النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
غزوة خيبر
أخرجه البخاري.
وعنده أيضًا عن أبي هريرة: شهدنا خيبر فقال رسول الله عَّهُ لرجل ممن
معه يدعي الإسلام: هذا من أهل النار، فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال،
حتى كثرت به الجراحة، فکاد بعض الناس يرتاب،
فهو الرواية وإِن جاز النصب وفيه معجزة باهرة (أخرجه البخاري) ثلاثيًا، فقال: حدثنا
المكي بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبي عبيد. قال: رأيت فذكره (وعنده أيضًا عن أبي هريرة) قال:
(شهدنا خيبر) مجاز عن جنسه من المسلمين، فالثابت أنه إنما جاء بعد فتحها وعند الواقدي أنه
قدم بعد فتح معظمها فحضر فتح آخرها لكن للبخاري في الجهاد عن أبي هريرة أتيت
رسول اللَّه عَّاللّه وهو بخيبر بعدما افتتحها أو هو مجاز عن شهود الغنيمة، لأنه شهد قسم
النبي ◌َّهُ لغنائم خيبر بها اتفاقًا، (فقال رسول اللَّه عَّه لرجل:) اللام بمعنى عن كقوله، وقال
الذين كفروا للذين آمنوا أو بمعنى أي في شأنه وسببه ومنه ونضع الموازين القسط ليوم القيامة
(ممن معه يدعي الإِسلام) نفاقًا.
قال الحافظ: وقع لجماعة ممن تكلم على البخاري أنه قزمان بضم القاف وسكون الزاي،
الظفري بفتح المعجمة والفاء نسبة إلى بني ظفر بطن من الأنصار المكنى أبا الغيداق بمعجمة
مفتوحة وتحتية ساكنة آخره قاف، ويعكر عليه ما جزم به ابن الجوزي تبعًا للواقدي أن قزمان قتل
بأحد وكان تخلف عن المسلمين فعيره النساء فخرج حتى صار في الصف الأول، فكان أول من
رمى بسهم ثم فعل العجائب، فلما انكسر المسلمون كسر جفن سيفه وجعل يقول الموت
أحسن من الفرار، فمر به قتادة بن النعمان فقال: هنيئًا لك الشهادة. قال: إِنِي واللَّه ما قاتلت على
حسب قومي، ثم أقلقته الجراحة فقتل نفسه.
لكن الواقدي لا يحتج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف نعم عند أبي يعلى تعيين يوم أحد،
لكن لم يسم قاتل نفسه وفيه راوٍ مختلف فيه (هذا من أهل النار) لنفاقه، أو أنه سيرتد ويستحل
قتل نفسه، (فلما حضر القتال) بالرفع على الفاعلية، ويجوز النصب أي فلما حضر الرجل القتال
(قاتل الرجل أشد القتال حتى كثرت به الجراح فكاد بعض الناس يرتاب).
وفي رواية بزيادة أن في خبر كاد وهو جائز على قلة أي يشك في قوله عَّه هذا من أهل
النار، وفيه إِشعار بأنهم ما ارتابوا، وإنما هو استفهام خوفًا على أنفسهم، ففي حديث سهل عند
البخاري. فقالوا: أينا من أهل الجنة إِن كان هذا من أهل النار؟ وفي حديث أكثم بن أبي الجون
الخزاعي عند الطبراني، قلنا: يا رسول اللَّه إِذا كان فلان في عبادته واجتهاده ولين جانبه في النار
فأين نحن؟، قال: ذاك أخبات النفاق فكنا نتحفظ عليه في القتال، وفي حديث سهل في

٢٦٢
غزوة خيبر
فوجد الرجل ألم الجراحة فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها سهمًا فنحر
نفسه، فاشتد رجل من المسلمين فقال: يا رسول الله، صدق الله حديثك، انتحر
فلان فقتل نفسه. فقال: قم يا فلان فأذن: إنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، إن الله
يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر.
البخاري، فقال رجل من القوم: أنا صاحبه أي: أصحبه وألازمه لأنظر السبب الذي به يصير من
أهل النار، فإِن فعله في الظاهر جميل وقد أخبر الصادق المصدوق أنه من أهل النار فلا بدّ له من
سبب عجيب، قال فخرج معه كلما وقف وقف معه (فوجد الرجل ألم الجراحة، فأهوى بيده
إلى كنانته فاستخرج منها سهمًا) بالإِفراد للكشميهني ولغيره أسهمًا بفتح أوله وضم الهاء بلفظ
الجمع، (فنحر نفسه فاشتد) أي أسرع في المشي (رجل) بالإِفراد (من المسلمين) قال الحافظ:
هو أكثم الخزاعي، ففي حديثه عند الطبراني، فأتيت النبي عَُّ فقلت: أشهد أنك رسول اللَّه
انتھی.
ويقع في نسخ رجال بالجمع وهو من تحريف النساخ، فالذي في البخاري بالأفراد وفسره
شارحه بما ترى (فقال) بالإِفراد، كما هو في البخاري ونسخة، فقالوا: خطأ (يا رسول اللَّه صدق
اللَّه حديثك انتحر فلان فقتل نفسه).
قال المهلب هذا الرجل ممن أعلمنا مَّ ل أنه نفذ عليه الوعيد، من النفاق ولا يلزم منه أن
كل من قتل نفسه يقضى عليه بالنار، وقال ابن التين: يحتمل أن قوله من أهل النار أي إِن لم يغفر
اللَّه له، ويحتمل أنه حين أصابته الجراحة ارتاب وشك في الإِيمان أو استحل قتل نفسه فمات
كافرًا ويؤيده قوله عَّ لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وبذلك جزم ابن المنير (فقال)
عليه السلام: (قم يا فلان) هو بلال، كما عند البخاري في كتاب القدر بلفظ يا بلال قم ولمسلم
قم يا ابن الخطاب، وللبيهقي أن المنادى عبد الرحمن بن عوف ويجمع بأنهم نادوا جميعًا في
جهات مختلفة قاله في الفتح وقال في مقدمته: روى الطبراني، والبيهقي عن العرباض أن
عبد الرحمن أذن أن الجنة لا تحل إلا لمؤمن، وكان هذا في قصة أخرى أو المؤذن أكثر من
واحد انتهى.
(فأذن) بشد المعجمة المكسورة أي أعلم الناسِ (إنه) ولأبي ذر، أن (لا يدخل الجنة إلا
مؤمن) فيه إِشعار بسلب الإِيمان عن هذا الرجل. (إن الله يؤيد) وللكشميهني ليؤید التأکید. قال
النووي: يجوز في أن فتح الهمزة وكسرها (هذا الدين بالرجل الفاجر) الذي قتل نفسه، أو أل
للجنس لا للعهد فیعم کل فاجر أيد الدین وساعده بوجه من الوجوه انتھی.
وليس فيه على أنها عهدية ما يقضي بكفره لأَن عصيانه كافٍ في فجوره، وقال الحافظ:

٢٦٣
غزوة خيبر
وفي رواية: فقال رسول الله عَّله عند ذلك: إن الرجل ليعمل بعمل أهل
الجنة ـ فيما يبدو للناس - وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار
- فيما يبدو للناس - وهو من أهل الجنة. الحديث.
الذي يظهر أن المراد بالفاجر أعم من أن يكون كافرًا أو فاسقًا ولا يعارضه قوله عَّ إِنا لا نستعين
بمشرك لأنه محمول على من كان يظهر الكفر أو هو منسوخ.
وفي الحديث أخباره عَّة بالمغيبات وذلك من معجزاته الظاهرة وفيه جواز أعلام الرجل
الصالح بفضيلة تكون فيه والجهر بها، (و) عنده أي البخاري أيضًا (في رواية) هنا وفي مواضع
من طرق عن سهل بن سعد أنه عَّة التقى هو والمشركون فاقتتلوا فمال إِلى عسكره ومال
الآخرون إِلى عسكرهم، وفي أصحابه رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه،
فقيل ما أجزى منا أحد اليوم كما أجزى فلان، فقال ◌َله: أما أنه من أهل النار، فقال رجل: من
القوم أنا صاحبه فخرج معه كلما وقفٍ وقف معه، وإِذا أسرع أسرع معه فجرح الرجل جرحا
شديدًا فاستعجل الموت فوضع سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه
فخرج الرجل إِلى رسول اللَّه عَ لّه، فقال: أشهد أنك رسول اللَّه، قال: وما ذاك؟، قال: الرجل الذي
ذكرت آنفًا أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك. فقلت: أنا لكم به فخرجت في طلبه. ثم جرح
جرحًا شديدًا فاستعجل الموت فوضع سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل
نفسه. (فقال رسول اللَّه ◌َم عند ذلك أن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة) من الطاعات (فيما
يبدو) يظهر (للناس وهو من أهل النار) فيدخلها، (وأن الرجل ليعمل بعمل) الباء فيهما زائدة
للتأكيد أو ضمن يعمل معنى يتلبس بعمل (أهل النار) من المعاصي (فيما يبدو للناس وهو من
أهل الجنة).
زاد الطبراني في حديث أكثم تدركه الشقاوة والسعادة عند خروج نفسه فيختم له بها،
وذكر في ذا الحديث أهل الخير والشر صرفًا إِلى الموت لا الذين خلطوا وماتوا مسلمين، فلم
يقصد تعميم أحوال المكلفين، بل أورده لبيان أن الاعتبار بالخاتمة، ختم اللَّه أعمالنا بالصالحات
منه و کرمه أنه علی ذلك قدیر.
قال النووي: فيه التحذير من الاغترار بالأعمال وأنه ينبغي للعبد أن لا يتكل عليها ولا يركن
إليها مخافة من انقلاب الحال للقدر السابق، وكذا ينبغي للعاصي أن لا يقنط ولغيره أن لا يقتطه
من رحمة اللَّه (الحديث) تتمته، وإنما الأعمال بالخواتيم.
هكذا رواه البخاري في كتاب القدر من صحيحه وبوب عليه العمل بالخواتيم.
ورواه في الجهاد والمغازي بطرق بإسقاط تتمته هذه، وقد صرح في حديث أبي هريرة

٢٦٤
غزوة خيبر
وقاتل النبي عٍَّ أهل خيبر، وقاتلوه أشد القتال، واستشهد من المسلمين
خمسة عشر، وقتل من اليهود ثلاثة وتسعون.
وفتحها الله عليه حصنًا حصنًا، وهي: النطاة، وحصن أصعب، وحصن ناعم،
السابق بما أبهمه في حديث سهل هذا من أن هذه القصة كانت بخيبر وهو ظاهر سياق المصنف
كظاهر سياق البخاري فإنه أورد في المغازي حديث سهل ثم عقبه بحديث أبي هريرة، ثم أورد
بعده حديث سهل بطريق آخر، وكذا في القدر فإِنه روى حديث أبي هريرة، ثم حديث سهل
لكن بين السياقين اختلاف فسياق أبي هريرة أن الرجل استخرج أسهمًا من كنانته فنحر بها نفسه
وأنه عليه السلام قال: لما أخبروه بقصته قم الخ.
وسياق سهل أنه اتكأ على سيفه حتى خرج من ظهره وأن المصطفى قال: حين أخبرته أن
الرجل الخ، ولذا جنح ابن التين إلى التعدد وأنهما قصتان متغايرتان في موطنين لرجلين.
.قال الحافظ: ويمكن الجمع وأنها قصة واحدة بأنه عليه السلام قال: أن الرجل الخ، وأمر
بالنداء بذلك وأنه نحر نفسه بأسهمه فلم تزهق روحه وأشرف على الموت فاتكأ على سيفه
استعجالاً له والله أعلم.
(وقائل النبي عَله أهل خيبر) نسب إليه القتال لأمره به وصدوره عن رأيه وتصرفه،
(وقاتلوه أشد القتال واستشهد من المسلمین خمسة عشر) رجلاً عند ابن سعد، وزاد عليه غيره،
وسردهم الشامي أربعًا وثلاثين فالله أعلم.
قال ابن إسحق: أخبرني عبد الله بن نجيح أنه ذكر له إِن الشهيد إذا أصيب نزلت زوجتاه
من الحور العين عليه تنفضان التراب عن وجهه وتقولان ترب اللّه وجه من تربك وقتل من قتلك،
(وقتل من اليهود ثلاثة وتسعون) بفوقية قبل السين لعنهم الله (وفتحها اللّه عليه حصنًا) نصب
على الحال (حصنًا) نصب تأكيدًا عند الزجاج، وصفة للأول عند ابن جنى وبالأول عند الفارسي،
لأنه لما وقع موقع الحال جاز عمله.
قال المرادي والمختار أنهما منصوبان بالعامل الأول لأن مجموعهما هو الحال ونظيره في
الخبر، هذا حلو حامض، (وهي النطاة) بنون فطاء مهملة بوزن حصاة (وحصن أصعب) بفتح
الصاد وإِسكان العين المهملتين وبالموحدة ابن معاذ.
قال ابن إسحق: حدثني عبد الله بن أبي بكر عمن حدثه عن بعض أسلم، والواقدي عن
معتب بشد الفوقية المكسورة الأسلمي أن بني سهم من أسلم أتوا رسول اللَّه مَّر، فقالوا: يا
رسول اللَّه لقدجهدنا وما بأيدينا من شىء فلم نجد عنده شيئًا، فقال: اللهم إنك قد عرفت حالهم
وأن ليست بهم قوة وأن ليس بيدي شىء أعطيهم إياه فافتح عليهم أعظم حصونها غنى وأكثرها

٢٦٥
غزوة خيبر
وحصن قلعة الزبير، والشق، وحصن أبي، وحصن البريء، والقموص والوطيح
والسلالم،
طعامًا وودكًا، فعدل الناس ففتح اللَّه عليهم حصن الصعب بن معاذ وما بخيبر حصن كان أكثر
طعامًا وودكًا منه (وحصن ناعم) بنون فألف فمهملة فميم.
قال ابن إسحق وهو أول حصونهم افتتح وعنده قتل محمود بن مسلمة ألقيت عليه رحى
منه. ثم ذكر بعد قليل أنه عليه السلام دفع كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق إِلى محمد بن مسلمة
فضرب عنقه بأخيه محمود، ففيه أن كنانة قتل محمودًا وذكر أبو عمر أن مرحبًا ألقى على
محمود رحى، فأصابت رأسه فهشمت البيضة رأسه وسقطت جلدة جبينه على وجهه، فأتى به
رسول اللَّه عّ لّ فرد الجلدة، فعادت كما كانت وعصبها بثوبه فمكث ثلاثة أيام ومات، فلعل
كنانة ومرحبًا دلياها عليه فنسب إِلى هذا مرة وإلى الآخر أخرى، (وحصن قلعة الزبير) بن العوام
الذي صار في سهمه بعد، وكان اسمه حصن قلة لكونه على رأس جبل، ثم مفاد عطف
المصنف ما ذكر على النطاة تبعًا لمغلطاي أن النطاة اسم لحصن مغاير لما بعده، والشامي جعل
النطاة اسمها لحصن ناعم، والصعب والزبير فإِن وفقت بينهما فقدر بعد وهي النطاة وحصونها
ثلاثة، (والشق) بفتح الشين المعجمة وكسرها.
قال البكري: والفتح أعرف عند أهل اللغة وبالقاف المشددة، ووقع بخط مغلطاي بزيادة
نون قبل القاف وفيه نظر وما أخاله إِلا تصحيفًا.
قاله البرهان في موضعين (و) يشتمل أيضًا على حصون كثيرة منها (حصن أبي).
قال الواقدي: وهو أول ما بدأ به من حصون الشق فتقاتلوا قتالاً شديداً، ثم تحامل
المسلمون على الحصن فدخلوه يقدمهم أبو دجانة، فوجدوا فيه أثاثًا ومتاعاً وغنمًا وطعامًا وهرب
من فيه من المقاتلة إلى حصن النزال بالشق فغلقوه وامتنعوا به أشد الامتناع، وزحف عَّهِ إِليهم
في أصحابه فقاتلهم فكانوا أشد أهل الشق رميًا بالنبل والحجارة، فأخذ عَّهِ كفّا من حصى
فحصب به حصنهم فرجف بهم، ثم ساخ في الأرض حتى جاء المسلمون فأخذوا أهله باليد.
(وحصن البريء) بفتح الموحدة وكسر الراء المخففة وبالمد. (والقموص) بفتح القاف وضم
الميم وسكون الواو، فصاد مهملة، وقيل بغين فضاد معجمتين وهو الذي فتحه علي، وهو أعظم
حصون الكتيبة بكاف مفتوحة ففوقية وقيل مثلثة مكسورة فتحتية ساكنة فموحدة، ويقال: بضم
الكاف ومنه سبيت صفية. (والوطيح) بفتح الواو وكسر الطاء فتحتية ساكنة فحاء مهملتين، كما
ضبطه ابن الأثير وغيره.
قال البرهان وسمعت من قرأه بإِعجام الخاء وهو تصحيف قال البكري سمي بالوطيح بن

٢٦٦
غزوة خيبر
وهو حصن بني أبي الحقيق.
وأخذ كنز آل أبي الحقيق الذي كان في مسك الحمار، وكانوا قد غيبوه
في خربة، فدل الله رسوله عليه فاستخرجه.
وقلع
مازن رجل من ثمود.
قال السهيلي: مأخوذ من الوطح وهو ما بالإِظلال ومخالب الطير، من الطين (والسلالم)
بضم السين المهملة وقيل بفتحها وكسر اللام قبل الميم، ويقال فيه السلاليم على ما تقدم أي
من ضم السين وفتحها قاله ابن الأثير: قال ابن إِسحق وكانا آخر حصونها افتتاحًا، (وهو حصن
بني أبي الحقيق) بحاء مهملة وقافين مصغر، (وأخذ كنز آل أبي الحقيق) المشتمل على
حلى وآنية وغيرهما، أي مالهم الذي غيبوه أضيف لهم لكونه في أيدي أكابرهم، وكانوا يعيرونه
العرب وإلا فهو مال بني النضير الذي حمله حيي بن أخطب لما أجلي عن المدينة (الذي كان
في مسك) بفتح الميم، وسكون السين المهملة جلد (الحمار) أولاً، فلما كثر جعلوه في مسك
ثور، ثم في مسك جمل كما قال الواقدي: ويحتمل أنهم ردوه إلى مسك الحمار لنفاد بعضه
وغيبوه به قيل وخص جلد الحمار لأن الأرض لا تأكله، (وكانوا قد غيبوه في خربة فدل اللّه
رسوله عليه،) فأخبره بموضعه كما عند البيهقي عن عروة. وروى ابن سعد، والبيهقي عن ابن عمر
أن أهل خيبر شرطوا له عَّدٍ أن لا يكتموه شيئًا فإِن فعلوا فلا ذمة لهم فأتى بكنانة والربيع، فقال:
ما فعل مسك حي الذي جاء به من بني النضير قالا: أذهبته الحروب والنفقات، فقال: العهد
قريب والمال أكثر من ذلك، وروى البيهقي، وابن سعد عن ابن عباس أنّه صَ لّ دعا بكنانة وأخيه
الربيع، وابن عمهما، فقال ابن آنيتكما التي كنتم تعيرونها أهل مكة قالا هربنا، فلم نزل تضعنا
أرض وترفعنا أخرى فذهب فأنفقنا كل شىء، فقال: إن كتمتماني شيئًا فاطلعت عليه استحللت
به دماءكما وذراريكما، فقالا: نعم فدعا رجلاً من الأنصار فقال: إِذهب إِلى نخل كذا، وكذا
فانظر نخلة مرفوعة فائتني بما فيها فجاءه بالآنية والأموال فقومت بعشرة آلاف دينار فضرب عنقها
وسبی أهليهما بالنکث الذي نکثاه (فاستخرجه).
وعند ابن إِسحق أن کنانة جحد أُن یکون یعلم مكانه وعند البلاذري فدفع آدم شعبة بن
عمرو إلى الزبير فمسه بعذاب، فقال: رأيت حييًا يطوف في خربة ففتشوها فوجدوا المسك فقتل
ابني أبي الحقيق، وعند ابن إسحق أنه أخرج من الخربة بعض كنزهم وسأل كنانة عما بقي فأبى
فأمر رسول اللَّه مَِّ الزبير، فقال له: عذبه حتى تستأصل ما عنده فكان الزبير يقدح بزند في
صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه المصطفى إلى محمد بن مسيلمة فقتله بأخيه (وقلع

٢٦٧
غزوة خيبر
علي باب خيبر، ولم يحركه سبعون رجلاً إلا بعد جهد.
وفي رواية ابن إسحق: سبعة، وأخرجه من طريق البيهقي في الدلائل، ورواه
الحاكم، وعنه البيهقي من جهة ليث بن أبي سليم عن أبي جعفر محمد بن
علي بن حسين عن جابر: أن عليًا حمل الباب يوم خيبر، وأنه جرب بعد ذلك فلم
يحمله أربعون رجلاً. وليث ضعيف.
على باب خيبر) الذي كان منصوبًا كما هو المتبادر منه.
ويوافقه الرواية الآتية اجتذب أحد أبواب الحصن وفي رواية ابن إِسلحق فتناول علي بابًا
عند الحصن فتترس به فهذا يشعر أنه لم يكن منصوبًا فيحتمل أنه لوما وصل قلع الباب وألقاه
بالأَرض فخرجوا إليه فتقاتلوا، فتناول ذلك الباب الذي اقتلعه وجعله ترسًا وقاتل والعلم عند اللَّه
(ولم يحركه سبعون رجلاً إلا بعد جهد) ففيه فرط قوته وكمال شجاعته رضي الله عنه.
(وفي رواية ابن إسحق) حدثني عبد الله بن حسن عن بعض أهله عن أبي رافع قال:
خرجنا مع علي حين بعثه عَّه برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم فضربه رجل
من يهود فطرح ترسه من يده، فتناول علي بابًا كان عند الحصن فترس به عن نفسه فلم يزل في
يده وهو يقاتل حتى فتح اللَّه عليه، ثم ألقاه من يده حين فرغ فلقد رأيتني في (سبعة) معي أنا
ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فلم نقلبه.
(وأخرجه من طريقه البيهقي في الدلائل) للنبوة إِشارة إِلى أن هذه القوة والشجاعة إنما هي
علامة النبوة من أرسله عَ لّ
(ورواه) الحديث من وجه آخر (الحاكم) محمد بن عبد اللَّه المشهور (وعنه) أخرجه
(البيهقي) فقال: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، ويقع في بعض النسخ الحاكم عن البيهقي من
تحريف الجهال جعلوا الشيخ تلميذًا مع أنه خلاف الواقع (من جهة) أي طريق (ليث بن أبي
سليم) أيمن، وقيل أنس وقيل غير ذلك ابن زنيم بزاي ونون مصغر صدوق اختلط جدًا ولم يتميز
حديثه. مات سنة ثمان وأربعين ومائة (عن أبي جعفر) لباقر (محمد بن علي بن الحسين) بن
علي بن أبي طالب الهاشمي، الثقة الفاضل، المتوفي سنة بضع عشرة ومائة، (عن جابر، أن عليا
حمل الباب يوم خيبر) حتى صعد عليه المسلمون فافتتحوها هذا أسقطه المصنف من الرواية
المذكورة قبل قوله (وأنه جرب) بضم الجيم وشد الراء وفتح الموحدة، أي أريد اختباره ليستدل
به على كمال شجاعته. (بعد ذلك فلم يحمله أربعونٍ رجلاً،) قال الحافظ: والجمع بينهما أن
السبعة عالجوا قلبه والأربعين عالجوا حمله والفرق بين الأمرين ظاهر، ولو لم يكن إلا باختلاف حال
الأبطال. (وليت ضعيف) والراوي عنه شيعي، وكذا من دونه لكن لمن دونه متابع ذكره البيهقي.

٢٦٨
غزوة خيبر
وفي رواية البيهقي: أن عليًا لما انتهى إلى الحصن اجتذب أحد أبوابه
فألقاه بالأرض، فاجتمع عليه بعده منا سبعون رجلاً فكان جهدهم أن أعادوا الباب
مكانه.
قال شيخنا: وكلها واهية، ولذا أنكره بعض العلماء. انتهى.
وفي البخاري: وتزوج عليه الصلاة والسلام بصفية بنت حيي بن أخطب،
وكان قد قتل زوجها كنانة بن الربيع بن أبي التحقيق، وكانت عروسًا،
(وفي رواية البيهقي) أيضًا من جهة حرام بن عثمن عن أبي عتيق وأبي الزبير عن جابر
(أن عليًا لما انتهى إلى الحصن) المسمى القموص، وكان من أعظم حصونهم كما في الفتح
وهو المعبر عنه بخيبر في الحديث، الذي فوقه لكونه من أعظمها (اجتذب أحد أبوابه، فألقاه
بالأرض، فاجتمع عليه بعده منا سبعون رجلاً) لا يعارض رواية أربعين، لأنهم عالجوا حمله فما
قدروا فتكاملوا سبعين، (فكان جهدهم) بالنصب خبر كان أي غاية وسعهم وطاقتهم واسمها (أن
أعادوا الباب) أي إعادة الباب (مكانه).
(قال شيخنا): زاد في نسخة السخاوي أي في المقاصد الحسنة (وكلها) أي الأحاديث
الثلاثة المذكورة (واهية) أي شديدة الضعف، (ولذا أنكره بعض العلماء) كالحافظ الذهبي فإِنه
بعد ان ذ کر روایة الأربعین. قال: هذا منکر (انتهى).
والمنكر من قسم الضعيف، (وفي البخاري) عن أنس (وتزوج عليه الصلاة والسلام
بصفية بنت حيي بن أخطب) بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة، وفتح الطاء المهملة، آخره
موحدة ابن سعية بفتح المهملة وسكون العين المهملة فتحتية مفتوحة ابن عامر بن عبيد بن كعب
من سبط لأوي بن يعقوب، ثم من ذرية هاون أخي موسى عليهما السلام وأمها ضرة بفتح الضاد
المعجمة بنت سموال بني قريظة وكانت تحت سلام بن شكم القرظي، ثم فارقها فتزوجها كنانة
النضيري فقتل عنها يوم خيبر.
ذكره ابن سعد وأسند بعضه من وجه مرسل، (وكان قد قتل زوجها كنانة بن الربيع بن
أبي الحقيق) من بني النضير، وكان سبب قتله ما أخرجه البيهقي برجال ثقات.
عن ابن عمر أن النبي معَّ لما نزل من نزل من أهل خيبر على أن لا يكتموه شيئًا من
أموالهم فإِ، فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، قال: فغيبوا مسكًا فيه مال وحلى لحيي بن أخطب كان
احتمله معه إلى خيبر فسئلوا عنه، فقالوا: أذهبته النفقات، فقال: العهد قريب والمال أكثر من
ذلك، قال: فوجد بعد ذلك في خربة فقتل عٌَّ ابني أبي الحقيق وأحدهما زوج صفية (وكانت
عروسًا) . .

٢٦٩
غزوة خيبر
فذكر له جمالها، فاصطفاها لنفسه فخرج بها حتى بلغت سد الصهباء حلت له -
يعني طهرت من الحيض - فبنى بها عليه الصلاة والسلام فصنع حيسًا في نطع
قال الخليل رجل عروس في جرال عرس وامرأة عروس في نساء عرائس، قال: والعروس
نعت يستوي فيه الرجل والمرأة ما داما في تعريسهما أيامًا.
قال العيني: وما اشتهر على ألسنة العوام أن الذكر عريس والأنثى عروسة لا أصل له لغة
(فذكر له جمالها،) وفي رواية للبخاري أيضًا، فجاء رجل فقال: يا نبي اللَّه أعطيت دحية صفية
بنت حيي سيدة قريظة والنضير؟، لا تصلح إلا لك.
قال الحافظ: لم أقف على اسم الرجل (فاصطفاها) اختارها (لنفسه).
روى أبو داود وأحمد، وصححه ابن حبان، والحاكم عن عائشة. قالت: كانت صفية من
الصفي وهو بفتح المهملة وكسر الفاء وشد التحتية فسره ابن سيرين عند أبي داود بسند صحيح
عنه، قال: كان يضرب للنبي عَّه بسهم مع المسلمين والصفي يؤخذ له رأس من الخمس، قبل
كل شىء، وعنده عن الشعبي كان له عَّه سهم يدعى الصفي إن شاء عبدًا وإن شاء أمة وإِن
شاء فرسًا يختاره من الخمس، وعنده عن قتادة كان عَّةٍ إِذا غزا كان له سهم صاف يأخذه من
حيث شاء وكانت صفية من ذلك السهم، وقيل كان اسمها قبل السبي زينب فلما صارت من
الصفي سميت صفية، (فخرج بها حتى بلغت) رواية أبي ذر أي وصلت صفية ولغيره حتى بلغ
(سد) بفتح المهملة وضمها (الصهباء) بفتح الصاد المهملة وسكون الهاء وبالموحدة والمد
موضع أسفل خيبر، وفي رواية سد الروحاء. قال الحافظ: والأول أصوب والروحاء بالمهملة مكان
قرب المدينة بينهما نيف وثلاثون ميلاً من جهة مكة وقيل بقرب المدينة مكان آخر يقال له:
الروحاء وعلى التقديرين فليست قرب خيبر، فالصواب ما اتفق عليه الجماعة أنها الصهباء وهي
علی برید من خیبر. قاله ابن سعد وغيره.
(حلت له) قال المصنف: (يعني طهرت من الحيض) فصارت بذلك حلاله وعند ابن سعد
وأصله في مسلم. قال أنس: ودفعها إلى أمي أم سليم حتى تهيئها وتصنعها وتعتد عندها. قال
الحافظ: وإطلاق العدة عليها مجاز عن الاستبراء (فبنى بها) دخل عليها( عليه الصلاة والسلام
فصنع،) وفي رواية: ثم صنع (حيًا) بحاء مهملة مفتوحة فتحتية ساكنة فسين مهملة، أي تمرًا
مخلوطًا بسمن وأقط قال الشاعر:
التمر والسمن جميعًا والأقط الحيس إِلاَّ أنه لم يختلط
(في نطع) بكسر النون وفتح الطاء المهملة، وعليها اقتصر ثعلب في فصيحه، وكذا في
الفرع وغيره من الأصول، ويجوز فتح النون وسكون الطاء وفتحهما وكسر النون وسكون الطاء،
وقال الزركشي: فيه سبع لغات وجمعه أنطاع ونطوع قاله المصنف: في الصلاة ولكون الرواية

٢٧٠
غزوة خيبر
صغير، ثم قال لأنس: آذن من حولك، فكانت تلك وليمته على صفية. قال أنس:
ثم خرجنا إلى المدينة فرأيت النبي عَ ل يحوي لها وراءه بعباءة. ثم يجلس عند
بعيره فيضع ر کبته وتضع صفية رجلها علی ر کبته حتی ترکب.
وفي رواية له: فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه؟
قالوا إن حجبها فهي إحدى أمهات
بالأَول اقتصر عليه المصنف هنا (صغير، ثم قال: لانس آذن) بمد الهمزة وكسر المعجمة أعلم
(من حولك).
وفي رواية للبخاري فدعوت المسلمين إِلى وليمته وما كان فيها من خبز ولا لحم، وما
كان فيها إلا أن أمر بلالاً بالأنطاع، فبسطت فألقى عليها التمر والأقط، والسمن. وفي رواية له
أيضًا فأصبح عَّلِّ عروسًا. فقال: من كان عنده شىء فليجىء به، وبسط نطعًا، فجعل الرجل
يجيء بالتمر والرجل يجيء بالسمن والرجل بالسويق، فحاسوا حيسًا (فكانت تلك) الحيسة، وقال
الكرماني فكانت أي الثلاثة المصنوعة أو أنث باعتبار الخبر، كما ذكر في قوله تعالى، قال:
﴿هذا ربي﴾، (وليمته) وفي رواية وليمة (على صفية)) ورواية الأنطاع بالجمع لا تعارض
رواية الأفراد لآنه بسط أولاً فلما كثر الطعام من الجائين به بسطت الأنطاع وفيه مشروعية
الوليمة، وأنها بعد البناء وحصولها بغير لحم ومساعدة الأصحاب بطعام من عندهم.
وروى ابن سعد عنها أنها قالت ما بلغت سبع عشرة سنة يوم دخلت على رسول اللَّه عَّ فه
(قال أنس: ثم خرجنا إلى المدينة فرأيت النبي عَّ يحوّي) بضم أوله وفتح المهملة وشد الواو
المكسورة، أي: يجعل (لها) حوية وهي كساء محشوة تدار حول الراكب (وراءه بعباءة، ثم
يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رجلها علی ر کبته حتی ترکب).
وفي مغازي أبي الأسود عن عروة فوضع عَّه لها فخذه لتركب فأجلته أن تضع رجلها
على فخذه فوضعت ركبتها على فخذه وركبت وفيه مزيد تواضعه وحسن خلقه ومزيد عقلها
وكمال فضلها، وروي أنها قالت ما رأيت أحدًا قط أحسن خلقًا من النبي ◌َِّ لقد رأيته ركب
بي من خيبر على عجز ناقته ليلاً فجعلت أنعس فيضرب رأسي مؤخر الرجل فيمسني بيده،
ويقول: يا هذه مهلاً حتى إذا جاء الصهباء، قال: أما أني أعتذر إليك مما صنعت بقومك أنهم
قالوا لي: كذا، وكذا ذكره في الروض.
(وفي رواية له) أي للبخاري أيضًا: عن أنس (فقال المسلمون) هل هي (إحدى أمهات
المؤمنين) الحرائر، (أو ما ملكت يمينه) فليست إِحدى أمهاتهم، ففيه أن سراريه لا يتصفن بذلك
وهو ظاهر قوله تعالى وأزواجه أمهاتهم، (قالوا) ولأبي ذر فقالوا: (إن حجبها فهي إحدى أمهات

٢٧١
غزوة خيبر
المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه، فلما ارتحل وطأ لها ومد
الحجاب.
وفي رواية أنه عَّةِ قتل المقاتلة وسبى الذرية، وكان في السبي صفية
فصارت إلى دحية الكلبي ثم صارت إلى النبي عَّه فجعل عتقها صداقها.
المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه،) لأَن ضرب الحجاب إنما هو على الحراثر
لا على ملك اليمين، (فلما ارتحل) أي أراد الرحيل بعدما أقام ثلاثة أيام حتى أعرس بها، كما
قاله أنس في البخاري.
قال الحافظ المراد أنه أقام في المنزل الذي أعرس بها فيه ثلاثة أيام لا أنه سار ثلاثة أيام
ثم أعرس، لأَن بين الصهیاء الذي بنى بها فيه وبين خيبر ستة أميال، ثم لا معارضة بين قوله ثلاثة
أيام، وقوله في الرواية التي بعدها أقام ثلاثة ليال بيني عليه بصفية، لأنه بين أنها ثلاثة أيام بلياليها
(وطأ) أي أصلح (لها) ما تحتها للركوب (ومد الحجاب،) فعلموا أنها من أمهات المؤمنين.
(وفي رواية) للبخاري أيضًا: عن أنسٍ (أنه مَّ قتل المقاتلة) بكسر التاء أي الرجال
(وسبى الذرية وكان في السبي صفية) الأكثر أنه اسمها الأصلي، وقيل زينب وسميت بعد
السبي والاصطفاء صفية (فصارت إِلى دحية الكلبي،) وللبخاري أيضًا عن أنس فجاء دحية،
فقال: أعطني يا رسول اللَّه جارية من السبي، قال: إِذهب فخذ جارية فأخذ صفية فجاء رجل،
فقال: يا رسول اللَّه أعطيت دحية صفية سيدة قريظة والنضير لا تصلح إلا لك قال: أدعوه بها
فجاء بها فلما نظر إِليها عَّهِ، قال: ((خذ جارية من السبي غيرها))، (ثم صارت إلى النبي عـ
فتزوجها (فجعل عتقها صداقها) أي جعل نفس العتق صداقاً، ففي الصحيح أن ثابتاً قال لأنس ما
أُمهرها قال: أُمهرها نفسها.
وروى أبو الشيخ، والطبراني عن صفية أعتقني عَّه وجعل عتقي صداقي، أو أعتقها بلا
عوض وتزوجها بلا مهر، لا حالاً ولا مآلاً، فحل العتق محل الصداق وإِن لم يكن صداقاً.
كقولهم: الجوع زاد من لا زاد له، وصححه ابن الصلاح، وتبعه النووي في الروضة أو أعتقها
بشرط أن ينكحها بلا مهر، فلزمها الوفاء أو أعتقها بلا عوض ولا شرط، ثم تزوجها برضاها من
غير صداق.
وعزاه النووي في شرح مسلم للمحققين وصححه والكل من خصائصه عند الجمهور،
وذهب أحمد في طائفة إِلى جوازه حتى لو طلقها قبل البناء رجع عليها بنصف قيمتها، ويأتي
إِن شاء اللَّه تعالى بسط هذا في الخصائص.

٢٧٢
غزوة خيبر
وفي رواية: فأعتقها وتزوجها.
وفي رواية: قال عَّه لدحية: خذ جارية من السبي غيرها.
وفي رواية لمسلم: أنه مُُّ اشترى صفية منه بسبعة أرؤس.
وإطلاق الشراء على ذلك، على سبيل المجاز، وليس في قوله سبعة أرؤس
ما ينافي قوله في رواية البخاري: خذ جارية من السبي غيرها، إذ ليس هنا دلالة
على نفي الزيادة والله أعلم.
وإنما أخذ ◌َُّ صفية لأنها بنت ملك من ملوكهم،
(وفي رواية) للبخاري أيضًا (فأعتقها وتزوجها، وفي رواية) له أيضًا (قال ◌َِّ لدحية خذ
جارية من السبي غيرها) وعند ابن إسحق أنها سبيت وسبي معها بنت عم لها وعند غيره بنت عم
زوجها، فلما استرجع عَّ له صفية من دحية أعطاه بنت عمها.
قال السهيلي: لا معارضة بين هذه الأخبار فإِنه أخذها منه قبل القسم والذي عوضه عنها
ليس على سبيل البيع بل على سبيل النفل والهبة، غير أن بعض رواة الحديث في الصحيح،
يقولون أنه اشتراها منه وكلهم يزيد في ذلك بعد القسم انتهى.
(و) تعقبه الحافظ بأن (في رواية لمسلم) عن أنس أن صفية وقعت في سهم دحية،
و (أنه عَ ل اشترى صفية منه بسبعة أرؤس،) وعند ابن سعد وأصله في مسلم صارت صفية
لدحية، فجعلوا يمدحونها فبعث علَُّ فأعطي بها دحية ما رضي، قال: فالأولى في طريق الجمع
أن المراد بسهمه نصيبه الذي اختاره لنفسه لما أذنه في أخذ جارية، (وإطلاق الشراء على ذلك)
العوض (على سبيل المجاز) لأنه لم يملكها إِذ أذنه في أخذ مطلق جارية لم يرد به مثل هذه،
(وليس في قوله سبعة أرؤس ما ينافي قوله في رواية البخاري خذ جارية من السبي غيرها إِذ
ليس هنا دلالة على نفي الزيادة).
قال الحافظ ولعله لما عوضه عنها بنت عمها أو بنت عم زوجها لم تطب نفسه فأعطاه
من جملة السبي زيادة على ذلك، وذكر الشافعي في الأم عن سير الواقدي أنه عَ اله طيب خاطره
لما استرجع منه صفية فأعطاه أخت زوجها وفي الروض أعطاه ابنتي عمها (واللّه أعلم) بالواقع،
(وإِنما أخذ مَّ صفية، لأنها بنت ملك من ملوكهم،) فقد كان أبوها سيد بني النضير والملك
يطلق على ذي السيادة والعظمة، كما في قوله وجعلكم ملوكًا أي أصحاب حشم وخدم.
قال الحافظ: ولد صفية مائة نبي ومائة ملك، ثم صيرها اللَّه لنبيه انتهى، يعني أن في
أصولها ذلك. والظاهر أنه من جهة الآباء والأمهات، كما قيل به في قول ابن الكلبي كتبت

٢٧٣
غزوة خيبر
وليست ممن توهب لدحية لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية وفوقه، وقلة من
كان في السبي مثل صفية في نفاستها، فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم،
فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه، واختصاصه عليه الصلاة والسلام بها، فإن
في ذلك رضا الجميع، وليس ذلك من الرجوع في الهبة في شىء. انتهى.
وقال مغلطاي وغيره: وكانت صفية قبل رأت أن القمر سقط في حجرها،
فتؤول بذلك.
للنبي عَّ له خمسمائة أم فما وجدت فيهن سفاحًا، (وليست ممن توهب لدحية لكثرة من كان
في الصحابة مثل دحية وفوقه وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها) نسبًا وجمالاً،
فقد قالت أم سنان: الأسلمية كانت صفية من أضوا ما يكون من النساء.
رواه ابن سعد، (فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم، فكان من المصلحة العامة
ارتجاعها منه واختصاصه عليه الصلاة والسلام بها، فإِن في ذلك رضا الجميع) رضي اللَّه
عنهم، (وليس ذلك من الرجوع في الهبة في شىء) بناءً على أنه قبل القسم فلم يوجد فيها
ملك حتى تنبني عليه الهبة (انتهى).
هذا المبحث وأخذه من الفتح بتقديم وتأخير، (وقال مغلطاي وغيره وكانت صفية قبل
رأت أن القمر سقط في حجرها فتؤول بذلك.) قال ابن إسحق في رواية يونس حدثني أبي
إسحق بن يسار، قال: لما افتتح عَّ القموص حصن بني أبي الحقيق أتى بلال بصفية وابنة
عمها، فمر بهما على قتلى يهود فصكت المرأة التي مع صفية وجهها وصاحت وحثت التراب
على رأسها، فقال عَّ: أعزبوا هذه الشيطانة عني وجعل صفية خلفه، وغطى عليها ثوبه فعرف
الناس أنه اصطفاها لنفسه، وقال لبلال: أنزعت الرحمة من قلبك حين تمر بالمرأتين على قتلاهما؟،
وكانت صفية رأت قبل ذلك أن القمر وقع في حجرها، فذكرتٍ ذلك لأبيها فلطم وجهها وقال:
إنك لتمدين عنقك إلى أن تكوني عند ملك العرب فلم يزل الأثر في وجهها حتى أتى بها معَّهـ
فسألها عنه، فأخبرته.
وأخرج ابن أبي عاصم عن أبي برزة لما نزل عَّه خيبر كانت صفية عروسًا فرأت في
المنام أن الشمس نزلت حتى وقعت في صدرها فقصت ذلك على زوجها، فقال: ما تمنين إِلا
هذا الملك الذي نزل بنا.
وأخرج أبو حاتم، وابن حبان، والطبراني عن ابن عمر رأى عَلَهُ بعين صفية خضرة، فقال:
ما هذه؟، فقالت: كان رأسي في حجر ابن أبي الحقيق وأنا نائمة فرأيت قمرًا وقع في حجري،
فأخبرته بذلك فلطمني، وقال: تمنين ملك يثرب ولا يتوهم تعارض بين هذه الأخبار فالأثر الذي

٢٧٤
غزوة خيبر
قال الحاكم: وكذا جرى لجويرية.
وفي هذه الغزوة حرم النبي عَّه لحوم الحمر الأهلية. كما في البخاري
ولفظه: فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم - يعني خيبر - أوقدوا نيرانًا
كثيرة، فقال النبي عَّله: ما هذه النيران، على أي شىء توقدون؟ قالوا: على لحم،
قال على أي لحم؟ قالوا: لحم
في وجهها من أبيها غير الخضرة التي بعينها من لطم ابن أبي الحقيق، ورأت الشمس وقعت في
صدرها والقمر في حجرها فقصتهما معًا عليه قال أبو عمر: كانت صفية عاقلة جليلة فاضلة روينا
أن جارية لها قالت لعمر: إِن صفية تحب السبت وتصل اليهود فبعث فسألها فقالت: أما السبت
فلم أحبه منذ أبدلني اللَّه به الجمعة، وأما اليهود فإِن لي فيهم رحمًا فأنا أصلهم. ثم قالت
للجارية: ما حملك على هذا؟، قالت: الشيطان، قالت: إِذهبي فأنت حرة.
وروى الترمذي عنها أنه بلغها عن عائشة وحفصة أنهما قالتا: نحن أكرم على
رسول اللَّه عٍَّ من صفية نحن أزواجه وبنات عمه فدخل عليها مَِّ فأخبرته، فقال: ألا قلت
و کیف تكونان خيرًا مني وزوجي محمد وأبي هرون وعمي موسی، وأخرج ابن سعد بسند حسن
عن زيد بن أسلم قال: اجتمع نساؤه عَّه في مرضه الذي توفي فيه، فقالت صفية: إني والله يا
نبي اللَّه لوددت أن الذي بك بي فغمز بها أزواجه فأبصرهن، فقال: مضمضن فقلن: من أي شىء
فقال: من تغامزكن بها واللّه أنها الصادقة ويأتي مزيد لذلك في الزوجات إِن شاء اللَّه تعالى.
(قال الحاكم: وكذا جرى لجويرية) بنت الحرث أم المؤمنين المصطلقية، أنها قالت:
رأيت قبل قدومه عليه بثلاث ليالٍ كأن القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري، فكرهت أن
أخبر أحدًا من الناس، فلما سبينا رجوت الرؤيا، كما تقدم في تلك الغزوة، (وفي هذه الغزوة
حرم النبي ◌َّ لحوم الحمر) بضمتين جمع حمار (الأهلية) أي أظهر تحريمها ونسب إليه
لظهوره على يديه، وإلا فالمحرم حقيقة هو اللَّه (كما في البخاري، ولفظه) في حديث سلمة بن
الأکوع الذي قدم المصنف أوله عقب قوله لولا أمتعتنا به، فأتینا خیبر فحاصرناهم حتى أصابتنا
مخمصة شديدة، ثم إِن اللَّه تعالى فتحها عليهمٍ (فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت
عليهم) قال المصنف (يعني خيبر) أي غالبها، لأن ذلك قبل فتح الوطيح والسلالم (أوقدوا نيرانًا
كثيرة فقال النبي عَلِّ: ما هذه النيران؟، على أي شىء توقدون؟، قالوا: على لحم قال: على
أي لحم) أي على أي أنواع اللحوم توقدونها، (قالوا: لحم) بالجر في الفرع ولأبي ذر بالرفع
خبر مبتدأ محذوف أي هو ويجوز النصب ينزع الخافض، أي: على قاله المصنف ففاده أن

٢٧٥
غزوة خيبر
الحمر الإنسية، فقال النبي عَّةٍ: أهريقوها واكسروها. فقال رجل: يا رسول الله، أو
نهريقها ونغسلها، قال: أو ذاك.
والمشهور في الإنسية: كسر الهمزة، منسوبة إلى الإنس، وهم بنو آدم.
وحكي: ضم الهمزة، ضد الوحشية، ويجوز فتحها والنون أيضًا، مصدر أنست به،
آنس أنسًا وأنسة.
وفي رواية: نهى يوم خيبر عن أكل الثوم، وعن لحوم الحمر الأهلية.
وفي رواية: نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية
الرواية بالجر والرفع والثالث مجرد تجويز فتسمع من قال جوز المصنف الأوجه الثلاثة (الحمر
الإنسية) صفة حمر وكانت الحرم التي ذبحوها عشرين أو ثلاثين كذا ..
رواه الواقدي بالشك، (فقال النبي ◌َّة: أهريقوها) بهمزة مفتوحة وسكون الهاء ولأبي ذر
وابن عساكر هريقوها والهاء زائدة (وأكسروها) أي القدور، (فقال رجل:) قال الحافظ في المقدمة
لم يسم، ويحتمل أن يكون هو عمر (يا رسول اللَّه أو) بسكون الواو (نهريقها) بضم النون، كما
ضبطه المصنف وزعم أن القياس فتحه رده شيخنا، (ونغسلها قال: أو) بسكون الواو (ذاك) أي
الإِراقة والغسل وبقية حديث سلمة، فلما تصاف القوم إلى آخر ما قدمه المصنف (والمشهور
في الإِنسية كسر الهمزة منسوبة إلى الإنس وهم بنو آدم، وحكى ضم الهمزة ضد الوحشية)
لتأنسها بيني آدم (ويجوز فتحها و) فتح (النون أيضًا).
وفي المقدمة قاله ابن أبي أويس بفتحتين ولأنس بالفتح الناس (مصدر أنست به) مثلث
النون كما في القاموس ..
واقتصر الجوهري على كسرها (آنس أنسًا) بفتحتين من باب طرب، كما في المختار
وقول المصباح من باب علم مراده الفعل لا المصدر (وأنسة) بفتحتين.
(وفي رواية) للبخاري عن ابن عمر أن رسول اللَّه عَ لـ (نهى يوم خيبر عن أكل الثوم) نهي
تنزيه لنتن ريحه وتحريمه من الخصائص النبوية، (وعن لحوم الجمر) ولأبي ذر حمر (الأهلية)
نهي تحريم، وفيه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه لأن أكل الثوم مكروه والحمر حرام، وقد
جمع بينهما بلفظ النهي فاستعمله في حقيقته وهو التحريم ومجازه وهو الكراهة.
(وفي رواية) للبخاري، ومسلم وغيرهما عن جابر (نهى) عَته (يوم خيبر عن لحوم الحمر
الأهلية،) وفي البخاري عن أنس أنه عَّ جاءه جاء فقال: أكلت الحمر فسكت ثم أتاه الثانية،
فقال: أكلت الحرم فسكت، ثم أتاه الثالثة، فقال: أفنيت الحمر فأمر مناديًا فنادى في الناس أن

٢٧٦
غزوة خيبر
ورخص في الخيل.
قال ابن أبي أوفى: فتحدثنا أنه إنما نهى عنها لأنها لم تخمس، وقال
بعضهم: نهى عنها ألبتة لأنها كانت تأكل العذرة.
قال العلماء: وإنما أمر بإراقتها لأنها نجسة محرمة، وقيل: إنما نهى عنها
للحاجة إليها، وقيل: لأخذها قبل القسمة، وهذان التأويلان للقائلين بإباحة لحومها.
والصواب
اللّه ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فأكفئت القدور أنها لتفور.
. قال الحافظ: والجائي لم أعرف اسمه والمنادي أبو طلحة (ورخص في) أكل لحوم
(الخيل،) وروى البخاري أيضًا عن ابن أبي أوفى أصابتنا مجاعة يوم خيبر فإِن القدور لتغلي
وبعضها نضجت فجاء منادي النبي عٍَّ لا تأكلوا من لحوم الحرم شيئًا وأهريقوها، (قال ابن أبي
أوفى) عبد اللَّه راوي الحديث، (فتحدثنا) معشر الصحابة (أنه) عليه السلام (إنما نهى عنها لأنها
لا تخمس) أي لم يؤخذ منها الخمس، واستبعده شيخنا بالأمر بغسل القدور فإِن عدم التخميس
إنما يقتضي المنع لحق الغير لا لنجاستها؛ (وقال بعضهم) أي الصحابة كما صرح به في رواية
أخرى (نهى عنها البتة) أي تحريمًا لا لذلك السبب بل قصد تحريمها خمست أم لا كسائر الأعيان
النجسة.
قال الحافظ: معناه القطع وألفها ألف وصل، وجزم الكرماني بأنها ألف قطع على غير
قياس، ولم أرّ ما قاله في كلام أحد من أهل اللغة قال الجوهري: الانبتات الانقطاع ورجل منبت
منقطع به ولا أفعله بتة ولا أفعله البتة لكل أمر لا رجعة فيه ونصبه على المصدر ورأيته في النسخ
المعتمدة بألف وصل انتهى، (لأنها كانت تأكل العذرة) قال المصنف الذال معجمة أي النجاسة،
لأن التبسط قبل القسمة في المأكولات بقدر الكفاية حلال، وأكل العذرة موجب للكراهة
لا للتحريم.
قال الحافظ: والحاصل إِن الصحابة اختلفوا في علة النهي عن لحم الحمر هل هو لذاتها
أو لعارض، وقد (قال العلماء) أي جمهورهم (وإنما أمر بإراقتها لأنها نجسة محرمة وقيل إِنما
نهي عنها للحاجة إليها،) أي كثرة احتياج الناس إليها مع قلتها بالنسبة للإِبل ونحوها، (وقيل
لأخذها قبلٍ القسمة) وكان هذا حكاية قول بعض أصحاب المذاهب فلا يتكرر مع قوله أولاً عن
الصحابة، لأنها لم تخمس (وهذان التأويلان للقائلين بإباحة لحومها) وهم قليل جدًا، حتى قيل
إنما رويت الرخصة فيه عن ابن عباس، وحكى ابن عبد البرّ الإجماع الآن على تحريمها (والصواب

٢٧٧
غزوة خيبر
ما قدمناه.
وأما قوله مَّةٍ: ((اكسروها)) فقال رجل: أو نهريقها ونغسلها قال: أو ذاك.
فهذا محمول على أنه عَّ اجتهد في ذلك فرأى كسرها ثم تغير اجتهاده،
أو أوحي إليه بغسلها.
وأما لحوم الخيل فاختلف العلماء في إباحتها:
فذهب الشافعي والجمهور من السلف والخلف: إلى أنه مباح لا كراهة فيه،
وبه قال عبد الله بن الزبير وأنس بن لملك وأسماء بنت أبي بكر. وفي صحيح مسلم
عنها قالت: نحرنا فرسًا
ما قدمناه) من قوله، لأَنها نجسة محرمة.
قال المصنف: ولا امتناع في تعدد العلل الشرعية على المرجع عند الأصوليين، نعم
التعليل بكونها لم تخمس فيه نظر، لأن أكل الطعام والعلف من الغنيمة قبل القسمة جائز لا سيما
في المجاعة انتهى.
(وأما قوله عَّ: إِكسروها فقال رجل: أو نهريقها ونغسلها؟، قال: أو ذاك فهذا محمول
على أنه معَّ اجتهد في ذلك فرأى كسرها، ثم تغير اجتهاده) فظهر له من حيث الدليل، أنه
لا يتعين الكسر بل يمنع، لأنه إضاعة مال، (أو أوحى إليه بغسلها) تقريرًا لاجتهاده الثاني، فلم
يتعين كون الواو بمعنى أو وليست في قوله أو ذاك للتخيير حتى يشكل على المقرر في الفروع
من حرمة الكسر للإِضاعة بل للإضراب، كقوله أو يزيدون (وأما لحوم الخيل فاختلف العلماء
في إِباحتها) وحرمتها وكراهتها، (فذهب الشافعي والجمهور من السلف والخلف إلى أنه مباح
لا كراهة فيه) صفة لازمة أن أريد بالمباح المستوي الطرفين.
ذكرت تصريحًا بخلاف قائل الحرمة والكراهة ومخصصة إِن أريد به مقابل الحرام، (وبه
قال عبد الله بن الزبير، وأنس بن ملك وأسماء بنت أبي بكر) ذكرهم تقوية للقول بالإباحة وإِن
شملهم قوله من السلف والخلف، (وفي صحيح مسلم) لا وجه للقصر عليه، فقد رواه البخاري
أيضًا (عنها) أي أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين، (قالت: نحرنا) ضمير الفاعل عائد على
مباشر النحر منهم وإنما أتى بضمير الجمع لكونه عن رضاهم، وللبخاري في رواية ذبحنا (فرسًا)
والاختلاف على هشام فلعله كان يرويه تارة نحرنا وتارة ذبحنا، وهو يشعر باستواء اللفظين في
المعنى وإِطلاق كل منهما على الآخر مجازًا، وبعضهم حمله على التعدد لتغاير النحر والذبح

٢٧٨
غزوة خيبر
على عهد رسول الله عَّله فأكلناه ونحن بالمدينة، وفي رواية الدارقطني: فأكلناه
نحن وآل بيت النبي عَّه ..
قال في فتح الباري: ويستفاد من قولها: ((ونحن بالمدينة)) أن ذلك بعد
فرض الجهاد، فيرد على من استند إلى منع أكلها لعلة أنها من آلات الجهاد.
ومن قولها: ((وأهل بيت النبي عَّلام)) الرد على من زعم أنه ليس فيه أن
النبي عَّهِ اطلع على ذلك، مع أن ذلك لو لم يرد لم يظن بآل أبي بكر أنهم
يقدمون على فعل شيء في زمنه عٍَّ إلا وعندهم العلم بجوازه لشدة اختلاطهم به عَّة.
وعدم مفارقتهم له، هذا مع توفر داعية الصحابة إلى سؤال عليه السلام عن الأحكام.
ومن ثم كان الراجح أن الصحابي إذا قال: كنا نفعل كذا على عهده عَ ليه
كان له حكم الرفع، لأن الظاهر اطلاعه عَ لّه على ذلك وتقريره، وإذا كان ذلك في
مطلق الصحابي فكيف بآل أبي بكر.
(علی عهد رسول اللّه مێےہ) أي في زمنه المعهود (فأکلناه) أي الفرس يذكر ويؤنث (ونحن
بالمدينة).
(وفي رواية الدارقطني فأكلناه نحن وآل بيت النبي عَّه قال: في فتح الباري) في كتاب
الذبائح، (ويستفاد من قولها ونحن بالمدينة أن ذلك وقع بعد فرض الجهاد، فيرد على من
استند إلى منع) تحريم (أكلها لعلة أنها من آلات الجهاد).
(ومن قولها نحن وأهل بيت النبي عَّرِ الرد على من زعم أنه ليس فيه،) أي الحديث
(أن النبي ◌َّ اطلع على ذلك، مع أن ذلك لو لم يرد) بفتح فكسر مبني للفاعل من الورود
(لم يظن بآل أبي بكر أنهم يقدمون على فعل شىء في زمنه عَّدٍ، إِلا وعندهم العلم بجوازه
لشدة اختلاطهم به عَّ وعدم مفارقتهم له،) وليت شعري ما المانع أنهم قدموا على ذلك هم
وآل البيت باجتهاد على الراجح من جواز الاجتهاد في العصر النبوي، فليس بصريح في رد من
قال أنه لم يطلع عليه المصطفى (هذا) المذكور من أنهم لا يفعلون إلا ما علموا جوازه (مع توفر
داعية الصحابة إلى سؤال عليه السلام عن الأحكام. ومن ثم كان الراجح أن الصحابي إذا قال:
كنا نفعل كذا على عهده عليه الصلاة والسلام كان له حكم الرفع، لأن الظاهر اطلاعه
على ذلك وتقريره، وإذا كان ذلك في مطلق الصحابي فكيف بآل أبي بكر).
لكن ذلك كله لا يمنع كونه باجتهادهم خصوصًا وليس فيه تصريح باطلاع المصطفى
على ذلك إنما هو ظاهره فقط ولو سلم فهي قضية عين محتملة.

٢٧٩
غزوة خيبر
وقال الطحاوي: ذهب أبو حنيفة إلى كراهة أكل الخيل، وخالفه صاحباه
وغيرهما. واحتجوا بالأخبار المتواترة في حلها. انتهى.
وقد نقل بعض التابعين: الحل عن الصحابة مطلقًا من غير استثناء أحد،
فأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح - عن عطاء بن يسار قال: لم يزل سلفك
يأكلونه. قال ابن جريج: قلت له أصحاب رسول الله عَلَّله قال: نعم.
وأما ما نقل في ذلك عن ابن عباس من كراهتها: فأخرجه ابن أبي شيبة
وعبد الرزاق بسندين ضعيفين.
وقال أبو حنيفة في الجامع الصغير: أكره لحوم الخيل، فحمله أبو بكر
الرازي على التنزيه، وقال: لم يطلق أبو حنيفة فيه التحريم، وليس هو عنده
کالحمار الأهلي،
(وقال الطحاوي ذهب أبو حنيفة إلى كراهة أكل الخيل وخالفه صاحباه) محمد بن
الحسن وأبو يوسف يعقوب (وغيرهما، واحتجوا بالأخبار المتواترة في حلها، انتهى) قول
الطحاوي.
وقد حاد للحمية عن سواء السبيل في دعوى التواتر فلم يرد حديث بذلك ينقله جمع عن
جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب في جميع الطبقات، ولا يصح الاعتذار عنه بأنه أراد التواتر
المعنوي لكثرة طرقه، فإِن مدار حديث أسماء من جميع طرقه على هشام عن زوجته فاطمة بنت
المنذر عن أسماء، فلم يخرج عن كونه خبر آحاده وإِن كان صحيحًا، (وقد نقل بعض التابعين
الحل عن الصحابة مطلقًا من غير استثناء أحد) منهم، (فأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن
عطاء بن يسار، قال: لم يزل سلفك يأكلونه قال ابن جريج) رواية عن عطاء، (قلت له:) تريد
(أصحاب رسول اللَّه عَ لخلقه، قال: نعم) وعطاء من الطبقة الوسطى من التابعين فلم يدرك جميعهم،
فإنما أخبر عمن أدركه منهم ولا حجة فيه فالمسألة ذات خلاف، (وأما ما نقل عن ابن عباس من
كراهتها، فأخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بسندين ضعيفين،) فلا يرد على نقل عطاء عن
الصحابة مطلقًا الضعف المسندين إليه، فهذا جواب سؤال نشأ من هذا كما هو ظاهر،
فلا يعترض بأنه لم يتقدم له ذكر، ويعتذر بأنه لعل المراد في الخارج.
(وقال أبو حنيفة في) كتاب (الجامع الصغير) لمحمد بن الحسن تلميذه (أكره لحوم
الخيل) ذكره وإِن علم مما قدمه عن الطحاوي لبيان الكتاب الذي صرح فيه بالكراهة وتوطئة
لقوله (فحمله أبو بكر الرازي على التنزيه،) فخلاف ما هو عادة الإِمام من أنه إِذا أُطلق الكراهة
انصرفت للتحريم، (وقال لم يطلق أبو حنيفة فيه التحريم وليس هو عنده كالحمار الأهلي،

٢٨٠
غزوة خيبر
وصحح أصحاب المحيط والهداية والذخيرة عنه التحريم، وهو قول أكثرهم.
وقال القرطبي في شرع مسلم: مذهب لملك الكراهة، وقال الفاكهاني:
المشهور عند المالكية الكراهة، والصحيح عند المحققين منهم التحريم.
وقال ابن أبي جمرة: الدليل على الجواز مطلقًا واضح، لكن سبب كراهة
ملك لأكلها لكونها تستعمل غالبًا في الجهاد، فلو انتفت الكراهة لكثر استعماله،
ولو كثر لأفضى إلى فنائها، فيؤول إلى النقص من إرهاب العدو الذي وقع الأمر به
في قوله تعالى: ﴿ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ [الأنفال/٦٠]
فعلى هذا فالكراهة لسبب خارج، وليس البحث فيه، فإن الحيوان المتفق على
إباحته لو حدث أمر يقتضي أن لو ذبح لأفضى إلى ارتكابه محظور لامتنع، ولا
يلزم من ذلك القول بتحريمه. انتھی.
وأما قول بعض المانعين: لو كانت حلالاً لحازت الأضحية بها. فمنتقض
بحيوان البر، فإنه مأكول ولم تشرع الأضحية
(و) لكن (صحح أصحاب المحيط والهداية والذخيرة عنه) أي أبي حنيفة.
(التحريم وهو قول أكثرهم) أي الحنفية، (وقال القرطبي) أبو العباس شيخ صاحب التفسير
والتذكرة (في شرع مسلم مذهب ملك الكراهة) هذا ضعيف إلا أن تحمل على التحريم، (وقال
الفاكهاني المشهور عند الملكية الكراهة والصحيح عند المحققين منهم التحريم) وهو
المعتمد المشهور، (وقال ابن أبي جمرة) بجيم وراء من الملكية (الدليل على الجواز مطلقًا)
اضطر إِلی أکلها أم لا، (واضح) الصحة حدیث أسماء وحديث رخص في الخیل، (لكن سبب
كراهة ملك لأكلها لكونها تستعمل غالبًا في الجهاد، فلو انتفت الكراهة لكثر استعماله،) أني
الخيل (ولو كثر لأُفضى إِلى فنائها فيؤول إلى النقص من إرهاب العدو الذي وقع الأَمر به
ـه تعالى:) ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة (ومن رباط الخيل﴾،) مصدر بمعنى
مها في سبيل اللَّه ﴿ترهبون به عدو اللَّه وعدوكم﴾ الكفار، (فعل هذا فالكراهة لسبب خارج
وليس البحث فيه، فإِن الحيوان المتفق على إباحته،) كالإِبل (لو حدث أمر يقتضي أن لو ذبح
لأَفضى إلى ارتكابه محظور لامتنع، ولا يلزم من ذلك القول بتحريمه التھی).
كلام ابن أبي جمرة وهو اختيار له ضعيف في المذهب، (وأما قول بعض المانعين لو كانت
حلالاً لحازت الأضحية بها، فمنتقض بحيوان البر، فإِنه مأكول اللحم، ولم تشرع الأضحية به،)