النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
سرية ابن مسلمة إلى ذي القصة
موضع بينه وبين المدينة أربعة وعشرون ميلاً، في شهر ربيع الأول سنة ست من
الهجرة. ومعه عشرة إلى بني ثعلبة.
فورد عليهم ليلاً فأحدق به القوم، وهم مائة
الإِعجام؛ لأن من حفظ حجة. (موضع بينه وبين المدينة أربعة وعشرون ميلاً) من طريق الزبدة،
قاله ابن سعد وغيره، واقتصر عليه صاحبا العيون والسبل.
زاد الشريف: وقال المجد، موضع على بريد من المدينة تلقاء نجد.
وقال الأسدي: على خمسة أميال من المدينة. (في شهر ربيع الأول سنة ست من
الهجرة،) الذي قاله ابن سعد، وقطع به اليعمري ربيع الآخر، وفي الشامية أول ربيع الآخر، فإِن
لم يكن تصحف في المصنف، أمكن الجمع؛ بأن الخروج في آخر الأول، والوصول إليهم في
أول ربيع الآخر، (ومعه عشرة) أبو نائلة، والحرث بن أوس، وأبو عبس بن جبر، ونعمان بن عصر،
ومحيصة، وحويصة ابنا مسعود، وأبو بردة بن نيار، ورجلان من مزينة، ورجل غطفاني، كذا
سماهم الواقدي عن شيوخه، وفيه نظر.
فإِن في القصة أنهم قتلوا كلهم، إلا الأمير وأبو عبس بن جبر البدري، مات سنة أربع
وثلاثین عن سبعين سنة.
وخرج له البخاري، والترمذي، والنسائي وابن عصر ذكر ابن ماكولا أنه استشهد في الردة
في خلافة الصديق، وحويصة شهد أحدًا، والخندق وسائر المشاهد، وأخوه محيصة صحابي.
روى له أصحاب السنن، وأبو بردة بن نیار، مات سنة إحدى وأربعين، وقيل بعدها، (إلى
بني ثعلبة) وبني عوال، قاله ابن سعد.
وفي الشامية إلى بني معوية بفتح الميم، والعين المهملة، وكسر الواو، وسكون التحتية
وتاء تأنيث، وبني عوال بعين مهملة، مضمومة فواو مخففة، حي من العرب من بني عبد الله بن
غطفان، وقوله: والعين، أي: وبالعين، وليس مراده أنها مفتوحة.
ففي القاموس معوية بفتح فسكون. ابن امرىء القيس بن ثعلبة، فمقتضاه أن بني عوال
ليسوا من ثعلبة، وثعلبة بطن من بني ريث بفتح الراء، وإسكان التحتية ومثلثة بن غطفان،
وصريحه أن بني مئوية من ثعلبة، فاقتصر عليها المصنف للشهرة، أو العظمة بالنسبة لبني عوال.
(فورد عليهم ليلاً) بمن معه، فكمن لهم القوم حتى ناموا، (فأحدق به القوم، وهم مائة،)
فما شعر المسلمون، إلا بالنبل قد خالطهم، فوثب محمد بن مسلمة، ومعه قوس، فصاح في

١٢٢
سرية ابن مسلمة إلى ذي القصة
رجل فتراموا بالنبل ساعة من الليل ثم حملت الأعراب عليهم بالرماح فقتلوهم إلا
محمد بن مسلمة فوقع جريحًا، وجردوهم من ثيابهم. فمر رجل من المسلمين
بمحمد بن مسلمة فحمله حتى ورد به المدينة.
فبعث رسول الله عَّ أبا عبيدة بن الجراح في ربيع الآخر في أربعين رجلاً
إلى مصارعهم، فأغاروا عليهم، فأعجزوهم هربًا في الجبال، وأصاب رجلاً واحدًا
فأسلم وتركه، وأخذ نعمًا من نعمهم فاستاقه، ورثة من متاعهم وقدم به المدينة
فخمسه رسول الله عٍَّ وقسم ما بقي عليهم.
أصحابه: السلاح، فوثبوا (فتراموا بالنبل ساعة من الليل، ثم حملت الأعراب عليهم بالرماح،)
فقتلوا ثلاثة ثم انحاز أصحاب محمد إليه، فقتلوا من القوم رجلاً، ثم حمل القوم، (فقتلوهم إِلاَّ
محمد بن مسلمة، فوقع جريحًا،) يضرب كعبه، فلا يتحرك، (وجردوهم من ثيابهم) وانطلقوا،
(فمر رجل من المسلمين بمحمد بن مسلمة،) فرآهم صرعى، فاسترجع، فتحرك له محمد،
(فحمله حتى ورد به المدينة جريحًا، فبعث رسول اللَّه عَلّ أبا عبيدة) عامر بن عبد اللَّه (بن
الجراح،) أمين الأمة، أحد العشرة (في ربيع الآخر، في أربعين رجلاً إِلى مصارعهم، فأغاروا
عليهم،) فلم يجدوا أحدًا، ووجدوا نعمًا وشاء فساقه، ورجع .
هكذا ذكر ابن سعد والواقدي. ومقتضاه أو صريحه، أن سبب بعث أبي عبيدة طلب ثأر
المقتولين، وبذلك أفصح اليعمري، فإِنه ترجم لهذه السرية، وذكر فيها كلام ابن سعد والواقدي،
وعقبها بقوله، ثم سرية أبي عبيدة إِلى ذي القصة في شهر ربيع الآخر، وذكر أن سببها؛ أن بني
ثعلبة وأنمارًا أجمعوا أن يغيروا على سرح المدينة، وهي ترعى بهيفاء بهاء مفتوحة، وتحتية ساكنة
وفاء موضع على سبعة أميال من المدينة، فبعث أبا عبيدة في أربعين حين صلوا المغرب، فمشوا
ليلتهم حتى وافوا ذا القصة مع الصبح، فأغاروا عليهم، (فأعجزوهم هربًا) بفتح الهاء والراء (في
الجبال، وأصاب رجلاً واحدًا فأسلم، وتركه وأخذ نعمًا من نعمهم، فاستاقه.
أفاد أن النعم مذكر، وبه صرح المختار، فقال يذكر ولا يؤنث، وجمعه أنعام يذكر ويؤنث،
قال تعالى: ﴿مما في بطونها﴾ [المؤمنون: ٢١]، (ورثة في متاعهم، وقدم به المدينة، فخمسه
رسول اللَّه عَ ل،) أي: أخذ خمسه، (وقسم ما بقي) وهو الأربعة أخماس (عليهم،)
فمقتضى هذا السياق من العيون؛ أنه بعث أبا عبيدة مرتين إِلى ذي القصة، وذكر نحوه الشامي
من رواية الواقدي، عن شيوخه، فقد لفق المصنف بين القصتين، اللهم إلا أن يكون البعث مرة،
ولكن له سببان أخذ ثأر المقتولين، ودفع من أراد الإغارة على السرح، والله أعلم.

١٢٣
سرية زيد إلى الجموم
قال في القاموس: الرث: السقط من متاع البيت، كالرثة بالكسر.
[سرية زيد إلى الجموم]
ثم سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم - ويقال: الجموح - ناحية
ببطن نخل من المدينة على أربعة أميال. في شهر ربيع الآخر سنة ست، فأصابوا
امرأة من مزينة يقال لها حليمة،
(قال في القاموس: الرث،) بفتح الراء ومثلثة (السقط) الذي لا قيمة له (من متاع البيت
كالزثة بالكسر) للراء، الواقع في الخبر هنا.
سرية زيد إلى الجموم
(ثم سرية زيد بن حارثة) أبي أسامة البدري الحب، والد الحب الخليقين للإمارة بالنص
النبوي الصحابي، ابن الصحابي، والد الصحابي.
قالت عائشة: ما بعث معَُّ زيد بن حارثة في سرية إِلاَّ أُمَّره عليهم، ولو بقي لاستخلفه،
أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد قوي عنها.
وفي البخاري عن سلمة بن الأكوع: غزوت مع النبي ێ سبع غزوات، ومع زيد بن
حارثة سبع غزوات، يؤمره علينا رسول اللَّه عَّةٍ (إلى بني سليم) بضم المهملة، وفتح اللام
وسكون التحتية، (بالجموم) بفتح الجيم، وضم الميم مخففة، (ويقال) له (الجموح) بحاء
مهملة بدل الميم الأخيرة، حكاهما مغلطاي، (ناحية ببطن نخل من المدينة على أربعة أميال،)
وفي نسخة برد، وهي الموافقة لقول ابن سعد عند اليعمري وغيره، ناحية بطن نخل عنٍ يسارها،
وبطن نخل من المدينة على أربعة برد، فأما النسخة الأولى، فبينهما تفاوت كبير، فالأربعة برد
ثمانية وأربعون ميلاً (في) آخر يوم من (شهر ربيع الآخر،) كما يفيده تعبير المصنف بثم مع
قول الشامي: إِن أبا عبيدة أمير السرية قبلها، خرج ليلة السبت لليلتين بقيتا من ربيع الآخر، وغاب
ليلتين، (سنة ست، فأصابوا،) وجدوا (امرأة،) فأسروها (من مزينة يقال لها حليمة).
قال البرهان: لا أعلم لها إِسلامًا، ولا صحبة ولا ترجمة، وليس في الصحابيات حليمة إِلا
المرضعة على الخلاف في إسلامها.
وذكر ابن الجوزي المرضعة وحليمة بنت عروة بن مسعود، قال: ويقال جميلة، وأنكره
عليه البرهان، وليس بمنكر، فبنت عروة، ذكرها الذهبي وسلم له في الإِصابة، وأفاد أنها صحابية
صغيرة، وأما جميلة بالجيم، بنت أوس المزينة.
ففي الإصابة أن ابن قانع وعبدان صحفاها بزاي ونون، وإنما هي المرئية براء فهمزة من

١٢٤
سرية زيد إلى العيص
فدلتهم على محلة من منازل بني سليم، فأصابوا نعمًا وشاء وأسرى، فكان فيهم
٣ للمزنية نفسها
زوج حليمة المزنية، فلما قفل زيد بما أصاب، وهب رسول الله علـ
وزوجھا.
[سرية زيد إلى العيص]
ثم سرية زيد بن حارثة أيضًا إلى العيص، موضع على أربع ليال من المدينة،
في جمادى الأولى سنة ست، ومعه سبعون راكبًا، لما بلغه عَّ أن عيرًا لقريش قد
أقبلت من الشام
بني امرىء القيس، وتكنى أم جميل بجيم، صحابية بنت صحابي انتهى، فليست هي هذه
المسبية التي لم يعلم حالها. (فدلتهم على محلة) بفتح الميم، والمهملة، واللام المشددة ثم تاء
تأنيث، منزل (من منازل بني سليم، فأصابوا نعمًا وشاء، وأسرى) أي: وجدوا جماعة منهم،
فأسروهم.
فعند ابن عقبة عن ابن شهاب: فأصاب زيد نعمًا وشاء، وأسر جماعة من المشركين،
(فكان فيهم زوج حليمة المزنية، فلما قفل) بفتح القاف والفاء، أي: رجع، (زيد بما أصاب
وهب رسول اللّه عَ ◌ّ للمزينة نفسها وزوجها).
فقال بلال بن الحراث المزني في ذلك:
لعمرك ما أخنى المسول ولا ونت حليمة حتى راح ركبهما معا
ولم يبين المصنف كغيره عدة الإِبل، والغنم والأسرى.
سرية زيد إلى العيص
(ثم سرية زيد بن حارثة أيضًا،) المتلو اسمه في محاريب المسلمين، (إلى العيص) بكسر
العین، وإِسکان التحتية فصاد مهملتین.
قال ابن الأثير: موضع قرب البحر، والصغاني عرض من أعراض المدينة، وهو بكسر العين
المهملة، وإِسكان الراء وضاد معجمة، كل واد فيه شجر، كذا في النور، وكونه من أعراضها قد
ينافيه قوله تبعًا لابن سعد، (موضع على أربع ليال من المدينة،) لأن ما في هذه المسافة لا
ينسب لها((في جمادى الأولى سنة ست،) قاله الواقدي، وابن سعد، وجماعة (ومعه سبعون
راكبًا،) صوابه كما قال ابن سعد وشيخه: سبعون ومائة راكب، وسلمه اليعمري، والبرهان
والشامي، (لما بلغه عليه الصلاة والسلام أن عيرًا لقريش قد أقبلت من الشام،) ذكره الواقدي
وابن سعد وغيرهما.

١٢٥
سرية زيد إلى العيص
يتعرض لها، فأخذها وما فيها، وأخذ يومئذٍ فضة كثيرة لصفوان بن أمية، وأسر منهم
ناسًا، منهم أبو العاصي بن الربيع، وقدم بهم المدينة، فأجارته زوجته زينب ابنة
الفجر - إنى قد أجرت أبا
ونادت في الناس - حين صلى رسول الله
النبى صلى الله
العاصي.
ـّه: (ما علمت بشىء من هذا، وقد أجرنا من أجرت)).
فقال رسول الله
ورد عليه ما أخذ منه.
قال الشامي: واقتضى كلام ابن إسحق، أن سرية من السرايا صادفت هذه العير، لا أنه معَّه.
أرسل السرية لأجلها، (يتعرض لها، فأخذها وما فيها، وأخذ يومئذ فضة كثيرة لصفوان بن أمية)
ابن خلف بن وهب القرشي الجمحي، أسلم بعد حنين، وكان من المؤلفة، وحسن إسلامه، وهو
أحد الأشراف الفصحاء الأجواد.
روی له مسلم والأربعة، مات أيام قتل عثطن، وقيل: سنة إحدى أو ثنتين وأربعين، (وأسر
منهم) ممن كان في العير (ناسًا منهم أبو العاصي) لقيط، أو الزبير، أو هشيم، أو مهشم، بكسر
فسكون ففتح، أو بضم ففتح فثقيل، أو یاسر.
قال الحافظ: وأظنه محرفًا من قسم، ورجح البلاذري الأول والزبير الثاني، (ابن الربيع)
بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمه هالة أخت خديجة بنت خويلد.
قال ابن إسحق: كان من رجال مكة المعدودين تجارة ومالاً وأمانة.
(وقدم بهم المدينة، فأجارته زوجته) السيدة (زينب ابنة النبي عَّله) أكبر بناته لما استجار
بها، فعند ابن سعد، فاستجار أبو العاصي بزينب، فأجارته (ونادت في الناس حين صلى
رسول اللَّهُ مَِّ الفجر).
قال الواقدي وابن إِسحق لما كبر المصطفى، وكبر الناس معه صرخت.
قال ابن إسحق: من صفة النساء.
وقال الواقدي: قامت على بابها، فنادت بأعلى صوتها: أيها الناس (إني قد أجرت أبا
العاصي، فقال رسول اللَّه عَّة:) زاد الواقدي وابن إسحق: لما سلم من الصلاة، أقبل على الناس،
فقال: ((أيها الناس هل سمعتم ما سمعت))؟، قالوا: نعم، قال: ((والذي نفس محمد بيده، (ما
علمت بشىء من هذا،) حتى سمعت ما سمعتم، المؤمنون يد واحدة، يجير عليهم أدناهم)).
زاد الواقدي: وقد أجرنا من أجارت، فهذا خطاب منه للصحابة، وقال لزينب: (((وقد
أجرت من أجرت، ورد عليه)» بسؤال زينب (ما أخذ) بالبناء للمفعول (منه).
قال ابن إسحق والواقدي: ثم دخل عَّ إِلى منزله، فدخلت عليه زينب، فسألته أن يرد

١٢٦
سرية زيد إلى العيص
وذكر ابن عقبة: أن أسره كان على يد أبي بصير بعد الحديبية.
عليه ما أخذ منه، فقبل، وقال لها: ((أكرمي مثواه، ولا يخلصن إليك، فإنك لا تحلين له)).
وروى البيهقي بسند قوي أن زينب قالت للنبي عَّدٍ: إِن أبا العاصي إِن قرب فابن عم وإِن
بعد، فأبو ولد، وإني قد أجرته.
قال ابن إسحق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر، أنه عَّمِ بعث إِلى السرية، الذين أصابوا
مال أبي العاصي، فقال لهم: ((إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالاً، فإِن
تحسنوا وتردوا عليه الذي له، فإِنا نحب ذلك، وإِن أبيتم فهو فيء اللَّه الذي فاء عليكم، فأنتم
أحق به))، فقالوا: يا رسول اللَّه، بل نرده عليه حتى أن الرجل ليأت بالدلو، والرجل بالإِداوة حتى
ردوا عليه ماله بأسره لا يفقد منه شيئًا، ثم ذهب إلى مكة فأدى إِلى كل ذي مال ماله، ثم قال:
هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟، قالوا: لا، قال: هل أوفيت ذمتي؟، قالوا: اللهم نعم،
فجزاك الله خيرًا، فقد وجدناك وفيًا كريمًا، قال: فإني أشهد أن لا إله إِلاَّ اللَّه وأن محمدًا عبده
ورسوله، ووالله ما منعني من الإِسلام عنده إِلاَّ تخوفًا أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم،
فلما ردها اللَّه تعالى إليكم، وفرغت منها أسلمت، ثم خرج فقدم المدينة.
وأخرج أبو أحمد الحاكم بسند صحيح عن الشعبي أن زينب هاجرت وأبو العاصي على
دينه، فخرج إلى الشام في تجارة، فلما كان قرب المدينة، أراد بعض المسلمين الخروج إِليه
ليأخذوا ما معه ويقتلوه، فبلغ ذلك زينب فقالت: يا رسول الله، أليس عقد المسلمين وعهدهم
واحدًا؟، قال: ((نعم))، قالت: فاشهد أني قد أجرت أبا العاصي، فلما رأى ذلك الصحابة خرجوا
إِليه بغير سلاح، فقالوا له: إِنك في شرف من قريش، وأنت ابن عم رسول اللَّه، فهل لك أن
تسلم، فتغنم ما معك من أموال أهل مكة؟، فقال: بئسما أمرتموني به، أن أفتتح ديني بغدرة،
فمضى إلى مكة، فسلمهم أموالهم، وأسلم عندهم، ثم هاجر، والجمع بينهما عسر، وقد قال في
الإِصابة: يمكن الجمع بين الروايتين.
(وذكر) موسى (ابن عقبة) الحافظ تبعًا لشيخه الزهري كما رواه عنهما البيهقي: أن الذي
أخذ هذه العير أبو جندل، وأبو بصير، و(أن أسره كان على يد أبي بصير) بفتح الموحدة، وكسر
المهملة، فتحتية ساكنة فراء، ومن معه من المسلمين، لما أقاموا بالساحل، يقطعون الطريق على
تجار قريش في مدة الهدنة (بعد الحديبية،) وصوبه ابن القيم، واستظهره البرهان.
قال الشامي: ويؤيده قوله عَّله: ((ولا يخلصن إِليك))، أي: لا يطأك فإنك لا تحلين له، لأَن
تحريم المؤمنات على المشركين، إنما نزل بعد الحديبية انتهى، ثم الآخذ للعير على هذا القول
ليس من السرايا، فإِن أبا بصير ومن معه كانوا بالساحل، يقطعون الطريق على تجار قريش، ولم

١٢٧
سرية زيد إلى العيص
وكانت هاجرت قبله وتركته على شركه، وردها النبي علّ بالنكاح الأول،
قيل: بعد سنتين وقيل بعد ست سنين، وقيل قبل انقضاء العدة.
يكن ذلك بأمره عَد، فلا يشكل بأن السرايا لم تتعرض لقريش بعد الحديبية.
نعم، هو ظاهر على قول غير ابن عقبة؛ أنها كانت قبل الحديبية في جمادى.
وحكى الحاكم أبو أحمد: أنه أسلم قبل الحديبية بخمسة أشهر.
(وكانت هاجرت قبله، وتركته على شركه،) وذلك أنه لما أسر في بدر قبل أسره هذه
المرة، وبعثت أهل مكة في فداء أسراهم، بعثت زينب في فدائه بمال، وبعثت فيه قلادة لها،
كانت خديجة أدخلتها بها عليه حين بنى بها، فلما رآها عٍَّ رقّ لها رقة شديدة، وقال: ((إِن
رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها فافعلوا)، قالوا: نعم يا رسول اللّه، فأطلقوه، وردوا عليها
الذي لها، وأخذ ◌َِّ عليه، أو وعده، هو أو كان فيما شرط عليه في إطلاقه، أن يخلي سبيل
زينب إليه، فلما ذهب إلى مكة، بعث المصطفى زيد بن حارثة وأنصاريًا، فقال: ((كونا ببطن
يأجج حتى تمر بكما زينب فائتياني بها))، فأمرها أبو العاصي باللحوق بأبيها، فتجهزت،
وهاجرت، كما أسنده ابن إسحق عن عائشة.
قال في الروض: وفيها يقول أبو العاصي لما كان بالشام تاجرًا:
ذكرت زينب لما يممت أضمًا فقلت سقيا لشخص يسكن الحرما
بنت الأَمين جزاها اللَّه صالحة وكل بعل سيثني بالذي علما
(وردها النبي ◌َّة) كما أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن ابن عباس أنه معَّه.
رد على أبي العاص بنته زينب (بالنكاح الأول،) لم يحدث شيئًا.
قال الترمذي: ليس بإسناده بأس، ولكن لا يعرف وجهه.
(قيل: بعد سنتين) من إِسلامه الواقع في السادسة، أو السابعة، (وقيل: بعد ست سنين)
من الهجرة، وقد عرفت قول الترمذي لا يعرف و هذا الحديث، فكذا هذان القولان المبنيان
عليه، وإلا فابتداء السنتين من أي زمن، (وقيل: قبل انقضاء العدة،) لأنه لما نزل، لا هن حل لهم
بعد الحديبية جعل بمنزلة ابتداء إِسلامها، وإِن كانت أسلمت هي وأخواتها كلهن عقب البعثة،
كما مر فوقف أمره إلى انقضاء العدة، فأسلم قبلها فدام النكاح، فمعنى ردها، مكنه منها بناء على
النكاح الأول، لأن الفرقة لم تقع، ثم لا يرد على هذا القول ما رواه ابن إسحق، منقطع أنها لما
هاجرت، راعها هبار بن الأسود بالرمح في هودجها، وهي حامل، فطرحت ما في بطنها، لأَن
هجرتها بعد بدر قبل نزول آية التحريم بمدة.

١٢٨
سريته للطرف
وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ردها له بنكاح جديد سنة
سبع.
[سريته للطرف]
ثم سرية زيد بن حارثة أيضًا إلى الطرف، ماء على ستة وثلاثين ميلاً من
المدينة، في جمادى الآخرة سنة ست.
(وفي حديث) الترمذي، وابن ماجه من طريق حجاج بن أرطأة، عن (عمرو بن شعيب،)
عن أبيه، عن جده: أن النبي عَّة (ردها) على أبي العاصي (بنكاح جدید،) لفظه بمهر جدید.
قال السهيلي: هذا الحديث هو الذي عليه العمل، وإِن كان حديث ابن عباس أصح
إِسنادًا، ولكن لم يقل به أحد من الفقهاء فيما علمت، لأَن الإِسلام فرق بينهما، قال اللّه تعالى:
﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ [الممتحنة: ١٠] انتهى.
وقد قال الترمذي: سمعت عبد بن حميد يقول: سمعت يزيد بن عمرو، وذكر هذين
الحديثين يقول حديث ابن عباس أجود إِسنادًا، والعمل على حديث عمرو بن شعيب.
قالِ السهيلي: ومن جمعه بين الحديثين، قال: معنى حديث ابن عباس ردها على مثل
النكاح الأول في الصداق، والحباء، لم يحدث زيادة على ذلك من شرط ولا غيره.
(سنة سبع) أفاد انقضاء العدة، لأن نزول آية التحريم بعد الحديبية الواقعة في سنة ست.
وفي الصحيحين: أنه علي أثنى على أبي العاصي في مصاهرته خيرًا، وقال: حدثني،
فصدقني، ووعدني فوفائي، وأنه عَّه كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب من أبي العاصي،
مات سنة اثنتي عشرة في خلافة الصديق، كما قاله ابن سعد، وابن إسحق وغيرهما، وشذ من قال
سنة ثلاث عشرة، وأغرب منه قول ابن منده مات يوم اليمامة، واللّه تعالى أعلم.
سريته للطرف
(ثم سرية زيد بن حارثة أيضًا إِلى الطرف) بفتح الطاء المهملة، وكسر الراء وبالفاء.
قال القاموس: ككتف (ماء)) أي: عين، كما في القاموس، (على ستة وثلاثين ميلاً من
المدينة).
زاد ابن سعد: قريب من المراض دون النخيل، براء، وضاد معجمة كسحاب.
وقال الشريف: هو بطريقٍ العراق على خمسة وعشرين ميلاً وربع من المدينة، ولا غبار
على المصنف في تعبيره بثم؛ لأن التي قبلها في جمادى الأولى، وقد قال في هذه (في جمادى
الآخرة سنة ست،) ولم يقل أحد أن التي قبلها كانت بعد الحديبية، إنما قال ابن عقبة ومن وافقه:

١٢٩
سريته إلى حسمى
فخرج إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلاً، فأصاب نعمًا وشاء، وهربت
الأعراب، وصبح زيد بالنعم المدينة، وهي عشرون بعيرًا، ولم يلق كيدًا، وغاب
أربع ليال.
[سریته إلى حسمی]
ثم سرية زید أيضًا إلى حسمى - بكسر المهملة - وهي وراء القرى،
أن أخذ العير، وأسر أبي العاصي على يد أبي بصير بعد الحديبية، ولم يكن سرية، ولا هو بأمر
المصطفى، ولا علمه على ذلك القول، فوهم من قال تعبيره بثم ظاهر على أن سرية عير قريش
في جمادى الأولى، إما على أنها بعد الحديبية فلا، (فخرج إلى بني ثعلبة في خمسة عشر
رجلاً، فأصاب نعمًا وشاء وهربت الأعراب،) لأنهم خافوا أن يكون عَِّ سار إِليهم، وأن هؤلاء
مقدمة له، كما قال الواقدي، (وصبح زيد بالنعم المدينة، وهي عشرون بعيرًا) مثله في العيون،
والسبل مع قولهم قبل، فأصاب نعمًا وشاء، فيحتمل أنه لم يسق شيئًا من الغنم لمانع، أو ساقها،
أو بعضها مع الإِبل، ثم تركها لطلب العدوّ إِياه حين علموا أن المصطفى ليس معهم، فأعجزهم
فترك الغنم لضعفها، وعدم قوتها على السير، واحتياجها لسائق على أن إصابة الأمرين في محل
العدوّ، ولا يلزم منه أخذها بالفعل، فعلى بعض المتأخرين الدرك في قوله: صبح بالنعم والشاء،
فإِنه بمجرده لا يفيد ذلك، (ولم يلق كيدًا) حربًا، (وغاب أربع ليال،) وكان شعار المسلمين
أمت أمت، وهو أمر بالموت، ومراده التفاؤل بالنصر بعد الأمر بالإِماتة، مع حصول الغرض من
الشعار، فإنهم جعلوا هذه الكلمة علامة بينهم يتعارفون بها، لأجل ظلمة الليل، ذكره الشامي.
سريته إلى حسمى
(ثم سرية زيد أيضًا إِلى حسمى بكسر) الحاء (المهملة)) وسكون السين المهملة، وفتح
المیم مقصورًا.
قال اليعمري: على مثال فعلى، مكسور، الأول قيده أبو علي، موضع من أرض جذام،
وذكر أن الماء في الطوفان، أقام به بعد نضوبه ثمانين سنة.
وقال الجوهري: اسم أرض بالبادية، غليظة لا خير فيها، ينزلها جذام، ويقال: آخر ما
نضب من ماء الطوفان حسمى، فبقيت منه بقية إلى اليوم، (وهي وراء القرى،) وفي نسخة: ذات
القرى، وصوابه كما في العيون وغيرها، وراء وادي القرى، وهو بضم القاف وفتح الراء، واد كثير
القرى، وليس ثم محل يقال له ذات القرى.
قال شيخنا في التقرير: ويمكن تصحيح المصنف؛ بأنه لم يقصد المعنى العلمي، بل
الإِضافي بتقدير مضاف، موصوف ذات هو، وراء أرض ذات القرى، وعلى النسخة الأولى وراء

١٣٠
سريته إلى حسمى
وكانت في جمادى الآخرة سنة ست.
وسببها أنه قالوا أقبل دحية ابن خليفة الكلبي من عند قيصر، وقد أجازه
وكساه، فلقيه الهنيد في ناس من جذام بحسمى فقطعوا عليه الطريق، فسمع بذلك
نفر من بني الضبيب فاستنقذوا لدحية متاعه، وقدم دحية على رسول الله عَّه.
فأخبره بذلك فبعث زيد بن حارثة
وادي القرى.
(وكانت في جمادى الآخرة سنة ست،) عند ابن سعد، وقطع بِه اليعمري (و) غيره.
لکن قال ابن القيم: إنها كانت بعد الحديبية بلا شك، أي: لأن بعث دحية بالكتاب إِلى
هرقل في آخر سنة ست، بعد أن رجع من الحديبية، كما قاله الواقدي، فتكون هذه السرية سنة
سبع، لأن (سببها أنهم) كلهم.
(قالوا: أقبل دحية) بفتح الدال وكسرها، (ابن خليفة الكلبي،) الصحابي الجليل،
المتوفى في خلافة مطوية (من عند قيصر،) لقب لكل من ملك الروم، واسمه هرقل، لما
أرسله عَّهُ إِليه بكتابه يدعوه إلى الإسلام، (وقد أجازه،) أي: أعطاه الجائزة، وهي كما في
القاموس العطية، والتحفة واللطف، (وكساه) لأنه قارب الإِسلام، ولم يسلم خوفًا على ملکه،
فأكرم دحية.
زاد ابن إسحق: ومعه أي دحية، تجارة له، (فلقيه الهنيد) بضم الهاء، وفتح النون وسكون
التحتية، ابن عارض، وابنه عارض بن الهنيد.
وعند ابن إسحق: عوض فيهما بدل عارض، (في ناس من جذام) بجيم مضمومة، فذال
معجمة فميم، قبيلة من معد، أو اليمن، بجبال (بحسمى، فقطعوا عليه الطريق).
زاد ابن إسحق وغيره: فأصابوا كل شىء كان معه، فلم يتركوا عليه إلا سمل ثوب.
قال البرهان: بفتح المهملة والميم، الخلق من الثياب.
(فسمع بذلك نفر من بني الضبيب) بضم الضاد المعجمة، ثم موحدتين، أولاهما
مفتوحة، بينهما تحتية ساكنة.
قال ابن إسحق: رهط رفاعة بن زيد الجذامي ممن كان أسلم، وأجاب وقدم على قومه
بكتاب رسول اللّه يدعوهم إلى الإِسلام، فاستجابوا له.
(فاستنقذوا لدحية متاعه») وعند ابن إسحق: فنفروا إلى الهنيد وابنه، حتى لقوهم، فاقتتلوا،
فاستنقذوا ما كان في يد الهنيد وابنه، فردوه على دحية، (وقدم دحية على رسول اللَّه منهافي.
فأخبره بذلك،) وفي نسخة خبره زاد ابن إسحق: واستسعاده دم الهنيد وابنه، (فبعث زيد بن حارثة

١٣١
سريته إلى حسمی
وخمسمائة رجل، ورد معه دحية. فكان زيد يسير بالليل ويكمن بالنهار، فأقبلوا بهم
حتى هجموا مع الصبح على القوم فأغاروا عليهم، فقتلوا فيهم فأوجعوا، وقتلوا
الهنيد وابنه، وأغاروا على ماشيتهم ونعمهم ونسائهم. فأخذوا من النعم ألف شاة،
ومائة من النساء والصبيان.
فرحل زيد بن رفاعة الجذامي في نفر من قومه، فدفع إلى رسول الله :
کتابه الذي کان کتب له ولقومه ليالي قدم عليه فأسلم.
في خمسمائة رجل ورد معه دحية، فكان زيد يسير بالليل، ويكمن) بضم الميم وفتحها، كما
في القاموس، (بالنهار) زاد ابن سعد: ومعه دليل له من بني عذرة، (فأقبلوا بهم حتى هجموا مع
الصبح على القوم، فأغاروا عليهم، فقتلوا فيهم، فأوجعوا،) أي: أكثروا فيهم القتل، (وقتلوا
الهنيد وابنه،) زاد ابن إسحق: ورجلاً من بني خصيب، ورجلين من بني الأحنف، أي: بالنون.
وقال ابن هشام: أي: بالتحتية، (وأغاروا على ماشيتهم) هي الإِبل والغنم، قاله ابن
السكيت وغيره، ومشى عليه المجد، زاد بعضهم والبقر، فقوله: (ونعمهم) عطف خاص على
عام، أو تفسيري، لأن النعم كما في القاموس الإِبل والشاء، أو خاص بالإِبل، (ونسائهم فأخذوا
من النعم ألف شاة،) لا شك أن فيه سقطًا من الناسخ، أو قلم المصنف سهوًا، فالذي قاله ابن
سعد، وتبعه اليعمري وغيره من النعم ألف بعير، ومن الشاء خمسة آلاف شاة، (و) من السبي
(مائة من النساء والصبيان، فرحل زيد بن رفاعة الجذامي،) كذا عند ابن سعد، وهو مقلوب،
فالذي عند ابن إسحق رفاعة بن زيد.
قال اليعمري: وهو الصحيح.
قال البرهان: وكما هو الصحيح، ذكره ابن عبد البر، والذهبي وغيرهما، ولم أر أحدًا ذكره
في زيد إلا في هذا المكان.
قال ابن إسحق: وفد فأسلم في هدنة الحديبية قبل خيبر، وحسن إسلامه، وأهدى
للمصطفی غلامًا.
وعند ابن منده: أنه قدم في عشرة من قومه.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة في قصة خيبر: فأهدى رفاعة بن زيد لرسول اللَّه مَّا.
غلامًا أسود، يقال له مدعم، (في نفر من قومه، فدفع إِلى رسول اللَّه عَ لفي كتابه الذي كان كتبه
له ولقومه ليالي قدم عليه، فأسلم،» وذلك أنه وفد في الهدنة، فأسلم، وكتب له المصطفى
کتابًا هو: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا کتاب من محمد رسول اللّه إِلی رفاعة بن زيد؛ إِني

١٣٢
سريته إلى حسمى
وبعث ◌َّ عليًا إلى زيد بن حارثة يأمره أن يخلي بينهم وبين حرمهم
وأموالهم،
بعثته إلى قومه عامة، ومن دخل فيهم يدعوهم إلى اللَّه وإلى رسوله، فمن أقبل، ففي حزب الله
وحزب رسوله، ومن أدبر فله أمان شهرين، فلما قدم على قومه أسلموا، فلم يلبث أن جاء دحية
من عند قيصر، ذكره ابن إسحق، وبسط القصة فقال: فلما سمع بنو الضبيب بما صنع زيد، ركب
نفر منهم حسان بن ملة باللام، وروى بالكاف، وأنيف بن سلمة، وأبو زيد بن عمرو، فلما وقفوا
على زيد بن حارثة، قال حسان: إِنا قوم مسلمون، فقال: إقرأ أم الكتاب، فقرأها، فقال زيد: نادوا
في الجيش، إِن اللَّه قد حرم علينا ثغرة القوم التي جاءوا منها إِلاّ من ختر، وكانت أخت حسان
في الأساري، فقال له زيد: خذها، فقالت امرأة: أتنطلقون ببناتکم، وتذرون أمهاتكم؟، فقال زيد
لأخت حسان: اجلسي مع بنات عمك حتى يحكم اللَّه فيكن، ونهى الجيش أن يهبطوا إِلى
واديهم الذي جاءوا منه، فأمسوا في أهليهم، فلما شربوا عتمتهم، ركبوا حتى صبحوا رفاعة، فقال
له حسان: إِنك لجالس، تحلب المعزى، ونساء جذام أسارى، قد غرها کتابك الذي جئت به،
فدعا رفاعة بجمل، فشد عليه رحله، وخرج معه جماعة، فساروا ثلاث ليال، فلما دخلوا المدينة،
وانتهوا إلى المسجد، دخلوا على رسول اللَّه مَ له، فلما رآهم، ألاح لهم بيده، أن تعالوا من وراء
الناس، فاستفتح رفاعة المنطق، فقام رجل، فقال: يا رسول اللَّه إِن هؤلاء قوم سحرة، فرددها
مرتين، أي: عندهم فصاحة لسان وبيان، فقال رفاعة: رحم اللَّه من لم يحذنا في يومنا هذا إِلاَّ
خيرًا، ثم دفع كتابه إِليه عَّه، فقال: دونك يا رسول اللَّه، فقال ◌َله: ((يا غلام اقرأه وأعلن))، فلما
قرأه استخبرهم، فأخبروه الخبر، فقال ◌َّةِ: ((كيف أصنع بالقتلى))، ثلاث مرار، فقال رفاعة: أنت
أعلم يا رسول اللَّه، لا نحرم عليك حلالاً، ولا نحل لك حرامًا، فقال أبو زيد بن عمرو: أطلق لنا
یا رسول اللّه من كان حيًّا، ومن قتل فهو تحت قدمي هذه، فقال عێ: «صدق أبو زيد اركب
معهم يا علي)، فقال: إِن زيدًا لن يطيعني، قال: ((فخذ سيفي هذا)، فأعطاه سيفه، فقال: ليس لي
راحلة، فحملوه على بعير وخرجوا، فإِذا رسول لزيد على ناقة من إِبلهم، فأنزلوه عنها فقال: يا
علي ما شأني؟، قال: ما لهم عرفوه فأخذوه ثم ساروا فوجدوا الجيش بفيفاء، فأخذوا ما في
أيديهم حتى كانوا ينزعون المرأة من تحت فخذ الرجل.
(وبعث عَّ عليًا إِلى زيد بن حارثة، يأمره أن يخلي بينهم وبين حرمهم) بضم المهملة
وفتح الراء، جمع حرمة، وهي الأهل (وأموالهم).
وفي رواية، فقال علي: إِن رسول اللَّه عَ لَّه يأمرك أن ترد على هؤلاء القوم ما كان بيدك
من أسير أو سبي أو مال، فقال زيد: علامة من رسول اللَّه عَ لّهِ، أي: أطلب علامة، فقال علي:

١٣٣
سرية زيد أيضًا إلى وادي القرى
فرد عليهم.
[سرية زيد أيضًا إلى وادي القرى]
ثم سرية زيد أيضًا إلى وادي القرى أيضًا، في رجب سنة ست، فقتل من
المسلمين قتلى، وارتث زيد، أي حمل من المعركة رثيثًا، أي جريحًا وبه رمق -
وهو مبني للمجهول، قاله في القاموس ...
[سرية دومة الجندل]
ثم سرية عبد الرحمن بن عوف
هذا سيفه، فعرفه زيد، فنزل وصاح بالناس، فاجتمعوا فقال: من كان معه شىء من سبي أو مال
فليرده، فهذا رسول رسول اللَّه مَّه، (فرد عليهم) كل ما أخذ لهم ثغرة القوم بضم المثلثة،
وسكون المعجمة، وفتح الراء وهاء تأنيث، طريقهم، وختر بفتح المعجمة، وسكون الفوقية
وبالراء، غدر أي أن اللَّه حرم التعرض لهم الإِسلامهم ما لم يحصل غدر، ويحذنا بضم التحتية،
وسكون الحاء المهملة، وكسر المعجمة، من أحذاه كذا أعطاه، والمعنى رحم اللَّه من لم يتكلم
في حقنا اليوم إلا بخير هذا، وظاهره أنهم كانوا يطأون الجواري بلا استبراء، لأن وجوبه إنما كان
في سبي هوازن، واللَّه أعلم.
ثم سرية زيد أيضًا إلى وادي القرى
جمع قرية، لأن ذا الوادي کثیر القرى.
قال المصباح: موضع قريب من المدينة على طريق الحاج من جهة الشام (أيضًا،) يقتضي
أن التي قبلها إِلى وادي القرى، وقد مر قوله: إِن حسمى وراء القرى، فلعله أطلق عليها ذلك
لقربها منه، (في رجب سنة ست).
قال ابن إسحق: لقي به بني فزارة، (فقتل من المسلمين قتلى) منهم ورد بن مرداس، رواه
ابن عائذ عن عروة، (وارتث) بضم أوّله، وسكون الراء، وضم الفوقية وبمثلثة (زيد، أي حمل من
المعركة رثيثًا، أي: جريحًا، وبه رمق، وهو) أي: ارتث، (مبني للمجهول،) ففعله رث مشددًا
بزيادة تاء الافتعال التي هي من حروف الزيادة، فيبقى الحرف الأخير مشددًا على أصله، فليس
هو ارتث بكسر المثناة، وخفة المثلثة كما توهم.
سرية دومة الجندل
(ثم سرية عبد الرحمن بن عوف،) القرشي الزهري، أسلم قديمًا، ومناقبه شهيرة، مات سنة

١٣٤
سرية دومة الجندل
رضي الله عنه إلى دومة الجندل، في شعبان سنة ست.
قالوا: دعا رسول الله عَ لّه عبد الرحمن بن عوف، فأقعده بين يديه، وعممه
بیدہ،
اثنتين وثلاثين، وقيل غير ذلك، أخرج له الجميع، (رضي اللَّه عنه إِلى دومة) بضم المهملة،
وتفتح، فواو ساكنة، فميم فتاء تأنيث، ويقال دوماء، بالمد (الجندل) بفتح الجيم، وسكون
النون، وفتح الدال وباللام، حصن، وقرى من طرف الشام بينها وبين دمشق خمس ليال، وبينها
وبين المدينة خمس عشرة، أو ست عشرة ليلة (في شعبان سنة ست،) كما أرخصها ابن سعد،
(قالوا: دعا رسول اللَّه عَّ عبد الرحمن بن عوف)) هذا الحديث أسنده ابن إسحق وفي أوله
زيادة لا بأس بذكرها، قال: حدثني من لا أتهم عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر، قال: كنت
عاشر عشرة من أصحاب رسول اللَّه عَّةٍ في مسجده، أبو بكر وعمر وعِلي وعثمن وعبد الرحمن
بن عوف وابن مسعود ومعاذ وحذيفة وأبو سعيد، إِذ أقبل فتى من الأنصار فسلم، ثم جلس،
فقال: يا رسول اللَّه، أي المؤمنين أفضل؟، قال: ((أحسنهم خلقا))، قال: فأي المؤمنين أکیس،
قال: ((أكثرهم للموت ذكرًا، وأكثرهم استعدادً له قبل أن ينزل به، أولئك هم الأكياس))، ثم
سكت الفتى، وأقبل علينا رسول اللَّه مَّ. فقال: ((يا معشر المهاجرين خمس خصال إذا نزلن
بكم، وأعوذ بِاللَّه أن تدركوهن؛ إنه لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها الأظهر، فيهم
الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إِلاَّ
أخذوا بالسنين، وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا الزكاة من أموالهم إلا منعوا القطر من
السماء، فلولا البهائم ما مطروا، وما نقضوا عهد اللَّه عز وجل، وعهد رسوله إِلاَّ سلط عليهم عدو
من غيرهم، فأخذوا ما كان في أيديهم، وما لم يحكم أئمتهم بكتاب اللَّه، وتجبروا فيما أنزل اللَّه
إِلا جعل بأسهم بينهم))، ثم أمر عبد الرحمن أن يتجهز لسرية بعثه عليها، فأصبح وقد اعتم بعمامة
من كرابيس سوداء، فأدناه عَُّ منه، (فأقعده بين يديه وعممه بيده) لفظ ابن سعد.
وروى الدارقطني في الأفراد عن ابن عمر: دعا النبي عَّله عبد الرحمن، فقال: «تجهز فإني
باعثك في سرية من يومك هذا، أو من الغد، إِن شاء اللّه تعالى)).
قال عبد اللَّه: فسمعت ذلك، فقلت: لأصلین مع رسول اللَّه الغداة، فلأسمعن وصيته له،
وفي حديثه عند ابن إسحق فأدناه منه، ثم نقضها، ثم عممه بها، فأرسل من خلفه أربع أصابع، أو
نحوًا من ذلك، ثم قال: ((هكذا يا ابن عوف، فاعتم فإنه أحسن وأعرف))، ثم أمر بلالاً أن يدفع
إِليه اللواء، فدفعه إِليه، فحمد الله وصلى على نفسه، ثم قال: ((خذه يا ابن عوف، اغزوا جميعًا
في سبيل اللَّه، فقاتلوا من كفر باللّه، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، فهذا عهد

١٣٥
سرية دومة الجندل
وقال: ((أغز، بسم الله، وفي سبيل الله، فقاتل من كفر بالله، ولا تغدر، ولا تقتل
وليدًا، وبعثه إلى كلب بدومة الجندل، وقال: إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم).
فسار عبد الرحمن حتى قدم دومة الجندل، فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى
الإسلام، فأسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي، وكان نصرانيًّا، وكان رئيسهم، وأسلم
معه ناس كثير من قومه، وأقام من أقام على إعطاء الجزية.
وتزوج عبد الرحمن تماضر - بضم المثناة الفوقية، وكسر الضاد المعجمة -
بنت الأصبغ، وقدم بها المدينة
اللَّه وسيرة نبيه فيكم))، فأخذ عبد الرحمن اللواء، (وقال) كما عند ابن سعد: ((أُغز بسم اللَّه،
وفي سبيل اللَّه، فقاتل من كفر بالله، ولا تغدر) ثلاثي، أي: تترك الوفاء، (ولا تقتل وليدًا، ) أي:
صبيًّا، فكان اختلاف الأمر جمعًا، وإِفرادًا من تصرف الرواة، أو خاطبه مرة، وجميع الجيش
أخرى، (وبعثه) في سبعمائة، كما عند الواقدي (إلى كلب بدومة الجندل، وقال: إِن استجابوا
لك) أطاعوك فأسلموا، (فتزوج ابنة ملكهم))، فسار عبد الرحمن) بجيشه، (حتى قدم دومة
الجندل، فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإِسلام).
زاد الدارقطني: وقد كانوا أبوا أول ما قدم أن لا يعطوا إِلاَّ السيف، (فأسلم) في اليوم
الثالث (الأصبغ) بفتح الهمزة، وسكون الصاد المهملة، وفتح الموحدة وبالغين المعجمة (ابن
عمرو) بن ثعلبة بن حصن بن ضمضم بن عدي بن جناب (الكلبي) القضاعي، ذكره صاحب
الإِصابة في القسم الثالث، فيمن أدرك النبي صَّه ولم يره، ولذا قال البرهان: لم تثبت له صحبة،
(وكان نصرانيًا، وكان رئيسهم، وأسلم معه ناس كثير من قومه، وأقام من أقام على إِعطاء
الجزية، وتزوج عبد الرحمن تماضر).
قال الواقدي: وهي أول كلبية نكحها قرشي.
(بضم المثناة الفوقية، وكسر الضاد المعجمة،) ومنع الصرف للعلمية، والتأنيث (بنت
الأصبغ،) وقيل: بنت رباب بن الأصبغ، كما في الإِصابة، (وقدم بها المدينة،) ففازت بشرف
الصحبة، والمصنف تابع في هذا الذي ذكره في هذه السرية، لابن سعد، وقد أسنده عن شيخه
الواقدي بسند له مرسل عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.
وعند الدارقطني: فكتب عبد الرحمن مع رافع بن مِكيث الجهني إلى النبي عَّه، يخبره،
وأنه أراد أن يتزوج فیھم، فكتب إليه عئێے أن يتزوج ابنة الأصبغ، فتزوجها، وقد يمكن الجمع بين
الروايتين، بأن عبد الرحمن لم يكتف بقوله أولاً: ((فإِن استجابوا لك، فتزوج ابنة ملكهم» لاحتمال

١٣٦
سرية علي إلى بني سعد
فولدت له أبا سلمة.
[سرية علي إلى بني سعد]
ثم سرية علي بن أبي طالب رضي الله عنه في شعبان سنة ست من الهجرة،
ومعه مائة رجل إلى بني سعد بن بكر، لما بلغه عَ لّه أن لهم جمعًا يريدون أن يمدوا
پهود خییر.
أنه أراد إن أسلم الجميع، مع أنه قد بقي منهم جماعة على الجزية، فكتب إليه احتياطًا، (فولدت
له) بعد ذلك سنة بضع وعشرين (أبا سلمة) المدني الزهري، قيل اسمه كنيته، وقيل: عبد الله،
وقيل: إِسمعيل التابعي الكبير الحافظ الثقة، كثير الحديث، إِمام من العلماء، مات سنة أربع
وتسعين، أو أربع ومائة.
روى له الجميع.
قال الواقدي: ولم تلد لعبد الرحمن غير أبي سلمة، وذكر في السبل عقب هذه سرية زيد
إلى مدين، وقال: روى ابن إسحق عن فاطمة بنت الحسين؛ أنه عَّه بعث زيد بن حارثة نحو
مدين، ومعه ضميرة، مولى علي بن أبي طالب وأخ له، فأصاب سبيًا من أهل مينا، وهي
السواحل، وفيها جماع من الناس فبيعوا، ففرق بينهم، فخرج عَّه وهم بيكون، فقال: (ما لهم)؟،
قيل: فرّق بینھم، فقال: ((لا تبیعوهم إِلا جمیعًا)).
قال ابن هشام: أراد الأمهات والأولاد.
سرية علي إلى بني سعد
(ثم سرية علي بن أبي طالب) الهاشمي، ورجع جمع أنه أول من أسلم مات في رمضان
سنة أربعين وهو يومئذ أفضل أحياء بني آدم بالأرض بإجماع أهل السنة، وله ثلاث وستون سنة
على الأرجح (رضي اللَّه عنه في شعبان سنة ست من الهجرة، ومعه مائة رجل إلى بني سعد بن
بكره) أي: إلى حي منهم كما قال الواقدي، (لما بلغه ◌َُّ أن لهم جمعًا) مصدر، أي: أنهم
ساعون في جمع الناس وليس المراد جماعة الناس، لأنه لو أراده لقال إنهم اجتمعوا (يريدون أن
يمدوا) بضم أوله وكسر الميم رباعي، كما قال البرهان، وتبعه الشامي أن يقووا ويعينوا (يهود
خیپر).
وفي المصباح المدد بفتحتين الجيش، ومددته أعنته وقويته، وكأنما اقتصرا على الرباعي،
! » أنسب بهذا المعنى دون المجرد، وإن كان متعديًا أيضًا كقوله: ويمدهم في طغيانهم الذي
. اه يزيدهم لاستعمال الزيادة في الإمهال، وفي التقوية والإعانة والمشترك دون المختص في

١٣٧
سرية زيد إلى أم قرفة
فأغاروا عليهم بالغمج بين فدك وخيبر، فأخذوا خمسمائة بعير وألفي شاة،
وهربت بنو سعد، وقدم علي ومن معه المدينة ولم يلقوا كيدًا.
[سرية زيد إلى أم قرفة]
ثم سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة
الاستعمال هكذا كتبنا من تقرير الشيخ وهو أفيد مما في الحاشية، (فأغاروا عليهم بالغمج) بغين
معجمة فميم مكسورة فجيم ماء (بين فدك) بفتح الفاء والدال المهملة وبالكاف.
قال المجد اللغوي: على يومين من المدينة. وقال عياض: يومين، وقيل: ثلاثة. وقال ابن
سعد: على ست ليال من المدينة.
قال السمهودي: وأظنه الصواب لكن استبعد صحته البرهان وقال: إنه سأل به بعض أهل
المدينة عنها، فقال بينهما يومان ذكره الشامي (وخيبر) وفيه مسامحة فإنهم حين وصلوا المحل.
المذكور لم يجدوا به أحدًا منهم غير عين لهم، فعند ابن سعد وشيخه الواقدي وسار على الليل
وكمن النهار حتى انتهى إلى الغمج فوجدوا به رجلاً فقالوا: ما أنت؟ قال: باغ، أي: طالب
لشيء ضل مني، فقالوا: هل لك علم بما وراءك من جميع بني سعد؟ قال لا علم لي فشددوا
عليه فأقر أنه عين لهم بعثوه إلى خيبر يعرض على بهودها نصرهم على أن يجعلوا لهم من تمرهم
كما جعلوا لغيرهم ويقدمون عليهم، فقالوا له: فأين القوم؟ قال: تركتهم قد تجمع منهم مائتا
رجل، قالوا: فسر بنا حتى تدلنا؟ قال: على أن تؤمنوني، قالوا: إن دللتنا عليهم أو على سرحهم
أمناك وإلا فلا أمان لك، قال: فذاك، فخرج بهم دليلاً حتى ساء ظنهم ثم أفضى بهم إلى الأرض
مستوية فإذا نعم كثيرة وشاء، فقال: هذه نعمهم وشاؤهم، فأغاروا عليها، فقال: أرسلوني، فقال:
حتى نأمن الطلب وهرب الرعاء إلى جمعهم فحذرهم فتفرقوا، فقال الدليل: علامَ تحبسني قد
تفرقت الأعراب، قال علي: حتى نبلغ معسكرهم، فانتهى بهم إليه فلم ير أحدًا فأرسلوه وساقوا
النعم والشاء، (فأخذوا خمسمائة بعير وألفي شاة وهربت بنو سعد) بالظعن ورأسهم وبر بفتح الواو
وسكون الموحدة وبالراء، ابن عليم بضم العين المهملة، فعزل على صفي رسول اللَّه عَ - لقوحًا
تدعى الحفدة ثم عزل الخمس وقسم سائر الغنائم على أصحابه قاله ابن سعد. والحفدة بفتح
الجاء وكسر الفاء وفتح الدال المهملة وتاء تأنيث السريعة السير، (وقدم علي ومن معه المدينة
ولم يلقوا كيدًا) ورد اللَّه كيد المشركين فلم يمدوا اليهود، ولله الحمد.
سرية زيد إلى ام قرفة
(ثم سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة) بكسر القاف وسكون الراء وبالفاء وتاء تأنيث (فاطمة

١٣٨
سرية زيد إلى أم قرفة
فاطمة بنت ربيعة بن بدر الفزارية، بناحية وادي القرى، على سبع ليال من المدينة
في رمضان سنة ست من الهجرة.
وكان سببها: أن زيد بن حارثة خرج في تجارة إلى الشام. ومعه بضائع
لأصحاب النبي عَّةٍ، فلما كان بوادي القرى لقيه ناس من فزارة من بني بدر،
فضربوه وضربوا أصحابه وأخذوا ما كان معهم.
وقدم على رسول الله عَ ليه فأخبره، فبعثه عليه الصلاة والسلام إليهم، فكمن
هو وأصحابه بالنهار وساروا بالليل، ثم صحبهم زيد وأصحابه، فكبروا وأحاطوا
بنت ربيعة بن بدر الفزارية) التي جرى فيها المثل أمنع من أم قرفة، لأنها كان يعلق في بيتها
خمسون سيفًا لخمسين رجلاً كلهم لها محرم، كنيت بابنها قرفة قتله ◌َةٍ فيما ذكر الواقدي.
وذكر أن سائر بنيها وهم تسعة قتلوا مع طليحة يوم بزاخة في الردة. وذكر أن عبد الله بن جعفر
أنكر عليه ذلك وهو الصحيح كذا في الروض. وفي الزهر الباسم أن ولدها اثنا عشر ولا منافاة
فالبنون عشرة وبنتان (بناحية وادي القرى على سبع ليال من المدينة في رمضان سنة ست من
الهجرة) كما ذكر ابن سعد قائلاً: (وكان سببها أن زيد بن حارثة خرج في تجارة إلى الشام
ومعه بضائع لأصحاب النبي عَّ فلما كان بوادي القرى) لفظ ابن سعد دون وادي القرى (لقيه
ناس من فزارة من بني بدر فضربوه وضربوا أصحابه وأخذوا ما كان معهم) وهذا ظاهر في لقيهم
له في ذهابه من المدينة لا في عوده من الشام بالتجارة كما فهم الشارح (وقدم على
رسول اللَّه عَ ◌ٍّ فأخبره) خبره. وأما ابن إسحق فقال: إن سببها أن زيدًا لما لقي بني فزارة بوادي
القرى في سريته التي قبل هذه وأصيب ناس من أصحابه وارتث زيد من بين القتلى حلف أن لا
مس رأسه غسل من جنابة حتى يغزو بني فزارة، ويجمع بتعدد السبب بأن يكون لما صح ذهب
للتجارة فنهبوه فرجع وأخبره عَةُ (فبعثه عليه الصلاة والسلام إليهم) في جيش وقال لهم:
اکمنوا النهار وسيروا الليل، (فكمن) القاموس كنصر وسمع (هو وأصحابه بالنهار وساروا بالليل)
ومعهم دليل من فزارة وعلمت بهم بنو بدر، فجعلوا لهم ناظورًا ينظر قدر مسافة يوم حين
يصبحون على جبل مشرف وجه الطريق الذي يرون أنهم يؤتون منه فيقول: اسرحوا لا بأس
عليكم فإذا كان العشاء أشرف على ذلك الجبل فينظر مسيرة ليلة فيقول: ناموا لا بأس عليكم،
فلما كان الصحابة على نحو ليلة أخطأ دليلهم الطريق، فسار في أخرى حتى أمسوا وهم على
خطأ فعاينوا الحاضر من بني فزارة فحمدوا خطأهم (ثم صبحهم زيد وأصحابه وكبروا وأحاطوا

١٣٩
سرية زيد إلى أم قرفة
بالحاضر، وأخذوا أم قرفة - وكانت ملكة رئيسة - وأخذوا ابنتها جارية بنت الملك بن
حذيفة بن بدر.
وعمد قيس بن المحسر إلى أم قرفة - وهي عجوز كبيرة - فقتلهما قتلاً
عنيفًا، وربط بين رجليها حبلاً ثم ربطها بين بعيرين ثم زجرهما فذهبا فقطعاها.
بالحاضر،) أي: بمن حضر ثمة من فزارة.
قال ابن إسحق: فقتلهم وأصاب فيهم (وأخذوا أم قرفة وكانت ملكة رئيسة.) وعند
ابن إسحق وكانت في بيت شرف من قومها كانت العرب تقول: لو كنت أعز من أم قرفة
ما زدت (وأخذوا ابنتها جارية) ظاهره أنه اسمها وتبعه الشامي ولعلهما اطلعا على أنه اسمها فلا
ينافي قول البرهان هذه البنت لا أعرف اسمها، (بنت مللك بن حذيفة بن بدر وعمد) كقصد
(قيس بن المحسر) الكناني الليثي الصحابي.
قال اليعمري: بفتح السين المهملة، وقد تكسر، وقيل: بتقديم السين على الحاء، زاد في
الإصابة، وقيل: ابن مسحل بكسر الميم وسكون السين وفتح الحاء المهملة بعدها لام وكون
قيس ابنه جزم به الأخباريون وصدر الإصابة بأنه قيس بن مالك بن المحسر، وقيل: بإسقاط ملك
انتھی.
وفي القاموس: وبطن محسر قرب المزدلفة، وكذا قيس بن المحسر الصحابي (إلى
أم قرفة وهي عجوز كبيرة) زاد ابن إسحق في رواية يونس فأسرها وبنتها وقتل مسعدة بن حكمة
ابن مالك بن بدر، فأمره زيد بن حارثة، (فقتلهما قتلاً عنيفًا).
وفي رواية البكائي وأسرت أم قرفة وبنتها وعبد الله بن مسعدة بالبناء للمجهول وهو
الصواب لأن الذي أسرهما سلمة بن الأكوع كما صرح به بعد وما ذكر من قتل قيس لمسعدة
يومئذ قول غير المتقدم إن قائله أبو قتادة في غزوة الغابة، (وربط بين رجليها حبلاً ثم ربطها بين
بعيرين، ثم زجرهما فذهبا فقطعاها) صريحه أنه ربط رجليها بحبل ثم ربط فيه آخر، وجعله في
البعيرين والذي في ابن إسحق كما في العيون ربط رجليها بحبلين ثم ربطا إلى بعيرين حتى
شقاها، وذكر الدولابي أن زيدًا إنما قتلها كذلك لسبها رسول اللَّه عَّةٍ قيل: ولأنها جهزت ثلاثين
راكبًا من ولدها وولد ولدها، وقالت: اغزوا المدينة واقتلوا محمدًا، لكن قال بعضهم: أنه خبر
منكر هذا، وقد التبس سبب السرية الذي هو السير للتجارة بالسرية نفسها على من زعم أن قول
اليعمري كشيخه الدمياطي كذا ثبت عند ابن سعد لزيد سريتان بوادي القرى إحداهما في رجب
والأخرى في رمضان مشكل لاقتضائه أنه أرسل غازيًا في المرتين لبني فزارة مع أنه إنما كان في

١٤٠
سرية زيد إلى أم قرفة
وقدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك، فقرع باب النبي عَّةِ، فقام إليه عريانًا
يجر ثوبه، حتى اعتنقه وقبله، وسأله فأخبره بما أظفره الله تعالى به.
الأولى تاجرًا اجتاز بهم كما دل عليه كلام ابن سعد ففيه إطلاق السرية على الطائفة الخارجة
للتجارة، ولا يختص ذلك بالخارجة للقتال، أو تحسس الأخبار وهو وهم فكلام ابن سعد كما
علمت إنما هو في سبب غزو زيد لهم في رمضان مع أن الثلاثة مع كونهم حفاظًا متقنين لم
ينفردوا بأنهما سريتان لزيد بل سبقهم إلى ذلك الواقدي وابن عائذ وابن إسحق وإن خالفهم في
سببها ولم يذكر تاريخًا، وقول الشارح لم يذكر ابن سيد الناس في رمضان إلا مجرد قدومه
بالتجارة وذكر قتل أم قرفة في رجب فيه أنه لم يذكر قدومه بالتجارة إنما نقل عن ابن سعد
خروجه بالتجارة إلى قوله فأخذوا ما كان معهم ثم قال عقبه.
وذكر ابن سعد نحو ما سبق عن ابن إسحق في خبر أم قرفة وقال في آخره فنقل عنه ما
ذكره المصنف بقوله: (وقدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك فقرع باب النبي عَّةِ فقام إليه عريانًا
يجر ثوبه حتى اعتنقه وقبله وسأله فأخبره بما ظفره اللّه تعالى به).
(وعند ابن إسحق وغيره: وقدموا على رسول اللَّه عَ لِّ بعبد الله بن مسعدة وبابنة أم قرفة،
وكان سلمة بن الأكوع هو الذي أصابها فسألها عَّ فوهبها له فوهبها لخاله، حزن ابن أبي وهب
فولدت له عبد الرحمن بن حزن، هكذا ذكر ابن إسحق وابن سعد والواقدي وابن عائذ وغيرهم
هذه السرية، وأن أميرها زيد بن حارثة. وفي صحيح مسلم وأبي داود عن سلمة بن الأكوع
بعث عَّ أبا بكر إلى فزارة وخرجت معه حتى إذا صلينا الصبح أمرنا فشننا الغارة فوردنا الماء
فقتل أبو بكر، أي: جيشه من قتل ورأيت طائفة منهم الذراري، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل
فأدركتهم ورميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا وفيهم امرأة وهي أم قرفة عليها
قشع من أدم معها ابنتها من أحسن العرب فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر فنغلني أبو بكر ابنتها
فلم أكشف لها ثوبًا، فقدمنا المدينة فلقيني رسول اللَّه عَّ. فقال: ((يا سلمة هب لي المرأة لله
أبوك))، فقلت هي لك يا رسول اللَّه، فبعث بها رسول اللَّه عَ لّه إلى مكة فقدى بها أسرى من
المسلمین کانوا في أيدي المشركين.
: وفي لفظ: فدى بها أسيرًا كان في قريش.
قال الإمام السيلي في الروض: وهذه الرواية أحسن وأصح من رواية ابن إسحق أنه وهبها
لخاله حزن بمكة انتهى، ويقال مثله في كون أميرها الصديق.
قال الشامي: ويحتمل أنهما سريتان اتفق لسلمة فيهما ذلك، ويؤيد ذلك أن في سرية زيد
أنه مَّةٍ وهب المرأة لخاله فولدت له، وفي سرية أبي بكر أنه بعث بها إلى مكة فقدى بها أسرى