النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ باب غزوة الفتح الأعظم ليلاً: لبيك لبيك لبيك ثلاثًا، نصرت نصرت نصرت ثلاثًا، فلما خرج قلت: يا رسول الله سمعتك تقول في متوضئك لبيك لبيك لبيك ثلاثاً نصرت نصرت نصرت ثلاثًا، كأنك تكلم إنسانًا فهل كان معك أحد؟ فقال مَّهِ: هذا راجز بني كعب يستصرخني ويزعم أن قريشًا أعانت عليهم بني بكر. ثم خرج عليه الصلاة والسلام فأمر عائشة أن تجهزه ولا تعلم أحدًا. قالت: فدخل عليها أبو بكر فقال: يا بنية، ما هذا الجهاز؟ فقالت: والله ما أدري، فقال والله ما هذا زمان غزو بني الأصفر، يستوي فيه اسم الفاعل، واسم المفعول، واسم الزمان، والمكان، والمصدر في لفظ واحد، (ليلاً لبيك لبيك لبيك ثلاثًا نصرت نصرت نصرت) بفتح التاء، فيها خطابًا للذي سمعه (ثلاثًا، فلما خرج قلت: يا رسول اللَّه سمعتك تقول في متوضئك لبيك لبيك لبيك ثلاثًا نصرت نصوت نصرت ثلاثًا كأنك تكلم إنسانًا فهل كان معك أحد؟، فقال عزَّيه: هذا راجز) بجيم وزاي، قائل الرجز نوع من الشعر معروف وصحف من قال، راجل (بني كعبء) بطن من خزاعة (يستصرخني) يستغيث بي (ويزعم أن قريشًا أعالت عليهم بني بكر،) ففي أخباره به قبل قدومه علم من أعلام النبوة باهر، فأما أنه أعلم بذلك بالوحي وعلم ما يصوره الراجز في نفسه، أو يكلمه به أصحابه فأجابه بذلك؛ وأنه كان يرتجزٍ في سفره، وأسمعه اللَّه كلامه قبل قدومه بثلاث، ولا يعد في ذلك، فقد روى أبو نعيم مرفوعًا إِني لأسمع أطيط السماء وما تلام أن تئط الحديث. قالت ميمونة: (ثم خرج عليه الصلاة والسلام) بعد قدوم الوفد، وبديل ثم أبي سفين كما عند أصحاب المغازي لأقبل مجيئهم كما يوهمه السياق ففيه اختصار، (فأمر عائشة أن تجهزه) بالتثقيل أي: تهيىء له أهبة السفر وما يحتاج إليه في قطع المسافة (ولا تعلم أحدًا) وعند ابن إسحق وابن عقبة، والواقدي، أنه قال: جهزينا وأخفي أمرك، وقال اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إِلا بغتة، ولا يسمعون بنا إلا فلتة وأمر جماعة أن تقيم بالأنقابٍ وكان عمر يطوف على الأنقاب فيقول لا تدعوا أحدًا يمر بكم تنكرونه إلا رددتموه وكانت، الأنقاب مسلمة إلا من سلك إلى مكة فإنه يتحفظ منه ويسأل عنه. (قالت) ميمونة، راوية الحديث: (فدخل عليها) أي على عائشة (أبو بكر، فقال: يا بنية ما هذا الجهاز) بفتح الجيم والكسر لغة قليلة كما في المصباح (فقالت: والله ما أدري، فقال) أبو بكر: (والله ما هذا زمان غزو بني الأصفر) وهم الروم، لأن جدهم روم بن عيص بكسر العين ابنِ إِسلحق بن إبراهيم تزوج بنت ملك الحبشة فجاء ولده بين البياض والسواد فقيل له الأصفر أو لأن جدته سارة، حلته بالذهب، وقيل غير ذلك وكأنه خصهم لتوقعهم الغزو إليهم لما فعلوا، مع ٣٨٢ باب غزوة الفتح الأعظم فأين يريد رسول الله عَّله؟ قالت: والله لا علم لي. قالت فأقمنا ثلاثًا ثم صلى الصبح في الناس فسمعت الراجز ينشده: يا رب إني ناشد محمدًا حلف أبينا وأبيه الأقلدا إن قريشًا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا وزعموا أن لست تدعو أحدا أهل مؤتة (فأين يريد رسول اللَّه عَّل قالت) عائشة: (واللَّه لا علم لي) وعند ابن أبي شيبة من مرسل أبي سلمة أنها أعلمته، فقال: والله ما انتقضت الهدنة بيننا، فذكر ذلك للنبي عَ له، فذكر له أنهم أول من غدر ثم أمِر بالطرق فحبست فعمي على أهل مكة لا يأتيهم خبر ويحتمل الجمع بأنه دخل عليها مرتين الأولى قالت له: لا علم لي ، حتى أخبرته عَّه وأذن لها في إخبار أبيها لكونه غيبة سره فدخل عليها ثانيًا فأخبرته وكأنه لم يبلغه نقضهم العهد أو تأول أنه غير ناقض لكونه لم يصدر من جميعهم، فقال: ما انتقضت الهدنة، وأخبر النبي والله أعلم. (قالت) ميمونة: كما هو رواية الطيراني (فأقمنا ثلاثًا) بعد قوله لي هذا راجز بني كعب، (ثم صلى) عليه الصلاة والسلام (الصبح في الناس،) لفظ الطبراني بالناس، صبح اليوم الثالث، (فسمعت الراجز ينشده) وعند الواقدي، وغيره فلما فرغوا من قصتهم قام عمرو بن سالم، فقال وهو جالس بالمسجد: ظهري الناس (يا رب إِني ناشد) طالب ومذكر (محمدًا). (حلف) بكسر المهملة وإِسكان اللام مناصرة (أبينا وأبيه) عبد المطلب إِشارة إِلى ما مر (الأقلدا) بفتح أوله وسكون، الفوقية وفتح اللام، وبالدال المهملة، أي الأقدم مما بيننا وبينه عَلّ. وقول الشامي أي القديم لا يناسب، أفعل التفضيل إنما هو تفسير للتليد وزاد في رواية ابن إسحق وغيره: قد كنتم ولدًا وكنّا والدًا ثمت أَسلمنا فلم نزغ سدى ولد بضم الواو وسكون اللام، لغة في ولد، وذلك أن ولد بني عبد مناف أمهم من خزاعة وكذا أم قصي فاطمة الخزاعية، كما في الروض وثمت حرف عطف أدخل عليه تاء التأنيث، (إن) بكسر الهمزة، وتقدير أقول: (قريشًا أخلفوك) أو هو التفات وإلا فمقتضى الظاهر أخلفوه، (الموعدا). (ونقضوا) عطف تفسير لأخلفوك (ميثاقك) عهدك (المؤكدا) بالكتب والإِشهاد (وزعموا أن لست) بفتح التاء على الخطاب (تدعو أحدًا) لنصرتنا، وبضم التاء على رواية ابن إسحق، وجماعة بعد قوله، المؤكد أقوله جماعة: وجعلوا لي في كداء رصدا وزعموا أن لست أدعو أحدا ٣٨٣ باب غزوة الفتح الأعظم نانصر هداك الله نصرًا أبدا وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا إن سيم خسفًا وجهه تربدا قال في القاموس: وتربد- يعني بالراء- تغير. انتهى. وزاد ابن إسحق: هم بيتونا بالوتير هجدا وقتلونا ركعا وسجدا وزعموا أن لست أدعوا أحدًا وهم أذل وأقل عددًا ت: نصرت يا عمرو بن سالم. فقال له رسول الله مُـ (فانصر هداك اللَّه نصرًا أبدا) مستمرًا لا ينقطع أثره من التأبيد وهذه رواية الطبراني، ورواه ابن إسحق، وطائفة نصراً اعتدا بفتح العين، المهملة وكسر الفوقية، بعدها مهملة، أي حاضرًا مهيئًا أو قويًا. (وادع عباد اللَّه يأتوا مددا) بفتحتين جيوشًا ينصرونا، ويقوونا (فيهم رسول اللَّه) أتى به لدفع توهم أنه يبعث سرية وإِنما القصد أنه فيهم حالة كونه (قد تحردا) روى بحاء مهملة أي غضب وبجيم أي شمر وتهيأ لحربهم (إن سيم) بكسر المهملة وسكون التحتية، وبالميم، مبني للمفعول، (خسفًا) بفتح المعجمة وضمها وسكون المهملة وبالفاء، أي أولى ذلاً (وجهه تربدا،) بفتح الفوقية فراء فموحدة فمهملة (قال في القاموس وتوبد يعني بالراء تغير انتهى). والمعنى هنا أنه عَّهُ إِن قصد بذل له أو لأحد من أهل عهده تغير وجهه حتى ينتقم ممن أراد ذلك لله وهذه رواية الطبراني في الصغير، (وزاد ابن إسحق،) عليه في الرجز (هم بيتونا) أي قصدونا ليلاً من غير علم (بالوتير هجدًا) بضم الهاء، وفتح الجيم مشددة جمع هاجد، وهو النائم (وقتلونا ركعًا وسجدًا) هذا يدل على أنه كان فيهم من صلى اللّه فقتل. قال السهيلي متعقبًا قول نفسه، في قوله: ثمت أسلمنا من السلم لأنهم لم يكونوا آمنوا بعد، قال في الإصابة وتأوله بعضهم، بأنهم حلفاء الذين يركعون ويسجدون ولا يخفى بعده، قال: وقد رواه ابن إسحق أي: في رواية، غير زياد هم قتلونا بصعيد هجدًا، نتلو القرءان ركعًا وسجدًا انتھی. يعني فهذا يبطل التأويل (وزعموا أن لست،) بضم التاء، أنا (أدعو أحدًا، وهم أذل وأقل، عددًا، فقال له رسول اللَّه عَّةٍ نصرت يا عمرو بن سالم؟) جوز البرهان، ضم عمرو، وفتح ابن وفتحهما وضمهما، قال: وذکر الثالث في التسهيل انتهى. في شرح التسهيل للدماميني رواه الأخفش عن بعض العرب، وكان قائله، راعى أن التابع ينبغي أن يتأخر عن المتبوع ولم يراع أن الأصل الحامل على الأتباع قصد التخفيف، انتهى. ٣٨٤ باب غزوة الفتح الأعظم فكان ذلك ما هاج فتح مكة. وقد ذكر البزار من حديث أبي هريرة بعض الأبيات المذكورة. (فكان ذلك ما) الذي (هاج) حرك (فتح مكة.) زاد ابن إسحق، ثم عرض لرسول اللَّه عَلاته. عنان من السماء، فقال: إِن هذه السحاب، لتستهل بنصر بني كعب، والعنان بفتح المهملة، ونونين بينهما ألف السحاب، (وقد ذكر،) أي روى (البزار من حديث أبي هريرة، بعض الأبيات المذكورة) بإسناد حسن، موصول. ورواه ابن أبي شيبة عن أبي سلمة، وعكرمة، مرسلاً كما في الفتح، قال في الإصابة: ورويت هذا الأبيات لعمر بن كلثوم، الخزاعي. أخرجه ابن منده، ويحتمل أن يكون هو عمرو بن سالم ونسب في هذه الرواية إِلی جد جده انتھی. وعند الواقدي، أنه عَِّ قال لعمرو بن سالم وأصحابه: ارجعوا وتفرقوا في الأودية فرجعوا وتفرقوا وذهبت فرقة إِلى الساحل بعارض الطريق وعند ابن إِسلحق وغيره، ثم قدم بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه فأخبروه ◌َّ الخبر، ورجعوا، قال ابن عقبة: ولزم بديل الطريق في نفر من قومه وروى الواقدي عن محجن بن وهب أن بديلاً لم يفارق مكة من الحديبية حتى لقيه في الفتح عمر الظهران قال الواقدي: وهذا أثبت انتهى. وليس بشىء والمثبت مقدم على النافي. وروى ابن عائذ، عن ابن عمران، ركب خزاعة لما قدموا وأخبروه خبرهم، قال عُـ ((فمن تهمتكم وظنتكم))؟، قالوا بني بكر: قال: ((أكلها) قالوا: لا ولكن بنو نفائة ورأسهم نوفل، قال: ((هذا بطن من بني بكر، وأنا باعث إِلى أهل مكة، فسائلهم عن هذا الأمر ومخيرهم في خصال ثلاث))، فبعث إليهم ضمرة يخبرهم بين أن يدوا قتلى خزاعة، أو يبرأوا من خلف بني نفاثة أو ينبذ إليهم على سواء، فأتاهم ضمرة، فأخبرهم، فقال قرطة بن عمر: ولا ندي ولا نبرأ لكنا ننبذ إليه على سواء، فرجع بذلك فندمت قريش على ما ردوا وبعثت أبا سفين، قال: في الفتح، وكذا، أخرجه مسدد من مرسل محمد بن عباد بن جعفر، وأنكره الواقدي وزعم أن أبا سفين، إنما توجه مبادرًا قبل أن يبلغ المسلمين، الخبر واللَّه أعلم انتهى. وروى الواقدي أنه معَّ قال: كأنكم بأبي سفين، قد جاء يقول جدد العهد، وزد في المدة وهو راجع بسخطة ومشى الحرث بن هشام وعبد اللَّه بن أبي ربيعة إِلى أبي سفين، فقالا لئن لم يصلح هذا الأمر لا يروعكم إلا محمد في أصحابه، فقال أبو سفین: قد رأت هند بنت عتبة رؤيا كرهتها وخفت من شرها، قالوا: وما هي؟، قال: رأت دمًا أقبل من الحجون يسيل، حتى وقف بالخندمة مليًا، ثم كان ذلك الدم كأن لم يكن فكرهوا الرؤيا، وقال أبو سفين: هذا أمر لم أشهده ٣٨٥ باب غزوة الفتح الأعظم المدينة يسأله أن يجدد العهد وقدم أبو سفين بن حرب على رسول الله عـ ويزيد في المدة. فأبی علیه، ولم أغب عنه لا يحمل إِلا علي ولا واللَّه ما شوورت فيه ولا هويته، حين بلغني ليغزوننا محمد إِن صدقني ظني وهو صادقي، وما بد في أن آتي محمدًا فأكلمه، فقالت قريش: أصبت فخرج ومعه مولى له على راحلتين، (وقدم) كما رواه ابن إسحق، وابن عائذ عن عروة (أبو سفين بن حرب على رسول اللَّه ◌َ ﴾ المدينة) فدخل على بنته أم حبيبة، فذهب ليجلس على فراشه معَّه. فطوته عنه، فقال: يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني. قالت: بل هو فراش رسول اللَّه عَّةٍ وأنت رجل مشرك، نجس ولم أحب أن تجلس على فراشه عَ ليه قال: والله . لقد أصابك يا بنية بعدي، شر فقالت: بل هدائي اللَّه تعالى للإِسلام، فأنت يا أبت سيد قریش وكبيرها، كيف يسقط عنك الدخول في الإِسلام وأنت تعبد حجرًا لا يسمع، ولا يبصر فقام؟، من عندها فأتى رسول اللَّه عَّةِ في المسجد، (يسأله أن يجدد العهد ويزيد في المدة فأبى عليه) قال ابن إسحق: فكلمه فلم يرد عليه شيئًا وعند الواقدي، فقال: يا محمد إني كنت غائبًا في صلح الحديبية، فأجدد العهد وزدنا في المدة، فقال عَّ ل: فلذلك جئت. قال : . نعم. فقال: هل كان من حدث، فقال: معاذ اللَّه نحن على عهدنا وصلحنا لا نغير ولا نبدل، فقال ◌َّله: فنحن على ذلك، فأعاد أبو سفين القول فلم يرد عليه شيئًا، فذهب إلى أبي بكر، فكلمه أن يكلم له رسول اللَّه مَّه، فقال: ما أنا بفاعل، وعند الواقدي، فقال: تكلم محمدًا وتجير أنت بين الناس، فقال: جواري في جوار رسول اللّه مَّةٍ فأتى عمر، فقال: أنا أشفع لكم واللَّه لو لم أجد إِلا الذر لجاهدتكم به. زاد الواقدي ما كان من حلفنا جديدًا فأخلقه اللَّه وما كان منه متينًا فقطعه اللَّه، وما كان منه مقطوعًا فلا وصله اللَّه فقال: أبو سفين جوزيت من ذي رحم شر إثم. دخل علي عليّ وعنده فاطمة وحسن غلام يدب بين يديها، فقال: يا علي إِنك أمس القوم بي رحمًا وإِني جئت في حاجة فلا أرجع كما جئت خائبًا فاشفع لي، فقال علي: ويحك يا أبا سفين والله لقد عزم عَـ على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه فالتفت إِلى فاطمة وقال: يا بنت محمد، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر، قالت: واللَّه ما بلغ بني أن يجير بين الناس، وما كان يجير أحد على رسول اللَّه عَ ل وعند الواقدي، أنه أتى عثمن قبل، علي، فقال: جواري في جوار رسول اللَّه عَّه، ثم أتى عليًا، ثم سعد بن عبادة، فقال: يا أبا ثابت إِنك سيد هذه البحيرة، فأجر بين الناس وزد في المدةِ، فقال سعد: جواري في جوار رسول اللَّه عَّ. ما يجير أحد عليه عَّةٍ، فأتى أشراف قريش والأنصار فكلهم يقول: جواري في جوار رسول الله ٣٨٦ باب غزوة الفتح الأعظم وانصرف إلى مكة. فتجهز رسول الله عَّه من غير إعلام أحد بذلك. ما يجير أحد عليه، فلما أيس منهم دخل على فاطمة، فقال: هل لك أن تجيري بین الناس، فقالت: إنما أنا امرأة وأبت، عليه فقال: مري ابنك، فقالت: ما بلغ أن يجير، فقال لعلي: يا أبا حسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني. قال: والله ما أعلم شيئًا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فاجر بين الناس، ثم الحق بأرضك قال: أو ترى ذلك، مغنيًا عني شيئًا، قال: لا والله ما أظنه ولكن لا أجد، لك غير ذلك، فقام أبو سفين في المسجد فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد ثم دخل على رسول اللَّه عَّ فقال: يا محمد إِني قد أجرت بين الناس، فقال ◌َ له: أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة؟ ثم ركب بعيره (وانصرف إلى مكة). وعند الواقدي، وطالت غيبته واتهمته قريش أشد التهمة وقالوا: قد صبأ واتبع محمدًا سرًا وكتم إِسلامه، فلما دخل على هند امرأته ليلاً، قالت: لقد غبت حتى اتهمك قومك، فإِن كنت " مع طول الإِقامة جئتهم بنجح، فأنت الرجل، ثم جلس منها مجلس الرجل من امرأته فقالت: ما صنعت؟، فأخبرها الخبر وقال: لم أجد إلا ما قال لي علي فضربت برجلها في صدره، وقالت: قبحت من رسول قوم فما جئت بخير فلما أصبح حلق رأسه عند أساف ونائلة وذبح لهما ومسح بالدم رأسيهما وقال: لا أفارق عبادتكما حتى أموت ابراء لقريش مما اتهموه به، فقالوا له: ما وراءك هل جئت بكتاب من محمد أو زيادة في مدة ما نأمن به أن يغزونا فقال: والله لقد أبى علي. ولابن إسحق كلمته فوالله ما رد عليّ شيئًا ثم جئت أبا بكر، فلم أجد فيه خيرًا، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أدنى العدو وفي لفظ أعدى العدو وكلمت، عليه أصحابه فما قدرت على شىء منهم إلا أنهم يرمونني بكلمة واحدة وما رأيت قومًا يومًا، أطوع لملك عليهم منهم له. إلا أن عليًا، لما ضاقت بي الأمور، قال أنت سيد بني كنانة، فاجر بين الناس فناديت بالجوار قالوا: هل أجاز ذلك محمد؟، قال: لا. قالوا: رضيت بغير رضا وجئتنا بما لا يغنى عنا ولا عنك شيئًا ولعمر اللَّه ما جوارك بجائز وأن أخفارك عليهم لهين واللَّه إن زاد على عليّ أن لعب بك تلعبا، فقال: والله ما وجدت غير ذلك. وفي مرسل عكرمة عند ابن أبي شيبة، فقالوا: ما جئتنا بحرب فنحذر ولا بصلح فنأمن (فتجهز رسول اللَّه عٍَّ من غير إِعلام أحد بذلك) لعامة الناس أولاً فلا ينافي عند ابن إسحق وغيره ثم أنه عَّةِ أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد والتهيؤ، وقال: اللهم خذ العيون والأخبار، عن قریش حتی نبغتها في بلادها فتجهز الناس، وقال حسان؛ يحرضهم ويذكر مصاب ٣٨٧ باب غزوة الفتح الأعظم فكتب حاطب كتابًا وأرسله إلى مكة يخبر بذلك. فأطلع الله نبيه على ذلك. رجال خزاعة: عناني ولم أشهد ببطحاء مكة رحال بني كعب تحز رقابها بأيدي رجال لم يسلوا سيوفهم وقتلى كثير لم تجس ثيابها سهيل بن عمرو حرها وعقابها ألا ليت شعري هل تنالن نصرتي فلا تأمننا يا ابن أم مجالد إِذا احتلبت صرفًا واعضل نابها فلا تجزعوا منها فإِن سيوفنا لها وقعة بالموت يفتح بابها قال ابن إسحق: بأيدي رجال یعني، قریشًا وابن أم مجالد، عكرمة ابن أبي جهل وقد روى ابن أبي شيبة عن أبي لملك الأشجعي قال: خرج عَّ له من بعض حجره، فجلس عند بابها، وكان إذا جلس وحده لم يأته أحد، حتى يدعوه، فقال: ادع لي أبا بكر فجاء، فجلس بين يديه فناجاه طويلاً ثم أمره فجلس عن يمينه، ثم قال: ادع لي عمر، فجلس فناجاه طويلاً فرفع عمر صوته، فقال يا رسول اللَّه هم رأس الكفر هم الذين زعموا أنك ساحر وأنك كاهن وأنك كذاب وأنك مفترٍ، ولم يدع شيئًا مما كانوا يقولونه إلا ذكره فأمره فجلس، عن شماله ثم دعا الناس، فقال: ألا أحدثكم بمثل صاحبيكم هذين، قالوا: نعم يا رسول اللَّه فأقبل بوجهه الكريم على أبي بكر، فقال: إِن إِبراهيم كان ألين في اللّه تعالي من الدهن بالليل، ثم أقبل على عمر، فقال: إِن نوحًا كان أشد في اللّه تعالى من الحجر وإن الأمر أمر عمر فتجهزوا وتعاونوا، فتبعوا أبا بكر فقالوا: إِنا كرهنا أن نسأل عمر عما ناجاك به رسول اللَّه عَّه. قال: قال لي كيف تأمرني في غزو مكة. قلت: يا رسول اللَّه هم قومك، حتى رأيت أنه سيطيعني، ثم دعا عمر، فقال عمر: هم رأس الكفر حتی ذكر له كل سوء كانوا يقولونه وأيم اللَّه لا تذل العرب حتى تذل أهل مكة، وقد أمركم بالجهاز لتغزوا مكة، (فكتب حاطب) بن أبي بلتعة بموحدة مفتوحة ولام ساكنة، ففوقية فعين مهملة مفتوحتين عمرو بن عمير اللخمي حليف بني أسد اتفقوا على شهوده بدرا مات في سنة ثلاثين، وله خمس وستون سنة. قال ابن عبد البر: لا أعلم له غير حديث واحد من رآني بعد موتي الحديث. ورده في الإصابة بأن له خمسة أحاديث به وذكرها (كتابًا وأرسله إلى مكة يخبر بذلك) مع امرأة استأجرها بدينار وقيل بعشرة دنانير، وقال لها: أخفيه ما استطعتي، ولا تمري على الطريق، فإِن عليه حرسًا ذكره الواقدي، (فاطلع اللَّه نبيه على ذلك) وعند ابن إسحق من مرسل عروة، وغيره وأتاه الخبر ٣٨٨ باب غزوة الفتح الأعظم فقال عليه الصلاة والسلام لعلي بن أبي طالب والزبير والمقداد: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها. قال فانطلقنا .. حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي کتاب. من السماء (فقال عليه الصلاة والسلام لعلي بن أبي طالب، والزبير، والمقداد) كما أخرجه الشيخان وغيرهما من طريق عبيد اللّه بن أبي رافع عن علي قال: بعثني عَِّ أنا والزبير، والمقداد فقال: (انطلقوا). وللبخاري في غزوة بدر من رواية عبد الرحمن السلمي عن علي بعثني وأبا مرثد الغنوي، والزبير وكلنا فارس، قال الحافظ: فيحتمل أن الثلاثة كانوا معه، فذكر أحد الراويين عنه ما لم يذكر الآخر ولم يذكر ابن إسحق مع علي والزبير أحدًا وساق الخبر بالتثنية. فقال: انطلقا فخرجا حتى أدر كاها فاستنزلاها فالذي يظهر أنه كان مع كل منهما آخر تبعًا له انتهى. ووقع في البيضاوي زيادة عمار وطلحة، والله أعلم بصحته (حتى تأتوا روضة خاخ) بخاءين معجمتين بينهما ألف على بريد من المدينة. قال السهيلي: وصحفه أبو عوانة، وهشيم بحاء وجيم (فإن بها ظعينة) يفتح الظاء المعجمة وكسر العين المهملة فتحتية فنون مفتوحة امرأة في هودج سماها ابن إسحق سارة، والواقدي، كنود، وفي رواية، أم سارة، وقيل كانت مولاة العباس ذكره الحافظ وذكر المصنف في الجهاد أن اسمها سارة على المشهور، وتكنى أم سارة انتهى. وفي الإصابة سارة مولاة عمرو بن هاشم بن المطلب كان معها كتاب أمر النبي عَ يوم الفتح، كذا في التجريد، (معها كتاب،) وزاد في غزوة، بدر من حاطب بن أبي بلتعة إِلى المشركين (فخذوه منها قال: فانطلقنا) تعادي بنا خيلنا كما في الرواية، بحذف إِحدى التاءين تجري (حتى أتينا الروضة) المذكورة (فإِذا نحن بالظعينة). وعند ابن إسحق من مرسل عروة، فخرجا حتى أدركاها بالخليقة خليقة بني أبي أحمد، بقاف وخاء معجمة كسفينة، منزل على اثني عشر ميلاً من المدينة، وعند ابن عقبة، أدركاها ببطن ريم بكسر الراء وسكون التحتية والهمز وتركه واد بالمدينة، فيحتمل أن روضة اسم لمكان يشتمل على بطن رئم والخليقة، وإلا فما في الصحيح أصح. وللبخاري في غزوة بدر فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول اللَّه عَّة: (فقلنا) لها (أخرجي) بهمزة قطع مفتوحة وكسر الراء (الكتاب قالت: ما معي كتاب). زاد البخاري في بدر، فأنخناها فالتمسنا فلم نرَ كتابًا فقلنا: ما كذب رسول اللَّه عَّم قال ٣٨٩ باب غزوة الفتح الأعظم قلنا لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. قالت: فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله عَّله. فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة، يخبرهم ببعض أمر . المصنف بفتحتين وللأصيلي بضم الكاف، وكسر المعجمة مخففة (قلنا لتخرجن) بضم الفوقية وكسر الراء والجيم (الكتاب أو لتلقين) بضم النون، وكسر القاف، وفتح التحتية ونون التأكيد الثقيلة نحن (الثياب). وللأَصيلي وأبي الوقت بضم الفوقية وحذف التحتية، وفي بعض الأصول أو لنلقي بتحتية مكسورة أو مفتوحة، بعد القاف والصواب في العربية أو لتلقن بدون باء لأن النون الثقيلة، إِذا اجتمعت مع الياء الساكنة حذفت الياء لالتقاء الساكنين، لكن أجاب الكرماني وتبعه البرماوي، وغيره بأن الرواية إذا صحت تؤول الكسرة بأنها لمشاكلة لتخرجن، وباب المشاكلة واسع والفتح بالحمل على المؤنث الغائب على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة قاله المصنف في الجهاد، وفي رواية ابن إسحق، فقال لها: على إِني أحلف باللَّه ما كذب معٍَّ ولا كذبنا لتخرجن لنا هذا الكتاب، أو لنكشفنك (قالت:) كذا بالتأنيث في الفرع وفي غيره. قال: أفاده المصنف ويوجه التأنيث بأن فيه حذفًا، ففي رواية ابن إسحق فلما رأت الجد منه. قالت: أعرض فأعرض فحلت قرونها (فأخرجته من عقاصها) بكسر المهملة وبالقاف والصاد المهملة الخيط الذي تعتقص به أطراف الذوائب أو الشعر المضفور. وقال المنذري: هو لي الشعر بعضه على بعض على الرأس وتدخل أطرافه في أصوله. وقيل هو السير الذي تجمع به شعرها على رأسها. وللبخاري في بدر فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء فأخرجته الحجزة بضم المهملة وسكون الجيم وفتح الزاي معقد الإزار، قال: في النور والظاهر أن الكتاب كان في ضفائرها وجعلت الضفائر في حجزتها انتهى. وذكر في الفتح هنا أنه قدم في الجهاد وجه الجمع بين كونه في عقاصها أو في حجزتها وراجعته فلم أجده فيه ولا في بدر، (فأتينا به) بالكتاب (رسول اللَّه عَّة) وللمستملي في الجهاد فأتينا بها، وللبخاري في بدر فانطلقنا بها، قال المصنف: أي بالصحيفة المكتوب فيها وقول الكرماني أو بالمرأة معارض بما رواه الواقدي، بلفظ وقال انطلقوا حتى تأثوا روضة خاخ، فإِن بها ظعينة معها كتاب إِلى المشركين فخذوه وخلوا سبيلها فإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها انتهى. (فإِذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة،) وهي التظرف في اللغة واسمه عمر، وقاله السهيلي: (إلى ناس من المشركين بمكة) سهيل وصفوان، وعكرمة كما يأتي (يخبرهم ببعض أمر ٣٩٠ باب غزوة الفتح الأعظم رسول الله صٍَّ. فقال: يا حاطب، ما هذا؟ قال: يا رسول الله لا تعجل علي، إني كنت امرءًا ملصقًا في قريش- يقول: كنت حليفًا ولم أكن من أنفسها - وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضى بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله عَ له: أما إنه قد صدقكم. فقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرًا رسول اللَّه عٌَّ) وفي مرسل عروة يخبرهم بالذي أجمع عليه عَّه من الأمر في السير إِليهم (فقال: يا حاطب ما هذا؟،) وفي مرسل عروة، فدعاه. فقال: ما حملك على هذا؟، وللبخاري، في بدر ما حملك على ما صنعت؟، (قال: يا رسول اللَّه لا تعجل عليّ) بالمؤاخذة على ما صنعت. ولابن إسحق أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله ما غيرت ولا بدلت، (إني كنت امرءًا. ملصقًا) بضم الميم وفتح الصاد، (في قريش) أي مضافًا لهم من إلصاق الشىء بغيره وليس منه وقد فسره بقوله: (يقول كنت حليفًا) لها (ولم أكن من أنفسها) بضم الفاء، قال في الإِصابة، يقال: إنه حالف الزبير وقیل کان مولی عبد الله بن حميد بن زهير بن أسد بن عبد العزی فکاتبه، فأدی كتابته وفي مرسل عروة عند ابن إسحق ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليه، (وكان من معك من المهاجرين) ممن له أهل أو مال بمكة (لهم قرابات) بالجمع (يحمون بها أهليهم وأموالهم،) فليس المراد جميع المهاجرين لأن كثيرًا منهم ليس له بمكة مال ولا أهل، (فأحببت إِذ) أي حين (فاتني ذلك من النسب فيهم أن اتخذ) مصدرية في محل نصب مفعول أحببت (عندهم يدًا) أي نعمة ومنة عليهم (يحمون بها قرابتي،) وروى ابن شاهين، والطبراني وغيرهما، فقال حاطب: واللَّه ما ارتبت في اللَّه منذ أسلمت ولكنني، كنت امرءًا غريبًا ولي بمكة بنون وأخوة وعند ابن مردويه، من حديث ابن عباس، عن عمر، فكتبت كتابًا لا يضر اللَّه ولا رسوله (ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإِسلام، فقال رسول اللَّه عَ لآه: أما) بفتح الهمزة، وخفة الميم (أنه قد صدقكم) بتخفيف الدال، أي: قال الصدق، فيما أخبركم به، زاد البخاري في بدر ولا تقولوا له إِلا خيرًا، (فقال عمر رضي اللَّه عنه يا رسول اللَّه دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال إنه قد شهد بدرًا) وكأنه قال: وهل شهودها يسقط عنه هذا الذنب الكبير، فقال: (وما يدريك لعل اللَّه اطلع على من شهد بدرًا). وللبخاري في الجهاد، وما يدريك لعل اللَّه أن يكون قد اطلع على أهل بدر. قال المصنف: استعمل لعل استعمال عسى، فأتى فإن قال النووي الترجي هذا راجع إِلى ٣٩١ باب غزوة الفتح الأعظم فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة﴾ إلى قوله: ﴿فقد ضل سواء السبيل﴾ [الممتحنة/١]، رواه البخاري. قال في فتح الباري: وإنما قال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق مع تصديق عمر لأَن وقوع هذا الأمر محقق عند الرسول انتهى. وفي الفتح هي بشارة عظيمة لم تقع لغيرهم. وقد قال العلماء، الترجي في كلام اللّه وكلام الرسول للوقوع وعند أحمد، وأبي داود، وابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة، بالجزم، ولفظه إن اللَّه اطلع على أهل بدر، (فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم،) زاد البخاري في بدر فدمعت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم. قال الحافظ اتفقوا على أن هذه البشارة فيما يتعلق، بأحكام الآخرة لا بأحكام الدنيا من إقامة الحدود وغيرها. (فأنزل الله تعالى) السورة كما في لفظ البخاري، (﴿يا أيها الذين آمنوا،) فيه أن الكبيرة لا تسلب اسم الإيمان (لا تتخذوا عدوّي وعدوّكم) أي كفار مكة (أولياء تلقون) حال من ضمير لا تتخذوا أي لا تتخذوهم أولياء ملقين (إليهم بالمودة﴾) أي تبذلونها لهم ودخول الباء وعدمه سواء عند الفراء، وقال سيبويه: لا تزاد في الواجب فمفعول تلقون عند طائفة من البصريين محذوف أي النصيحة. وقال النحاس: أي تخيرونهم بما يخبر به الرجل أهل مودته وهذا التقدير أن نفع هنا لم ينفع في مثل قول العرب، ألقى إِليه بوسادة أو ثوب، فيقال: إِن ألقى قسمان وضع الشىء بالأرض وفي الآية إنما هو إلقاء بكتاب وإرسال به فعبر عنه بالمودة، لأنه من أفعال أهلها فمن ثم حسنت الباء، لأنه إِرسال بشىء، كذا في الروض (إلى قولهِ فقد ضل سواء السبيل) أخطأ طريق الهدى والصواب، والسواء في الأصل الوسط ودلَ هذا الأَغياء على أن قوله فأنزل اللَّه السورة مجاز من تسمية الجزء باسم الكل، أو من مجاز الحذف أي بعض السورة التي أولها ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾. وفي مرسل عروة، عند ابن إسحق، فأنزل اللَّه في حاطب ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إِليهم بالمودة﴾، إلى قوله ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه﴾ (رواه البخاري،) هنا وقبله في بدر وفي الجهاد وبعده في التفسير، (قال في فتح الباري) دفعًا لإِشكال مشهور علم من قوله، (وإنما قال عمر دعني يا رسول اللّه أضرب عنق هذا المنافق.) زاد البخاري في بدر أنه قد خان اللَّه ورسوله والمؤمنين (مع تصديق ٣٩٢ باب غزوة الفتح الأعظم رسول الله عَِّ لحاطب فيما اعتذر به، لما كان عند عمر من القوة في الدين وبغض المنافقين، فظن أن من خالف ما أمر به النبي عَّ استحق القتل. لكنه لم يجزم بذلك، فلذلك استأذن في قتله. وأطلق عليه منافقًا لكونه أبطن خلاف ما. أظهر. وعذر حاطب ما ذكره، فإنه فعل ذلك متأولاً أن لا ضرر فيه. وعند الطبراني من طريق الحرث عن علي في هذه القصة فقال أليس قد شهد بدر أو ما يدريك لعل الله أطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فارشد إلى علة ترك قتله. وعند الطبراني أيضًا: عن عروة: فإني غافر لكم. رسول اللَّه عَّ لحاطب فيما اعتذر به،) ونهيه أن يقال له إِلا خيرًا. (لما كان عند عمر من القوة) الشدة (في الدين وبغض المنافقين، فظن أن من خالف ما أمر به النبي عَة) من إخفاء مسيره عن قريش وحرصه على عدم وصول خبره إليهم، وبعثه جماعة على الطريق حتى لا يبلغهم الخبر، كما مر وظهور هذا بين الصحابة، لا يخفي على حاطب رضي الله عنهم أجمعين، فلذا ظن أنه (استحق القتل لكنه لم يجزم بذلك، فلذلك استأذن في قتله) ولو جزم به لما استأذن، (وأطلق عليه منافقًا لكونه أبطن خلاف ما أظهر،) فلم يرد عمر أنه أظهر الإِسلام وأخفى الكفر، فلا يشكل بتصديقه له عليه السلام، بأنه ما فعل ذلك كفرًا ولا ارتدادًا ولا رضًا بالكفر بعد الإِسلام، فإن هذه الشهادة نافية للنفاق قطعًا (وعذر حاطب ما ذكره) من خوفه على أهله بمكة، (فإِنه فعل ذلك متأولاً أن لا ضرر فيه،) كما صرح بذلك في قوله: فكتبت كتابًا لا يضر اللَّه ولا رسوله، وفي كتابه لقريش فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله، وقد يكون تأول أن مع سلامة قرابته بذلك يلقي اللَّه الرعب في قلوبهم فيسلموا مكة طائعين بلا قتال، خصوصًا وقد وصف الجيش بأنه كالسيل، (وعند الطبراني، من طريق الحرث) بن عبد اللَّه الأعور الهمداني، بسكون الميم، الكوفي صاحب علي في حديثه ضعف ورمي بالرفض مات في خلافة ابن الزبير (عن علي في هذه القصة، فقال: أليس قد شهد بدرًا وما يدريك لعل اللَّه أطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم فأرشد) عٍَّ (إلى علة ترك قتله) أي تر که أمر عمر بقتله. وفي نسخة تر که قتله. قال السهيلي: ففيه دليل على قتل الجاسوس لتعليقه حكم المنع من قتله بشهوده بدرًا فدل على أن من فعل مثله، وليس بدريًا أنه يقتل. (وعند الطبراني أيضًا عن عروة، فإِني غافر لكم،) ما سيقع منکم، وفي مغازي، وابن عائد ٣٩٣ باب غزوة الفتح الأعظم وهذا يدل على أن المراد: بقوله ((غفرت)) أغفر، على طريق التعبير عن الآتي بالماضي مبالغة في تحققه. · قال: والذي يظهر أن هذا الخطاب خطاب إكرام وتشريف، تضمن أن هؤلاء حصلت لهم حالة غفرت بها ذنوبهم السالفة وتأهلوا أن يغفر لهم ما يستأنف من الذنوب اللاحقة. وقد أظهر الله تعالى صدق رسوله في كل من أخبر عنه بشىء من ذلك، فإنهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة إلى أن فارقوا الدنيا، ولو قدر صدور شىء من أحدهم لبادر إلى التوبة عن عروة فسأغفر لكم (وهذا يدل على أن المراد بقوله غفرت أغفر على طريق التعبير عن الآتي) في المستقبل (بالماضي مبالغة في تحققه») كقوله أتى أمر اللَّه، فقصر من أجاب عن إِشكال قوله اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم من أن ظاهره الإباحة، وهو خلاف عقد الشرع بأنه أخبار عن الماضي، أي كل عمل كان لكم فهو مغفور، وأيده بأنه لو كان للمستقبل لم يقع بلفظ الماضي وٍلِقال: فسأغفر لكم، وقد تعقب بأنه لو كان للماضي لما حسن الاستدلال به في قصة حاطب، لأنه مَّه خاطب به عمر منكرًا عليه ما قاله في أمر حاطب، فدل على أن المراد ما سيقع، وأورد ماضيًا مبالغة في تحققه (قالٍ) الحافظ في الفتح: (والذي يظهر) في الجواب عن الإِشكال المذكور (إن هذا الخطاب) والأمر في قوله اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم (خطاب إكرام وتشريف تضمن أن هؤلاء حصلت لهم حالة غفرت بها ذنوبهم السالفة) قبل بدر (وتأهلوا،) أي صاروا أهلاً (أن يغفر لهم ما يستأنف من الذنوب اللاحقة) إن وقعت، أي كل ما عملوه بعد هذه الوقعة من أي عمل كان فهو مغفور خصوصية لهم. قاله الحافظ في بدر وما أحسن قوله: وإِذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع قال المصنف: وليس المراد أنه نجزت لهم في ذلك الوقت مغفرة الذنوب اللاحقة، بل لهم صلاحية أن يغفر لهم ما عساه أن يقع، ولا يلزم من وجود الصلاحية لشىء وجود ذلك الشىء، (وقد أظهر اللَّه تعالى صدق رسوله) الصادق والمصدوق صلوات اللَّه وسلامه عليه (في كل من أخبر عنه بشىء من ذلك، فأنهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة إِلى أن فارقوا الدنيا، ولو قدر صدور شىء من أحدهم لبادر إلى التوبة،) امتثالاً لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا، توبوا إِلى اللَّه توبة نصوحًا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم﴾ الآية، وهي تمحو آثار الذنب إلا من تاب وآمن، وعمل صالحا فأولئك يبدل اللَّه سيئاتهم حسنات، وكان الله غفوراً رحيمًا، ومن أولى بها من أهل بدر، ولذا لما شرب قدامة بن مظعون من أهلها أيام عمر وحده رأى عمر في المنام ٣٩٤ باب غزوة الفتح الأعظم ولازم الطريقة المثلى، يعلم ذلك من أحوالهم بالقطع من اطلع على سيرهم. قاله القرطبي. وذكر بعض أهل المغازي - وهو في تفسير يحيى بن سلام - أن لفظ الكتاب الذي كتبه حاطب؛ أما بعد: يا معشر قريش، فإن رسول الله عَليه جاءكم بجيش عظيم يسير كالسيل، فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله وأنجز له وعده، فانظروا لأنفسكم والسلام. هكذا حكاه السهيلي. لكن وقد ذكر وروى الواقدي بسند له مرسل: أن حاطبًا كتب إلى سهيل "ابن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة: أن رسول الله عَّ أذن في الناس بالغزو، ولا أراه یرید غیر کم وقد أحببت أن تکون لي عند کم ید. من يأمره بمصالحة قدامة (ولازم الطريق المثلى يعلم ذلك من أحوالهم بالقطع) وفاعل يعلم (من أُطلع على سيرهم، قاله القرطبي). قال الحافظ: في بدر، وهذا هو الذي فهمه أبو عبد الرحمن السلمي، التابعي الكبير حيث قال لحسان بن عطية: قد علمت الذي جرا صاحبك على الدماء، وذكر له هذا الحديث وقيل: في الجواب أيضًا المراد أن ذنوبهم تقع إِذ وقعت مغفورة، وقيل بشارة بعدم وقوع الذنوب منهم وفيه نظر لقصة قدامة انتهى. (وذكر بعض أهل المغازي وهو في تفسير يحيى بن سلام أن لفظ الكتاب الذي كتبه حاطب) لأهل مكة (أما بعد يا معشر قريش فإِن رسول اللَّه عَ ل جاءكم بجيش عظيم يسير كالسيل) وجه الشبه امتلاء الوادي بجيشه وكثرة انتشارهم، (فوالله لو جاءكم وحده لنصره اللَّه، وأنجز له وعده) بنصره عليكم، (فانظروا لأنفسكم والسلام،) وفي هذا مزيد إرهاب لهم وكسر لقلوبهم، ولذا قال: لا يضر اللّه ولا رسوله (كذا حكاه السهيلي، لكن) قوله وهو في تفسير يحيى بن سلام لم يحكه كذلك فلفظ الروض وقد قيل إِن لفظ الكتاب فذكر ما نقل عنا هنا وعقبه بقوله وفي تفسير ابن سلام أنه كان في الكتاب أن محمدًا قد نفر فإِما إليكم وإما إِلى غيركم، فعليكم الحذر انتهى، وقد نقله الشامي بلفظ الروض كما ذكرته وعزاه له. (وقد ذكر) أي (وروى الواقدي بسند له مرسل أن حاطبًا كتب إلى سهيل بن عمرو وصفوان بن أمية وعكرمة) بن أبي جهل، وأسلم الثلاثة رضي اللَّه عنهم (أن رسول اللّه عظيم أذن،) أعلم (في الناس بالغزو ولا أراه،) أظنه أو أعتقده (يريد غيركم) لنقضكم عهد الحديبية، (وقد أحببت أن تكون لي عندكم يد) نعمة ومنة. ٣٩٥ باب غزوة الفتح الأعظم انتھی. وبعث رسول الله عَلَّله إلى من حوله من العرب فجلبهم: أسلم وغفار وأشجع وسليم، فمنهم من وافاه بالمدينة ومنهم من لحقه بالطريق. فكان المسلمون في غزوة الفتح: عشرة آلاف. وفي (الإكليل)) و(«شرف المصطفى)) اثني عشر ألفًا. ويجمع بينهما أن العشرة آلاف خرج بها من نفس المدينة، ثم تلاحق به الألفان. واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم وقيل أبارهم الغفاري. (انتهى) كلام فتح الباري، وقد جمع باحتمال أن جميع ما ذكر في الكتاب بأن يكون کتب أولاً أنه نفر الخ. وأنه أذن في الناس الخ. قبل علمه بأن السير إلى مكة، فلما علم ألحق فيه أما بعد الخ. (وبعث رسول اللَّه عَّ إِلى من حوله، من العرب فجلبهم) طلب حضورهم إليه، (أسلم) سالمها اللَّه (وغفار) غفر اللَّه لها (وأشجع وسليم) مصغر، وعند الواقدي وغيره أنه أرسل يقول لهم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحضر رمضان بالمدينة. وبعث رسلاً في كل ناحية فقدموا (فمنهم من وافاه بالمدينة ومنهم من لحقه بالطريق، فكان المسلمون في غزوة الفتح) كما في الصحيح عن ابن عباس (عشرة آلاف،) قال في الفتح أي من سائر القبائل، وفي مرسل عروة، عند ابن إسحق، وابن عائذ، خرج عَّهُ في اثني عشر ألفًا من المهاجرين والأنصار، وأسلم وغفار، ومزينة، وجهينة، وسليم (و) كذا، وقع (في الإكليل،) للحاكم (و) كتاب (شرف المصطفى) النيسابوري (اثني عشر ألفًا ويجمع بينهما،) كما قال الحافظ (بأن العشرة آلاف خرج بها من نفس المدينة، ثم تلاحق به ألفان) ولعل ما عزاه الحافظ لابن إسحق رواية لغير زياد، وإلا فلفظه، ثم مضى حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف، ثم صرح آخر الغزوة، بأن جميع من شهد الفتح من المسلمين عشرة آلاف انتهى. وكذا نسبه له اليعمري، (واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم) قاله ابن سعد، والبلاذري (وقيل أبارهم) بضم الراء وسكون الهاء، كلثوم بضم الكاف وسكون اللام، ابن الحصين، بضم الحاء، وفتحِ الصاد المهملتين (الغفاري) وهو الصحيح، فقد رواه ابن إسحق حدثني الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس. قال: ثم مضى عَدُ لسفره واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري، وأخرجه، أحمد ٣٩٦ باب غزوة الفتح الأعظم وخرج عليه الصلاة والسلام يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من رمضان، بعد العصر، سنة ثمان من الهجرة، قاله الواقدي. وعن أحمد بإسناد صحيح عن أبي سعيد قال: خرجنا مع رسول الله عَ ليه عام الفتح لليلتين خلتا من شهر رمضان. فما قاله الواقدي ليس بقوي لمخالفته ما هو أصح منه. وفي تعيين هذا التاريخ أقوال أخر منها عند مسلم: لست عشرة، ولأحمد لثماني عشرة، وفي أخرى: لثنتي عشرة. والذي في المغازي: لسبع عشرة مضت. وهو والطيراني، وسنده حسن فكان اللائق بالمصنف تقديمه كما فعل اليعمري وغيره أو الاقتصار عليه كما فعل صاحب الفتح ويحتمل أنه استخلف أبا رهم على المدينة، وابن أم مكتوم على الصلاة بها كما تقدم نظيره مرارًا. (وخرج عليه الصلاة والسلام) من المدينة (لعشر ليال خلون من رمضان بعد العصر سنة ثمان من الهجرة، قاله الواقدي) ولم ينفرد به كما يوهمه سياق المصنف تبعًا للحافظ ففي بقية حديث ابن عباس المذكور عند ابن إسحق وخرج لعشر مضين من رمضان، وإسناده حسن كما علمت وفوق الحسن، وقد أخرجه ابن راهویه بسند صحيح عن ابن عباس. (وعند أحمد بإسناد صحيح عن أبي سعيد) الخدري (قال: خرجنا مع رسول اللَّه مَ اتله عام الفتح لليلتين خلتا من شهر رمضان) وهذا يعين يوم الخروج فيدفع تردد الزهري عند البيهقي حيث قال: لا أدري أخرج في شعبان، فاستقبل رمضان أو خرج في رمضان بعد ما دخل (فما قاله الواقدي) من أنه خرج لعشر (ليس بقوي لمخالفته ما هو أصح منه) كذا قال: تبعًا للفتح وهو كما علمت واضح لو انفرد به الواقدي أما حيث. رواه ابنا راهويه، وإِسحق عن ابن عباس بسند صحيح فهو قوي. (وفي تعيين هذا التاريخ أقوال أخر) ظاهره أنها في تاريخ الخروج ولا كذلك وإنما هي في تاريخ دخول مكة ففي الفتح أخرج البيهقي عن الزهري: صبح علّ مكة لثلاث عشرة خلت من رمضان قال الحافظ: فهذا يعين يوم الدخول ويعطي أنه أقام في الطريق اثني عشر يومًا. وما قاله الواقدي ليس بقوي لمخالفته ما هو أصح منه. وف تعيين هذا التاريخ أقوال أخر (منها عند مسلم:) أنه دخل مكة (لست عشرة، ولأحمد لثمان عشرة، وفي أخرى لثنتي عشرة.) قال أعني الحافظ والجمع بين هاتين بحمل إحداهما على ما مضى والأخرى على ما بقي، (والذي في المغازي دخل) مكة (لسبع عشرة مضت ٣٩٧ باب غزوة الفتح الأعظم محمول على الاختلاف في أول الشهر، ووقع في أخرى: لتسع عشرة أو سبع عشرة على الشك. ولما بلغ عَ ◌ّهِ الكديد- بفتح الكاف - الماء الذي بين قديد وعسفان أفطر وهو محمول على الاختلاف في أول الشهر،) فالكلام كله في الاختلاف في دخول مكة، وبه يصح الحمل المذكور من زيادة يوم ونقصه، وأما الخروج من المدينة فإِنما فيه روايتان عشر وليلتان والمصنف أراد تلخيص كلام الفتح فسقط عليه منه ما ذكرته فوهم حتى تحير شيخنا رحمه اللَّه تعالى وبرد مضجعه في صحة هذا الحمل، لأنه لم يقف على كلام الفتح وقت التأليف. (ووقع في) رواية (أخرى) دخل مكة (لتسع عشرة أو سبع عشرة على الشك(،) وروى يعقوب بن سفين من طريق ابن إسحق عن جماعة من مشايخه أن الفتح كان في عشر بقين من رمضان، فإِن ثبت حمل على أن مراده أنه وقع في العشر الأوسط قبل أن يدخل العشر الأخير. هذا بقية كلام الحافظ رحمه اللَّه ثم أعلم أنه لا خلاف أن هذه الغزوة كانت في رمضان كما في الصحیح وغيره عن ابن عباس. (ولما بلغ عَّ الكديد بفتح الكاف) وكسر الدال المهملة الأولى فتحتية فمهملة (الماء الذي بين قديد) بضم القاف وفتح الدال بلفظ التصغير، قرية جامعة قرب مكة (وعسفان) بضم العين وسكون السين المهملتين وبفاء ونون، قرية جامعة على ثلاثة مراحل من مكة، والكديد، أقرب إِليها من عسفان، وهو على اثنين وسبعين ميلاً من مكة، وهذا تعيين للمسافة. وقول ابن عباس، ماء تعيين للمحل فلا تنافي. وفي رواية ابن إسحق بين عسفان وأمج بفتح الهمزة، والميم، وجيم خفيفة اسم واد (أُفطر) لأنه بلغه أن الناس شق عليهم الصيام، وقيل له إنما ينظرون فيما فعلت، فلما استوى على راحلته بعد العصر دعا بإناء من ماء، فوضعه على راحلته ليراه الناس فشرب فأفطر فناوله رجلاً إِلى جنبه فشرب. رواه مسلم والترمذي عن جابر، وفي الصحيحين من طريق طاوس عن ابن عباس. ثم دعا بماءٍ فرفعه إِلى يديه ولأبي داود إِلى فيه فأفطر، وللبخاري وحده من طريق عكرمة عن ابن عباس بإناء من لبن أو ماء فوضعه على راحته أو راحلته بالشك، فيهما قال الداودي: يحتمل أن يكون دعا بهذا مرة، وبهذا مرة، قال الحافظ: ولا دليل على التعدد، فإِن الحديث واحد، والقصة واحدة، وإِنما وقع الشك من الراوي فيقدم عليه رواية من جزم، وأبعد الداودي فقال: كانتا قصتين إحداهما، في الفتح والأخرى في حنين انتهى. ٣٩٨ باب غزوة الفتح الأعظم فلم يزل مفطرًا حتى انسلخ الشهر. رواه البخاري، وفي أخرى له: أفطر وأفطروا، الحدیث. وروى لملك وغيره عن رجل من الصحابة لما دخل عَ لّ العرج وهو صائم صب الماء على رأسه ووجهه من العطش، والحاكم في الإكليل، بسند صحيح عن أبي هريرة رأيت -- رسول اللَّه عَ لَه بالعرج يصب الماء على رأسه من الحر وهو صائم، فقد حصلت له المشقة لزيادة رفعة الدرجات والعرج بفتح العين، وسكون الراء المهملتين وبالجيم قرية على نحو ثلاث مراحل من المدینة، فتحمل المشقة لأنه لا يبالي بها في عبادته. ألا ترى إلى قيامه حتى تورمت قدماه، حتى بلغ الكديد، فأفطِر (فلم يزل مفطرًا) رفقًا بالمسلمين (حتى انسلخ الشهر) لأنه وإِن قدم مكة قبل تمام العشر الأوسط على ما مر، لكنه كان في أهبة القتال وبعث السرايا ولم ينو الإِقامة، بل كان يقصر الصلاة على ما يأتي مفصلاً. (رواه البخاري) هنا وقبله في الجهاد والصوم، ومسلم، والنسائي، في الصوم عن ابن عباس، قال الحافظ: أبو الحسن القابسي وهو من مرسلات الصحابة، لأن ابن عباس كان في هذه السفرة مقيمًا مع أبويه بمكة، فلم يشاهد هذه القصة، فكأنه سمعها من الصحابة. (وفي) رواية (أخرى له) للبخاري، هنا وفي الصوم من طريق آخر عن ابن عباس، فسار هو ومن معه من المسلمين، إلى مكة يصوم ويصومون حتى بلغ الكديد وهو ماء بين عسفان وقديد (أفطر وافطروا) كلهم بعد حثه لهم على الفطر، ففي حديث جابر عند مسلم، والترمذي أنه لما أفطر قيل له بعد ذلك أن بعض الناس صام فقال أولئك العصاة وعبر بذلك مبالغة في حثهم على الفطر رفقاً بهم. وقد روى الشيخان، أنه عَدُ في سفر وعينه الترمذي، فقال: في غزوة الفتح رأى زحامًا ورجلاً قد ظلل عليه، فقال: ما هذا فقالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصيام في السفر، وروايته على لغة حمير في مسند أحمد لا في الصحيح، وإلا ففطره لا يوجب فطرهم فقد يكون احتمل عندهم، اختصاصه بمن شق علیه الصوم جدًا والذين صاموا لم يكونوا كذلك. وروى مسلم عن أبي سعيد. قال: سافرنا مع رسول اللّه عليه ونحن صيام، فقال: إِنکم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم، فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر ثم نزلنا منزلاً آخر، فقال: إِنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا، فكانت عزيمة فأفطرنا فهذا ظاهر في فطر الجميع بعد أمره، فإن كان هذا السفر سفر الفتح كما هو ظاهر سوقهم الحديث هنا فلعل هاتين المقالتين كانتا بعد فطر المصطفى، والغرض بهما حث من صام على الفطر بصريح الأمر هذا ولا يعارض ما في (الحديث) أنه أفطر بالكديد. ٣٩٩ باب غزوة الفتح الأعظم وكان العباس قد خرج قبل ذلك بأهله وعياله مسلمًا مهاجرًا، فلقي رسول الله عَّه بالجحفة، وكان قبل ذلك مقيمًا بمكة على سقايته، ورسول الله عَ ليه عنه راض. وكان ممن لقيه في الطريق أبو سفين بن الحرث، ابن عمه، عليه الصلاة رواية جابر أنه أفطر بكراع الغميم ولا رواية بقديد ولا بعسفان لما جمع به المحب الطبري وغيره بجواز أنه أفطر في واحد من الأربعة حقيقة لكن لتقاربها عبر بعض الرواة، باسم ذلك الموضع، والباقي باسم غيره مجاز القربة منه، أو أفطر في واحد منها حقيقة لكن لم يره جميع الناس لكثرتهم فكرره ليتساوى الناس في رؤية الفعل، فأخبر كل عن رؤية عين وبمحل رؤيته والله أعلم. (وكان العباس) بن عبد المطلب أبو الفضل الهاشمي، أجود قريش كفّا وأوصلها، كما قال ◌َّه، أخرجه النسائي (قد خرج قبل ذلك بأهله وعياله مسلمًا) أي مظهرًا للإِسلام، فإِنه أسلم قديمًا وكان يكتمه، قال ابن عبد البر، وذلك بين في حديث الحجاج بن علاظ: أن العباس كان مسلمًا يسره ما يفتح اللَّه على المسلمين، ثم أظهره يوم الفتح، وقيل كان إسلامه قبل فتح خيبر وتقدم مزيد لذلك في بدر (مهاجرًا فلقي رسول اللَّه عَّ بالجحفة) فيما قال ابن هشام، وقال غيره بذي الحليفة فيحتمل أنه انفرد عن أهله وعياله فلقيه بها ثم رجع معه إلى الجحفة فاجتمع معه بأهله وعياله فيها، فسار معه في الفتح وبعث ثقله إلى المدينة. ٤ هجرتك يا عم آخر هجرة كما أن نبوتي آخر نبوة، وروى أبو قال البلاذري: وقال له يعلى والطبراني بسند ضعيف عن سهل بن سعد قال: استأذن العباس النبي عَّةٍ في الهجرة فكتب إِليه يا عم أقم مكانك الذي أنت فيه فإن اللَّه يختم بك الهجرة كما ختم بي النبوة. (وكان قبل ذلك مقيمًا بمكة على سقايته ورسول اللّه عز آ} عنه راضٍ،) كما ذكر الزهري، عند ابن هشام لعلمه بإسلامه باطنًا وأن إقامته بها لخوفه على ماله وعياله، ولأنه كان يكتب بأخبار المشركين إِليه عَّ. وكان يثق به، وكان ينفع المستضعفين بمكة وبه يثقون، (وكان ممن لقيه في الطريق أبو سفين) الهاشمي اسمه كنيته، وقال جماعة المغيرة لكن جزم ابن قتيبة وابن عبد البر بأن المغيرة أخوه (ابن الحرث) بن عبد المطلب الهاشمي، المتوفي سنة خمس عشرة أو عشرين وصلى عليه عمر. روى أبو أحمد الحاكم عن عروة: رفعه أبو سفين بن الحرث سيد فتيان أهل الجنة، قال فحلقه الحلاق بمنى وفي رأسه تؤلول فقطعه فمات فيرون أنه مات شهيدًا. قال الحافظ: مرسل رجاله ثقات، وفي الروض مات من ثؤلول حلقه الحلاق في حج ٤٠٠ باب غزوة الفتح الأعظم والسلام وأخوه من رضاع حليمة السعدية، ومعه ولده جعفر بن أبي سفين. وكان أبو سفين يألف رسول الله عَّله، فلما بعث عاداه وهجاه. وكان لقاؤهما له عليه الصلاة والسلام بالأبواء وأسلما قبل دخوله مكة. وقيل: بل لقيه هو وعبد الله بن أبي أمية، ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب بين السقيا والعرج، فأعرض عَِّ عنهما لما كان يلقى منهما من شدة الأذى والهجو، . فقطعه مع الشعر فنزف منه الدم، وقال عند موته لا تبكن عليّ فإني لم أنطق بخطيئة منذ أسلمت (ابن عمه) بالرفع، بيان لأبي سفين بعد وصفه بأنه الحرث. فالحرث عمه (عليه الصلاة والسلام) ذكره لبيان قربه منه ليميزه من أبي سفين بن حرب الذي تقدم ذكره كثيرًا، وليعطف عليه قوله (وأخوه من رضاع حليمة السعدية، ومعه ولده جعفربن أبي سفين) الصحابي ابن الصحابي، شهد حنينا هو وأبوه وكان غلامًا مدركًا، كما ذكره ابن شاهين، وابن سعد، وابن حبان، وزاد أنه مات بدمشق سنة خمسين، ولا عقب له كما في الإصابة وكأنه جمع بين ولده وابن الخ. إِشارة إِلى أنه اشتهر بين الصحابة بهذا الاسم (وكان أبو سفين، يألف رسول اللَّه عَ لّه) ولا يفارقه قبل النبوة (فلما بعث عاداه وهجاه) وأجابه حسان عنه كثيرًا، (وكان لقاؤهما) هو وابنه (له عليه الصلاة والسلام بالأبواء) بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمد، قرية بين مكة والمدينة، .(وأسلما قبل دخوله مكة) عليه الصلاة والسلام؛ (وقيل بل لقيه هو) أي أبو سفين (وعبد الله بن أبي أمية) واسمه حذيفةٍ وقيل سهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي أخو أم سلمة لأبيها. قال البخاري: له صحبة شهد الفتح وحنينًا والطائف وبها استشهد (ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب) وأم سلمة أمها عاتكة بنت عامر بن قيس، وكان عند أبي أمية أربع عواتك. قال الزبير بن بكار: كان يدعى زاد الراكب، وكان ابنه عبد الله شديد الخلاف على المسلمين. قال: ثم خرج مهاجرًا فلقي النبي عَّ﴾ (بين السقيا) بضم السين المهملة وسكون القاف قرية جامعة بطريق مكة (والعرج) بفتح فسكون قرية جامعة على ثلاثة أميال من المدينة بطريق مكة، وبهذا القول جزم ابن إسحق وعين المحل فقال لقياه بنقب العقاب بين مكة والمدينة، (فأعرض عَُّ عنهما لما كان يلقى منهما من شدة الأذى والهجوء) وعند ابن إِسحق فالتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول اللَّه ابن عمك، وابن عمتك، وصهرك قال: لا حاجة لي بهما. أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري، فهو الذي