النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ باب غزوة مؤتة على ثلاثة آلاف وقال: إن قتل فجعفر ابن أبي طالب فإن قتل فعبد الله بن رواحة فإن قتل فليرتض المسلمون برجل من بينهم يجعلونه عليهم. وفي حديث عبد الله بن جعفر عند أحمد والنسائي. بإسناد صحيح: إن قتل زيد فأمیرکم جعفر. الحديث. إلى بني سليم، والثالثة في جمادى الأولى منها في مائة وسبعين يلقى عيرًا القريش، والرابعة في جمادى الآخرة منها إلى بني ثعلبة. والخامسة إلى حسمى بكسر الحاء وسكون السين المهملتين مقصور في خمسمائة إلى جذام بطريق الشام كانوا قطعوا الطريق على دحية وهو راجع من عند هرقل، والسادسة إلى وادي القرى، والسابعة إلى ناس من بني فزارة وكان خرج قبلها في تجارة فخرج عليه ناس منهم فضربوه وأخذوا ما معه فجهزه إليهم فأوقع بهم انتهى. وهذه الثامنة التي استشهد فيها أميراه كما رواه ابن إسحق عن عروة (على ثلاثة آلاف) وذلك لأنه لما بلغه قتل رسوله اشتد عليه الأمر وندب الناس، (وقال:) كما في الصحيح عن ابن عمر (إن قتل جعفر بن أبي طالب) أميرهم، كما ثبت بهذا اللفظ عند ابن عقبة عن الزهري، (فإِن قتل فَعبد الله بن رواحة) الأمير، (فإِن قتل فليرتض المسلمون برجل من بينهم يجعلونه عليهم) أميرًا، وفي نسخة يجعلوه بحذف النون للتخفيف إذ ليس ثم ناصب ولا جازم. وروى الواقدي أنه كان ثم يهودي اسمه النعمان، فقال يا أبا القسم إِن كنت نبيًا فسميت من سميت قليلاً أو كثيرًا أصيبوا جميعًا لأن أنبياء بني إسرائيل كانوا إذا استعملوا الرجل على القوم، ثم قالوا: إِن أصيب فلان فلو سمى مائة أصيبوا جميعًا، ثم جعل يقول لزيد إعهد فإِنك لا ترجع إلى محمد إن كان نبيًّا، قال زيد: فاشهد أنه رسول صادق بار، (وفي حديث عبد الله بن جعفر) بن أبي طالب الهاشمي أحد الأجواد ولد بأرض الحبشة ومات سنة ثمانين وهو ابن ثماني. روى له الستة صحابي ابن صحابي رضي اللَّه عنهما (عند أحمد والنسائي بإِسناد صحيح أن قتل زيد فأميركم جعفر الحديث) والغرض منه بيان المحذوف في الرواية الأولى، فأفاد هذا أن قوله فيها فجعفر خبر مبتدأ محذوفٍ للعلم به، وأفادت رواية الزهري التي أسلفناها أنه مبتدأ حذف خبره فأفادت الروايتان جواز الأمرین. وروى أحمد، والنسائي وصححه ابن حبان من حديث أبي قتادة، قال: بعث علم جيش الأمراء، وقال: علیکم زيد بن حارثة فإن أصيب زيد، فجعفر الحديث، وفيه فوثب جعفر وقال بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه ما كنت أرهب أن تستعمل علي زيدًا، قال امضٍ فإنك لا تدري أي ذلك خير. ٣٤٢ باب غزوة مؤتة قالوا: وعقد لهم عَ ◌ّه لواء أبيض، ودفعه إلى زيد، وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحرث بن عمير، وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا استعينوا عليهم بالله وقاتلوهم. وخرج مشيئًا لهم، حتى بلغ ثنية الوداع فوقف وودعهم، قال الحافظ: وفيه جواز تعليق الإمارة بشرط وتولية عدة أمراء بالترتيب، واختلف هل تنعقد ولاية الثاني في الحال أم لا والذي يظهر انعقادها في الحال لكن بشرط الترتيب وقيل تنعقد لواحد لا بعينه وتتعين لمن عينه الإِمام علي الترتيب وقيل تنعقد للأول فقط، وأما الثاني فبطريق الاختيار واختيار الإِمام يقدم على غيره لأنه أعرف بالمصلحة العامة وفيه جواز التأمر في الحرب بغير تأمير الإمام. قال الطحاوي: وهذا أصل يؤخذ منه أن على المسلمين تقديم رجل إذا غاب الإِمام يقوم مقامه إلى أن يحضر وجواز الاجتهاد في حياة النبي عَ وعلم ظاهر من أعلام النبوة انتهى. (قالوا: وعقد لهم عَّةٍ لواء أبيض ودفعه إلى زيد وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحرث بن عمير) وهو مؤتة كما مر، وروي أنه عَّ نهاهم أن يأتوا موتة فِركبتهم ضبابة فلم يبصروا حتى أصبحوا عليها، فإن صح احتمل أن المراد بمقتل الحرث الأرض التي قتل فيها لا خصوص المكان الذي قتل به، فلا ينافي النهي أوان موضع قتله ليسفي خصوص موتة بل في جهتها (وأن يدعو من هناك إلى الإِسلام، فإن أجابوا وإلا) فأقول لكم (استعينوا) بصيغة الأمر فلا يرد وجوب الفاء في جواب الشرط الطلبي، وفي لفظ استعانوا (عليهم باللّه وقاتلوهم،) فأسرع الناس بالخروج وعسكروا بالجرف بضم الجيم والراء، وسكونها. وروي بمعجمتين على ثلاثة أميال من المدينة لجهة الشام (وخرج) عَّة (مشيعًا لهم حتى بلغ ثنية الوداع) بفتح الواو. سميت بذلك لتوديع المصطفى هذه السرية عندها، أو لأَن المسافر كان يودع عندها قديمًا، وصححه عياض (فوقف وودعهم،) وهذا أصل في الخروج مع المسافر إلى خارج البلد. وروى الواقدي عن زيد بن أرقم رفعه أوصيكم بتقوى اللَّه وبمن معكم من المسلمين خيرًا أغزوا بسم اللَّه في سبيل اللّه من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليدًا ولا امرأة ولا كبيرًا فانيًا ولا منعزلاً بصومعة ولا تقربوا نخلاً ولا تقطعوا شجرًا ولا تهدموا بناءً. وعند ابن إسحق من مرسل عروة، ودع الناس الأمراء فلما ودع ابن رواحة بكى، فقالوا: ما ايبكيك؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم ولكني سمعت رسول اللَّه عَ له يقرأ آية ٣٤٣ باب غزوة مؤتة فلما ساروا نادى المسلمون: دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين، فقال عبد الله بن رواحة: لكتي أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم، فجمعوا لهم، وقام شرحبيل بن عمرو فجمع أكثر من مائة ألف، وقدم الطلائع أمامه. وقد نزل المسلمون معان - ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتمًا مقضيًا﴾، فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود، قال: (فلما ساروا نادى المسلمون دفع اللَّه عنكم وردكم صالحين غانمين، فقال عبد الله بن رواحة:) (لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا) أو طعنة بيدي حران مجهزة بحرية تنقذ الأحشاء والكبدا حتى يقال إِذا مروا على جدثي يا أرشد اللَّه من غاز وقد رشدا وذات فرغ بفتح الفاء وسكون الراء وغين معجمة، أي واسعة يسيل دمها كما في العيون، والزبد فتح الزاي والموحدة وبمهملة رغوة الدم. قال ابن إسحق وأتى ابن رواحة رسول اللَّه فودعه، ثم قال: فثبت اللَّه ما آتاك من حسن تثبيت موسى ونصر كالذي نصروا إِني تفرست فيك الخير نافلة فراسة خالفت فيك الذي نظروا أنت الرسول فمن يحرم نوافله والوجه منه فقد أزرى به القدر وروى غيره أنه مَ له قال له: قل شعراً تقتضبه اقتضاباً وأنا أنظر إليك من غير روية». فقال: إِني تفرست الأبيات حتى انتهى إلى قوله فثبت اللَّه قال مَّ وأنت فثبتك الله يا ابن رواحة. وعند أحمد، والترمذي عن ابن عباس أن ابن رواحة تخلف حتى صلى الجمعة معه عَـ فلما صلى رآه، فقال: ما منعك أن تغدو مع أصحابك، قال: أردت أن أصلي معك الجمعة، ثم ألحقهم فقال عَّه: لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما أدركت غدوتهم. وفي رواية «لغدوة في سبيل اللَّه أو روحة خير من الدنيا وما فيها))، (فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم فجمعوا لهم وقام شرحبيل بن عمرو فجمع أكثر من مائة ألف وقدم الطلائع أمامه،) فلما نزل المسلمون وادي القرى بعث أخاه سدوس بن عمرو في خمسين من المشركين، فاقتتلوا وانكشف أصحاب سدوس وقد قتل، (وقد نزل المسلمون معان) لما ساروا من وادي القرى نزلوا بغار فبلغهم كثرة العدو فأقاموا على معان ليلتين (بفتح الميم) على ما ٣٤٤ باب غزوة مؤتة بفتح الميم - موضع من أرض الشام، وبلغ الناس كثرة العدوّ وتجمعهم، وأن هرقل نزل بأرض البلقاء في مائة ألف من المشركين. فأقاموا ليلتين لينظروا في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله عَّله فنخبره الخبر، فشجعهم عبد الله بن رواحة على المضي، فمضوا إلى مؤتة. ووافاهم المشركون فجاء منهم من لا قبل لأحد به من العدد والعدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب. صوبه الوقشي وغيره، وقال البكري بضمها نقله عنه الروض وغيره ونقل عنه مغلطاي فتحها. قال الشامي فكان نسخ معجمة مختلفة والعين مهملة فألف فنون (موضع من أرض الشام) وفي الروض قال البكري: هو اسم جبل والمعان أيضًا حيث تحبس الخيل والركاب، ويجوز أنه من أمعنت النظر أو من الماء المعين فوزنه فعال أو من أمعنت النظر فوزنه مفعل، وقد جنس المعري به فقال: معان من أحبثنا معان تجيب الصاهلات بها القيان (وبلغ الناس) الصحابة (كثرة العدو وتجمعهم وأن هرقل نزل بأرض البلقاء في مائة ألف من المشركين)، أي الروم كما عبر به ابن إسحق، وزادوا تضم إليهم من لخم وجذام والقيس وبهراء وبلى مائة ألف منهم عليهم رجل من بلى، يقال له لملك بن رافلة انتهى. ولعل هؤلاء الذين جمعهم شرحبيل، (فأقاموا ليلتين) على معان (لينظروا في أمرهم، وقالوا: نكتب إِلى رسول اللَّه عَِّ فتخبره الخبر). زاد ابن إسحق فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له (فشجعهم عبد الله بن رواحة على المضي) قال ابن إسحق، وقال: يا قوم واللّه إِن التي تكرهون للتي خرجتم إياها تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا اللَّه به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة فقال الناس: قد واللَّه صدق ابن رواحة، (فمضوا إلى مؤتة ووافاهم) أتاهم (المشركون فجاء منهم من لا قبل) طاقة (لأحد به من العدد) الكثير الزائد على مائتي ألف (والعدد) بضم العين (والسلاح والكراع) بضم الكاف جماعة الخيل خاصة (والديباج، والحرير، والذهب) إِظهارًا للشدة والقوة بكثرة أموالهم وآلات حروبهم، وفي هذا فرط شجاعة الصحابة وقوة قلوبهم وتوكلهم على ربهم وعدم مبالاتهم بأنفسهم، لأنهم باعوها للّه سبحانه إِذا قد أم ثلاثة آلاف على أكثر من مائتي ألف أصحاب حروب وشدة إنما هو لما وقر في قلوبهم واطمأنت عليه نفوسهم. ٣٤٥ باب غزوة مؤتة والتقى المسلمون والمشركون. فقاتل الأمراء يومئذٍ على أرجلهم، فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل وقاتل المسلمون معه على صفوفهم حتى قتل طعنًا بالرماح. ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب، فنزل عن فرس له شقراء وقاتل حتى قتل، ضربه رجل من الروم فقطعه نصفين، فوجد في أحد نصفيه بضعة وثمانون جرحًا وفيما أقبل من بدنه اثنتان وسبعون ضربة بسيف وطعنة برمح. قال في رواية البخاري: ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين من طعنة ورمية. إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا وإِن جندنا لهم الغالبون، وكان حقًّا علينا نصر المؤمنين، (والتقى المسلمون والمشركون فقاتل الأمراء) الثلاثة (يومئذٍ على أرجلهم،) قد يشعر تخصیصهم إِن من عداهم قاتلوا علی حالهم التي کانوا علیھا من کونھم مشاة أو ركبانًا، (فأخذ اللواء زيد بن حارثة) أي حمله على العادة من أن الحامل له أمير الجیش کما مر، وقد يدفعه لمقدم العسكر وإلا فهو معه من حين دفعه له عَّر، (فقاتل وقاتل المسلمون معه على صفوفهم). ذكر ابن إسحق أنهم جعلوا على الميمينة قطبة بن قتادة العذري وعلى ميسرتهم عباية بن ملك الأنصاري (حتى قتل طعنًا بالرماح، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب). قال ابن إسحق: واتباعه فقاتل به على فرسه فالحمه القتال أي أحاط به ولم يجد له مخلصًا (فنزل عن فرس له شقراء وقاتل حتى قتل.) قال ابن هشام وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. قال اليعمري: أو أربع وثلاثين وفي الإصابة كان أسن من علي بعشر سنين، فاستوفى أربعين سنة وزاد عليها على الصحيح، وجزم ابن عبد البر بأن سنه كان إحدى وأربعين سنة (ضربه رجل من الروم) ضربة (فقطعه نصفين فوجد في أحد نصفيه بضعة وثمانون جرحًا وفيما أقبل من بدنه اثنتان وسبعون) ليس فيه أنها زائدة على ما في أحد نصفيه فيجوز أنها من جملة ما كان فيه (ضربة بسيف وطعنة برمح) تمييز للعدد أي بعض جراحه بسيف وبعضها برمح. (قال في رواية البخاري) من طريق عبد اللّه بن سعد عن نافع عن ابن عمر. قال: كنت في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى (ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين من طعنة) برمح (ورمية) بسهم، وكذا أخرجه ابن سعد من طريق الیعمري عن نافع عنه. ٣٤٦ باب غزوة مؤتة وفي رواية: أن ابن عمر قال وقفت على جعفر يومئذٍ وهو قتيل قال: فعددت به خمسين بين ضربة وطعنة ليس منها شىء في دبره. وذكر ابن إسحق بإسناد حسن، وهو عند أبي داود من طريقه عن رجل من بني مرة قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر بن أبي طالب، حتى اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها (وفي رواية) للبخاري أيضًا من طريق سعيد بن هلال عن نافع (أن ابن عمر) أخبره، (قال: وقفت على جعفر يومئذٍ وهو قتيل، قال: فعددت به خمسين بين ضربة) بسيف (وطعنة) برمح (ليس منها) وللكشميهني فيها (شىء في دبره) بضم الموحدة بيان لفرط شجاعته وإقدامه. زاد بعض الرواة في البخاري يعني في ظهره، أي لم يكن منها شىء في حال الإدبار، بل كلها في حال الإِقبال لمزيد شجاعته. و کذا رواه سعيد بن منصور عن أبي معشر عن نافع مثله خمسین. قال الحافظ: وظاهرهما التخالف ويجمع بأن العدد قد لا يكون له مفهوم أو بأن الزيادة باعتبار ما وجد فيه من رمي السهام، فإن ذلك لم يذكر في الرواية الأخرى أو الخمسين مقيدة بأنها ليس فيها شىء في دبره، أي ظهره وقد يكون الباقي في بقية جسده ولا يستلزم ذلك أنه ولى دبره وإنما هو محمول على أن الرمي جاءه من جهة قفاه أو طنبه لكن يؤيد الأول أن في رواية اليعمري عن نافع فوجدنا ذلك فيما أقبل من جسده بعد أن ذكر أن العدد بضع وتسعون. ووقع للبيهقي في الدلائل بضع وسبعون أي بسين فموحدة وأشار إلى أن بضعًا وتسعين أي فوقية فسين أثبت. وللإِسمعيلي عن الهيثم بن خلف عن البخاري بضعًا وتسعين أو بضعًا وسبعين بالشك ولم أرّ ذلك في شىء من نسخ البخاري انتهى. (وذکر) أي روی (ابن إسحق بإسناد حسن) قال حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد. قال: حدثني أبي الذي أرضعني وكان أحد بني مرة بن عوف (وهو عند أبي داود من طريقه،) فقال: حدثنا النفیلي قال: حدثنا محمد بن مسلمة عن محمد بن إسحق، فذكره (عن رجل من بني مرة) وإبهام الصحابي لا يضر لعدالة جميعهم (قال واللَّه لكأني أنظر إِلى جعفر بن أبي طالب حين اقتحم،) أي رمى بنفسه في هذا الأمر العظيم (عن فرس له شقراء فعقرها). هكذا الرواية في السيرة وسنن أبي داود بفتح العين المهملة والقاف، وبالراء أي ضرب قوائمها وهي قائمة بالسيف وفي رواية لابن عقبة، والواقدي، وابن إِسحق أيضًا فعرقبها أي قطع عرقوبها وهو الوتر الذي بين مفصل الساق والقدم. ٣٤٧ باب غزوة مؤتة ثم قاتل حتى قتل. قالوا: ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل. فأخذ اللوء ابن أقرم قال ابن إسحق: فكان جعفر أول مسلم عقر في الإِسلام. قال في الروض: ولم يعب ذلك عليه أحد فدل على جوازه إِذا خيف أن يأخذها العدو فيقاتل عليها المسلمين، فلم يدخل هذا في النهي عن تعذيب البهائم وقتلها عبثًا غير أن أبا داود قال: ليس هذا الحديث بالقوي، وقد جاء فیہ نھی کثیر عن الصحابة انتھی و کأنه یرید لیس بصحيح وإلا فهو حسن كما جزم به الحافظ وتبعه المصنف، (ثم قاتل حتى قتل) وهو يقول کما في بقية ذا الحديث الحسن: يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وباردًا شرابها والروم روم قددنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها عليّ إِذ لاقيتها ضرابها (قالوا: ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، فقاتل حتى قتل،) قال ابن إسحق: حدثني یحیی بن عباد عن أبيه قال: حدثني أبي الذي أرضعني أحد بني مرة بن عوف، قال: فلما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية. ثم تقدم بها وهو على فرسه، فجعل یستنزل نفسه ويتردد بعض التردد. ثم قال: لتنزلن أو التكرهنه أقسمت يا نفس لتنزلنه مالي أراك تكرهين الجنه أن أجلب الناس وشدوا الرئه قد طالما قد كنت مطمئنه هل أنت إلا نطفة في شنه وقال: يا نفس ألا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيت فقد أعطيتي أن تفعلي فعلهما هديت يريد صاحبيه زيدًا وجعفرًا، فلما نزل أتاه ابن عمه بعرق من لحم، فقال: شد بهذا صلبك فإنك قد لقيت أيامك هذه، ما لقيت فأخذه من يده ثم انتهس منه نهسة ثم سمع الحطمة في الناس، فقال: وأنت في الدنيا ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه فقاتل حتى قتل. وروى سعيد بن منصور عن سعيد بن أبي هلال قال: بلغني أنهم دفنوا يومئذٍ زيدًا وابن رواحة، وجعفرًا في حفرة واحدة، وفي الصحيح وما يسرهم أنهم عندنا أي لما رأوا من فضل الشهادة، (فأخذ اللواء) ثابت (بن أقرم) بفتح أوله وسكون القاف وبالراء، والميم ٣٤٨ باب غزوة مؤتة العجلاني، إلى أن اصطلح الناس على خالد بن الوليد، فأخذ اللواء، وانكشف الناس فكانت الهزيمة فتبعهم المشركون فقتل من قتل من المسلمين. وقال الحاكم: قاتلهم خالد بن الوليد فقتل منهم مقتلة عظيمة وأصاب غنيمة. ابن ثعلبة بن عدي بن العجلان (العجلاني) بفتح المهملة وسكون الجيم بطن من الأنصار. قال في الإصابة البلوى حليف الأنصار. ذكره ابن عقبة في أهل بدر. قال في رواية ابن إسحق: فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلحوا علىٍ خالد وعند ابن سعد أن ثابتًا مشى باللواء إِلى خالد، فقال: لا آخذه منك أنت أحق به، فقال الأنصاري: والله ما أخذته إِلا لك. وروى الطبراني عن أبي اليسر قال: أنا دفعت الراية إِلى ثابت بن أقرم لما أصيب ابن رواحة، فدفعها إِلى خالد وقال: أنت أعلم بالقتال مني فحاصل هذه الروايات أن أبا اليسر أخذها ودفعها إلى ثابت فذهب بها لخالد فلم يقبلها فنادى يا معشر المسلمين فجاؤوا (إلى أن اصطلح) اجتمع (الناس على خالد بن الوليد) وسلموها له (فأخذ اللواء). وفي الصحيح حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم، وفي رواية ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء وهو أمير نفسه. ثم قال: قال عَله: اللهم إنه سيف من سيوفك فأنت تنصره فمن يومئذٍ سمي سيف اللَّه، وفي رواية فأخذها خالد من غير أمرة، والمراد نفي كونه منصوصًا عليه وإلا، فقد ثبت أنهم اتفقوا عليه (وانكشف الناس، فكانت الهزيمة فتبعهم المشركون، فقتل من قتل من المسلمین) وهم اثنا عشر رجلاً جعفر وزيد، ومسعود بن أوس، ووهب بن سعد، وعبد الله بن رواحة، وعباد بن قيس، والحرث بن النعمان، وسراقة بن عمر ذکرهم ابن إسحق. زاد ابن هشام عن الزهري أبا کلیب، وجابرًا بن عمر بن زيد، وعمرًا وعامًا إِبني سعد بن الحرث وزاد ابن الكلبي، والبلاذري، هو بجة بفتح الهاء وسكون الواو، وفتح الموحدة والجيم وتاء تأنيث الضبي، وأنه لما قتل فقد جسده وفي هذا عناية من اللَّه بالإِسلام وأهله ومزيد إِعزاز ونصر لهم إِذ جيش عدته ثلاثة آلاف يلقون أكثر من مائتي ألف فلا يقتل منهم إلا ثلاثة عشر مع أنهم اقتتلوا مع المشر کین سبعة أيام، کما رواه القراب في تاريخه عن بردع بن زيد. كذا ذكر ابن سعد وغيره أن الهزيمة كانت على المسلمين، (وقال الحاكم: قاتلهم خالد بن الوليد، فقتل منهم مقتلة عظيمة وأصاب غنيمة،) فإِنما كانت الهزيمة على المشر کین، ٣٤٩ باب غزوة مؤتة وقال ابن سعد: إنما انهزم المسلمون. وقال ابن إسحق: انحازت كل طائفة من غير هزيمة. وهذا ظاهر حديث الصحيح كما أسلفته قريبًا وفيه أيضًا عن خالد لقد انقطعت في يدي يوم موتة تسعة أسياف فما بقي في يدي إِلا صفيحة يمانية بتخفيف الياء وحكي شدها، وهذا يقتضي أن المسلمین قتلوا من المشر کین کثیرًا. وقد روى أحمد ومسلم وأبو داود عن عوف بن لملك أن رجلاً من أهل اليمن رافقه فقتل روميًا وأخذ سلبه فاستكثره خالد فشكاه إِلى رسول اللّه عَّطة. فدل ذلك على أن ذلك كان بعد قيام خالد بالأمرة، وهو يرجح أنه لم يقتصر على حوز المسلمين والنجاة بهم بل باشر القتال. (وقال ابن سعد إِنما انهزم المسلمون) هو الذي قدمه قبل قول الحاكم. فلو قال عقب قوله من المسلمين. قاله ابن سعد لكفي. (وقال ابن إسحق انحازت كل طائفة) عن الأخرى (من غير هزيمة.) قال: أعني ابن إسحق وقد وقع كذلك في شعر القيس بن المسحر فذكره، ثم قال فبين ما اختلل فيه الناس أن القوم تحاجزوا وكرهوا الموت وحقق انحياز خالد بمن معه، قال اليعمري: وهو المختار. لكن قال الشامي وافق ابن إسحق شرذمة فسمي فتحًا ونصرًا باعتبار ما كانوا فيه من إِحاطة العدو وتكاثرهم عليهم وكان مقتضى العادة أن يقتلوا بالكلية وهو محتمل لكنه خلاف ظاهر قوله عَّ يفتح على يديه، والأكثرون على أن خالدًا والمسلمين قاتلوا المشركين حتى هزموهم، ففي حديث أبي عامر عند ابن سعد أن خالدًا لما حمل اللواء حمل على القوم فهزمهم أسوأ هزيمة ما رأيتها قط حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاءوا ونحوه عن الزهري وعروة، وابن عقبة، وعطاف بن خالد، وابن عائذ وغيرهم، وهو ظاهر الحديث انتهى ملخصًا، وقال في فتح الباري: اختلف أهل النقل في المراد بقولهِ عَّله حتى فتح اللَّه عليهم، هل كان هناك قتال فيه هزيمة للمشركين، أو المراد بالفتح انحيازه بالمسلمين حتى رجعوا سالمين. ففي رواية ابن إِسلحق عن محمد بن جعفر عن عروة: فجاش خالد الناس ودافع وانحاز وانحیز عنه، ثم انصرف بالناس، وهذا يدل على الثاني ويؤيده ما عند سعید بن منصور عن سعيد ابن أبي هلال بلاغًا، قال: فأخذ خالد الراية فرجع بالمسلمين على جهة، ورمى واقد بن عبد اللَّه التميمي المشر کین حتی ردهم الله. وذكر ابن سعد عن أبي عامر أن المسلمين انهزموا لما قتل ابن رواحة حتى لم أرّ اثنين جميعًا، ثم اجتمعوا على خالد وعند الواقدي من طريق عبيد الله بن الحرث بن فضيل عن أبيه، ٣٥٠ باب غزوة مؤتة ورفعت الأرض لرسول الله عَ له حتى نظر إلى معترك القوم. وعن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: حدثني أبي الذي أرضعني - وكان أحد بني مرة قال: شهدت مؤتة مع جعفر بن أبي طالب وأصحابه، فرأيت جعفرًا حين التحم القتال اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها وقاتل القوم حتى قتل، أخرجه البغوي في معجمه. قال: لما أصبح خالد بن الوليد جعل مقدمته ساقة وميمنته ميسرة فأنكر العدو حالهم، وقالوا: جاءهم مدد، فرعبوا وانكشفوا منهزمين وعنده من حديث جابر قال: أصيب بموتة ناس من المشركين وغنم المسلمون بعضٍ أمتعتهم، وفي مغازي أبي الأسود عن عروة فحمل خالد على الروم فهزمهم، وهذا يدل على الأول وهو وإن كان ضعيفًا من جهة الواقدي وابن لهيعة الراوي عن أبي الأسود، ففي مغازي موسى بن عقبة وهي أصح المغازي ما نصه: ثم اصطلح المسلمون على خالد فهزم اللَّه العدو وأظهر المسلمين ويمكن الجمع بأنهم هزموا جانبًا من المشركين، وخشي خالد أن تتكاثر الكفار عليهم فانحاز بهم عنهم حتى رجع بهم إلى المدينة. وقال العماد بن كثير يمكن أن خالدًا لما حاز المسلمين وبات، ثم أصبح وقد غير تعبية. العسكر، كما تقدم وتوهم العدو أنهم جاءهم مدد، حمل عليهم خالد حينئذٍ فولوا ولم يتبعهم ورأى الرجوع بالمسلمين هي الغنيمة الكبرى، ثم وجدت في مغازي ابن عائذ بسند منقطع أن خالدًا لما أخذ الراية قاتلهم قتالاً شديدًا حتى انحاز الفريقان عن غير هزيمة، وقفل المسلمون فمروا على طريقهم بقرية بها حصن كانوا في ذهابهم قتلوا من المسلمين رجلاً، فحاصروهم حتى فتحه اللَّه عليهم عنوة وقتل خالد مقاتلهم، فسمي ذلك المكان نقع الدم إِلى الآن، انتهى. (ورفعت الأَرض لرسول اللَّه عَّه حتى نظر إلى معترك القوم،) كما في مغازي ابن عقبة، (وعن عباد) بفتح المهملة وشد الموحدة (ابن عبد الله بن الزبير) بن العوام كان قاضي مكة زمن أبيه وخليفته إذا حج ثقة أخرج له الستة، (قال: حدثني أبي الذي أرضعني) يعني أنه أبوه من الرضاعة (وكان أحد بني مرة) بن عوف، (قال: شهدت مؤتة مع جعفر بن أبي طالب وأصحابه فرأيت جعفرًا حين التحم القتال اقتحم) نزل (عن فرس له شقراء) قيل هذا يفعله الفارس من العرب إذا أرهق أي غشيه العدو وعرف أنه مقتول فينزل ويجادل العدو راجلاً، (ثم عقرها وقاتل القوم حتى قتل). (أخرجه البغوي) لحافظ الكبير الثقة مسند العالم أبو القسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغدادي طال عمره، وتفرد في الدنيا حتى توفي ليلة عيد الفطر سنة سبع عشرة وثلاثمائة عن مائة وثلاث سنين (في معجمه) في الصحابة وهو متقدم على محي السنة صاحب المصابيح، ٣٥١ باب غزوة مؤتة وقطعت في تلك الوقعة يداه جميعًا ثم قتل، فقال رسول الله عَ له: إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء، خرجه أبو عمر. وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها: لما قتل ابن رواحة وابن حارثة وجعفر بن أبي طالب جلس رسول الله عَ ليه يعرف فيه الحزن الحديث. وكان المصنف أعاد الحديث مع أنه قدمه قريبًا عن ابن إسحق وأبو داود لأجل عزوه له لقول ابن أبي حاتم أبو القسم يدخل في الصحيح ومراده بذلك دفع قول أبي داود إِسناده ليس بالقوي ويقع في نسخ، وعِن عبد اللَّه بإسقاط عباد وهو خطأ، فالحديث في الروايتين إنما هو له عن رجل من بني مرة لا لأبيه عن الرجل، (وقطعت في تلك الواقعة يداه جميعًا،) وذلك أنه أخذ اللواء بيمينه، فقطعت فأخذه بشماله فقطعت فاحتضنه بعضديه. رواه ابن هشام عمن يثق به من أهل العلم، (ثم قتل، فقال رسول اللَّه ◌َّم: إن اللَّه أبدله بيديه) أي أعطاه بدلهما (جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء.) والمقصود أن اللَّه أكرمه بذلك في مقابلة قطعهما فلا يستلزم عدم رد يديه بل بعد ردهما أعطاه الجناحين. (أخرجه أبو عمر) بن عبد البر. (وفي البخاري عن عائشة رضي اللَّه عنها لما قتل ابن رواحة، وابن حارثة، وجعفر بن أبي طالب) هذه رواية أبي ذر وابن عساكر ولغيرهما لما جاء قتل ابن حارثة، وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة. قال الحافظ: يحتمل أن المراد مجيء الخبر على لسان القاصد الذي حضر من عند الجيش، ويحتمل أن المراد مجيئه على لسان القاصد الذي حضر من عند الجيش ويحتمل أن المراد مجيئه على لسان جبريل كما يدل عليه حديث أنس الذي قبله يعني في البخاري وهو أنه ، نعاهم للناس قبل أن يأتيهم خبرهم. (جلس رسول اللَّه عَّد) زاد البيهقي في المسجد (يعرف فيه الحزن) بضم الحاء وسكون الزاي وضبطه أبو ذر بفتحهما. قال الحافظ: أي لما جعل اللَّه فيه من الرحمة ولا ينافي ذلك الرضا بالقضاء ويؤخذ منه أن الإِنسان إِذا أصيب بمصيبة لا تخرجه عن كونه صابرًا راضيًا، إِذا كان قلبه مطمئنًا، بل قد يقال إِن من كان ينزعج بالمصيبة ويعالج نفسه على الصبر والرضا أرفع رتبة ممن لا يبالي بوقوع المصيبة أصلاً. أشار إلى ذلك الطيري وأطال في تقريره (الحديث) بقيته فجاء رجل فقال: إِن نساء جعفر ٣٥٢ باب غزوة مؤتة وأخرج الطبراني بإسناد حسن عن عبد الله بن جعفر قال قال لي رسول الله عَّ ◌ُله: ((هنيئًا لك أبوك يطير مع الملائكة في السماء)). وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله عَّه قال: ((رأيت جعفر بن أبي طالب يطير مع الملائكة). أخرجه الترمذي والحاكم، وفي إسناده ضعف، لكن له شاهد من حديث علي عند ابن سعد. وعن أبي هريرة أيضًا عن النبي صَ لّه قال: ((مر بي جعفر الليلة في ملأ من الملائكة وهو مخضب الجناحین بالدم»، فذكر بكاءهن فأمره أن ينهاهن. فذهب ثم أتى فقال: قد نهيتهن وذكر أنهن لم يطعنه فأمر أيضاً فذهب، ثم أتى، فقال: اللَّه ولقد غلبنا قال: فأحث في أفواههن من التراب. قالت: عائشة فقلت: أرغم اللَّه أنفك فوالله ما أنت تفعل وما تركت رسول اللَّه من العناء. وعند ابن إسحق. قالت عائشة: وعرفت أنه لا يقدر أن يحثى في أفواههن التراب قالت: ربما ضر التكلف أهله. (وأخرج الطبراني بإسناد حسن عن عبد الله بن جعفر) الشبيه خلقًا وخلقًا كأبيه روى أحمد، والنسائي بسند صحيح عنه، ثم أمهل عَِّ آل جعفر ثلاثًا، ثم أتاهم، فقال لهم: لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ثم قال: ائتوني بيني أخي، فجيء بنا كأنا أفرخ، فدعا الحلاق فحلق رؤوسنا، ثم قال: أما محدمٍ فشبيه عمنا أبي طالب وأما عبد اللَّه فشبيه خلقي وخلقي، ثم دعا لهم (قال: قال لي رسول اللَّه عَ لَه) تسلية لي وإعلامًا بمقام أبيه (هنيئًا لك أبوك يطير مع الملائكة في السماء) وما وصل إليه الأب فهو من مناقب الابن. ألم ترَ قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم﴾. ولذا قال هنيئًا لك ولم يقل لأبيك، ولذا كان ابن عمر إذا سلم على عبد اللَّه قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين كما في الصحيح. (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللَّه عَّ قال: رأيت جعفر بن أبي طالب يطير مع الملائكة) يحتمل أنها منامية ويحتمل يقظة ويؤيده ما رواه الدارقطني بسند ضعيف عن ابن عمر: كنا مع رسول اللَّه عَّه فرفع رأسه إلى السماء، فقال: وعليكم السلام ورحمة اللَّه، فقال الناس: يا رسول اللَّه ما كنت تصنع هذا؟، قال: مر بي جعفر بن أبي طالب في ملأ من الملائكة فسلم عليّ (أخرجه الترمذي، والحاكم، وفي إِسناده ضعف لكن له شاهد من حديث علي) أمير المؤمنين (عند ابن سعد) محمد الحافظ المشهور، (وعن أبي هريرة أيضًا عن النبي عٍَّ قال: مرّ بي جعفر الليلة في ملأ من الملائكة وهو مخضب الجناحين بالدم). ٣٥٣ باب غزوة مؤتة أخرجه الترمذي والحاكم بإسناد على شرط مسلم. وأخرج أيضًا هو والطبراني عن ابن عباس مرفوعًا: ((دخلت البارحة الجنة فرأيت فيها جعفر بن أبي طالب يطير مع الملائكة)). وفي طريق أخرى عنه: «إن جعفرًا یطیر مع جبريل ومیکاثيل له جناحان، عوضه الله من یدیه)). وإسناد هذا جيد. فقد عوضه الله تعالى عن قطع يديه في هذه الوقعة، حيث أخذ اللواء بيمينه. فقطعت ثم أخذه بشماله فقطعت ثم احتضنه فقتل. وفي الطبراني عن سالم بن أبي الجعد قال: رأى عَِّ جعفرًا ملكًا ذا جناحين مضرجين بالدماء وذلك أنه قاتل حتى قطعت يداه (أخرجه الترمذي، والحاكم بإسناد على شرط مسلم) فهو من السادسة من مراتب الصحيح. (وأخرج) أي الحاكم كما في الفتح وكان المصنف اعتمد على عود الضمير لأقرب مذكور في أخرج (أيضًا هو والطبراني عن ابن عباس مرفوعًا) لفظة يستعملها المحدثون بدل قال مَة: (دخلت البارحة الجنة فرأيت فيها جعفر بن أبي طالب يطير مع الملائكة) وفي شعر عليّ كرم الله وجهه: وجعفر الذي يضحي ويمسي يطير مع الملائكة ابن أمي (وفي طريق اخری) عند المذکورین عن ابن عباس (أن جعفرًا يطير مع جبريل وميكائيل له جناحان عوضه الله من يديه،) أي بدلهما، وفي فوائد أبي سهل بن زياد القطان عن سعد بينما النبي ◌َُّ جالس وأسماء بنت عميس قريب منه إِذ قال: يا أسماء هذا جعفر بن أبي طالب قد مر مع جبريل وميكائيل فرد عليه السلام الحديث وفيه فعوضه اللَّه من يديه جناحين يطير بهما حيث شاء، (وإِسناد هذا) أي حديث ابن عباس (جيد) أي مقبول وهذه منقبة عظيمة له، وقد كان أبو هريرة يقول أنه أفضل الناس بعد المصطفى. روى الترمذي، والنسائي بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا وطىء التراب بعد رسول اللّه عَ أفضل من جعفر بن أبي طالب، وفي البخاري عنه قال: كان جعفر خير الناس للمساكين (فقد عوضه اللَّه تعالى عن قطع يديه في هذه الواقعة. حيث أخذ اللواء بيمينه فقطعت، ثم أخذه بشماله فقطعت، ثم احتضنه فقتل،) كما رواه ابن هشام قال: أخبرني من أثق به من أهل العلم، فذكره واختلف في أن الجناحين حقيقان وهو المختار. ٣٥٤ باب غزوة مؤتة قال السهيلي: له جناحان، ليسا كما يسبق إلى الوهم كجناحي الطائر وريشه، لأن الصورة الآدمية أشرف الصور وأكملها، فالمراد بالجناحين صفة ملكية وقوة روحانية أعطيها جعفر. وقد عبر القرءان عن العضد بالجناح توسعًا في قوله: ﴿واضمم يدك الى جناحك﴾ [طه/٢٢]. وقال العلماء في أجنحة الملائكة إنها صفات ملكية لا تفهم إلا بالمعاينة، فقد ثبت أن لجبريل ستمائة جناح، ولا يعهد للطير ثلاثة أجنحة فضلاً عن أكثر من ذلك، وإذا لم يثبت خبر في بيان كيفيتها فنؤمن بها من غير بحث عن حقيقتها. انتهى. قال الحافظ ابن حجر: وهذا الذي جزم به في مقام المنع، والذي حكاه عن العلماء ليس صريحًا في الدلالة لما ادعاه. ولا مانع من الحمل على الظاهر، إلا من وروى النسفي عن البخاري أنه قال: يقال لكل ذي ناحيتين جناحان. قال الحافظ: لعله أراد بهذا حمل الجناحين على المعنوي دون الحسي. وجرى عليه في الروض حيث (قال السهيلي: له جناحان ليسا كما يسبق إلى الوهم كجناحي الطائر وريشه، لأن الصورة الآدمية أشرف الصور وأكملها) قال: وفي قوله عَّهُ إِن اللَّه خلق آدم على صورته تشريف لها عظيم، وحاشا اللَّه من التشبيه والتمثيل يعني فلو كانا حقيقيين كانت صورته ناقصة عن صورة البشر. (فالمراد بالجناحين صفة ملكية وقوة روحانية أعطيها جعفر، وقد عبر القرءان عن العضد بالجناح توسعا في قوله واضمم يدك) اليمنى بمعنى الكف (إلى جناحك) أي جنبك الأيسر تحت العضد فعیر عنه بالجناح لأنه للإنسان كالجناح للطائر. قال: أعني السهيلي وليس، ثم طيران فكيف بمن أعطى القوة عليه مع الملائكة أخلق به إذن أن يوصف بالجناح مع كمال الصورة الآدمية وتمام الجوارح البشرية، (و) قد (قال العلماء في أجنحة الملائكة أنها صفات ملكية لا تفهم إلا بالمعاينة، فقد ثبت أن لجبريل عليه السلام ستمائة جناح ولايعهد للطير ثلاثة أجنحة فضلاً عن أكثر من ذلك). قال: فدل على أنها صفات لا تنضبط كيفيتها للفكر ولا ورد في بيانها أيضًا خبر فيجب علينا الإِيمان به (وإذا لم يثبت خبر في بيان كيفيتها فنؤمن بها من غير بحث عن حقيقتها انتھی) قول السهيلي ملخصًا. (قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (وهذا الذي جزم به في مقام المنع والذي حكاه عن العلماء ليس صريحًا في الدلالة لما ادعاه ولا مانع من الحمل على الظاهر) الحقيقة (إلا من ٣٥٥ باب غزوة مؤتة جهة ما ذكره من المعهود، وهو من قياس الغائب على الشاهد وهو ضعيف. وكون الصورة البشرية أشرف الصور لا يمنع من حمل الخبر على ظاهره، لأن الصورة باقية. وقد روى البيهقي في الدلائل من مرسل عاصم بن عمر بن قتادة: أن جناحي جعفر من ياقوت. وجاء في جناحي جبريل أنهما من لؤلؤ. أخرجه ابن منده في ترجمة ورقة. وذكر موسى بن عقبة في المغازي، أن يعلى بن أمية قدم بخبر أهل مؤتة، فقال له رسول الله عَّ له إن شئت فأخبرني جهة ما ذكره من المعهود، وهو من قياس الغائب على الشاهد وهو ضعيف) لعدم الجامع (وكون الصورة البشرية أشرف الصور) الذي استدل به (لا يمنع من حمل الخبر على ظاهره لأن الصورة باقية) كما هي، وإعطاءِ الجناحين له إكرامًا لتألمه من قطعهما حتى يطير بهما حيث شاء من الجنة والسماء كما في الأحاديث المارة مضمومًا إِلى عود يديه وكمال خلقته يصيره في المنظر أتم من حال بقية نوع الإِنسان. فالأجنحة له كالزينة والحلى لمن تحلى وتزين. (وقد روى البيهقي في الدلائل) النبوية (من مرسل عاصم بن عمر بن قتادة) الأنصاري الثقة العالم بالمغازي من رجال الستة مات بعد العشرين ومائة (أن جناحي جعفر من ياقوت،) فهو صريح في ثبوتهما له حقيقة، وأنه ليس من نوع أجنحة الطير التي هي من ريش، فهذا يرد قوله إِنها صفة ملكية وقوة روحانية. (وجاء في جناحي جبريل أنهما من لؤلؤ أخرجه ابن مندة في ترجمة ورقة) بن نوفل من كتاب المعرفة له. فهذا يرد دعواه أن الملائكة لا أجنحة لهم التي لم يستدل عليها إِلا بكون المعهود للطير جناحين فقط وذلك بمجرده لا يمنع الزيادة لهم فكمال صورهم الأصلية مخالفة لصور غيرهم، كذلك زيادة الأجنحة من جملة المخالفة، وقد قال بعض العلماء هذا التأويل لا يليق مثله بالإمام السهيلي بل هو أشبه بکلام الفلاسفة والحشوية، ولا ينكر الحقيقة إلا من ینکر وجود الملائكة. وقال تعالى: ﴿أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع﴾. [فاطر: ١]. (وذكر موسى بن عقبة في المغازي أن يعلى بن أمية) بن أبي عبيدة بن همام بن الحرث، التميمي الحنظلي حليف قريش صحابي روى له الستة. مات سنة بضع وأربعين وأمه منية بضم الميم وسكون النون وفتح التحتية الخفيفة وبها اشتهر وبأبيه معًا، وقيل هي أم أبي جزم به الدارقطني، ونسبها منية بنت الحرث بن جابر وأنها أيضًا أم العوام والد الزبير، فهي جدة الزبير، ويعلى كما في الإصابة وغيرها (قدم بخبر أهل مؤتة فقال له رسول اللَّه عَّهُ: إِن شئت فأخبرني ۔ ٣٥٦ باب غزوة مؤتة وإن شئت أخبرتك، قال: أخبرني، فأخبره خبرهم فقال: والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفًا لم تذكره. وعند الطبراني من حديث أبي اليسر الأنصاري: أن أبا عامر الأشعري هو الذي أخبر النبي عَّه بمصابهم. وإن شئت أخبرتك، قال: أخبرني) لازداد يقينًا، (فأخبره خبرهم) كله ووصف له، (فقال: والذي : إِن الله بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفًا لم تذكره) وإِن أمرهم لكما ذکرت، فقال رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم هذا بقية ما ذكره ابن عقبة. (وعند الطبراني من حديث أبي اليسر) بفتح التحتية والمهملة كعب بن عمرو (الأنصاري) السلمي بفتحتين البدري المتوفى بالمدينة سنة خمس وخمسين وقد زاد على المائة. روى له مسلم والأربعة (أن أبا عامر) عبد اللَّه وقيل عبيد الله بن هانىء أو ابنٍ وهب (الأشعري) صحابي عاش إلى خلافة عبد الملك. روى له الترمذي وهو غير أبي عامر الأشعري عم أبي موسى المستشهد بخيبر واسمه عبيد (هو الذي أخبر النبي عَدُ بمصابهم) ولا مانع من أن كلا منهما أخبره وأخبار الثاني لأنه لم يبلغه أن أحدًا أخبره بذلك ولم يمنعه عَّه لئلا يخجله وليرى أعنده زيادة على خبر الأول أم لا، وإِن كان هو عالماً بالواقعة وشاهدها عليه السلام ليطلع على حفظ الناقل، وهذا كله إن كان أبو عامر أخبره، وإن كان قال له كما قال ليعلى: فلا وكما أخبر به عليه السلام من جاءه بالخبر أخبر أصحابه قبل ذلك يوم الوقعة. روى ابن إسحق عن أسماء بنت عميس. قالت: لما أصيب جعفر وأصحابه دخل عليّ عَّةٍ وقد دبغت أربعين منا وعجنت عجيني وغسلت بني ودهنتهم ونظفتهم فقال لي عَّد. اثتيني بيني جعفر فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه، فقلت: بأبي أنت وأمي ما يبكيك أبلغك عن جعفر وأصحابه شىء؟، قال: نعم، أصيبوا هذا اليوم، فقمت أصيح واجتمع إليّ النساء وخرج إِلى أهله، فقال: لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعامًا فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم. وعند الزبير بن بكار عن عبد الله بن جعفر فعمدت سلمی مولاة النبي عَدُ إِلى شعير فطحنته ثم آدمته بزيت وجعلت عليه فلفلاً قال عبد الله: فأكلت منه وحبسني عَ لّه مع أخوتي في بيته ثلاثة أيام. قال ابن إسحق: فلما انصرف خالد بالناس أُقبل بهم قافلاً، فحدثني محمد بن جعفر عن عروة قال: لما دنوا من المدينة تلقاهم عَّ له على دابة والمسلمون والصبيان يشتدون، فقال: خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابن جعفر فأتى بعبد اللَّه فحمله بين يديه، وقال حسان بیکیھم: تأويني ليل بيثرب أعسر وهم إذا ما نوّم الناس مسهر ٣٥٧ ذات السلاسل [ذات السلاسل] ثم سرية عمرو بن العاصي رضي الله عنه إلى ذات السلاسل. لذكرى حبيب هيجت لي لوعة سفوحًا وأسباب البكاء التذكر وكم من كريم يبتلى ثم يصبر بلى أن فقدان الحبيب بلية رأيت خيار المسلمين تواردوا فلا يبعدن اللَّه قتلى تتابعوا وزيد وعبد اللَّه حين تتابعوا غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم أغر كضوء البدر من آل هاشم قطاعن حتى مال غير موسد فصار مع المستشهدين ثوابه وكنا نرى في جعفر من محمد وقد زال في الإسلام من آل هاشم فهم جبل الإِسلام والناس حولهم بهاليل منهم جعفر وابن أمه وحمزة والعباس منهم ومنهم بهم تفرج اللأواء في كل مارق شعوب وخلفًا بعدهم يتأخر بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر جميعًا وأسباب المنية تخطر إلى الموت ميمون النقيبة أزهر أبي إذا سيم الظلامة يجسر بمعترك فيه فتى متكسر جنان وملتف الحدائق أخضر وفاء وأمرًا حازمًا حين يأمر دعائم عزلاً يزلن ومفخر رضام إلى طود يروق ويقهر عليّ ومنهم أحمد المتخير عقيل وماء العود من حيث يعصر عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر هم أولياء اللَّه أنزل حكمه عليهم وفيهم ذا الكتاب المطهر ذات السلاسل (ثم سرية عمرو بن العاصي) بالياء على الصحيح الذي عليه الجمهور كما مر أول الكتاب (رضي الله عنه إِلى ذات السلاسل) بمهملتين الأولي مفتوحة على المشهور، وبه جزم البكري على لفظ جمعٍ السلسلة قيل سمي المكان بذلك، لأنه كان به رمل بعضه على بعض كالسلسلة، وضبطها ابن الأثير بالضم. قال: وهو بمعنى السلسال أي السهل، قاله: في الفتح في المناقب، ولذا قال ابن القيم بضم السين وفتحها لغتان، وتبرأ الشامي منه وقوله وصاحب القاموس مع سعة اطلاعه لم يحك إلا الفتح غير قادح فمن حفظ حجة، كيف وقد صرح البرهان بأن غير واحد ذكر اللغتين الضم والفتح وهو المشهور والمجد، وإِن اتسع اطلاعه فلم يحط باللغة ولم يستوعبها، وقدمت عن ٣٥٨ ذات السلاسل وسميت بذلك لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا. وقيل لأن بها ماء يقال له السلسل، وراء ذات القرى، من المدينة على عشرة أيام. وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان، وقيل: كانت سنة سبع، وبه جزم ابن أبي خالد في كتاب صحيح التاريخ. ونقل ابن عساكر الاتفاق على أنها كانت بعد غزوة مؤته، إلا ابن إسحق فقال قبلها. وسببها: أنه بلغه بد أن جمعًا من قضاعة الفتح وجه تسميتها بذلك في المناقب وهو صريح في قدم التسمية قبل السرية. (و) قال هنا ما حكاه المصنف إلا أنه أسقط منه قوله أوله قيل (سميت بذلك لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعضم مخافة أن يفرّوا،) وهذا ظاهر في حدوثه بعدها. ولعل المراد انضموا والتصقوا أخذاً من تعبيره بإلى دون الباء لا أنهم ارتبطوا بالفعل لأنه يكون سببًا في الظفر بهم، ولعل هذا وجه قول الشامي أغرب من قال هذا القول أو لمنافاته لما في القصة من أنه أتاهم على غفلة وهربوا وتفرقوا إلاّ أن يقال: تجمعوا أولاً خوف الفرار. ثم لما قرب المسلمون منهم ألقي الرعب في قلوبهم فهربوا. (وقيل لأَن بها ماء يقال له السلسل) وبه جزم ابن إسحق وغيره. وفي القاموس السلسل كجعفر وخلخال الماء العذب أو البارد كالسلاسل بالضم (وراء ذات القرى) مر له نظيره مرتين وتقدم تأويله والذي عند ابن سعد، كما في الفتح، وراء وادي القرى (من المدينة على عشرة) أي بينها وبين المدينة عشرة (أيام وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان) كما قاله ابن سعد والجمهور فيكون تأمير عمر وعقب إِسلامه بنحو أربعة أشهر على ما صدر به المصنف فيما مر أنه كان في صفر سنة ثمانٍ. وفي الشامية أن بعثه كان بعد سنة من إِسلامه وهو إِنما يأتي على قول الحاكم أسلم سنة سبع، (وقيل كانت سنة سبع) حكاهما ابن سعد، (وبه جزم ابن أبي خالد في كتاب صحيح التاريخ، ونقل ابن عساكر الاتفاق على أنها كانت بعد غزوة مؤتة إلا ابن إسحق فقال قبلها) وهو قضية ما ذكر عن ابن سعد، وابن أبي خالد قاله الحافظ وتعقبه الشامي بأنه غير واضح إن ابن سعد قال: كانت في جمادى الآخرة سنة ثمانٍ وإِن مؤتة في جمادى الأولى منها، وأما ابن إسحق فالذي في رواية البكائي عنه تأخيرها عن مؤتة بعدة غزوات وسرايا ولم يذكر أنها قبلها فيحتمل أنه نص على ما ذكره ابن عساكر في رواية غير زياد البكائي، (وسببها) كما قال ابن سعد: (أنه بلغه ◌َقِ أن جمعًا من قضاعة) هم كما قال ابن إسحق عن يزيد عن عروة، هي أي ذات ٣٥٩ ذات السلاسل قد تجمعوا للإغارة، فعقد له لواء أبيض وجعل معه راية سوداء، وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار. ومعهم ثلاثون فرسًا. فسار الليل وكمن النهار، فلما قرب منهم بلغه أن لهم جمعًا كثيرًا، فبعث رافع بن مكيث - بفتح الميم - الجهني إلى رسول الله عَُّلم يستمده، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح، وعقد له لواء، السلاسل بلاد بلى وعذرة وبني القين نقله عنه البخاري. قال الحافظ: الثلاثة بطون من قضاعة وبلى بفتح الموحدة وكسر اللام الخفيفة بعدها ياء النسب قبيلة كبيرة ينسبون إلى بلى بن عمرو بن الحرث بن قضاعة، وعذرة بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة قبيلة كبيرة ينسبون إلى عذرة بن سعد ونسبه إِلى قضاعة وبنو القين بفتح القاف وسكون التحتية قبيلة كبيرة ينسبون إلى القين ونسبه إلى قضاعة، قال: ووهم ابن التين. فقال: بنو القين قبيلة من تميم (قد تجمعوا للإِغارة) وأرادوا أن يدنوا من أطراف المدينة، كما هو المنقول عن ابن سعد، وذكر ابن إسحق أن أم أبيه العاصي بن وائل كانت من بلى فبعث عَ ليه عمرًا يستفز العرب إلى الشام ويستألفهم. قال في الروض: واسمها سلمى فيما ذكر الزبير، وأما أم عمرو فهي ليلى تلقب بالنابغة. قال الحافظ: ویمکن الجمع بين السببین انتھی. وروى أحمد، والبخاري في الأدب صححه أبو عوانة، وابن حبان، والحاكم عن عمرو بن العاصي. قال بعث إِليَّ النبي عَّه يأمرني أن آخذ ثيابي، وسلاحي، فقال: يا عمرو إني أريد أن أبعثك على جيش فيغنمك اللَّه ويسلمك. قلت: إِني لم أسلم رغبة في المال، قال: نعم المال الصالح للمرء الصالح، (فعقد له لواء أبيض وجعل معه راية سوداء، وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار) بفتح المهملة، وقد تضم جمع سري بفتح فكسر وهو النفيس الشرف وقيل السخي ذو مروءة، قاله ابن الأثير. قال الجوهري: وهو جمع عزيز أن يجمع فعيل على فعلة ولا يعرف غيره، وفي القاموس أنه اسم جمع (ومعهم ثلاثون فرسًا) قال ابن سعد وأمره أن يستعين بمن مر به من بلى وعذرة وبلقين (فسار الليل وكمن النهار فلما قرب منهم) بأن وصل إلى الماء المسمى بالسلاسل (بلغه أن لهم جمعًا كثيرًا فبعث رافع) براء وفاء (ابن مكيث بفتح الميم) وكسر الكاف وسكون التحتية وبمثلثة (الجهني) بضم الجيم وفتح الهاء، والنون صحابي شهد الحديبية والفتح ومعه لواء جهينة (إِلى رسول اللَّه عَّه يستمده)) أي: يطلب منه مددًا أي جيشًا يعينونه (فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح) القرشي أمين هذه الأمة، (وعقد له لواء) لم نر من عين لونه إلا قوله في بعض ٣٦٠ ذات السلاسل وبعث معه مائتين من سراة المهاجرين والأنصار فيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وأمره أن يلحق بعمرو، وأن يكونا جميعًا ولا يختلفا. فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس فقال عمرو: إنما قدمت علي مددًا، وأنا الأمير، فأطاع له بذلك أبو عبيدة، فكان عمرو يصلي بالناس. وسار حتى وصل إلى العدو: بلى وعذرة، فحمل عليهم المسلمون غافلين، فهربوا في البلاد وتفرقوا. النسخ أبيض ولا أخال صحتها، (وبعث معه مائتين من سراة المهاجرين والأنصار فيهم أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما وأمره أن يلحق بعمرو وأن يكونا) الظاهر أنها ناقصة خبرها (جميعًا) أي مجتمعين، ويجوز أنها تامة وجميعًا حال وهو قيد في عاملها لكن الأول أتم فائدة لجعله جزء الكلام (ولا يختلفا) بيان للمراد من الاجتماع، كأنه قال: كونا متفقين غير مختلفين (فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس فقال عمرو: إِنما قدمت عليَّ مددًا) معينًا ومقويًا (وأنا الأمير) ولا إِمارة لك حتى تؤم. وعند ابن إسحق. قال أبو عبيدة: لا ولكني على ما أنا عليه وأنت على ما أنت عليه وكان أبو عبيدة رجلاً لينًا سهلاً هينًا عليه أمر الدنيا. فقال له عمرو: بل أنت مدد لي، فقال أبو عبيدة: يا عمرو إِن رسول اللَّهُ عَ ◌ّه قال لي: لا تختلفا وإِنك إِن عصيتني أطعتك. قال: فإني الأمير عليك وأنت مدد لي قال: فدونك (فأطاع له بذلك أبو عبيدة فكان عمرو يصلي بالناس وسار حتى وصل إِلى العدو بلى) بالجر بدل قبيلة كبيرة من قضاعة (وعذرة) قبيلة كبيرة أيضًا تنسب إلى عذرة بن سعد هذيم بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بضم اللام ابن الحرث بن قضاعة، (فحمل عليهم المسلمون غافلين، فهربوا في البلاد وتفرقوا). والمصنف اختصر كلام ابن سعد وما وفى به فأوهم أنه لم يقع بينهم حرب ولفظه بعد قوله يصلي بالناس وسار حتى وجأ بلاد بلى ودوخها حتى أتى إلى أقصى بلادهم وبلاد عذرة وبلقين ولقي في آخر ذلك جمعًا، فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد وتفرقوا، وبعث عوف بن ملك الأشجعي بريدًا إِلى النبي عَّله. فأخبره بقفولهم وسلامتهم، وما كان في غزاتهم. وذكر موسى بن عقبة نحو هذه القصة وبلقين أي بني القين كقولهم بلحرث في بني الحرث ودوخها بفتح المهملة وشد الواو وخاء معجمة استولى عليها وقهرها وعند الواقدي أنهم لما لقوا ذلك الجمع وليسوا بالكثير اقتتلوا ساعة وحمل المسلمون عليهم، فهزموهم وتفرقوا وأقام هناك أيامًا، و کان یبعث الخيل فيأتون بالشاء والنعم فینحرون ویأکلون، ولم یکن في ذلك