النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
غزوة أحد
من أصحاب رسول الله عَّ يجدعن الآذان والآنف، وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها
فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها.
الميم وإسكان الثاء، أي: نكل، والاسم المثلة بالضم، ومثل بالفتيل جدعه وكثير من الناس يشدد
مثل، وكأنه إذا أريد التكثير يجوز ذلك. (من أصحاب رسول اللَّه عَ ل يجدعن،) بفتح الياء
وإسكان الجيم وخفة الدال، وكأنه إذا أريد المبالغة يجوز التشديد، أي: يقطعن (الآذان والآنف)
بفتح الهمزة الممدودة وضم النون قاله کله البرهان.
قال ابن إسحق: حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنفهم خدمًا وقلائد، وأعطت خدمها،
وقلائدها، وقرطها وحشيًا الخدم، بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة، الخلاخيل الواحدة
خدمة، (وبقرت) بموحدة وقاف،، أي: شقت، (عن كبد حمزة رضي اللَّه عنه فلاكتها، فلم
تستطع أن تسیغها).
قال البرهان: يقال: ساغ الشرابٍ، يسوغ سوغًا، أي: سهل مدخله في الحلق، وسغته أنا
أسوغه وأسيغه يتعدى ولا يتعدى، والأجود أَسغته إِساغة، (فلفظتها) طرحتها، ولا ينافي هذا
ما ذكره الواقدي وغيره أن وحشيًا لما قتل حمزة شق بطنه وأخرج كبده، فجاء بها إلى هند فقال:
هذه كبد حمزة، فمضغتها ثم لفظتها وقامت معه حتى أراها مصرع حمزة، فقطعت من كبده،
وجدعت أنفه لأن الذي أخذه وجاء به إليها بعض الكبد، ثم أخذت هي باقيه كما هو صريحه.
قال ابن إسحق: ثم علت، أي: هند، على صخرة مشرفة، فصرخت بأعلى صوتها، فقالت:
نحن جزيناكم بيوم بدر والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر ولا أخي وعمه وبكر
شفيت نفسي وقضيت نذري شفيت وحشي غليل صدري
فشكر وحشي على عمري حتى ترم أعظمي في قبري
فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب المطلبية، أخت مسطح:
خزيت في بدر وبعد بدر يا بنت وقاع عظيم الكفر
صبحك اللَّه غداة الفجر بالهاشميين الطوال الزهر
بكل قطاع حسام يفري حمزة ليثي وعلى صقري
إذ رام شيب وأبوك غدري فخضبا منه ضواحي النحر
ونذرك السوء فشر نذر
قال الحافظ أبو الربيع في الاكتفاء: هذا قول هند، والكفر يحنقها، والوتر يقلقها، والحزن
يحرقها، والشيطان ينطقها، ثم إن اللَّه هداها للإِسلام، وعبادة اللَّه وترك الأصنام، وأخذ بحجزتها

٤٤٢
غزوة أحد
ولما أراد أبو سفين الانصراف أشرف على الجبل، ثم صرخ بأعلى صوته:
أنعمت فعال، إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر، أعل هبل.
وكان أبو سفين حين أراد الخروج إلى أحد، كتب على سهم نعم، وعلى
آخر: لا، وأجالها عند هبل، فخرج سهم نعم، فخرج إلى أحد، فلما قال: أعل
هبل، أي زد علوًا.
قال رسول الله عَّ لعمر أجبه فقل: الله أعلى وأجل.
فقال أبو سفين:
عن سوء النار، ودلها على دار السلام فصلحت حالها، وتبدلت أقوالها حتى قالت له عَ له: والله
يا رسول اللَّه ما كان على أهل الأرض أهل خباء أحب إليّ أن يذلوا من أهل خبائك، وما أصبح
اليوم أهل خباء أحب إليّ أن يعزوا من أهل خبائك، فالحمد للَّه الذي هدانا برسوله أجمعين،
انتھی.
(ولما أراد أبو سفين الانصراف، أشرف على الجبل، ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت،)
روي بفتح التاء خطابًا لنفسه وبسكونها، أي الواقعة، أو الحرب، أو الأزلام، (فعال) بفتح الفاء
وتخفيف المهملة، (إن الحرب سجال) بكسر المهملة وخفة الجيم، أي: مرة لنا ومرة علينا من
مساجلة المستقيين على البثر بالدلاء. وفي رواية: سمال جمع سملة، وهي الماء القليل، والمراد
بها ما أريد بالأَول، لأن الماء القليل يتناوبه وراده ولا يزدحمون عليه لقلته، (يوم بيوم بدر).
وعند الطبراني حنظلة بحنظلة، ويوم أحد بيوم بدر، (أعل) بضم الهمزة، وسكون العين
المهملة وضم اللام، (هيل،) أي: أظهر دينك، قاله ابن إسحق. وقال السهيلي: معناه: زد علوًّا،
وقال الكرماني: فإن قلت ما معنى أعل ولا علوّ في هبل، فالجواب هو بمعنى العلى، أو المراد
أعلى من كل شىء، انتهى من الفتح.
وعند البخاري في الجهاد، ثم جعل يرتجز أعل هيلٍ أعل هبل، (و) سبب قوله ذلك أنه
(كان أبو سفين حين أراد الخروج إلى أحد،) استقسم بالأزلام، (كتب على سهم نعم، وعلى
الآخر لا، وأجالهما،) أي: أدارهما، (عنده) أي: هبل، (فخرج سهم نعم، فخرج إلى أحد، فلما
قال: أعل هبل)، بضم الهاء، وفتح الموحدة ولام، اسم صنم كان في الكعبة، (أي: زد علوًّا،)
كما قال السهيلي، أو ليرتفع أمرك ويعز دينك فقد غلبت.
(قال رسول اللّه عٍَّ لعمر بن الخطاب: (أجبه، فقل اللَّه أعلى وأجل، فقال أبو سفين:

٤٤٣
غزوة أحد
أنعمت فعال، أي اترك ذكرها فقد صدقت في فتواها وأنعمت، أي أجابت بنعم.
فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.
فقال: إن لنا عزى ولا عزى لكم.
فقال له عليه الصلاة والسلام قولوا: إن الله مولانا ولا مولى لكم.
أنعمت) بسكون التاء (فعال، أي: اترك ذكرها فقد صدقت في فتواها، وأنعمت) الأزلام، (أي:
أجابت بنعم،) التي يحبها، وهذا كله ظاهر في سكون التاء، وإن فاء فعال من بنية الكلمة لا
حرف عطف فهو معدول عن فاعلة كحذام عن حاذمة.
وقال أبو ذر في الإِملاء: أنعمت يخاطب نفسه، ومن رواه أنعمت عني الحرب، أو الواقعة
وفعال.
قال اليعمري: اسم للفعل الحسن، وأنعم زاد.
وقال السهيلي: فعال أمر، أي: عال عنها، وأقصر عن لومها تقول العرب: أعل عني، وعال
بمعنى ارتفع عني ودعني.
ويروى أن الزبير قال لأبي سفين يوم الفتح: أين قولك أنعمت؟ فقال: قد صنع اللَّه خيرًا،
وذهب أمر الجاهلية.
وقال أبو ذر: عال من فعال، ارتفع يقال عال وأعل عن الوسادة، أي ارتفع. قال: وقد يجوز
أن تكون الفاء من نفس الكلمة، ويكون معدولاً عن الفعلة كما عدلوا، فجار عن الفجرة، أي:
بالغت هذه الفعلة، ويعني بها الوقعة، انتهى.
(فقال عمر: لا سواء.) قال السهيلي: أي: لا نحن سواء، ولا يجوز دخول لا على اسم
مبتدأ معرفة إِلاَّ مع التكرار نحو: لا زيد قائم، ولا عمرو خارج، ولكنه جاز في هذا الموضع، لأَنّ
القصد فيه إلى نفي الفعل، أي وهو لا يجب تكرار لا معه، فكذا ما هو بمعناه، أي لا نستوي
كما جاز لا لك، أي لا ينبغي لك.
وفي رواية أَنْه ◌ٍَّ قال لعمر: ((قل لا سواء (قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار). قال أبو
سِفِين: إنكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا إذًا وخسرنا، (فقال: إِن لنا العزى ولا عزى لكم،) تأنيث
الأعز بالزاي، اسم صنم لهم، (فقال عليه الصلاة والسلام) أجيبوه، قالوا: ما نقول، قال: («قولوا:
إن اللَّه مولانا ولا مولى لكم)) هكذا في رواية البخاري.
وفي رواية: فقال لعمر: ((قل إن الله ... الخ)) ..
قال المصنف: أي لا ناصر لكم، فالله تعالى مولى العباد جميعًا من جهة الاختراع، وملك
التصرف، ومولى المؤمنين خاصة من جهة النصرة.

٤٤٤
غزوة أحد
ولما انصرف أبو سفين وأصحابه نادى: إن موعدكم بدر العام القابل، فقال
عليه الصلاة والسلام لرجل من أصحابه: قل نعم، هو بيننا وبينكم موعد.
وذكر الطبراني: أنه لما انصرف المشركون، خرج النساء إلى الصحابة يعنهم
فكانت فاطمة فيمن خرج، فلما لقيت النبي عَ ◌ّه اعتنقته وجعلت تغسل جراحاته
بالماء فيزداد الدم، فلما رأت ذلك أخذت شيئًا
(ولما انصرف أبو سفين وأصحابه نادى: إن موعدكم بدر،) هكذا رواية ابن إسحق
وأتباعه.
وفي بعض الروايات: ألا إن موعدكم بدر الصفراء على رأس الحول.
قال الشامي: بالإِضافة وبدر، تقدمت والصفراء بفتح الصاد المهملة، وسكون الفاء، تأنيث
الأَصفر، قرية فوق ينبع، كثيرة النخل والزرع، والحول السنة انتهى.
وفي رواية: يا محمد موعدنا موسم بدر لقابل إن شئت.
(فقال عليه الصلاة والسلام لرجل من أصحابه،) هو عمر بن الخطاب، كما عند الواقدي،
وذكره الشامي في غزوة بدر الأخيرة، فقول البرهان لا أعرفه تقصير، (قل: نعم هو بيننا وبينكم
موعد،) زاد في رواية: إن شاء الله.
قال ابن إسحق: ثم بعث عَّه علي بن أبي طالب، وقال ابن عائذ: سعد بن أبي وقاص،
ويحتمل أنه بعثهما جميعًا، فقال: ((اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون، فإن كانوا قد جنبوا
الخيل وامتطوا الإِبل؛ فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل، وساقوا الإبل، فهم يريدون المدينة،
والذي نفسي بيده إن أرادوها لأَسيرن إليهم، ثم لأَناجزنهم)). قال علي، أو سعد: فخرجت في
آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل وامتطوا الإِبل ووجهوا إلى مكة. قال اللَّه تعالى:
﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ [آل عمران: ١٥١] الآية.
قال في الكشاف: قذف اللَّه في قلوبهم الخوف يوم أحد، فانهزموا إلى مكة من غير
سبب.
(وذكر)) أي: روى (الطبراني) من طريق سعيد بن عبد الرحمن عن أبي حازم، عن
سهل بن سعد، (أنه لما) كان يوم أحد، و (انصرف المشركون خرج النساء إلى الصحابة
يعنهم، فكانت فاطمة) الزهراء، سيدة النساء، (فيمن خرج، فلما لقيت النبي عَل اعتقته) فرحًا
وشوقًا، (وجعلت تغسل جراحاته بالماء، فيزداد الدم، فلما رأت ذلك).
وفي رواية البخاري: فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، (أخذت شيئًا،) وفي

٤٤٥
غزوة أحد
من حصير أحرقته بالنار وكمدته به حتى لصق بالجرح فاستمسك الدم.
ثم أرسل عليه الصلاة والسلام محمد بن سلمة - كما ذكره الواقدي - فنادى
في القتلى: يا سعد
البخاري: قطعة (من حصير،) زاد في رواية: بردى، وهو نبات يعمل منه الحصر، (أحرقته،)
وللبخاري في النكاح: عمدت إلى حصيرها فأحرقتها (بالنار،) وللطبراني من طريق آخر حتى صار
رمادًا، فأخذت من ذلك الرماد، (وكمدته) بشد الميم أي: ألصقته، (به) وفعلت ذلك (حتى لصق
بالجرح فاستمسك الدم،) وللطيراني من الطريق الآخر: فوضعته فيه حتى رقا الدم، وقال في آخر
الحديث: ثم قال يومئذ: اشتد غضب اللَّه على قوم دموا وجه رسوله، ثم مكث ساعة، ثم قال:
((اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)).
قال الحافظ: وفي الحديث جواز التداوي، وأن الأنبياء قد يصابون ببعض العوارض
الدنيوية من الجراحات والآلام والأسقام ليعظم لهم بذلك الأجر، وتزداد درجاتهم رفعة، وليتأسی
بهم أتباعهم في الصبر على المكاره والعاقبة للمتقين انتهى.
قال غيره: وليتحقق الناس أنهم مخلوقون للَّه، فلا يفتتنون بما ظهر على أيديهم من
المعجزات، كما افتتن النصارى بعيسى، وفيه أنه لا ينافي التوكل والاستعانة في المداواة، وأن
الدواء حصير فاطمة التي أحرقتها.
وروى الجوزجاني عن أبي أمامة بن سهل؛ أنه عَّ داوى جرحه يوم أحد بعظم بال، لكنه
حديث غريب، كما قال ابن كثير، فلا يعادل ما في الصحيح، وعلى فرض الصحة فقد يكون
جمع بينهما، وإنما عزاه المصنف للطبراني، مع أنه في الصحيحين، والترمذي وابن ماجه؛ لأَنه بين
فيه سبب مجيء فاطمة إلى أحد رضي اللّه عنها.
(ثم أرسل عليه الصلاة والسلام) لينظرٍ خبر سعد بن الربيع، فقال كما في رواية
ابن إسحق: ((من ينظر إلى سعد بن الربيع، أفي الأحياء هو، أم في الأموات، فإني رأيت اثني عشر
رمحًا شرعا إِليه))، فقال رجل من الأنصار، يعني (محمد بن سلمة، كما ذكره) محمد بن عمر
بن واقد (الواقدي).
وعند الحاكم عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه، قال: بعثني عَّ يوم أحد لطلب
سعد بن الربيع، وقال لي: ((إن رأيته، فاقرأه مني السلام وقل له يقول لك رسول اللَّه: كيف
تجدك؟)).
وقال ابن عبد البر واليعمري: أرسل أبي بن كعب.
قال البرهان: فلعله أرسل الثلاثة متعاقبين، أو دفعة واحدة. (فنادى في القتلى: يا سعد،)

٤٤٦
غزوة أحد
ابن الربيع، مرة بعد أخرى، فلم يجبه، حتى قال إن رسول الله عَّه أرسلني إليك،
فأجابه بصوت ضعيف، فوجده جريمًا في القتلى وبه رمق فقال: أبلغ رسول الله عَ ليه
عني السلام، وقل له: يقول لك، جزاك الله عنا خير ما جزى به نبيًا عن أمته، وأبلغ
قومك عني السلام وقل لهم: لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى نبيكم وفيكم
عين تطرف، ثم مات رضي الله عنه.
وقتل أبو جابر،
بضم الدال وفتحها، (ابن) بالفتح (الربيع مرة بعد أخرى، فلم يجبه) لكونه في غمرات الموت،
واستمر لا يجيبه، (حتى قال: إِن رسول اللَّه عَّ أرسلني إليك،) وعند ابن إسحق أمرني أن
أنظر، أفي الأحياء أنت، أم في الأموات؟، (فأجابه بصوت ضعيف،) قال: أنا في الأموات، (فوجده
جريحًا في القتلى،) وفي حديث زيد بن ثابت: وبه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح، وضربة
بسيف، ورمية بسهم، (وبه رمق) بقية حياة، (فقال: أبلغ).
قال البرهان: بقطع الهمزة وكسر اللام رباعي، وهذا ظاهر جدًا (رسول اللَّه عَلَّ عني
السلام وقل له: يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيًا عنٍ أمته،) وقل له: إني أجد ريح
الجنة، (وأبلغ قومك عني السلام، وقل لهم: لا عذر لكم عند اللَّه أن يخلص) بضم أوله وفتح
ثالثه مبني للمفعول؛ كما في النور، والأصل أن يخلص أحد (إلى نبيكم وفيكم عين تطرف)
بفتح أوله وكسر الراء، أي: تطبق أحد جفنيها على الآخر، والمراد كما قال البرهان وغيره:
وفیکم حیاة، (ثم مات رضي الله عنه).
وعند ابن إسحق: ثم لم أبرح حتى مات، فجئت رسول اللَّه عَلَّهِ، فأخبرته خبره.
قال ابن هشام: وحدثني أبو بكر الزبيري: أن رجلاً دخل على أبي بكر، وبنت سعد بن
الربيع، جارية صغيرة على صدره يرشفها ويقبلها، فقال له الرجل: من هذه؟، قال: بنت رجل خير
مني، سعد بن الربيع، كان من النقباء يوم العقبة وشهد بدرًا، واستشهد يوم أحد.
وروى الطبراني، عن أم سعد، بنت سعد بن الربيع: أنها دخلت على الصديق فألقى لها
ثوبه، حتى جلست عليه، فدخل عمر فسأله فقال: هذه ابنة من هو خير مني ومنك، قال: ومن
هو يا خليفة رسول الله؟ قال: رجل قبض على عهد رسول اللَّه مقعده من الجنة وبقيت أنا وأنت.
(وقتل أبو جابر) عبد الله بن عمرو بن حرام بمهملة وراء. قال المصنف: قتله أسامة أبو
الأعور بن عبيد، أو سفين بن عبد شمس، أبو أبي الأعور السلمي، وعن جابر: أَنه أوّل قتيل من
المسلمين، وأن أخته هندًا حملته هو وزوجها عمرو بن الجموح وابنها خلادًا على بعير، ورجعت
بهم إلى المدينة فلقيتها عائشة وقالت لها: من هؤلاء؟ قالت: أخي وابني خلاد وزوجي، قالت:

٤٤٧
غزوة أحد
فما عرف إلا ببنانه - أي أصابعه، وقيل أطرافها، واحدتها. بنانه.
وخرج معٍَّ يلتمس حمزة، فوجده ببطن الوادي، قد بقر بطنه عن كبده،
ومثل به فجدع أنفه وأذناه، فنظر عليه الصلاة والسلام إلى شىء لم ينظر إلى شىء
أوجع لقلبه منه فقال: رحمة الله عليك، لقد كنت فعولاً للخير، وصولاً للرحم، أما والله
فأين تذهبين بهم؟ قالت: إلى المدينة أقبرهم فيها، ثم زجرت بعيرها فبرك، فقالت لها عائشة لما
عليه قالت: ما ذاك به؟ فإنه لربما حمل ما يحمل بعيران، ولكن أراه لغير ذلك وزجرته ثانيًا، فقام
وبرك فوجهته إلى أحد، فأسرع فرجعت إلى النبي عَّ. فأخبرته فقال: ((إن الجمل مأسور، هل قال
عمرو، يعني ابن الجموح، شيئًا؟))، قالت: إنه لما توجه إلى أحد قال: اللهم لا تردني إلى أهلي
وارزقني الشهادة، فقال عَّه: «فلذلك الجمل لا يمضي إن فيكم معشر الأنصار من لو أقسم على
اللَّه لأبره منهم عمرو بن الجموح، ولقد رأيته يطأ بعرجته في الجنة)). وهذا يناكد من قال لعل سر
عدم سير الجمل أنه ورد الأمر بدفن الشهداء في مضاجعهم.
(فما عرف،) لأنه مثل به وجدع (إلا بينانه، أي: أصابعه) قيل: سميت بنانًا لأَن بها صلاح
الأحوال التي يستقر بها الإِنسان، يقال: أبن بالمكان إذا استقر به كما في المصباح، (وقيل:
أطرافها واحدتها بنانة).
قال ابن إسحق: (وخرج عَّل)) فيما بلغني، (يلتمس حمزة، فوجده ببطن الوادي قد بقر،)
بالبناء للمفعول، أي: شق (بطنه عن كبده،) وفاعل ذلك هند ووحشي كما مر، (ومثل به) بضم
الميم وكسر المثلثة المخففة وتشدد، لإرادة التكثير كما مر، (فجدع) بالتخفيف والتشديد
للمبالغة، أي: قطع (أنفه وأذناه) بالرفع نائب الفاعل.
قال ابن إسحق: فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير؛ أنه عَّه قال: ((لولا أن تحزن صفية
وتكون سنة من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير)). زاد ابن هشام وقال:
لن أصاب بمثلك أبدًا، ونزل جبريل فقال: إن حمزة مكتوب في أهل السموات السبع أسد الله
وأسد رسوله.
وأخرج اليعمري من طريق أبي طالب في الغيلانيات بسنده عن أبي هريرة؛ أنه عَّ وقف
على حمزة حين استشهد، (فنظر عليه الصلاة والسلام إلى شىء لم ينظر إلى شىء أوجع لقلبه
منه، فقال: رحمة اللّه عليك لقد كنت،) ما علمتك كما في الرواية، أي: مدة علمي لك، (فعولاً
للخير،) أي مكثرًا لفعله، (وصولاً للرحم،) مكثًا لوصلهم بما يليق بكل منهم، وأسقط المؤلف
من ذا الحديث ما لفظه: ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواه شتى
قبل قوله: (أما واللَّه،) بألف بعد ميم وبحذفها.

٤٤٨
غزوة أحد
لأمثلن بسبعين منهم مكانك، قال: فنزلت عليه خواتيم سورة النحل ﴿وإن عاقبتم
فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل/١٢٦] الآية، فصبر وكفر عن يمينه وأمسك عما
أراد.
قال ابن الشجري في الأمالي: ما الزائدة للتوكيد، ركبوها مع همزة الاستفهام، واستعملوا
مجموعهما على وجهين: أحدهما أن يراد به معنى حقًّا في قولهم: أما واللَّه لأفعلن، والآخر أن
تكون افتتاحًا للكلام بمنزلة أَلاَّ كقولك: أَمَا إِن زِيدًا منطلق، وأكثر ما تحذف ألفها إذا وقع بعدها
القسم ليدل على شدة اتصال الثاني بالأول، لأَن الكلمة إذا بقيت على حرفٍ لم تقم بنفسها،
فعلم بحذف ألفها افتقارها إلى الاتصال بالهمزة، هكذا قاله النووي في شرح: أَما واللَّه لأستغفرن
لك، فنقله هنا البرهان وهو حسن إلا أنه لم يعجبني نقله قول النووي، أم من غير ألف بعد الميم،
وفي كثير من الأصول أو أكثرها إما بالألف بعد الميم، وكلاهما صحيح، لأَن هذا إنما قاله
النووي في لفظ حديث مسلم، لا في هذا الحديث، فإنه ليس في مسلم، فلذا أسقطت صدر
عبارة النووي .. (لأمثلن بسبعين منهم مكانك،) وفي رواية ابن إسحق: ولئن أظهرني اللَّه على
قریش لأمثلن بثلاثین رجلاً منهم.
قال البرهان: فيحتمل أنه قال مرتين، أو أن مفهوم العدد ليس بحجة، ورواية الأقل داخلة
في رواية الأكثر، (فنزلت عليه) لفظ الحديث: فنزل جبريل والنبي عَّه واقف بـ (خواتيم سورة
النحل،) ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: ١٢٦] الآية، ﴿ولئن صبرتم لهو خير
للصابرين﴾ [النحل: ١٢٦] إلى آخر السورة، (فصبر) كما أمره ربه بقوله: فاصبر، (وكفر عن
يمينه،) لعزمه على الضد، (وأمسك عما أراد.) وهذا الحديث رواه الحاكم، والبيهقي، والبزار
والطبراني قال في الفتح: بإسناد فيه ضعف، عن أبي هريرة أَنه عٍَّ لما رأى حمزة قد مثل به
قال: ((رحمة اللَّه عليك لقد كنت وصولاً للرحم، فعولاً للخير، ولولا حزن من بعدك لسرني أن
أدعك حتى تحشر من أجواف شتى))، ثم حلف وهو مكانه: ((لأُمثلن بسبعين منهم))، فنزل القرآن:
﴿وإِن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ الخ السورة.
وعند ابن مردويه، عن ابن عباس نحوه، وقال في آخره: بل نصبر يا رب.
وروى الترمذي، وحسنه، والحاكم وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند، والطبراني عن
أبي بن كعب، قال: لما كان يوم أحد مثل المشركون بقتلى المسلمين، فقالت الأنصار: لئن
أصبنا منهم يومًا من الدهر لنربين عليهم، فلما كان يوم فتح مكة نادى رجل: لا قريش بعد اليوم،
فأنزل الله تعالى: ﴿وإن عاقبتم﴾ الآية، فقال عَّ: ((كفوا عن القوم)).
قال في اللباب: وظاهر هذا تأخر نزولها إلى الفتح، وفي الحديث الذي قبله نزولها بأحد،

٤٤٩
غزوة أحد
وممن مثل به كما مثل بحمزة عبد الله بن جحش، ابن أخت حمزة، ولذا
يعرف بالمجدع في الله، وكان حين قتل ابن بضع وأربعين سنة، ودفن مع حمزة
في قبر واحد.
ولما أشرف عليه الصلاة والسلام على القتلى
وجمع ابن الحصار؛ بأنها نزلت أولاً بمكة، ثم ثانيًا بأحد، ثم ثالثًا بعد الفتح تذكيرًا من اللَّه
لعباده، انتهى.
وروى الحاكم عن ابن عباس قال: قتل حمزة جنبًا، فقال عَّ له: ((غسلته الملائكة)). وعند
ابن سعد من مرسل الحسن: لقد رأيت الملائكة تغسل حمزة.
وروى الطبراني برجال ثقات عن أبي أسيد، والحاكم عن أنس قالا: كفن عَّ حمزة في
نمرة، فمدت على رأسه فانكشف رجلاه، فمدت على رجليه فانكشف رأسه، فقال عَ له: ((مدوها
على رأسه، واجعلوا على رجليه شيئًا من الحرمل)). وفي لفظ من الإِذخر. (وممن مثل به كما
مثل بحمزة عبد اللَّه بن جحش) ابن رياب براء مكسورة وتحتية وموحدة. قال في العيون: غير أَنه
لم يبقر عن كبده، (ابن أخت حمزة) أميمة بميمين مصغرًا بنت عبد المطلب شقيقة والده عليه،
اختلفٍ في إسلامها، فنفاه ابن إسحق ولم يذكرها غير ابن سعد، (ولذا يعرف بالمجدع في
اللَّهِ)) لأَنه سأل اللَّه ذلك.
روى الطبراني وأبو نعيم بسند جيد عن سعد بن أبي وقاص: أن عبد الله بن جحش قال له
يوم أحد: ألا تأتي ندعو اللَّه، فخلوا في ناحية، فدعا سعد فقال: يا رب إذا لقيت العدو، فبلغني
رجلاً شديدًا بأسه، شديدًا حرده بفتح المهملة، والراء ودال مهملة، أي: غضبه أقاتله فيك،
ويقاتلني، ثم ارزقني عليه الظفر حتى أقتله وآخذ سلبه، فآمن عبد اللَّه، ثم قال: اللهم ارزقني رجلاً
شديدًا بأسه، شديدًا حرده، أقاتله فيك ويقاتلني فيقتلني ثم يأخذني، فيجدع أنفي وأذني، فإذا
لقيتك قلت: يا عبد اللَّه فيم جدع أنفك وأذنك، فأقول: فيك وفي رسولك، فيقول الله:
صدقت.
قال سعد: كانت دعوته خيرًا من دعوتي لقدٍ رأيته أخير النهار، وأن أنفه وأذنه معلقان في
خيط، (وكان حين قتل) على يد أبي الحكم ابن الأخنس الثقفي، (ابن بضع وأربعين سنة، ودفن
مع) خاله (حمزة في قبر واحد،) وهذا صريح في أنه قتل بأحد.
قال البرهان: وهو الصحيح، ورأيت بعضهم حكى قولاً أَنه قتل مؤتة انتهى، وكان قائله
انتقل حفظه لعبد الله بن رواحة، (ولما أشرف،) أي: اطلع (عليه الصلاة والسلام،) كما قال
ابن إسحق: حدثني الزهري عن عبد الله بن ثعلبة: أن رسول اللَّه عَّةِ، لما أشرف (على القتلى)

٤٥٠
غزوة أحد
قال أنا شهيد على هؤلاء، وما من جريح يحرج في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة
يدمى جرحه، اللون لون الدم والريح ريح المسك.
يوم أحد، (قال: أنا شهيد على هؤلاء،) راقب أحوالهم، وشفيع لهم بما فعلوه من بذل أجسامهم،
وأرواحهم وأموالهم، وترك من له الأولاد أولادهم كأبي جابر، ترك تسع بنات، طيبة بذلك
قلوبهم، فرحين مستبشرين بوعد خالقهم، حتى أن منهم من قال: إني لأجد ريح الجنة دون أحد
كأنس بن النضر، وسعد بن الربيع، ومنهم من ألقى تمرات كن في يده، وقاتل حتى قتل كما في
الصحيح، ومنهم من قال: اللهم لا تردني إلى أهلي كعمرو بن الجموح، ومنهم من خلفه
المصطفى لكبر سنه، فخرج رجاء الشهادة وهو اليمان وثابت بن وقش، فحذف المشهود به
للعلم به.
قال السهيلي: شهيد من الشهادة وهي ولاية وقيادة، فوصلت بحرف علي لأنه مشهود له
وعلیه.
وقال البيضاوي في قوله تعالى: ﴿ويكون الرسول عليكم شهيداً﴾ [البقرة: ١٤٣]، وهذه
الشهادة وإن كانت لهم، لكن لما كان عَّه كالرقيب المؤتمن على أمته عدي بعلي، وظاهره أن
مجرد كون اللفظ بمعنى لفظ آخر يعدي بما يعدى به ما هو بمعناه، وليس من التضمين.
قال شيخنا: والمراد لما اطلع عليهم بعد البحث عن حمزة وغيره، وعرف جملة من قتل
قال ذلك فلا يرد أنه يقتضي قوله بمجرد رؤيتهم، والسياق يدل على خلافه، وأَنّه إنما قال ذلك بعد
الإِحاطة بهم.
(وما من جريح يجرح في) القتال لمحبة (اللَّه)) وإخلاصه في إعزاز دينه، ففيه حذف
شيئين، أو هو استعارة تبعية شبه تمكن المجروح في المحبة بتمكن المظروف في الظرف،
فاستعار له لفظ في بدل اللام كما في قوله: ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ [طه: ٧١] الآية،
(إلا واللَّه يبعثه يوم القيامة يدمي جرحه) بفتح الياء والميم، أي: يخرج منه الدم (اللون،) أي:
لون ما يخرج من جرحه، (لون الدم،) والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا، كأنه قيل ما صفة دمائهم
هل هي على صفة دماء الدنيا أم لا؟، (والريح ريح المسك).
قال المصنف: أي كريحه أي ليس هو مسكًا حقيقة بخلاف اللون لون الدم، فلا يقدر فيه
ذلك؛ لأَّنه دم حقيقة، فليس له من أحكام الدنيا وصفاتها إلا اللون فقط، قال: وظاهر قوله في
رواية مسلم: كل كلم يكلمه المسلم إنه لا فرق في ذلك بين أن يموت، أو تبرأ جراحه، لكن
الظاهر أن الذي يجيء يوم القيامة، وجرحه يجري دمًا من فارق الدنيا وجرحه كذلك، ويؤيده ما
رواه ابن حبان في حديث معاذ عليه طابع الشهداء، والحكمة في بعثته كذلك أن يكون معه

٤٥١
غزوة أحد
وفي رواية عبد الله بن ثعلبة قال عليه الصلاة والسلام لقتلى أحد: زملوهم
بجراحهم.
شاهد فضيلته ببذله نفسه في طاعة اللَّه. ولأصحاب السنن، وصححه الترمذي وابن حبان
والحاكم من حديث معاذ: من جرح جرحًا في سبيل اللَّه، أو نكب نكبة، فإنها تجيء يوم القيامة
كأغزر ما كانت لونها الزعفران وريحها المسك.
قال الحافظ ابن حجر: وعرف بهذه الزيادة أن الصفة المذكورة لا تختص بالشهيد كذا،
قال: فليتأمل.
وقال النووي: قالوا: وهذا الفضل، وإن كان ظاهره أنه في قتال الكفار، فيدخل فيه من
جرح في سبيل اللَّه في قتال البغاة وقطاع الطريق، وفي إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ونحو ذلك، وكذا قال ابن عبد البر، واستشهد على ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: ((من قتل
دون ماله فهو شهيد).
لكن قال الولي بن العراقي: قد يتوقف في دخول المقاتل دون ماله في هذا الفضل
لإشارته عَّهُ إِلى اعتبار الإِخلاص في ذلك في قوله: والله أعلم، بمن يكلم في سبيله، والمقاتل
دون ماله لا يقصد بذلك وجه اللّه، وإنما يقصد صون ماله وحفظه، فهو يفعل ذلك بداعية الطبع
لأبداعية الشرع، ولا يلزم من كونه شهيدًا أن يكون دمه يوم القيامة كريح المسك، وأي بذل بذل
نفسه فيه لله حتى يستحق هذا الفضل، انتهى.
(وفي رواية) النسائي من طريق الزهري، عن (عبد اللَّه بن ثعلبة) بن صعير بصاد وعين
مهملتين مصغرًا، العذري، حليف بني زهرة، له رؤية ولم يثبت له سماع. مات سنة سبع أو تسع
وثمانين، وقد قارب التسعين.
(قال عليه الصلاة والسلام لقتلى أحد،) اللام للتعليل، أي: لأجلهم بيانًا لما يفعل في
تكفينهم: (زملوهم بجراحهم،) أي: معها باقية على ما هي عليه فلا تزيلوا ما عليها من الدم بغسل
ولا غيره.
قال أبو عمر: أُختلف في صلاته ◌َِّ على شهداء أحد، ولم يختلف في أَنْه أَمر بدفنهم
بثيابهم ودمائهم ولم يغسلوا. وقد ثبت في الصحيح عن جابر؛ أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((أنا
شهيد على هؤلاء يوم القيامة))، وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم، ولم يغسلوا.
قال العلماء: وأما حديث صلاته عليهم صلاته على الميت، فالمراد دعاؤه لهم كدعائه
للميت جمعًا بين الأدلة.

٤٥٢
غزوة أحد
وروى أبو بكر بن مردويه أن رسول الله عَ لّه قال: يا جابر ألا أخبرك، ما كلم
الله تعالى أحدًا قط إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحًا، فقال سلني
أعطك، فقال أسألك أن أرد إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال الرب عز وجل: إنه
سبق مني أنهم لا يرجعون إلى الدنيا قال: يا رب فأبلغ من ورائي، فأنزل الله
تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا﴾ [آل عمران/١٦٩] الآية.
(وروى أبو بكر بن مردويه،) وكذا الترمذي، وحسنه وابن ماجه كلهم عن جابر: (أن
رسول اللّه عَ لِّ قال: يا جابر أَلا أَخبرك).
وفي رواية الترمذي وابن ماجه: ألا أبشرك بما لقي اللَّه به أباك، وللترمذي أيضًا: لقيني
النبي عليه، فقال: ((ما لي أراك منكسرًا))، قلت: يا رسول اللَّه استشهد أبي يوم أحد وترك دينًا
وعيالاً، قال: ((أفلا أبشرك))، وفي رواية: قلت، بلى، قال: (ما كلم اللَّه أحدًا قط) غير من قام الدليل
على تكليمهم بلا واسطة كالمصطفى ليلة الإسراء وموسى قال: (إِلاَّ من وراء حجاب،) أو المراد
من هؤلاء الشهداء، كما يرشد إليه السياق فلا يردان، لأنه كلمهما في حياتهما، (وإنه كلم أباك)
عبد الله بن عمر، المدفون هو وعمرو بن الجموح في قبر واحد بأمره عَّ ◌ُلّه قال: لما كان بينهما
من الصفاء، فحفر لهما وعليهما نمرتان، وعبد اللَّه قد أصابه جرح في وجهه ويده عليه، فأميطت
يده عن وجهه، فانبعث الدم فردت إِلی مکانها، فسکن، ذكره ابن سعد. (كفاحًا) بكسر الكاف،
مصدر كافح الشىء إِذا باشره بنفسه، أي: بلا واسطة، (فقال: سلني أعطك،) عطف مفصل على
مجمل.
وفي رواية الترمذي وابن ماجه: فقال: يا عبدي تمنَّ عليَّ أعطك. (قال: أسألك أن أرد
إِلى الدنيا).
وفي رواية الترمذي وابن ماجه قال: يا رب تحييني (فأقتل فيك) قتلة (ثانية، فقال: الرب
عز وجل إنه سبق مني) الوعد. وفي رواية: قد قضيت، (أنهم) بفتح الهمزة (لا يرجعون) أي:
بعدم رجوعهم (إلى الدنيا، قال: يا رب فأبلغ من ورائي) ما صنعت بي لئلا يزهدوا في الجهاد،
(فأنزل اللَّه تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا) - بالتخفيف والتشديد - (في سبيل الله أمواتًا﴾
الآية،) وناهيك بها شرفًا حيث وصفهم بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وهي عندية تخصيص
وتشريف، والمراد حياة الأرواح في النعيم الأبدي، لا حقيقة الحياة الدنيوية، بدليل أن الشهيد
يورث وتتزوج زوجته.
قال بعضهم: ولا يلزم من كونها حياة حقيقية أن تكون الأبدان معها؛ كما كانت في
الدنيا من الاحتياج إلى الطعام والشراب وغير ذلك من صفات الأجسام المشاهدة، بل يكون لها

٤٥٣
غزوة أحد
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله عَّ له: لما أصيب إخوانكم بأحد جعل
الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى
قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن
مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا
ینكلوا
حكم آخر فليس في العقل ما يمنع من إثبات الحياة الحقيقية لهم، وأما الإِدراكات فحاصلة لهم
ولسائر الموتى، ثم المراد بالآية جنسها، فلا ينافي قوله الآتي، فأنزل اللَّه على نبيه هذه الآيات،
وهي كما في الشامية إلى قوله: ﴿وأن اللَّه لا يضيع أجر المؤمنين﴾ [آل عمران: ١٧١] الآية،
وأما قوله: ﴿الذين استجابوا للَّه﴾ [آل عمران: ١٧٢] الآية الخ، فليس في شأن الشهداء، بل في
حمراء الأسد كما يأتي.
(وعن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ◌َّ لما أُصيب) بحسب الظاهر بالقتل، (إخوانكم
بأحد جعل اللَّه أرواحهم،) مع اتصالها بأجسادهم، (في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل
من ثمارها،) كما قال: ﴿بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآية، (وتأوي إلى
قناديل من ذهب في ظل العرش،) أنكر هذا قوم، وقالوا: لا يكون روحان في جسد.
قال القاضي عياض: وليس للأَقيسة والعقول في هذا حكم، فإذا أراد اللَّه جعلها في قناديل
أو أجواف طير وقع ذلك ولا إِشكال، فإِن الروح وإن وجدت في جوف الطير فليس فيه قيام
روحين بجسد واحد، بل قيام الروح بجوف الطير، كقيام الجنين في بطن أمه، وروحه غير
روحها.
وقال السهيلي والبيضاوي: خلق اللَّه لأرواحهم بعد مفارقة أجسامهم صورة طيور تجعل
فيها الأرواح خلقًا عن الأبدان، توسلاً لنيل اللذات الحسية إلى أن يعيده الله يوم القيامة.
وقال بعضهم في، بمعنى على، أي: أرواحهم على أجواف هي طيور، وسمى الطير جوفًا
لإِحاطته واشتماله عليه، فهو من تسمية الكل باسم المجزء وفيه تعسف.
وقال السهيلي: أي في صورة طير خضر، كما تقول: رأيت ملكًا في صورة إِنسان، (فلما
وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم) من الأنهار (وحسن مقيلهم،) مكانهم الذي يأوون إليه للاسترواح
والتمتع تجوز به عن مكان القيلولة على التشبيه، أو لأنه لا يخلو من ذلك غالبًا إِذ لا نوم في
الجنة، كما قاله البيضاوي في قوله: وأحسن مقيلاً.
(قالوا: يا،) للتنبيه، أو النداء المحذوف، أي: يا هؤلاء، (ليت إِخوانتا يعلمون ما صنع اللَّه
بنا لئلا يزهدوا في الجهاد) أي: يتركوه ويعرضوا عنه، (ولا ينكلوا) بضم الكاف وتفتح في لغة،

٤٥٤
غزوة أحد
عن الحرب، قال الله تعالى: ﴿أنا أبلغهم عنكم﴾ فأنزل الله عز وجل هذه الآيات:
﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا﴾ رواه أحمد.
قال بعض من تكلم على هذا الحديث: قوله: ثم تأوي إلى قناديل، يصدقه
قوله تعالى: ﴿والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾ وإنما تأوي إلى تلك
القناديل ليلاً وتسرح نهارًا، قبل دخول الجنة وبعد دخول الجنة في الآخرة لا تأوي
إلى تلك القناديل، وإنما ذلك في البرزخ.
ومنعها الأصمعي (عن الحرب))) أي: ولئلا يجبنوا عنه ويتأخروا، (قال اللَّه تعالى: ﴿أنا أبلغهم
عنكم﴾، فأنزل اللَّه عز وجل) على نبيه (هذه الآياتِ: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل اللّه
أمواتًا﴾) [آل عمران: ١٦٩] الآية) مفعول ثان، والأول الذين والفاعل إما ضمير كل مخاطب،
أو ضمير الرسول عَّ له، وهذا صريح في نزولها في شهداء أحد.
وحكى البيضاوي قولاً: إِنها نزلت في شهداء بدر، فإن صح أمكن أنها مما تكرر نزوله،
وعليه فكأنهم تمنوا علم إخوانهم بما حصل لهم، مع أن الآيات عندهم متلوة، لأَنه عبر فيها
بالماضي في قوله: قتلوا، ثم لا يعارض هذا ما قبله من نزولها في شأن أبي جابر، لأَن كلامه
تعالى له لا يمنع قول بقية الشهداء ما ذكر فنزلتِ إِبلاغًا عن الجميع على مفاد الخبرين، ولا مانع
من تعدد سبب النزول وهو أولى من تجويز أنها مما تعدد نزوله، لأن الأصل عدمه، (رواه
أحمد،) وأخرجه مسلم عن مسروق، قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هؤلاء الآيات، قال: أما
إِنا قد سألنا عنها فقيل لنا: لما أصيب إِخوانكم .. الحديث. ولم يعزه له المصنف لعدم صراحته
برفع الحديث؛ فلذا عدل لحديث ابن عباس عند أحمد لكونه صريحًا في الرفع.
(قال بعض من تكلم على هذا الحديث،) هو الإِمام السهيلي في الروض، (قوله: ثم تأوي
إلى قناديل يصدقه قوله،) على أحد الأقوال، (﴿والشهداء عند ربهم﴾،) مبتدأ وخبر، أي: الذين
استشهدوا (﴿لهم أجرهم ونورهم﴾،) وقيل: المراد الأنبياء من قوله، فكيف إذا جئنا من كل أمة
بشهيد، وقيل: هو عطف على الخبر وهو الصديقون، أي: أولئك بمنزلة الصديقين والشهداء، أو
المِبالغون في الصدق لتصديقهم جميع أخبار اللَّه ورسوله، وقائمون بالشهادة للَّه ولهم، أو على
الأُمم يوم القيامة، حكاها كلها البيضاوي وغيره.
(وإِنما تأوي إِلى تلك القناديل ليلاً، وتسرح نهارًا قبل دخول الجنة،) فتعلم بذلك الليل
من النهار، (وبعد دخول الجنة في الآخرة لا تأوي إلى تلك القناديل، وإنما ذلك في) مدة
(البرزخ))) هذا ما يدل عليه ظاهر الحديث.

٤٥٥
غزوة أحد
وقال مجاهد: الشهداء يأكلون من ثمر الجنة وليسوا فيها.
وقد رد هذا القول، ويشهد له ما وقع في مسند ابن أبي شيبة وغيره: أن
رسول الله عَّه قال: الشهداء بنهر أو على نهر يقال له بارق عند باب الجنة، في
قباب خضر يأتيهم رزقهم منها بكرة وعشيًا.
قال الحافظ عماد الدين بن كثير: كأن الشهداء أقسام، منهم من تسرح
أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن
يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر فيجتمعون هناك ويغدى عليهم برزقهم هناك
ویراح.
(وقال مجاهد: الشهداء يأكلون من ثمر الجنة وليسوا فيها، وقد رد هذا القول،) أنكره
ابن عبد البر.
قال السهيلي: وليس بمنكر عندي، (ويشهد له،) أي: لقول مجاهد ويبين مراده (ما وقع
في مسند ابن أبي شيبة وغيره،) كالإِمام أحمد والطبراني والحاكم كلهم عن ابن عباس، (أن
رسول اللَّهِ مَّ قال: ((الشهداء بنهر أو على نهر،) شك، (يقال له بارق،) بالموحدة وبعد الألف
راء مكسورة، ثم قاف في الحديث نهر، (عند باب الجنة في قباب خضر يأتيهم رزقهم منها
بكرة وعشياً).
ولفظ أحمد ومن ذكر بعده الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج
عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا.
قال البيضاوي: يعني تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح، كما تعرض
الناس على آل فرعون غدوًا وعشيًا فيصل إليهم الوجع، وفيه دلالة على أن الأرواح جواهر قائمة
بأنفسها مغايرة لما يحس من البدن، باقية بعد الموت دراكة، وعليه الجمهور وبه نطقت الآية
والسنن، فتخصيص الشهداء؛ لاختصاصهم بالقرب من الرب ومزيد البهجة والكرامة.
(قال الحافظ عماد الدين بن كثير،) في الجمع بين مختلف الروايات، الدال بعضها على
دخولهم الجنة، وبعضها على وقوفهم ببابها عند النهر، (كأن الشهداء أقسام منهم من تسرح
أرواحهم في الجنة،) كما دل عليه حديث ابن عباس الأول، (ومنهم من تكون على هذا النهر
باب الجنة،) كما دل عليه حديثه الثاني، وعبر بكان؛ لأنه على سبيل الاحتمال لا القطع، لأن
حقيقة الحال غيب عنا، (وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر، فيجتمعون هناك
ويغدى،) بالبناء للمفعول وضمنه معنى يمر فعداه بعلى في قوله، (عليهم برزقهم هناك ويراح،)

٤٥٦
غزوة أحد
قال: وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثًا فيه بشرى لكل مؤمن بأنه
روحه تكون في الجنة أيضًا وتسرح فيها وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من
النضرة والسرور وتشاهد ما أعد الله لها من الكرامة.
قال: وهو إسناد صحيح عزيز عظيم اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة،
أصحاب المذاهب المتبعة، فإن الإمام أحمد رواه عن الشافعي عن ملك بن أنس
عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن لملك عن أبيه يرفعه: نسمة المؤمن طائر
يعلق في شجر الجنة
مبني للمفعول أيضًا والغدوّ والرواح هنا بمعنى السير، أي: وقت كان، فالعطف تفسيري.
(قال) ابن كثير: (وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثًا فيه بشرى لكل مؤمن،) وإِن لم
يكن شهيدًا، (بأَن روحه تكون في الجنة أيضًا، وتسرح فيها، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها
من النضرة) بسكون الضاد، الحسن، والرونق (والسرور،) عطف مسبب على سبب، فإِن الحسن
سبب السرور، والرؤية علمية لا بصرية، إِذ البصر لا يتعلق بالسرور، أو بصرية، بتقدير مضاف،
أي: ترى ما فيها من أسباب السرور، أو استعمل السرور فيما يحصله مجازًا، (وتشاهد ما أعد اللَّه
لها من الكرامة، قال: وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم،) جمعها مبالغة في الثناء على إِسناده،
(اجتمع فيه ثلاث من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، فإِن الإِمام أحمد رواه عن
الشافعي، عن ملك بن أنس، عن الزهري) محمد بن مسلم، (عن عبد الرحمن بن كعب بن
ملك) الأنصاري السلمي، يكنى أبا الخطاب. ولد في عهد النبي عَّه، وذكره البغوي في
الصحابة.
روى عن أبيه وأخيه عبد اللّه وجابر وسلمة بن الأكوع وأبي قتادة وعائشة، وعنه أبو أمامة
بن سهل، وهو من أقرانه وأسن منه والزهري وغيرهما. قال ابن سعد: ثقة، وهو أكثر حديثًا من
أخيه، مات في خلافة سليمان بن عبد الملك، (عن أبيه يرفعه) لفظة استعملها المحدثون بدل
قال عَطُله: (نسمة،) أي: روح (المؤمن طائر يعلق) بفتح اللام، في رواية الأكثر، كما قاله القرطبي
(في شجر الجنة) تسرح فيها لتأكل منها.
وقال الإِمام السهيلي في الروض: ويعلق بفتح اللام يتشبث بها، ويرى مقعده منها، ومن
رواه بضم اللام، فمعناه يصيب منها العلقة من الطعام، فقد أصاب دون ما أصاب غيره ممن أدرك
الرغد، أي: العيش الواسع فهو مثل مضروب يفهم منه هذا المعنى، وإِن أراد بيعلق الأكل نفسه
فهو مخصوص بالشهيد، فتكون رواية من رواه بالضم للشهداء، ورواية الفتح لمن دونهم، واللّه
ه تعالی أعلم بما أراد رسوله من ذلك، انتهى.

٤٥٧
غزوة أحد
حتی یرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه.
وقوله يعلق، أي يأكل، وفي هذا الحديث أن روح المؤمن تكون على شكل
طائر في الجنة، وأما أرواح الشهداء ففي حواصل طير خضر، فهي كالراكب
بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها. فنسأل الله تعالى الكريم
المنان أن يميتنا على الإسلام.
وقد استشهد من المسلمين يوم أحد سبعون - فيما ذكره مغلطاي. وغيره -
وقيل خمسة وستون أربعة من المهاجرين.
وروى ابن منده من حديث أبي بن كعب قال:
.
ووقع في بعض نسخ الشامية تصحيف، فقال: يعلق بضم اللام يتشبث، ويفتحها يصيب
منها العلقة، والصواب ما في الروض وهو المناسب لقوله العلقة، إِذ هي بالضم كل ما يتبلغ به من
العيش كما في القاموس. (حتى يرجعه اللَّه إلى جسده يوم يبعثه،) يوم القيامة، (وقوله: يعلق)
بالتحتية، صفة لطائر كتذكير الضمير في يرجعه، (أي: يأكل، وفي هذا الحديث: أن روح
المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة،) لا أن روحه جعل في جوف طائر ليأكل ويشرب
کالشهید.
(وأما أرواح الشهداء ففي حواصل طير خضر، فهي كالراكب بالنسبة إِلى أرواح عموم
المؤمنين؛ فإِنها تطير بأنفسها) على ما دل عليه الحديثان، وقد تأوَّل بعضهم كما في الروض
حديث نسمة المؤمن، مخصوصًا بالشهيد، انتهى. ولكن المتبادر خلافه، ولذا جزم ابن كثير
بالعموم (فنسأل اللّه تعالى الكريم المنان أن يميتنا على الإِسلام) بمنه وكرمه، (وقد استشهد من
المسلمين يوم أحد سبعون فيما ذكره مغلطاي وغيره) اعتمادًا على ما صرح به حديث البراء
وأنس في الصحيح، وأبي بن كعب، وقد صححه ابن حبان وهو المؤيد بقوله تعالى: ﴿أو لما
أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها﴾ [آل عمران: ١٦٥].
اتفق علماء التفسير على أن المخاطب بذلك أهل أحد، وأن المراد بإصابتهم مثليها يوم
بدر بقتل سبعين، وأسر سبعين، وبه جزم ابن إسحق وقد مر له مزيد، وأن الزيادة إِن ثبتت إِنما
نشأت عن الخلاف في التفصيل وليست زيادة في الجملة، قاله اليعمري والعسقلاني، (وقيل:
خمسة وستون أربعة من المهاجرين،) حمزة، وعبد اللَّه بن جحش، وشماس بن عثمن،
ومصعب بن عمیر کما عند ابن إِسحق.
(وروى ابن منده) والحاكم في الإكليل والمستدرك (من حديث أبي بن كعب، قال:

٤٥٨
غزوة أحد
استشهد من الأنصار يوم أحد أربعة وستون ومن المهاجرين ستة وصححه ابن حبان
من هذا الوجه.
وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون رجلاً، وقتل عليه الصلاة والسلام بيده
أبي بن خلف.
استشهد من الأنصار يوم أحد أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة.
قال الحافظ: وكان الخامس سعد مولى حاطب، ذكره موسى بن عقبة، والسادس ثقيف
بن عمرو الأسلمي حليف بني عبد شمس، فقد عده الواقدي منهم، (وصححه ابن حبان من هذا
الوجه،) وكذا الحاكم وهو قول الأكثر، وعد ابن سعد من استشهد بأحد من غير الأنصار
الحرث بن عقبة بن قابوس المزني، وعمه وهب بن قابوس، وعبد الله، وعبد الرحمن ابني
الهبيب، بموحدتين مصغر من بني سعد بن ليث، ومالكًا والنعمان ابني خلف بن عون الأسلميين،
قال: إِنهما كانا طليعة للنبي عَّةُ فقتلا.
قال الحافظ: ولعل هؤلاء كانوا من حلفاء الأنصار فعدوا فيهم، فإن كانوا من غير
المعدودين أوّلاً، فحينئذ تكمل العدة سبعين من الأنصار، وتكون جملة من قتل أكثر من سبعين.
ومن قال: سبعون، ألغي الكسر، انتهى. (وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون رجلاً،) منهم حملة
اللواء من بني عبد الدار بن قصي، عشرة بغلامهم قد سبق ذكرهم.
وقال ابن إسحق: اثنان وعشرون رجلاً، فأسقط واحدًا وهو شريح بن قارظ.
وفي سيرة مغلطاي ما لفظه: وقتل من المشركين ثلاثة، ويقال: اثنان وعشرون رجلاً، وهذه
عبارة موهمة كما قاله البرهان.
(وقتل عليه الصلاة والسلام بيده أبي بن خلف،) ولم يقتل بيده أحدًا سواه. ففي قول
ابن إسحق: ناول سيفه فاطمة فقال: ((اغسلي عن هذا دمه)) نظر، وكذا في قوله: رمى عن قوسه
حتى صارت شظايا، كذا ذكر ابن تيمية، وقال: الشجاعة تكون شيئين: قوَّة القلب وثباته عند
المخاوف، والثاني شدة القتال بالبدن بأن يقتل كثيرًا، أو يقتل قتلاً عظيمًا. والأوّل هو الشجاعة،
والثاني يدل على قوّة البدن وعمله، وليس كل قوي البدن قوي القلب، ولا عكسه، والخصلة
الأولى يحتاج إليها أمراء الجيوش والحروب وقوادها أكثر من الثانية، فإِن المقدم إذا كان شجاع
القلب ثابتًا، أقدم وثبت ولم ينهزم، فقاتل معه أعوانه، وإذا كان جبانًا ضعيف القلب ذل ولم يقدم
ولم يثبت، ولو كان قوي البدن وكان عَّ أكمل الناس في هذه الشجاعة التي هي المقصودة
في أئمة الحرب، ولم يقتل بيده إِلا أبي بن خلف.
قال البرهان: وفي المستدرك عن ابن عباس، لما رجع عَّ من أحد أعطى فاطمة ابنته

٤٥٩
غزوة أحد
وحضرت الملائكة يومئذٍ، ففي حديث سعد بن أبي وقاص عند مسلم في
صحيحه: أنه رأى عن يمين رسول الله عَُّّه وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما
ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد، يعني جبريل وميكئيل يقاتلان عنه كأشد
القتال.
وفيه - كما قدمناه في غزوة بدر - أن قتال الملائكة معه معدّ لّه لا يختص بيوم
بدر، خلافًا لمن زعمه، كما نص عليه النووي في شرح مسلم كما قدمته والله
أعلم.
سيفه، فقال: ((بنية اغسلي عنه الدم))، وأعطاها علي سيفه. وقال هذا: فاغسلي عنه دمه ..
الحديث. ولم يتعقبه الذهبي ففيه رد على ابن تيمية.
(وحضرت الملائكة يومئذ، ففي حديث سعد بن أبي وقاص عند مسلم في صحيحه)
في كتاب المناقب، لا المغازي، (أنه رأى) ولفظه قال: رأيت، (عن يمين رسول اللَّه عَلَّه وعن
شماله يوم) وقعة (أحد رجلين،) أي: ملكين في صورة رجلين (عليهما ثياب بيض ما رأيتهما
قبل ولا بعد).
وفي رواية الطيالسي: لم أرهما قبل ذلك اليوم ولا بعده.
(يعني جبريل وميكائيل يقاتلان عنه) عٍَّ (كأشد القتال).
قال المصنف: الكاف زائدة، أو للتشبيه، أي: كأشد قتال بني آدم، وهذا الحديث أخرجه
البخاري أيضًا، ولكنه لم يقع عنده التصريح باسم الملكين، فلذا اقتصر المصنف على عزوه له،
(وفيه كما قدمناه في غزوة بدر أن قتال الملائكة معه عَلّ لا يختص بيوم ببدر،) لتصريحه
بأنهما قاتلا يوم أحد. وأيضًا روى الطبراني وابن منده أنه عَُّ سأل الحرث بن الصمة عن
عبد الرحمن بن عوف، فقال: هو بجنب الجبل، فقال عَّ: ((إن الملائكة تقاتل معه)). قال
الحرث: فذهبت إليه فوجدت بين يديه سبعة، فقلت له: ظفرت يمينك أكل هؤلاء قتلت؟ فقال:
أما هذا وهذا فأنا قتلتهما، وأما هؤلاء فقتلهم من لم أره، فقلت: صدق اللَّه ورسوله.
وروى ابن سعد: أن مصعبًا لما قتل أخذ اللواء ملك في صورته، فجعل عَّه يقول: ((تقدم
يا مصعب))، فالتفت الملك إليه وقال: لست بمصعب، فعرف أنه ملك أيد به، (خلافًا لمن زعمه
كما نص عليه النووي في شرح مسلم كما قدمته، والله أعلم) وقد قدمنا ثمة الجواب عن
البيهقي وغيره بما حاصله أن قتالهم ببدر كان عامًا عن جميع القوم، وأما في أحد فإِنهما ملكان
وقتالهما عن المصطفى فقط.
٤

٤٦٠
غزوة أحد
ولما بكى المسلمون على قتلاهم سر بذلك المنافقون وظهر غش اليهود.
ذكر القاضي عياض في الشفاء عن القاضي أبي عبد الله بن المرابط من
المالكية أنه قال: من قال إن النبي عَّه هزم يستتاب فإن تاب وإلا قتل، لأنه
تنقص، إذ لا يجوز ذلك عليه في خاصته، إذ هو على بصيرة من أمره ويقين من
عصمته.
قال شيخنا: على أنه لا يلزم من ذلك قتال، بل يجوز أنهما كانا يدفعان عنه ما يرمى به من
السهام ونحوها، وعبر عن ذلك بالقتال مجازًا، وأما الذي حمل اللواء فليس فيه أنه قاتل، فيجوز
أنه رفع اللواء ليراه المسلمون فلا ينكسروا، وكذا لا يرد مقاتلتهم مع ابن عوف؛ لأنه ليس عن
عموم الجيش فهو مخصوص بعبد الرحمن.
(ولما بكى المسلمون على قتلاهم سر بذلك المنافقون،) باطنًا، ولذا عبر بسر
الإِسلامهم ظاهرًا حتى بعد أحد وإِن خذلوا وأمروا بالتفرق، وقالوا: لو كانوا عندنا ما قتلوا، فرد اللَّه
عليهم: ﴿قل نادرأوا عن أنفسكم الموت﴾، (وظهر غش اليهود،) الذي كانوا يخفونه خوفًا من
المسلمين، حيث تخيلوا وهنهم، فلذلك عبر بظهر لمخالفتهم في الظاهر والباطن، فقالوا: ما
محمد إِلا طالب ملك، ما أصيب هكذا نبي قط أصيب في بدنه وفي أصحابه، وما هذا البهتان
بأقوى من قتلهم الأنبياء بغير حق.
تتمة إيقاظ لئلا يغتر ناقص العلم بما قد وقع في سياق الحديث، فيسري إِلى وهمه أنه
يجوز اعتقاده أو التكلم به.
(ذكر القاضي عياض في الشفاء عن القاضي أبي عبد اللَّه،) محمد بن خلف بن سعيد،
المعروف بـ (ابن المرابط من الملكية) الإفريقي، فقيه بلده، ومفتيه وقاضيه، كان من أهل
الفضل والفقه والتفنن. سمع أبا القاسم المهلب، وأجازه أبو عمر الطلمنكي، وشرح البخاري شرحًا
كبيرًا حسنًا، ورحل إليه الناس وسمعوا منه. توفي بعد الثمانين وأربعمائة، (أنه قال من قال: إِن
النبي ◌َِّ هزم،) وما في معناه من فر وهرب وتوارى واختفى، إِذ العلة في ذلك تنقيصه ولا
توقف عندنا في ذلك، (يستتاب)) أي: يطلب منه الرجوع عما قاله، (فإِن تاب) قبلت توبته، (وإلا
قتل لأنه تنقص،) أي: ذم وتعييب، لكن في القاموس وغيره: انتقصه، فالمناسب أن يقول لأنه
انتقاص، والذي في الشفاء تنقيص بياء قبل الصاد، (إذ لا يجوز ذلك عليه في خاصيته،) أي: لا
مرخصه الله به، حيث ثبت قلبه، وألقى الرعب في قلوب أعدائه، (إِذ هو على بصيرة من أمره،)
يعرف بها أن أحدًا لا يقدر على إصابته بسوء)، (ويقين من عصمته،) أي: عصمة اللَّه له بحفظه،
وأي يقين مثل ما وقع له يوم أحد بحيث لم يبق معه غير طلحة وسعد في بعض الأوقات، وهو