النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ أمر الحديبية وفي رواية البخاري - في المغازي - فأخذ رسول الله عَ ب الكتاب - وليس يحسن يكتب- فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله. وكذا أخرجه النسائي وأحمد ولفظه: فأخذ الكتاب - وليس يحسن أن يكتب - فكتب مكان رسول الله: محمد بن عبد الله. قال في فتح الباري: وقد تمسك بظاهر هذه الرواية أبو الوليد الباجي زاد النسائي عن علي أما أن لك مثلها وستأتيها وأنت مضطر، يشير إِلى ما وقع لعلي يوم الحكمين فإنه لما كتب الكاتب بهذا ما صالح عليه علي أمير المؤمنين أرسل معوية يقول: لو كنت أعلم أنه أمير المؤمنين ما قلته امحها واكتب ابن أبي طالب فقال علي اللَّه أكبر مثل بمثل امجھا. (وفي رواية البخاري في) باب عمرة القضاء من كتاب (المغازي) من حديث البراء، (فأخذ رسول اللَّه عَّ الكتاب وليس يحسن يكتب) أي، فقال لعلي: أرني مكانها، فأراه فمحاه كما في الرواية التي فوقها، ثم أعادها لعلي (فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد اللَّه،) أي فصار جملة المكتوب ذلك، لأَن الممحو لفظ رسول اللَّه فقط، كما في الرواية فوقه قال الحافظ: وقد روى البخاري في الصلح هذا الحديث بهذا الإِسناد، وليس فيه لفظة ليس يحسن يكتب، ولذا أنكر بعض المتأخرين على أبي موسى يعني المديني نسبتها للبخاري، فقال: ليست فيه ولا في مسلم وهو كما قال عن مسلم فإنه عنده بلفظ فأراه مكانها فمحاها وكتب: بن عبد اللّه، وقد عرفت ثوبتها في البخاري في مظنة الحديث، (وكذا أخرجه النسائي) بلفظ رواية البخاري سواء (وأحمد لفظه، فأخذ الكتاب وليس يحسن أن يكتب فكتب مكان رسول اللَّه محمد بن عبد اللَّه قال في فتح الباري) عقب هذا، (وقد تمسك بظاهر هذه الرواية) التي هي، فأخذ الكتاب وليس يحسن يكتب، فكتب (أبو الوليد الباجي) بفتح الموحدة وبالجيم نسبة إِلى باجة مدينة بالأندلس العلامة الحافظ ذو الفنون سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب، ولد سنة ثلاث وأربعمائة وأخذ بالأندلس عن جمع جم ثم رحل ولازم أبا ذر الهروي الحافظ ثلاثة أعوام بالحجاز، وتفقه بأبي الطيب وغيره، وأخذ العقليات بالموصل عن أبي جعفر السمناني، وسمع بمصر، والشام والعراق والحجاز، وحج أربع حجات وبرع في الحديث وعلله ورجاله والفقه وغوامضه والكلام ومضايقه، وفقه الناس، وروى عنه خلائق وصنف في الجرح والتعديل والتفسير والفقه والأصول. قال عياض: آجر نفسه ببغداد لحراسة دربه فكان يستعين بالأجرة على نفقته. ولما رجع ٢٠٢ أمر الحديبية فادعی أن النبي عێے کتب بيده بعد أن لم یکن یحسن أن يكتب. فشنع عليه علماء الأندلس في زمانة ورموه بالزندقة، وأن الذي قاله يخالف القرءان حتى قال قائلهم شعرًا: برئت ممن شرى دنيا بآخرة وقال إن رسول الله قد كتبا فجمعهم الأمير فاستظهر الباجي عليهم بما لديه من المعرفة وقال للأمير: هذا لا ينافي القرءان، بل يؤخذ من مفهوم القراءن، لأنه قيد النفي بما قيل ورود القرءان، قال الله تعالى: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك﴾ [العنكبوت/٤٨] وبعد أن تحققت أميته وتقررت بذلك معجزته، وأمن الارتياب في ذلك، لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم، فيكون معجزة أخرى. إلى الأندلس كان يضرب ورق الذهب ويعقد الوثائق قال لي أصحابه: كان يخرج لإِقرائنا وفي يده أثر المطرقة إلى أن نشا علمه واشتهرت تأليفه فعرف حقه وعظم جاهه وقرب من الرؤساء فأجزلوا صلاته حتى مات عن مال كثير تاسع عشر رجب سنة أربع وسبعين وأربعمائة، (فادعى أن النبي ◌ُّ كتب بيده بعد أن لم يكن يحسن أن يكتب، فشنع عليه علماء الأندلس) بفتح الهمزة والدال على المشهور ويقال بضمهما، واقتصر عليه أبو الفتح الهمداني (في زمانه ورموه بالزندقة، وأن الذي قاله يخالف القرءان،) وأطلقوا عليه العيبة وقبحوا عند العامة ما أتى به، وتكلم به خطباؤهم في الجمع (حتى قال قائلهم) فيه (شعرًا: · برئت ممن شرى دنيا بآخرة وقال إِن رسول اللَّه قد كتبا وشرى بمعنى اشترى ومراد هذا الشاعر الإزراء على الباجي، وأنه قاله ليتميز به على غيره ويتقرب به إلى عظماء بلده ليكرموه ويقدموه على غيره (فجمعهم الأمير فاستظهر الباجي عليهم بما لديه) عنده (من المعرفة) بأساليب الكلام التي لا تنافي القرءان، (وقال للأمير هذا) أي الأخذ من الحديث أنه كتب (لا ينافي القرءان، بل يؤخذ من مفهوم القرءان، لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرءان قال الله تعالى: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بیمینك﴾ إِذاً لارتاب المبطلون، (وبعد أن تحققت أمنيته، وتقررت بذلك معجزته وأمن الإرتياب في ذلك لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم فيكون معجزة أخرى). وصنف الباجي في ذلك رسالة فرجع بها جماعة، وذكر اليعمري أنه بعث إِلى الآفاق يستفتي بمصر، والشام والعراق فجمهورهم قال: لم يكتب بيده قط، ورأوا ذلك على المجاز أي أمر بالكتابة وقالت طائفة: كتب جرت هذه المسألة بحضرة شيخنا الإمام أبي الفتح القشيري ٢٠٣ أمر الحديبية وذكر ابن دحية أن جماعة من العلماء وافقوا الباجي على ذلك، منهم شيخه أبو ذر الهروي وأبو الفتح النيسابوري وآخرون من علماء إفريقية. واحتج بعضهم لذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة وعمر بن شبة من طريق مجالد عن عون بن عبد الله قال: ما مات رسول الله عَّه حتى كتب وقرأ. قال مجالد: فذكرته للشعبي فقال صدق، قد سمعت من يذكر ذلك. وقال القاضي عياض: وردت آثار تدل على معرفته حروف الخط وحسن تصویرها، کقوله لکاتبه: يعني ابن دقيق العيد فلم يعبأ یقول من قال: کتب، وقال هو قول أحوج الباجي إِلى أن يستنجد بالعلماء من الآفاق، (وذكر ابن دحية أن جماعة من العلماء، وافقوا الباجي على ذلك منهم شيخه) العلامة الإِمام الحافظ عبد بغير إِضافة ابن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري (أبو ذر الهروي) الملكي، شيخ الحرم، صاحب التصانيف الزاهد الورع العابد العالم كثير الشيوخ، مات في شوال سنة أربع وثلاثين وأربعمائة (وأبو الفتح النيسابوري وآخرون من علماء إِفريقية) وغيرها، كما في الفتح (واحتج بعضهم لذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة وعمر بن شبة) بفتح المعجمة وتشدید الموحدة ابن عبيد بن زيد النميري بنون مصغر. أبو زيد البصري، نزيل بغداد صدوق له تصانيف مات سنة اثنتين وستين ومائتين، وقد جاور التسعين (من طريق مجالد) بضم الميم وتخفيف الجيم فألف فلام، فدال مهملة ابن سعد بن عمير الهمداني بسكون الميم، أبي عمر والكوفي ليس بالقوي وتغير في آخر عمره، مات سنة أربع وأربعين ومائة (عن عون بن عبد اللَّه) بن عتبة بن مسعود الهذلي أبي عبد الله المكي العابد الثقة، المتوفي قبل سنة عشرين ومائة (ما مات رسول اللَّه عَ ل حتى كتب وقرأ قال مجالد: فذكرته للشعبي) عامر بن شراحيل التابعي المشهور، (فقال صدق) عون (قد سمعت من یذکر ذلك). وبعد هذا في الفتح ومن طريق أي وبما أخرجه المذكوران أيضًا من طريق يونس بن ميسرة، عن أبي كبشة السلولي، عن سهل ابن الحنظلية أن النبي عَّه أمر معوية أن يكتب للأَفرع وعيينة، فقال عيينة: أتراني أذهب بصحيفة المتلمس فأخذ عَّم الصحيفة فنظر فيها فقال: «قد کتب لك بما أمرت لك)). قال يونس: فنرى أنه منلل كتب بعدما أنزل عليه، (وقال القاضي عياض وردت آثار تدل على معرفته حروف الخط، وحسن تصويرها كقوله لكاتبه) فيما رواه الترمذي عن زيد بن ثابت ٢٠٤ أمر الحديبية (ضع القلم على أذنك فإنه أذكر لك))، وقوله لمطوية: ((ألق الدواة وحرف القلم وفرق السين ولا تعور الميم)) إلى غير ذلك. قال: وهذا وإن لم يثبت أنه كتب فلا يبعد أن يرزق علم وضع الكتابة، فإنه أوتي علم كل شىء. وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث. وعن قصة الحديبية: بأن القصة واحدة، والكاتب فيها هو علي بن أبي طالب رضي الله ((«وضع القلم على أذنك) اليمنى، (فإِنه أذكر لك))) أي أكثر ذكرًا بكسر الذال وضمها، (وقوله لمغوية) كاتبه أيضًا كثيرًا بعد عام الفتح: ((ألق الدواة) بفتح الهمزة وكسر اللام والقاف لالتقاء الساكنين، أي أصلح مدادها من لاق إِذا لصق واشتهر فيما يجعل من حرير أو لبد ونحوه، لأَنه يصلحها لمنعه كثرة أخذ المداد في القلم الذي قد يفسد الخط (وجرف القلم،) أي اجعل قطه محرفًا لأَنه أعون على التصوير ويكون تحريفه من جهة اليمين (وأقم الباء) اجعلها مستقيمة أو طولها قليلاً، لأنها عوض عن ألف اسم (وفرق السين) اجعل سنتها منفصلاً بعضها من بعض، ، (ولا تعور الميم») بضم الفوقية وفتح المهملة وكسر الواو الثقيلة وراء مهملة، أي لا تجعل دائرتها مطموسة كالعين العوراء، وبقية هذا الحديث في الشفاء وحسن اللَّه ومد الرحمن وجود الرحيم. ورواه الديلمي في مسند الفردوس، وأورد في الشفاء أيضًا حديث: ((لا تمد بسم اللَّه الرحمن الرحيم». رواه ابن شعبان من طريق ابن عباس، وإليه أشار بقوله (إلى غير ذلك،) لكن قال السيوطي حديث ابن عباس هذا لم أجده، وللديلمي عن أنس: ((إذا كتب أحدكم بسم اللَّه الرحمن الرحيم فليمد الرحمن»، وله عن زيد: «إذا كتبت فبين السين في بسم اللَّه الرحمن الرحيم)) (قال) عياض: (وهذا) المذكور من هذه الآثار، (وإن لم يثبت أنه كتب) لجواز أنه عرف · رة الحروف بالسماع مثلاً (فلا بعد) عقلاً (أن يرزق علم وضع الكتابة، فإِنه أوتي علم كل شىء، وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث،) فلا حجة فيها، وقد صنف أبو محمد بن مفوز کتابًا رد فيه على الباجي وبین خطأه وحکي أن أبا محمد الهواري كان يرى ذلك، فرأى في النوم أن قبر النبي عَّ أنشق وماج فلم يستقر فاندهش لذلك وقال لعله لاعتقادي لهذه المقالة ثم عقدت الترية مع نفسي فسكن واستقر، ثم قص الرؤيا على ابن مفوز فعبرها بذلك واستظهر بقوله تعالى ﴿تكاد السموات يتفطرن﴾ [مريم: ٩٠]. (وعن قصة الحديبية بأن القصة واحدة والكاتب فيها هو علي بن أبي طالب رضي اللَّه ٢٠٥ أمر الحديبية عنه، وقد صرح في حديث المسور بن مخرمة بأن عليًا هو الذي كتب فيحتمل أن النكتة في قوله فأخذ الكتاب، وليس يحسن يكتب لبيان أن قوله ((أرني إياها)) إلى أنه إنما احتاج إلى أن يريه موضع الكلمة التي امتنع علي من محوها إلا لكونه كان لا يحسن الكتابة. وعلى أن قوله بعد ذلك: فكتب، فيه حذف تقديره: فمحاها فأعادها لعلي فکتب: أو أطلق « کتب) بمعنى: أمر بالکتابة، وهو کثیر، کقوله: کتب إلى كسرى وقیصر. وعلى تقدير حمله على ظاهره، فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم - وهو لا يحسن الكتابة - أن يصير عالمًا بالكتابة، ويخرج عن كونه أميّا، فإن كثيرًا ممن لا يحسن الكتابة يعرف صور بعض الكلمات، ويحسن وضعها بيده، وخصوصًا الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أميًا ككثير من الملوك. ويحتمل أن تكون جرت يده بالكتابة حينئذٍ، وهو لا يحسنها، فخرج المكتوب على وفق المراد، فيكون معجزة أخرى في عنه، وقد صرح في حديث المسور بن مخرمة) وغيره عند البخاري وغيره، (أن عليًا هو الذي كتب) فمجرد رواية أن المصطفى كتب لا تدل على خلافه لقبولها التأويل، (فيحتمل أن النكتة في قوله، فأخذ الكتاب وليس يحسن يكتب لبيان أن قوله أرني إياها أنه إِنما احتاج إلى أن يريه موضع الكلمة التي امتنع علي من محوها إِلاَّ لكونه كان لا يحسن الكتابة، وعلى أن قوله بعد ذلك فكتب فيه حذف تقديره فمحاها) إبرار القسم عليّ (فأعادها لعلي فكتب). وبهذا جزم ابن التين (أو أطلق كتب بمعنى أمر بالكتابة وهو كثير، كقوله كتب إِلى كسرى وقيصر وعلى تقدير حمله على ظاهره، فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم، وهو لا يحسن الكتابة أن يصير عالمًا بالكتابة،) كما ادعى الباجي ومن وافقه (ويخرج عن كونه أميًا، فإِن كثيرًا ممن لا يحسن الكتابة يعرف صور بعض الكلمات، ويحسن وضعها بيده وخصوصًا الاسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أميّا ككثير من الملوك ويحتمل أن تكون جرت يده بالكتابة حينئذٍ وهو لا يحسنها فخرج المكتوب على وفق المراد فيكون معجزة أخرى في ٢٠٦ أمر الحديبية ذلك الوقت خاصة، ولا يخرج بذلك عن كونه أميًا. وبهذا أجاب أبو جعفر السمناني أحد أئمة الأصول من الأشاعرة وتبعه ابن الجوزي. وتعقب ذلك السهيلي وغيره: بأن هذا وإن كان ممكنًا، ويكون آية أخرى لكنه يناقض كونه أميًا لا يكتب، وهي الآية التي قامت بها الحجة، وأفحم الجاحد، وانحسمت الشبهة، فلو جاز أن یصیر یکتب بعد ذلك لعادت الشبهة، وقال المعاند: کان یحسن یکتب لكنه كان يكتم ذلك. قال السهيلي: والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضًا، والحق: أن معنى قوله ( کتب)) أمر عليًا أُن یکتب انتهى. قال: وفي دعوى أن كتابة اسمه الشريف فقط على هذه الصورة . ذلك الوقت خاصة، ولا يخرج بذلك عن كونه أمیًا). (وبهذا أجاب أبو جعفر) محمد بن أحمد بن محمد بن محمود الفقيه الحنفي (السمناني) بكسر السين المهملة، وسكون الميم وفتح النون الأولى نسبة إِلى سمنان العراق (أحد أئمة الأصول من الأشاعرة،) سكن بغداد وسمع الدارقطني وغيره وعنه الخطيب، وقال: كان ثقة عالمًا فاضلاً حسن الكلام والباجي، وغيرهما ولد سنة إحدى وستين وثلثمائة، ومات بالموصل وهو قاض بها سنة أربع وأربعين وأربعمائة، (وتبعه ابن الجوزي) أبو الفرج الحافظ عبد الرحمن البكري المشهور، (وتعقب ذلك السهيلي وغيره بأن هذا وإِن كان ممكنًا، ويكون آية أخرى لكنه يناقض كونه أميًّا لاً يكتب وهي الآية التي قامت بها الحجة وأفحم الجاحد والحسمت الشبهة) التي افتراها عليه الكفار، فقالوا أساطير الأولين اكتتبها، فهي تملي عليه ونحو ذلك، (فلو جاز أن یصیر یکتب بعد ذلك لعادت الشبهة وقال المعاند) الکافر: (کان یحسن یکتب لكنه كان يكتم ذلك). (قال السهيلي:) تقوية لرد هذا الاحتمال (والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضًا،) فلو قلنا أن كتابته يومئذٍ معجزة أخرى دفعت كونه أميًا (والحق أن معنى قوله: كتب، أمر عليًا أن یکتب،) كما قاله الجمهور (انتهى) قول السهيلي. (قال) صاحب الفتح: لا عياض كما وهم، فإِنه متقدم على السهيلي، فلا يتأتى تنظيره في كلامه، (وفي دعوى أن كتابة اسمه الشريف فقط على هذه الصورة) التي هي جريان يده ٢٠٧ أمر الحديبية تستلتزم مناقضة المعجزة، وتثبت كونه غير أمي نظر كبير، والله أعلم، انتهى. وأما قوله: ((اكتب بسم الله الرحمن الرحيم)) وقوله: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم .. الخ. فقال العلماء: وافقهم عليه الصلاة والسلام في عدم كتابة بسم الله الرحمن الرحيم وكتب: باسمك اللهم، وكذا وافقهم في محمد بن عبد الله، وترك كتابة رسول الله للمصلحة المهمة الحاصلة بالصلح. مع أنه لا مفسدة في هذه الأمور: أما البسملة وباسمك اللهم فمعناها واحد، وكذا قوله: محمد بن عبد الله، هو أيضًا رسوله، وليس في ترك وصف الله تعالى بالكتابة، وهو لا يحسنها (تستلزم مناقضة المعجزة، وتثبت كونه غير أمي نظير كبير؛) لأنه خارق للعادة لا اختيار له فيه، حتى لو أراد كتابةٍ غيره اختيارًا لم يقدر فهو باقٍ على أميته، وأجاب شيخنا بأن كونه خارقًا للعادة باعتبار نفس الأمر وأما الواقف عليه فإِنما يحمله على أنه فعله اختيارًا فتعود الشبهة التي أريد دفعها عنه عَّةٍ، (والله أعلم) بما في نفس الأمر (انتهى) كلام فتح الباري. (وأما قوله) عَّه (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم)) وقوله) أي سهيل، (أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن أكتب باسمك اللَّهم الخ). (فقال العلماء وافقهم عليه الصلاة والسلام في عدم كتابة بسم الله الرحمن الرحيم، وكتب باسمك اللهم، وكذا وافقهم في محمد بن عبد اللَّه، وترك كتابة رسول اللّه للمصلحة المهمة الحاصلة بالصلح،) لأنه يترك المصلحة مع الإِمكان قال أبو بكر رضي اللَّه عنه ما كان فتح أعظم من صلح الحديبية، ولكن قصر رأيهم عما كان بين رسول اللَّه وبين ربه والعباد يعجلون، واللَّه تعالى لا يعجل لعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد. لقد رأيت سهيل بن عمروفي حجة الوداع قائمًا عند المنحر يقرب لرسول اللَّه عز له بدنه ورسول اللَّه ينحرها بيده. ودعا الحلاق، فحلق رأسه، فأنظر إلى سهيل يلتقط من شعره، وجعل بعضه على عينيه، وأذكر امتناعه أن يقر يوم الحديبية ببسم الله الرحمن الرحيم، فحمدت الله الذي هداه للإِسلام (مع أنه لا مفسدة في هذه الأمور،) ووجه نفي المفسدة بقوله: (أما البسملة وباسمك اللهم فمعناهما واحد، وكذا قوله (محمد بن عبد اللَّه)) هو أيضًا رسوله) كما قال عليه السلام في رواية للبخاري («أنا رسول اللَّه وأنا محمد بن عبد اللَّه)) (وليس في ترك وصف ٢٠٨ أمر الحديبية في هذا الموضع بالرحمن الرحيم ما ينفي ذلك، ولا في ترك وصفه عَ لَّه هنا بالرسالة ما ينفيها، فلا مفسدة فيما طلبوه، وإنما المفسدة لو طلبوا أن يكتبوا ما لا یحل من تعظيم آلهتهم ونحو ذلك. انتھی. قال في رواية البخاري: فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله. فقال ◌َّهِ: ((على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به)). فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة. ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب. فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا. الله في هذا الموضع بالرحمن الرحيم ما ينفي ذلك، ولا في ترك وصفه عَِّ هنا بالرسالة ما ينفيها، فلا مفسدة فيما طلبوه) فلذا وافقهم عليه، (وإنما المفسدة لو طلبوا أن يكتبوا ما لا يحل من تعظيم آلهتهم ونحو ذلك) ولم يقع (انتهى.) ما قاله العلماء (قال في رواية البخاري:) التي في الشروط عقب ما مر قبل قوله، وفي رواية له بعدما نقلته ثمة، (فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد اللَّه، فقال) النبي (عَّ: على أن تخلوا بيننا وبين البيت، فتطوف به) بالتخفيف وبالنصب عطف على المنصوب السابق، وفي نسخة نطوف بالرفع على الاستئناف، وفي أخرى فنطوف بتشديد الطاء والواو وأصله نتطوف بالنصب والرفع، (فقال سهيل واللَّه لا) نخلي بينك وبين البيت (تتحدث العرب أنا أخذنا) بضم الهمزة، وكسر الخاء (ضغطة) بضم الضاد، وسكون الغين المعجمتين، والنصب على التمييز قهرًا والجملة استئنافية، وليست مدخولة لا قاله كله المصنف، (ولكن ذلك) الذي أردته من التخلية (من العام المقبل فكتب) على ذلك، (فقال :سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل، وإِن كان على دينك إِلاَّ رددته إِليها). وفي رواية للبخاري أيضًا في أول كتاب الشروط بلفظ، ولا يأتيك منا أحد وهي تعم الرجال والنساء، فدخلن في هذا الصلح، ثم نسخ ذلك فيهن أو لم يدخلن إِلا بطريق العموم، فخصص زاد ابن إسحق ومن جاء قريشًا ممن تبع محمدًا لم يردوه إليه، ولمسلم من حديث أنس أن قريشًا صالحت النبي عَّ له على أن من جاء منكم لم نرده إِليكم، ومن جاءكم منا رددتموه إِلينا فقالوا: يا رسول اللَّه أنكتب هذا؟، قال: ((نعم، فإنه من ذهب منا إليهم فأبعده اللَّه، ومن جاء منهم إِلينا فسيجعل اللَّه له فرمجا ومخرجًا)، وللبخاري في أول الشروط، وكان فيما ٢٠٩ أمر الحديبية فقال السملمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ والضغطة: بالضم، قال في القاموس: الضيق والإكراه والشدة. انتهى. فإن قلت: ما الحكمة في كونه عليه الصلاة وافق سهيلاً على أنه لا يأتيه رجل منهم وإن كان على دين الإسلام إلا ويرده إلى المشركين. اشترط سهيل على النبي عَّة، أنه لا يأتيك منا أحد، وإِن كان على دينك إِلاَّ رددته إِلينا، وخليت بيننا وبينه فكره المؤمنون ذلك، وامتعضوا منه بعين مهملة وضاد معجمة أي غضبوا من هذا الشرط وأنفوا منه. قال فأبى سهيل إِلا ذلك، فكاتبه النبي عَُّ على ذلك (فقال المسلمون:) متعجبين (سبحان اللَّه كيف يرد إِلى المشركين وقد جاء) حال كونه (مسلمًا). قال الحافظ قائل ذلك يشبه أن يكون عمر لما سيأتي، وسمى الواقدي ممن قال ذلك أسيد بن حضير وسعد بن عبادة وسهل بن حنيف أنكر ذلك أيضًا كما في المغازي من البخاري، (والضغطة بالضم) للضاد وسكون الغين المعجمتين ثم طاء مهملة، كما اقتصر عليه الفتح (قال في القاموس الضيق والإكراه والشدة انتهى). وهي ألفاظ متقاربة وفي النهاية، أي عصرًا وقهرًا، يقال أخذت فلانًا ضغطة إِذا ضيقت عليه لتكرهه على الشىء، وفي ترتيب المطالع بفتح الضاد وضمها للأصيلي، أي قهرًا واضطرارًا، وفي حديث البراء عند البخاري لا يدخل مكة السلاح إلا السيف في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد إِن أراد أن يتبعه، أن لا يمنع من أصحابه أحدًا إِن أراد أن يقيم بها وعند ابن إسحق وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة أي أمورًا مطوية في صدور سليمة إشارة إلى ترك المؤاخذة بما تقدم بينهم من أسباب الحرب وغيرها، وأنه لا إِسلال ولا إِغلال أي لا سرقة ولا خيانة. فالاسلال من السل وهي السرقة والاغلال الخيانة، تقول أغل الرجل أي خان أما في الغينمة فيقال: غل بغير ألف، والمراد أن يأمن بعضهم من بعض ونفوسهم وأموالهم سرًا وجهرًا، وقيل الإِسلال من سل السيوف والاغلال من لبس الدروع، ووهاه أبو عبيد قال: وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه فتواثبت خزاعة، فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر وقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وإنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل مكة علينا وأنه إِذا كان عام قابل خرجنا فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثًا معك سلاح الراكب السيوف في القرب لا تدخلها بغيره، (فإِن قلت ما الحكمة في كونه عليه الصلاة والسلام وافق سهيلاً على أن لا يأتيه رجل منهم، وإن كان على دين الإِسلام إِلا ويرده إلى المشركين،) ٢١٠ أمر الحديبية فالجواب: إن المصلحة المترتبة على إتمام هذا الصلح ما ظهر من ثمراته الباهرة، وفوائده المتظاهرة التي كانت عاقبتها فتح مكة وإسلام أهلها كلهم، ودخول الناس في دين الله أفواجًا. وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين، ولا تتظاهر عندهم أمور النبي عَّه كما هي، ولا يخلون بمن يعلمهم بها مفصلة، فلما حصل صلح الحديبية اختلطوا بالمسلمين، وجاؤوا إلى المدينة، وذهب المسلمون إلى مكة، وخلوا بأهلهم وأصدقائهم وغيرهم ممن يستنصحونه، وسمعوا منهم أحوال النبي عَ ل. ومعجزاته الظاهرة، وأعلام نبوته المتظاهرة، وحسن سيرته، وجميل طريقته، وعاينوا بأنفسهم كثيرًا من ذلك، فمالت نفوسهم إلى الإيمان، حتى بادر خلق منهم إلى الإسلام، قبل فتح مكة، فأسلموا بين صلح الحديبية وفتح مكة، « إزداد الآخرون ميلاً إلى الإسلام. (فالجواب) كما نقله النووي عن العلماء (أن المصلحة المترتبة على إتمام هذا الصلح) هي (ما ظهر من ثمراته الباهرة) الغالبة، (وفوائده المتظاهرة) التي علمها عَّةٍ وخفيت على ره، فحمله ذلك على موافقتهم لأنه لا يترك ما فيه مصلحة للمسلمين. وقد علم إِن اللَّه سيجعل للمستضعفين فرجًا ومخرجا كما أخبر بذلك فكان كما قال فظهرت مصلحة هذا الفتح (التي كانت عاقبتها فتح مكة وإسلام أهلها كلهم ودخول الناس في دين اللَّه أفواجًا) جماعات، (وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين ولا تتظاهر) أي تظهر (عندهم أمور النبي ◌َّي. كما هي،) وعبر بالمفاعلة إِشارة إِلى أنه بعد الصلح صار بعض الأمور لظهوره، كأنه يعاون البعض وهو مستلزم لكمال الظهور. وفي المختار التظاهر التعاون (ولا يخلون بمن يعلمهم بها مفصلة فلما حصل صلح الحديبية اختلطوا بالمسلمين وجاؤوا إلى المدينة، وذهب المسلمون إلى مكة وخلوا بأهلهم وأصدقائهم وغيرهم ممن يستتصحونهم، وسمعوا منهم أحوال النبي عَظ. ومعجزاته الظاهرة، وأعلام نبوته المتظاهرة، وحسن سيرته) طريقته وهيئته من إضافة الصفة للموصوف (وجميل طريقته) مساوٍ لما قبله حسنه اختلاف اللفظ. (وعاينوا بأنفسهم كثيرًا من ذلك فمالت نفسهم إِلى الإِيمان حتى بادر خلق منهم إلى الإِسلام قبل فتح مكة، فأسلموا فيما بين صلح الحديبية وفتح مكة) کخالد بن الوليد، وعمرو بن العاصي وغيرهما، (وازداد الآخرون) وهم من لم يسلم حينئذٍ (ميلاً إِلى الإِسلام). ٢١١ أمر الحديبية فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم، لما كان قد تمهد لهم من الميل. وكانت العرب من غير قريش في البوادي ينتظرون بإسلامهم إسلام قريش، فلما أسلمت قريش أسلمت العرب في البوادي. قال الله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا﴾ [النصر: ١ - ٢] فالله ورسوله أعلم. انتھی. قال في رواية البخاري: فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده (فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم لما كان قد تمهد لهم من الميل، وكانت العرب من غير قريش في البوادي ينتظرون بإِسلامهم إِسلام قريش) لما يعلمونه فيهم من القوة والرأي، ولأنهم كانوا يقولون قوم الرجل أعلم به. (فلما أسلمت قريش أسلمت العرب، قال الله تعالى ﴿إِذا جاء نصر اللَّهِ﴾) نبيه معَّه على أعدائه (﴿والفتح﴾)، فتح مكة باتفاق كقوله: ((لا هجرة بعد الفتح))، (﴿ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا﴾) جماعات، جاءه العرب بعد فتح مكة من أقطار الأرض طائعين، (فالله. ورسوله أعلم) بالحكمة البالغة التي منها أن صد المسلمين عن البيت كان في الظاهر هضمًا وفي الباطن عزا لهم وقوة، فذل المشركون من حيث أرادوا العزة وقهروا من حيث أرادوا الغلبة ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين (انتهى) كلام العلماء. (قال في رواية البخاري) التي في الشرط، (فبينما) بالميم (هم كذلك) وعند ابن إسحق فإِن الصحيفة لتكتب، (إذ دخل أبو جندل) بالجيم، والنون وزن جعفر (ابن سهيل بن عمرو) القرشي العامري، وكان اسمه العاصي فتركه لما أسلم، حبس بمكة ومنع الهجرة وعذب بسبب الإِسلام، وله أخ اسمه عبد اللَّه أسلم أيضًا قديمًا وحضر مع المشركين بدرًا ففر منهم إِلى المسلمين، ثم كان معهم بالحديبية. وقد وهم من جعلهما واحدًا وقد استشهد عبد اللَّه باليمامة قبل أبي جندل بمدة، فإِنه استشهد بالشام في خلافة عمر كما ذكره ابن عقبة عن الزهري، قاله في الفتح، وفي رواية أبي الأسود عن عروة وكان سهيل أوثقه وسجنه حين أسلم فخرج من السجن وتنكب الطريق وركب الجبال حتى هبط على المسلمين ففرح به المسلمون وتلقوه حال كونه (يرسف) بفتح أوله وضم المهملة وبالفاء أي يمشي مشيئًا بطيئاً بسبب أنه (في قيوده). هكذا ضبطه في الفتح والنور والمصنف وغيرهم فهو الرواية، وقال الحافظ: في المقدمة ٢١٢ أمر الحديبية وقد خرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي. فقال النبي عَّهِ: (إنا لم نقض الكتاب بعد). قال: فوالله إذاً لا أصالحك على شىء أبدًا. قال النبي عَّهِ: ((فأجزه لي)، قال: ما أنا بمجيز ذلك. قال: ((بلى فافعل)). قال: ما أنا بفاعل. قال مکرز: بلى، بضم السين ويقال بكسرها هو مشي المقيد، فقوله يقال أي في اللفظ من حيث هو بدليل اقتصاره في الفتح على الضم، (وقد خرج) لما خرج من السجن (من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين). زاد ابن إسحق فقام سهيل إلى أبي جندل فضرب وجهه، وأخذ يتلببه قال البرهان: أي جمع عليه ثوبه الذي هو لابسه، وقبض عليه نحره، (فقال) أبوه: (سهيل هذا يا محمد أول ما أقاضيك،) أي أول شىء أحاكمك (عليه أن ترده إِلىّ، فقال النبي ◌َّةُ: ((أنا لم نقض الكتاب بعد)) قال المصنف بنون مفتوحة، فقاف ساكنة، فضاد معجمة، أي لم نفرغ من كتابته ولأبي ذر عن المستملي والحموي لم نفض بالفاء وتشديد المعجمة انتهى. والمراد به أيضًا الفراغ مجازًا لأنه بالفاء الكسر فض الإِناء كسره فأطلق اللازم وأراد الملزوم، وهو عدم الفراغ من الكتاب، (قال: فوالله إِذًا لا أصالحك على شىء أبدًا، قال النبي عَّ: ((فاجزه لي)) بالجيم والزاي بصيغة فعل الأمر من الإِجازة، أي أمضٍ لي فعلي فيه ولا أرده إِليك أو استثنه من القضية، ووقع في الجمع للحميدي بالراء. ورجح ابن الجوزي الزاي وفيه أن الاعتبار في العقود بالقول ولو تأخرت الكتابة والإِشهاد، ولذا أمضى عَِّ لسهيل الأمر في رد ابنه إِليه. وكان تلطف به بقوله لم نقض الكتاب رجاء أن يجيبه ولا تنكره بقية قريش، لأنه ولده فلما أصر على الامتناع تر که له. قاله الحافظ وبه تعلم سقوط قول الشارح كأنه أشار بذلك إلى عدم انبرام الصلح بينهم، فكأنه قال لم يستقر الأمر على رد من جاءنا منكم. (قال ما أنا بمجيز ذلك) هي رواية أبي ذر ولغيره بمجيزه لك. (قال: ((بلى فافعل))، قال: ما أنا بفاعل قال مكرز:) زاد الواقدي وحويطب (بل) كذا للأكثر ٢١٣ أمر الحديبية قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب في الله عذابًا شديدًا. : ((يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإنا لا زاد ابن إسحق: فقال رسول الله. نغدر، وإن الله جاعل لك فرجًا ومخرجًا)) يلفظ الإضراب وللكشميهني بلى (قد أجزناه لك) فأخذاه فأدخلاه فسطاطًا وكفا أباه عنه كما في رواية الواقدي وغيره. وفي فتح الباري لم يذكر هنا ما أجاب به سهيل مكرزًا، فزعم بعض الشراح أنه لم يجبه لأَن مكرزًا لم يكن ممن جعل له عقد الصلح وفيه نظر، فقد روى الواقدي وابن عائذ أنه كان ممن جاء في الصلح مع سهيل ومعهما حويطب بن عبد العزي، لكن ذكرا أن إجازته إنما هي في تأمينه من العذاب ونحو ذلك لا بأن يقرأه عند المسلمين لكن يعكر عليه رواية الصحيح. فقال مكرز: قد أجزئا لك يخاطب النبي ◌َّةٍ، ولذا استشكل ما وقع منه لأنه خلاف قوله عليه السلام وهو فاجر، فكان الظاهر أن يساعد سهيلاً على ابنه وأجيب بأن الفجور حقيقة ولا يلزم أن لا يقع منه شىء من البر نادرًا أو قال ذلك نفاقًا وفي باطنه خلافه، أو سمع قوله معَّه هو رجل فاجر فأراد إظهار خلافه فهو من جملة فحوره، ولو ثبتت رواية الواقدي وابن عائذ لكانت أقوى من هذه الاحتمالات؛ فإنه إنما أجازه ليكف عنه العذاب ليرجع إلى طاعة أبيه فما خرج بذلك عن الفجور انتهى. ملخصًا. وفي رواية ابن إسحق. ثم قال أي سهيل: يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال صدقت، (قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد) بضم الهمزة وفتح الراء (إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟، ألا ترون ما قد لقيت؟،) بكسر القاف وفتحها بعضهم، (وكان قد عذب في اللَّه عذابًا شديدًا). (زاد ابن إسحق) بعد نحو، هذا وهو قوله وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنونني في ديني، فزاد الناس ذلك إلى ما بهم، (فقال رسول اللّه مَ: ((يا أبا جندل اصبر واحتسب فإِنا لا نغدر،) وقد تم الصلح قبل أن تأتي وتلطفت بأبيك، فأبى (وأن اللَّه جاعل لك) ولمن معك من المستضعفين، كما في نفس رواية ابن إِسحق، وأسقطها المصنف تبعًا للفتح (فرجًا ومخرجًا)) كأنه علم ذلك بالوحي. وفي رواية أبي المليح فأرضاه رسول اللَّه عَ لّ﴾ أي أبا جندل وبقية رواية ابن إسحق: «فإِنا ٢١٤ أمر الحديبية فوثب عمر يمشي إلى جنبه ويقول؛ اصبر فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم كدم کلب. قال الخطابي: تأول العلماء ما وقع في قصة أبي جندل على وجهين: أحدهما: أن الله تعالى قد أباح التقية للمسلم إذا خاف الهلاك، ورخص له أن يتكلم بالكفر مع إضمار الإيمان إن لم تمكن التورية، فلم يكن رده إليهم إسلامًا لأبي جندل إلى الهلاك، مع وجود السبيل إلى الخلاص من الموت بالتقية. والوجه الثاني: إنما رده إلى أبيه، والغالب أن أباه لا يبلغ به إلى الهلاك. وإن عذبه أو سجنه فله مندوحة بالتقية أيضًا. وأما ما يخاف عليه من الفتنة فإن ذلك امتحان من الله تعالى يبتلي به صبر عباده المؤمنين. قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد اللَّه وإِنا لا نغدر بهم)، قال (فوثب عمر) بن الخطاب مع أبي جندل (يمشي إلى جنبه ويقول اصبر) يا أبا جندل، (فإِنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم كدم الكلب) ويدني قائم السيف يقول عمر رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، قال: فضن الرجل بأبيه ونفذت القضية انتهى كلام ابن إسحق. (قال الخطابي تأول العلماء ما وقع في قصة أبي جندل على وجهين أحدهما أن اللَّه تعالى قد أباح التقية للمسلم،) أي ما يبقي به نفسه مما ظاهره كفر، (إذا خاف الهلاك ورخص له أن يتكلم بالكفر،) أو يفعل ما ظاهره تكفر كسجود لصنم (مع إِضمار الإِيمان) بأن يصمم عليه بقلبه، فقال تعالى ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإِيمان﴾، فالمکرِه غير مكلف (إن لم تمكن التورية) لعدم معرفتها أو قبولهم لها، (فلم يكن رده إليهم إِسلامًا لأبي جندل إلى الهلاك،) أي تسليطًا لهم عليه وتخذيلاً له (مع وجود السبيل إلى الخلاص من الموت بالتقية). (والوجه الثاني أنه إنما وده إلى أبيه، والغالب أن أباه لا يبلغ به إلى الهلاك) لما جبلت عليه النفوس من محبة الولد (وإن عذبه أو سجنه فله مندوحة) بفتح الميم أي سعة وفسحة (بالتقية أيضًا،) فليس رده لأبيه طريقًا للهلاك، لأنه يمكن أن يوافقهم على الكفر ظاهرًا، وقلبه مطمئن بالإِيمان فيسلم من الهلاك والتعذيب، (وأما ما يخاف عليه من الفتنة فإن ذلك امتحان من اللَّه يبتلي به صبر عباده المؤمنين،) أي يمتحنهم ليظهر بذلك صبرهم للناس. فالابتلاء سبب لظهور الصبر لا لیعلمه إِذ لا یعزب عن علمه شیء. ٢١٥ أمر الحديبية واختلف العلماء: هل يجوز الصلح مع المشركين على ان يرد إليهم من جاء مسلمًا من عندهم، أم لا؟ فقيل: نعم، على ما دلت عليه قصة أبي جندل وأبي بصير. (واختلف العلماء) في جواب قول السائل (هل يجوز الصلح مع المشركين على أن يرد إليهم من جاء مسلمًا من عندهم، أم لا، فقيل نعم) يجوز (على ما دلت عليه قصة أبي جندل) المذكور، (وأبي بصير) بفتح الموحدة، وكسر الصاد المهملة فتحتية ساكنة فراء عتبة بضم المهملة وسكون الفوقية وقيل عبيد بموحدة مصغر. قال الحافظ وهو وهم بن أسيد بفتح الهمزة وكسر السين على الصحيح ابن جارية بجيم وتحتية ابن عبد اللَّه الثقفي حليف بني زهرة، فقوله في الصحيح رجل من قريش أي بالحلف، لأن بني زهرة من قريش أسلم قديمًا. وقصته عند البخاري في بقية هذا الحديث الذي ساقه عنه المصنف من كتاب الشروط قال: ثم رجع النبي عَّه إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين سماهما ابن سعد خنيس بمعجمة ونون وآخره مهملة مصغر ابن جابر ومولى يقال له كوثر، وقيل اسم أحدهما مرثد بن حمران زاد ابن إسحق، وكتب الأخنس بن شريق والأزهر بن عبد عوف إِلى رسول اللّه عليه وبعثا به مع مولى لهما ورجل من بني عامر استأجراه بيكرين. زاد الواقدي فقدما بعد أبي بصير بثلاثة أيام، ورواية أبي المليح جاء أبو بصير مسلمًا، وجاء وليه خلفه علی مجاز الحذف أي رسول وليه انتهى. فقالوا: العهد الذي جعلته لنا فدفعه إلى الرجلين، زاد ابن إسحق فقال أتردني إِلى المشركين يفتنونني عن ديني يعذبونني، قال: ((اصبر واحتسب فإِن اللَّه جاعل لك فرنجا ومخرجا»، زاد أبو المليح فقال له عمر: أنت رجل وهو رجل ومعك السيف انتهى. فخرجا به حتى بلغا ذا الخليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين في رواية ابن سعد الخنیس بن جابر انتھی. والله إني لأَرى سيفك هذا يا فلان جيدًا، فاستله الآخر فقال: أجل واللَّه إنه لجيد لقد جربت به، ثم جربت وفي رواية لأضربن به في الأوس والخزرج يومًا إِلى الليل انتهى. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأمكنه منه، فضربه أبو بصير حتى برد، وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال مَّ لقد رأى هذا ذعرًا فلما انتهى إلى النبي عَّهُ قال: قتل والله صاحبي، ولا بن إسحق قتل صاحبکم صاحبي انتهى، وإني لمقتول أي إِن لم ترده عني. وعند ابن عائذ وتبعه أبو بصير حتى دفع إِلى رسول اللَّه عَّ. في أصحابه وهو عاض على أسفل ثوبه، وقد بدا طرف ذكره والحصى يطير من تحت قدميه من شدة عدوه وأبو ٢١٦ أمر الحديبية بصیر یتبعه انتهى. فجاء أبو بصير فقال: يا نبي اللَّه قد أوفى اللَّه ذمتك، قد رددتني إليهم ثم أنجاني اللَّه منهم، فقال مَّ: ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد ينصره، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم ولابن عقبة، وجاء أبو بصير بسلبه فقال خمسه يا رسول اللَّه، فقال إني إِذا خمسته لم أوف بالعهد الذي عاهدتهم عليه ولكن شأنك بسلب صاحبك واذهب حيث شئت فخرج معه خمسة قدموا معه مسلمین من مکة انتھی. فخرج حتى أتى سيف البحر بكسر المهملة، وسكون التحتية بعدها فاء أي ساحله، وعين ابن إسحق المكان، فقال حتى نزل العيص بكسر المهملة، وسكون التحتية بعدها مهملة قال وكان طريق مكة إذا قصدوا الشام، وهو يحاذي المدينة إلى جهة الساحل انتهى. قال وتفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، وعند ابن عقبة كأبي الأسود عن عروة انفلت في سبعين راكبًا مسلمين، فلحقوا بأبي بصير قريبًا من ذي المروة على طريق قريش، فقطعوا مادتهم من طريق الشام وأبو بصير يصلي بأصحابه، فلما قدم أبو جندل كان يؤمهم، أي لأنه قرشي انتھی. فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إِلاَّ لحق بأبي بصير حتى اجتمع منهم عصابة بكسر العين تطلق على أربعين فما دونها، ودل هذا الحديث على إطلاقها على أكثر، فلابن إِسحق بلغوا نحوًا من سبعين، ولأبي المليح أربعين أو سبعين، وجزم عروة بأنهم بلغوا سبعين، وزعم السهيلي أنهم بلغوا ثلثمائة رجل، كذا قال في الفتح: وفيه أن السهيلي لم يقله من عنده بل عزاه لرواية معمر عن الزهري. وهكذا جزم به ابن عقبة في مغازيه فقال: واجتمع إِلى أبي جندل ناس من غفار، وأسلم وجهينة وطوائف من الناس حتى بلغوا ثلثمائة مقاتل وهم مسلمون. زاد عروة وكرهوا أن يقدموا المدينة في الهدنة خشية أن يعادوا إلى المشركين انتهى. فوالله ما يسمعون بعير خرجت من مكة لقريش إلى الشام إِلا اعترضوا لها وأخذوا أموالهم ولابن إسحق لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه، ولا تمر بهم عير إلا اقتطعوها انتهى. فأرسلت قريش إِلى النبي عَّهِ تناشده باللَّه والرحم لما أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن، ولأبي الأسود عن عروة، فأرسلوا أبا سفين بن حرب إِليه عَّه يسألونه ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أبي جندل ومن معه، قالوا: ومن خرج منا إِليك فهو لك حلال غير حرج انتهى. فأرسل عَّ إليهم، وفي رواية ابن عقبة عن الزهري، فكتب عَّهُ إلى أبي بصير، فقدم ٢١٧ أمر الحديبية وقيل: لا، وإن الذي وقع في القصة منسوخ. وإن ناسخه حديث: ((أنا بريء من مسلم بين مشركين)) وهو قول الحنفية. وعند الشافعية: يفصل بين العاقل والمجنون والصبي، فلا يردان. وقال بعض الشافعية: ضابط جواز الرد أن يكون المسلم بحيث لا تجب عليه الهجرة من دار الحرب. والله أعلم. قاله في فتح الباري. قال في رواية البخاري: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت النبي ◌َّهِ فقلت: ألست نبي الله حقًّا؟ قال: ((بلى))، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: ((بلی))، كتابه وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول اللَّه عَّ في يده، فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدًا، وقدم أبو جندل ومن معه المدينة، فلم يزل بها حتى خرج إلى الشام مجاهدًا، فاستشهد في خلافة عمر، ولابن الأسود عن عروة فعلم الذين أشاروا أن لا يسلم أبا جندل إِلى أبيه أن طاعته عَِّ خير مما كرهوا انتهى. وقد بينت الزائد على رواية البخاري بعزو أوله وقول انتهى آخره. (وقيل لا) يجوز صلح المشركين على رد من جاء مسلمًا منهم، (وأن الذي وقع في القصة) المذكورة لكل من أبي جندل وأبي بصير (منسوخ، وأن ناسخه حديث) أبي داود، والترمذي وصححه الضياء عن جرير مرفوعًا («أنا بريء من مسلم بين مشركين)))، واختصره المصنف، ولفظه عند رواية المذكورين: ((أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين لا تراءى ناراهما)، (وهو قول الحنفية) ولا شاهد فيه للنسخ، لأنه فيمن تمكن من الفرار ولا عشيرة له تحميه أو قاله بعد رضا المشركين برد من جاء مسلمًا. (وعند الشافعية يفصل بين العاقل و) بين (المجنون والصبي، فلا يردان) بخلاف العاقل، فيجوز شرط رده إِن كان له عشيرة تحميه. (وقال بعض الشافعية ضابط جواز الرد أن يكون المسلم بحيث لا تجب عليه الهجرة من دار الحرب واللَّه أعلم). (قاله في فتح الباري، قال في رواية البخاري) المذكورة، (فقال) بالفاء ولأبي ذر، قال (عمر بن الخطاب) هذا بما يقوي أنه الذي حدث المسور ومروان بالقصة، وكذا ما مر قريبًا من قصته مع أبي جندل قاله الحافظ، (فأتيت النبي عَّه فقلت:) له (ألست نبي اللَّه) بالنصب خبر ليس والاستفهام تقريري (حقًا؟، قال: ((بلى)) قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل، قال: (بلى))) زاد البخاري في الجزية والتفسير أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟، قال: ((بلى)) ٢١٨ أمر الحديبية قلت: فلمَ نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: (إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري)). قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: ((بلى، أفأخبرتك أنا نأتيه العام))؟ قلت: لا، قال: ((فإنك آتيه ومطوف به). قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقًّا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في (قلت: فلم نعط الدنية) بفتح الدال المهملة، وكسر النون وشد التحتية والأصل فيه الهمزة، لكنه خفف وهو صفة لمحذوف أي الحالة الدنية الخسيسة، (في ديننا إِذا) بالتنوين أي حين إِذ كان كذلك زاد في التفسير والجزية ونرجع ولم يحكم اللَّه بيننا، (قال: ((إِني رسول اللَّه ولست أعصيه وهو ناصري))) فيه تنبيه لعمر على إزالة ما عنده من القلق، وأنه لم يفعل ذلك إلا لأمر أطلعه اللَّه عليه، وأنه لم يفعل شيئًا من ذلك إِلا بوحي (قلت أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟،) قال المصنف بالتخفيف وفي نسخة فنطوف بشد الطاء والواو وقال شيخنا وهي أنسب بقوله بعد ومطوف به. ـَّـ، فلما رأوا الصلح وعند ابن إسحق كانت الصحابة لا یشکون في الفتح لرؤيا رآها. دخلهم من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون. وعند الواقدي أنه عَّه كان رأى في منامه قبل أن يعتمر هو وأصحابه دخول البيت فلما رأوا تأخير ذلك شق عليهم، (قال: ((بلى أفأخبرتك أنا نأتيه العام))) هذا (قلت: لا) فيه حمل الكلام على عمومه وإطلاقه حتى يظهر إرادة التخصيص والتقييد، (قال: ((فإِنك آتيه ومطوف به))) بفتح الطاء وكسر الواو الثقيلتين. وروى الواقدي عن أبي سعيد، قال عمر: لقد دخلني أمر عظيم وراجعت النبي عَّ مراجعة ما راجعته مثلها قط. وروى البزار عن عمر اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني أرد أمر رسول اللَّه عز له برأي وما ألوت عن الحق وفيه، فرضي عَّه وأبيت حتى قال: ((يا عمر تراني رضيت وتأبى))؟. وعند البخاري في الجزية والتفسير من حديث سهل بن حنيف، فقال: ((يا ابن الخطاب إني رسول اللَّه ولن يضيعني اللَّه) فرجع متغيظًا فلم يصبر حتى جاء أبا بكر، (قال) عمر: (فأتيت أبا بكر الصديق رضي اللَّه عنه، (فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي اللَّه حقًّا؟، قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم) نعط الخصلة (الدنية) الخسيسة ٢١٩ أمر الحديبية ديننا إذًا؟ قال أبو بكر: أيها الرجل، إنه رسول الله، وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق. قلت: أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال العلماء: لم يكن سؤال عمر رضي الله عنه وكلامه شكّا، بل طلباً لكشف ما خفي عليه، وحثًا على إذلال الكفار، وظهور الإسلام، كما عرف في خلقه وقوته في نصرة الدين، وإذلال المبطلين. وأما جواب أبي بكر لعمر رضي الله عنهما بمثل جواب النبي عَّةِ. فهو من الدلائل الظاهرة على عظم فضله (في ديننا إِذا؟) بالتنوين (قال أبو بكر) لعمر: (أيها الرجل إنه رسول) رواية أبي ذر ولغيره الرسول (اللَّه) بلام (وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه) بفتح الغين المعجمة، وسكون الراء بعدها زاي، وهو للإِبل بمنزلة الركاب للفرس، أي تمسك بأمره ولا تخالفه کالذي يتمسك بركاب الفارس فلا يفارقه. (فوالله إنه على الحق قلت: أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف) بالفاء لأبي ذر ولغيره بالواو (به قال: بلى أفأخبرك أنا نأتيه العام، قلت: لا قال فإِنك آتيه ومطوف به) فأجابه بمثل جوابه له مَّه سواء، فدل أنه أكمل الصحابة وأعرفهم بأحوال المصطفى، وأعلمهم بأمور الدين، وأشدهم موافقة لأمر اللَّه تعالى ولجلالة قدر أبي بكر وسعة علمه عند عمر لم يراجع أحدًا في ذلك بعده عَّ غير الصديق، وإنما سأله بعد المصطفى وجوابه له لشدة ما حصل له من الغيط وقوته في نصر الدين وإذلال الكافرين. كما أفصح عن ذلك سهل بن حنيف الصحابي بقوله فرجع متغيظًا فلم يصبر حتى جاء أبا بکر کما مر عن الصحيح. ووقع في رواية ابن إسحق تقديم سؤاله لأبي بكر على سؤال للنبي عَّه وما في الصحيح أصح. لا سيما وقد أفصح في الحديث الآخر بسبب إتيانه له بعده کما ترى. (قال العلماء: لم یکن سؤال عمر رضي الله عنه و كلامه شگًا) في الدین حاشاه من ذلك، ففي رواية ابن إسحق أنه لما قال له: إِلزم غرزه فإنه رسول اللَّه قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول اللَّه (بل طلبًا لكشف ما خفي عليه) من المصلحة وعدمها في هذا الصلح، (وحثا على إِذلال الكفار وظهور الإِسلام كما عرف في خلقه) بضمتين عادته (وقوته) شدته (في نصر الدين وإِذلال المبطلين،) ففيه جواز البحث في العلم حتى يظهر المعنى، (وأما جواب أبي بكر لعمر وَضَي اللَّه عنهما بمثل جواب النبي ◌َّله) حرفًا بحرف (فهو من الدلائل الظاهرة على عظيم فضله ٢٢٠ أمر الحديبية وبارع علمه، وزيادة عرفانه ورسوخه، وزيادته في كل ذلك على غيره. وكان الصلح بينهم عشر سنين، كما في السير. وأخرجه أبو داود من حديث ابن عمر. ولأبي نعيم في مسند عبد الله بن دينار كانت أربع سنين. وكذا أخرجه الحاكم في البيوع من المستدرك. وبارع علمه وزيادة عرفانه) بأحوال المصطفى، (ورسوخه وزيادته في كل ذلك على غيره) ألا ترى أنه صرح في الحديث، أن المسلمين استنكروا الصلح المذكور وكانوا على رأي عمر، فلم يوافقهم أبو بكر بل كان قلبه على قلب رسول اللَّه عَّله سواء. ومر في الهجرة أن ابن الدغنة وصفه بمثل ما وصفت به خديجة النبي عَّه سواء من كونه يصل الرحم ويحمل الكل ويعين على نوائب الحق وغير ذلك، فلما تشابهت صفاتهما من الابتداء استمر ذلك إلى الانتهاء. وفي البخاري قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً. وفي ابن إسحق ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذٍ مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيرًا. وعند الواحدي عن ابن عباس: لقد أعتقت بسببٍ ذلك رقابًا وصمت دهرًا. وإِنما عمل ذلك وإن كان معذورًا في جميع ما صدر منه، بل مأجورًا لأنه مجتهد لتوقفه عن المبادرة في امتثال الأمر، حتى قال: ما شككت منذ أسلمت إلا هذه الساعة. قال السهيلي: هذا الشك هو ما لا يصر صاحبه عليه وإنما هو من باب الوسوسة. التي قال فيها عَّ: ((الحمد لله الذي رد كيده إِلى الوسوسة))، ففيه أن المؤمن قد يشك ثم يجدد النظر في دلائل الحق فيذهب شكه. قال الحافظ لكن الذي يظهر أنه توقف منه ليقف على الحكمة في القضية وتنکشف عنه الشبه انتهى. (وكان الصلح بينهم عشر سنين، كما في السير) سيرة ابن إسحق وغيرها، (وأخرجه أبو داود من حديث ابن عمر) والحاكم حديث علي وجزم به ابن سعد وهو المعتمد. (ولأبي نعيم في مسند عبد اللّه بن دينار) العدوي مولاهم المدني التابعي الصغير ثقة کثیر الحديث، مات سنة سبع وعشرين ومائة أي ما أسنده عن مولاه عبد الله بن عمر (كانت) مدة الصلح (أربع سنين). (وكذا أخرجه الحاكم في) أواخر (البيوع من المستدرك) عن ابن عمرو قال: صحيح ورده