنه کان أول دخوله في الإِسلام، وإلا فجائز أن یسمی مثل هذا ملكًا وإِن كان لنبي،
فقد قال الله تعالى لداود: ﴿وشددنا ملكه﴾، وقال سليمن وهب لي ملكًا غير أن الكراهة

٤٣٤
باب غزوة الفتح الأعظم
وروى أنه مَّ وضع رأسه تواضعًا لله لما رأى ما أكرمه الله به من الفتح،
حتى إن رأسه لتكاد تمس رحله شكرًا وخضوعًا لعظمته أن أحل له بلده، ولم يحله
لأحد قبله ولا لأحد بعده.
أظهر في تسمية حاله معي ملكًا لأَنه خير بين أن يكون نبيًا عبدًا أو نبيًا ملكًا، فالتفت إلى جبريل
فأشار إليه، أن تواضع، فقال: بل نبيًا عبدًا أشبع يومًا وأجوع يومًا وإنكار العباس يقوي هذا
المعنى، وأمر الخلفاء الأربعة بعده يكره أيضًا أن يسمى ملكًا لقوله عَ ل تكون بعدي خلفاء، ثم
تكون أمراء ثم تكون ملوك، ثم جبابرة، ويروى ثم تكون بزيزيا وهو تصحيف. قال الخطابي: إِنما
هو فریرًا أي قتل وسلب انتهى.
وروى الحافظ محمد بن يحيى الدهلي، بالذال واللام من مرسل سعيد بن المسيب، لما
دخل ◌َّ مكة ليلة الفتح لم يزالوا في تكبير وتهليل وطواف بالبيت حتى أصبحوا، فقال أبو
· فين: قلت لهند أترين هذا من اللَّه؟، ثم أصبح فقال له عليه السلام: قلت لهند أترين هذا من
الله؟، قال: نعم هذا من اللَّه، فقال أبو سفين: أشهد أنك عبد اللَّه ورسوله والذي يحلف به ما
سمع قولي هذا إلا اللَّه وهند.
(وروى) عند ابن إسحق من مرسل شيخه عبد الله بن أبي بكر (أنه لمَّ) وقف على راحلته
معتجرًّا بشقة برد حبرة أحمر، وأنه (وضع رأسه تواضعًا للّه لما رأى ما أكرمه الله به من الفتح
حتى أن رأسه) لفظ ابن إسحق عثنونه، وهو بضم المهملة والنون بينهما مثلثة ساكنة، أي لحيته
(لتكاد تمس رحله) لفظه أيضًا واسطة الرحل فكان المصنف عبر بالرأس، لأنه الظاهر للرائي غالبًا
عند الخفض وهو الذي يرفعه المتكبرون عادة دون بقية الأجراء، وقد روی الحاکم، بسند جيد
قوي عن أنس قال: لما دخل عَّ مكة يوم الفتح استشرفه الناس فوضع رأسه على رحله
متخشعًا.
وروى الواقدي عن أبي هريرة دخل عَلّ يومئذٍ حتى وقف بذي طوى وتوسط الناس، وأن
عثنونه ليمس واسطة رحله أو يقرب منها تواضعًا للّه حين رأى ما رأى من فتح اللَّه وكثرة
المسلمين، ثم قال اللهم: إِن العيش عيش الآخرة، وجعلت الخيل تجمع بذي طوى في كل
وجه، ثم ثابت وسكنت، حتى توسطهم عَ لّه فأفاد أن ابتداء فعله ذلك من ذي طوى واستمر
حتى دخل مكة (شكرًا وخضوعًا لعظمته) أي لذاته المتصفة بالعظمة.
فالعظمة هي المجموع من الذات والصفات، فلا يرد أن الخضوع إِنما هو للذات (أن أحل
له بلده) أي القتال فيه ومع ذلك، فلا خلاف أنه لم يجر فيها قسمة غنيمة، ولا سبي من أهلها
أحد بل من علیھم بأموالهم وأنفسهم، کما في الروض وغيره وعند أبي داود، پإِسناد حسن عن
جابر، أنه سئل هل غنمتم يوم الفتح شيئًا؟، قال: لا (ولم يحله لأحد قبله ولا لأحد بعده،) كما

٤٣٥
باب غزوة الفتح الأعظم
وفي البخاري من حديث أنس أن النبي عَّ دخل مكة يوم الفتح وعلى
رأسه المغفر- وهو بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء: زرد ينسج من
الدروع على قدر الرأس، وفي الحكم: هو ما يجعل من فضل درع الحديد الرأس
مثل القلنسوة- فلما نزعه جاء رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال:
اقتلوه.
وفي حديث سعید بن پربوع
أخبر عليه السلام.
وروى الطبراني عن أبي سعيد الخدري، قال عَّه يوم الفتح: هذا ما وعدني ربي، ثم قرأ
إِذا جاء نصر اللَّه والفتح.
(وفي البخاري)) في الحج، والجهاد والمغازي، واللباس، ومسلم، والسنن الأربعة كلهم.
(من حديث) لملك عن ابن شهاب عن (أنس أن النبي عَُّ دخل مكة يوم الفتح، وعلى رأسه
المغفر) وفي رواية، عن ملك خارج الموطأ مغفر من حديد.
رواه الدارقطني من رواية عشرة عن ملك كذلك، وفي بعضها أنه قال: من رأى منكم
ابن خطل فليقتله وفي بعضها كان يهجوه، بالشعر (وهو بكسر الميم وسكون الغين المعجمة)
وفتح الفاء، بعدها راء (زرد ينسج من) زرد (الدروع) المتصل بها جمع درع وهو ما يلبس من
الحديد، كالثوب (على قدر الرأس وفي الحكم) لابن سيده (وهو ما يجعل من فضل) زيادة
(درع الحديد) المتصل بِه (على الرأس مثل القلنسوة) والعبارتان بمعنى وإنما أتى بعبارة المحكم
لزيادته فيها على الرأس لأن قوله في الأولى على قدر لا يلزم منه كونها عليه وأما مثل القلنسوة،
فمفاد قول الأولى على قدره زاد المصنف في الحج أو رفرف البيضة، أو ما غطى الرأس من
السلاح، كالبيضة (فلما نزعه جاء رجل) قال الحافظ: لم يسم، وتبعه المصنف في المغازي،
وقال في الحج: هو أبو برزة الأسلمي كما جزم به الفاكهاني في شرح العمدة، والكرماني.
قال البرماوي: وكذا ذكره ابن طاهر، وغيره وقيل سعيد بن حريث انتهى.
(فقال ابن خطل متعلق بأستار الكعبة) وذلك أنه خرج، كما ذكر الواقدي إِلى الخندمة
ليقاتل على فرس وبيده قناة، فلما رأى خيل اللَّه والقتال دخله رعب حتى ما يستمسك من
الرعدة فرجع حتى انتهى إلى الكعبة، فنزل عن فرسه وطرح سلاحه، ودخل تحت أستار البيت
فأخذ رجل من بني كعب سلاحه وفرسه فاستوى عليه وأخبر المصطفى (فقال: اقتلوه).
زاد الوليد بن مسلم عن ملك فقتل، أخرجه ابن عائذ، وصححه ابن حبان (وفي حديث
سعيد بن يربوع) القرشي، المخزومي، صحابي كان اسمه الصرم، ويقال أصرم فغيره عليه السلام.

٤٣٦
باب غزوة الفتح الأعظم
عند الدارقطني والحاكم: أن رسول الله عَّه قال: أربعة لا أؤمنهم في حل ولا
حرم: الحويرث وهلال بن خطل ومقيس بن صبابة وعبد الله بن أبي سرح. قال: فأما
هلال بن خطل فقتله الزبير. الحديث.
وفي حديث سعد بن أبي وقاص عند البزاز والحاكم والبيهقي في الدلائل
نحوه، لكن قال: أربعة نفر وامرأتان وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار
الكعبة فذكره. لكن قال: عبد الله بن خطل بدل هلال، وقال عكرمة بدل الحويرث،
ولم يسم المرأتين. وقال: فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة
فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارًا، وكان أشب الرجلين
فقتله. الحديث.
وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي عثمن
مات سنة أربع وخمسين وله مائة وعشرون سنة أو أزيد.
(عند الدارقطني والحاكم أن رسول اللَّه مَ الله قال: أربعة لا أؤمنهم في حل، ولا) في
(حرم) إِن استمروا على كفرهم فلا ينافي أنه أمن ابن أبي سرح، لإِسلامه أو هو من سلب العموم
لا عموم السلب أي لا أؤمن جملتهم والأول أظهر هنا (الحويرث وهلال بن خطل، ومقيس بن
صبابة وعبد الله بن أبي سرح) وكأنه خصهم بالذكر لشدة ما وقع منهم، من أذى الإسلام وأهله
فلا ينافي أنه أهدر دم غيرهم وهي نكتة للتخصيص وإلا فمعلوم أن مفهوم العدد لا يفيد الحصر
ولا يصح أن معناه، حتم قتلهم لعفوه عن ابن أبي سرح (قال: فإِما هلال بن خطل فقتله الزبير
الحديث) والغرض منه تسمية ابن خطل وقاتله.
(وفي حديث سعد بن أبي وقاص عند البزار، والحاكم، والبيهقي الدلائل نحوه لكن)
فيه مخالفات بينها بقوله (قال أربعة نفر) إضافة بينية أي: هم نفر أي رجال (وامرأتان، وقال:
اقتلوهم، وإن وجدتوهم متعلقين بأستار الكعبة) بدل قوله لا أؤمنهم في حل ولا حرم، (فذكره
لكن قال) سعد: في حديثه لي بيان الأربعة عن المصطفى (عبد اللَّه بن خطل بدل هلال، وقال
عكرمة) بن أبي جهل (بدل الحويرث، ولم يسم المرأتين) وهما من الست أو الأربع السابقات.
(وقال) سعد (فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إِليه سعيد بن
حريث،) ابن عمرو بن عثمن بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي، المخزومي، الصحابي،
إوعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا وكان أشب الرجلين فقتله الحديث).
(وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي عثمن) عبد الرحمن بن مل بميم مثلثة، ولام ثقيلة

٤٣٧
باب غزوة الفتح الأعظم
النهدي: أن أبا برزة الأسلمي قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة وإسناده
صحیح مع إرساله.
ورواه أحمد من وجه آخر، وهو أصح ما ورد في تعيين قاتله، وبه جزم
البلاذري وغيره من أهل الأخبار.
وتحمل بقية الروايات على أنهم ابتدروا قتله فكان المباشر له منهم أبو برزة،
ويحتمل أن يكون غيره شاركه فيه، فقد جزم ابن هشام في السيرة: بأن سعيد بن
حريث وأبا برزة الأسلمي اشتركا في قتله.
وإنما أمر بقتل ابن خطل، لأنه كان مسلمًا فبعثه عَ لَّه مصدقًا، وبعث معه
رجلاً من الأنصار،
(النهدي) بفتح النون، وسكون الهاء، المخضرم الثقة، الثبت العابد، (أن أبا برزة) بفتح الباء، والزاي
بينهما راء ساكنة، نضلة بن عبيد (الأسلمي قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة وإِسناده،
صحيح مع إِرساله) وله شاهد عند ابن المبارك في كتاب البر، والصلة من حديث أبي برزة نفسه.
(ورواه أحمد من وجه آخر وهو أصح ما ورد في تعيين قاتله) وقد رجحه الواقدي (وبه
جزم) أحمد بن يحيى الحافظ الأخباري، العلامة (البلاذري) صاحب التاريخ (وغيره من أهل)
العلم بـ (الأخبار وتحمل بقية الروايات) المخالفة له (على أنهم ابتدروا قتله فكان المباشر)
بالنصب خبر كان (له منهم) واسمهما (أبو برزة ويحتمل أن يكون غيره شاركه فيه فقد جزم
ابن هشام في) تهذيب (السيرة،) لابن إِسحق عنه (بأن سعيد بن حريث، وأبا برزة الأسلمي،
اشتركا في قتله) هكذا في الفتح هنا وزاد في المقدمة.
وروی الحاکم، أن قاتله سعید بن زيد وروى البزار، أنه سعد ابن أبي وقاص وقيل عمار بن
یاسر، قال: ويجمع بينها، بأنهم ابتدروا إِلی قتله والذي باشر قتله منهم هو سعید بن حريث. انتھی
وما جمع به في الفتح أحسن وقيل قتله شريك بن عبدة العجلاني، حكاه الواقدي، وأخرج
عمر بن شبة في كتاب مكة عن السائب بن يزيد، قال: رأيت رسول اللّه عليه استخرج من تحت
أستار الكعبة ابن خطل فضربت عنقه صبرًا بين زمزم ومقام إبراهيم، وقال: لا يقتل قرشي، بعد هذا
صبرًا قال الحافظ: رجاله ثقات، إلا أن في أبي معشر مقالاً (وإِنما أمر بقتل ابن خطل) كما قاله
ابن إسحق وغيره (لأنه كان مسلمًا فبعثه عَ ◌ّ مصدقًا) بضم الميم وفتح الصاد، وكسر الدال،
مشددة ويجوز إِسكان الصاد، وتخفيف الدال المكسورة كما قاله البرهان، وتبعه الشامي، أي
آخذ الصدقات النعم (وبعث معه رجلاً من الأنصار) كذا في رواية ابن إسحق ونقله اليعمري،

٤٣٨
باب غزوة الفتح الأعظم
وكان معه مولى يخدمه- وكان مسلمًا - فنزل منزلاً فأمر المولى أن يذبح تيسًا
ويصنع له طعامًا ونام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا، فعدى عليه فقتله، ثم أرتد
مشرگًا، وكانت له فتاتان تغنيان بهجاء رسول الله
وأما الجمع بين ما اختلف فيه من اسمه، فإنه كان يسمى عبد العزى، فلما
أسلم سمي عبد الله. وأما من قال: هلال، فالتبس عليه بأخ له اسمه هلال.
وفي أبي داود من حديث مصعب: لما كان يوم الفتح أمن رسول الله
وغيره. قال البرهان: ولا أعرف اسمه.
ووقع عند الواقدي، وتبعه الشامي، من خزاعة، ولا شك في تقديم ابن إسحق على
الواقدي، فلا يتم لنا تجويز العقل أنه أطلق عليه أنصاريًا لكونه حليفًا لهم (وكان معه مولى
يخدمه) قال البرهان هذا المولى لا أعرف اسمه أيضًا (وكان مسلمًا،) فرواية ابن إسحق هذه
ظاهرها أنهما إثنان، وعليه جری کما ترى البرهان.
وأما الواقدي فلم يذكرٍ إِلا الرجل الخزاعي وتبعه الشامي واعتمده الشارح فجعل ضمير
كان الأنصاري أي، وكان الأنصاري مع ابن خطل خادمًا له فسمي مولی تجوزا، ومن ثم عبر
الکلامي بأنه کان معه رجل مسلم يخدمه انتھی.
وهو واضح لو كان الذي اقتصر على واحد نفي الثاني وأيضًا، فالذي ذكر الاثنين أوثق
ممن ذكر الواحد بل هو متروك فلا يرد له كلام الثقة، فإن زيادة الثقة مقبولة وابن إِسلحق صدوق،
وقد أقر كلامه اليعمري والعسقلاني وغيرهما غير معرجين على غيره (فنزل منزلاً فأمر المولى أن
يذبح تيسًا ويصنع له طعامًا ونام) نصف النهار، (فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا فعدا) بعين مهملة،
من العدوان (عليه فقتله ثم ارتد مشركًا) أتى به، لأَن الردة تكون بغير الشرك الذي هو عبادة
الأوثان کالتهود، (و) لأنه (کانت له فتاتان) أمتان (تغنيان بهجاء رسول اللّه مَّ) فهذا سبب
إهدار دمه، واختلاف الروايات في قتله فأما الجمع بينها فهو ما علمته (وأما الجمع بين ما
اختلف فيه من اسمه) فهو عطف على مقدر وما موصولة، صفة لمحذوف أي الروايات التي
اختلفت، في تعيين اسمه (فإِنه) بالفاء جوابٍ أما وفي نسخة بحذفها على تقدير فأقول أنه (كان
يسمى عبد العزى، فلما أسلم سمي عبد اللَّه) المسمى له النبي عَّه كما في المقدمة وغيرها.
(وأما من قال هلال فالتبس عليه بأخ له اسمه هلال وفي أبي داودٍ) والحاكم (من
حديث مصعب) بن سعد بن أبي وقاص، الزهري المدني الثقة، أي عن أبيه لأنه الواقع في أبي.
داود، لا أنه من مرسل مصعب كما أوهمه المصنف (لما كان يوم الفتح أمن رسول اللَّه معتلّ.

٤٣٩
باب غزوة الفتح الأعظم
الناس إلا أربعة نفر فذكرهم ثم قال: وأما ابن أبي سرح فاختباً عند عثمان بن عفان
رضي الله عنه فلما دعا رسول الله عَّه الناس إلى البيعة، جاء به حتى أوقفه على
رسول الله عَّه فقال: يا نبي الله بايع عبد الله، فرفع رأسه فنظر إليه مليًا ثلاثًا، كل
ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل
رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت عن بيعته فيقتله؟ فقالوا: يا رسول الله ما
ندري ما في نفسك، ألا أومأت إلينا؟ فقال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة
الأعين. الحدیث.
الناس إلا أربعة نفر فذكرهم،) فقال: عكرمة وابن خطل ومقيس وابن أبي سرح، (ثم قال وأما ابن
أبي سرح فاختباً عند عثمن بن عفان رضي اللَّه عنه) وكان أخاه من الرضاعة كما عند
ابن إِسحق.
(فلما دعا رسول اللَّه عَ ل الناس إلى البيعة جاء به) عثمن (حتى أوقفه) لغة قليلة والكثير
وقفه (على رسول اللَّه عَِّ، فقال) عثمن: (يا نبي اللَّه بايع عبد اللَّه فرفع رأسه فنظر إليه مليًا)
طويلاً (ثلاثًا كل ذلك يأبى) أن يبايعه، (فبايعه بعد ثلاث ثم) لما أنصرف عثمن به كما عند
ابن إسحق (أقبل على أصحابه، فقال: أ(ما) فهمزة الاستفهام مقدرة (كان فيكم رجل رشيد)
يفهم مرادي (يقوم إلى هذا حين كففت عن بيعته فيقتله) فالاستفهام للوم على عدم قتله وعند
ابن إسحق لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه (فقالوا:) وعند ابن إِسلحق.
ورواه الدارقطني عن أنس وعن سعيد بن يربوع، وابن عساكر عن عثمن فقال رجل من
الأنصار: قال في الإصابة وأفاد سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان أنه عباد بن بشر الأنصاري وقيل
عمر انتھی.
وتسمية عمر أنصاريًا بالمعنى الأعم ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار﴾، (يا رسول اللَّه ما
ندري ما في نفسك ألا أومأت إِلينا،) أشرت بحجاب أو يد أو غيرهما، (فقال: «إنه لا ينبغي
لنبي أن تكون له خائنة الأعين))) هي الإِيمان إِلى مباح من نحو ضرب أو قتل على خلاف ما
يظهر.
سمي بذلك لشبهه بالخيانة لإخفائه كما لو أوماً لقتله حين طلب عثمن مبايعته فإنه خلاف
الظاهر من سكوته وتجوز لغيره إلا في محظور، وعليه قوله يعلم خائنًا الأعين وما تخفي
الصدور، فإِن فيه ذم النظر إلى ما لا يجوز كما فسره به ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وفسره
السدي والضحاك، بالرمز بالعين (الحديث) وعند ابن إسحق، قال: فهلا أومأت إليّ، قال: إِن

٤٤٠
باب غزوة الفتح الأعظم
قال الملك- كما في رواية البخاري: ولم يكن رسول الله عَلَ ◌ّه فيما نرى
يومئذ محرمًا. انتهى.
وقول لملك هذا رواه عبد الرحمن بن مهدي عن ملك جازمًا به. أخرجه
الدارقطني في الغرائب.
ويشهد له ما رواه مسلم من حديث جابر: دخل عَّه يوم فتح مكة وعليه
عمامة سوداء بغير إحرام.
وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن طاوس قال: لم يدخل النبي عُ
مكة إلا محرمًا إلا يوم فتح مكة.
وقد اختلف العلماء: هل يجب علي من دخل مكة الإحرام أم لا؟
النبي لا يقتل بالإِشارة وكان عبد اللَّه بعد ذلك ممن حسن إسلامه ولم يظهر منه شىء ينكر عليه،
وكانت له المواقف المحمودة في الفتوح، والولاية المحمودة، وهو أحد النجباء العقلاء الكرماء
من قريش، وكان فارسٍ بني عامر بن لؤى المقدم فيهم. وولاه عمر، ثم عثمن وتقدم مزيد لذلك
(قال لملك) الإِمام الأعظم، (كما في رواية البخاري، ولم يكن رسول اللّه عليه فيما نرى) بضم
النون، وفتح الراء أي نظن واللَّه أعلم.
(يومئذٍ محرمًا) أي لم يرو أجد أنه تحلل يومئذٍ من إحرامه (التهى، وقول لملك هذا رواه
عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان العنبري، مولاهم البصري الثقة الثبت الحافظ العارف بالرجال
والحديث.
روى له الستة (عن ملك جازمًا به،) فأسقط قوله فيما نرى واللَّه أعلم.
(أخرجه الدارقطني في الغرائب) أي غرائب الرواة، عن ملك (ويشهد له ما رواه مسلم)
والإِمام أحمد، وأصحاب السنن الأربعة (من حديث جابر: دخل عَّةٍ يوم فتح مكة وعليه عمامة
سوداء بغير إِحرام،) فصرح بما جزم به لملك أو ظنه، (و) ما (روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح
عن طاوس) بن كيسان اليماني الثقة الفقيه، المتوفى سنة ستين ومائة أو بعدها، روى له الجماعة
(قال: لم يدخل النبي معَّه مكة إِلا محرمًا إِلا يوم فتح مكة) وستر الرأس بالمغفر يدل على
ذلك أيضًا.
وقول ابن دقيق العيد يحتمل أنه محرم وغطاه العذر تعقب بتصريح جابر وغيره بأنه لم
یکن محرمًا.
(وقد اختلف العلماء، هل يجب على من دخل مكة) ولم يقصد النسك (الإِحرام أم لا؟،