النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
باب غزوة الفتح الأعظم
فقالت له أم سلمة: لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك، وقال علي:
لأبي سفين- فيما حكاه أبو عمر وصاحب ذخائر العقبى -: انت رسول الله عَ ليه من
قبل وجهه فقل له ما قال أخوة يوسف: ((تالله لقد آثرك الله علينا وإن.
قال لي بمكة، ما قال: قال في الروض يعني، قوله له واللَّه لا آمنت بك حتى تتخذ سلمًا إِلى
السماء فتعرج فيه وأنا أنظر، ثم تأتي بصك وأربعة من الملائكة يشهدون أن اللَّه أرسلك، (فقالت
له: أم سلمة) هند أم المؤمنين آخر الزوجات موتًا سنة اثنتين وستين وقيل إِحدى وقيل قبلها
والأول أصح تأتي في الزوجات.
(لا يكن ابن عمك، وابن عمتك، أشقى الناس بك،) نهى لهما ظاهرًا وهو في الحقيقة
سؤال له عَّه في الإقبال عليهما حتى لا يكونا أشقى الناس، وتلطفت في التعبير تعظيمًا لمقامه
العظيم وأدبًا عن أن تخاطبه بصورة نھي.
لكن في رواية ابن بكار كما في الإصابة لا تجعل، فيحتمل أنه بالمعنى وعند ابن إسحق:
فلما خرج الخبر إليهما بذلك ومع أبي سفين بني له، فقال: والله ليأذنن لي، أو لآخذن بيد بني
هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشًا وجوعًا، فلما بلغ ذلك النبي حَ له رق لهما، ثم
أذن لهما فدخلا عليه وأسلما وأنشده، أبو سفين في إِسلامه، واعتذر مما مضى فقال:
لعمرك إِني يوم أحمل راية لتغلب خيل اللات خيل محمد
لكالمدلج الحيران أظلم ليله فهذا أواني حين أهدى وأهتدي
مع اللّه من طردته كل مطرد
هداني هادٍ غير نفسي ونالني
وأدعي وإِن لم أنتسب من محمد
أصد وأنأى جانبًا عن محمد
وإن كان ذا رأي يلام ويفند
هم ما هم من لم يقل بهواهم
أريد لأرضيهم ولست بلائط مع القوم ما لم أهد في كل مقعد.
قال ابن إسحق فزعموا أنه لما قال ونالني مع اللَّه من طردته كل مطرد ضرب عَ له صدره،
وقال: أنت طردتني كل مطرد.
قال ابن هشام: ويروى ودلني على الحق من طردته كل مطرد، (وقال علي لأَبي سفين)
عليه بعد إِذنه لهما فى الدخول عليه، (فيما
مرشدًا لأبن عمه إِلى ما يكون، سببًا لإِقباله
حكاه أبو عمر) بن عبد البر الحافظ الشهير (وصاحب ذخائر العقبى) في مناقب ذوي القربى، وهو
المحب الطبري (ائت رسول اللَّه عَّه من قبل) جهة (وجهه) الوجيه، لأن عادة الكرماء الاستحياء
من المواجهة ولا أكرم منه، (فقل له ما قال أخوة يوسف تاللَّه لقد آثرك) فضلك (اللَّه علينا وإن)

٤٠٢
باب غزوة الفتح الأعظم
كنا لخاطئين)) فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولاً، ففعل ذلك أبو سفين،
فقال له مَّ له: ((لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين).
ويقال: إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله عَ له منذ أسلم حياء منه.
قالوا: ثم سارعَ لّ فلما كان بقديد عقد الألوية والرايات ودفعها إلى القبائل.
مخففة أي، وأنا (كنا لخاطئين) آثمين في أمرك فأذلنا لك، (فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن
منه قولاً،) بل أن يكون هو الأحسن على مفاد هذا التركيب عرفًا، لأن النفي إذا دخل على اسم
التفضيل،. فالقصد تفضيل من نسب إليه الفعل على غيره، وإِن صدق النفي بالمساواة لغة ولا يرد
أنه أجابهم بجواب يوسف لا مكان، إِن حسن القول بما اقترن به من الإقبال بعد أن بالغوا في
الأَذى واقتراح الآيات والتصميم على قتله، ومحاربته المرة بعد المرة يجعله فائقًا على جواب
يوسف وإِن ساواه لفظًا، لأن أخوته ما بالغوا في أذاه مبلغهم من النبي عَّه عليهما وما صمموا
على قتله بل لما علموا حياته باعوه، وهذا التعسف أحوج إليه القاعدة ولك أن تقول ما المانع
هنا من جريه على أصل اللغة كما هو الظاهر والقاعدة أغلبية، (ففعل ذلك أبو سفين، فقال له
: لا تقريب،) عتب (عليكم اليوم،) خصه بالذكر لأنه مظنة التثريب فغيره أولى، (يغفر الله
لكم وهو أرحم الراحمين) فأسلم أبو سفين فكان، كما في الروض وغيره من أصح الناس إِيمانًا،
منذ
وألزمهم لرسول اللَّه عَدُ وثبت معه في حنين، (ويقال أنه: ما رفع رأسه إِلى رسول اللّه عَـ
أسلم حياء منه) وكان عٍَّ يحبه، ويشهد له بالجنة ويقول: ((أرجو أن يكون خلفًا من حمزة)،
كما في العيون وقال له كل الصيد في جوف الفرا، وقيل بل قالها لابن حرب، قال السهيلي:
والأول أصح، ووقع عند البغوي أنه أول من بايع تحت الشجرة، قال في الإصابة ولم يصب في
ذلك فقد أخرجه غيره من الوجه الذي أخرجه هو منه، فقال أبو سنان بن وهب وهو الصواب
والمستفيض عند أهل المغازي كلهم وأسند أبو سفين بن الحرث حديثًا عن النبي عٍَّ لا يقدس
اللَّه أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه من القوي.
أخرجه الدارقطني، وابن نافع، وسنده صحيح، لكن فيه راوٍ لم يسم انتهى.
(قالوا: ثم سار عَّة) والترتيب ذكرى، فإِن قديدًا قبل الماء الذي أفطر به فعقد الألوية قبله،
(فلما كان بقديد) ولقيته سليم هناك (عقد الألوية والرايات، ودفعها إلى القبائل) لبني سليم لواء
وراية، وبني غفار راية وأسلم لواءين وبني كعب راية، ومزينة ثلاثة ألوية، وجهينة أربعة ألوية، وبني
بکر لواء، وأشجع لواءین، كذا ذكره الواقدي.
هذا وادعى الشارح أن أبا بكر رأى منامًا قبل عقد الألوية، ولا أدري من أين أخذه فإِن

٤٠٣
باب غزوة الفتح الأعظم
ثم نزل من الظهران، فأمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار، ولم يبلغ قريشًا
مسيره وهم مغتمون خائفون من غزوه إياهم، فبعثوا أبا سفين بن حرب وقالوا: إن
لقيت محمدًا فخذ لنا منه أمانا، فخرج أبو سفين بن حرب وحكيم بن حزام،
وبديل بن ورقاء حتى أتوا مر الظهران، فلما رأوا العسكر أفزعهم.
وفي البخاري:
الشامي إنما ذكره بعد نزوله عليه السلام مر الظهران، فقال: روى البيهقي عن ابن شهاب أن أبا
بكر قال: يا رسول اللَّه أراني في المنام وأراك دنونا من مكة فخرجت إِلينا كلبة تهر، فلما دنونا
منها، استلقت على ظهرها فإذا هي تشخب لبنًا، فقال عَّله: ذهب كلبهم وأقبل درهم وهم
سيأوون بأرحامهم وأنكم لاقون بعضهم، فإِن لقيتم أبا سفين فلا تقتلوه، تشخب تدر وتسيل
كلهم، بفتح الكاف واللام شدتهم درهم بفتح المهملة لبنهم والمراد هنا خيرهم وهو انقيادهم،
وإسلامهم (ثم نزل مر الظهران،) قال الحافظ: بفتح الميم وتشديد الراء، مكان معروف والعامة،
تقوله بسكون الراء، وزيادة واو الظهران، بفتح المعجمة، سكون الهاء، بلفظ تثنية ظهر (فأمر
أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نارًا) لتراها قريش فترعب من كثرتها، ولم يأمر باقي من معه وهم
ألفان بالإِيقاد تخفيفًا، فليسٍ في أمره بذلك أن الذين معه عشرة آلاف، فقط واستجاب الله
لرسوله فغم على أهل مكة الأمر (ولم يبلغ قريشًا مسيره وهم مغتمون) محزنون، متحيرون
(خائفون).
وفي نسخة لما يخافون بما المصدرية أي، لخوفهم (من غزوه إياهم فبعثوا، أبا سفين)
صخر (بن حرب) الأموي (وقالوا: إِن لقيت محمدًا فخذلنا منه أمانًا فخرج أبو سفين بن حرب،
وحکیم بن حزام) بالزاي الأسدي، ابن أخي خديجة أم المؤمنين قيل، ولد في جوف الكعبة، قبل
الفتح بأربع وسبعين سنة، ثم عمر إلى سنة أربع وخمسين أو بعدها (وبديل) بموحدة ومهملة
مصغر (ابن ورقاء) الخزاعي، أسلموا في الفتح رضوان الله عليهم أجمعين.
وعند ابن أبي شيبة من مرسل أبي سلمة أنه عَّله أمر بالطرق فحبست ثم خرج فغم على
أهل مكة الأمر، فقال أبو سفين لحكيم: هل لك أن نركب إِلى مر لعلنا أن نلقي خبرًا فقال
بديل: وأنا معكم. قالا: وأنت إِن شئت فركبوا (حتى أتوا مر الظهران فلما رأوا العسكر أفزعهم)
وعند ابن أبي شيبة حتى إذا دنوا من ثنية مر أظلموا أي دخلوا في الليل فأشرفوا فإِذا النيران قد
أخذت الوادي کله.
(وفي البخاري) من مرسل عروة ابن الزبير، قال الحافظ: ولم أره في شىء من الطرق، عن
عروة موصولاً، قال: لما سافر عّ عام الفتح فبلغ ذلك قریشًا خرج أبو سفین، وحکیم وبديل

٤٠٤
باب غزوة الفتح الأعظم
فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة، فقال أبو سفين: ما هذه النيران؟ لكأنها نيران
عرفة، فقال له بديل بن ورقاء: نيران بني عمرو، فقال أبو سفين: عمرو أقل من
ذلك. فرآهم ناس من حرس رسول الله عَ ليه فأدركوهم فأخذوهم
يلتمسون الخبر، قال الحافظ: ظاهره أنه بلغهم مسيره قبل خروج الثلاثة، والذي عند ابن إسحق،
وابن عائذ، من مغازي عروة، ثم خرجوا وقادوا الخيول حتى نزلوا بمر الظهران، ولم تعلم بهم
قريش، وكذا في رواية أبي سلمة عند ابن أبي شيبة، فيحتمل أن قوله بلغ قريشًا، أي: غلب على
ظنهم ذلك لا أن مبلغًا بلغهم ذلك حقیقة انتھی.
قال: فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مر الظهران (فإذا هم بنيران،) جمع نار ويجمع أيضًا، على
نور، مثل ساحة وسوح كما في المصباح وغيره فهو مشترك بينها وبين الضوء، ويميز بالقرائن
اللفظية ونحوها، (كأنها نيران عرفة) التي كانوا يوقدونها فيها، ويكثرون منها، (فقال أبو سفين،
ما هذه النيران؟،) واللَّه (لكأنها نيران عرفة،) قال الحافظ: جواب قسم محذوف أشار إلى ما
جرت به، عادتهم من إيقاد النيران الكثيرة ليلة عرفة، (فقال له بديل بن ورقاء،) هذه (نيران بني
عمرو،) بفتح العين، وفي رواية نيران بني كعب، ويعني بهما خزاعة، وعمرو، وهو ابن لحى،
كما في الفتح وغيره، (فقال أبو سفين، عمرو أقل من ذلك،) وفي نسخة بنو عمرو.
لكن الذي في البخاري، هو الأولى فإِن صحت فهي بيان للمراد، وأنه بتقدير مضاف، قال
الحافظ: ومثل هذا في مرسل أبي سلمة وفي مغازي عروة عند ابن عائذ، عكس ذلك وأنهم لما
رأوا الفساطيط، وسمعوا صهيل الخيل، راعهم ذلك، فقالوا: هؤلاء بنو كعب يعني خزاعة وكعب،
أكبر بطون خزاعة جاشت بهم الحرب، فقال بديل: هؤلاء أكثر من بني كعب ما بلغ تألبها هذا.
قالوا: فانتجعت هوازن أرضنا واللّه ما نعرف هذا إِن هذا المثل حاج الناس (فرآهم ناس من حرس
رسول اللَّه مَّةٍ فأدركوهم فأخذوهم).
وعند ابن عقبة، فأخذوا بخطم أبعرتهم، فقالوا: من أنتم؟، فقالوا: هذا رسول اللَّه عَّم.
وأصحابه، فقال أبو سفين: هل سمعتم بمثل هذا الجيش نزلوا على أكباد قوم لم يعلموا بهم؟،
وروى الطبراني، عن أبي ليلى كنا مع رسول اللَّه عَّه بمر الظهران، فقال: إِن أبا سفين بالأراك،
فخذوه فدخلنا فأخذناه، وفي رواية ابن عائذ، وكان عَّله، بعث بين يديه خيلاً تقنص العيون،
وخزاعة على الطريق لا يتركون أحدًا يمضي فلما دخل أبو سفين، وأصحابه عسكر المسلمين
أخذتهم الخيل، تحت الليل وفي مرسل أبي سلمة، وكان حرس رسول اللَّه عَّه نفر من الأنصار،
وكان عمر بن الخطاب عليهم تلك الليلة فجاؤا بهم إليه، فقالوا: جئناك بنفر أخذناهم من أهل
مکة.

٤٠٥
باب غزوة الفتح الأعظم
فأتوا بهم رسول الله عێے، فأسلم أبو سفین بن حرب.
فلما سار قال للعباس: احبس أبا سفين عند خطم الجبل فحبسه العباس،
فقال عمر: وهو يضحك إِليهم واللَّه لو جئتموني بأبي سفين ما زدتم. قالوا واللَّه قد أتيناك
بأبي سفين، فقال: احيسوه فحبسوه، حتى أصبح فغدا به على رسول اللَّه عٍَّ وعند ابن إسحق
أن العباس خرج ليلاً فلقيهم فحمل أبا سفين معه على البغلة ورجع صاحباه، وجمع الحافظ
بإمكان أن الحرس، لما أخذوهم أستنقذ العباس أبا سفين ويأتي ما فيه (فأتوا بهم رسول اللّه عملياتج.
فأسلم أبو سفين بن حرب،) أي انقاد وأظهر الذل له عليه الصلاة والسلام فلا ينافي، ما يأتي عن
ابن إِسحق وغيره أنه لم يسلم حتى أصبح.
وفي مغازي ابن عقبة فلقيهم العباس فأجارهم وأدخلهم على رسول اللَّهُ عَّ فأسلم بديل
وحكيم، وتأخر أبو سفين بإسلامه حتى أصبح. (فلما سار) أبو سفيِّن (قال) عَّه (العباس: احبس
أبا سفين) وعند موسى ابن عقبة، أن العباس قال له عَ: لا آمن أن يرجع أبو سفين فيكغر
فأحبسه حتى يرى جنود اللّه ففعل. فقال أبو سفين: أغدرا يا بني هاشم قال: لا ولكن لي إِليك
حاجة فتصبح فتنظر جود اللّه وما أُعد اللَّه للمشركين.
وعند الواقدي، فقال: إِن أهل النبوة، لا يغدرون.
وروى ابن أبي شيبة من مرسل أبي سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن أن أبا بكر لما ولي أبو
سفين، قال: لو أمرت بأبي سفين فحبس على الطريق ولا منافاة لجواز أنه بعد سؤال الصديق
والعباس ذلك قال للعباس احبسه (عند خطم الجبل) قال الحافظ: بفتح الخاء المعجمة وسكون
المهملة، وبالجيم والموحدة، أي أنفع، كذا في رواية النسفي، والقابسي، وهي رواية ابن إسحق
وغيره من أهل المغازي.
وفي رواية الأكثر يفتح المهملة، من اللفظة الأولى، وبالخاء، المعجمة، وسكون التحتية،
أي ازدحامها (فحبسه العباس) هناك لكونه مضيفًا ليرى الجميع ولا تفوته رؤية أحد منهم، وفي
رواية ابن عقبة فحبسه بالمضيق دون الأراك حتى أصبحوا فلما أذن الصبح أذن العسكر كلهم أي
أجابوا المؤذن ففزع أبو سفين، فقال: ما يصنع هؤلاء؟، قال العباس: الصلاة.
وعند ابن أبي شيبة ثار المسلمون إلى ظهورهم فقال: يا أبا الفضل ما للناس أمروا بشىء،
قال: لا ولكنهم، قاموا إلى الصلاة فذهب العباس به فلما رأى اقتداءهم به في الصلاة، قال أبو
سفين: ما رأيت كاليوم طاعة قوم جمعهم من ههنا، وههنا، ولا فارس الأكارم ولا الروم ذات
القرون بأطوع منهم له يا أبا الفضل. أصبح ابن أخيك واللَّه عظيم الملك، فقال العباس: أنه ليس
بملك ولكنها النبوة، قال: أو ذاك.

٤٠٦
باب غزوة الفتح الأعظم
فجعلت القبائل تمر مع النبي عَ له: تمر كتيبة كتيبة على أبي سفين. فمرت كتيبة
فقال: يا عباس من هذه؟ قال: هذه غفار؟ قال: مالي ولغفار؟ ثم مرت جهينة فقال
مثل ذلك،
وعند ابن عقبة وأمر عَّ له مناديًا ينادي: لتصبح كل قبيلة عند راية صاحبها وتظهر ما معها
من الأداة والعدة. فأصبح الناس على ظهر وقدم، بين يديه الكتائب، ومرت القبائل على قاداتها
والكتائب على راياتها (فجعلت القبائل تمر مع النبي عَّ. كتيبة كتيبة) بمثناة ووزن عظيمة، وهي
القطعة من الجيش فعيلة من الكتب بفتح فسكون، وهو الجمع (على أبي سفين،) قال الواقدي:
وأول من قدم عَّ خالد في بني سليم، وهم ألف، ويقال تسعمائة معهم لواءان يحملهما
العباس بن مرداس وخفاف، بضم المعجمة ابن ندبة، بضم النون، وراية مع الحجاج ابن علاط
فمروا بأبي سفين فكبروا ثلاثًا فقال: من هؤلاء؟، فقال خالد بن الوليد: قال الغلام قال: نعم. قال:
ومن معه، قال: بنو سليم، قال: مالي وبني سليم، ثم مر على أثره، الزبير بن العوام، في خمسمائة
من المهاجرين، وأفتاء العرب فكبروا ثلاثًا، فقال: من هؤلاء؟، قال الزبير بن العوام، قال ابن
أختك، قال: نعم (فمرت) بعدهما (كتيبة) في ثلاثمائة يحمل رايتهم أبو ذر ويقال غيره فلما،
حاذوه كبروا ثلاثًا، (فقال: يا عباس من هذه؟، قال: هذه غفار) بكسر الغين المعجمة (قال: مالي
ولغفار) قال المصنف بغیر صرف ولأبي ذر بالتنوین مصروفًا، أي: ما كان بيني وبينهم حرب.
وعند الواقدي، ثم مرت أسلم في أربعمائة فيها لوأن يحملهما بريدة بن الحصيب
وناجية بن الأعجم فلما حاذوه كبروا ثلاثًا، فقال: من هؤلاء؟، قال: أسلم. قال: مالي ولأُسلم، ثم
مرت بنو كعب بن عمرو في خمسمائة يحمل رأيتهم بسربن سفين فلما حاذوه كبروا ثلاثًا، قال:
من هؤلاء، قال: بنو كعب أخوة أسلم، قال: هؤلاء حلفاء محمد، ثم مرت مزينة فيها مائة فرس
وثلاثة ألوية يحملها النعمان، وعبد بن عمرو بن عوف وبلال بن الحرث، فلما حاذوه كبروا ثلاثًا،
قال: من هؤلاء؟، قال: مزينة، قال: مالي ولمزينة، قد جاءتني تقعقع من شواهقها.
(ثم مرت جهينة) بضم الجيم، وفتح الهاء، وسكون التحتية وبالنون، في ثمانمائة فيها أربعة
ألوية يحملها معبد بن خالد، وسويد بن صخر ورافع بن مكيث، وعبد اللَّه بن بدر فلما حاذوه
كبروا ثلاثًا، قال: من هؤلاء؟ قال: جهينة، قال: مالي ولجهينة، وعند ابن أبي شيبة والله ما كان
بيني وبينهم حرب قط (فقال) كل من أبي سفين، والعباس (مثل ذلك) لقول الأول ففيه تجوز إِذ
الحاصل من أبي سفين السؤال، والعباس الجواب، ثم من أبي سفين الأخبار بأنه لا حرب بينه
وبینھا.
وأسقط المصنف من رواية عروة هذه التي في البخاري قوله: ثم مرت سعد بن هذيم،

٤٠٧
باب غزوة الفتح الأعظم
حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها، قال: من هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن
عبادة. معه الراية، فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفين: اليوم يوم الملحمة، اليوم
تستحل
فقال: مثل ذلك، ومرت سليم، فقال: مثل ذلك قال: في الفتح ذكر عروة، من القبائل أربعًا، وفي
مرسل أبي سلمة زيادة أسلم ومزينة، والواقدي أشجع، وتميم وفزارة، ولم يذكرا سعد بن هذيم
وهم من قضاعة، وقد ذكر قضاعة موسى بن عقبة، والمعروف فيها سعد هذيم بالإضافة، ويصح
الآخر على المجاز وهو سعد بن زيد بن ليث بن سود بضم المهملة ابن أسلم بضم اللام ابن
الحاف بمهملة وفاء بن قضاعة انتهى.
وقول عروة ومرت سلیم لا يقتضى أنها مرت بعد سعد بن هذيم، لأنه لما عدل عن حرف
الترتيب علم أنه لم يضبط مرورها، فلا ينافي أنها أول من مر مع خالد، كما مر عن أن ثم في ثم
مرت سعد للترتيب الذكرى، فإنهم كما علمت من قضاعة، وقد قال ابن عقبة، بعث خالدًا في
قبائل قضاعة وسلیم، وغيرهم کما يأتي في المتن، وقد کان خالد أول من مر وعند الواقدي، بعد
جهينة ثم مرت كنانة بكسر الكاف بنو ليث وضمرة وسعد بن بكر في مائتين يحمل لواءهم أبو
واقد بالقاف الليثي فلما حاذوه كبروا ثلاثًا، قال: من هؤلاء؟، قال: بنو بكر، قال: نعم أهل شؤم
واللَّه هؤلاء الذين غزانا محمد بسببهم، ثم مرت أشجع وهم آخر من مروهم ثلاثمائة معهم
لواءان يحملهما معقل بن سنان ونعيم بن مسعود، فكبروا ثلاثًا قال من هؤلاء؟، قال: أُشجع قال:
هؤلاء كانوا أشد العرب على محمد، قال أدخل اللَّه تعالى الإِسلام في قلوبهم فهذا فضل الله،
ثم قال أبو سفين: أبعد ما مضى محمد، فقال العباس: لا لو أتت الكتيبة التي هو فيها رأيت
الخيل، والحديد، الرجال وما ليس لأحد به طاقة، قال ومن له بهؤلاء طاقة؟، وجعل الناس يمرون
كل ذلك يقول ما مر محمد، فيقول العباس لا (حتى أقبلت كتيبة لم يرَ مثلها) إِذ، في كلٍ بطن
منها لواء وراية وهم في الحديد، لا يرى منهم إلا الحدق (قال: من هذه؟، قال: هؤلاء الأنصار
عليهم سعد بن عبادة معه الراية) أي راية الأنصار وراية المهاجرين مع الزبير، كما يأتي، ومر
(فقال سعد بن عبادة:) لما مر بالراية النبوية (يا أبا سفين، اليوم يوم الملحمة) قال الحافظ:
بالحاء المهملة، أي يوم حرب، لا يوجد مته مخلص أو يوم القتل يقال: لحم فلانًا إِذا قتله.
قال الشامي: برفعهما أو نصب الأول ورفع الثاني انتهى.
ولا يرد على الثاني من ظرفية الزمان لنفسه إِذ يوم الملحمة مظروف في اليوم لأنه من
ظرفية الكل لجزئه إِذ المراد به وقت الحرب.
(اليوم) قال المصنف: نصب على الظرفية (تستحل) بضم الفوقية الأولى وفتح الثانية

٤٠٨
باب غزوة الفتح الأعظم
الكعبة، فقال أبو سفين: يا عباس، حبذا يوم الذمار بالمعجمة المكسورة: أي
الهلاك.
قال الخطابي: تمنى أبو سفين أن يكون له يد فيحمي قومه ويدفع عنهم.
وقيل: هذا يوم الغضب للحريم والأهل والانتصار لهم لمن قدر عليه، وقبل: هذا
يوم يلزمك فيه حفظي وحمايتي من أن ينالني مكروه.
وقال ابن إسحق: زعم بعض أهل العلم أن سعدًا قال: اليوم يوم الملحمة
اليوم تستحل الحرمة، فسمعها رجل من المهاجرين فقال: يا رسول الله، ما نأمن أن
يكون لسعد في قريش صولة. فقال لعلي: أدركه فخذ الراية منه فكن أنت تدخل
بها.
والحاء المهملة مبنيًا للمفعول (الكعبة) بقتل من أهدر دمه ولو تعلق بأستارها، وقتال من عارض
من أهل مكة وإباحة خضراء قريش وبإزالة ما يزعمون أنه تعظيم لها من نحو أصنام وصور وهو
باطل وقد وقع جميع ذلك، كما يأتي (فقال أبو سفين: يا عباس حبذا) بفتح الحاء والموحدة،
فعل ماض، وذا فاعل على مذهب سيبويه، وجزم به في الخاصة وفيه أقوال أخر محلها كتب
النحو (يوم الذمار) وفصل المصنف حديث البخاري بشىء من الفتح فقال: (بالمعجمة
المكسورة) وتخفيف الميم،(أي: الهلاك قال الخطابي تمنى أبو سفين أن يكون له يد) قوة في
هذا اليوم (فيحمي قومه ويدفع عنهم) قاله عجزًا (وقيل،) معناه (هذا يوم الغضب للحريم
والأَهل، والانتصار لهم، لمن قدر عليه) قاله غلبة وعجزا ومخالفته للأول.
وبالمفهوم فإِن كلا من الهلاك والغضب صالح لتمنيه لشرفه وعزه في قومه فإِن غضبه لهم
يستلزم تمنيه قدرة لتحميهم (وقبل) معناه (هذا يوم يلزمك فيه حفظي وحمايتي) لقربك،
للمصطفى، وحبه لك وإقباله عليك (من أن ينالني مكروه، وقال ابن إسحق زعم بعض أهل
العلم، أن سعدًا، قال: اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة) أي حرمة الكعبة (فسمعها
رجل من المهاجرين،) قال ابن هشام هو عمر، قال الحافظ وفيه بعد لأن عمر كان معروفًا بشدة
الباس علیهم انتهى.
وفي مغازي الواقدي والأموي أن عثمن وعبد الرحمن، قالا ذلك جميعًا، فالأولى أن يفسر
الميهم بأحدهما أو بهما على إِرادة الجنس، (فقال: يا رسول اللَّه ما نأمن أن يكون لسعد في
قريش صولة) بفتح المهملة وسكون الواو حملة (فقال لعلي: أدركه فخذ الراية منه فكن أنت
تدخل بھا).

٤٠٩
باب غزوة الفتح الأعظم
وقد روى الأموي في المغازي: أن أبا سفين قال للنبي عَِّ لما حاذاه:
أمرت بقتل قومك؟ قال: لا، فذكر له ما قاله سعد بن عبادة ثم ناشده الله والرحم،
فقال: يا أبا سفين: اليوم يوم المرحمة، اليوم يعز الله تعالى قريشًا، وأرسل إلى سعد
فأخذ الراية منه فدفعها إلى ابنه قيس.
وعند ابن عساكر من طريق أبي الزبير عن جابر قال: لما قال سعد بن عبادة
ذلك عارضت امرأة رسول الله عَ له فقالت:
يا نبي الهدى إليك نجا حي قريش ولات حين لجائي
حين ضاقت عليهم سعة الأر ض وعاداهم إله السماء
(وقد روى الأموي) يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاصي أبو أيوب الكوفي نزيل
بغداد لقبه الجمل بجيم صدوق روى له الستة مات سنة أربع وتسعين ومائتين (في المغازي أن
أبا سفين، قال للنبي عَّ لما حاذاه) وهو مار في جنود اللَّه (أمرت) بحذف همزة الاستفهام
(بقتل قومك، قال: لا فذكر له ما قال سعد بن عبادة، ثم ناشده اللَّه تعالى والرحم) نقل بالمعنى
ولفظ مغازي الأموي، أنشدك اللّه في قومك فإنك أبر الناس وأرحمهم وأوصلهم (فقال: يا أبا
سفين، اليوم يوم المرحمة،) الراء الرأفة والشفقة، على الخلق (اليوم يعز اللَّه تعالى قريشًا)
بالإِسلام والدين وإنقاذهم من الضلال المبين بهذا الرسول الرؤوف الرحيم الذي من أنفسهم
وأنفسهم فعزه عزهم و کم تحمل أذاهم ولم يدع علیهم، بل دعا لهم بالهدى وحجزهم من
الوقوع في مهالك الردى (وأرسل إلى سعد فأخذ الراية منه فدفعها إلى ابنه قيس) ورأى عَ ام أن
اللواء لم يخرج عنه إِذ صار إلى ابنه هذا بقية رواية الأموي.
(وعند ابن عساكر من طريق أبي الزبير) محمد بن مسلم المكي (عن جابر، قال لما
قال، سعد بن عبادة ذلك) القول (عارضت) تعرضت له، كأن وقفت في طريقه، (امرأة
رسول اللَّه عَّ) وعند الواقدي، والأموي، أن هذا الشعر لضرار بن الخطاب الفهري، قال أبو
الربيع وهو من أجود شعر، قاله قال الحافظ: فكأن ضرارًا أرسل به المرأة ليكون أبلغ في انعطافه
عَّ على قريش (فقالت: يا نبي الهدى إليك لجا) بالهمز وتركه للوزن (حي قريش ولات حين)
أي ليس الوقت، وقت (لجاء) بإثبات الألف للضرورة وإلا فلجاء مهموز من بأبي نفع وتعب
كما في المصباح، قال البرهان وأنشده في الاستيعاب في ترجمة ضرار، وأنت خير لجاء وفي
ترجمة سعد كما هنا انتهى.
فكأنهما روايتان (حين ضاقت،) ظرف لجا (عليهم سعة الأرض) بفتح السين كناية عن
شدة كربهم حتى كأن الأرض لم تسعهم (وعاداهم إِله السماء))) أي فعل معهم فعل المعادي،

٤١٠
باب غزوة الفتح الأعظم
إن سعدًا يريد قاصمة الظهــر بأهل الحجون والبطخاء
فسلط سيهم من لا طاقة لهم به لكفرهم وبعد هذا في مغازي الأموي والواقدي:
والتقت حلقتا البطان على القوم ونودوا بالصيلم الصلعاء
تثنية حلقة البطان بكسر الموحدة حزام يجعل تحت بطن البعير، يقال ذلك إذا اشتد
الأمر.
الصيلم بفتح المهملة وسكون التحتية، وفتح اللام وميم الداهية الصلعاء بفتح المهملة،
وسكون اللام فعين مهملة ومد، كأنه عطفها على الصيلم وحذف حرف العطف للنظم وهو جائز
في غيره أيضًا كما في النور:
(إن سعدا يريد قاصمة الظهـ ـر بأهل الحجون والبطحاء)
قاصمة الظهر، كأسرته، يعني أنه يريد الخصلة لمانعة لهم من كل الأمور حتى كأنها
كسرت ظهورهم بحيث صار وإلا حركة لهم وبقية ضرار، كما في رواية الأموي والواقدي:
خزرجي لو يستطيع من الغيظ ومانا بالنسر والعوا
غير سفك الدما وسبي النساء
وغر الصدر لا يهم بشىء
قد تلظى على البطاح وجاءت
عنه هند بالسوأة السواء
وأين حرب بذا من الشهداء
إذ ينادى بذل حي قريش
فلئن أقحم اللواء ونادى يا حماة الأدبار أهل اللواء
ثم ثابت إِليه من بهم الخز رج والأوس انجم الهيجاء
فقعة القاع في أكف الأماء
لتكونن بالبطاح قريش
أنهينه فإنه أسد الأسد لدى الغاب والغ في الدماء
إنه مطرق يريد لنا الأمر سكوتا كالحية الصماء
النسر بفتح النون نجم. والعواء بفتح العين المهملة، وشد الواو، والمد وقصره لغة، وهي
خمسة أنجم، قال القالي: من مدها فهي، فعال من عويت الشىء إِذ لويت طرفه.
وقال السهيلي الأصح أن العواء من العوة وهي الدبر، كأنها سميت بذلك لأَّنها دبر الأَسد
من البروج والوغر بفتح الواو وكسر المعجمة وبالراء، اسم فاعل، والوغرة شدة توقد الحريهم
بفتح فضمٍ تلظى تلهب هند بنت عتبة بالسوأة السواء بالخلة القبيحة. أقحم اللواء أرسله في
عجلة. الأدبار جمع دبر والمراد الظهر ثابت بمثلثة فألف فموحدة بفوقية رجعت بهم بضم
الموحدة، وفتح الهاء جمع بهمة بالضم الفارس الذي لا يدري من أين يؤتى من شدة بأسه.
ويقال: أيضًا للجيش بهم، قاله أبو عبيدة الهيجاء، بالمد وفيها القصر، إِيضاء الحرب. الفقعة

٤١١
باب غزوة الفتح الأعظم
فلما سمع هذا الشعر دخلته رأفة لهم ورحمة. فأمر بالراية فأخذت من سعد
ودفعت إلی ابنه قیس.
وعند أبي يعلى من حديث الزبير أن النبي ◌َِّ دفعها إليه فدخل مكة
بلواءين، وإسناده ضعيف جدًا. لكن جزم موسى بن عقبة في المغازي عن الزهري
أنه دفعها إلى الزبير بن العوام.
فهذه ثلاثة أقوال فیمن دفعت إليه الراية التي نزعت من سعد.
والذي يظهر في الجمع أن عليًا أرسل لينزعها ويدخل بها، ثم خشي تغير
خاطر سعد فأمر بدفعها إلى ابنه قيس، ثم إن سعدًا خشي أن يقع من ابنه شىء
ينكره النبي مَِّ فسأل النبي عَِّ أن يأخذها منه فحينئذٍ أخذها الزبير ...
قال في رواية البخاري .. ثم جاءت كتيبة فيهم رسول الله عَلَه وأصحابه،
بكسر الفاء، فقاف فعين مفتوحة جمع فقع بكسر، الفاء وفتحها، وسكون القاف، ضرب من
الكمالة، وهي البيضاء الرخوة، يشبه به الرجل الذليل لِأَن الدواب تنحله بأرجلها. القاع المكان
المستوي الواسع الأسد بضم فسكون. الغاب أجم الأسد والغ بغين معجمة، (فلما سمع هذا
الشعر دخلته رأفة ورحمة فأمر بالراية فأخذت من سعد ودفعت إِلى ابنه قيس) وعند الواقدي،
فأبى أن يسلمها إلا بإنارة منه آ فأرسل إليه بعمامته.
(وعند أبي يعلى من حديث الزبير بن العوام (أن النبي عَّ دفعها إليه فدخل) الزبير
(مكة بلواءين) لواء المهاجرين الذي كان معه أولاً وهذا (وإسناده ضعيف جدًا لكن حزم
موسى بن عقبة في المعازي، عن الزهري، أنه دفعها إلى الزبير بن العوام،) فاعتضد به وإِن كان
مرسلاً ضعف حديث الزبير المسند، (فهذه ثلاثة أقوال فيمن دفعت إليه الراية التي نزعت من
سعد، والذي يظهر في الجمع،) كما قال الحافظ، (أن عليًا أرسل لينزعها ويدخل بها ثم
خشي، تغير خاطر سعد فأمر بدفعها إلى ابنه قيس، ثم إِن سعدا خشى أن يقع من ابنه شىء
ينكره النبي صَّة، فسأل النبي ◌َّ أن يأخذها منه فحينئذٍ أخذها الزبير).
ويؤيد ذلك ما رواه البزار، بسند على شرط البخاري عن أنس قال: كان قيس في مقدمة
النبي عَ ل لما قدم مكة فكلم سعد النبي ◌َّل أن يصرفه عن الموضع الذي هو فيه مخافة أن
يقدم على شىء فصرفه عن ذلك انتهى. ملام فتح الباري بجميع ما ساقه المصنف.
(قال في رواية البخاري) المذكورة من مرسل عروة تلو قوله حبذا يوم الذمار، (ثم جاءت
كتيبة) خضراء يقال فيها ألف دارع، (فيهم رسول اللَّه عَّ وأصحابه) المهاجرون والأنصار

٤١٢
باب غزوة الفتح الأعظم
وراية النبي عَّيّة مع الزبير، فلما مر رسول الله عَّه بأبي سفين قال: ألم تعلم ما
قال سعد بن عبادة؟ قال: ما قال؟ قال: قال كذا وكذا فقال: كذب سعد، ولكن
هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسي فيه الكعبة. قال وأمر رسول الله عَ لّه أن
تر کز رایته بالحجون.
وفيها الرايات والألوية مع كل بطن من بطون الأَنصار لواء وراية وهم في الحديد لا يرى منهم إلا
الحدق، ولعمر فيها زجل بصوت عالٍ وهو يقول رويدًا يلحق أولكم آخركم كذا عند الواقدي.
وأسقط المصنف من البخاري قبل قوله فيهم ما لفظه وهي أقل الكتائب قال الحافظ: أي
أقلها عددًا، قال عياض، وقع للجميع بالقاف ووقع في الجمع للحميدي، أجل بالجيم، وهي
أظهر، ولا يبعد، صحة الأولى، لأن عدد المهاجرين، كان أقل من عدد غيرهم، من القبائل انتهى.
وقال البدر في مصابيحه كل منهما ظاهر لإِخفاء فيه، ولا ريب أن المراد قلة العدد، لا
الاحتقار هذا ما لا یظن بمسلم اعتقاده ولا توهمه، فهو وجه لا محيد عنه ولا ضير فيه بهذا
الاعتبار، والتصريح بأن النبي عَّه فيها قاض بجلالة قدرها وعظم شأنها ورجحانها على كل شىء
سواها، ولو كان ملء الأرض، بل وأضعاف ذلك فما هذا الذي يشم من نفس القاضي، في هذا
المحل، قد تجر أعلى، القاضي، بما لم يحط بعلمه وفهم، منه غير مراده، فإن الكتيبة النبوية،
موصوفة، في السير بالكثرة، وأن فيها ألفي دارع فضلاً عن غيرهم وليس في الكتائب، ما وصل
إِلى هذا العدد، ولذا احتاج الحافظ لتأويل قلتها باعتبار المهاجرين الذين كانوا فيها لا مطلقًا، وقد
قال عروة في كتيبة الأنصار، لم يرَ مثلها وهي من جملة كتيبة النبي ◌َُّ على أن القاضي، قال:
أظهر فأفاد أن رواية أقل ظاهرة، فلم هذا التشدق عليه من ذا النحوي الغافل عن أفعل التفضيل
(وراية النبي - مع الزبير بن العوام (فلما مر رسول اللَّه عَّه بأبي سفين، قال: ألم تعلم ما
قال سعد بن عبادة) لم يكتف، بما دار بينه وبين العباس حتى شكا للنبي عَّةٍ (قال: ما قال)
سعد؟، (قال) أبو سفين (قال: كذا، وكذا) أي اليوم، يوم الملحمة، (فقال) عليه السلام: (كذب
سعد).
قال الحافظ: فيه إِطلاق الكذب على الأخبار بغير ما سيقع ولو بناه قائله على لبة ظنه
وقوة القرينة (ولكن هذا يوم يعظم اللَّه فيه الكعبة) بإظهار الإِسلام، وأذان بلال على ظهرها وإزالة
ما كان فيها من الأصنام، ومحو ما فيها من الصور وغير ذلك، (ويوم تكسى فيه الكعبة) قيل، أن
قریشًا کانت تکسوها في رمضان فصادف ذلك اليوم أو المراد باليوم الزمان كما قال يوم الفتح،
فأشار إلى أنه هو الذي يكسوها في ذلك العام، ووقع. ذلك (قال) عروة: (وأمر

٤١٣
باب غزوة الفتح الأعظم
قال وقال عروة أخبرني نافع بن جبير بن مطعم قال: سمعت العباس يقول
للزبير بن العوام: يا أبا عبد الله، لههنا أمرك رسول الله عَّله أن تركز الراية؟ قال: نعم.
قال وأمر رسول الله عَّله يومئذٍ خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من
كداء - بالفتح والمد - ودخل النبي عَّه من كدى - بالضم والقصر - فقتل من خيل
خالد يومئذٍ رجلان: حبيش بن الآشعر وكرز بن جابر الفهري.
رسول اللّه عليه أن تركز) بضم أوله وفتح الكاف مبني للمفعول (رايته بالحجون) بفتح المهملة
وضم الجيم الخفيفة، مكان معروف بالقرب من مقبرة مكة (قال، وقال عروة) بن الزبير، راوي
الحديث المذكور، (وأخبرني) بالإِفراد (نافع بن جبير بن مطعم) القرشي النوفلي أبو محمد وأبو
عبد الله المدني الثقة الفاضل روى له الستة مات سنة تسع وتسعين.
(قال سمعت العباس يقول للزبير بن العوام) قال الحافظ: أي في حجة اجتمعوا فيها في
خلافة عمر أو عثمن لا أن نافعًا حضر المقالة، كما يوهمه السياق، فإِنه لا صحبة له أو التقدير
سمعت العباس يقول: قلت للزبير فحذف قلت: (يا أبا عبد اللّه ههنا أمرك رسول اللَّه ◌َ الله أن
تركز) بفتح التاء وضم الكاف (الراية قال: نعم، قال) عروة: وهو ظاهر الإِرسال في الجميع إلا ما
صرح بسماعه من نافع وأما باقيه فيحتمل أن عروة تلقاه عن أبيه أو عن العباس، فإنه أدركه وهو
صغير أو جمعه من نقل جماعة له بأسانيد مختلفة وهو الراجح.
ذكره الحافظ (وأمر رسول اللَّه عَّ يومئذٍ خالد بن الوليد أن يدخل) مكة (من أعلى
مكة، من كداء).
قال المصنف (بالفتح والمد ودخل النبي عَّ من كدي) أي (بالضم والقصر فقتل من
خيل خالد يومئذٍ رجلان حبيش) بمهملة ثم موحدة، ثم تحتية، ثم معجمة كما رواه الأكثر عن
ابن إسحق.
وروى عنه إبراهيم بن سعد وسلمة بن الفضل أنه بمعجمة ونون، ثم مهملة والصواب الأول
كما في الإصابة مصغر على الضبطين (ابن الأشعر) بشين معجمة، وعين مهملة وهو لقب وأسمه
خالد بن سعد بن منقذ بن ربيعة الخزاعي أخو أم معبد التي مر بها عَّةٍ مهاجرًا.
وروى أحمد، عن حزام بن هشام ابن حبیش قال: شهد جدي الفتح مع رسول اللَّه
(و کرز) بضم الکاف وسکون الراء بعدها زاي، (ابن جابر) بن حسل بمهملتین بکسر ثم سكون ابن
الأحب بمهملة مفتوحة وموحدة، مشددة ابن حبيبٍ (الفهري) وكان من رؤساء المشركين، وهو
الذي أغار على سرح النبي ◌َّة في غزوة بدر الأولى، ثم أسلم قديمًا، وبعثه عَّه في طلب

٤١٤
باب غزوة الفتح الأعظم
قال الحافظ ابن حجر: وهذا مخالف للأحاديث الصحيحة في البخاري أن
خالدًا دخل من أسفل مكة والنبي عَِّ من أعلاها.
يعني حديث ابن عمر: أنه معَّ أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته
مردفًا أسامة بن زيد، وحديث عائشة أن النبي ◌َّهُ دخل يوم الفتح من كداء التي
بأعلى مكة وغيرهما.
العرنيين ووقع عند الواقدي أنهما من خيل الزبير بن العوام وكأنه وهم، ولذا لم يعرج عليه
صاحب الفتح، لأَن عروة لم ينفرد به، بل وافقه عبد الله بن أبي نجيح وعبد الله بن أبي بكر بن
عمرو بن حزم عند ابن إسحق فقالا: أنهما من خيل خالد شذا فسلكا طريقًا غير طريقه فقتلا
جميعًا جيش أولاً فجعله كرز بين رجليه ثم قاتل عنه حتى قتل (قال الحافظ ابن حجر وهذا) أي
مرسل عروة (مخالف الأحاديث الصحيحة) المسندة (في البخاري أن خالدًا دخل من أسفل
مكة) الذي هو كدي بالقصر (والنبني عَّه) دخل (من أعلاها) الذي هو بالمد وبه جزم
ابن إسحق، وموسى بن عقبة وغيرهما فلا شك في رجحانه على المرسل لكونه موصولاً وأخباراً
من صحابي شاهد القصة واعتضد بموافقة أصحاب المغازي الذين هم أهل الخبرة بذلك، فيجب
تقديمه على مرسل عروة، ويحتمل الجمع بتأويل قول عروة دخل هم بالدخول من السفلى وأمر
خالدًا بالدخول من العليا، ثم بدا له خلاف ذلك لما ظهر له أن بالسفلى مقاتلين ليبعد عن محل
القتال، ما أمكن رعاية للرحم الذي ناشدوه بها وحرمة الحرم فدخل هو من العليا، وخالد من
السفلى، والله أعلم.
(يعني) الحافظ بالأحاديث الصحيحة (حديث ابن عمر) الذي رواه البخاري، في مواضع
منها هنا وترجم عليه في باب دخول النبي عَّ له من أعلى مكة (أنه عَّ أقبل يوم الفتح من
أعلى مكة على راحلته) حال كونه، (مردفًا أسامة بن زيد) وفي هذا مزيد تواضعه وكريم أخلاقه
حيث أردف في هذا الموكب العظيم خادمه وابن خادمه رضي اللّه عنهما، والمتكبر يعد أرداف
ابنه إذا ركب في السوق عارًا عليه ما ذاك إلا تكبر برأ عَ ل منه ونزه من خلقه على خلق عظيم.
(وحديث عائشة) المروي عنده من رواية عروة نفسه أن عائشة أخبرته (أن النبي معَّ له دخل يوم
الفتح من كداء التي بأعلى مكة،) فما وصله عروة نفسه مقدم على ما أرسله قال في الروض:
وبكداء وقف إِبراهيم حين دعا لذريته، فقال: واجعل أفئدة من الناس تهو إليهم، كما روي عن
ابن عباس فمن ثم، استجب عَ ◌ّ الدخول منها لأنها الموضع الذي دعا فيه إِبراهيم انتهى.
وعند البيهقي بإسناد حسن عن ابن عمر، قال: لما دخل عَّه عام الفتح رأى النساء يلطمن
وجوه الخیل بالخمر، فتبسم إلى أبي بكر، وقال: «يا أبا بكر، کیف قال حسان»؟ فأنشده قوله:

٤١٥
باب غزوة الفتح الأعظم
وغيرها قال: وقد ساق ذلك موسى بن عقبة سياقًا واضحًا فقال:
وبعث رسول الله عَّهُ الزبير بن العوام على المهاجرين وخيلهم وأمره أن
يدخل من كداء بأعلى مكة، وأمره أن يركز رايته بالحجون ولا يبرح حتى يأتيه.
وبعث خالد بن الوليد في قبائل قضاعة وسليم وغيرهم وأمره أن يدخل من
أسفل مكة وأن يغرز رايته عند أدنى البيوت.
وبعث سعد بن عبادة في كتيبة الأنصار في مقدمة رسول الله عَليه وأمرهم أن
یکفوا أيديهم ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم.
عدمت بنيتي إِن لم تروها تثير النقع موعدها كداء
ينازعن الأعنة مسرحات يلطمهن بالخمر النساء
فقال عګ أدخلوها من حيث قال حسان، (و) يعني حديث (غيرها) کالعباس، فقد روى
الطبراني، عن العباس لما بعث عَّ قلت لأبي سفين بن حرب: أسلم بنا قالٍ: لا واللَّه حتى أرى
الخيل تطلع من كداء، قال العباس: قلت: ما هذا قال: شىء طلع بقلبي، لأَن اللَّه لا يطلع هناك
خيلاً أبدًا، قال العباس فلما طلع عٍَّ من هناك ذكرت أبا سفين به، فذكره.
(قال) الحافظ ابن حجر (وقد ساق ذلك) أي دخول خالد والزبير (موسى بن عقبة سياقًا
واضحًا) موافقًا الأحاديث الصحيحة، (فقال: وبعث رسول اللَّه عَّ الزبير بن العوام على
المهاجرين وخيلهم وأمره أن يدخل من كداء) بالفتح والمد (بأعلى مكة وأمره أن يركز) بفتح
الياء وضم الكاف (رايته بالحجون) وأن يمكث عند الراية (ولا يبرح حتى يأتيه، وبعث خالد بن
الوليد في قبائل) أبدل منها (قضاعة وسليم) بالتصغير (وغيرهم) جمع باعتبار أفراد القبائل فلم
يقل وغيرهما كأسلم وغفار ومزينة وجهينة، (وأمره أن يدخل من أسفل مكة وأن يغرز رايته عند
أدنى البيوت،) أقربها إلى التثنية التي دخل منها، وهو أول بيوت مكة من الجهة التي دخل منها.
روى أصحاب السنن الأربعة عن جابر كان لواء رسول اللَّه عَ له يوم دخل مكة أبي.
وروى ابن إسحق عن عائشة: كان لواء رسول اللَّه عَ ل يوم الفتح أبيض، ورايته سوداء
تسمى العقاب، وكانت قطعة مرط مرجل (وبعث سعد بن عبادة في كتيبة الأنصار) ومعه الراية،
حتى نزعت منه لابنه أو غيره، واستمر هو بلا راية (في مقدمة رسول اللَّه عَّه وأمرهم أن يكفوا
أيديهم ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم).
وروى ابن إسحق: حدثني عبد الله بن أبي نجيح وعبد الله بن أبي بكر أن أصحاب خالد
لقوا ناسًا من قريش منهم صفوان وعكرمة وسهيل تجمعوا بالخدمة بخاء معجمة ونون مكان

٤١٦
باب غزوة الفتح الأعظم
واندفع خالد بن الوليد حتى دخل من أسفل مكة، وقد تجمع بها بنو بكر
وبنو الحرث بن عبد مناف، وناس من هذيل ومن الأحابيش الذين استنصرت بهم
قريش، فقاتلوا خالدًا فقاتلهم فانهزموا، وقتل من بني بكر نحو من عشرين رجلاً،
ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، حتى انتهى بهم القتل إلى الحزورة حتى دخلوا الدور،
وارتفعت طائفة منهم على الجبال.
أسفل مكة ليقاتلوا المسلمين، فناوشوهم شيئًا من القتال، فقتل من خيل خالد مسلمة بن الميلاء
الجهني، وقتل من المشركين اثنا عشر أو ثلاثة عشر، ثم انهزموا وفي ذلك يقول جماش بن قيس
بجيم مكسورة وميم مخففة ومعجمة يخاطب امرأته حين لامته على الفرار، وقد كان يصلح
سلاحه ويعدها أن يخدمها بعض المسلمين:
إنك لو شهدت يوم الخندمه إِذ فر صفوان وفر عكرمه
واستقبلتهم بالسيوف المسلمه
وأبو يزيد قائم كالموتمه
ضربًا فلا تسمع إلا غمغمه
يقطعن كل ساعد وجمجمه
لهم نهيت خلفنا وهمهمه لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه
قال ابن هشام: ويروى هذا الشعر للمرعاش الهذلي وكان شعار المهاجرين يوم الفتح
وحنين، والطائف يا بني عبد الرحمن وشعار الخزرج يا بني عبد اللَّه والأوس يا بني عبيد الله
(واندفع خالد بن الوليد حتى دخل من أسفل مكة وقد تجمع بها بنو بكر وبنو الحرث بن عبد
مناف وناس من هذيل ومن الأحابيش الذين استصرت بهم قريش،) وظاهر كلام ابن عقبة هذا
أن بني بكر اجتمعوا كلهم.
وعند الواقدي، ناس من بني بكر فيحتمل كثرة بني بكر فأطلق عليهم اسم القبيلة وقلة
هذيل بالنسبة لهم فعبر عنهم بناس (فقاتلوا خالدًا).
وعند الواقدي، فمنعوه الدخول، وشهروا له السلاح، ورموه بالنبل وقالوا: لا تدخلها عنوة
فصاح خالد في أصحابه (فقاتلهم فانهزموا) أقبح الانهزام، (وقتل من بني بكر نحومن عشرين
رجلاً ومن هذيل ثلاثة أو أربعة) وعند ابن سعد، وشيخه الواقدي، فقتل أربعة وعشرون رجلاً من
قريش وأربعة من هذيل، ويحتمل الجمع بأنه من مجاز الحذف أي، من حزب قريش لأن بني
بكر، دخلوا في عقدهم عام الهدنة ونحو العشرين شامل للأربعة والعشرين، فيفسر بها وأما رواية،
ابن إسحق، اثنا عشر وثلاثة عشر، فالأقل لا ينفي الأكثر بل هو داخل فيه (حتى انتهى بهم القتل
إلى الحزورة) بفتح المهملة والواو بينهما زاي ساكنة، ثم راء، وهاء تأنيث كانت سوقًا بمكة ثم
أدخلت في المسجد (حتى دخلوا الدور وارتفعت طائفة منهم على الجبال،) هربًا وتبعهم

٤١٧
باب غزوة الفتح الأعظم
وصاح أبو سفین: من أغلق بابه و کف یده فهو آمن.
قال: ونظر رسول الله عَ ليه إلى البارقة فقال: ما هذه؟ وقد نهيت عن القتال.
فقالوا: نظن أن خالدًا قوتل وبدىء بالقتال فلم يكن له به من أن يقاتلهم.
قال: وقال رسول الله عَ له - بعد أن اطمأن - لخالد بن الوليد: لم قاتلت وقد
نهيتك عن القتال؟ فقال هم بدؤنا بالقتال، وقد كففت يدي ما استطعت، قال:
قضاء الله خير.
المسلمون (وصاح أبو سفين، من أغلق بابه وكف يده) عن القتال، (فهو آمن).
وعند الواقدي، وصاح حکیم، وأبو سفین، يا معشر قريش، علام تقتلون أنفسكم من دخل
داره فهو آمن، ومن وضع السلاح فهو آمن، فجعلوا يقتحمون الدور، ويغلقون أبوابها، ويطرحون
السلاح في الطرق فيأخذه المسلمون (قال: ونظر رسول اللَّه عَّ إِلى البارقة) اللامعة صفة
لمحذوف أي السيوف بثنية قرب مكة، يقال لها: أذاخر بفتح الهمزة، وذال معجمة فألف
فمعجمة مكسورة، فراء وفي السبل البارقة لمعان السيوف وفيه أن اللمعان مصدر فلا يفسر به
اسم الفاعل إِلا نحو العافية والعاقبة ولا أحفظ الآن أن البارقة منها. قرره شيخنا (فقال: ما هذه؟)
البارقة (وقد نهيت عن القتال، فقالوا: نظن أن خالدًا قوتل وبدیء بالقتال، فلم یکن له بد من أن
يقاتلهم).
(قال) ابن عقبة: (وقال رسول اللَّه عَ ◌ّ بعد أن اطمأن لخالد بن الوليد لم قاتلت وقد
نهيتك عن القتال، فقال: هم بدؤنا بالقتال، وقد كففت يدي ما استطعت فقال) عَّله: (قضاء الله
خير) زاد في الفتح.
وروى الطبراني عن ابن عباس قال: خطب عَّله، فقال: إِن اللَّه حرم مكة الحديث فقيل له
هذا خالد بن الوليد يقتل، فقال: قم يا فلان فقل له فليرفع يديه من القتل فأتاه الرجل، فقال له:
إِن نبي اللَّه يقول لك أقتل من قدرت عليه فقتل سبعين فأتى رسول اللَّه عَّه فذكر له ذلك،
فأرسل إلى خالد ألم أنهك عن القتل فقال: جاءني فلان فأمرني أن أقتل من قدرت عليه فأرسل
إليه آمرك أن تنذر خالدًا، قال: أردت أمرًا فأراد اللَّه أمرًا، فكان أمر اللَّه فوق أمرك وما استطعت إِلا
الذي كان، فسكت عَّ﴾ وما رد عليه انتهى.
قيل وهذا الرجل أنصاري فيحتمل أنه تأول، ويحتمل أنه سبق إلى سمعه ما أمر به خالدًا،
كما قد يرشد إلى كل من الاحتمالين قوله وأراد اللَّه أمر الخ.
ثم في قوله فقل سبعين مباينة زائدة لما قبله بكثير إِذ غاية الأول ثمانية وعشرون لكن

٤١٨
باب غزوة الفتح الأعظم
وعند ابن إسحق: فلما نزل رسول الله صَّةِ مر الظهران، رقت نفس العباس
لأهل مكة، فخرج ليلاً راكبًا بغلة رسول الله عَلَّه لكي يجد أحدًا فيعلم أهل مكة
بمجيء النبي عَّه ليستأمنوه، فسمع صوت أبي سفين بن حرب وحكيم بن حزام
وبديل بن ورقاء، فأردف أبا سفين خلفه وأتى به إلى النبي عَّه فأسلم وانصرف
الآخران ليعلما أهل مكة.
زيادة الثقات، مقبولة والأقل داخل فيها.
(وعند ابن إِسحق) بمعناه وأخرجه ابن راهويه بسند صحيح من حديث ابن عباس بلفظ
(فلما نزل رسول اللَّه عَ مر الظهران رقت نفس العباس لأهل مكة) فقال: واصباح قريش واللَّه
لمن دخل رسول اللَّه عَ لّه عنوة قبل، أن يأتوه فيستأمنوه أنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر، (فخرج
ليلاً راكبًا بغلة رسول اللَّه عَّه) الشهباء، كما في رواية ابن راهويه وهو بمعنى رواية ابن إسحق
البيضاء (لكي يجد أحدًا فيعلم أهل مكة بمجيء النبي عَّ ليستأمنوه،.) ولفظ ابن إسحق عقب
قوله إلى آخر الدهر، فجلست على بغلة رسول اللَّه عَد البيضاء، فخرجت عليها حتى جئت
الأراك فقتل لعلي أجد بعض الخطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان
رسول اللّه ◌َّه ليخرجوا إِليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة، (فسمع صوت أبي
سفين بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء فأردف أبا سفين خلفه وأتى به إِلى
النبي عَّ فأسلم) نقل بالمعنى أيضًا ولفظ ابن إسحق قال: فوالله إِني لأَسير عليها ألتمس ما
خرجت له إِذ سمعت كلام أبي سفين وبديل وهما يتراجعان فذكر مراجعتهما في النيران لمن
هي؟، قال: فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي، فقال: أبو الفضل، قلت: نعم. قال
ملك: فداك أبي وأمي. قلت: ويحكم هذا رسول الله في الناس واصباح قريش واللّه قال: فما
الحيلة فداك أبي وأمي، قلت: واللَّه لئن ظفر بك ليضربن عنقك فاركب في عجز هذه البغلة
فركب خلفي (وانصرف الآخران ليعلما أهل مكة) كذا في رواية ابن إسحق بلا سند
وابن راهوية، والواقدي، عن ابن عباس أنهما رجعا وعند ابن عقبة، وابن عائذ، والواقدي في موضع
آخر أنهما لم يرجعا. وأن العباس قدم بهم عليه ێ فأسلم بديل وحکیم.
قال الحافظ: فيحمل قوله ورجع صاحباه أي، بعد أن أسلما، واستمر أبو سفين عند العباس
لأمره عَّ بحبسه حتى يرى العساكر ويحتلم أنهما رجعا لما التقى العباس بأبي سفين فأخذهما
العسکر أيضًا.
وفي مغازي ابن عقبة، ما يؤيد ذلك ففيه فلقيهم العباس فأجارهم وأدخلهم عليه معَّ.
فأسلم بدیل وحکیم، وتأخر أبو سفین پاسلامہ حتى أصبح انتهى.

٤١٩
باب غزوة الفتح الأعظم
ويمكن الجمع: بأن الحرس لما أخذوه استنقذه العباس.
وروى أن عمر رضي الله عنه لما رأى أبا سفين رديف العباس دخل على
رسول الله عَّ فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفين، دعني أضرب عنقه، فقال
العباس: يا رسول الله: إنى قد أجرته. فقال رسول الله عَّلهُ: إذهب يا عباس به إلى
رحلك، فإذا أصبحت فأتني به،
(ويمكن الجمع) كما قال في الفتح بين هذا وبين ما مر عن البخاري من مرسل عروة أن
الحرس أخذوا الثلاثة فأتوا بهم رسول اللَّه عَّله ونحوه في مرسل أبي سلمة عند ابن أبي شيبة
(بأن الحرس لما أخذوه) أي أبا سفيان (استقذه العباس) وأردفه خلفه وأتى به المصطفى،
ويؤيده ما رأيته عن ابن عقبة قريبًا، وقد روى ابن أبي شيبة عن عكرمة أن أبا سفيان لما أخذه
الحرس، قال دلوني على العباس فأتى العباس وأخيره الخبر وذهب به إلى رسول اللَّه عَ ل فكان
العباس سمع صوت أبي سفيان وهو مع الحرس فأجاره مع صاحبيه وأتى بهم المصطفى، فمن
نسب إليه أنه أتى بهم فلإِجارته لهم وتخليصه إياهم من الحرس، واستئذانه لهم في الدخول
على المصطفى، ومن نسبه للحرس فلكونهم السبب فيه إذ وقفوا به حتى أدركه العباس واستنقذ
منهم غير أنه يعكر على ذا الجمع قول عمر احبسوا أبا سفيان فحبسوه حتى أصبح فغدا به على
رسول اللَّه عَّ كما مر من مرسل أبي سلمة، وقد لا يعكر بحمله على ضرب من المجاز أي
كان مرادهم ذلك حتى أجاره العباس وأخذه وذهب به وبالجملة فحقيقة الجمع بين هذا التباين
لم تنقدح.
(وروى) عند ابن إسحق وغيره (أن عمر رضي اللَّه عنه لما رأى أبا سفيان رديف العباس)
قال: عدو اللَّه الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو
رسول اللَّه عَّلم قال العباس: وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة فاقتحمت عن البغلة،
فدخلت على رسول اللَّه عَّهِ، و(دخل) عمر (على رسول اللَّه عَّه فقال: يا رسول اللَّه هذا أبو
سفيان دعني أضرب عنقه، فقال العباس: يا رسول اللَّه إِلي قد أجرته))) ثم جلست إِلى
رسول اللَّه عَّه فقلت: لا يناجيه الليلة دوني رجل. فلما أكثر عمر في شأنه قلت مهلاً يا عمر
فوالله لو كان من رجال بني عدي، ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد
مناف، فقال: مهلاً يا عباس فواللَّه لإِسلامك يوم أسلمت كان أحب إليّ من إِسلام الخطاب لو
أسلم وما بي إلا أني قد عرفت أن إِسلامك كان أحب إلى رسول الله من إِسلام الخطاب لو
أسلم(فقال رسول اللَّه عَّتة: (إذهب يا عباس به إِلى رحلك فإذا أصبحت فائتني به))) كذا في
رواية ابن إسحق وغيره.

٤٢٠
باب غزوة الفتح الأعظم
فذهب فلما أصبح غدا به على رسول الله عَِّ فلما رآه عَ لّه قال: ويحك يا أبا
سفين، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ فقال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك
وأكرمك وأوصلك، لقد ظننت أنه لو كان مع الله إله غيره لما أغني عني شيئًا. ثم
قال: ويحك يا أبا سفين، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟
وذكر ابن عقبة وغيره قال العباس: فقلت يا رسول اللَّه أبو سفيان وحكيم وبديل قد أجرتهم
وهم يدخلون عليك، قال: أدخلهم فدخلوا عليه، فمكثوا عنده عامة الليل يستخبرهم، فدعاهم
إلى الإِسلام، فشهدوا أن لا إِله إِلاَّ اللَّه. فقال: واشهدوا أني رسول اللَّه فشهد بديل وحكيم، وقال
أبو سفيان: ما أعلم ذلك والله أن في النفس من هذا شيئًا بعد فأرجئها.
وفي رواية ابن أبي شيبة من مرسل عكرمة قال عليه الصلاة والسلام: يا أبا سفيان أسلم،
تسلم. قال: كيف أصنع اللات والعزى؟، فسمعه عمر وهو خارج القبة، فقال آخر أعليهما أما
واللَّه لو كنت خارج القبة ما قلتها، وفي رواية عبد بن حميد، فقال: يا أبا سفيان، ويحكم يا عمر
أنك رجل فاحش دعني مع ابن عمي، فإِياه أكلم، فقال عٍَّ: إِذهب به يا عباس، (فذهب فلما
أصبح غدًا) أي أتى (به) أول النهار قبل الشمس كما أفاده تعبيره بغدا (على رسول اللّه عنهـ
وروى عبد بن حميد وغيره أنه لما أصبح رأى الناس بادروا إلى الوضوء، فقال: ما للناس
آأمروا في بشىء قال: لا ولكنهم قاموا إلى الصلاة فأمره العباس فتوضأ وانطلق به، فلما كبر ،
کبر الناس، ثم ركع فركعوا، ثم رفع فرفعوا، ثم سجد فسجدوا، فقال: ما رأيت كاليوم طاعة قوم
جمعهم من ههنا، وههنا ولا فارس إلا كارم ولا الروم ذات القرون بأطوع منهم له يا أبا الفضل
أصبح ابن أخيك واللَّه عظيم الملك، فقال العباس: انه ليس بملك ولكنها النبوة فقال: أو ذاك
(فلما رآه مَّ. قال) بعد فراغه من الصلاة: ((ويحك يا أبا سفيان) توقع نفسك في الهلاك مع
مزيد عقلك؟، فإنك لو نظرت بعين البصيرة لبادرت إلى الإِسلام)).
وفي هذا التعبير مزيد رفق في الدعاء للإِسلام (ألم يأن) يحن (لك أن تعلم أن لا إِله إِلا
اللَّه. فقال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك) حيث خاطبتني بهذا الخطاب اللين
العذب وأغضيت، وضربت صفحًا عما جرى مني في عداوتك ومحاربتك. (لقد ظننت أنه لو
كان مع اللَّه إله غيره لما أغنى) ما زائدة ولفظ ابن إسحق لقد أغنى (عني شيئًا) بعد زاد في
رواية الواقدي، لقد استنصرت إلهي واستنصرت إلهك فوالله ما لقيتك من مرة إلا نصرت عليّ،
فلو كان إلهي محقًا وإلهك مبطلاً لقد غلبتك، (ثم قال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن
تعلم أني رسول اللّه) ولم يختصر ويقل له أن تسلم لأنه ليلاً شهد أن لا إله إلا اللَّه وتوقف في