النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
غزوة الخندق وهي الأحزاب
قال العلماء: يحتمل أنه أخرها نسيانًا لا عمدًا، وكان السبب في النسيان
الاشتغال بأمر العدو، ويحتمل أنه أخرها عمدًا للاشتغال بالعدو قبل نزول صلاة
الخوف، وأما اليوم فلا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها بسبب العدو والقتال، بل
تصلي صلاة الخوف على حسب الحال.
وقد اختلف في المراد بالصلاة الوسطى. وجمع الحافظ الدمياطي في ذلك
مؤلفًا مفردًا سماه: كشف المغطى عن الصلاة الوسطى، فبلغ تسعة عشر قولاً،
وهي: الصبح
(قال العلماء: يحتمل أنه أخرها نسيانًا لا عمدًا، وكان السبب في النسيان الاشتغال بأمر
العدو).
قال الحافظ: واستبعد وقوع ذلك من الجميع، (ويمكن أنه أخرها عمدًا للاشتغال بالعدو).
قال الحافظ: وهو أقرب.
وكان هذا عذرًا في تأخير الصلاة (قبل نزول صلاة الخوف، وأما اليوم، فلا يجوز تأخير
الصلاة عن وقتها بسبب العدو والقتال، بل تصلى صلاة الخوف على حسب الحال،) ثم
استطرد المصنف، فذكر الخلاف في الصلاة الوسطى لمناسبة وقوعها في الحديث السابق.
فقال: (وقد اختلف في المراد بالصلاة الوسطى،) تأنيث الأوسط، وهو الأَعدل من كل
شىء، وليس المراد التوسط بين شيئين، لأن معنى فعلى التفضيل ولا يبنى منه إلا ما يقبل الزيادة
والنقص والوسط بمعنى العدل والخيار يقبلهما بخلاف المتوسط، فلا يقبلهما، فلا يبنى منه أفعل
تفضيل قاله الحافظ.
(وجمع الحافظ الدمياطي في ذلك مؤلفًا مفردًا سماه كشف المغطى عن الصلاة
الوسطى، فبلغ تسعة عشر قولاً وهي الصبح،) قاله أبي، وأنس، وجابر، وأبو العالية، وعبيد بن
عمير، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد وغيرهم، نقله ابن أبي حاتم عنهم، وهو أحد قولي ابن عمرو
ابن عباس، نقله لملك والترمذي عنهما، ونقله لملك بلاغًا عن علي، والمعروف عنه خلافه.
وروى ابن جرير عن أبي رجاء: صليت خلف ابن عباس الصبح، فقنت فيها، ورفع یدیه،
ثم قال: هذه الصلاة الوسطى أمرنا أن نقوم فيها قانتين، وأخرجه من وجه آخر عن ابن عمر، ومن
طريق أبي العالية صليت خلف عبد اللَّه بن قيس بالبصرة في زمن عمر، صلاة الغداة، فقلت لهم:
ما الصلاة الوسطى؟، قالوا: هي هذه، وهو قول لملك والشافعي الذي نص عليه في الأم، واحتجوا
بأن فيها القنوت، وقد قال تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وبأنها لا تقصر في

٦٢
غزوة الخندق وهي الأحزاب
أو الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو جميع الصلوات وهو يتناول الفرائض والنوافل
واختاره ابن عبد البر، أو الجمعة وصححه القاضي .
السفر، وبأنها بين صلاتي جهر وصلاتي سر، (أو الظهر) رواه في الموطأ عن زيد بن ثابت، وابن
المنذر وغيره عن أبي سعيد وعائشة، وبه قال أبو حنيفة في رواية.
وأخرج أبو داود عن زيد بن ثابت، كان عليه يصلي الظهر بالهاجرة، ولم تكن صلاة أشد
على أصحابه منها، فنزلت: ﴿حافظوا على الصلوات﴾ [البقرة: ٢٣٨].
وروى أحمد عنه، كان عَّة يصلي الظهر بالهجيرة، فلا يكون وراءه إلا الصف، أو
الصفان والناس في قائلتهم، وفي تجارتهم، فنزلت الآية (أو العصر).
قال الترمذي: هو قول أكثر الصحابة الماوردي وجمهور التابعين ابن عبد البر، وأكثر علماء
الأثر، وقال به من الملكية ابن حبيب، وابن العربي وابن عطية، وهو الصحيح من مذهب أبي
حنيفة، وقول أحمد، وصار إليه معظم الشافعية مخالفين، نص إمامهم لصحة الحديث فيه، وقد
قال: إِذا صح الحديث فهو مذهبي.
قال ابن كثير: لكن صمم جماعة من الشافعية أنها الصبح قولاً واحدًا.
وروى الترمذي والنسائي عن علي: كنا نرى أنها الصبح حتى سمعته عَّه يقول يوم
الأحزاب: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى))، صلاة العصر.
قال الحافظ: وهذه الرواية تدفع دعوى أن صلاة العصر مدرج من تفسير بعض الرواة، فهي
نص في أن كونها العصر من كلامه عليه السلام، وأن حجة من قال الصبح قوية انتهى.
وقال ابن عبد البر: الاختلاف القوي في الصلاة الوسطى، إنما هو في هاتين الصلاتين،
أعني العصر والصبح، وغير ذلك ضعيف، (أو المغرب) قاله ابن عباس عند ابن أبي حاتم بإسناد
حسن، وقبيضة بن ذؤيب عند ابن جرير، وحجتهم أنها معتدلة في عدد الركعات ولا تقصر في
الأسفار، وأن العمل مضى على المبادرة إِليها، وتعجيلها عقب الغروب، وأن قبلها صلاتي سر،
وبعدها صلاتي جهر، (أو جميع الصلوات) قاله ابن عمرو.
رواه ابن أبي حاتم بسند حسن. ومعاذ بن جبل (و) احتج له بأن قوله: حافظوا على
الصلوات، (هو يتناول الفرائض والنوافل،) فعطف الوسطى عليه، وأريد بها كل الفرائض تأكيدًا
لها، (واختاره ابن عبد البر) أبو عمر، وتعجب منه ابن كثير حيث اختار مع اطلاعه وحفظه ما لم
يقم عليه دليل، وأنها لإِحدى الكبر كذا قال، وإنه من مثله لشىء عجاب، فإِن السند إلى ابن
عمر حسن، كما في الفتح فهو دليله، ولذا أعرض الحافظ عن تعقبه فحكاه بلا تعقب، (أو
الجمعة) ذكره ابن حبيب، واحتج بما اختصت به من الاجتماع والخطبة، (وصححه القاضي

٦٣
غزوة الخندق وهى الأحزاب
حسين في صلاة الخوف من تعليقه، أو الظهر في الأيام والجمعة يوم الجمعة، أو
العشاء لأنها بين صلاتين لا تقصران، أو الصبح والعشاء، أو الصبح والعصر لقوة
الأدلة. فظاهر القرءان الصبح، ونص السنة العصر، أو صلاة الجماعة أو الوتر أو
صلاة الخوف أو صلاة عيد الأضحى أو الفطر أو صلاة الضحى، أو واحدة من
الخمس غير معينة، أو الصبح أو العصر على الترديد وهو غير القول السابق أو
التوقف
حسين في صلاة الخوف من تعليقه، أو الظهر في الأيام، والجمعة يوم الجمعة، أو العشاء،)
نقله ابن التين والقرطبي؛ (لأنها بين صلاتين لا تقصران،) ولأنها تقع عند النوم فلذا أمر
بالمحافظة عليها، واختاره الواحدي، (أو الصبح والعشاء) معًا للحديث الصحيح أنهما أثقل
الصلاة على المنافقين. وبه قال الأبهري من الملكية، (أو الصبح والعصر) معًا (لقوة الأدلة) في
أن كلا منهما الوسطى، (فظاهر القرءان الصبح) لقوله: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨]،
(ونص السنة العصر) عند مسلم وغيره وليس بنص، لأن قوله: شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة
العصر، يحتمل كما قال الباجي أن يريد به الوسطى من الصلوات التي شغل عنها، وهي الظهر
والعصر لأَّنها وسطى هذه الثلاث لتأكد فضلها عن الصلاتين اللتين معها ولا يدل ذلك على أنها
أفضل من الصبح، وإنما الخلاف عند الإطلاق انتهى، على أن السيوطي قد قال في الديباج على
مسلم أن قوله صلاة العصر مدرج، كما ذكره بعضهم، ولهذا سقط في رواية البخاري.
وفي رواية، يعني العصر، وهو صريح في الإِدراج انتهى.
ومر أن الحافظ دفع ذلك ولكن فيه وقفة، (أو صلاة الجماعة، أو الوتر) صنف فيه علم
الدين الشجاعي جزءًا، ورجحه القاضي تقي الدين الأخنائي في جزء، (أو صلاة الخوف، أو
صلاة عيد الأضحى، أو الفطر، أو صلاة الضحى،) كذا في النسخ الصحيحة، ومثله في الفتح،
وفي نسخة بدله صلاة الفجر وهي تصحيف، (أو واحدة من الخمس غير معينة،) قاله الربيع بن
خيثم، وسعيد بن جبير، وشريح القاضي، واختاره إمام الحرمين في النهاية قال: كما أخفيت ليلة
القدر (أو الصبح، أو العصر على الترديد، وهو غير القول السابق) الجازم بأن كلاً منهما يقال له
الوسطى، (أو التوقف).
فقد روى ابن جرير بإِسناد صحيح عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب
رسول اللَّه عَّالله مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا، وشبك بين أصابعه.
زاد في الفتح: العشرون صلاة الليل، وجدته عندي وذهلت الآن عن معرفة قائله، وصار
إلى أنها أبهمت جماعة من المتأخرین.

٦٤
غزوة الخندق وهي الأحزاب
انتھی.
وانصرف ◌ٍَّ من غزوة الخندق يوم الأربعاء لسبع ليال بقين من ذي
القعدة، وكان قد أقام بالخندق خمسة عشر يومًا، وقيل أربعة وعشرين يومًا.
فقال مُ له: لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا.
وفي ذلك علم من أعلام النبوة. فإنه عليه الصلاة والسلام اعتمر في السنة
التي صدته قريش عن البيت، ووقعت الهدنة بينهم إلى أن نقضوها فكان ذلك
سبب فتح مكة فوقع الأمر كما قال عليه الصلاة والسلام. وسيأتي ذلك إن شاء
الله تعالى.
وقد أخرج البزار من حديث جابر بإسناد حسن شاهدًا لهذا
قال القرطبي: وهو الصحيح لتعارض الأدلة وعسر الترجيح (انتهى).
ولنمسك عنان القلم رغبة عن التطويل.
(وانصرف معه من غزوة الخندق يوم الأربعاء لسبع ليال بقين من ذي القعدة) قاله
ابن سعد، وهو مخالف لقول ابن إِسحِقٍ، فلما أصبح انصرف، ثم هو ظاهر على أن الخندق في
القعدة، وكذا على أنه في شوال، لأن المراد ابتداء حفره، فلا ينافي استمرار ما تعلق به إِلى
الوقت المذكور، (وكان قد أقام بالخندق) محاصرًا (خمسة عشر يومًا) فيما جزم به ابن سعد
والبلاذري.
وقال الواقدي: إنه أثبت الأقوال، (وقيل: أربعة وعشرين يومًا،) كما رواه يحيى ابن سعيد
عن ابن المسيب.
وروى الزهري عنه بعض عشرة، ليلة، ويمكن أن يفسر بخمسة عشر كما أنه يحتمل تفسير
قول ابن إسحق بضعًا وعشرين ليلة قريبًا من شهر بالأربعة وعشرين.
وعند الواقدي عن جابر عشرين يومًا، وفي الهدي شهرًا.
(فقال عليه الصلاة والسلام: لن تغزو كم قريش بعد عامكم هذا).
وفي البخاري عن سليمان بن صرد، سمعت رسول اللَّه عَُّ يقول حين أجلى الأحزاب
عنه: ((الآن نغزوهم ولا يغزوننا نحن نسير إِلیهم».
قال الحافظ في شرحه: (وفي ذلك علم من أعلام نبوته، فإنه عليه الصلاة والسلام اعتمر
في السنة) المقبلة (التي صدته قريش عن البيت) سنة الحديبية، (ووقعت الهدنة بينهم إلى أن
نقضوها فكان ذلك سبب فتح مكة، فوقع الأمر كما قال عليه الصلاة والسلام، وسيأتي ذلك
إن شاء الله تعالى، وقد أخرج البزار من حديث جابر بإِسناد حسن شاهد لهذا،) يعني الحافظ

٦٥
غزوة بني قريظة
ولفظه: إن النبي عَِّ قال يوم الأحزاب، وقد جمعوا له جموعًا كثيرة: لا يغزونكم
بعدها أبدًا، ولكن أنتم تغزونهم. تتميم.
[غزوة بني قريظة]
ولما دخل عَِّ المدينة يوم الأربعاء هو وأصحابه ووضعوا السلاح
حديث سليمان ابن صرد الذي لم يذكره المصنف اكتفاء بذكر معناه، (ولفظه أن النبي عَّة.
قال يوم الأحزاب: ((وقد جمعوا له جموعًا كثيرة، لا يغزونكم بعدها أبدًا ولكن أنتم تغزونهم»»)
فهذا بمعنى حديث الصحيح، وفي زيادة لفظ أبدًا، وذكر الواقدي أنه عّلّه قال ذلك بعد أن
انصرفوا.
(لتميم):
ذكر ابن إسحق والواقدي أنه استشهد من المسلمين يوم الخندق ستة لا غير سعد بن
معاذ، وأنس بن أوس، وعبد اللَّه بن سهل الأوسيون، والطفيل بن النعمان، وثعلبة بن عنمة، بمهملة
ونون مفتوحتين، وكعب بن زيد الخزرجيون، وزاد الدمياطي في الأنساب قيس بن زيد بن عامر،
وعبد الله بن أبي خالد.
وذكر الحافظ في الكنى أبا سنان ابن صيفي بن صخر، فقال: شهد بدرًا، واستشهد في
الخندق، وقتل من المشركين ثلاثة منبه بن عبيد.
قال ابن هشام: هو عثمن بن أمية بن منبه العبدري أصابه سهم، فمات منه بمكة، ونوفل بن
عبد الله المخزومي وعمرو بن عبدود.
في البخاري عن ابن عمر، أنه معٍَّ كان إِذا قفل من الغزو أو الحج أو العمرة، يبدأ، فيكبر
ثلاث مرات، ثم يقول: لا إِله إِلاَّ اللَّه، وحده لا شريك، له الملك، وله الحمد، وهو على كل
شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق اللَّه وعده، ونصر عبده، وهزم
الأحزاب وحده، وهذا من السجع المحمود، وهو ما جاء بانسجام واتفاق بلا قصد، والمذموم ما
يأتي بتكلف واستكراه، واللَّه أعلم.
غزوة بني قريظة
(ولما دخل عَقِ المدينة يوم الأربعاء) الذي انصرف فيه من الخندق لسبع بقين من ذي
القعدة، قاله ابن سعد، وكان المصنف لم يترجم لها لاتصالها بغزوة الخندق حتى كأنها بيان
لبعض تعلقاته، لأنهم ظاهروا الأحزاب، فكانوا من جملتهم، (هو وأصحابه ووضعوا السلاح).
قال ابن إسحق: وكانت الظهر.

٦٦
غزوة بني قريظة
جاء جبريل عليه السلام معتجرًا بالعمامة من استبرق على بغلة عليها قطيفة من
دییاج.
وفي البخاري من حديث عائشة أنه لما رجع معَّةٍ ووضع السلاح واغتسل
أُتاه جبريل
(جاءه جبريل عليه السلام معتجرًا بالعمامة،) وهو أن يلفها على رأسه، ويرد طرفها على
وجهه، ولا يعمل منها شيئًا تحت ذقنه، كما في النهاية، وتبعه الشامي ونحوه في القاموس.
وقال ابن فارس: اعتجر الرجل لف العمامة على رأسه فلم يقيده، فإما أن يحمل عليه، أو
هو قول ثان، (من استبرق) ضرب من الديباج غليظ، وتصغيره أبيرق قاله البرهان.
قال ابن سعد: وكانت سوداء، وأرخى منها بين كتفيه (على بغلة) بيضاء عليها رحالة،
(عليها قطيفة ديباج،) هكذا لفظ ابن إسحق عن الزهري، ورحالة،، بكسر الراء، وخفة الحاء
المهملة، سرج من جلود لا خشب فيها، تتخذ للركض الشديد، والجمع رحائل، والقطيفة كساء
له خمل، و کانت حمراء کما روی عن الماجشون، ودییاج بکسر الدال، وقد تفتح، فارسي
معرب، والإضافة بيانية على معنى من، وفي لفظ: بغلة شهباء، وآخر فرس أبلق، وجمع بأن الدابة
ليست من دواب الدنيا، فبعض الراثين تصورها بغلة، وبعضهم فرسًا، فأخبر كل بما تصور، وبعض
أمعن نظره، فقال بلقاء لكونها ذات لونين، وبعض لم يمعنه، ورأى غلبة البياض، فقال شهباء أو
بيضاء.
(وفي البخاري) في الجهاد والمغازي (من حديث عائشة؛ أنه لما رجع عَّه) من
الخندق، كما في رواية للبخاري أيضًا، أي: إِلى المدينة، (ووضع السلاح، واغتسل) للتنظيف من
آثار السفر، وعليه بؤب البخاري الغسل بعد الحرب، وظاهره أنه فرغ من غسله، وبه صرح
كعب بن ملك عند الطبراني وغيره بسند صحيح؛ أنه اغتسل واستجمر، وكذا الواقدي، وقال:
ودعا بالمحمرة ليتبخر، وقد صلى الظهر.
وعند ابن عقبة فأخذ يغسل رأسه، وقد رجل أحد شقيه، ويحتمل أنه أتم الغسل، وأخذ
يرجل رأسه مكانه، والمحمرة عنده، (أتاه جبريل) جواب لما، وللبخاري في الجهاد فأتاه بالفاء
وهي زائدة قاله القرطبي، ويؤيده رواية المغازي هذه الأولى، وفي الرواية الثانية في المغازي لما
رجع من الخندق، وضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل ..
قال الحافظ: فهذا يبين أن الواو في الجهاد زائدة في قوله: ووضع السلاح، هو أولى من
دعوى زيادة الفاء لكثرة مجيء زيادة الواو، والواقدي أنهٍ وقف موضع الجنائز، والطبراني
والبيهقي عن كعب بن لملك؛ أنه عَّ لما رجع من طلب الأحزاب، وجمع عليه اللامة، واغتسل

٦٧
غزوة بني قريظة
فقال: قد وضعت السلاح، والله ما وضعناه. وأخرج اليهم .. وأشار إلى بني قريظة.
وعند ابن إسحق: إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة، فإنى
عامد إلیھم فزلزل بهم.
واستجمر تبدى له جبريل فنادى عذيرك من محارب، فوثب فزعًا بفتح العين المهملة، وكسر
الذال المعجمة، وسكون التحتية وفتح الراء، أي: من يعذرك فعيل بمعنى فاعل، والطبراني
والبيهقي عن عائشة قالت: سلم علينا رجل، ونحن في البيت، فقام عَّهِ فزعًا، فقمت في أثره،
فإِذا بدحية الكلبي، فقال: ((هذا جبريل يأمرني أن أذهب إلى بني قريظة))، فكأني برسول اللّه عَهـ
يمسح الغبار عن وجه جبريل، وللبخاري أيضًا، وهو أي جبريل، ينفض رأسه من الغبار، وله في
الجهاد، وقد عصب رأسه الغبار، (فقال: قد وضعت السلاح) بحذف همزة الاستفهام الثابتة في
ابن إسحق، ولفظه: أوقد وضعت السلاح يا رسول الله؟، قال: ((نعم))، قال: (والله) نحن (ما
وضعناه).
وعند ابن سعد من مرسل يزيد بن الأصم: وضعت السلاح، ولم تضعه ملائكة اللَّه،
(وأخرج إليهم).
وعند ابن سعد من مرسل حميد بن هلال فقال: يا رسول اللَّه انهض إلى بني قريظة،
فقال: (إِن في أصحابي جهدًا، فلو أنظرتهم أيامًا))، قال: انهض إليهم فلأضعضعنهم، وأسقط
المصنف من حديث البخاري قال: قل لي: أين، قال: ههنا، (وأشار) زاد الكشميهني بيده (إِلى
بني قريظة) بضم القاف، وفتح الراء، وسكون التحتية، وبالظاء المعجمة فتاء تأنيث.
قال السمعاني: اسم رجل نزل أولاده قلعة حصينة بقرب المدينة فنسبت إليهم، وقريظة
والنضير أخوان من أولاد لهرون، وذكر عبد الملك بن يوسف أن بني قريظة كانوا يزعمون أنهم
من ذرية شعيب نبي الله.
قال الحافظ: وهو محتمل، وأن شعيبًا كان من بني جذام القبيلة المشهورة وهو بعيد
جدًا، انتهى.
(وعند ابن إِسحق) عن شيخه الزهري: (أن اللَّه يأمرك يا محمد بالسير إلى بني قريظة)
فاذهب كما أمرك اللَّه، (فإِني عامد إليهم،) فهو علة لمقدر، (فزلزل بهم) حصونهم، فالمفعول
محذوف لرواية ابن إسحق: أن جبريل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم، ويقذف الرعب
في قلوبهم.
وعند ابن سعد من مرسلٍ حميد بن هلال: فأدبر جبريل ومن معه من الملائكة حتى سطع
الغبار في زقاق بني غنم من الأنصار بفتح الغين المعجمة وسكون النون، بطن من الخزرج.

٦٨
غزوة بني قريظة
مؤذنًا فأذن من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلين العصر إلا في بني
فأمر رسول الله علية
قريظة.
وعند ابن عائذ: قم فشد عليك سلاحك، فوالله لأدقنهم دق البيض على
الصفا، وبعث مناديًا ينادي يا خيل الله اركبي.
وعند الحاكم والبيهقي: وبعث عليًا على
وفي البخاري عن أنس لكأني أَنظر إلى الغبار في زقاق بني غنم موكب جبريل حين سار
إلى بني قريظة.
روى كما قال المصنف وغيره بنصب موكب بتقدير انظر، والجر بدل من الغبار، والرفع
خبر مبتدأ محذوف، أي هذا موكب وهو نوع من السير، وجماعة الفرسان، أو جماعة يسيرون
برفق انتھی.
(فأمر رسول اللَّه عَِّ مؤذنًا،) أي: مناديًا. قال البرهان: لا أعرفه، وقال الشامي: هو بلال،
ومثله في الفتح ناسيًا لابن إسحق، ولعله في رواية غير البكائي إِذ روايته (مؤذنًا، فأذن من كان
سامعًا مطيعًا، فلا يصلين العصر إلا في بني قريظةٍ، وعند ابن عائذ) بسنده عن جابر، قال: بينا
رسول اللَّه عَّةٍ يغسل رأسه، مرجعه من طلب الأحزاب إِذ وقف عليه جبريل، فقال: ما أسرع
ما حللتم واللَّه ما نزعنا من لامتنا شيئًا منذ نزل العدوّ، (قم فشد عليك سلاحك، فوالله لأَدقتهم
دق البيض،) كذا في نقل المصنف عنه، ومثله في الفتح والذي في العيون عن ابن عائذ كدق
البيض، (على الصفا) وليس المراد أنه يقتلهم، وإِن كان ظاهر اللفظ لكونه خلاف الواقع، بل
المراد ألقى الرعب في قلوبهم حتى يصيروا كالهالكين، ثم أزلزلهم، فأنزلهم من حصونهم،
فتقتلهم فيصيروا كالبيض على الصفا، فعبر عن اسم السبب بالمسبب، وقد كان ذلك وبقية
حديث هذا ثم ولى فأتيعته بصري، فلما رأينا ذلك نهضنا.
(و) روى ابن عائذ أيضًا من مرسل قتادة، قال: (بعث) عَّه (مناديًا) قال البرهان: لا أعرف
اسمه، وقال الشامي: هو بلال. (ينادي: يا خيل اللَّه اركبي).
قال العسكري وابن دريد هو على المجاز والتوسع أراد: يا فرسان خيل الله اركبي،
فاختصره لعلم المخاطب ما أراده، وتعقبه شيخنا، بأنه لا يناسب قوله اركبي، فالأظهر أنه نزل
الخيل منزلة المقاتلين حتى كأنها هي التي يوجد منها الفعل، فخاطبها بطلب الركوب منها،
والمقصود أصحابها، فلما عبر بالخيل راعى لفظها، فأسند الفعل إِليها، أو أنه سمى أصحاب
الخيل خيلاً مجازًا لعلاقة المجاورة.
(وعند الحاكم والبيهقي) من طريق أبي الأسود عن عروة، (وبعث عليًا) أميرًا (على)

٦٩
غزوة بني قريظة
المقدمة، وخرج عَّه في أثره.
وعند ابن سعد: ثم سار إليهم في المسلمين، وهم ثلاثة آلاف والخيل ستة
وثلاثون فرسًا، وذلك يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة.
واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، فيما قال ابن هشام.
ونزل عليه الصلاة والسلام على بئر من آبار بني قريظة
الجماعة (المقدمة) على الجيش بكسر الدال مثقلة، من قدم اللازم، بمعنى تقدم، (وخرج
في أثره) بكسر الهمزة، وسكون المثلثة ويجوز فتحها، وحكى تثليث الهمزة كما في السبل،
أي: لم يتأخر في خروجه عنه.
(وعند ابن سعد، ثم سار إليهم في المسلمين وهم ثلاثة آلاف،) أي: جملة الخارجين
أعم من كونهم معه، أو قبله، أو بعده، (والخيل ستة وثلاثون فرسًا، وذلك يوم الأربعاء لسبع
بقين من ذي القعدة،) ذكره تتميمًا لكلام ابن سعد وإِن قدمه أوّل كلامه، (واستعمل على
المدينة ابن أم مكتوم) عبد اللّه، أو عمرًا، (فيما قال ابن هشام) بيان للعز، ولا احتراز عن قول
آخر، ولبس عَّله الدرع والمغفر والبيضة، وأخذ قتادة بيده، وتقلد القوس، وركب فرسه اللحيف،
بضم اللام وفتحها.
قال القاموس: كأمير وزبير وحاؤه مهملة، ويروى بالجيم وبالخاء المعجمة رواه البخاري،
ولم يتحققه، والمعروف بالحاء المهملة، قاله ابن الأثير.
وللطبراني عن ابن عباس أنه عَّه لما أتى بني قريظة ركب على حمار عرى يقال له
يعفور، والناس حوله فإِن صحا، فيمكن أنه ركب الفرس بعض الطريق والحمار بعضها.
قال ابن إِسحق: وقدم عَ لّ عليًا برايته وابتدرها الناس، فسار حتى دنا من الحصون، سمع
مقالة قبيحة له عليه السلام، فرجع حتى لقيه بالطريق، فقال: لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء
الأخابث؟، قال: «لم أظنك سمعت منهم لي أذى)، قال: نعم، قال: «لو رأوني لم يقولوا شيئًا)،
فلما دنا من حصونهم قال: ((يا خوان القردة هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟))، قالوا: يا أبا
القسم ما كنت جهولاً، ومر بنفر من أصحابه قبل أن يصل إليهم، فقال: ((هل مر بكم أحد؟))،
قالوا: مر بنا دحية ابن خليفة على بغلة بيضاء، فقال: ((ذاك جبريل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم
حصونهم، ويقذف الرعب في قلوبهم))، (ونزل عليه الصلاة والسلام على بئر من آبار بني
قريظة.) قال ابن إسحق يقال لها بثر أنا.
وقال ابن هشام: بفر أنا، وفي الشامية بالضم وتخفيف النون، وقيل: بالفتح والتشدید،

٧٠
غزوة بني قريظة
وتلاحق به الناس. فأتى رجال منهم بعد عشاء الآخرة، ولم يصلوا العصر،
لقوله عَ ظله: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فصلوا العصر بها بعد العشاء
الآخرة، فما عابهم الله تعالى في كتابه ولا عنفهم به رسول الله عَ ليه.
وفي البخاري عن ابن عمر: فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم:
لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم بل نصلي، لم يرد منا ذلك،
وقيل: بموحدة بدل النون وقيل غير ذلك.
(وتلاحق به الناس فأتى رجال.) قال البرهان: لا أعرفهم بأعيانهم، (من بعد عشاء) الصلاة
(الآخرة) بالإضافة، ولعل المراد من بعد الظلام الذي تفعل فيه الصلاة الآخرة، (ولم يصلوا العصر
لقوله معَة: لا يصلين) بنون التوكيد الثقيلة (أحد العصر إِلاَّ في بني قريظة).
قال في رواية ابن إسحق: (فصلوا العصر بها بعد العشاء الآخرة فما عابهم،) أي: فما نسب
إليهم عيبًا، أي: ذنبًا، (اللّه تعالى في كتابه ولا عنفهم به،) أي: ما لامهم ولا عتب عليهم بسببه
(رسول اللَّه ع٤َّ) لأنهم إنما أخروها لفهمهم النهي عن فعلها قبل بني قريظة، وإِن خرج الوقت
كما هو ظاهر اللفظ.
(وفي البخاري عن ابن عمر) قال: قال النبي عَّه يوم الأحزاب: ((لا يصلين أحد العصر إِلاَّ
في بني قريظة))، (فأدرك بعضهم العصر) بالنصب مفعول، ولأبي ذر بنصب بعضهم، ورفع العصر
فاعل، (في الطريق، فقال بعضهم:) الضمير لنفس بعض الأوّل، (لا نصلي حتى نأتيها) حملاً
للنهي على حقيقته، ولم يبالوا بخروج الوقت ترجيحًا للنهي الثاني على الأوّل، وهو ترك تأخير
الصلاة على وقتها، واستدلوا بجوار التأخير لمن اشتغل بالحرب، بنظير ما وقع في الخندق، أنهم
صلوا العصر بعد غروب الشمس لشغلهم بأمر الحرب، فجوزوا عمومه في كل شغل تعلق
بالحرب، ولا سيما والزمان زمان تشريع قاله في الفتح.
وقال المصنف: عملا بظاهر النهي، لأَن في النزول مخالفة للأمر الخاص، فخصوا عموم
الأمر بالصلاة أول وقتها، بما إِذا لم يكن غدر بدليل أمرهم بذلك.
(وقال بعضهم) نظرًا إِلى المعنى، لا إِلى ظاهر اللفظ، (بل نصلي) حملاً للنهي عن غير
حقيقته، وأنه كناية عن الحث والاستعجال والإسراع، (لم يرد) بضم أوله، وفتح الراء وكسرها،
كما قال المصنف، (منا ذلك) الظاهر بل لازمه من الحث والإسراع إلى قريظة.
قال ابن القيم: فحازوا الفضيلتين امتثال الأمر في الإِسراع، وفي المحافظة على الوقت،
ولا سيما ما في هذه القصة بعينها من الحث على المحافظة عليها، وأن من فاتته حبط عمله،

٧١
غزوة بني قريظة
فذكر ذلك للنبي عَ له فلم يعنف واحدًا منهم.
كذا وقع في جميع النسخ من البخاري: أنها العصر، واتفق عليه جميع أهل.
المغازي.
(فذكر) بضم الذال (ذلك) المذكور من فعل الطائفتين (للنبي عَّة، فلم يعنفء) لم يلم (واحدًا
منهم) لا التاركين ولا الفاعلين، لأنهم بذلوا جهدهم، واجتهدوا فلم يأثموا.
قال السهيلي وغيره فيه: أن لا يعاب من أخذ بظاهر حديث أو آية، ولا على من استنبط
من النص معنى يخصصه، وفيه أن كل مجتهد في الفروع مصيب.
قال الحافظ: وليس بواضح، فإِنما فيه ترك تعنيف من بذل وسعه واجتهد، فيستفاد منه عدم
تأثیمه.
قال السهيلي: ولا يستحيل كون الشىء صوابًا في إنسان وخطأ في حق غيره، وإِنما
المحال الحكم في نازلة بحكمين متضادين في حق شخص واحد، والأصل فيه أن الخطر
والإِباحة صفات أحكام لا أعيان، فكل مجتهد وافق وجهًا من التأويل فهو مصيب انتهى.
والمشهور وعليه الجمهور أن المصيب في القطعيات واحد، وخالفه الجاحظ والعنبري
وما لا قطع فيهِ، فالجمهور أيضًا واحد.
وعن الأَشعري كل مجتهد مصيب، وأن حكم اللّه تابع لظن المجتهد.
وقال بعض الحنفية والشافعية: هو مصيب في اجتهاده، فإِن لم يصب ما في نفس الأمـ
فهو مخطىء، وادعى ابن المنير أن الذين صلوا إنما صلوا على دوابهم، لأن النزول ينافي مقصود
الإِسراع.
قال: فالذين لم يصلوا عملوا بالدليل الخاص، وهو الأمر بالإسراع، فتركوا عموم إيقاع
العصر في وقتها إلى أن فات، والذين صلوا جمعوا بين دليلي وجوب الصلاة ووجوب الإِسراع
فصلوا ركبانًا لأنهم لو صلوا نزولاً لضادوا ما أمروا به من الإِسراع، ولا يظن بهم ذلك مع ثقوب
أذهانهم وفيه نظر، لأنه لم يصرح لهم بترك النزول، فلعلهم فهموا أن المراد بالأمر المبالغة في
الإِسراع فامتثلوه، وخصوا الصلاة من ذلك لما تقرر عندهم من تأكيد أمرها فلا يمتنع أن ينزلوا
فيصلوا، ولا يكون مضادًا لما أمروا به، ودعوى أنهم صلوا ركبانًا يحتاج إلى دليل، ولم أره
صريحًا في شىء من طرق هذه القصة اهـ من الفتح ملخصًا، وفيه أيضًا ما حاصله قوله: لا
يصلين أحد العصر، (كذا وقع في جميع نسخ البخاري أنها العصر،) ووافقه أبو نعيم، (واتفق
عليه جميع أهل المغازي).
(ووقع في مسلم أنها الظهر مع اتفاق البخاري ومسلم على روايته عن شيخ واحد

٧٢
غزوة بني قريظة
ووقع في مسلم أنها الظهر مع اتفاق البخاري ومسلم على روايته عن شيخ
واحد وبإسناد واحد. ووافق مسلمًا أبو يعلى وآخرون.
وجمع بين الروايتين باحتمال أن يكون بعضهم - قبل الأمر - كان صلى
الظهر، وبعضهم لم يصلها، فقيل لمن لم يصلها لا يصلين أحد الظهر، ولمن
صلاها: لا يصلين أحد العصر.
بإسناد واحد،) وهو حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، حدثنا جويرية أسماء، عن نافع، عن ابن
عمر، فذكراه مسلم بلفظ الظهر، والبخاري بلفظ العصر.
(ووافق مسلمًا أبو يعلى وآخرون) كابن سعد، وابن حبان كلاهما من طريق الملك بن
إِسمعيل عن جويرية.
قال الحافظ: ولم أره من رواية جويرية إِلاَّ بلفظ الظهر، غير أن أبا نعيم أخرجه من طريق
أبي حفص السلمي عن جويرية، فقال: العصر، كذا أخرجه الطبراني والبيهقي في الدلائل بإسناد
صحيح، عن كعب بن لملك، والبيهقي عن عائشة.
(وجمع بين الروايتين باحتمال أن يكون بعضهم قبل الأمر كان صلى الظهر، وبعضهم لم
يصلها، فقيل: لمن لم يصلها لا يصلين أحد الظهر، ولمن صلاها لا يصلين أحد العصر، وجمع
بعضهم باحتمال أن تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة، فقيل للطائفة الأولى: الظهر، وللطائفة
التي بعدها: العصر).
قال الحافظ: وكلاهما جمع لا بأس به، لکن یبعده اتحاد مخرج الحديث، لأنه عند
الشیخین پاسناد واحد من مبدئه إلى منتهاه، فیبعد أن یکون کل من رجال إِسناده، حدث به على
الوجهين، ولم يوجد ذلك، ثم تأكد عندي أن الاختلاف في اللفظ المذكور من حفظ بعض
رواته، فإِن سياق البخاري وحده مخالف لسياق من رواه عن عبد الله بن محمد بن أسماء، عن
عمه جويرية، فذكر لفظ البخاري المذكور في المصنف بما زدته أوّله، وقال: ولفظ مسلم وسائر
من رواه نادى فينا رسول اللَّه عَّه: أن لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة، فتخوف ناس
فوت الوقت، فصلوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلي إلا حين أمرنا رسول اللَّه عَّله وإِن
فائنا الوقت، فما عنف واحدًا من الفريقين، فالذي يظهر من تغاير اللفظين أن عبد الله شيخ
الشيخين لما حدث البخاري حدثه على هذا اللفظ، ولما حدث به الباقين حدثهم به على اللفظ
الآخر، وهو اللفظ الذي حدثه به عمه جويرية بدليل موافقة لملك بن إسماعيل له عليه بخلاف
اللفظ الذي حدث به البخاري، أو أن البخاري كتبه من حفظه، ولم يراع اللفظ كما عرف من

٧٣
غزوة بني قريظة
وجمع بعضهم باحتمال أن تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة، فقيل
للطائفة الأولى: الظهر، وللطائفة التي بعدها العصر، والله أعلم.
قال ابن إسحق: وحاصرهم عليه الصلاة والسلام خمسًا وعشرين ليلة، حتى
أجهدهم الحصار.
وعند ابن سعد: خمس عشرة. وعند ابن عقبة: بضع عشرة ليلة.
وقذف الله في قلوبهم الرعب. فعرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد أن
يؤمنوا فقال لهم:
مذهبه في تجويز ذلك بخلاف مسلم، فإنه يحافظ على اللفظ كثيرًا، وإنما لم أجوز عكسه
لموافقة من وافق مسلمًا على لفظه بخلاف البخاري، لكن موافقة أبي حفص السلمي تؤيد
الاحتمال الأول، وهذا من حيث حديث ابن عمر، أما بالنظر إلى حديث غيره، فالاحتمالان
المتقدمان في كونه قال: الظهر لطائفة، والعصر لطائفة، مجيئهما متجه، فيحتمل أن رواية الظهر
هي التي سمعها ابن عمر.
وٍرواية العصر هي التي سمعها كعب ابن لملك وعائشة، وقيل في وجه الجمع أيضًا أن
يكون لأهل القوة، أو لمن كان منزله قريبًا لا يصلين أحد الظهر، وقال لغيرهم: لا يصلين أحد
العصر انتھی.
والجمع الأخير ظاهر أيضًا بالنظر لغير رواية ابن عمر (والله أعلم) بما وقع في نفس الأمر.
(قال ابن إسحق: وحاصرهم عليه الصلاة والسلام خمسًا وعشرين ليلة حتى أجهدهم،)
أي: بلغهم (الحصار) غاية المشقة، وكونه بالألف مثله في الفتح، وروايته في ابن إسحق، وكذا
نقله الیعمري جهدهم بلا ألف، وهما بمعنی.
ففي القاموس جهد دابته، بلغ جهدها كأجهدها انتهى.
(وعند ابن سعد: خمس عشرة) ليلة.
(وعند ابن عقبة: بضع عشرة ليلة،) ولو قدمه على ما قبله، كما في الفتح ليكون
كالتفسير للبضع كان أولى، وقد جمع شيخنا في التقرير؛ بأنه يمكن أن مدّة شدة الحصار خمس
عشرة المردودة إِليها رواية بضع عشرة والخمس وعشرين مدته كلها، وعطفٍ على أجهدهم
قوله: (وقذف) ألقى (اللَّه في قلوبهم الرعب،) وإِطلاقه على ذلك مجاز، لأن حقيقة القذف
الرمي بالحجارة، (فعرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد أن يؤمنوا، فقال لهم:) عطف على

٧٤
غزوة بني قريظة
يا معشر يهود قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني أعرض عليكم خلالاً ثلاثًا،
فخذوا أيها شئتم. قالوا: وما هي:
قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه، فوالله لقد تبين أنه لنبي مرسل، وأنه الذي
تجدونه في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. فأبوا.
قال: فإذا أبيتم علي هذه، فهلم فنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد
وأصحابه رجالاً مصلتين بالسيوف، لم تترك وراءنا ثقلاً حتى يحكم الله بيننا وبين
عرض، (يا معشر يهود، قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإِني أعرض عليكم،) أي: أذكر لكم، (خلالاً).
قال الشامي: بكسر الخاء المعجمة، أي: خصالاً جمع خلة، بفتح المعجمة وشد اللام،
(ثلاثًا، فخذوا أيها شئتم، قالوا: وما هي؟، قال: نتابع) من المتابعة (هذا الرجل، ونصدقه فوالله
لقد تبين) ظهر، وتحقق لكم (أنه) بفتح الهمزة (نبي مرسل،) هكذا في نسخة صحيحة من
ابن إسحق.
وفي العيون عنه، وكذا في بعض نسخ المصنف أنه لنبي بزيادة لام.
فقال البرهان: بكسر الهمزة، لأن اللام في خبرها. قال: وكذا، (وإنه الذي) والمذكور في
ابن إسحق، والعيون للذي بلام (تجدونه في كتابكم) التوراة، (فتأمنون على دمائكم) من القتل،
(وأموالكم وأبنائكم ونسائكم) من الأسر والسلب، ولم يقل فنأمن، وإِن كان الظاهر المطابق لقوله
قبل نتابع اقتصارًا على ما يحملهم على المتابعة مما تتعلق به أنفسهم، وذكر نفسه فيها إِشارة إِلى
رضاه به لنفسه وأنه شريكهم فيه إِن فعلوه، ليكون أدعى لقبول ما عرضه، (فأبوا) حيث قالوا: لا
نفارق حکم التوراة، ولا نستبدل به غيره.
(قال: فإِذا) حيث (أبيتم عليّ) بشد الياء (هذه) الخصلة، فامتنعتم بها، (فهلم) تعالوا
وافقوني، (فنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إِلى محمد وأصحابه رجالاً،) أي: مشاة، (مصلتين).
قال الشامي: جمع مصلت بكسر اللام، وبالصاد المهملة الساكنة، أي: مجردين السيوف
من أغمادها انتھی.
فقوله (بالسيوف)) متعلق بمحذوف ذكر تأكيدًا، كأنه قيل مجردين السيوف، مقاتلين بها،
وأقام الظاهر مقام المضمر لعدم تقدمه لفظًا، أو هو متعلق بنخرج، وإِن أخر لفظًا عن مصلتين (لم
نترك وراءنا ثقلاً).
قال البرهان: بفتح المثلثة والقاف، ويجوز كسر الثاء، ونقاتل (حتى يحكم اللَّه بيننا وبين

٧٥
غزوة بني قريظة
محمد، فإن نهلك نهلك ولم تترك وراءنا ما نخشى عليه.
فقالوا: أي عيش لنا بعد أبنائنا ونسائنا.
فقال: إن أبيتم علي هذه فإن الليلة ليلة السبت، وعسى أن يكون محمد
وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة.
قالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث فيه من كان قبلنا، إلا من قد
علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ.
وأرسلوا إلى رسول الله عَ لّ أن أبعث إلينا أبا لبابة - وهو رفاعة ابن عبد
المنذر - نستشيره في أمرنا.
فأرسله إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش إليه النساء والصبيان بيكون
في وجهه، فرقَّ لهم، وقالوا يا أبا لبابة، أترى أن ننزل
محمد) غاية لنخرج أو لمحذوف، (فإِن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا ماء) وفي ابن إِسحق
والعيون: نسلا، (نخشى عليه) حال من فاعل نهلك، وهو المقصود من الجواب، فلم يتحد
الشرط والجزاء، وبقية قوله: وإِن نظهر على محمد، فلعمري لنجدن النساء والأبناء، (فقالوا: أي
عيش لنا بعد أبنائنا ونسائنا،) استفهام إِنكاري لرد قتلهم، (فقال: إِن أبيتم عليّ هذه، فإِن الليلة
ليلة السبت، وعسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا) بفتح الهمزة المقصورة وكسر الميم،
أي: اطمأنوا، وسكنت قلوبهم لاعتقادهم أنا لا نحدث شيئًا (فيها، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد
وأصحابه غرة) بكسر الغين المعجمة وشد الراء، غفلة، (قالوا: نفسد سبتنا، ونحدث فيه ما لم
يحدث فيه من كان قبلنا، إِلاَّ من قد علمت، فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ) قردة
وخنازير، قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة من الدهر حازمًا، (وأرسلوا إِلى
رسول اللَّه عَ ليه) حين أيقنوا بالهلاك (أن ابعث إلينا أبا لبابة) الأنصاري المدني أحد النقباء عاش
إلى خلافة علي، (وهو) أي: اسمه فيما صدر به السهيلي، (رفاعة) وقيل: مبشر، وقيل: بشير،
(ابن عبد المنذر).
قال في التقريب: ووهم من سماه مروان، (نستشيره في أمرنا) في شأننا وحالنا، وخصوه
لكون ماله وولده وعياله فيهم، (فأرسله إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش) بفتح الجيم
والهاء وكسرها، فزع وأسرع، (إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه فرقٌ لهم) رحمهم لما
رآهم عليه من الحزن والذلة، (وقالوا:) عطف على قام إليه الرجال، (يا أبا لبابة، أترى أن ننزل

٧٦
غزوة بني قريظة
على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه: إنه الذبح.
قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أنى قد خنت
الله ورسوله.
ثم انطلق أبو لبابة على وجهه فلم يأت رسول الله عليه حتى ارتبط في
المسجد الى عمود من عمده، وقال: لا أبرح من مكاني هذا حتى يتوب الله علي
مما صنعت وعاهد الله أن لا يطأ بني قريظة أبدًا، ولا أرى في بلد خنت الله
ورسوله فیه أبدًا.
:
على حكم محمد) وذلك أنهم لما حوصروا حتى أيقنوا بالهلكة أنزلوا شاس بن قيس، فكلمه
عَ ظّله أن ينزلوا على ما نزل بنو النضير من تلك الأموال والحلقة والخروج بالنساء والذراري، وما
حملت الإِبل إِلا الحلقة، فأبى رسول الله، فقال: تحقن دماءنا وتسلم لنا النساء والذرية، ولا
حاجة لنا فيما حملت الإِبل، فأبى عَّةٍ إِلاَّ أن ينزلوا على حكمه، وعاد شاس إليهم بذلك، (قال:
نعم، وأشار بيده إلى حلقه أنه) أي: حكمه فيهم، (الذبح،) كأنه فهم ذلك من ترك إجابته بحقن
دمائهم.
(قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت اللَّه
ورسوله،) زاد في رواية: فندمت واسترجعت فنزلت وإِن لحيتي لمبتلة من الدموع، والناس
ينتظرون رجوعي إليهم، حتى أخذت من وراء الحصن طريقًا أخرى، حتى جئت إِلى المسجد،
(ثم انطلق أبو لبابة على وجهه، فلم يأت رسول اللَّه مٌٍَّ حتى ارتبط في المسجد إلى عمود
من عمده) بضم العين، والميم وفتحهما، ويكون مفردًا وجمعًا.
قال في رواية: وكان ارتباطي إلى الأسطوانة المخلقة، أي: التي طليت بالخلوق بوزن
ر مول، وهو ما يخلق به من الطيب، (وقال: لا أبرح من مكاني هذا حتى) أموت، أو (يتوب اللَّه
ملديّ،) أي: ينزل توبتي، (مما صنعت، وعاهد اللَّه أن لا يطأ)) وفي نسخة: وعاهدت اللَّه أن لا
أطأ على الالتفات (بني قريظة أبدًا، ولا أرى).
قال البرهان: بضم الهمزة وفتح الراء مبني للمفعول، وقال الشامي: بفتح الهمزة فإن كان
رواية، فالمعنى لا أرى أحدًا، (في بلد خنت اللَّه ورسوله فيه أبدًا،) وهو يستلزم أن لا يذهب
إلیھم.
قال ابن هشام: وأنزل اللَّه في أبي لبابة، فيما قال ابن عيينة عن إِسمعيل بن أبي خالد، عن
عبد الله بن أبي قتادة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم

٧٧
غزوة بني قريظة
فلما بلغ رسول الله عَّه خبره، وكان قد استبطأه، قال: أما لو جاءني
لاستغفرت له، وأما إذا فعل ما فعل، فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله
عليه.
قال ابن هشام: وأقام أبو لبابة مرتبطًا بالجذع ست ليال، تأتيه امرأته في
وقت كل صلاة فتحله للصلاة ثم يعود فتربطه بالجذع.
وقال أبو عمر: روى ابن وهب عن ملك عن عبد الله بن أبي بكر أن أبا لبابة
ارتبط بسلسلة ثقيلة بضع عشرة ليلة حتى ذهب سمعه،
تعلمون﴾ [الأنفال: ٢٧]، (فلما بلغ رسول اللَّه عَِّ خبره، وكان قد استبطأه قال: أما لو
جاءني،) وأخبرني خبره (لاستغفرت له، وأما إِذ فعل ما فعل، فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى
يتوب الله عليه).
قال أبو لبابة: فكنت في أمر عظيم في حر شديد عدة ليال لا آكل فيهن شيئًا، ولا أشرب،
وقلت: لا أزال هكذا حتى أفارق الدنيا، أو يتوب اللَّه عليّ، وأذكر رؤيا رأيتها في النوم، ونحن
محاصرون بني قريظة، كأني في حمأة، أي طين أسود آسنة، أي متغيرة، فلم أخرج منها حتى
كدت أموت من ريحها، ثم رأيت نهرًا جاريًا، فأراني اغتسلت فيه حتى استنقيت، وأراني أجد
ريحًا طيبة، فاستعبرتها أبا بكر، فقال: لتدخلن في أمر تغتم له، ثم يفرج عنك، فكنت أذكر قوله
وأنا مرتبط، فأرجو أن ينزل اللَّه توبتي، فلم أزل كذلك حتى ما أسمع الصوت من الجهد
ورسول اللَّه ينظر إليّ.
(قال ابن هشام) عبد الملك: (وأقام أبو لبابة مرتبطًا بالجذع ست ليال تأتيه امرأته)
بطلب منه، أو بلا طلب على العادة من تفقد الزوجة، ونحوها الشخص في الشدة، (في وقت
كل صلاة، فتحله للصلاة، ثم يعود فتربطه بالجذع)،) وكان هذه الست تقيدت به فيها امرأته،
وباقي البضع عشرة بنته، فلا تنافي بين هذه والآتية ..
(وقال أبو عمر) بن عبد البر الحافظ: (روى ابن وهب) عبد اللَّه أحد الأعلام، (عن ملك)
بن أنس الإِمام، (عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني،
قاضيها الثقة، المتوفى سنة خمس وثلاثين، ومائة عن سبعين سنة، (أن أبا لبابة ارتبط بسلسلة
ثقيلة،) لفظ الرواية، كما في العيون عن أبي عمر بسلسلة ربوض، والربوض الثقيلة وهو بفتح
الراء، وضم الموحدة مخففة، فواو فضاد معجمة، أي عظيمة غليظة، (بضع عشرة ليلة حتى

٧٨
غزوة بني قريظة
فما كاد يسمع، وكاد يذهب بصره، وكانت ابنته تحله إذا حضرت الصلاة، أو
أراد أن يذهب لحاجة، فإذا فرغ أعادته.
وعن يزيد بن عبد الله بن قسيط: أن توبة أبي لبابة نزلت على رسول الله عد اله
وهو في بيت أم سلمة. قالت أم سلمة: فسمعت رسول الله عَ ليه من السحر وهو
يضحك، فقالت: قلت يا رسول الله مم تضحك، أضحك الله سنك. قال: تيب
على أبي لبابة. قالت: قلت أفلا أبشره يا رسول الله، قال: بلى إن شئت. قال:
فقامت على باب حجرتها - وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب - فقالت: فقلت
يا أبا لبابة
ذهب سمعه، فما يكاد يسمع، وكاد يذهب بصره فكانت ابنته تحله إذا حضرت الصلاة، أو أراد
أن يذهب لحاجة، فإذا فرغ) من الصلاة، أو لحاجة (أعادته.) والظاهر كما قال الشامس أن
زوجه کانت تحله مرة وبنته أخرى.
(١) روى ابن إسحق (عن يزيد) بياء تحتية وزاي (ابن عبد اللّه بن قسيط) بقاف ومهملتين
مصغر، ابن أسامة الليثي أبي عبد اللَّه المدني الأعرج الثقة، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومائة،
وله تسعون سنة.
روى له الستة وفي غالب النسخ بإسقاط يزيد، وهو خلاف ما عند ابن إسحق، وغيره من
أنه عن يزيد، وهو الصواب؛ (أن توبة أبي لبابة نزلت على رسول اللَّه عَّله).
قال ابن هشام: والآية التي نزلت في توبته قول الله عز وجل: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم،
خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيقًا﴾، (وهو في بيت أم سلمة،) وهذا مرسل، وقد رواه ابن مردويه
بسند فيه الواقدي، موصولاً عن أم سلمة، وفيه، وأنزل اللَّه تعالى: ﴿وآخرون .. ﴾، ويحتمل أن
يزيد حمله عنها وقد يشعر به قوله.
(قالت أم سلمة: فسمعت رسول اللَّه ◌َّه من السحر، وهو يضحك) فرحًا بالتوبة، لأنه
بالمؤمنين رؤوف رحيم، (فقالت: قلت: يا رسول اللَّه ممّ تضحك؟، أضحك اللَّه سنك، قال:
تيب على أبي لبابة، قالت: قلت:) أأترك الذهاب إليه (فلا أبشره) أم أذهب إليه فأبشره، (يا
رسول اللّه؟، قال: بلى) بشريه (إِن شئت).
ولفظ ابن مردويه قال: ((ما شئت))، وكله إليها حتى لا يشق عليها بالليل.
(قال: فقامت على باب حجرتها، وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب، فقالت:) ولفظ
ابن مردويه: فقمت على باب الحجرة، وذلك قبل أن يضرب الحجاب، (فقلت: يا أبا لبابة

٧٩
غزوة بني قريظة
أبشر فقد تاب الله عليك. قالت: فثار الناس إليه ليطلقوه، فقال: لا والله حتى
يكون رسول الله عَّ هو الذي يطلقني بيده، فلما مر عليه خارجًا إلى صلاة
الصبح أطلقه.
وروى البيهقي في الدلائل بسنده عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿واعترفوا
بذنوبهم﴾ [التوبة/١٠٢] قال: هو أبو لبابة إذ قال لبني قريظة ما قال وأشار إلى
حلقه إن محمدًا يذبحكم إن نزلتم على حكمه. قال البيهقي وترجم محمد بن
إسحق بن يسار أن ارتباطه كان حينئذٍ.
وقد روينا عن ابن عباس ما دل على أن ارتباطه بسارية المسجد كان
بتخلفه عن غزوة تبوك،
أبشر) بهمزة قطع، (فقد تاب اللَّه عليك، فثار) أي: نهض (الناس إليه ليطلقوه، فقال: لا واللَّه
حتى يكون رسول اللَّه عَل هو الذي يطلقني بيده،) تعظيمًا له ورجاء حصول بر كته حتى لا
يعود لمثلها، (فلما مر عليه خارجًا إلى صلاة الصبح، أطلقه) زاد ابن مردويه عقب هذا: ونزلت:
﴿وآخرون اعترفوا بذنبوهم﴾.
قال السهيلي: فإن قيل الآية ليست نصًا في توبة اللَّه عليه، أكثر من قوله: عسى اللَّه أن
يتوب عليهم، فالجواب أن عسى منه سبحانه واجبة وخبر صدق، فإن قيل القرءان نزل بلسان
العرب، وعسى ليست في كلامهم بخبر، ولا تقتضي وجوبًا، قلنا: عسى تعطي الترجي مع
المقاربة، ولذا قال: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾، ومعناه الترجي مع الخبر
بالقرب كأنه قال قرب أن يبعثك، فالترجي مصروف إِلى العبد، والخبر عن القرب؛ مصروف إِلى
اللَّه، وخبره حق ووعده حتم، فما تضمنه من الخبر، فهو الواجب دون الترجي الذي هو محال
علی اللّه انتھی باختصار.
(وروى البيهقي في الدلائل) النبوية (بسنده عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿واعترفوا
بذنوبهم﴾، قال: هو أبو لبابة، إِذ قال لبني قريظة ما قال،) هو من إِطلاق القول على الفعل،
إذ لم يصدر منه قول غير الإِشارة، ولذا أتى بعطف التفسير في قوله، (وأشار إلى حلقه بأن
محمدًا یذبحکم إِن نزلتم علی حكمه).
(قال البيهقي: وترجم محمد بن إسحق بن يسار) ضد يمين إمام المغازي (أن ارتباطه كان
حينئذ،) أي: حين إِشارته لقريظة، (وقد روينا عن ابن عباس) من طرق عند ابن مردويه وابن جرير
(ما دل) على سبيل الصراحة (على أن ارتباطه بسارية المسجد كان بتخلفه عن غزوة تبوك،

٨٠
غزوة بني قريظة
كما قال ابن المسيب قال: وفي ذلك نزلت هذه الآية.
ولما اشتد الحصار ببني قريظة أذعنوا أن ينزلوا على حكم رسول الله
فحكم فيهم سعد بن معاذ، وكان قد جعله في خيمة في المسجد الشريف لامرأة
من أسلم
كما قال ابن المسيب قال: وفي ذلك نزل هذه الآية) ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾، وقد
أخرجه أبو الشيخ وابن منده عن جابر بسند قوي، وعلى تقدير صحة الخبرين، فيجمع باحتمال
تعدد ربطه نفسه، (ولما اشتد الحصار ببني قريظة أذعنوا،) خضعوا وذلوا ورضوا، (أن ينزلوا
على حكم رسول اللَّه مٍَّ)) أي: على ما يحكم به فيهم.
قال ابن إسحق: فقالت الأوس: قد فعلت في موالي الخزرج، أي: بني قينقاع، ما علمت
فقال: ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟، قالوا: بلى، قال: فذلك إِلى سعد بن معاذ.
وعند ابن عقبة فقال: اختاروا من شئتم من أصحابي، فاختاروا سعدًا، فرضي علَّهِ.
قال ابن هشام: وحدثني من أثق به؛ أن عليًا صاح وهم محاصرون: يا كتيبة الإِيمان،
وتقدم هو والزبير، وقال: والله لأذوقن ما ذاق حمزة، أو لأقتحمن حصنهم، فقالوا: ننزل على
حکم سعد، (فحكم فيهم سعد بن معاذ).
وفي الصحيح: فرد الحكم إلى سعد.
قال الحافظ: كأنهم أذعنوا للنزول على حكم المصطفى، فلما سأله الأنصار فيهم رد
الحكم إلى سعد، كما بينه ابن إسحق قال: وفي كثير من السير؛ أنهم أبوا أن ينزلوا على حكم
سعد، ويجمع بأنهم نزلوا على حكمه قبل أن يحكم فيهم سعدًا.
وفي حديث عائشة عند أحمد والطبراني: فلما اشتد بهم البلاء، قيل لهم انزلوا على حكم
رسول اللَّه عَ ◌ّل، فلما استشاروا أبا لبابة قالوا: ننزل على حكم سعد، ونحوه في حديث جابر عند
ابن عائذ، فحصل في سبب رد الحكم إلى سعد أمران؛ أحدهما سؤال الأوس، والآخر إِشارة أبي
لبابة، ويحتمل أن الإِشارة أثرت توقفهم، ثم لما اشتد بهم الحصار عرفوا سؤال الأوس، فأذعنوا
للنزول على حكمه عليه واثقين بأنه يرد الحكم إِلى سعد.
وفي رواية مسلم: وكانوا حلفاءه.
(وكان) عليه السلام (قد جعله في خيمة في المسجد الشريف) النبوي، كما دل عليه
كلام ابن إسحق خلافًا لمن قال، المراد المسجد الذي كان ◌ِّله أعده للصلاة فيه في قريظة أيام
حصارهم قاله الفتح، والجملة حالية والأولى أنها مستأنفة، لأن التحكيم لم يكن وقت جعله في
الخيمة، بل وقت كونه فيها، وكانت تلك الخيمة (لامرأة من أسلم،) كما جزم به ابن إِسحق