النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ سرية القرطاء وحديث ثمامة وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى ذلك وفد عبد القيس في المقصد الثاني، وفى ذكر حجه عليه الصلاة والسلام من مقصد عباداته. [سرية القرطاء وحديث ثمامة] ثم سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء، بطن من بني بكربن كلاب وهم ينزلون بناحية ضرية بالبكرات، أميرًا على الحج تلك السنة، وهو أوّل أمراء الحج، وقيل: سنة تسع، وقيل: عشر، (وسيأتي البحث في ذلك إِن شاء اللَّه تعالى في ذكر وفد عبد القيس من المقصد الثاني،) والكلام الذي ذكره فيه في تعلق الحج قليل؛ لأنه وقع استطرادًا، (وفي ذكر حجه عليه الصلاة والسلام من مقصد عباداته) وهو التاسع وأشبع ثم الكلام عليه. سرية القرطاء وحديث ثمامة (ثم سرية محمد بن مسلمة) الأنصاري، الأَشهلي أكبر من اسمه محمد من الصحابة، وكان من الفضلاء، مات بعد الأربعين (إلى القرطاء) بضم القاف، وسكون الراء وبالطاء المهملة، أي والمد على القياس، وهم قرط بضم فسكون، وقريط بفتح الراء، وقريط بكسرها بنو عبد بغير، إضافة كما ضبطه البرهان، وتبعه الشامي، فمن قال القرطاء بفتح القاف؛ كأنه اشتبه عليه، أو سبقه القلم، وكذا من ضبطه بضم القاف، وفتح الراء اشتبه عليه الجمع بالمفرد (بطن من بني بكر،) واسمه عبيد بن كلاب من قيس عيلان، بعين مهملة وسكون التحتية. ذكره أبو محمد الرشاطي، وبطن بدل من القرطاء، وكان الأولى أن يقول بطون؛ لأنهم إخوة كما علمت، وفي القاموس: القرط بالضم من بني كلاب، وهم أخوة قرط، كقفل وقريط، كزبير وقريط كأمير، فلعل المصنف أراد طائفة، (وهم،) أي: القرطاء، (ينزلون بناحية ضرية). قال البرهان: بفتح الضاد المعجمة، وكسر الراء، ثم تحتية مفتوحة مشددة، ثم تاء تأنيث. قال في الصحاح: قرية لبني كلاب على طريق البصرة إلى مكة، وهي إلى مكة أقرب، (بالبكرات) بفتح الموحدة، وسكون القاف، فراء فألف ففوقية، جمع بكرة. قال الشامي: كذا فيما وقفت عليه من كتب المغازي. قال الصغاني: البكرة ماء لبني ذؤيب من الضباب، وعندها جبال شمخ يقال لها البكرات والبكران، يعني بلفظ التثنية موضع بناحية ضرية، وتبعه في المراصد. قال في النور: ولعل ما في العيون بلفظ التثنية، وتصحف على الناسخ، فذكره بلفظ الجمع، ولم يذكر أبو عبيد البكري في معجمه بحي ضرية إلا بكرة بالأفراد، قلت: وهو بعيد ١٠٢ سرية القرطاء وحديث ثمامة وبين ضرية والمدينة سبع ليال. لعشر ليال خلون من المحرم سنة ست على رأس تسعة وخمسين شهرًا من الهجرة. بعثه في ثلاثين راكبًا، فلما أغار عليهم هرب سائرهم. وعند الدمياطي: فقتل نفرًا منهم وهرب سائرهم. واستاق نعمًا وشاء، وقدم المدينة لليلة بقيت من المحرم ومعه ثمامة جدًا لتوارد ما وقفت عليه من كتب المغازي انتهى. (وبين ضرية والمدينة) الشريفة (سبع ليال لعشر) متعلق بسرية، والمعنى خرج لعشر (ليال خلون من المحرم سنة ست على رأس،) أي: أوّل، (تسعة وخمسين شهرًا من الهجرة.) من أوّل دخول المصطفى المدينة لا من أوّل المحرم حتى يوافق قوله سنة ست، وإلا فعدة الأشهر تفيد أنها سنة خمس فما بعد السنة الأولى من الهجرة معتبر بأوّل المحرم، والأولى من دخول المدينة والمحوج إلى هذا تلفيق المصنف بين القولين، فإن الحاكم ذكر أنها في المحرم سنة ست، ولم يعد الأشهر الماضية من الهجرة، وابن سعد عد الأشهر، ولم يقل إِنها سنة ست كما في العيون. (بعثه في ثلاثين راكبًا،) إِيلاً وخيلاً كما في الصحيح، أنه بعث خيلاً، وقول ثمامة: إِن خيلك أخرتني، منهم عباد بن بشر، وسلامة بن وقش بفتح الواو، والقاف وبالشين المعجمة، والحرث بن خزمة بفتح المعجمة وسكون الزاي، وقيل بفتحها، وقيل: خزيمة بالتصغير، وأمره أن يسير الليل ويكمن النهار، وأن يشن الغارة عليهم بفتح الياء، وضم المعجمة، وضم الياء، وكسر الشين ونون، أي: يفرق الخيل المغيرة على العدوّ، ففعل ما أمره. (فلما أغار) هجم (عليهم) مسرعًا (هرب سائرهم،) أي: باقيهم، بعد من قتل منهم، فلا يخالف قوله. (وعند الدمياطي) تبعًا للواقدي عن شيوخه: (فقتل منهم نفرًا) هم لغة ما دون العشرة، لكن عند الواقدي فقتل منهم عشرة، (وهرب سائرهم) أي: باقيهم بعد قتل النفر، ولم نر أحدًا. قال: لم يقتل منهم حتى نحمل قوله أوّلا سائرهم على الجميع، ويجعل ما بعده مقابلاً له، على أن كونه بمعنى الجميع ضعيف، (واستاق نعمًا،) وكانت مائة وخمسين بعيرًا (وشاء،) وكانت ثلاثة آلاف، فعدلوا الجزور بعشرة من الغنم، قاله ابن سعد القاموس النعم، وقد تسكنٍ عينه الإبل والشاء، أو خاص بالإِبل، فعليه العطف مباين وعلى الأوّل من عطف الأخص على الأعم، (وقدم المدينة لليلة بقيت من المحرم،) وغاب تسع عشرة ليلة، قاله ابن سعد، (ومعه ثمامة) بضم ١٠٣ سرية القرطاء وحديث ثمامة ابن أثال الحنفي أسيرًا. فربط بأمره عليه الصلاة والسلام بسارية من سواري المسجد، ثم أطلق بأمره عليه الصلاة والسلام، فاغتسل وأسلم وقال: المثلثة وميمين خفيفتين (ابن أثال) بضم الهمزة، وبمثلثة خفيفة ولام، مصروف ابن النعمان (الحنفي،) من فضلاء الصحابة، لم يرتد مع من ارتد من أهل اليمامة، ولا خرج عن الطاعة قط رضي الله عنه، ونفع اللَّه به الإِسلام كثيرًا، وقام بعد وفاة المصطفى مقامًا حميدًا حين ارتدت اليمامة مع مسيلمة، فقال ﴿بسم الله الرحمن الرحيم، حم، تنزيل الكتاب من اللَّه العزيز العليم، غافر الذنب، وقابل التوب شديد العقاب﴾ [غافر: ٣] أين هذا من هذيان مسيلمة فأطاعه منهم ثلاثة آلاف، وانحازوا إلى المسلمين (أُسيرًا). قال ابن إسحق: بلغني عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة؛ أن خيلاً لرسول اللَّه عزّه. أخذت رجلاً، ولا يشعرون من هو، حتى أتوا به رسول اللَّه عَّله، فقال: («أتدرون من أخذتم، هذا ثمامة بن أثال الحنفي، أحسنوا أساره، ورجع فقال لأهله: اجمعوا ما عندكم من طعام، فابعثوا به إليه، وأمر بلقحته أن يغدي عليها، ويراح، فلا يقع من ثمامة موقعًا وإِساره بكسر الهمزة، أي: قيده، (فربطوه بأمره عليه الصلاة والسلام،) كما في رواية ابن إسحق (بسارية من سواري المسجد،) لينظر حسن صلاة المسلمين، واجتماعهم عليها ويرق قلبه، (ثم أطلق بأمره عليه الصلاة والسلام) منا عليه، أو تألفًا، أو لما علم من إِيمان قلبه، أو أنه سيظهره، أو أنه مر عليه فأسلم، كما رواه ابنا خزيمة وحبان من حديث أبي هريرة، كذا في شرح المصنف، (فاغتسل وأسلم) بعد اغتساله، كما في الصحيح، ففي حجة للملك في صحة لمن أجمع على الإِسلام. قال في رواية ابن إسحق: فلما أمسى جاؤوه بالطعام، فلم ينل منه إِلاَّ قليلاً، وباللقحة، فلم يصب من حلابها إِلا يسيرًا، فعجب المسلمون، فقال علّ ◌ُله: ((مم تعجبون أمن رجل أكل أوّل النهار في معا كافر، وأكل آخر النهار في معا مسلم، إِن الكافر يأكل في سبعة أمعاء، وإِن المسلم یأکل في معا واحد)). (وقال) كما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة: بعث النبي عَِّ خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إِليه عَّ فقال: ((ماذا عندك يا ثمامة)؟، قال: عندي خير يا محمد، إِن تقتل تقتل ذا دم وإِن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فترك حتى كان الغد ثم قال: ((ما عندك يا ثمامة))؟، قال: ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: ((ما عندك يا ثمامة))؟ قال: عندي ما قلت لك، فقال: ((أطلقوا ثمامة))، ١٠٤ سرية القرطاء وحديث ثمامة يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الأديان كلها إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إلي. وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشرة النبي عليه، صَ اله وأمره أن يعتمر. فانطلق إِلى نجل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إِله إِلاَّ اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، (يا محمد والله ما كان على الأَرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليّ، والله ما كان من دين أبغض إليّ من دينك، فأصبح دينك أحب الأديان كلها إِليَّ) لفظ البخاري: أحب الدين إِليَّ، ولفظ مسلم: أحب الدين كله إِليَّ. (واللَّه ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إِليَّ) فيه تعظيم أمر العفو عن المسيء؛ لأنه أقسم أن بغضه انقلب حبًّا في ساعة واحدة، لما أسداه عَّه إليه من العفو والمن من غير مقابل، (وإِن خيلك) قال المصنف: أي فرسان خيلك، وهو من ألطف المجازات وأبدعها، فهو على حذف مضاف، كقوله: يا خيل اللَّه اركبي، (أخذتني) قبل دخول المدينة، كما هو المتبادر منه، كقول أبي هريرة أول الحديث: بعث خيلاً قبل نجد، فجاءت بثمامة. قال الحافظ: وزعم سيف في كتاب الردة له أن الذي أسر ثمامة هو العباس، وفيه نظر لأَن العباس إنما قدم في الفتح، وقصة ثمامة قبله، بحيث اعتمر، ورجع إلى بلاده، ومنعهم أن يميروا أهل مكة حتی شکوا للمصطفی، فبعث یشفع لهم عند ثمامة انتهى. وروى البيهقي عن ابن إسحق: أن ثمامة كان رسول مسيلمة للمصطفى قبل ذلك، وأراد اغتياله، فدعا ربه أن يمكنه منه، فدخل المدينة معتمرًا؛ وهو مشرك، فتحير في أزقتها، فأخذ وهو معضل، فلا يعارض حديث الصحيحين، ثم لا يعارض هذا قوله أولاً في ثلاثين راكبًا، بناء على الأكثر لغة من أنه وصف لراكب الإِبل؛ لأنه على الإطلاق الثاني. ففي القاموس: الراكب للبعير خاصة، وقد يكون للخيل، ولا يحمل قوله: خيلك، على أنه أراد جماعته، أطلق عليهم خيلاً للزومها للمقاتلين كثيرًا؛ لأن فيه رد رواية الصحيحين إلى كلام أهل السيرة، مع إمكان الجمع بدون ذلك، (وأنا أريد العمرة، فماذا ترى) أأذهب إلى العمرة، أو أرجع، أو أقيم عندك، (فبشره النبي،) وفي رواية: رسول اللَّه (عَ ◌ّه) قال الحافظ: أي بخير الدنيا والآخرة، أو الجنة، أو بمحو ذنوبه وتبعاته السالفة، وتبعه المصنف. وقال شيخنا: لعل المراد بشره بالسلامة، وأنه لا يصيبه من أهل مكة ضرر إذا اعتمر، (وأمره أن يعتمر،) ١٠٥ سرية القرطاء وحديث ثمامة فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت؟ قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله عَ له، ولا والله تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي عَّه. (فلما قدم مكة قال له قائل:) قال المصنف: لم أعرف. اسمه، (صبوت،) أي: خرجت من دين إلى دين، (قال: لا) ما خرجت من دين، لأَن عبادة الأوثان ليست دينًا إِذا تركته أكون خرجت من دين، (ولكن أسلمت) للَّه رب العالمين (مع محمد رسول اللَّه عَظ له) أي: وافقته على دينه، فصرنا متصاحبين في الإِسلام، أنا بالابتداء وهو بالاستدامة، وفي رواية ابن هشام: ولكني تبعت خير الدين دين محمد، قاله كله الفتح، وبسطه المصنف بقوله: وهذا من أسلوب الحكيم؛ كأنه قال: ما خرجت من الدين لأنكم لستم على دين، فأخرج منه، بل استحدثت دين اللَّه، وأسلمت مع رسول اللّه رب العالمين، فإن قلت مع تقتضي استحداث المصاحبة؛ لأنها معنى المعية وهي مفاعلة، وقد قيد بها الفعل، فيجب الاشتراك، كذا نص عليه الكشاف في الصافات، أجيب بأنه لا یبعد ذلك، فیکون منه ێ استدامة ومنه استحداث انتهى. (ولا والله) قال الحافظ: فیه حذف تقدیرہ، والله لا ارجع إِلی دینکم، ولا أرفق بکم، فأترك المسيرة (تأتيكم من اليمامة حبة حنطة،) ويقع في بعض نسخ المواهب المصحفة لفظ لما قبل قوله تأتيكم، وفي بعضها لا، ولا وجود لذلك في البخاري ولا مسلم، (حتى يأذن فيها النبي ◌َُّ). وعند ابن هشام: بلغني أنه خرج معتمرًا حتی إذا کان ببطن مکة لبی، و کان أول من دخل مكة يلبي، فأخذته قريش، فقالوا: قد اجترأت علينا، فلما قدموه ليضربوا عنقه، قال قائل منهم: دعوه فإِنكم تحتاجون إِلى اليمامة فخلوه. فقال الحنفي: ومنا الذي لبى بمكة معلنًا برغم أبي سفين في الأشهر الحرم ثم خرج إلى اليمامة، فمنعهم أن يحملوا إِلى مكة شيئًا، فكتبوا إِليه عَّهِ إِنك تأمر بصلة الرحم، وإنك قد قطعت أرحامنا، فكتب إليه أن يخلي بينهم وبين الحمل. وأخرج النسائي والحاكم، عن ابن عباس قال: جاء أبو سفين إِلى النبي عَّدٍ، فقال: یا محمد أنشدك اللَّه والرحم قد أكلنا العلهز، يعني الوبر والدم، فأنزل الله: ﴿ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون﴾، رواه البيهقي في الدلائل بلفظ: إِن ابن أثال الحنفي لما أتى به النبي صَّه، وهو أسير خلى سبيله فأسلم فلحق بمكة، ثم رجع فجال بين أهل مكة وبين الميرة من اليمامة حتى أكلت قريش العلهز، فجاء أبو سفين إِلى النبي معَّله، فقال: ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟، قال: ((بلى)، قال: قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فنزلت العلهز بكسر العين المهملة، والهاء بينهما لام ساكنة وبزاي آخره، وكأنهم كتبوا ١٠٦ غزوة بني لحيان ذكر قصته البخاري. [غزوة بني لحيان] ثم غزوة بني لحيان - بكسر اللام وفتحها، لغتان- في ربيع الأول سنة ست من الهجرة. وذكرها ابن إسحق في جمادى الأولى على رأس ستة أشهر من قريظة. قال ابن حزم: الصحيح أنها في الخامسة. قالوا: له أولاً، ثم لم يثقوا، ولم يكتفوا بالكتابة لشدة ما هم فيه من القحط، فحرج أبو سفين، فانظر إِلى هذا الحلم العظيم، والرحمة الشاملة، والرأفة العميمة، يواجهه بهذا الخطاب الخشن، مع شدة حاجته إِليه، ومحاربته له قريبًا، وقومه الأحزاب، ومع ذلك لم يمتنع من قضاء حاجته إِنك لعلى خلق عظيم. (ذكر قصته البخاري) ومسلم، كلاهما في المغازي تامًا كما سقناه، واقتصر اليعمري على عزوه لمسلم، وكان اللائق له وللمصنف أن يقولا رواه الشيخان. قال الحافظ: وفي قصة من الفوائد ربط الكافر في المسجد، والمن على الأسير الكافر، والاغتسال عند الإِسلام، وإِن الإحسان يزيل البغض، ويثبت الحب، وإِن الكافر إذا أراد عمل خير، ثم أسلم، شرع له أن يستمر في ذلك الخير، وملاطفة من يرجى إِسلامه من الأسرى، إِذا كان في ذلك مصلحة للإِسلام، ولا سيما من يتبعه على إِسلامه العدد الكثير من قومه، وفيه بعث السرايا إِلى بلاد الكفار، وأسر من وجد منهم، والتخير بعد ذلك في قتله وإبقائه انتهى، واللَّه أعلم. ثم غزوة بني لحيان (بكسر اللام وفتحها لغتان،) نسبة إِلى لحيان بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر. قال الحافظ: وزعم الهمداني النسابة أن أصل بني لحيان من بقايا جرهم، دخلوا في هذيل، فنسبوا إليهم (في) غرة شهر (ربيع الأوّل، سنة ست من الهجرة،) عند ابن سعد، (وذكرها ابن إسحق،) لا بالوضع، بل بالتصريح؛ بأنها (في جمادى الأولى، على رأس ستة أشهر من) فتح بني (قريظة). ((قال ابن حزم،) الحافظ العلامة، (الصحيح، أنها في) السنة (الخامسة) الذي هو قول ابن إسحق، وقيل: كانت في الرابعة، وقيل: كانت في رجب، وقيل: في شعبان، (قالوا) في سببها، كما ذكر ابن سعد، ورواه ابن إسحق عن عاصم بن عمرو وعبد الله بن أبي بكر، عن عبد اللَّه بن كعب بن ملك مرسلاً. ١٠٧ غزوة بني لحيان وجد رسول الله عَّله على عاصم بن ثابت وأصحابه وجدًا شديدًا، فأظهر أنه يريد الشام، وعسكر في مائتي رجل ومعهم عشرون فرسًا. واستخلف على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم. ثم أسرع السير حتى انتهى إلى بطن غران - واد بين أمج وعسفان، وبينها وبين عسفان خمسة أميال ـ حيث كان مصاب أصحابه أهل الرجيع الذين قتلوا ببثر معونة، فترحم عليهم ودعا لهم. فسمعت بنو لحيان فهربوا في رؤوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يومًا أُو یومین يبعث السرايا (وجد) حزن (رسول اللَّه ◌ٍَّ على عاصم بن ثابت وأصحابه،) وكانوا عشرةٍ، أو سبعة على ما مر، وأراد بأصحابه ما يشمل المقتولين ببئر معونة، وهم القراء السبعون، لأن عاصمًا، وأصحابه لم يقتلوا بها، بل كانوا سرية وحدهم، (وجدًا شديدًا،) حزنًا قويًا، (فأظهر أنه يريد الشام) ليصيب من القوم غرة (وعسكر،) أي: خرج، (في مائتي رجل ومعهم عشرون فرسًا، واستخلف على المدينة عبد اللَّه ابن أم مكتوم)، فیما قال ابن هشام. قال ابن إسحق: فسلك على غراب، أي: بلفظ الطائر جبل بناحية المدينة، ثم على طريقه إلى الشام، ثم على محيص بفتح الميم، وكسر الحاء والصاد المهملتين، ثم على البتراء تأنيث أبتر، ثم صفق بشد الفاء، عدل ذات اليسار، فخرج على بين بفتح التحتية الأولى، وسكون الثانية ونون، وضبطه الصغاني بفتحهما، واد بالمدينة، ثم على صخيرات الثمام، جمع صخيرة مصغرة بمثلثة، وقيل: فوقية، ثم استقام به الطريق على المحجة من طريق مكة. (ثم أسرع السير حتى انتهى إلى بطن غران) بضم المعجمة، وخفة الراء فنون، (واد) يقال له وادي الأزرق (بين أمج) بفتحتين وجيم، (وعسفان) بضم العين (وبينها،) أي: بطن غران، (وبين عسفان خمسة أميال). قال ابن إسحق: وهي منازل بني لحيان، (حيث كان مصاب) مصدر ميمي، أي: إِصابة (أصحابه أهل الرجيع الذين قتلوا ببئر معونة،) مر أن بعث الرجيع غير بئر معونة، خلافًا لما توهمه ترجمة البخاري، والاعتذار عنه؛ بأنه أدمجهما لقربهما لمجيء خبرهما للمصطفى في ليلة واحدة، (فترحم عليهم، ودعا لهم) بالمغفرة، (فسمعت بنو لحيان، فهربوا في رؤوس الجبال) رعبًا وخوفًا ممن نصر بالرعب، (فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يومًا أو يومين، يبعث السرايا ١٠٨ غزوة بني لحيان في كل ناحية. ثم خرج حتى أتى عسفان فبعث أبا بكر في عشرة فوارس لتسمع به قريش فيذعرهم، فأتوا كراع الغميم، ولم يلقوا كيدًا. وانصرف رسول الله عَّله إلى المدينة ولم يلق كيدًا وهو يقول: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون. في كل ناحية) من نواحيهم، (ثم خرج حتى أتى عسفان، فبعث أبا بكر فيء) مع (عشرة فوارس لتسمع بهم قريش، فيذعرهم) بفتح الياء، وذال معجمة وفتح العين المهملة، أي: يفزعهم، (فأتوا كراع) بضم الكاف، وخفة الراء وعين مهملة، (الغميم) بفتح الغين المعجمة، وكسر الميم، فتحتية ساكنة فميم، واد أمام عسفان، بثمانية أميال يضاف إلى كراع، جبل أسود بطرف الحرة ممتد إِليه، والكراع ما سال من أنف الجبل، أو الحرة، وطرف كل شىء، كما في النور، (ولم یلقوا کیدًا) قاله ابن سعد. وقال ابن إسحق: لما أخطأه من غرتهم ما أراد، قال عَّةٍ: ((لو أنا نزلنا عسفان لرأى أهل مكة أنا قد جئنا مكة))، فخرج في مائتي راكب من أصحابه حتى نزل عسفان، ثم بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم، ثم كروا يمكن الجمع بأنه بعثهما، ثم بعث أبا بكر في العشرة أو عكسه، (وانصرف رسول اللَّه عَّةٍ إِلى المدينة، ولم يلق كيدًا،) أي: حربًا، (وهو يقول) كما رواه ابن إسحق وابن سعد عن جابر: سمعت رسول اللَّه عَّه يقول حين وجه راجعًا: (آيبون) بمد الهمزة، أي: نحن راجعون إِلى الله، نحن (تائبون) إن شاء الله تعالى، كما في الرواية إليه سبحانه، فيه إِشارة إِلى التقصير في العبادة، قاله تواضعًا أو تعليمًا لأمته، نحن (عابدون)) من استحقت ذاته للعبادة (لربنا،) متعلق بالصفات الثلاثة على طريق التنازع، وكذا بقوله نحن (حامدون) له تعالى. وقال الطيبي: يجوز أن يتعلق قوله لربنا بقوله عابدون، لأَن عمل اسم الفاعل ضعيفٍ، فيقوى به، أو بحامدون ليفيد التخصيص، أي: نحمد ربنا لا نحمد غيره، وهذا أولى؛ لأَّنه الخاتمة للدعاء، وبقية حديث جابر عندهما: أعوذ بالله من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأَهل والمال. زاد الواقدي: اللهم بلغنا بلاغًا صالحًا، ينظر إِلى خير مغفرتك ورضوانًا، قالوا: وهذا أول ما قال هذا الدعاء، ووعثاء بمثلثة مشقة وكآبة حزن، وأصل الحديث في الصحيح عن ابن عمر كان عَّهِ إِذا قفل يقول، كلما أوفى على ثنية أو فدفد كبر ثلاثًا، ثم قال: لا إِله إِلاَّ اللَّه، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آیبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق اللَّه وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، (وغاب عن ١٠٩ غزوة ذي قرد - غزوة الغابة وغاب عن المدينة أربع عشرة ليلة. - [غزوة ذي قرد] - [غزوة الغابة] وتعرف بذي قرد - بفتح القاف والراء والدال المهملة - وهو ماء على نحو بريد من المدينة. في ربيع الأول سنة ست، قبل الحديبية. وعند البخاري أنها كانت قبل خيبر بثلاثة أيام، وفي مسلم نحوه. المدينة أربع عشرة ليلة) واللَّه سبحانه وتعالى أعلم. غزوة ذي قرد - غزوة الغابة بغين معجمة، فألف، فموحدة على بريد من المدينة في طريق الشام. قال البرهان: وصحف من قالها بالتحتية، وغلط القائل هي شجر لا مالك له، بل لاحتطاب الناس ومنافعهم. قال الشريف: ووهم من قال من عوالي المدينة، كيف وهو مغيض مياه أوديتها بعد مجتمع الأَسيال، ثم قال: وكان بها أملاك لأهلها استولى عليها الخراب، وبيعت في تركة الزبير بألف ألف، وستمائة ألف انتهى، أضيفت إليها الغزوة؛ لأن اللقاح التي أغير عليها كانت بها، (وتعرف بذي قرد؛) لكونه عَّه وصل إليها وصلى بها، كما يأتي (بفتح القاف والراء،) زاد الحافظ: وحكى الضم فيها، وحکِی ضم أوله وفتح ثانيه. قال الحازمي: الأول ضبط أصحاب الحديث، والضم عن أهل اللغة. وقال البلاذري الصواب الأول، (والدال المهملة) آخره، (وهو ماء على نحو بريد من المدينة،) مما يلي بلاد غطفان، وقيل: على مسافة يوم انتهى. قال السهيلي: القرد لغة الصوف، واختلف في وقتها، فقال ابن سعد، وشيخه الواقدي: (في ربيع الأول سنة ست،) وقيل: في جمادى الأولى. وعند ابن إسحق في شعبان على نقل الفتح، ولعله في رواية يونس أو غيره عنه، وإلا فرواية البكائي، أنها في جمادى الأولى، وعلى الثلاثة هي (قبل الحديبية؛) لأنها هلال القعدة سنة ست. (وعند البخاري) جزما، (أنها كانت قبل خيبر بثلاثة أيام،) وخيبر بعد الحديبية بنحو عشرين يومًا. قال الحافظ: كذا جزم به، (و) مستنده في ذلك حديث سلمة بن الأكوع، (في مسلم نحوه،) حيث قال في آخر الحديث الطويل، فرجعنا، أي: من الغزوة إلى المدينة، فوالله ما لبثنا بالمدينة إلاّ ثلاث ليال، حتى خرجنا إِلى خيبر. ١١٠ غزوة ذي قرد - غزوة الغابة قال مغلطاي: وفى ذلك نظر لإجماع أهل السير على خلافهما. انتهى. قال القرطبي شارح مسلم: لا يختلف أهل السير أن غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية. وقال الحافظ ابن حجر: ما في الصحيح من التاريخ لغزوة ذي قرد أصح مما ذکر أهل السير. انتهى. وسببها: أنه كان لرسول الله مُ له عشرون لقحة - (قال مغلطاي: وفي ذلك) الذي جزم به البخاري، وأفاده حديث سلمة في مسلم، (نظر الإجماع أهل السير على خلافهما، انتهى). (قال) العلامة أبو العباس، أحمد بن عمر، الفقيه المحدث، (القرطبي،) شيخ صاحب التذكرة، والتفسير مر بعض ترجمته، ولذا ميزه؛ بأنه (شارح مسلم) في الكلام على حديث سلمة، تبعًا لأَبي عمر، (لا يختلف أهل السير أن غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية،) فما في حديث سلمة وهم من بعض الرواة. قال القرطبي: ويحتمل الجمع؛ بأنه عَّه كان أغزى سرية فيهم سلمة إِلى خيبر قبل فتحها، فأخبر سلمة عن نفسه وعمن خرج معه، يعني حيث قال: خرجنا إلى خيبر، قال: ويؤيده أن ابن إسحق ذكر أنه مَّ أغزى إِليها ابن رواحة قبل فتحها مرتين. (وقال الحافظ ابن حجر): سياق الحديث يأبى هذا الجمع، ففيه خرجنا إلى خيبر مع رسول اللَّه عَ له، فجعل عمي يرتجز بالقوم، وفيه قوله عَُّله: ((من السائق ومبارزة عمه لمرحب))؟ وقتل عامر، وغير ذلك مما وقع في خيبر، خرج إِليها عَّهِ، فعلى هذا (ما في الصحيح من التاريخ لغزوة ذي قرد أصح مما ذكره أهل السير). وصرح ابن القيم؛ بأن ما ذكروه وهم. قال الحافظ: ويحتمل في طريق الجمع؛ أن تكون إِغارة عيينة على اللقاح وقعت مرتين: الأولى التي ذكرها ابن إسحق، وهي قبل الحديبية، والثانية بعدها قبل الخروج إلى خيبر، وكان رأس الذين أغاروا عبد الرحمن بن عيينة، كما ساقٍ سلمة عند مسلم، ويؤيده أن الحاكم ذكر في الإكليل أن الخروج إلى ذي قرد تكرر، ففي الأول خرج إليها زيد بن حارثة قبل أحد، وفي الثانية خرج إليها عَّه في ربيع الآخر سنة خمس، والثالثة هذه المختلف فيها انتهى، فإِذا ثبت هذا قوي الجمع الذي ذكرته (انتهى) كلام الحافظ بما زدته كله من الفتح، (وسببها أنه كان لرسول اللّه مَ عشرون لقحة،) بكسر اللام، وقد تفتح، وحاء مهملة، والجمع لقاح بالكسر فقط ١١١ غزوة ذي قرد - غزوة الغابة وهي ذوات اللبن القريبة العهد بالولادة - ترعى بالغابة، وكان أبو ذر فيها، فأغار عليهم عيينة بن حصن الفزاري ليلة الأربعاء، في أربعين فارسًا فاستاقوها، وقتلوا ابن أبي ذر. وقال ابن إسحق: وكان فيها رجل من بني غفار وامرأة، فقتلوا الرجل وسبوا المرأة، وخفة القاف، (وهي ذوات اللبن، القريبة العهد بالولادة،) بشهر، واثنين، وثلاثة وهو اسم لا صفة، فيقال هذه لقحة لا ناقة لقحة، فإِن أريد الوصف فناقة لقوح ولاقح، وقد يقال ذلك قبل الوضع، ثم هي بعد الثلاثة لبون، وقد جاء اللقحة في البقر والغنم أيضًا، كما في النور. (ترعى بالغابة) قاله ابن إسحق وغيره من أهل المغازي، ومثله في حديث سلمة الطويل عند مسلم. وفي البخاري ومسلم: كانت ترعى بذي قرد. قال عياض: هو غلط. قال الشريف: ويمكن الجمع بأنها كانت ترعى هنا تارة وهناك تارة. (وكان أبو ذر فيها) وابنه وامرأته، (فأغار عليهم) على أبي ذر ومن معه، فلا حاجة لدعوى أنه غلب العاقل على غيره، وأن الأولى عليها، أي: الإبل، (عيينة بن حصن الفزاري،) كما عند ابن سعد وغيره. ورواه الطبراني، عن سلمة بن الأكوع، وروى عنه أحمد، ومسلم، وابن سعد؛ أن الذي أغار عبد الرحمن بن عيينة بن حصن، ولا منافاة، فكل من عيينة وابنه كان في القوم، وذكر ابن عقبة وابن إِسحق أن مسعدة الفزاري كان رئيسًا أيضًا في فزارة، في هذه الغزوة، قاله في الفتح (ليلة الأربعاء) من ربيع الأول فقط، لأن هذا الذي ساقه المصنف كلام ابن سعد، القائل أنها في ربيع، ولم يعين الليلة هل هي أوّل الشهر، أو غيرها (في أربعين فارسًا، فاستاقوها، وقتلوا ابن أبي ذره) وأسروا المرأة، قاله ابن سعد. قال الدمياطي: والولد المقتول هو ذر، وكان راعي اللقاح، ونقله عنه في الإِصابة. (وقال ابن إسحق: وكان فيها،) أي: الإِبل (رجل من بني غفار) هو ابن أبي ذر، كما صرح به ابن سعد، (وامرأة) لأبي ذر نفسه، (فقتلوا الرجل) الذي هو ابن أبي ذر، (وسبوا المرأة) التي هي زوجة أبي ذر، واسمها ليلى، كما في أبي داود. وعند الواقدي: أن أبا ذر استأذنه عليه السلام إلى لقاحه، فقال: إني أخاف عليك، ونحن لا نأمن عيينة، فألح عليه فقال عَّله: ((لكأني بك قد قتل ابنك، وأخذت امرأتك، وجئت تو كا ١١٢ غزوة ذي قرد - غزوة الغابة فركبت ناقة للنبي عَّ ليلاً على حين غفلتهم ونذرت لئن نجت لتنحرنها، فلما قدمت على النبي عَّةِ أخبرته بذلك فقال: أنه لا نذر في معصية، ولا لأحد فيما لا يملك. فنودي: يا خيل الله اركبي، وكان أول ما نودي بها. على عصاك)). قال أبو ذر: عجبًا لي يقول لي ذلك وأنا ألح عليه، فكان واللَّه ما قال، فلما كان الليل أحدق بنا عيينة مع أصحابه، فأشرف لهم ابني، فقتلوه، وكانت معه امرأته، وثلاثة نفر، فنجوا وتنحيت عنهم، وعليه فكان معهم امرأتان، فنجت امرأة ابنه الذي قتل، وأسرت امرأته هو والعلم عند الله، (فركبت) امرأة أبي ذر المذكورة بعد قفوله عَّه من هذه الغزوة، كما فصله ابن إسحق (ناقة للنبي -َّ) هي العضباء (ليلاً على حين غفلتهم). فروى مسلم وأبو داود، وغيرهما عن عمران بن حصين: أنهم أوثقوا المرأة، وكانوا يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم، فانفلتت ذات ليلة من الوثاق، فأتت الإِبل، فإِذا دنت من البعير رغا، فتتركه حتى انتهت إلى العضباء، فلم ترغ فقعدت في عجزها ثم زجرتها، فانطلقت وعلموا بها، فطلبوها، فأعجزتهم، (ونذرت) بفتح النون والمعجمة، (لئن نجت لتتحرنها، فلما قدمت على النبي ◌َّ أخبرته بذلك، فقال: ) في رواية ابن إسحق من مرسل الحسن قالت: يا رسول اللّه إِني نذرت للَّه أن أنحرها، إِن نجاني اللَّه عليها، فتبسم عَ له، وقال: ((بئسما جزيتيها إِن حملك الله عليها، ونجاك أن تنحريها))، (إِله لا نذر في معصية، ولا لأحد فيما لا يملك،) إِنما هي ناقة من إيلي، ارجعي إلى أهلك على بركة الله. وفي حديث عمران: فلما قدمت المدينة رآها الناس، فقالوا: العضباء ناقة رسول اللَّه عَّه. فقال عمران: إِنها نذرت إِن نجاها اللَّه، عليها لتنحرنها، فذكروا ذلك له مٍَّ فقال: ((سبحان اللَّه، بئسما جزتها نذرت إِن نجاها اللَّه لتنحرنها، لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم)، وكونهم أخبروه بذلك، لا ينافي أنها أخبرته أيضًا، وأجاب كلا بما ذكر، كما هو مفاد الخبرين فلا خلف، (فنودي) ليس تعقيبًا لقصة المرأة، حتى يفيد أن الخبر ما بلغ المصطفى إِلا منها، كما يوهمه المصنف، بل هو راجع لكلام ابن سعد الذي فصله بكلام ابن إسحق هذا، ولفظه عقب قوله: وقتلوا ابن أبي ذر، وجاء الصريح، فنادى الفزع الفزع، ونودي: (يا خيل الله اركبي،) هو من ألطف المجازات وأبدعها. قال العسكري: هذا على المجاز والتوسع، أراد يا فرسان خيل اللَّه، فاختصر لعلم المخاطبين بما أراد انتهى، ولم يقل اركبوا مراعاة للفظ خيل، (وكان أوّل ما نودي بها) قاله ابن ١١٣ غزوة ذي قرد - غزوة الغابة وركب عَّله في خمسمائة وقيل: سبعمائة، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وخلف سعد بن عبادة في ثلاثمائة يحرسون المدينة. وكان قد عقد للمقداد بن عمرو لواء في رمحه وقال له امض حتى تلحقك الخيول، وأنا على أثرك. فأدرك أخريات العدو. سعد، وانتقده اليعمري بما مر عن ابن عائذ، من مرسل قتادة أنه نودي: يا خيل اللَّه اركبي في قريظة، وهي قبل هذه، وأجيب بأن هذا مبني على أن قريظة بعدها، والمصنفون إذا بني كلامهم على قول في موضع، وفي آخر على خلافه لا يعد تناقضًا، ومتى أمكن حمله عليه فعل. وفي البخاري، ومسلم عن سلمة: خرجت قبل أن يؤذن بالأولى، وكانت لقاح رسول اللّه ترعى بذي قرد، فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف، فقال: أخذت لقاح رسول اللَّه عَ لّه قلت: من أخذها؟، قال: غطفان وفزارة، فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه، يا صباحاه، فأسمعت ما بين لابتي المدينة الحديث. قال الحافظ: فیه إِشعار أنه کان واسع الصوت جدا، ويحتمل أن یکون ذلك وقع من خوارق العادات. وللطبراني وابن إسحق، فأشرفت من سلع، ثم صحت: يا صباحاه، فانتهى صياحي إِلى النبي ◌َّ فنودي في الناس: الفزع الفزع، فترامت الخيول إليه، فكان أول من انتهى إليه فارسا المقداد، ثم عباد بن بشر وسعد بن زيد وأسيد بن حضير وعكاشة ومحرز بن نضلة وأبو قتادة وأبو عياش، فأمر عَّةٍ عليهم سعد بن زيد، ثم قال: ((اخرج في طلب القوم حتى ألحقك في الناس)). (وركب عَُّ في خمسمائة، وقيل: سبعمائة،) حكاهما ابن سعد، (واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم) عبد اللّه، أو عمرو، (وخلف سعد بن عبادة في ثلاثمائة يحرسون المدينة وكان قد عقد لمقداد بن عمرو) المعروف بابن الأسود، لأنه تبناه، وكان أول من أقبل إليه وعليه الدرع والمغفر شاهرًا سيفه، فعقد له (لواء في رمحه، وقال له: امض حتى تلحقك الخيول، وأنا على أثرك، فأدرك أخريات العدق). ومن هنا اختلف في أنه الأمير، أو سعد بن زيد، ويجمع بأن الأمير سعد، وحامل اللواء المقداد فمن قال إنه الأمير، نظر إِلى حمله اللواء، وإِن كان الواقع أنه سعد، ولذا قال ابن سعد وشيخه الواقدي الثبت عندنا أن سعدًا أمير هذه السرية، ولكن الناس نسبوها للمقداد لقول حسان غداة فوارس المقداد فعاتبه سعد، فقال اضطرني الروي والبيت هو: ولسر أولاد اللقيطة أننا سلم غداة فوارس المقداد ذكره ابن إسحق في قصيدة وأن حسان لما قالها غضب سعد وحلف أن لا يكلمه أبدًا، ١١٤ غزوة ذي قرد - غزوة الغابة وقتل أبو قتادة مسعدة فأعطاه رسول الله عَ لآه فرسه وسلاحه. وقتل عكاشة بن محصن أبان بن عمرو. وقتل من المسلمين محرز بن نضلة قتله مسعدة. وقال: انطلق إِلى خيلي وفوارسي، فاجعلها للمقداد، فاعتذر إِليه حسان وقال: واللَّه ما ذاك أردت، ولكن الروي وافق اسم المقداد، وقال رجزًا يرضيه به، فلم يقبل به سعد، ولم يغن شيئًا انتهى. واللقيطة أم حصن بن حذيفة جدة عيينة. (وقتل أبو قتادة) الحرث بن ربعي (مسعدة) بن حكمة، بفتحتين الفزاري رئيس المشركين يومئذ، وسجاه ببرده، فاسترجع الناس وقالوا: قتل أبو قتادة، فقال عَّله: ((ليس بأبي قتادة ولكنه قتيله))، وضع عليه برده لتعرفوه، فتخلوا عن قتيله وسلبه، كذا قاله ابن عقبة. وعند ابن إِسلحق وغيره: أن قتيل أبي قتادة حبيب بن عيينة، وأنه سجاه ببرده وقال فيه المصطفى ذلك القول، وكذا في حديث سلمة عند مسلم، ولكن سماه عبد الرحمن بن عيينة. قال الحافظ: فيحتمل أن له اسمين (فأعطاه رسول اللّه عَآرٍ فرسه وسلاحه). وذكر ابن سعد أن قاتل ابن عيينة المقداد قتله هو وقرفة بن مالك بن حذيفة بن بدر، لكنه لا يعادل ما في الصحيح المسند، أن قاتله أبو قتادة خصوصًا، وقد جزم به أمام المغازي، اللهم إلا أن يكونا اشتركا في قتله، (وقتل عكاشة) بشد الكاف وخفتها (بن محصن) بكسر الميم، وسكون الحاء المهملة (أبان بن عمرو،) كذا في النسخ، والذي عند ابن إسحق، فأدرك عكاشة أوبارًا وابنه عمرًا، وهما على بعير، فانتظمهما بالرمح، فقتلهما جميعًا، واستنقذ بعض اللقاح، وضبطه البرهان بفتح الهمزة، وسكون الواو، ثم موحدة آخره راء. وعند ابن سعد؛ أنه أثار بضم الهمزة وبالمثلثة آخره راء انتهى. (وقتل من المسلمين محرز بن نضلة) بن عبد اللَّه الأسدي من بني أسد بن خزيمة، وشهد بدرًا ونضلة بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة على المعروف، ورأيت عن الدارقطني فتحها، وحكى البغوي عن ابن إسحق محرز بن عون بن نضلة، وبعضهم يقول: ابن ناضلة، قاله اليعمري. قال ابن إسحق: حدثني عاصم بن عمر، كان أول فارس لحق بالقوم، وكان يقال له، أي: يلقب الأخرم، ويقال له: قمير، فوقف بين أيديهم، وقالوا: قفوا يا معشر بني اللكيعة، فحمل عليه رجل منهم، فقتله، كذا أبهم قاتله. وفي حديث سلمة عند مسلم التقى، هو وعبد الرحمن بن عيينة، فقتله عبد الرحمن، وتحول على فرسه، فلحقه أبو قتادة، فقتله وتحول على الفرس. وعند ابن عقبة، کابن عائذ عن عروة قتله أوبار، فشد علیه عكاشة، فقتل أوبارًا وابنه، وأما المصنف فقال تبعًا للدمياطي (قتله مسعدة؛) فإن أردت الترجيح، فما في الصحيح أصح أو ١١٥ غزوة ذي قرد - غزوة الغابة وأدرك سلمة بن الأكوع القوم، وهو على رجليه، فجعل يرميهم بالنبل الجمع، فيمكن أن الثلاثة اشتركوا في قتله. قال ابن إسحق عن عاصم: فلم يقتل يومئذ من المسلمين غيره. وقال ابن هشام: قتل أيضًا وقاص بن مجزز المدلجي، فيما حكى غير واحد من أهل العلم انتهى، وهو بميم مضمومة، فجيم فمعجمتين، الأولى مشددة مكسورة، (وأدرك سلمة) بن عمرو، أو ابن وهب (ابن الأكوع) بن سنان بن عبد الله بن بشير الأسلمي، أبو مسلم، وأبو إياس شهد بيعة الرضوان، وبايع النبي ◌َِّ عند الشجرة على الموت، رواه البخاري، وكان شجاعًا راميًا يسبق الفرس، وما كذب قط قيل: هو الذي كلمه الذئب، وقيل: أهبان بن صيفي أخرج له الستة وأحمد، ومات بالمدينة سنة أربع وسبعين على الصحيح، وقيل: سنة أربع وستين، وزعم الواقدي أنه عاش ثمانين سنة. قال في الإصابة: وهو باطل على القول الأول، إِذ يلزم أنه في الحديبية، له نحو عشر سنين، ومن في ذلك السن لا يبايع على الموت. وعند ابن سعد والبلاذري، أنه مات في آخر خلافة مطوية (القوم،) بعد صريخه، قبل أن تلحقه الخيل. فعند ابن إسحق: صرخ واصباحاه، ثم خرج يشتد في آثار القوم، فكان مثل السبع، حتى لحق بالقوم، (وهو على رجليه، فجعل يرميهم بالنبل). وفي البخاري عنه: ثم اندفعت على وجهي، حتى أدركتهم، وقد أخذوا يستقون من الماء، فجعلت أرميهم بنبلي، وكنت راميًا وأقول: أنا ابن الأكوع اليوم يوم الرضع . وأرتجز حتى استنقذت اللقاح كلها، وأسلبت ثلاثين بردة. وفي مسلم وابن سعد: فأقبلت أرمیهم بالنبل، وأرتجز، فألحق رجلاً منهم، فأمكنه سهمًا في رجله، فخلص السهم إلى كعبه، فما زلت أرميهم وأعقرهم،. فإذا رجع إلى فارس منهم، أتيت شجرة، فجلست في أصلها، ثم رميته فعقرت به، فإذا تضايق الجبل، فدخلوا في مضايقه، علوت الجبل، فرميتهم بالحجارة، فما زلت كذلك حتى ما خلق اللَّه لرسول اللَّه عَّه من بعير، إِلا خلفته وراء ظهري، ثم أتبعهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة، وثلاثين رمحًا، يتخففون بها، فأتوا مضيقًا، فأتاهم عيينة ممدًا لهم، فجلسوا يتغدون، وجلست على رأس قرن، فقال: من هذا؟، قالوا: لقينا من هذا البرح بفتح الموحدة، وسكون الراء المشددة، والأذى ما فارقنا السحر حتى الآن، وأخذ كل شىء في أيدينا، وجعله وراء ظهره، فقال عيينة: لولا أنه يرى وراءه طلبًا ١١٦ غزوة ذي قرد - غزوة الغابة ويقول: خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع يعني يوم هلاك اللئام، من قولهم: لئيم راضع، أي راضع اللؤم في بطن أمه، وقيل معناه: اليوم يعرف من ارتضعته الحرب من صغره وتدرب بها، ويعرف غيره. ولحق رسول الله عَ ليه الناس والخيول لترككم، ليقم إليه أربعة منكم، فصعدوا في الجبل، فقلت لهم: أتعرفونني؟ فقالوا: ومن أنت؟، قلت: ابن الأكوع، والذي أكرم وجه محمد، لا يطلبني رجل منكم فيدركني، ولا أطلبه فيفوتني، فقال رجل منهم، أظن فرجعوا، فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول اللَّه عَ لَه، (ويقول: خذها) أي: الرمية (وأنا ابن الأكوع) المشهور في الرمي بالإصابة عن القوس، وهذا من الفخر الجائز في الحرب لاقتضائها فعله لتخويف الخصم، كما قال عَّه: («أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب))، (واليوم يوم الرضع) بضم الراء وشد المعجمة، جمع راضع. قال السهيلي: يجوز رفعهما، ونصب الأول، ورفع الثاني على جعل الأول ظرفًا، وهو جائز إِذا كان الظرف واسعًا، ولم يضق عن الثاني. قال أهل اللغة: يقال في اللؤم رضع بالفتح، يرضع بالضم رضاعة لا غير، ورضع الصبي بالكسر ثدي أمه، يرضع بالفتح رضاًا، مثل سمع يسمع سماعًا، (يعني يوم هلاك اللئام من قولهم لئيم راضع،) والأصل فيه أن شخصًا كان شديد البخل، فكان إذا أراد حلب ناقته ارتضع من ثديها لئلا يحلبها فيسمع جيرانه، أو من يمر به صوت الحلب، فيطلبون منه اللبن، وقيل: بل صنع ذلك لئلا يتبدد من اللبن شىء إذا حلب في الإِناء أو يبقى في الإِناء شىء إِذا شربه، فقالوا في المثل: ألأم من راضع، وقيل: (أي وضع اللؤم في بطن أمه،) أي: هو معنى المثل، وقيل: كل لئيم يوصف بالمص والرضاع، وقيل: المراد من يمص طرف الخلال إِذا خلل أسنانه، وهو دال على شدة الحرص، وقيل: هو الراعي الذي لا يستصحب محليًا، فإِذا جاءه الضيف اعتذر بأن لا محلب معه، وإذا أراد أن يحلب ارتضع ثديها. وقال أبو عمرو الشيباني: هو الذي يرضع الشاة، أو الناقة عند الحلب من شدة الشره، وقيل: أصله الشاة ترضع لبن شاتين من شدة الجوع، وقيل: معناه اليوم يعرف من ارتضع كريمة فأنجيته، أو لقيمة فهجنته، (وقيل: معناه اليوم يعرف من ارتضعته الحرب من صغره، وتدرب بها ويعرف غيره). وقال الداودي: معناه هذا يوم شديد عليكم، تفارق فيه المرضعة من أرضعته، فلا يجد من يرضعه، قال جميعه في الفتح، (ولحق رسول اللَّه عَ ل الناس والخيول) بالرفع عطف على ١١٧ غزوة ذي قرد - غزوة الغابة عشاء، قال سلمة: فقلت يا رسول الله إن القوم عطاش، فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما في أيديهم من السرح وأخذت بأعناق القوم. فقال رسول الله عليه. ملكت فأسجح - وهي بهمزة قطع ثم سين مهملة ثم جيم مكسورة ثم حاء مهملة - أي فارفق وأحسن، والسجاحة: السهولة، أي لا تأخذ بالشدة بل أرفق. فقد حصلت النكاية في العدو ولله الحمد. ثم قال: إنهم الآن ليقرون في غطفان. رسول اللَّه (عشاء). قال ابن إِسحق: فنزلوا بذي قرد، وأقام عليه يومًا وليلة. (قال سلمة) عند ابن سعد، (فقلت: يا رسول اللَّه إِن القوم) غطفان وفزارة (عطاش) بكسر العين المهملة، وبسبب العطش حصل لهم، وهن لا يقدرون معه على الحرب، (فلو بعثتي في مائة لاستقذت ما في أيديهم من السرح) بفتح السين، وسكون الراء وحاء مهملات، المال السائم المرسل في المرعى، (وأخذت بأعناق القوم،) أي: أسرتهم وقتلتهم. وللبخاري في الجهاد فقلت: يا رسول اللَّه، إِن القوم عطاش وإني أعجلتهم أن يشربوا سقيهم، فابعث في أثرهم، وله في المغازي، وجاء رسول اللَّه عٍَّ والناس، فقلت: يا نبي الله قد حميت القوم الماء، وهم عطاش، فابعث إليهم الساعة. وعند مسلم: وأتاني عمي عامر بماء ولبن، فتوضأت وشربت، ثم آتيت النبي عَّه وهو على الماء الذي أجليتهم عنه، فإِذا هو قد أخذ كل شىء، استنقذته منهم، ونحر له بلال ناقته، وشوى له من كبدها وسنامها، فقلت: يا رسول اللَّه خلني أنتخب من القوم مائة رجل، فأتبعهم، فلا يبقى منهم مخبر، فضحك حتى بدت نواجذه، وقال: أتراك كنت فاعلاً؟، قلت: نعم، والذي أكرمك، (فقال رسول اللَّه عَّه:) يا ابن الأكوع (ملكت،) أي: قدرت عليهم، (فأسجح، وهي بهمزة قطع) مفتوحة، (ثم سین مهملة) ساكنة، (ثم جيم مكسورة، ثم حاء مهملة، أي: فارفق وأحسن، والسجاحة) بكسر السين المهملة (السهولة). وفي القاموس: النجاة، فتفسيره بها، لأن النجاة تلزمها، (أي: لا تأخذ بالشدة، بل أرفق) وأحسن العفو، (فقد حصلت النكاية في العدوّ،) فهزموا وقتل رؤساؤهم ابن عيينة وسعدة في جماعة، وسلب منهم الرماح والبرد، (ولله الحمد) على نصر الإِسلام، (ثم قال) عقب قوله فأسجح، كما رواه الشيخان في حديث سلمة مسلم، بلفظ: (إنهم الآن ليقرون) بضم التحتية، وسكون القاف وفتح الراء، وضمها وسكون الواو، من القرى، وهي الضيافة، وقيل: معنى ضم الراء، أنهم يجمعون الماء واللبن، وصحف من قال يغزون بغين معجمة وزاي (في غطفان). والبخاري في الجهاد بلفظ: إِنهم يقرون في قومهم، يعني أنهم وصلوا إلى غطفان، وهم ١١٨ غزوة ذي قرد - غزوة الغابة وذهب الصريخ إلى بني عمرو بن عوف فجاءت الأمداد فلم تزل الخيل تأتي والرجال على أقدامهم وعلى الإبل حتى انتهوا إلى رسول الله عَ ليه بذي قرد فاستنقذوا عشر لقاح، وأفلت القوم بما بقي وهي عشر. يضيفونهم، ويساعدونهم، فلا فائدة في البعث في الأثر، لأنهم لحقوا بأصحابهم. وزاد مسلم وابن سعد: فجاء رجل من غطفان، فقال: مروا على فلان الغطفاني، فنحر لهم جزورًا، فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غيرة، فتركوها وقالوا: أتاكم القوم، وخرجوا هرابًا، وفيه معجزة، حیث أخبر بذلك، فكان كما قال. وفي بعض الأصول من البخاري يقرون. قال المصنف: بفتح أوّله وفتح الراء، أي: يضيفون الأضياف، فراعى ذلك لهم رجاء توبتهم وإِنابتهم. ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: يقرون بفتح أوّله، وكسر القاف وشد الراء. ولأبي ذر من قومهم انتهى. واقتصر الحافظ على الضبط الأول قائلاً: ولابن إسحق: أنهم الآن ليغبقون في غطفان، وهو بالغين المعجمة الساكنة، والموحدة المفتوحة، والقاف من الغبوق، وهو شرب أول الليل، والمراد أنهم فأتوا، ووصلوا إلى بلاد قومهم، ونزلوا عليهم، فهم الآن يذبحون لهم، ويطعمونهم انتهى، فعجب من الشامي في تقديمه رواية ابن إسحق، ثم قوله: وفي لفظ: ليقرون مع أنه رواية الصحيحين، فيوهم أن المشهور ما قدمه ولا كذلك، فالمشهور رواية الشيخين، ولذا اقتصر عليها المصنف. وفي مسلم وابن سعد في حديث سلمة: فلما أصبحنا قال عَطٍّ: «فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا اليوم سلمة»، فأعطاني سهم الراجل والفارس جميعًا. (وذهب الصريخ) بمهملة ومعجمة الاستغاثة، (إلى بني عمرو بن عوف) من الأنصار، (فجاءت الأمداد،) جمع مدد، وهم الأعوان والأنصار، (فلم تزل الخيل تأتي، والرجال على أقدامهم وعلى الإِبل، حتى انتهوا إِلى رسول اللَّه عَّ بذي قرد، فاستنقذوا عشر لقاح، وأفلت القوم بما بقي، وهي عشر) من اللقاح، كذا قاله الواقدي وابن سعد، وابن إسحق، وهو مخالف لقول سلمة في الصحيحين؛ أنه استنقد جميع اللقاح. قال الشامي: وهو المعتمد لصحة سنده، قلت: وقد رواه ابن سعد نفسه عن سلمة، مثل رواية مسلم كما سلف، وما أسنده مقدم على ما ذكره بلا سند، فكيف وقد وافقه الشيخان، وقد تعسف من قال، يحتمل أن سلمة قاله بحسب ظنه، وهو في الواقع نصف اللقاح، فإنه مخالف ١١٩ سرية الغمر وصلى رسول الله عَّله بذي قرد صلاة الخوف، وأقام يومًا وليلة ورجع. وقد غاب خمس ليال، وقسم في كل مائة من أصحابه جزورًا ينحرونها. [سرية الغمر] سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى غمر ومرزوق - بالغين المعجمة المفتوحة - وهو ماء لبني أسد على ليلتين من فید، للمتبادر من قوله حتى ما خلق اللَّه من بعير لرسول اللَّه إلا خلفته وراء ظهري، وكذا قول المشركين لعيينة أخذ كل شىء في أيدينا، وجعله وراء ظهره، ثم كون اللقاح عشرين بمجرده لا ينافي أن معها زيادة عليها الجمل الذي كان لأبي جهل، وأما الناقة التي رجعت عليها امرأة أبي ذر، فلا ترد لأنها إِنما عادت عليها بعد عوده عليه السلام إلى المدينة، كما في قصتها عند ابن إسحق وغيره. (وصلى رسول اللَّه عَ ◌ّ بذي قرد صلاة الخوف، وأقام) به (يومًا وليلة) يتجسس الخبر، (ورجع وقد غاب خمس ليال) مردفًا سلمة وراءه على العضباء، كما في حديثه عند مسلم، وهو مخالف لما عنده عن عمران؛ أن امرأة أبي ذر أخذتها من العدو، وركبتها ونذرت نحرها، كذا ذكره الشامي وبيض بعده، (وقسم في كل مائة من أصحابه جزورًا ينحرونها،) وكانوا خمسمائة، ويقال: سبعمائة، وبعث إليه سعد بن عبادة بأحمال تمر، وبعشر جزائر، فوافته بذي قرد، هذا بقية كلام ابن سعد، فيحتمل أن الجزائر المنحورة مما بعثه، ويحتمل أنها مما أخذوه من القوم. قال الحافظ: وفي القصة من الفوائد جواز العدو الشديد في الغزو والإِنذار بالصياح العالي، وتعريف الشجاع بنفسه، ليرعب خصمه واستحباب الثناء على الشجاع ومن فيه فضيلة، لا سيما عند الصنع الجميل ليزيد منه، ومحله حيث يؤمن الافتتان انتهى، والله أعلم. سرية الغمر (سرية عكاشة) بضم العين المهملة وشد الكاف، وقد تخفف فشين معجمة، (ابن محصن) بكسر، فسكون ففتح كما مر (الأسدي») وإضافة سرية إِليه؛ لأنه أميرها عند ابن سعد. وقال ابن عائذ: أميرها ثابت بن أقرم، ومعه عكاشة، فیمکن أنهما اشتر كا، کما قد يدل عليه قوله، ومعه أو أن أحدهما أمير في الابتداء، والآخر في الانتهاء، لأمر ما (إلى غمر ومرزوق،) بلفظ اسم المفعول، وفي نسخة زيادة ابن، وهو وهم، فالذي عند ابن سعد، وتبعه اليعمري وغيره بدون ابن، (بالغين المعجمة المفتوحة،) وفي نسخة المكسورة، والصواب المذكور في العيون، وغيرها المفتوحة ساكن الميم بعدها راء مهملة، (وهو ماء لبني أسد، على ١٢٠ سرية ابن مسلمة إلى ذي القصة في شهر ربيع الأول سنة ست من الهجرة، في أربعين رجلاً، فخرج سريعًا، فنذر به القوم - بكسر الذال المعجمة كفرح - فهربوا فنزلوا علياء بلادهم. فاستاقوا مائتي بغير وقدموا على رسول الله عَّه ولم يلقوا كيدًا. [سرية ابن مسلمة إلى ذي القصة] ثم سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة - بالقاف والصاد المهملة المشددة المفتوحتین- ليلتين من فيد) بفتح الفاء، وسكون التحتية ودال مهملة. قال في القاموس: قلعة بطريق مكة سميت بفيد بن فلان، (في شهر ربيع الأوّل، سنة ست من الهجرة) بعد الغابة، قاله ابن سعد، ولم يبين مقدار ما بينهما، ولا اليوم الذي كانت فيه (في أربعين رجلاً). قال الواقدي: منهم ثابت وسباع بن وهب، حكاه الحاكم. قال العمري: کذا وجدته، ولعله شجاع بن وهب. وعند ابن عائذ: ولقيط بن أعصم. (فخرج سريعًا) عقب أمره عَّه دون تراخ. زاد الواقدي: يغذ السير، كما في العيون. قال البرهان: بضم أوله، وكسر الغين وبالذال المعجمة، أي: يسرع في السير حتى وصل إلى بلاده، (فنذر به القوم،) فهو عطف على مقدر (بكسر الذال المعجمة،) وفائدة قوله بعده (كفرح،) أي: مضارعة بفتحها، (فهربوا) من مائهم، (فنزلوا عليًا) بضم المهملة وسكون اللام، مقصورًا على (بلادهم،) فوجدوا ديارهم خلوفًا بضم المعجمة واللام وتقدير مضاف، أي أصحاب ديارهم غيبًا، فبعث شجاع بن وهب طليعة، فرأى أثر النعم قريبًا، فتحملوا، فأصابوا رجلاً منهم، فأمنوه، فدلهم على نعم لبني عمٍ لهم، فأغاروا عليهم، (فاستاقوا مائتي بعير،) فأرسلوا الرجل، (وقدموا) بالإِبل (على رسول اللَّه عَّة، ولم يلقوا كيدًا،) أي حربًا، ولم يصب منهم أحد، وقول ابن عائذ: أصيب فيها ثابت ليس بشىء، لأنه استشهد أيام الردة، قاله الشامي. سرية ابن مسلمة إلى ذي القصة (ثم سرية محمد بن مسلمة) الأنصاري، الصحابي، الشهير (إلى ذي القصة بالقاف، والصاد المهملة المشددة، المفتوحتين). وحكى اليعمري إِعجام الضاد، وسلمة الشامي، غير ملتفت لقول البرهان، لم أر أنا