النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ أمر الحديبية حتى نزحوه، وشُكي إلى رسول الله عَِّ العطش، فانتزع سهمًا من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فیه، فوالله ما زال یجیش لهم بالري حتى صدروا عنه. (حتى نزحوه) بنون فزاي فحاء مهملة أي لم يبقوا منه شيئًا. يقال نزحت البثر على صيغة واحدة في التعدي واللزوم قال الحافظ: ووقع في شرح ابن التين بفاء بدل الحاء ومعناهما واحد، وهو أخذ الماء شيئًا بعد شىء إلى أن لا يبقى منه شىء، (وشكي) بضم أوله مبنيًا للمفعول (إلى رسول اللَّه عَ بد العطش) بالرفع نائب الفاعل، (فالتزع) أخرج (سهمًا من كنانته) بكسر الكاف جعبته التي فيها النبل، (ثم أمرهم أن يجعلوه فيه) في الثمد. قال الحافظ في المقدمة: روى ابن سعد من طريق أبي مروان حدثني أربعة عشرة رجلاً من الصحابة بالأنصار أن الذي نزل البئر ناجية بن الأعجم وقيل هو ناجية بن جندب وقيل البراء بن عازب، وقيل عبادة بن خالد. حكاه عن الواقدي ووقع في الاستيعاب خالد بن عبادة، وقال في الفتح: يمكن الجمع بأنهم تعاونوا على ذلك بالحفر وغيره، (فوالله ما زال يجيش) بفتح أوله وكسر الجيم آخره معجمة أي يفور (بالريّ). قال الحافظ: بكسر الراء ويجوز فتحها (حتى صدروا عنه) أي رجعوا رواء بعد ورودهم. زاد بن سعد حتى اغترفوا بآنيتهم جلوساً على شفير البشر، وكذا في رواية أبي الأسود عن عروة وعند ابن إسحق فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن. وفي حديث البراء عند البخاري أنه عَّ جلس على البشر ثم دعا بإِناء فمضمض ودعا ثم صبه فيها ثم قال: دعوها ساعة فأرووا أنفسهم وركابهم حتى أرتحلوا ويمكن الجمع بأن الأمرين وقعا معًا، وقد روى الواقدي عن أوس بن خولي: أنه عَّ توضأ في الدلو، ثم أفرغه فيها وانتزع السهم فوضعه فيها، وهكذا ذكر أبو الأسود عن عروة وهذه القصة غير القصة التي في حديث جابر عند الشيخين قال: عطش الناس يوم الحديبية وبين يدي رسول اللَّه عَ لّه ركوة يتوضأ منها، فأقبل الناس نحوه، فقال: ((ما لكم:)) قالوا: يا رسول اللَّه ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا نشرب إلا ما في ركوتك، فوضع يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا، وجمع ابن حبان بينهما بأن ذلك وقع في وقتين وكان ذلك قبل قصة البئر وسيأتي في الأشربة يعني من كتاب البخاري بيان أن حديث جابر كان حين حضرت صلاة العصر عند إِرادة الوضوء، وحديث البراء كان لإرادة ما هو أعم من ذلك، ويحتمل أن الماء لما تفجر من أصابعه ويده في الركوة وتوضأوا كلهم وشربوا أمر حينئذٍ بصب الماء الباقي في الركوة في البئر فتكاثر الماء فيها، وقد أخرج أحمد حديث جابر وفيه: فجاءه رجل بأداوة فيها شىء من ماء ليس في ١٨٢ أمر الحديبية فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة . - وكانوا عيبة نصح رسول الله عَّله من أهل تهامة - القوم ماء غيره فصبه عَّله في قدح، ثم توضأ فأحسن الوضوء ثم انصرف وترك القدح فتزاحم. الناس عليه، فقال: ((على رسلكم)) فوضع كفه في القدح ثم قال: ((أسبغوا الوضوء)). قال: فلقد رأيت العيون عيون الماء تخرج من بين أصابعه وفي حديث زيد بن خالد أنهم أصابهم مطر بالحديبية فكان ذلك وقع بعد القصتين المذكورتين والله أعلم وفي هذا معجزات ظاهرة وفيه بر کة سلاحه وما ینسب إليه عے انتهى. من الفتح في موضعين وسيكون لنا إن شاء الله تعالى عودة لمزيد الكلام على ذلك في المعجزات (فبينما) بالميم الزائدة للكشميهني بإسقاطها وبين مضافة الجملة (هم كذلك) تقدير مضاف أي أوقات (إذ جاء بديل) بالموحدة والتصغير (ابن ورقاء) بفتح الواو وسكون الراء بالقاف والمد ابن عمرو بن ربيعة (الخزاعي) بضم الخاء وبالزاي نسبة إلى خزاعة قبيلة من الأزد الصحابي المشهور كان سيد قومه. قال أبو عمر: أسلم يوم الفتح بمر الظهران قال ابن إِسحق وشهد بديل حنينًا والطائف وتبوك وكان من كبار مسلمة الفتح وقيل أسلم قبل الفتح. وقال ابن منده وأبو نعيم أسلم قديمًا (في نفر من قومه.) قال الحافظ سمى الواقدي منهم عمرو بن سالم وخراش بن أمية وفي رواية أبي الأسود عن عروة منهم خارجة بن کرز ويزيد بن أمية انتهى. فقصر البرهان في قوله لا أعرفهم أو مراده جميعهم (من خزاعة) أتى به مع علمه من إِضافة قوم إِلى ضميره لدفع توهم أن يراد، معاشروه ومخالطوه وإِن لم يكونوا من خزاعة. (وكانوا) قال شيخنا: أي خزاعة وذكر باعتبار الحي وقال المصنف أي بديل والنفر الذين معه لكن يؤيد شيخنا أن الروايات تفسر بعضها. وقد رواه ابن إسحق بلفظ وكانت خزاعة (عيبة) بفتح المهملة وسكون التحتية بعدها موحدة ما يوضع فيه الثياب لحفظها أي: أنهم موضع (نصح) بضم النون. وحكى ابن التين: فتحها(رسول اللَّه عَئه) وموضع الأمانة على سره كأنه شبه الصدر الذي هو مستودع السر بالعيبة التي هي مستودع الثياب. قاله الحافظ وتبعه المصنف وغيره وأصله قول النهاية تبعًا للقزاز وغيره من اللغويين العرب تكنى عن الصدور والقلوب بالعياب لأنها مستودع السرائر، كما أن العياب مستودع الثياب (من أهل تهامة) لبيان الجنس، لأن خزاعة من جملة أهل تهامة بكسر الفوقية وهي مكة وما حولها وأصله من التهم وهو شدة الحرور كود الريح. وفي رواية ابن إسحق و کانت خزاعة عيبة رسول الله ګ مسلمها ومشر کها لا يخفون عليه شيئًا كان بمكة. وعند الواقدي أن بديلاً قال للنبي عَّله غورت ولا سلاح معك فقال: (لم نجىء لقتال)) فتكلم أبو بكر فقال له: بدیل أنا لا آتیهم ولا قومي انتھی. ١٨٣ أمر الحديبية فقال: إني ترکت کعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. والعوذ: بالذال المعجمة: جمع عائذ - وهي الناقة ذات اللبن. والمطافيل: الأمهات اللاتي معها أطفالها. یرید أنهم خرجوا معهم. والأصل في موالاتهم له عَّر أن بني هاشم في الجاهلية كانوا تحالفوا مع خزاعة فاستمروا على ذلك في الإِسلام، وفيه جواز استنصاح بعض المعاهدين وأهل الذمة إِذا دلت القرائن على نصحهم، وشهدت التجربة بإيثارهم أهل الإِسلام على غيرهم ولو كانوا من أهل دينهم، ويستفاد منه جواز استتصاح بعض ملوك العدو واستظهاراً على غيرهم، ولا يعد ذلك من موالاة الكفار، ولا من موادة أعداء اللَّه، بل من قبيل استخدامهم، وتقليل شوكة جمعهم وإنكاء بعضهم ببعض، ولا يلزم من ذلك جواز الاستعانة بالمشركين على الإطلاق، (فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي،) إِنما اقتصر على هذين لرجوع أنساب قريش الذين بمكة، أجمع إليهما وبقي من قريش بنو سامة بن لؤي وبنو عوف من لؤي وهم قريش البطاح ولم يكن بمكة منهم أحد، وكذلك قريش الظواهر الذين منهم بنو تيم بن غالب ومحارب بن فهر (نزلوا أعداد) بفتح الهمزة وسكون العین المهملة جمع عد بالکسر والتشديد وهو الماء الذي لا انقطاع له، وغفل الداودي فقال هو موضع بمكة، ذكره كله الفتح فإِضافة أعداد إِلى (مياه الحديبية) من إضافة الأعم إلى الأخص، وفي القاموس أن عد يطلق أيضًا على الكثرة في الشىء، فإن أريدت فهو من إضافة الصفة إِلى الموصوف، أي مياه الحديبية الكثيرة. قال الحافظ: وهذا يشعر بأنه كان بها مياه كثيرة وأن قريشًا سبقوا إِلى النزول عليها، فلذا عطش المسلمون حيث نزلوا على الثمد المذكور، وقد مر قول عروة وسبقت قريش إلى الماء، ونزلوا عليه (ومعهم العوذ) بضم العين المهملة، وسكون الواو (المطافيل) بفتح الميم والطاء المهملة فألف ففاء مكسورة فتحتية ساكنة فلام، (وهم مقاتلوك وصادوك،) مانعوك (عن البيت) الحرام (والعوذ بالذال المعجمة، اآخره (جمع عائذ) بالهمز، وإِن رسم بصورة الياء، ولا يرد أنه اسم فاعل وصف به مؤنث، فقياسه عائدة بالتاء لاختصاصه بالمؤنت، فلا مذكر له يفرق بينه وبين مؤنثه بالتاء على أنه جعل اسمًا، فليست الوصفية مرادة منه، كما يصرح به قوله (وهي الناقة ذات اللبن) فعلى هذا يقال هذه عائذ لا ناقة عائذ ومر نظيره في لقحة، (والمطافيل الأمهات اللاتي معها أطفالها يريد،) كما جزم به في الروض وصدر به الفتح، فتبعه المصنف؛ (أنهم ١٨٤ أمر الحديبية بذوات الألبان من الإبل ليتزودوا بألبانها، ولا يرجعوا حتى يمنعوه، أو كنى بذلك عن النساء معهن الأطفال. والمراد أنهم خرجوا بنسائهم وأولادهم لإرادة طول المقام ليكون أدعى إلى عدم الفرار. فقال رسول الله عٍَّ: إنا لم نجىء لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس إن شاؤوا، فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا - يعني استراحوا - خرجوا معهم بذوات الألبان من الإِبل ليتزودوا بألبانها ، ولا يرجعوا حتى يمنعوه، أو) كما قال ابن قتيبة (كنى بذلك) على سبيل الاستعارة (عن النساء معهن الأطفال والمراد أنهم خرجوا بنسائهم وأولادهم لإرادة طول المقام) إِن دعا إليه الأمر (ليكون أدعى إلى عدم الفرار). زاد الحافظ ويحتمل إرادة المعنى الأعم. قال ابن فارس كل أنثى إِذا وضعت فهي إلى سبعة أيام وعائذ والجمع عوذ كأنها سميت بذلك لأنها تعوذ ولدها وتلتزم الشغل به، وقال السهيلي: سميت بذلك وإن كان الولد هو الذي يعوذ بها لأنها تعطف عليه بالشفقه والحنو كما قالوا تجارة رابحة وإن كانت مربوحا فيها، وعند ابن سعد معهم العوذ المطافيل والنساء والصبيان، (فقال رسول اللّه عَلَه) مجيبًا لبديل (إِنا لم نجىء لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين وإِن قريشًا قد نهكتهم الحرب) بفتح النون والهاء وكسرها في الفرع كأصله أي أبلغت فيهم حتى أضعفت قوتهم وهزلتهم وأضعفت أموالهم. كذا في شرح المصنف والذي اقتصر عليها لحافظ وغيره كسر الهاء (وأضرت بهم فإِن شاؤوا ماددتهم) أي جعلت بيني وبينهم (مدة) تترك الحرب بيننا وبينهم فيها، (ويخلوا بيني وبين الناس) من كفار العرب وغيرهم. (إن شاؤوا) كذا عزاه المصنف لأبي ذر عن المستملي، والكشميهني، وسقط للباقين، فكان ذكرها مجرد تأكيد؛ (فإِن أظهر) بالجزم بإظهار اللَّه تعالى ديني بحيث يدخله الناس، ويتبعوني فيما جئت به (فإِن شاؤوا) مرتب على ظهوره قال المصنف معطوف على الشرط الأول (أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس) من طاعتي (فعلوا) جواب الشرطين (وإلا) أي وإِن لم أظهر، (فقد جموا) بفتح الجيم وشد الميم المضمومة، (يعني استراحوا) من القتال، ولابن عائذ فإِن ظهر الناس عليّ فذاك الذي يبغون فصرح بما حذفه هنا من القسم الأول انتهى. : وقال الحافظ: هو شرط بعد شرط والتقدير، فإِن ظهر غيرهم عليَّ كفاهم المؤنة، وإِن ١٨٥ أمر الحديبية وإن هم أبوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي - أي صفحة العنق، كنى بذلك عن القتل - ولينفذن الله أمره)). فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشًا فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا أظهر أنا على غيرهم، فإِن شاؤوا أطاعوني وإلا فلا تنقضي مدة الصلح إِلا وقد جموا أي استراحوا أي قووا، وفي رواية ابن إسحقِ وإِن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة وإِنما ردد الأمر مع أنه جازم بأنه تعالى سينصره ويظهره لوعد اللَّه تعالى له بذلك على طريق التنزل مع الخصم وفرض الأمر على ما زعمه ولهذه النكتة حذف القسم الأول وهو التصريح بظهور غيره عليه لكن صرح به في رواية ابن إسحق ولفظه فإِن أصابوني كان الذي أرادوا، ولابن عائذ من وجه آخر عن الزهري فإِن ظهر الناس عليّ فذاك الذي يبتغون فالظاهر أن الحذف وقع من بعض الرواة تأدبًا انتهى. (وإِن هم أبوا) امتنعوا، (فوالذي نفسي بيده لأقاتلتهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي) بالسين المهملة، وكسر اللام، (أي صفحة العنق كنى بذلك))) كما قال السهيلي (عن القتل) لأن القتيل تنفرد مقدمة عنقه، وقال الداودي المراد الموت أي حتى أموت وأبقى منفردًا في قبري، ويحتمل أنه أراد أنه يقاتل حتى ينفرد وحده في مقاتلتهم، وقال ابن المنير: لعله نبه بالأدنى على الأعلى، أي أن لي من القوة باللّه الحول به ما يقتضي مقاتلتهم عن دينه لو انفردت، فكيف لا أقاتل عن دينه مع كثرة المسلمين ونفاذ بصائرهم في نصر دين اللَّه، (ولينفذن) بضم أوله وسكون النون وكسر الفاء وذال معجمة فنون مشددة الزركشي والدماميني ضبطاه بفتح النون الأولى وشد الفاء مكسورة. قاله المصنف وكلام الفتح محتمل فإِنه قال بضم أوله وكسر الفاء أي: ليمضين (اللَّه أمره) في نصر دينه وحسن الإِتيان بهذا الجزم بعد ذاك التردد للتنبيه على أنه لم يورده إلا على سبيل الفرض، وفي هذا ما كان عليه عَّه من القوة والثبات في تنفيذ حكم اللَّه، وتبليغ أمره والندب إِلى صلة الرحم والإبقاء على من كان من أهلها وبذل النصيحة للقرابة، (فقال بديل سأبلغهم) بفتح الموحدة وشد اللام (ما تقول). قال الحافظ أي فأذن له (فانطلق) بديل مع ر کبه (حتی أتی قریشًا). زاد الواقدي فقال ناس منهم هذا بديل وأصحابه وإِنما يريدون أن يستخبروكم فلا تسألوهم عن حرف واحد، فرأى بديل أنهم لا يستخبرونه، (فقال: إِنا قد جئناكم من عدد هذا الرجل) يعني النبي عٌَّ (وسمعناه يقول قولاً فإِن شئتم أن نعرضه) بفتح النون (عليكم فعلنا،) وللواقدي إِنا ١٨٦ أمر الحديبية فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشىء، وقال ذو الرأي منهم هات ما سمعته يقول. قال سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي عَّ. فقام عروة بن مسعود، فقال: أي قوم، ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ جئنا من عند محمد أتحبون أن نخبركم عنه؟، (فقال سفهاؤهم) قال الحافظ: سمى الواقدي منهم عكرمة بن أبي جهل والحكم بن العاصي (لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشىء) زاد الواقدي، ولكن أخبره عنا أنه لا يدخلها علينا عامه هذا أبدًا حتى لا بيقي منا رجل واحد، (وقال ذو الرأي منهم هات). قال المصنف بكسر التاء أي أعطني، وقال شيخنا أي اذكر (ما سمعته يقول،) وفي رواية الواقدي فأشار عليهم عورة الثقفي بأن يسمعوا كلام بديل فإِن أعجبهم قبلوه وإلا تركوه فقال صفوان والحرث بن هشام أخبرونا بالذي رأيتم وسمعتم، (قال سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي عَّه:) وفي رواية ابن إسحق فرجعوا إلى قريش فقالوا: إِنكم تعجلون على محمد أنه لم يأت لقتال إِنما جاء زائرًا لهذا البيت، فاتهموهم وجبهوهم وقالوا: وإِن كان جاء لا یرید قتالاً، فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبدًا، ولا تحدث بذلك عنا العرب أبدًا، (فقام عروة بن مسعود) بن معتب بضم الميم وفتح المهملة وشد الفوقية المكسورة بعدها موحدة الثقفي أسلم عند منصرفه عَّ عن الطائف، ورجع إلى قومه ودعاهم إلى الإِسلام فقتلوه، فقال عَّه: ((مثله في قومه کصاحب یس). ووقع في رواية أحمد عن ابن إِسلحق عروة بن عمرو بن مسعود قال الحافظ والصواب الأول وهو الذي في السيرة (فقال: أي قوم ألستم بالوالد،) أي: مثله في الشفقة على ولده، (قالوا: بلى قال: أو لست بالولد) أي مثله في النصح لوالده، (قالوا: بلى.) وعند ابن إِسحق أن أم عروة سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف، فأراد أنهم قد ولدوه في الجملة لكون أمه منهم ولأبي ذر ألستم بالولد وألست بالوالد، وجرى عليه بعض الشراح، فقال: أي أنتم عندي في الشفقة والنصح بمنزلة الولد، قال ولعله كان يخاطب قومًا هو أسن منهم. قال الحافظ والصواب الأول وهو الذي في رواية أحمد وابن إِسلحق وغيرهما، (قال: فهل تتهمونني) بنونين رواية أبي ذر على الأصل، ولغيره بواحدة أي تنسبوني إلى التهمة؟، (قالوا لا) نتهمك، وعند ابن إسحق قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم، (قال ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ») بضم لمهملة، وخفة الكاف وآخره طاء معجمة مصروف، ولأبي ذر بمنعه، ١٨٧ أمر الحديبية فلما بلحوا علي - وهو بالحاء المهملة، أي تمنعوا من الإجابة - جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا بلى قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد - أي خصلة خير وصلاح - اقبلوها، ودعوني آته، قالوا اثته. فأتاه، فجعل يكلم النبي عَّهِ فقال النبي عَّ نحوًا من قوله لبديل. فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، أي دعوتهم إلى نصركم، (فلما بلحوا علىَّ وهو) بالموحدة وشد اللام المفتوحتين، و (بالمهملة) المضمومة (أي امتنعوا من الاجابة) قال الحافظ والتبلح التمنع من الإِجابة وبلح الغريم إذا امتنع من أداء ما عليه (جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني، قالوا: بلى). (قال فإن هذا) - يعني النبي عَّ﴾ . - (قد عرض عليكم) وللكشميهني لكم (خطة) بضم الخاء المعجمة وشد المهملة (رشد) بضم الراء وسكون المعجمة وبفتحهما، (أي خصلة خير وصلاح) وإِنصاف (اقبلوها،) وبين ابن إسحق أن سبب تقديمه لهذا الكلام ما رآه من ردهم العنيف على من يجيء من عند المصطفى، ووقع عنده تقديم مجيء مكرز ثم الحليس على عروة، ولا ريب أن ما في الصحيح أصح (ودعوني،) اتركوني (آنه) بالمد مجزوم على جواب الأمر، وأصله آتيه أي أجيء إِليه، هكذا اقتصر عليه الفتح، وعزاه المصنف لأبي ذر، وصدر بأنه آتيه بالياء على الاستئناف. (قالوا: اثته) قال الحافظ: بألف وصل بعدها همزة ساكنة ثم مثناة مکسورة، ثم هاء ويجوز کسرها. زاد المصنف أمر من أتى يأتي (فأتاه،) أي: فأتى عروة النبي عَّ. هكذا هو ثابت في البخاري، وسقط في كثير من نسخ المصنف، فاحتاج شيخنا لتقديرها، (فجعل يكلم النبي عَليه) بنحو ما قال: بديل، (فقال له النبي عَّه نحوًا من قوله لبديل) السابق. زاد ابن إسحق وأخبره أنه لم يأت يريد حربًا، (فقال عروة عند ذلك) قال الحافظ: أي عند قوله لأقاتلنهم، (أي: محمد أرأيت) أي: أخبرني (إن استأصلت أمر قومك) أي أهلكتهم بالكلية، (هل سمعت بأحد من العرب اجتاح) بجيم، ثم حاء مهملة أي أهلك (أهله قبلك) حتى يكون سلفك، فلا تلام أولاً فتلام لاحداثك ما لم يسبقك إليه أحد من العرب، (وإن تكن الأخرى) قال الحافظ حذف الجزاء تأدباً معه عَّه، والمعنى وإن تكن الغلبة لقريش فلا آمنهم عليك مثلاً وقوله فإني الخ، کالتعلیل هذا المقدر المحذوف، والحاصل أنه ردد الأمر بین شیئین غير مستحسنین، وهو هلاك قومهِ إِن غَلَبْ وذهاب أصحابه إِن غُلِبْ، لكن كل منهما مستحسن شرعًا، كما قال ١٨٨ أمر الحديبية فإني والله لأرى وجوهًا، وإني لأرى أشوابًا يعني اخلاطًا من الناس خليقًا أن يفروا عنك ويدعوك. فقال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه: امصص بظر اللات، تعالى ﴿تربصون بنا إِلا إِحدى الحسنيين﴾، [التوبة: ٥٢] انتهى. ونحو تقديره للكرماني وتبعه العيني وقدر الزركشي وإِن كانت الأخرى كانت الدولة للعدو، وكان الظفر لهم عليك وعلى أصحابك. ورده الدماميني باتحاد الشرط والجزاء لأن الأخرى هي انتصار العدو وظفرهم فيؤول تقديره إِلى أن انتصر أعداؤك وظفروا كانت الدولة لهم وظهروا. قال فالمستقيم تقدير لم ينفعك أصحابك (فإِني واللَّه لأرى) هكذا، هو في البخاري بالإِثبات (وجوهًا) قال المصنف: أي أعيان الناس انتهى. فيعني بهم قريشًا، والمعنى أن أعداءه أعيان وأصحابه بأخلاط، ويقع في بعض نسخ المواهب مصحفًا لا أرى بزيادة ألف واقتصر عليها الشارح، وتكلف شرحها بأنه كالتعليل لعدم ثباتهم، أي: لا يظهر منهم نصر، ولإثبات لأنهم أخلاط ليسوا من قبيلة واحدة حتى يحرصوا على الثبات على مناصرة بعضهم بعضًا، لكن حيث لم تأت بها الرواية، ولم يتكلم عليها الشرح، ولا ذكروها نسخة فلا عبرة بها. (وإِني لأرى) بالإثبات أيضًا (أشوابًا) بتقديم المعجمة على الواو للأكثر، وعليها اقتصر صاحب المشارق. قال المصنف ولأبي ذر عن الكشميهني أوشابا بتقديم الواو المعجمة ويروى أوباشا بتقديم الواو على الموحدة (يعني أخلاطًا من الناس) قال الحافظ: والأشواب الأخلاط من أنواع شتى والأوباش الأخلاط من السفلة فالأوباش أخص من الأشواب (خليقًا) بالخاء المعجمة والقاف. أي: حقيقًا وزنا ومعنى ويقال للواحد والجمع، ولذا وقع صفة لأشواب (أن يفروا عنك ويدعوك) بفتح الدال أي: يتركوك. وفي رواية أبي المليح عن الزهري فكأني بهم لو قد لقيت قريشًا قد أسلموك فتؤخذ أسيرًا، فأي شىء أشد عليك من هذا، وفيه أن العادة جرت أن الجيوش المجمعة لا يؤمن عليها الفرار، بخلاف من كان من قبيلة واحدة، فإنهم يأنفون الفرار عادة، وما درى عروة أن مودة انتھی. الإِسلام أعظم من مودة القرابة، وقد ظهر له ذلك من مبالغة المسلمين في تعظيمه ـ (فقال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه) زاد ابن إِسحق وأبو بكر خلف رسول اللَّه. قاعد (امصص) بألف وصل، وصادين مهملتين الأولى مفتوحة بصيغة الأمر، وحكى ابن التين عن رواية القابسي ضم الصاد الأولى وخطأها، وأقره الحافظ والمصنف؛ لأنه خلاف الرواية، وإِن جاء لغة (بظر) بياء واحدة رواية أبي ذر ولغيره ببظر بياءين (اللات) زاد ابن عائذ من وجه آخر عن ١٨٩ أمر الحديبية أنحن نفر عنه وندعه؟. قال العلماء: وهذا مبالغة من أبي بكر في سب عروة، فإنه أقام معبود عروة، وهو صنمه مقام أمه، وحمله على ذلك ما أغضبه به من نسبته إلى الفرار. والبظر : - بالموحدة المفتوحة والظاء المعجمة الساكنة - قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة. واللات: اسم صنم. والعرب تطلق هذا اللفظ في معرض الذم. انتھی. فقال عروة: من هذا؟ قالوا: أبو بكر، فقال: أما والذي نفسي بيده . .. الزهري وهو طاغيته التي تعبد أي طاغية عروة (أنحن نفر عنه وندعه) استفهام إنكار قصد به توبيخه في نسبة الفرار لهم. قال العلماء هذا مبالغة من أبي بكر في سب عروة فإنه أقام معبود عروة وهو صنمه مقام أمد) لأن عادة العرب الشتم بذلك بلفظ الأم فأبدله الصديق باللات فنزله منزلة إمرأة تحقيرًا لمعبوده، (وحمله على ذلك ما أغضبه به من نسبة المسلمين إلى الفرار والبظر بالموحدة المفتوحة والظاء المعجمة الساكنة) وبالراء وجمعه بظور وأبظر كفلوس وأفلس، (قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة،) كما جزم به في الفتح وزاد المصنف في الشرح، وقال الداودي هو فرج المرأة. قال السفاقسي: والذي عند أهل اللغة أنه ما يخفض من فرج المرأة، أي يقطع عند خفضها انتھی. . وفي المصباح البظر لحمة بين شفري المرأة، وهي الغلفة التي تقطع في الختان، (واللات اسم صنم) كانت ثقيف وقريش يعبدونها، (والعرب تطلق هذا اللفظ في معرض الذم،) فيقولون امصص بظر أمك، فاستعار ذلك أبو بكر في اللات (انتهى). زاد الحافظ وفيه جواز النطق بما يستبشع من الألفاظ لإرادة زجر من بدا منه ما يستحق به ذلك، وقال ابن المنير في قول أبي بكر تخسيس للعدو ولدينهم .وتعريض بإلزامهم من قولهم اللات بنت اللَّه تعالى عن ذلك بأنها لو كانت بنتًا كان لها ما يكون للإناث، (فقال عروة من هذا) لفظ البخاري من ذا (قالوا أبو بكر، فقال:) وفي رواية ابن إسحق من هذا يا محمد؟، قال: «هذا ابن أبي قحافة)، واستفهم عنه لجلوسه خلف المصطفى، فلا ينافي أنه يعرفه، وله عليه يد، كما قال (أما) بفتح الهمزة وخفة الميم حرف استفتاح، (والذي نفسي بيده). ١٩٠ أمر الحديبية لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي ◌َّله، فكلما تكلم أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي عَّةٍ ومعه السيف عليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي عَّ ◌َّهُ ضرب يده بنعل السيف وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله عَّه. وقد كانت عادة العرب قال الحافظ هذا يدل على أن القسم به كان عادة العرب، (لولا يد) نعمة ومنة (كانت لك عندي لم أجزك) بفتح الهمزة وسكون الجيم وبالزاي لم أكافئك (بها لأجبتك). زاد ابن إسحق ولكن هذه بها أي جازاه بعدم إجابته عن شتمه بيده التي كان أحسن إليه بها وبين عبد العزيز في روايته عن الزهري، أن اليد المذكورة أن عروة كان تحمل بدية، فأعانه فيها أبو بكر بعون حسن، وفي رواية الواقدي بعشر قلائص وكان غيره يعينه بالاثنين والثلاث. (قال وجعل) عروة (يكلم النبي عَّة، فكلما تكلم) زاد أبو ذر عن الحموي، والكشميهني كلمة وفي رواية فكلما كلمه (أخذ بلحيته) الشريفة، وفي رواية ابن إسحق، فجعل يتناول لحية النبي عَّه وهو يكلمه، (والمغيرة بن شعبة) بن مسعود بن معتب الثقفي الصحابي الشهير أسلم قبل الحديبية، توفي سنة خمسين على الصحيح (قائم على رأس النبي عَّه ومعه السيف) قصدًا لحراسته، (وعليه المغفر) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء، وفي رواية أبي الأسود عن عروة بن الزبير أن المغيرة لما رأى عروة مقبلاً لبس لأمته وجعل على رأسه المغفر ليستخفي من عروة عمه. قال الحافظ: فيه جواز القيام على رأس الأمير بالسيف لقصد الحراسة ونحوها من ترهيب العدو، ولا يعارضه النهي عن القيام على رأس الجالس لأن محله ما إذا كان على وجه العظمة والكبر، (فكلما أهوى) أي مد أو قصد أو أشار أو أومأ (عروة بيده إِلى لحية النبي عَّ ضرب يده) إِجلالا وتعظيمًا له عَّل. (بنعل السيف). قال الحافظ هو ما يكون أسفل القراب من فضة أو غيرها وتبعه المصنف وغيره فقول الجوهري وأتباعه هو الحديدة التي في أسفل جفنه وهو غلافه ليس قيدًا. (وقال أخر) فعل أمر من التأخير (يدك عن لحية رسول اللَّه عَلفيه). زاد ابن إسحق قبل أن لا تصل إليك، وزاد عروة بن الزبير: فإنه لا ينبغي لمشرك أن يمسه، وفي رواية ابن إسحق: فيقول عروة: ما أفظك وأغلظك (وقد كانت عادة العرب،) كما قال في ١٩١ أمر الحديبية أن يتناول الرجل لحية من يكلمه، لا سيما عند الملاطفة، وفي الغالب إنما يصنع ذلك النظير بالنظير، لكن كان عَّ يغضي لعروة استمالة وتأليفًا. والمغيرة يمنعه إجلالاً للنبي ◌ّه وتعظيمًا. انتهى. قال فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر، ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، الفتح وغيره (أن يتناول الرجل لحية من يكلمه، ولا سيما عند الملاطفة). قال البرهان: يريدون بذلك التحية والتواصل، وأكثرهم فعلا لذلك أهل اليمن، وحكي ذلك عن بعض العجم أيضًا، (وفي الغالب إِنما يصنع ذلك النظير بالنظيره) فربما رأى عروة لعظمته في قومه أنه نظير للمصطفى وما علم حينئذٍ أنه لا نظير له فاللائق منعه، (لكن كان عَّ يغضي) بغين وضاد معجمتين يتغافل ويسكت (لعروة) فلا يؤاخذه بفعله، ولا يمنعه (استمالة وتأليفًا) له ولقومه، (والمغيرة يمنعه إِجلالاً للنبي عَلَه، وتعظيمًا) لعلمه بأن اللَّه تعالى لم يخلق له نظيرًا (التھی). ما فصل به بين أجزاء الحديث من حكمة تناول اللحية ومنع المغيرة له، (قال فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟،) وفي رواية أبي الأسود عن عروة بن الزبير، فلما أكثر المغيرة مما يقرع يده غضب، وقال: ليت شعري من هذا الذي قد آذاني من بين أصحابك، واللَّه لا أحسب فيكم ألأم منه، ولا أشرم منزلة (قال) كذا لأبي ذر، ولغيره قالوا: (المغيرة) وفي رواية ابن إسحق فتبسم عَّ فقال له عروة: من هذا يا محمد؟، قال: ((هذا ابن أخيك المغيرة (بن شعبة)) وكذا أخرجه ابن أبي شيبة، وابن حبان من حديث المغيرة بن شعبة نفسه بإسناد صحيح، (فقال: أي غدر) بالمعجمة بوزن عمر معدول عن غادر مبالغة في وصفه بالغدر، أي ترك الوفاء (ألست أسعى في) . دفع شر (غدرتك) بفتح العين أي جنابتك ببذل المال، وفي مغازي عروة، والله ما غسلت يدي من غدرتك ولقد أورثتنا العداوة في ثقيف، وفي رواية ابن إسحق وهل غسلت سوأتك إِلا بالأمس. (وكان المغيرة) قبل إِسلامه (صحب قومًا في الجاهلية) ثلاثة عشر من ثقيف من بني لملك لما خرجوا للمقوقس بمصر بهدايا، فأحسن إليهم وأعطاهم وقصر بالمغيرة، لأنه ليس من القوم، بل من أحلافهم، فغار منهم، ولم يواسه أحد منهم فلما كانوا ببعض الطريق شربوا الخمر وناموا فوثب المغيرة (فقتلهم) كلهم، (وأخذ أموالهم ثم جاء) إلى المدينة، (فأسلم) فقال أبو بكر: ما فعل الملكيون الذين كانوا معك؟، قال: قتلتهم وجئت بأسلابهم إِلى رسول اللَّه عَليه ١٩٢ أمر الحديبية فقال النبي عَّةٍ: أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شىء. ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي عَِّ بعيينه، فقال: والله ما تنخم رسول الله عٍَّ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيمًا له. ليحسن أو ليرى رأيه فيها، (فقال النبي عَّله: أما الإِسلام) بالنصب على المفعولية. كذا قال المصنف، (فأقبل) بلفظ المتكلم أي أقبله، (وأما المال فلست منه في شىء،) أي لا أتعرض له لكونه أخذ غدرًا، لأنه لا يحل أخذ مال الكفار غدرًا حال الأَمن، لأن الرفقة يصطحبون على الأمانة وهي تؤدى إلى أهلها مسلمًا كان أو كافرا، وإنما تحل أموالهم بالمحاربة والمغالبة فلعله عَلَّه ترك المال في يده لإِمكان إِسلام قومه فيرد إليهم أموالهم، وفيه أن الحربي إذا أتلف مال الحربي لم يضمن وهو أحد وجهين للشافعية. كذا في الفتح فبلغ ذلك ثقيفًا فتهايج الفريقان للقتال بنو لملك والأحلاف رهط المغيرة، فسعى عروة عمه حتى أخذوا منه دية ثلاثة عشر نفرًا واصطلحوا، وقد ساق الواقدي وابن الكلبي القصة مطولة وهذا حاصلها قال اليعمري: كذا في الخبر أن عروة عم المغيرة، وإنما هو عم أبيه انتهى. ولا ضير في ذلك فعم الأَب عم فمراده مجرد الفائدة، لا الانتقاد كيف وقد نطق به سيد الفصحاء، (ثم إِن عروة جعل يرمق) بضم الميم، أي يلحظ (أصحاب النبي ◌َّه بعينيه) بالتثنية، (فقال) الراوي حين حدث الحديث لمسور ومروان حكاية عن حال الصحابة مع المصطفى . بحضرة عروة، (واللَّه ما تنخم رسول اللَّه عَّه نخامة) قال المصنف بضم النون ما يخرج من الصدر إلى الفم (إلاَّ وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده) تبركًا. زاد ابن إسحق ولا يسقط من شعره شىء إلا أخذوه، (وإِذا أمرهم ابتدروا أمره) أي أسرعوا إِلى فعله، (وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه) بفتح الواو فضلة الماء الذي توضأ به أي على ما يجتمع من القطرات وما يسيل من الماء الذي باشر أعضاءه الشريفة عند الوضوء. قاله المصنف وهو صريح في أنه الشرعي، وزعم أن المراد غسل يديه وأنه أبلغ لأنه يكون من الطعام ومما يستقدر، فإِذا تبادروا إِلى ذلك فأولى للشرعي، (وإِذا تكلم) عليه الصلاة والسلام لأبي ذر تكلموا أي الصحابة، (خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون) بضم أوله وكسر الحاء المهملة، أي يديمون (النظر إِليه تعظيمًا له). ١٩٣ أمر الحديبية قال في فتح الباري: فيه إشارة إلى الرد ما خشيه من فرارهم، فكأنهم قالوا بلسان الحال: من نحبه هذه المحبة ونعظمه هذا التعظيم كيف يظن أنه نفر عنه ونسلمه لعدوه، بل هم أشد اغتباطًا به وبدينه ونصره من هذه القبائل التي تراعي بعضها بمجرد الرحم والله أعلم. انتهى. قال: فرجع عروة إلى أصحابه فقال أي قوم. والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم (قال في فتح الباري فيه) أي فعل الصحابة ما ذكر وليس الضمير للقول المذكور ويتعسف توجيهه بأنه قال لأرى وجوهًا الخ، بحسب ظنه على ما جرت به عادة الأخلاط، فتبين له خطأه بفعل الصحابة فإِن لفظ الفتح، ولعل الصحابة فعلوا ذلك بحضرة عروة، وبالغوا في ذلك (إشارة إلى الرد على ما خشيه من فرارهم، فكأنهم قالوا بلسان الحال من نحبه هذه المحبة، ونعظمه هذا التعظيم كيف يظن به أن نفر عنه ونسلمه) بضم أوله وسكون السين (لعدوه) من أسلمه إِذا خذله. فالمعنى من كانت هذه صفته كيف يترك نصره ويخلى بينه وبين عدوه، (بل هم أشد اغتباطًا) بمعجمة، أي تعلقًا وتمسكًا (به وبدينه ونصره من هذه القبائل التي تراعي بعضها بمجرد الرحم) بقية كلام الفتح، فيستفاد منه جواز التوصل إلى المقصود بكل طريق سائغ (والله أعلم انتهى). (قال فرجع عروة إِلى أصحابه فقال: أي قوم واللَّه لقد وفدت) بفتح الفاء قدمت (على الملوك، ووفدت على قيصر) غير منصرف للعجمة لقب لكل من ملك الروم (وكسرى) بكسر الكاف، وتفتح لكل من ملك الفرس (والنجاشي،) بفتح النون وتكسر، وخفة الجيم وأخطأ من شددها، فألف فشين معجمة، فتحتية مشددة ومخففة لقب لمن ملك الحبشة، وهذا من عطف الخاص على العام، وخص الثلاثة بالذكر لأنهم أعظم ملوك ذلك الزمان، (واللّه إِن) بكسر الهمزة وسكون النون نافية، أي ما (رأيت ملكًا قط تعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، واللّه إِن) بكسر فسكون أيضًا، أي ما (يتخم) مصارع رواية أبي ذر ولغيره تنخم بلفظ الماضي (نخامة إِلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإِذا أمرهم ابتدروا أمره، وإِذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم) عليه الصلاة والسلام، ولأبي ذر تكلموا، أي ١٩٤ أمر الحديبية خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له. وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته، فقالوا اثته، فلما أشرف على النبي عٍَّ وأصحابه، قال رسول الله عَّله: هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له، فبعثت له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، الصحابة (خفضوا أصواتهم عنده) إِجلالاً وتوقيرًا، (وما يحدون النظر إليه تعظيمًا له، وإنه) بكسر الهمزة (قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها) بهمزة وصل وفتح الموحدة عند ابن إسحق. ولقد رأيت قومًا لا يسلمونه لشىء أبدًا فروا رأيكم. وعند ابن أبي شيبة من مرسل علي بن زيد فقال عروة أي قوم قد رأيت الملوك ما رأيت مثل محمد وما هو بملك ولقد رأيت الهدي معكوفًا وما أراكم إلا ستصيبكم قارعة فانصرف هو ومن تبعه إلى الطائف. وفي قصة عروة من الفوائد ما يدل على جودة عقله وتفطنه، وما كان على الصحابة من المبالغة في تعظيمه عَ له وتوقيره ومراعاة أموره وردع من جفا عليه بقول أو فعل والتبرك بآثاره (فقال رجل) هو الحليس بمهملتين مصغر، وسمى ابن إسحق والزبير بن بكار أباه علقمة وكان الحليس سيد الأحابيش يومئذٍ قال البرهان: لا أعلم له إِسلامًا والظاهر هلاكه على كفره (من بني كنانة دعوني آنه) بالجزم وكسر الهاء، رواية أبي ذر أي: أذهب إليه، ولغيره آتيه بتحتية قبل الهاء (فقالوا: الته) بهمزة ساكنة وكسر الهاء فأتاه (فلما أشرف على النبي عَلّ. وأصحابه قال رسول اللَّه عَامٍ: هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن) جمع بدنة، وهي البعير ذكرًا كان أو أنثى والهاء فيها للوحدة لا للتأنيث. وعن لملك أنه كان يتعجب ممن يخصها بالأنثى، وقال الأزهري: البدنة لا تكون إلا من الإِبل، وأما الهدي فمن الإبل والبقر والغنم، فنقل النووي عنه أن البدنة من الإبل والبقر، والغنم خطأ نشأ عن سقط، وفي الصحاح البدنة ناقة أو بقرة تنحر بمكة سميت بذلك، لأنهم كانوا يسمنونها، قاله الحافظ في كتاب الجمعة (فابعثوها) أي أثيروها دفعة واحدة (له فبعثوها له) ليعتبر برؤيتها، ويتحقق أنهم لم يريدوا حربًا، فيعينهم على دخول مكة لنسكهم، (واستقبله الناس يلبون) بالعمرة، (فلما رأى) الكناني (ذلك قال) متعجبًا (سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا) بضم أوله وفتح المهملة يمنعوا (عن البيت). ١٩٥ أمر الحديبية فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص، فقال دعوني آته .. فلما أشرف علیهم قال وفي رواية الزبير بن بكار أبى اللَّه أن تحج لخم وجذام وكندة وحمير، ويمنع ابن عبد المطلب وعند ابن إسحق والواقدي، وابن سعد فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي بقلائده، وقد حبس عن محله رجع ولم يصل إلى رسول اللَّه عَّله، لكن في مغازي عروة عند الحاكم، فصاح الحليس فقال: هلكت قريش ورب الكعبة إِن القوم إنما أتوا عمارًا، فقال عَيـ ((أجل يا أخا بني كنانة) قال الحافظ: فيحتمل أنه خاطبه على بعد، (فلما رجع إِلى أصحابه قال رأيت البدن قد قلدت) بضم القاف وكسر اللام مشددة، (وأشعرت) بضم أوله وسكون المعجمة وكسر المهملة، (فما أرى) بفتح الهمزة (أن يصدوا عن البيت). زاد ابن إسحق فقالوا له: إِجلس فإنما أنت إِعرابي لا علم لك وحدثني عبد اللّه بن أبي بكر أن الحليس غضب عند ذلك، وقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاهدنا کم. أيصد عن بيتِ اللَّه مِن جاء معظمًا له؟، والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأَنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد، فقالوا له: أكفف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به. قال الحافظ: وفي هذه القصة جواز المخادعة في الحرب وإظهار إرادة الشىء والمقصود غيره، وأن كثيرًا من المشركين كانوا يعظمون حرمات الإحرام والحرم وينكرون على من يصد ذلك تمسگًا منهم ببقایا دین إبراهيم عليه السلام. (فقام رجل منھم یقال له مکرز بن حفص،) زاد ابن إسحق بن الأخيف وهو بمعجمة فتحتية فقاء من بني عامر بن لؤي، قال في الإِصابة والنور: لم أرّ من ذكره في الصحابة إلا ابن حبان بلفظ يقال له صحبة ومكرز بكسر الميم، وسكون الكاف، وفتح الراء بعدها زاي كما ضبطه الحافظ أبو علي الغساني وغيره. قال السهيلي في غزوة ودان، وهكذا الرواية حيث وقع قال ابن ماكولا: ووجدته بخط ابن عبدة النسابة بفتح الميم، قال الحافظ في الفتح وبخط يوسف بن خليل الحافظ بضم الميم، وكسر الراء، والأول المعتمد، (فقال دعوني آته) بالجزم وكسر الهاء رواية أبي ذر مضارع أتى بالقصر جاء أما بالمد فمعناه أعطى ولغيره آتيه بياء على الاستئناف، (فلما أشرف عليهم قال ١٩٦ أمر الحديبية النبي صَّهِ: هذا مكرز، وهو رجل فاجر. فجعل يكلم النبي عَّه. فبينما هو یکلمه إذ جاء سهيل بن عمرو، النبي عَ هُ. هذا مكرز وهو رجل فاجر) بالفاء والجيم. وفي رواية ابن إِسحق غادر. قال الحافظ: وهو أرجح، وما زلت متعجبًا من وصفه بالفجور مع أنه لم يقع منه في قصة الحديبية فجور ظاهر، بل فيها ما يشعر بخلاف ذلك، كما سيأتي من كلامه في قصة أبي جندل، إلى أن رأيت في مغازي الواقدي في غزوة بدر أن عتبة بن ربيعة قال لقريش: كيف نخرج من مکة وبنو کنائة خلفنا لا نأمنهم على ذرارینا، وذلك أن حفص بن الأخیف کان له ولد وضيء، فقتله رجل من بني بكر بن كنانة بدم لهم كان في قريش فتكلمت قريش في ذلك، ثم اصطلحوا فعدا مكرز بعد ذلك على عامر بن يزيد سيد بني بكر غرة، فقتله فنفرت من ذلك كنانة، فجاءت وقعة بدر أثناء ذلك، فكان مكرز معروفًا بالغدر. وذكر الواقدي أيضًا أنه أراد أن يثبت المسلمين بالحديبية فخرج في خمسين رجلاً فأخذهم محمد بن مسلمة، وهو على الحرس وانفلت مكرز؛ فكأنه عِِّ أشار إلى ذلك انتهى، وبه تعلم أنه لا وجه لقول الشارح أن قوله وهو رجل غادر بوحي؛ لأنه لو كان ناشئاً عن خبر لذ کروہ انتھی. فهذا خبره (فجعل يكلم النبي عَّة) زاد ابن إسحق، فقال له عَّةٍ: نحوًا مما قال لبديل وأصحابه، (فبينما) بالميم (هو يكلمه إِذ جاء سهيل بن عمرو) القرشي، العامري خطيب قريش سكن مكة، ثم المدينة أسلم في الفتح قال الإِمام الشافعي: كان محمود الإِسلام من حين أسلم. روى البخاري في تاريخه، والباوردي عن الحسن قال: كان من الطلقاء فنظر بعضهم إلى بعض فقال سهيل: على أنفسكم فاغضبوا دعي القوم ودعيتم فأسرعوا وأبطأتم فكيف بكم إِذا دعيتم إِلى أبواب الجنة، ثم خرج إلى الجهاد. وروى ابن شاهين عن ثابت البناني قال: قال سهيل واللَّه لا أدع موقفًا وقفته مع المشركين إِلا وقفت مع المسلمين مثله، ولا نفقة أنفقتها مع المشركين إلا أنفقت على المسلمين مثلها، لعل أمري أن يتلو بعضه بعضًا مات بالشام بطاعون عمواس سنة ثمان عشرة عند الأكثر ويقال قتل باليرموك، ويقال: بمرج الصفراء وقضية هذا الحديث الصحيح أنه جاء قبل انصراف مكرز من عند المصطفى، وفي رواية ابن إسحق أن مكرزًا رجع إِلى قريش فأخبرهم بقوله عَّه وأن ذهاب الحليس، ثم عروة بعد مكرز فيجمع بأنه رجع فأخبرهم، ثم جاء مع سهيل في الصلح هو وحويطب كما رواه الواقدي، وابن عائذ، فكان مكرز سبق سهيلاً في المجيء فكلم المصطفى فجاء سهیل. ١٩٧ أمر الحديبية قال معمر فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل قال النبي عَ لّه قد سهل لكم من أمر کم. وفي رواية ابن إسحق: فدعت قريش سهيل بن عمرو فقالت: اذهب إلى هذا الرجل فصالحه، فقال عَّه: قد أرادت قريش الصلح حين بعثت هذا، فلما انتهى إلى النبي عَّه جرى بينهما القول وأما ثم في رواية ابن إسحق في قوله ثم بعثوا الحليس ثم عروة، فإنما هي للترتيب الذكري فلا تعارض رواية الصحيح وإلا فما في الصحيح أصح. (قال معمر) بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة ابن راشد مما هو موصول إليه بالإِسناد السابق، (فأخبرني) بالإِفراد (أيوب) هو السختياني عن عكرمة) بن عبد اللَّه البربري مولى ابن عباس: (أنه لما جاء سهيل قال النبي ◌َّرُ: قد سهل لكم) بفتح السين وضم الهاء، كما اقتصر عليه المصنف. زاد الدماميني وبضم السين وكسر الهاء مشددة (من أمركم.) قال الكرماني: فاعل سهل ومن زائدة أو تبعيضية أي سهل بعض أمركم انتهى. أي على جعل الفاعل مضمون الجار والمجرور أو جعلهما صفة لمحذوف أي شىء من أمركم فسمي فاعلاً لقيامه مقام الموصوف المحذوف فلا يرد على جعلها تبعيضية أن الفاعل لا يجر إلا بحرف الجر الزائد وهو من أو الباء قال المصنف، وهذا من باب التفاؤل وكان يعجبه الفأل الحسن وأتى بمن التبعيضية إيذانًا بأن السهولة الواقعة في هذه القصة ليست عظيمة. قیل ولعله علیه السلام أخذ ذلك من التصغير في سهیل فإن تصغيره يقتضي کونه ليس عظيمًا انتهى. قال في الفتح وهذا مرسل ولم أقفٍ علی من وصله، فذكر ابن عباس فيه لكن له شاهد موصول عند ابن أبي شيبة عن سلمة بن الأكوع قال: بعثت قريش سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى إِلى النبي عَّةٍ ليصالحوه، فلما رأى عَِّ سهيلاً قال قد سهل لكم من أمر كم، وللطبراني نحوه من حديث عبد الله بن السائب. (وفي رواية ابن إِسحق فدعت قريش سهيل بن عمرو. فقالت: إِذهب إِلى هذا الرجل فصالحه) ولا تكن في صلحه إِلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدًا، فأتى سهيل، (فقال عَّ) لما رآه مقبلاً (قد أرادت قريش الصلح حين بعثت هذا) الرجل، (فلما انتهى إلى النبي عَبْدُ،) وبرك على ركبتيه، وتربع المصطفى، وقام عباد بن بشر وسلمة بن أسلم على رأسه مقنعان في الحديد، وجلس المسلمون حوله (جرى بينهما القول) ١٩٨ أمر الحديبية حتى وقع بينهما الصلح على أن توضع الحرب بينهم عشر سنين وأن يؤامر بعضهم بعضًا، وأن يرجع عنهم عامهم هذا. وقال معمر قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا. فدعا النبي ◌َ ◌ّه الكاتب. فقال له النبي عَّله اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: أما الرحمن الرحيم فوالله ما أدري ما هو، وأطال سهيل الكلام وتراجعا، وقال له عباد: إِخفض صوتك عند النبي عَّهُ (حتى وقع بينهما الصلح على أن يوضع الحرب بينهم عشر سنين،) كما في رواية ابن إسحق هذه، وبه جزم ابن سعد وأخرجه الحاكم من حديث علي، وهو المعتمد وقع في مغازي ابن عائذ عن ابن عباس وغيره أنه كان سنتين، وكذا عند ابن عقبة قال الحافظ، ويجمع بأن العشر هي المدة التي وقع الصلح عليها والسنتين هي التي انتهى أمر الصلح فيها حتى نقضته قريش، كما يأتي في غزوة الفتح وما وقع في كامل ابن عدي ومستدرك الحاكم وأوسط الطبراني عن ابن عمران مدة الصلح كانت أربع سنين، فهو مع ضعف إِسناده منكر مخالف للصحيح (وأن يؤامر بعضهم بعضًا، وأن يرجع عنهم عامهم، هذا) إلى هنا ما نقله من رواية ابن إسحق، (و) عاد المصنف لحديث البخاري. فقال: (قال معمر) هو موصول بالإِسناد الأول إِلى معمر وهو بقية الحديث، وإنما اعترض حديث عكرمة في أثنائه. قال الحافظ (قال الزهري في حديثه) السابق بسنده عن عروة عن مسور ومروان (فجاء سهيل بن عمر، فقال هات) بكسر التاء أي إِفعل معنا ما يؤكد ما اصطلحنا عليه فمفعول هات محذوف، و کأنه قیل ماذا تريد قال: (أُکتب بيننا وبينكم كتابًا) فهو استئناف مبين للمطلوب، فلا يراد أن أكتب للطلب، والطلب لا يحسن كونه مطلوبًا بالطلب الأول (فدعا النبي عَّ. الكاتب) هو علي بن أبي طالب، كما رواه البخاري في كتاب الصلح عن البراء بن عازب، وكذا أخرجه عمر بن شبة عن سلمة بن الأكوع، وعنده أيضًا عن سهيل بن عمرو. الكتاب عندنا كاتبه محمد بن مسلمة ويجمع بأن أصلٍ كتاب الصلح بخط علي كما هو في الصحيح ونسخ مثله محمد بن مسلمة لسهيل، ومن الأوهام ما وقع عند عمر بن شبة أنه هشام بن عكرمة وهو غلط فاحش، فإِن الصحيفة التي كتبها هشام هي التي اتفقت عليها قريش لما حصروا بني هاشم في الشعب بمكة قبل الهجرة وبينها وبين هذه نحو عشر سنين. ونبهت على هذا لئلا يغتر من لا يعرف فيعتقده خلافًا في اسم كاتب قصة الحديبية قال الحافظ: (فقال له النبي عَّه: أكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو) ولأَّبي ذر عن الحموي، والمستملي ما هو بتأنيث الضمير أي كلمة الرحمن. ١٩٩ أمر الحديبية ولكن اكتب باسمك اللهم، كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا تكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي عَله: ((اكتب باسمك اللهم)). ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله - وفي حديث عبد الله بن مغفل عند الحاكم: هذا ما صالح محمد رسول الله أهل مكة. الحديث - فقال سهيل: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك. ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. وفي رواية فقال سهيل: لا أعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة، (ولكن أكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب) قبل ذلك في بدء الإِسلام، كما كانوا يكتبونها في الجاهلية، فلما نزلت آية النمل كتب بسم الله الرحمن الرحيم، فأدركتهم حمية الجاهلية، وفي حديث أنس فقال سهيل: ما ندري ما بسم اللَّه الرحمن الرحيم، ولكن أكتب ما نعرف باسمك اللهم، وللحاكم عن عبد الله بن مغفل فأمسك سهيل يده، فقال أكتب في قضيتنا ما نعرف باسمك اللهم، (فقال المسلمون واللَّه لا تكتبها،) أي التسمية ملتبسة بصيغة ما (إلا) إذا كانت (بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي ◌ِ ◌ّر: أكتب باسمك اللهم،) فكتب كما في رواية الحاكم، والظاهر أنهم لم يكفروا عن أيمانهم لأن نيتهم ما لم يتحتم بأمر المصطفى، (ثم قال) أكتب (هذا) إِشارة إِلى ما في الذهن (ما قاضى) بوزن فاعل من قضيت الشىء، أي فصلت الحكم فيه (عليه محمد رسول اللَّه) فيه جواز كتابة مثل ذلك في المعاقدات، والرد على من منعه معتلاً بخشية أن يظن ما أنها النافية نبه عليه الخطابي، (وفي حديث عبد الله بن مغفل) بضم الميم وفتح المعجمة والفاء الثقيلة ولام ابن عبد نهم بفتح النون وسكون الهاء أبي عبد الرحمن المزني بايع تحت الشجرة ونزل البصرة، مات سنة سبع وخمسين، وقيل بعدها (عند الحاكم، فكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول اللَّه أهل مكة الحديث،) والغرض منه بيان أن المراد بقاضى صالح والمفعول، وهو أهل مكة، (فقال سهيل واللَّه لو كنا نعلم أنك رسول اللَّه: ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك) وللبخاري في الصلح لا نقر لك بها، أي بالنبوة وله في المغازي لا نقر لك بهذا لو نعلم أنك رسول اللَّه ما منعناك شيئًا ولبايعناك. وفي مغازي أبي الأسود عن عروة فقال سهيل: ظلمناك إن أقررنا لك بها، ومنعناك وللحاكم عن عبد الله بن مغفل لقد ظلمناك إِن كنت رسولاً. قال المصنف عن الطيبي وعبر بالمضارع بعد لو التي للماضي ليدل على الاستمرار، أي اسْتمر عدم علمنا برسالتك في سائر الأزمنة من الماضي والمضارع، وهذا كقوله تعالى ﴿لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم﴾ [الحجرات: ٧]. قال شيخنا: والأولى التعبير بالحال بدل المضارع لأنه إذا أطلق، فالمراد به لفظ الفعل، وهو لا يصلح لبيان الزمان، (ولكن أكتب محمد بن عبد اللَّه،) وفي حديث أنس ولكن أكتب ٢٠٠ أمر الحديبية فقال النبي عَُّله: ((والله إني لرسول الله كذبتموني)). وفي رواية له - أي البخاري - ومسلم: فقال النبي عَّ لعلي: ((امحه))، فقال ما أنا بالذي أمحاه، وهي لغة في أمحوه. قال العلماء: وهذا الذي فعله علي من باب الأدب المستحب، لأنه لم يفهم من النبي عَّه تحتم محو على نفسه، ولهذا لم ينكر عليه، ولو حتم محوه لنفسه لم يجز لعلي تر که انتھی. ثم قال عَّة ((أرني مكانها)) فأراه مكانها فمحاها وكتب: ابن عبد الله . اسمك واسم أبيك. وفي حديث عبد الله بن مغفل عند الحاکم فقال: أکتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب، (فقال النبي عَّةٍ: (إني لرسول اللَّه وإِن كذبتموني)).) قال المصنف: بتشديد المعجمة وجزاؤه محذوف انتهى. وتقديره لا يضرني ذلك في رسالتي أو نحوه وبعد هذا في البخاري اكتب محمد بن عبد اللَّه قال الزهري وذلك أي اجابته لسهيل في الأمرين لقوله: ((لا يسلونني خطة يعظمون فيها حرمات اللَّه إلا أعطيتهم إياها))، وللنسائي عن علي كنت كاتب النبي عَّةُ يوم الحديبية، فكتبت هذا ما صالح عليه محمد رسول اللّه فقال سهيل: لو علمنا أنه رسول الله ما قاتلناه. امحها قلت: هو رسول اللَّه وإِن رغم أنفك لا والله لا أمحوها أبدًا. (وفي رواية له أي للبخاري) في عمرة القضاء والصلح والجزية (ومسلم) كلاهما من حديث البراء بن عازب (فقال النبي عَّ﴾. لعلي: امحه،) وفي رواية امج رسول اللَّه واكتب ما أرادوه (فقال ما أنا بالذي امحاه،) وفي رواية لا والله لا أمحوك أبدًا (وهي) أي امحاه بالألف (لغة في امحوه) بالواو وفيه لغة ثالثة امحيه كما في المختار، ولم يذكرها المصباح، فلعله اقتصر على الواو لقلة أمحي بالياء (قال العلماء وهذا الذي فعله علي من باب الأدب المستحب) لأن العظيم إذا أمر بشىء وظن المأمور أنه لم يحتمه، فالأدب في حقه التوقف حتى يتحقق ما عند الآمر، (لأنه لم يفهم من النبي عَّ تحتيم محو على نفسه، ولهذا لم ينكر عليه ولو حتمٍ) النبي ◌َّه (محوه))) أي علي (لنفسه)) أي على اسمه الشريف لم يجز لعلي تركه التهى). وعند الواقدي أن أسيد بن حضير وسعد بن عبادةٍ أخذا بيد علي ومنعاه أن يكتب إِلا محمد رسول اللَّه وإلا فالسيف بيننا وبينهم وارتفعت الأصوات فجعل عَّه يخفضهم ويومىء بيديه إليهم اسكتوا، (لم قال ◌َّ) في حديث البراء: هذا لعلي (أرني مكانها فأراه مكانها، فمحاه) أي لفظ رسول اللَّه (وكتب بن عبد اللَّه).