النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ بئر معونة ورعلاً فأجابوه إلى ذلك، ثم خرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم وقاتلوهم حتى قتلوا إلى آخرهم، إلا كعب بن زيد فإنهم تركوه وبه رمق، فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدًا. وأسر عمرو بن أمية الضميري، فلما أخبرهم أنه من مضر أخذه عامر بن الطفیل المهملتين، وشد التحتية وتأنيث (ورعلا) بكسر فسكون، وذكوان هكذا هو ثابت في سيرة ابن إسحق؛ وكأنه سقط من قلم المصنف كابن سيد الناس، وبه يستقيم ضمير الجمع في قوله، (فأجابوه إِلى ذلك،) ولا حاجة إلى أنه نظرًا لإِفراد القبيلتين، أو الضمير للقبائل، (ثم خرجوا،) وساروا (حتى غشوا القوم، فأحاطوا بهم) حين أتوهم (في رحالهم،) أي: في منازلهم التي نزلوا بها، (فلما رأوهم أخذوا سيوفهم، وقاتلوهم حتى قتلوا،) مبتدئًا القتل من أولهم، منتهيًا (إِلى آخرهم) يعني استأصلوهم. ولفظ ابن إسحق من عند آخرهم، (إِلاَّ كعب بن زيد) بن قيس بن لملك بن كعب بن حارثة ابن دينار بن النجاري الأنصاري البدري؛ (فإنهم تركوه،) لظنهم موته، (وبه رمق) بفتح الراء والميم وبالقاف، بقية الحياة، فارتث من بين القتلى، (فعاش حتى قتل يوم الخندق،) قتله ضرار بن الخطاب، قاله الواقدي. وقال ابن إسحق: أصابه سهم غرب، فقتله (شهيدًا) رضي الله عنهم، ناس اتخذ اللَّه منهم شهداء بكثرة. قال قتادة: ما نعلم حيًا من أحياء العرب أكثر شهيدًا، أعز يوم القيامة من الأنصار، قال: وحدثنا أنس أنه قتل منهم يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة على عهد أبي بكر سبعون يوم قتال مسيلمة الكذاب، رواه البخاري. (وأسر عمرو) استثناء في المعنى؛ كأنه قال: قتلوا إِلا كعبًا وعمرو (بن أمية الضميري) بفتح فسكون. قال ابن إِسلحق: كان في سرح القوم هو ورجل من الأنصار. قال ابن هشام: هو المنذر بن محمد بن عقبة، فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر، فقالا: واللّه إِن لهذه الطير لشأنًا، فاقبلا لينظرا فإِذا القوم في دمائهم والخيل التي أصابتهم واقفة. فقال الأنصاري لعمرو: ما ترى، قال: أرى أن نلحق برسول اللَّه عَِّ فنخبره الخبر، فقال الأنصاري: لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، ثم قاتل حتى قتل وأخذ عمرو أسيرًا، (فلما أخبرهم أنه من مضر أخذه عامر بن الطفيل). ٥٠٢ بئر معونة وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه. فلما بلغ النبي عَّهِ خبرهم، قال: هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارهًا متخوفًا، فبلغ ذلك أبا براء فمات أسفًا على ما صنع عامر بن الطفيل. وقتل عامر بن فهيرة يومئذٍ فلم يوجد جسده رضي الله عنه، دفنته الملائكة. قال ابن إسحق: وجز ناصيته، أي: الشعر المجاور لها مجازًا، (وأعتقه عن رقبة، زعم أنها كانت على أمه، فلما بلغ النبي عَّةِ خبرهم،) قال الحافظ: قد ظهر من حديث أنس أن اللَّه أخبره بذلك على لسان جبريل. وفي رواية عروة: فجاء خبرهم إِلى رسول اللَّه عَّهِ في تلك الليلة، (قال: هذا) سببه (عمل أبي براء) حيث أخذهم في جواره، (قد كنت لهذا كارهًا متخوفًا، فبلغ أبا براء فمات) عقب ذلك كما في الفتح، (أسفًا على ما صنع) ابن أخيه (عامر بن الطفيل،) ومات عامر بعد ذلك كافرًا بدعائه عليه السلام كما مر، وذكر أبو سعيد السكري في ديوان حسان روايته عن أبي جعفر بن حبيب. قال حسان لربيعة بن عامر: ملاعب الأسنة يحرضه بعامر بن الطفيل بإخفاء ذمة أبي براء: ألا من مبلغ عني ربيعًا فما أحدثت في الحدثان بعدي أبوك أبو الفعال أبو براء وخالك ماجد حكم بن سعد وأنتم من ذوائب أهل نجد بني أم البنين ألم يرعكم تحكم عامر بأبي براء ليخفره وما خطا كعمد فلما بلغ ربيعة هذا الشعر، جاء إلى النبي عَّه، فقال: يا رسول اللَّه أيغسل عن أبي هذه الغدرة أن أضرب عامرًا ضربة أو طعنة، قال: نعم، فرجع فضرب عامرًا ضربة أشواه بها، فوثب عليه قومه، فقالوا لعامر: اقتص، فقال: قد عفوت. قال في الإِصابة: لم أر من ذكر ربيعة في الصحابة، إِلاَّ ما تفيده هذه القصة، ورأيت له رواية عن أبي الدرداء؛ فكأنه عمر في الإِسلام. (وقتل عامر بن فهيرة) بضم الفاء، وفتح الهاء، وسكون التحتية، وراء وتاء تأنيث، أحد السابقين مولى أبي بكر، (يومئذ) وهو ابن أربعين سنة، (فلم يوجد جسده رضي اللَّه عنه، دفنته الملائكة؛) كما رواه ابن المبارك عن عروة. وفي الصحيح عنه: لما قتلوا وأسر عمر، وقال له عامر بن الطفيل: من هذا؟، فقال: هذا عامر بن فهيرة، فقال: لقد رأيته بعدما قتل رفع، إِلى السماء، حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض، ثم وضع وفي هذا تعظيم لعامر، وترهيب للكفار وتخويف، ومن ثم تكرر سؤال ٥٠٣ بئر معونة قال ابن سعد عن أنس بن مالك: ما رأيت رسول الله عَ ◌ّه وجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة. وفي صحيح مسلم عن أنس أيضًا: دعا عَِّ على الذين قتلوا أصحاب بثر معونة ثلاثین صباحا، ابن الطفيل عن ذلك. روى يونس عن ابن إسحق عن هشام، عن أبيه، لما قدم عامر بن الطفيل عليه عَّ الله قال له: من الرجل الذي لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض، حتى رأيت السماء دونه ثم وضع، فقال: هو عامر بن فهيرة. وفي رواية ابن المبارك عن عروة: و کان الذي قتله رجلاً من بني كلاب جبار بن سلمی، ذكر أنه لما طعنه، قال: فزت والله، قال: فقلت في نفسي ما قوله فزت، فأتيت الضحاك بن سفين، فسألته فقال: بالجنة، قال: فأسلمت ودعاني إلى ذلك ما رأيت من عامر بن فهيرة من رفعه إِلى السماء علوًا. قال البيهقي: يحتمل أنه رفع، ثم وضع، ثم فقد بعد ذلك، ثم روى عن عائشة موصولاً بلفظ: لقد رأيته بعدما قتل، رفع إلى السماء حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض، ولم يذكر فيها ثم وضع، ورواه بنحوه ابن سعد وعنده مرفوعًا: أن الملائكة وارت جثته، وأنزل في علیین. قال السيوطي: فقويت الطرق وتعددت بمواراته في السماء، وجبار بالجيم والموحدة، مثقل بن سلمى بضم المهملة، وقيل: بفتحها وسكون اللام والقصر،، صحابي كما في الإِصابة. ووقع في الاستيعاب أن عامر بن الطفيل قتل عامر بن فهيرة. قال الحافظ: وكأن نسبة ذلك له على سبيل التجوز لكونه كان رأس القوم. (قال،) أي: روى (ابن سعد) بسند صحيح (عن أنس بن لملك: ما رأيت رسول اللَّه عَ لّه وجد) بجيم، أي: حزن، (على أحد ما وجد على أهل بئر معونة،) لعل حكمته أنه لم يرسلهم لقتال إنما هم مبلغون رسالته، وقد جرت عادة العرب قديمًا بأن الرسل لا تقتل. (وفي صحيح مسلم) لا وجه لقصر عزوه له، كابن سيد الناس؛ فإِنه في صحيح البخاري أيضًا كلاهما، (عن أنس أيضًا دعا رسول اللَّه عَلَّم على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحًا. وفي البخاري أيضًا: فدعا عَّهِ شهرًا في صلاة الغداة بعد القراءة، وذلك بدء القنوت وما كنا نقنت. ٥٠٤ بئر معونة يدعو على رعل ولحيان وعصية عصت الله ورسوله، قال أنس: أنزل الله في الذين قتلوا يوم بئر معونة قرءانًا قرأناه ثم نسخ بعد - أي نسخت تلاوته - بلغوا قومنا إنا قد لقينا ربنا، فرضى عنا ورضينا عنه. وفي البخاري في الجهاد: فدعا عليهم أربعين صباحًا والأخبار بالأقل لا ينفي الزائد. (يدعو على رعل، ولحيان وعصية) بيان لتعيين المدعو عليهم، فلا يتكرر مع قوله أوّلاً دعا، (عصت اللَّه ورسوله) ليس حكمة التسمية بل بيان لما هم عليه من الفعل القبيح. (قال أنس: أنزل اللَّه في الذين قتلوا يوم بئر معونة قرآنًا قرأناه ثم نسخ بعد،) بالبناء على الضم. وفي رواية: ثم رفع، ذلك ولا حمد. ثم نسخ ذلك، (أي: نسخت تلاوته) وبقي معناه. قال في الروض: فإن قيل هو خبر، والخبر لا ينسخ، قلنا: لم ينسخ منه الخبر، وإنما نسخ الحكم؛ فإِن حكم القرءان أن يتلى في الصلاة، ولا يمسه إلا طاهر، ويكتب بين اللوحين وتعلمه فرض كفاية، فما نسخ رفعت منه هذه الأحكام، وإن بقي محفوظًا فهو منسوخ فإِن تضمن حكمًا، جاز أن يبقى ذلك الحكم معمولاً به، وإِن تضمن خبرًا بقي ذلك الخبر مصدقًا به، وأحكام التلاوة منسوخة عنه؛ كما نزل لو أن لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إِلاَّ التراب، ويتوب اللَّه على من تاب. ويروى: ولا يملأ عيني ابن آدم وفم ابن آدم، وكلها في الصحاح. وكذا روى من مال فهذا خبر حق، والخبر لا ينسخ، وإِنما نسخت أحكام تلاوته، قال: وكانت هذه الآية في سورة يونس بعد قوله: ﴿كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون﴾ [يونس: ٢٤] الآية، كما قال ابن سلام، انتهى. وفي رواية البخاري في الجهاد: فأخبر جبريل النبي عَّهِ، أنهم قد لقوا ربهم فرضي عنهم وأرضاهم، فكنا نقرأ: (بلغوا قومنا إِنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه). وفي رواية: فرضي عنا وأرضانا. وسبب نزوله أنهم قالوا: اللهم بلغ عنا نبينا، وفي لفظ: إِخواننا، إِنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا، فأخبره جبريل، فحمد الله وأثنى عليه فقال: إِن إِخوانكم ... الخ. قال الإِمام السهيلي: ثبت هذا في الصحيح وليس عليه رونق الإِعجاز، فيقال إنه لم ينزل بهذا النظم، ولكن بنظم معجز كنظم القرءان، انتهى. ٥٠٥ حديث بني النضير كذا وقع في هذه الرواية، وهو يوهم أن بني لحيان ممن أصاب القراء يوم بئر معونة، وليس كذلك. وإنما أصاب هؤلاء رعل وذكوان وعصية ومن صحبهم من سليم، وأما بنو لحيان فهم الذي أصابوا بعث الرجيع. وإنما أتى الخبر إلى رسول الله عَِّ عنهم كلهم في وقت واحد، فدعا على الذين أصابوا أصحابه في الموضعين دعاء واحدًا والله أعلم. خاتمة. [حديث بني النضير] ثم غزوة بني النضير - بفتح النون وكسر الضاد المعجمة - قبيلة كبيرة من اليهود، في ربيع الأول سنة أربعة. وذكرها ابن إسحق هنا. قال الحافظ اليعمري في العيون تبعًا لشيخه الدمياطي: (كذا وقع في هذه الرواية،) يدعو على رعل، ولحيان وعصية، (وهو يوهم أن بني لحيان ممن أصاب القراء يوم بئر معونة وليس كذلك، وإِنما أصاب هؤلاء) القراء (رعل، وذكوان وعصية ومن صحبهم من سليم،) كزعب بكسر الزاي، وسكون العين المهملة والموحدة. (وأما بنو لحيان فهم الذين أصابوا بعث الرجيع،) كما مر، (وإنما أتى الخبر إِلى رسول اللَّه عَّ عنهم كلهم في وقت واحد،) أي: في ليلة واحدة، كما قاله الواقدي، (فدعا على الذين أصابوا أصحابه في الموضعين دعاء واحدًا،) فيحمل على ذلك الحديث، ويندفع الإِيهام (والله أعلم). (خاتمة) ذكر صاحب شرف المصطفى، أنه عَّ لما أصيب أهل بئر معونة جاءت الحمى إليه فقال لها: اذهبي إلى رعل، وذكوان وعصية عصت اللَّه ورسوله، فأنتهم؛ فقتلت منهم سبعمائة رجل بكل رجل من المسلمين عشرة. قال شيخنا: وإِنما لم يخبره سبحانه وتعالى بما ترتب على ذهاب القراء، وأهل الرجيع قبل خروجهم، كما أخبره بنظير ذلك في كثير من الأشياء، لأنه سبق في علمه تعالى إكرامهم بالشهادة، وأراد حصول ذلك بمجيء أبي براء، ومن جاء في طلب أصحاب الرجيع. حديث بني النضير (ثم غزوة بني النضير بفتح النون، وكسر الضاد المعجمة،) فتحتية فراء (قبيلة كبيرة من اليهود)، دخلوا في العرب وهم على نسبتهم إِلى هرون عليه السلام (في ربيع الأول سنة أربعة، وذكرها) محمد (بن إسحق) بن يسار إمام أهل المغازي (هنا،) أي: بعد أحد وبئر معونة مجزومًا به في مغازيه، وعنه حكاه البخاري ووقع في رواية القابسي للصحيح إِسحق. قال عياض: وهو وهم، يعني أن الصواب ابن إسحق، ووقع في شرح الكرماني محمد بن ٥٠٦ حديث بني النضير قال السهيلي: وكان ينبغي أن يذكرها بعد بدر، لما روى عقيل ابن خالد وغيره عن الزهري قال: كانت غزوة بني النضير على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أحد. ورجح الداودي ما قاله ابن إسحق من أن غزوة بني النضير بعد بئر معونة، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم﴾ [الأحزاب/٢٦]. قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: وهو استدلال واه، فإن الآية نزلت في شأن بني إِسحق بن نصر. قال الحافظ: وهو غلط، إنما اسم جده يسار. (قال السهيلي: وكان ينبغي أن يذكرها بعد بدر، لما روى عقيل) بضم العين وفتح القاف (ابن خالد) الإِيلي (وغيره) كمعمر (عن الزهري،) وصدر به البخاري تعليقًا جزما عنه عن عروة، (قال: كانت غزوة بني النضير على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أحد). قال الحافظ: وصله عبد الرزاق في مصنفه عن معمر، عن الزهري أتم من هذا، وهو في حديثه عن عروة، ثم كانت غزوة بني النضير، وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكانت منازلهم ونخلهم بناحية المدينة فحاصرهم ع حتى نزلوا على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الإِبل من الأمتعة والأموال إِلاَّ الحلقة، يعني السلاح فأنزل اللَّه فيهم: ﴿سبح للَّ﴾. [الحديد: ١] الآية، إلى قوله: ﴿لأوّل الحشر﴾ [الحشر: ٢] الآية، وقاتلهم حتى صالحهم على الجلاء، فأجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان اللَّه قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسباء، فكان جلاؤهم أوّل حشر حشر في الدنيا إِلى الشام، انتهى وهذا مرسل، وقد وصله الحاكم عن عائشة، وصححه وقال في آخره: فأنزل الله: ﴿سبح للَّه ما في السموات وما في الأرض﴾ سورة الحشر. الآية، (ورجح الداودي) أحمد بن نصر الطرابلسي في شرح البخاري، (ما قاله ابن إِسحق من أن غزوة بني النضير بعد بئر معونة، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وأنزل الذين ظاهروهم﴾ [الأحزاب: ٢٦]) الآية، أي: عاونوا الأحزاب، (﴿من أهل الكتاب﴾ [الأحزاب: ٢٦]) الآية، وهم قريظة، (﴿من صياصيهم﴾ [الأحزاب: ٢٦] الآية،) حصونهم. (قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: وهو استدلال واه، فإِن الآية نزلت في شأن بني ٥٠٧ حديث بني النضير قريظة، فإنهم هم الذين ظاهروا الأحزاب، وأما بنو النضير فلم يكن لهم في الأحزاب ذكر، بل كان من أعظم الأسباب في جمع الأحزاب ما وقع من إجلائهم، فإنه كان من رؤوسهم حيي بن أخطب، وهو الذي حسن لبني قريظة الغدر، وموافقة الأحزاب حتى كان من هلاكهم ما كان فكيف يصير السابق لاحقًا. انتهى. وقد تقدم قريبًا أن عامر بن الطفيل أعتق عمرو بن أمية لما قتل أهل بئر معونة عن رقبة على أمه، فخرج عمرو إلى المدينة فصادف رجلين من بني عامر معهما عقد وعهد من قريظة؛ فإِنهم هم الذين ظاهروا الأحزاب،) وهي بعد بني النضير بلا ريب. (وأما بنو النضير فلم يكن لهم في الأحزاب ذكر، بل كان من أعظم الأسباب في جمع الأحزاب ما وقع،) بلا واو على الصواب المذكور في الفتح، لأنه اسم كان ولا تدخل عليه الواو، فنسخة الواو تحريف (من إِجلائهم؛ فإنه كان من رؤوسهم حيي) بلفظ تصغير حي (ابن أخطب) بفتح الهمزة وبالخاء المعجمة، (وهو الذي حسن لبني قريظة الغدر، وموافقة الأحزاب حتى كان من هلاكهم ما كان فكيف يصير السابق لاحقًا، انتهى) كلامه في انفتح ومنازعته إنما هي في الدليل فقط لقوله بعد نحو ورقة، وإذا ثبت أن سبب إِجلاء بني النضير همهم بالفتك به، وهو إنما وقع عندما جاء إليهم يستعين في دية قتيلي عمر، وتعين ما قاله ابن إسحق، لأن بئر معونة كانت بعد أحد بالاتفاق، وأغرب السهيلي، فرجح ما قاله الزهري، انتهى. لكن يقوّيه السبب الآتي صحيحًا مسندًا، وقد قدم البخاري قول الزهري عن عروة، وجرى عليه وضعًا، فذكر بني النضير عقب بدر فلم يغرب السهيلي في ترجيحه، لا سيما وقد ثبت عن عائشة عند الحاكم وصححه، وأما كون سببها ما ذكره ابن إسحق فهو مرسل كما يجيء،( وقد تقدم قريبًا). وذكره ابن إسحق عبد الله بن أبي بكر بن حزم، وغيره من أهل العلم؛ (أن عامر بن الطفيل أعتق عمرو بن أمية لما قتل أهل بئر معونة عن رقبة كانت على أمه، فخرج عمرو إِلى المدينة فصادف،) بالقرقرة من صدر قتادة، كما في ابن إِسحق بفتح القاف،، والنون (رجلين من بني عامر،) ثم من بني كلاب. قال ابن هشام: وذكر أبو عمرو المدني أنهما من بني سليم. قال ابن إسحق: حتى نزلا معه في ظل هو فيه، وكان (معهما عقد وعهد من رسول اللَّه عَّ لم يشعر به عمرو، فقال لهما عمرو: من أنتما؟، فذكرا له أنهما من بني عامر، ٥٠٨ حديث بني النضير رسول الله عٍَّ لم يشعر به عمرو، فقال لهما عمرو من أنتما؟ فذكرا له أنهما من بني عامر، فتركهما حتى ناما فقتلهما عمرو، وظن أنه ظفر ببعض ثأر أصحابه، فأخبر رسول الله عَّ له بذلك فقال: لقد قتلت قتيلين لأُدينهما. قال ابن إسحق وغيره: ثم خرج عليه الصلاة والسلام إلى بني النضير ليستعين بهم في دية ذينك القتيلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية، للجوار الذي كان عَِّ عقده، لهما، وكان بين بني النضير بني عامر عقد وحلف. فلما أتاهم عليه الصلاة والسلام يستعينهم في ديتهما قالوا: يا أبا القسم نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوه على مثل هذا الحال. وكان عَّ إلى جنب جدار من بيوتهم. قالوا: من رجل يعلو على هذا البيت فتركهما حتى ناما، فقتلهما عمرو، وظن أنه ظفر بثأر) بالهمز، وتركه (بعض أصحابه، فأخبر رسول اللَّه عَِّ بذلك) لما قدم عليه، (فقال: لقد قتلت قتيلين لأدينهما،) أي: لأعطين ديتهما لما بيننا وبينهما من العهد. (قال ابن إسحق، وغيره) الواقدي، وابنا سعد، وعائذ وجل أهل المغازي في سبب هذه الغزوة، (ثم خرج عليه الصلاة والسلام إلى بني النضير، ليستعين بهم في دية ذينك القتيلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية للجوار الذي كان عَّد عقده لهما،) كما حدثني يزيد بن رومان، (وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف) بكسر الحاء وسكون اللام. قال شيخنا: ولعل سؤالهم لسهولة الإِعطاء عليهم لكون المدفوع لهم من حلفائهم، إِذ لو كانوا أعداءهم لشق عليهم الإعطاء لهم، فاندفع ما قيل هذا يقتضي أن الحليف يلزمه دية من قتل من محالفيه، (فلما أتاهم عليه الصلاة والسلام يستعينهم في ديتهما، قالوا:) نعم (يا أبا القسم نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه،) يحتمل أنهم قالوا ذلك ليتمكنوا من تدبير ما أرادوه، ويحتمل أنه إنما طرأ لهم الغدر بعد حين رأوه جنب الجدار. وفي رواية: أنهم قالوا نفعل ما أحببت، قد آن لك أن تزورنا، وأن تأتينا، اجلس حتى تطعم وترجع بحاجتك، ونقوم فنتشاور ونصلح أمرنا فيما جئتنا به. (ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إِنكم لن تجدوه على مثل هذا الحال) منفردًا ليس معه من أصحابه إلا نحو العشرة، (وكان عٌَّ) قاعدًا (إلى جنب جدار من بيوتهم، قالوا من) بفتح الميم (رجل يعلو على هذا البيت فيلقي هذه الصخرة عليه،) هكذا في نقل المصنف كالفتح عن ابن إسحق، وظاهره أنها معينة. ٥٠٩ حديث بني النضير فيلقي هذه الصخرة عليه فيقتله ويريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه الصخرة ورسول الله عَلَّه في نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي. قال ابن سعد: فقال سلام بن مشكم لليهود: لا تفعلوا، والله ليخبرن بما هممتم، وإنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه. قال ابن إسحق: وأتى رسول الله عَِّ الخبر من السماء بما أردا القوم، فقام عليه الصلاة والسلام مظهرًا أنه يقضي حاجته، وترك أصحابه في مجلسهم، ورجع مسرعًا إلى المدينة. واستبطأ النبي عَِّ أصحابه، فقاموا في طلبه وفي سيرة ابن هشام عنه: وجرى عليه اليعمري فيلقي عليه صخرة، وظاهره أن المراد، أي: صخرة (فيقتله ويريحنا منه فانتدب لذلك عمرو بن جحاش) بفتح الجيم وشد الحاء المهملة آخره شين معجمة (بن كعب فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه الصخرة). وفي رواية: فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه (ورسول اللَّه عَّ في نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي،) زاد عكرمة وغيره: وعثمن وطلحة وعبد الرحمن بن عوف، رواه ابن جرير، وزاد غيره: والزبير وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير وسعد بن عبادة. (قال ابن سعد: فقال سلام) بالتشديد عند ابن الصلاح وغيره، ورجح الحافظ التخفيف مستندًا لوقوعه في أشعار العرب كقول أبي سفين: سقاني فروّاني كميتا مدامة على ظمأ مني سلام بن مشكم (ابن مشكم) بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة وفتح الكاف (لليهود: لا تفعلوا، واللَّه ليخبرن) بفتح اللام جوابًا للقسم والبناء للمفعول مؤكد بالنون الثقيلة، أي: ليخبره ربه (بما هممتم به، وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه). وفي رواية قال لهم: يا قوم أطيعوني في هذه المرة، وخالفوني الدهر، واللَّه لئن فعلتم ليخبرن بأنا قد غدرنا به وإِن هذا نقض للعهد الذي بيننا وبينه. (قال ابن إسحق: وأتى رسول اللَّه عَّ الخبر من السماء،) مع جبريل، (بما أراد القوم فقام عليه الصلاة والسلام مظهرًا،) أي: موهمًا، (أنه يقضي حاجته) ويرجع مخافة أن يفطنوا فيجتمعوا عليهم وهم قليل فقد يؤذون أصحابه. (و) لذا (ترك أصحابه في مجلسهم، ورجع مسرعًا إِلى المدينة، واستبطأ النبي أصحابه فقاموا في طلبه.) فقال لهم حيي: لقد عجل أبو القسم كنا نريد أن نقضي حاجته ونقريه، وندمت اليهود على ما صنعوا، فقال لهم كنانة بن صويراء بضم الصاد ٥١٠ حديث بني النضير حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما أرادت يهود من الغدر به. قال ابن عقبة: ونزل في ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن ببسطوا إليكم أيديهم﴾ الآية [المائدة/ ١١]. المهملة، وفتح الواو، وسكون التحتية وبألف التأنيث الممدودة: هل تدرون لمّ قام محمد؟ قالوا: واللَّه ما ندري وما تدري أنت؟، فقال: واللَّه أخبر بما هممتم به من الغدر، فلا تخدعوا أنفسكم، واللَّه إِنه لرسول اللَّه (حتى انتهوا إِليه))) فقالوا: قمت ولم نشعر، (فأخبرهم الخبر بما أرادت يهود من الغدر به). (قال) موسى بن عقبة: ونزل في ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إِذ هم قوم أن يبسطوا إِليكم أيديهم﴾ [المائدة: ١١] الآية،) وهكذا قاله عكرمة ويزيد بن أبي زياد ومجاهد وعاصم بن عمر وغيرهم في سبب النزول، كما أخرجه عنهم ابن جرير، وكله مرسل أو معضل، وقيل: نزلت لما أراد بنو ثعلبة وبنو محارب الفتك به معلّله فعصمه الله. وقال ابن عقبة في سبب الغزوة: وكانوا قد دسوا إلى قريش في قتاله عَّله فحضوهم على القتال ودلوهم على العروة. وروى ابن مردويه بسند صحيح وعبد بن حميد عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن لملك، عن رجل من أصحاب النبي عَّ قال: كتب كفار قريش إلى عبد الله بن أبي وغيره ممن يعبد الأوثان قبل بدر، يهددونهم بإِيوائهم النبي عَ ◌ّه وأصحابه، ويتوعدونهم أن يغزوهم بجمع العرب، فهم ابن أبي ومن معه بقتال المسلمين، فأتاهم النبي عَّله، فقال: ما كادكم أحد بمثل ما كادتكم قريش، يريدون أن يلقوا بأسكم بينكم، فلما سمعوا ذلك عرفوا الحق فتفرقوا، فلما كانت وقعة بدر كتب كفار قريش بعدها إلى اليهود أنكم أهل الحلقة والحصون يتهددونهم، فاجتمع بنو النضير على الغدر، فأرسلوا إِليه ◌َّ أخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك، ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإِن آمنوا بك اتبعناك، فاشتمل اليهود الثلاثة على الخناجر، فأرسلت امرأة من بني النضير إِلى أخ لها من الأنصار مسلم تخبره بأمرهم، فأخبر أخوها النبي عَِّ قبل أن يصدر إليهم، فرجع وصبحهم بالكتائب فحصرهم يومه، ثم غدا على بني قريظة فحاصرهم فعاهدوه، فانصرف عنهم إلى بني النضير، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإِبل إلا السلاح، فاحتملوا حتى أبواب بيوتهم، فكانوا يخربون بيوتهم فيهدمونها ويحملون ما يوافقهم من خشبها، وكان جلاؤهم ذلك أوَّل حشر الناس إلى الشام. قال في الفتح: وفي هذا رد على زعم ابن التين؛ أنه ليس في هذه القصة حديث بإِسناد، ٥١١ حديث بني النضير قال ابن إسحق: فأمر مَّه بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. ثم سار بالناس حتى نزل بهم فحاصرهم ست ليال. قال ابن إسحق: فتحصنوا منه في الحصون فقطع النخل وحرقها فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحق أن سبب غزوة بني النضير طلبه عٍَّ أن يعينوه في دية الرجلين، لكن وافقه جل أهل المغازي. (قال ابن إسحق: فأمر عَّه بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم). (قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم) إِمامًا على الصلاة، ولم يستعمل على أمرها أحدًا لقربها، لأن بينها وبين المدينة ميلين، كما قال البيضاوي. (ثم سار بالناس حتى نزل بهم، فحاصرهم ست ليال). وقال ابن سعد والواقدي وأبو معشر والبلاذري وابن حبان: خمسة عشر يومًا. وقال التيمي قريبًا من عشرین. وقال ابن الطلاع: ثلاثة وعشرين ليلة. وعن عائشة: خمسة وعشرين. وفي تفسير مقاتل: إِحدى وعشرين ليلة. وجمع شيخنا بأن حصار الستة كان وهم مصرون على الحرب طمعًا فيما متّاهم به المنافقون، وما زاد إلى الخمسة عشر كانوا آخذين في أسباب الخروج، وفيما بعد خرجوا في أوقات مختلفة، فكان آخر خروجهم خمسة وعشرين، وقد يؤيده ما في الشامية؛ أنه لما ولى إخراجهم محمد بن مسلمة، قالوا: إِن لنا ديونًا على الناس، فقال عَ له: («تعجلوا وضعوا»، فكان لأبي رافع سلام بن أبي الحقيق على أسيد بن حضير عشرون ومائة دينار إلى سنة، فصالحه على أخذ رأس ماله ثمانين دينارًا، وأبطل ما فضل انتهى. (قال ابن إسحق: فتحصنوا منه في الحصون فقطع النخل،) أي: أمر بقطعها أبا ليلى المازني وعبد الله بن سلام، فكان أبو ليلى يقطع العجوة وابن سلام يقطع اللين، فقيل لهما في ذلك، فقال أبو ليلى: كانت العجوة أحرق لهم. وقال ابن سلام: قد عرفت أن اللَّه سيغنمه أموالهم، وكانت العجوة خير أموالهم، فلما قطعت العجوة شق النساء الجيوب وضربن الخدود ودعون بالويل، (وحرقها) بشد الراء، كما ضبط به المصنف قول ابن عمر: حرق رسول اللَّه عَّ ةِ نخل بني النضير، وقطع، ويجوز ٥١٢ حديث بني النضير وخرب. فنادوه: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها. قال السهيلي: قال أهل التأويل: وقع في نفوس بعض المسلمين من هذا الكلام شىء حتى أنزل الله: ﴿ما قطعتم من لينة)إلى قوله: ﴿وليخزي الفاسقين﴾ [الحشر/٥] واللينة: ألوان التمر ما عدا العجوة والبرني. التخفيف وهو بمعناه كما في القاموس. وذكر المصباح أن حرق إِذا أكثر الإِحراق. قال شيخنا: وعليه فالأنسب التخفيف لقول البغوي، قيل: قطعوا نخلة وأحرقوا نخلة، وقيل: جملة ما قطع وحرق ست نخلات، وكتبنا عنه في التقرير أن المناسب هنا التشديد؛ كأنه بولغ في التحريق والقطع حتى أنكاهم، ونادوه: يا محمد، وشق النساء الجيوب الخ، ولا ينافي ذلك قول البغوي بفرض صحته لأنهم ظنوا أنه عليه السلام يديم ذلك. (وخرب) أماكنهم، أي: تسبب في خرابها بقطع نخيلهم التي هي قوام أمرهم، وهذا لم يقع في ابن إسحق، ولا في نقل الفتح والعيون عنه، ولا يحمل على يخربون بيوتهم؛ لأنه إنما وقع بعد موافقتهم على الجلاء، (فنادوه: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه،) أي: تعده عيبًا، (على من صنعه فما بال،) أي: حال (قطع النخل وتحريقها) أهو فساد أم صلاح؟ توبيخ على قطعه. (قال السهيلي: قال أهل التأويل: وقع في نفوس بعض المسلمين من هذا الكلام شىء،) فخافوا أن يكون فعلهم فسادًا، وبعض المسلمين قال: بل نقطع لنغيظهم بذلك، وكان أولئك لم يسمعوا أمر النبي عَّهِ الذي لا ينطق عن الهوى بالقطع والتحريق، فاعتقدوا أنه باجتهاد من القاطعين، أو زيادة المباشر على أمره، أو أنه للتهديد، فلا يلزم القطع بالفعل، أو ذلك ممن قرب عهده بالإِسلام. وفي تفسير السبكي: أن من كان يقطع الأجود يقصد إِغاظة الكفار، ومن كان يبقيه يقصد إِبقاءه للنبي عَ له انتهى واستمر ما في نفوسهم، (حتى أنزل اللَّه) تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة﴾ [الحشر: ٥] الآية» بيان لما المنصوب محلاً بقطعتم، كأنه قيل: أي شىء قطعتم (الآية، إلى قوله:) يريد أو تركتموها قائمة على أصولها، فبإذن اللّه قطعها وتركها ومشيئته (﴿ليخزي﴾ [الحشر: ٥] الآية) بالإِذن في القطع (﴿الفاسقين﴾ [الحشر: ٥] الآية، اليهود في اعتراضهم؛ بأن قطع شجر المثمر فساد، وفيه جواز قطع الشجر الكفار، وإِحراقه، وبه قال الجمهور كلملك والثوري والشافعي وأحمد. (واللينة) بالياء المنقلبة عن الواو لكسر اللام، وجمعها ليان، مثل كتاب، (ألوان) أى: أنواعٍ (التمر) كلها (ما عدا العجوة والبرف.(٤) هكذا قاله في الروض تبعًا لابن ٥١٣ حديث بني النضير ففي هذه الآية أنه مَّةٍ لم يحرق من نخلهم إلا ما ليس بقوت الناس، وكانوا يقتاتون العجوة، وفي الحديث العجوة من الجنة هشام، عما حدثه أبو عبيدة به. قال ذو الرمة: كان فؤادي فوقها عش طائر على لينة سوقاء تهفو جنوبها وصدر به المصنف في شرح البخاري، وقابله بقوله، وقيل: كرام النخل، وقيل: كل الأشجار للينها وأنواع نخل المدينة مائة وعشرون نوعًا انتهى. وفي الجامع والمصباح والأنوار: اللينة: النخلة، وقيل: الدقل بفتحتين أرداً التمر. وعن الفراء كل شىء من النخل سوى العجوة، فعلى كلام هؤلاء في تفسيره تسمح لأن اللينة النخلة لا ثمرها. (ففي هذه الآية: أنه عٍَّ لم يحرق من نخلهم إلا ما ليس بقوت للناس،) ولا يشكل بما روى أنه لما قطع العجوة شق النساء الجيوب، وضربن الخدود ودعون بالويل، إما لقلة ما قطع من العجوة، فلم يعتد به أو لأن الحاصل الهم لا القطع بالفعل، (وكانوا يقتاتون العجوة) عطف علة على معلول، ووجه دلالة الآية أن اللينة اسم لما عداها. وعند البرني: وإنما كانوا يقتاتونها، وكان موضع نخل بني النضير يقال له البويرة بضم الموحدة، رسكون التحتية، وفتح الراء بعدها هاء تأنيث قاله المصنف. وفي الصحيح عن ابن عمر: حرق رسول اللَّه عَِّ نخل بني النضير، وقطع وهي البويرة، فنزل: ﴿ما قطعتم من لينة﴾ الآية، أو تركتموها قائمة على أصولها، فبإذن الله. وفي الفتح: البويرة بضم الموحدة مصغر بورة وهي الحفرة، وهي هنا مكان معروف بين المدينة وبين تيما من جهة مسجد قباء إلى جهة الغرب، ويقال لها أيضًا البويلة باللام، بدل الراء، انتھی. فجميع نخلهم بهذا الموضع، فلا يقال القطع في جميع بساتينهم، بل في موضع يقال له البويرة كما زعم، لأن البويرة اسم لموضع البساتين التي فيها النخل لا لبستان منها يسمى بذلك. (وفي الحديث) الذي رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة وأحمد والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد وجابر عنه عَّهِ: (العجوة من الجنة،) ولأبي نعيم في الطب عن بريدة من فاكهة الجنة. قال الحليمي وغيره: أي في الاسم والشبه الصوري، لا اللذة والطعم، لأن طعام الجنة لا يشبه طعام الدنيا، غير أن ذلك الشبه يكسبها فخرًا وفضلاً؛ ولذا قال في بقية الحديث: وفيها شفاء من السم، وذلك لأنه قاتل وثمر الجنة خال من المضار، فإِذا اجتمعا في جوف عدل ٥١٤ حديث بني النضير وتمرها يغذو أحسن غذاء والبرني أيضًا كذلك. ففي قوله تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة﴾ولم يقل من نخلة على العموم، تنبيه على كراهة قطع ما يقتات ويغذو من شجر العدو إذا رجي أن يصل إلى المسلمين. قال ابن إسحق: وقد كان رهط من بني عوف بن السليم الفاسد فدفع الضرر. وقال البيضاوي: يريد المبالغة في الاختصاص بالمنفعة والبركة، فكأنها من طعامها لأن طعامها؛ يزيل الأذى، أو المراد أن أصلها نزل به آدم من الجنة. روى الثعلبي عن ابن عباس: هبط آدم من الجنة بثلاثة أشياء: بالآسة وهي سيدة ريحان الدنيا، والسنبلة وهي سيدة طعام الدنيا، والعجوة وهي سيدة ثمار الدنيا، وهو ظاهر ما رواه أحمد، وابن ماجه وصححه الحاكم مرفوعًا: العجوة، والصخرة والشجرة من الجنة، (وتمرها يغذو أحسن غذاء). قال السمهوري: لم يزل أطباق الناس على التبرك بالعجوة، وهو النوع المعروف الذي يأثره الخلف عن السلف بالمدينة، ولا يرتابون في تسميته بذلك. وقال ابن الأثير: ضرب من التمر أكبر من الصيحاني، مما غرسه المصطفى بيده بالمدينة. (والبرني أيضًا كذلك،) كانوا يقتاتونه لأنه يغذوّ أحسن غذاء، فليس تشبيهًا في كل ما سبق حتى يشمل أنه من الجنة كالعجوة لعدم وروده. وفي الفتح: والبرني دون اللينة، وأسقط المصنف من كلام الروض عقب قوله كذلك ما لفظه. وقال أبو حنيفة: معناه بالفارسية: حمل مبارك، فإِن بر معناه حمل وني، ومعناه جيد أو مبارك، فعربته العرب وأدخلته في كلامها. وفي حديث وفد عبد القيس أَن رسول اللَّه عَّه قال لهم، وذكر البرني أنه من خير تمركم، وإنه دواء وليس بداء، (ففي قوله تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة﴾ [الحشر: ٥] الآية، ولم يقل من نخلة على العموم، تنبيه على كراهة قطع ما يقتات، ويغذو من شجر العدو، إِذا رجى أن يصل إلى المسلمين،) وقد كان أبو بكر يوصي الجيوش، أن لا يقطعوا شجرًا مثمرًا، وأخذ بذلك الأوزاعي، فأما تأولوا حديث بني النضير، وإِما رأوه خاصّا برسول اللَّه عَّهِ إِلى هنا كلام الروض. (قال ابن إسحق: ) عقب ما مر عنه قبل كلام السهيلي، (وقد كان رهط من بني عوف بن ٥١٥ حديث بني النضير الخزرج منهم عبد الله بن أبي بن سلول بعثوا إلى بني النضير: أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم. فتربصوا، فقذف في قلوبهم الرعب، فلم ينصروهم. فسألوا رسول الله عَّي أن يجليهم عن أرضهم ويكف عن دمائهم. وعند ابن سعد: أنهم حين هموا بغدره معَّه وأعلمه الله بذلك، بعث إليهم محمد بن مسلمة: أن أخرجوا من بلدي فلا تساكنوني بها، وقد هممتم بما هممتم به من الغدر، وقد أجلتكم عشرًا، فمن رؤي منكم بعد ذلك ضربت عنقه. فمكثوا على ذلك أيامًا يتجهزون، وتكاروا من أناس من أشجع إبلاً، فأرسل الخزرج،) منافقون (منهم: عبد اللَّه بن أبي بن سلول،) رأسهم وديعة بن لملك بن أبي قوقل، وسويد وداعس، (بعثوا) سويدًا وداعشًا (إلى بني النضير،) حين هموا بالخروج، كما عند ابن سعد؛ ولذا عقب بها المصنف رواية ابن إسحق هذه تبعًا لما في العيون قصدًا إلى الإحاطة بالروايتين: (أن اثبتوا وتمتعوا). قال البرهان: بتشديد النون المفتوحة، (فإِنا لن نسلمكم إِن قوتلتم قاتلنا معكم، وإِن أخرجتم خرجنا معكم فتربصوا،) أي: انتظروا ذلك، (فقذف اللَّه في قلوبهم الرعب،) بقتل سیدهم کعب بن الأشرف. روى عبد بن حميد: أن غزوة بني النضير كانت صبيحة قتل كعب بن الأشرف، (فلم ينصروهم،) وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين نافقوا﴾ الآية، إلى قوله: ﴿ كمثل الذين من قبلهم﴾ الآية، قاله ابن إسحق. (فسألوا رسول اللَّه عَّ أن يجليهم،) يخرجهم، (عن أرضهم،) وكان لهم الجلاء نقمة من اللَّه، (ويكف عن دمائهم،) أي: بعد سؤالهم في أنه يخرجهم مع بقاء أموالهم لهم، كما أمرهم أولاً، فقال: لا أقبله اليوم كما ذكر ابن سعد. (وعند ابن سعد أنهم حين هموا بغدره ◌َِّ، وأعلمه اللَّه بذلك)، نهض سريعًا إِلى المدينة، (بعث إليهم محمد بن مسلمة) الأنصاري؛ (أن اخرجوا من بلدي) المدينة، لأن مساكنهم من أعمالها، فكأنها منها، (فلا تساكنوني بها، وقد هممتم بما هممتم به من الغدر) جملة حالية، (وقد أجلتكم عشرًا فمن رؤي منكم بعد ذلك ضربت) بالبناء للمفعول (عنقه) يذكر ويؤنث، وهو لغة الحجاز بمعنى أنه يأذن إِذنًا عامًا بقتل كل يهودي، (فمكثوا على ذلك أيامًا). روى البيهقي في الدلائل عن محمد بن مسلمة أنه عَّه بعثه إلى بني النضير، وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثة أيام، (يتجهزون وتكاروا،) أي: اكتروا، (من أناس من أشجع إِبلاً، ٥١٦ حديث بني النضير إليهم عبد الله بن أبي: لا تخرجوا من دياركم، وأقيموا في حصونكم، فإن معي ألفين من قومي من العرب يدخلونٍ حصونكم وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان، فطمع حبي فيما قاله ابن أبي، فأرسل إلى رسول الله عَّه، إنا لن نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك. فأظهر مَِّ التكبير، وكبر المسلمون بتكبيرة، وسار إليهم عليه الصلاة والسلام في أصحابه، فصلى العصر بفناء بني النضير، وعلي يحمل رايته، فلما رأوا رسول الله عَّه قاموا على حصونهم، ومعهم النبل والحجارة، واعتزلهم ابن أبي ولم يمنعهم، وكذا حلفاؤهم من غطفان، فأرسل إليهم عبد الله بن أبي) سويداء وداعسًا: (لا تخرجوا من دياركم، وأقيموا في حصونكم؛ فإِن معي ألفين من قومي من العرب يدخلون حصونكم وتمدكم قريظة) بالظاء المعجمة المشالة، (وحلفاؤكم من غطفان، فطمع حيي فيما قاله ابن أبي، فأرسل إلى رسول اللَّه ◌ِّر) مع أخيه جدي بضم الجيم، وفتح الدال المهملة وشد التحتية، (إنا لن نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك، فأظهر عَِّ التكبير، وكبر المسلمون بتكبيره)،) وقال: حاربت جهود، (وسار إليهم عليه الصلاة والسلام في أصحابه،) قيل: مشى المسلمون إليهم على ارجلهم، لأنهم كانوا على ميلين، وركب عليه السلام على حمار فحسب، (فصلى العصر بفناء بني النضير وعلي رضي الله عنه يحمل رايته، فلما رأوا رسول اللَّه عَِّ قاموا على حصونهم ومعهم النبل والحجارة)، واعتزلتهم قريظة فلم تعنهم، (واعتزلهم ابن أبي، ولم يمنعهم، كذا حلفاؤهم من غطفان،) فقال ابن مشكم وكنانة لحيي: أين الذي زعمت؟، قال: ما أصنع هي ملحمة كتبت علينا وحملت معه عٍَّ حين سار قبة من خشب عليها مسوح، أرسل بها إِليه سعد بن عبادة، فلما صلى العشاء رجع إلى بيته في عشرة من أصحابه، واستعمل على العسكر عليًا، ويقال أبا بكر، وبات المسلمون يحاصرونهم حتى أصبحوا، ثم أذن بلال بالفجر فغدا عليه. في أصحابه الذين كانوا معه فصلى بالناس في فضاء بني خطمة، وأمر بلالاً فضرب القبة في موضع المسجد الصغير الذي بفناء بني خطمة، ودخلها عَّهِ وكان عزوك اليهودي أعسر راميًا، فيرمى فيبلغ القبة فحولت إلى مسجد الفضيخ بفاء مفتوحة، فضاد وخاء معجمتين بينهما تحتية، فتباعدت من النبل، ففقد علي في ليلة قرب العشاء، فقال الناس: يا رسول اللَّه ما نرى عليًا، فقال: ((دعوه فإِنه في بعض شأنكم)) فعن قليل جاء برأس عزوك، وقد كمن له حين خرج يطلب غرة من المسلمين، وكان شجاعًا راميًا فشد عليه، فقتله وفر من كان معه، وبعث عَّ خلفهم ٥١٧ حديث بني النضير فيئسوا من نصرهم، فحاصرهم عليه، وقطع نخلهم، وقال لهم عليه الصلاة والسلام: اخرجوا منها، ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلا الحلقة . - بإسكان اللام قال في القاموس: الدرع - فنزلت يهود على ذلك فحاصرهم خمسة عشر يومًا، فكانوا يخربون بيوتهم بأیدیھم. ثم أجلاهم عن المدينة وولي إخراجهم محمد بن مسلمة. وحملوا النساء والصبيان، وتحملوا أمتعتهم على ستمائة بعير أبا دجانة وسهل بن حنيف في عشرة، فأدركوا اليهود الذين فروا من علي، فقتلوهم وطرحوا رؤوسهم في بعض الآبار، انتهى من السبل، (فيئسوا من نصرهم فحاصرهم عَّ. وقطع نخلهم). زاد ابن سعد، فقالوا: نحن نخرج من بلادك، فقال: لا أقبله اليوم، (وقال لهم عليه الصلاة والسلام: أخرجوا منها ولكم دماؤكم وما حملت الإِبل إِلَّ الحلقة بإِسكان اللام). (قال في القاموس: الدرع)، وقيل: السلاح كله، حكاه في النور، واقتصر عليه المصباح، وهو المراد هنا لقوله بعد، ووجد من الحلقة الخ. (فنزلت يهود على ذلك وكان حاصرهم خمسة عشر يومًا،) وقيل: أكثر وأقل كما مر بالجمع. (فكانوا) كما قال الله تعالى: (يخربون) بالتشديد والتخفيف، من أخرب، (بيوتهم بأيديهم) لينقلوا ما استحسنوه منها من خشب وغيره وأيدي المؤمنين يخربون باقيها. وفي الروض: يخربونها من داخل والمؤمنون من خارج، وقيل: معنى بأيديهم بما كسبت أيديهم من نقض العهد وأيدي المؤمنين، أي: بجهادهم انتهى، (ثم أجلاهم عن المدينة؛) لأنه كتب عليهم كما في التنزيل ولولا، أي: كتب اللَّه عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا، أي: بالقتل والسباء ولهم في الآخرة عذاب النار مع ذلك؛ فلذا لم يستأصلهم بالقتل، أو لأنه رآه مصلحة وإِن حربهم قد يؤدي إلى سفك دماء المسلمين، وقد يرجع حلفاؤهم، ويعينونهم، (وولي إخراجهم محمد بن مسلمة،) الأنصاري، (وحملوا النساء والصبيان) على الهوادج، وعليهن الديباج والحرير والخز الأخضر والأحمر وحلى الذهب والفضة والمعصفر، وأظهروا تجلدًا عظيمًا. قال ابن إسحق: حدثني عبد الله بن أبي بكر؛ أنه حدث أنهم خرجوا بالنساء والأبناء والأموال، معهم الدفوف والمزامير والقينات، يعزفن خلفهم بزهاء وفخر لم ير مثله، قال: ولم يسلم منهم إلا يامين بن عمير وأبو سعد بن وهب، فأحرزا أموالهما. قال: وحدثني بعض آل يامين؛ أنه عَ ل قال له: ((ألم تر ما لقيت من ابن عمك وما هم به من شأني))، فجعل يامين لرجل من قيس عشرة دنانير، ويقال خمسة أوسق من تمر على أن يقتل عمرو بن جحاش فقتله غيلة، (وتحملوا) بمعنى احتملوا، أي: حملوا (أمتعتهم على ستمائة بعير ٥١٨ حديث بني النضير فلحقوا بخيبر. وحزن المنافقون عليهم حزنًا شديدًا. وقبض عَُّلِّ الأموال، ووجد من الحلقة خمسين درعًا وخمسين بيضة، وثلاثمائة وأربعين سيفًا. وكانت بنو النضير صفيًا لرسول الله عَّه حبسًا لنوائبه، ولم يسهم منها فلحقوا بخيبر،) أي: أكثرهم منهم حيي وسلام بن أبي الحقيق وكنانة بن صويرا فدان لهم أهلها، وذهبت طائفة منهم إلى الشام؛ كما في الشامية، ولا ينافيه قول البيضاوي لحق أكثرهم بالشام، لجواز أَن الأكثر نزلوا أوّلاً بخيبر، ثم خرج منهم جماعة إلى الشام؛ فكان جملة من لحق به بآخرة الأمر أكثرهم. لكن في ابن إسحق، فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إِلى الشام، فكان أشرافهم من سار إلى خيبر سلام وكنانة وحيي. وفي الخميس ذهب بعضهم إلى الشام إِلى أذرعات وأريحاء، ولحق أهل بيتين وهم آل أبي الحقيق وآل حيي بخيبر انتهى. وفي الروض روى موسى بن عقبة؛ أنهم قالوا: إلى أين نخرج يا محمد؟، قال: ((إِلى الحشرة، يعني أرض المحشر، وهي الشام، وقيل: كانوا من سبط لم يصبهم جلاء؛ فلذا قال الأوَّل الحشر، والحشر الجلاء، وقيل: الحشر الثاني، هو حشر النار التي تخرج من قعر عدن، فتحشر الناس إلى الموقف، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتأكل من تخلف، والآية متضمنة لهذه الأقوال كلها، ولزائد عليها لإِيذانها أن ثم حشرًا آخر؛ فكان هذا الحشر والجلاء إِلى خيبر، ثم أجلاهم عمر منها إِلى تيماء وأريحاء حين بلغه خبر لا يبقين دينان بأرض العرب، انتهى. (وحزن المنافقون عليهم حزنًا شديدًا،) لكونهم إِخوانهم (وقبض عَِّ الأموال، ووجد من الحلقة) السلاح كله (خمسين درعًا وخمسين بيضة،) أي: خودة، (وثلاثمائة وأربعين سيفًا، وكانت بنو النضير صفيًا) بالتشديد، أي: مختارة (لرسول اللَّه عَلَّه). قال في الروض: لم يختلفوا أن أموالهم كانت خاصة به عَّه، وأن المسلمين لم يوجفوا عليهم بخيل ولا ركاب وأنه لم يقع قتال أصلاً، (حبسًا) بضم الحاء، وإِسكان الموحدة وبالسين المهملة، أي: وقفا كما في النور ولعله الرواية، وإلا ففي المصباح الحبس بضمتين وإِسكان الثاني للتخفيف لغة (لنوائبه،) أي: ما يعرض له من النوازل جمع نائبة فكان ينفق منها على أهله، ويزرع تحت النخل ويدخر قوت أهله سنة من الشعير والتمر لأزواجه وبني عبد المطلب، وما ٥١٩ حديث بني النضير الأحد، لأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، وإنما قدف في قلوبهم الرعب، وأجلوا عن منازلهم إلى خيبر، ولم يكن ذلك عن قتال من المسلمين لهم، فقسمها عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين ليرفع بذلك مؤنتهم عن الأنصار، إذ ! قد قاسموهم في الأموال والديار، فضل جعله في السلاح والكراع بضم الكاف وخفة الراء، أي: جماعة الخيل، (ولم يسهم منها الأحد، لأن المسلمين لم يوجفوا عليها،) أي: يحركوا ويتعبوا في السير. قال عبد الملك بن هشام: أوجفتم: حركتم وأتعبتم في السير. قال الشاعر: مذاويد بالبيض الحديث صقالها عن الركب أحيانًا إِذا القوم أوجفوا والوجيف وجيف القلب والكبد، وهو الضربان، (بخيل ولا ركاب وإِنما قذف في قلوبهم الرعب وأجلوا عن منازلهم إلى خيبر ولم يكن ذلك عن قتال من المسلمين لهم،» فكانت له معَة خاصة يضعها حيث شاء كما حكى عليه السهيلي الاتفاق وأقره الحافظ، وفي الخميس أكثر الروايات على أن أموال بني النضير وعقارهم كان فيئًا له عَِّ خاصة له خصها اللَّه حبسًا لنوائبه، لم يخمسها، ولم يسهم منها لأحد؛ كما هو مذهب الإمام أبي حنيفة. وورد في بعض الروايات أنه خمسها. وذهب إليه الإمام الشافعي، (فقسمها عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين ليرفع بذلك مؤنتهم،) أي: مشقتهم، (عن الأنصار) باعتبار ما في نفس الأمر، وإِن رأى الأنصار ذلك من أجل النعم، كما في التنزيل: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ [الحشر: ٩] الآية، (إِذ كانوا قد قاسموهم في الأموال والديار،) لما هاجروا وَآخى بينهم عَُّ، فذهب كل أنصاري بالمهاجري الذي واخى بينه وبينه عَّهِ إِلى منزله وكفاه المؤنة، ثم تنافسوا حتى آل أمرهم إِلى القرعة، فأي أنصاري تخرج القرعة باسمه يذهب بالمهاجري، فبلغت مواساتهم الغاية القصوى حتى ورد في الصحيح: أن سعد بن الربيع الأنصاري قال لأخيه عبد الرحمن ابن عوف: هلم أقسم مالي بيني وبينك نصفين ولي امرأتان أنظر أعجبهما إِليك أطلقها، فإِذا انقضت عدتها فتزوّجها، فقال عبد الرحمن: بارك اللَّه لك في أهلك وملك. روى الحاكم في الإكليل من طريق الواقدي بسنده عن أم العلاء قالت: طار لنا عثمن بن مظعون في القرعة، فكان في منزلي حتى توفي. قالت: فكان المهاجرون في دورهم وأموالهم، فلما غنم عَيّ بني النضير دعا ثابت بن قيس بن شماس، فقال: ادع لي قومك. قال ثابت: الخزرج، فقال عَّهِ: ((الأنصار كلها))، فدعا له الأوس والخزرج فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم ذكر الأنصار وما صنعوا بالمهاجرين، وإنزالهم إياهم في منازلهم وأموالهم، وأثرتهم على 1 ٥٢٠ حديث بني النضير غير أنه أعطى أبا دجانة وسهل بن حنيف لحاجتهما. وفي الإكليل: وأعطى سعد بن معاذ سيف بن أبي الحقيق، وكان سيفًا له ذكر عندهم. أنفسهم، ثم قال: ((إِن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء اللَّه عليَّ من بني النضير))، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم، فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ: يا رسول اللَّه بل تقسم بين المهاجرين، ويكونون في دورنا كما كانوا، وقالت الأنصار: رضينا وسلمنا يا رسول اللَّه، فقال مَّهِ: ((اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وقسم ما أفاء اللَّه)، وأعطى المهاجرين ولم يعط أحدًا من الأنصار شيئًا. (غير أنه أعطى أبا دجانة وسهل بن حنيف لحاجتهما). وعند ابن إسحق؛ أنهما ذكرا فقرا فأعطاهما. قال السهيلي: وقال غير ابن إسحق: أعطى ثلاثة، فذكر الحرث بن الصحة انتهى، ونظر فيه بأنه قتل في بئر معونة، ولذا تركه المصنف، والنظر إِنما يأتي على أنها بعدها، أما على قول عروة أنها قبلها بمدة فلا نظر. (وفي الإِكليل) لأبي عبد اللَّه الحاكم بقية حديثه الذي سقته، (وأعطى سعد بن معاذ سيف) سلام (بن أبي الحقيق) بحاء مضمومة، فقاف مفتوحة، فتحتية ساكنة ثم قاف أخرى، (وكان سيفًا له ذكر عندهم). وذكر البلاذري أنه عَّم قال للأنصار: ((ليست لإِخوانكم من المهاجرين أموال؛ فإِن شئتم قسمت هذه وأموالكم بينكم وبينهم جميعًا، وإِن شئتم أمسكتم أموالكم وقسمت هذه خاصة))، فقالوا: بل اقسم هذه فيهم، واقسم لهم من أموالنا ما شئت، فنزلت: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ [الحشر: ٥] الآية. قال أبو بكر الصديق: جزاكم اللَّه خيرًا يا معشر الأنصار، فوالله ما مثلنا ومثلكم إِلاَّ كما قال الغنوي: وهو بالمعجمة والنون: جزى اللَّه عنا جعفرًا حين أزلقت بنا نعلنا في الواطئين فزلت أبوا أن يملونا ولو أن أمنا تلاقي الذي يلقون منا لملت قال: وكان يزرع تحت النخيل في أرضهم، فيدخر من ذلك قوت أهله وأزواجه سنة، وما فضل جعله في الكراع والسلاح انتهى، فهذا صريح في أنه لم يقسم الأرض والنخل بين المهاجرين بل الدور والأموال. قال ابن إسحق: ونزل في أمر بني النضير سورة الحشر بأسرها. قال السهيلي: اتفاقًا، انتهى.