النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ غزوة أحد ثم رجع إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا، فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسؤوك، قال: يوم بيوم، والحرب سجال. أبي سفين تصاونًا عن الخوض فيما لا فائدة فيه، وعن خصام مثله. وكان ابن قمئة قال لهم: قتلته، (ثم رجع) أبو سفين عن السؤال (إِلى) أخبار (أصحابه،) فلا ينافي ما قيل إِنه ناداهم وهو على فرسه في مكانه، (فقال: أما،) بشد الميم، (هؤلاء فقد قتلوا). وفي المغازي فقال: إِن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياءٌ لأجابوا، (فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت) واللَّه (يا عدو الله إِن الذین عددت لأحياء كلهم). قال المصنف: إِنما أجابه بعد النهي حماية للظن برسول اللَّه عَّه أنه قتل وأن بأصحابه الوهن فليس فيه عصيان له في الحقيقة، انتهى، يعني على ظاهر حديث البخاري هذا في الجهاد والمغازي، وإلاّ ففي فتح الباري في حديث ابن عباس عند أحمد والطبراني والحاكم أن عمر قال: يا رسول اللّه ألا أجيبه؟ قال: ((بلى))، فكأنه نهى عن إجابته في الأولى، وأذن فيها في الثالثة، انتهى. ولا منافاة بين الحديثين لأن عمر لم يتمكن من إِدامة ترك الجواب، فاستأذنه عَ لَّا، فأذن له، فأجابه سريعًا (وقد بقي لك ما يسوؤك). قال المصنف: يعني يوم الفتح، وهذا لفظ البخاري في الجهاد، ولفظه في المغازي: أبقى اللَّه عليك، وفي لفظ: لك ما يحزنك. قال المصنف: بالتحتية المضمومة، وسكون الحاء المهملة بعدها نون ساكنة أو بالمعجمة وبعدها تحتية ساكنة، انتهى. (قال) أبو سفين: (يوم بيوم بدر،) أي: هذا اليوم في مقابلة يوم بدر، وفي حديث ابن عباس، فقال عمر: لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. قال أبو سفين: إِنكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا إِذًا وخسرنا، (والحرب سجال.) قال الحافظ وغيره: بكسر المهملة وتخفيف الجيم، أي: دول مرة لهؤلاء، ومرة لهؤلاء. وفي حديث ابن عباس: الأيام دول والحرب سجال، واستمر أبو سفين على اعتقاد ذلك حتى قاله لهرقل وقد أقر، بل نطق عَّ﴾ بقوله: ((الحرب سجال))؛ كما في سديث أوس بن أوس عند ابن ماجه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ [آل عمران: ١٤٠]، بعد قوله: ﴿إِن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله﴾ [آل عمران: ١٤٠]، فإنها نزلت في قصة أحد بالاتفاق، والقرح: الجراح، انتهى. قال ابن اسحق: فلما أَجاب عمر أبا سفين قال له: هلم إِليَّ يا عمر، فقال عٍَّ لعمر: ((ائته فانظر ما شأَنْه))، فقال: أَنشدك الله يا عمر أقتلنا محمدًا؟، قال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك ٤٢٢ غزوة أحد وتوجه لا يلتمس أصحابه، فاستقبله المشركون فرموا وجهه فأدموه وكسروا رباعيته، والذي جرح وجهه الشريف عبد الله بن قمئة، وعتبة بن أبي وقاص أخو سعد هو الذي کسر رباعیته، الآن، قال: أنت عندي أَصدق من ابن قمئة وأبر. قال الحافظ: في الحديث منزلة أبي بكر وعمر من النبي عَّه وخصوصيتهما به بحيث كان أعداؤهم لا يعرفون غيرهما، إِذ لم يسأل أبو سفين عن غيرهما، ولم يسأل عن هؤلاء الثلاثة إِلاَّ لعلمه وعلمٍ قومه أَن قيام الإِسلام بهم. (وتوجه عَّ يلتمس أصحابه، فاستقبله المشركون، فرموا وجهه فأدموه وكسروا رباعيته،) بفتح الراء وتخفيف الموحدة، والجمع رباعيات، وهي السن التي بين الثنية والناب، والمراد أنها كسرت فذهب منها فلقة ولم تقلع من أصلها، قاله في الفتح والنور، (والذي جرح وجهه الشريف عبد الله))) وسماه ابن القيم في الهدى عمرو (بن قمئة،) لكن بالأَوَّل جاء حديث أبي أمامة الآتي، وبه جزمٍ ابن هشام، (وعتبة بن أبي وقاص أخو سعد) أحد العشرة، (هو الذي كسر رباعيته،) لأنه رماه بأربعة أحجار، فكسر حجر منها رباعيته. روى ابن إسحق عن سعد بن أبي وقاص: ما حرصت على قتل رجل قط حرصي على قتل أخي عتبة بن أبي وقاص لما صنع برسول اللَّه عَّه، ولقد كفاني منه قول رسول اللّه عَ ل: ((اشيتد غضب الله على من دمی وجه رسوله)). وروى عبد الرزاق في تفسيره من مرسل مقسم، وسعيد بن المسيب؛ أنه عَِّ دعا على عتبة حين كسر رباعيته ودمى وجهه، فقال: ((اللهم لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرًا))، فما حال عليه الحول حتى مات كافرًا إِلى النار. وروى الحاكم في المستدرك بإسناد فيه مجاهيل عن حاطب بن أبي بلتعة، أنه لما رأَى ما فعل قال: يا رسول الله، من فعل بك هذا؟، قال عتبة: قلت: أَين توجه؟، فأشار إلى حيث توجه، فمضيت حتى ظفرت به، فضربته بالسيف، فطرحت رأسه، فنزل، فأَخذت رأسه وفرسه وسيفه، وجئت إِلى رسول اللَّه عَّه، فنظر إلى ذلك، ودعا لي، فقال: ((رضي اللَّه عنك)) مرتين. قال الحافظ: وهذا لا يصح، لأنه لو قتل إِذ ذاك كيف كان يوصي أخاه سعدًا، وقد يقال لعله ذکر له، قبل وقوع الحرب احتياطًا، انتهى. قال ابن إسحق: وقال حسان لعتبة: إِذا اللَّه جازى معشرًا بفعالهم ونصرهم الرحمن رب المشارق فأخزاك ربي يا عتيب بن لملك ولقاك قبل الموت إِحدى الصواعق بسطت يمينًا للنبي تعمدًا فأدميت فاه قطعت بالبوارق ٤٢٣ غزوة أحد ومن ثم لم يولد من نسله ولد فيبلغ الحنث إلا وهو أبخر أو أهتم - أي مكسور الثنايا من أصلها - يعرف ذلك في عقبه. وقال ابن هشام؛ في حديث أبي سعيد الخدري: إن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله عَّ يومئذٍ فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن شهاب فهلا ذكرت اللَّه والمنزل الذي تصير إِليه عند إِحدى البوائق قال ابن هشام: تركت منها بيتين أَقذع فيهما وفي هذا كله أَنه مات كافرًا. قال في الإصابة في القسم الرابع فيمن ذكر في الصحابة غلطًا لم أر من ذكره في الصحابة إِلا ابن منده، واستند لقول سعد في ابن أمة زمعة: عهد إِلى أخي عتبة أنه ولده، وليس فيه ما يدل على إِسلامه، وقد شدد أبو نعيم في الإنكار على ابن منده، واحتج بما مر عن عبد الرزاق، وفي الجملة ليس من الآثار ما يدل على إِسلامه بل فيها ما يصرح بموته على الكفر كما مضى، فلا معنى الإِيراده في الصحابة، انتهى. (ومن ثم؛) كما قال في الروض: (لم يولد من نسله ولد فيبلغ الحنث،) أي: أَوانه، وهو الحلم كما عبر به السهيلي، (إلا وهو أَبخر،) منتن الفم. وقال صاحب الخميس: أي: عطشان لا يروى. وفي القاموس: البخر العطش، فلا يروى من الماء، (أو اهتم، أي: مكسور الثنايا من أصلها يعرف ذلك في عقبه،) هكذا لفظ الروضِ أَبخر، أو أَهتم بأَو، كما رأيته فيه، وكما نقله في النور عنه، وهو يفيد أَن الحاصل لهم أحد الأمرين لا هما معًا، ووقع في نقل السبل عن الروض بحذف أو، فإن لم تكن سقطت أو من الكاتب فكان نسخ الروض اختلفت، فتجعل أو مانعة خِلو، فلا ينافي الجمع في نسله بينهما، ولم يحصل مثل ذلك في نسل ابن شهاب، وابن قمئة؛ لأَن أَثر جراحتهما لم يدم بخلاف کسر الرباعية، فباق وإِن لم يشنه ګے لا سيما والزهري أسلم، فجب ما قبله هذا. وروى ابن الجوزي والخطيب في تاريخه، عن محمد بن يوسف الحافظ الفريابي قال: بلغني أن الذي كسر رباعيته عَّه لم يولد له صبي، فتنبت له رباعية، وجمع شيخنا بينهما بحمل الثنايا في المصنف على الرباعية لمجاورتها لها، والكسر على عدم نباتها من أصلها. (وقال ابن هشام) عبد الملك في السيرة: من زيادته على ابن إسحق، (في حديث أبي سعيد الخدري: أَن عتبة بن أبي وقاص رمي رسول اللَّه عَّ يومئذ، فكسر رباعيته اليمنى السفلى،) هذا فائدة ذكره رواية ابن هشام، لأن فيها تعيين الرباعية المبهمة في الرواية السابقة، ولقوله: (جرح شفته السفلى،) ولقوله: (وإِن عبد اللَّه بن شهاب) بن عبد اللَّه بن الحرث بن زهرة ٤٢٤ غزوة أحد الزهري شجه في جبهته، وإن ابن قمئة جرح وجنته فدخلت خلقتان من المغفر في وجنته، ووقع عَّةٍ في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها المسلمين. وفي رواية: وهشموا البيضة على وجهه - أي كسروا الخوذة - ورموه بالحجارة حتى سقط لشقه في حفرة من الحفر التي حفرها أبو عامر، فأخذ علي بيده، واحتضنه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائمًا، ابن كلاب القرشي (الزهري،) جد الإمام الفقيه من قبل أبيه، شهد أحدًا مع الكفار، ويقال: هو الذي شج وجه النبي ◌َُّ، ثم أسلم بعد ذلك، ومات بمكة. قاله أبو عمر تبعًا للزبير بن بكار، وذكر البلاذري أنه مات في أيام عثمن، وأَما جده من قبل أمه وهو أخو هذا، واسمه أيضًا عبد اللَّه، فكان من السابقين، ذكره الزهري والزبير والطبري فيمن هاجر إلى الحبشة، ومات بمكة قبل هجرة المدينة. زاد ابن سعد: وليس له حديث ذكره في الإصابة. وفي الروض: أَن الأَوّل أَصغر من الثاني، واختلف من المهاجر منهما للحبشة، وقيل لابن شهاب: أَكان جدك ممن شهد بدرًا؟، فقال: نعم، ولكن من ذلك الجانب، يعني مع الكفار، انتھی. (شجه في جبهته،) ذكر البرهان عن بعضٍ أَشياخه أَن هذا غريب، ولذا مرضه في الإِصابة حيث قال: يقال: هو الذي شج وجهه كما رأيت، (وإِن ابن قمئة جرح وجنته،) مثلث الواو، والأَشهر الفتح، أي: ما ارتفع من لحم خده، فحصل في رواية ابن هشام هذه بيان مبهم قوله في الأوّل جرح وجهه، (فدخلت حلقتان من المغفر) بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء، زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، قاله المصنف في المقصد الثالث (في وجنته، ووقع عَّ في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق،) كما سماه عَّه، وكان يقال له الراهب، وهو عبد عمرو بن صيفي بن لملك بن النعمان الأوسي، مات كافرا سنة تسع، وقيل: سنة عشر، ذكرهما ابن عبد البر. وقال غيره: سنة سبع، وقد مر أنه أوّل من أَنشب الحرب، (یکید بها المسلمين،) لفظ ابن هشام من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون. (وفي رواية: وهشموا البيضة على وجهه،) لفظ مسلم عن عمر: وهشمت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه، (أي: كسروا الخوذة ورموه بالحجارة حتى سقط لشقه، ) أي: عليه، (في حفرة من الحفر التي حفرها أبو عامر، فأخذ علي بيده واحتضنه.) ولفظ ابن هشام، ورفعه (طلحة بن عبيد الله) التيمي، أحد العشرة، (حتى استوى قائمًا). وفي الصحيح عن قيس: رأيت يد طلحة شلاء، وقى بها النبي عَّه يوم أحد. وفي ٤٢٥ غزوة أحد ونشبت حلقتان من المغفر في وجهه الشريف، فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح وعض عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما في وجهه الشريف. الإكليل: أَن طلحة جرح يوم أَحد تسعًا وثلاثين، أو خمسًا وثلاثين، وشل أصبعاه، أي: السبابة والتي تليها. وللطيالسي عن عائشة: كان أبو بكر إِذا ذكر يوم أحد قال: كان ذلك اليوم كله لطلحة. وروى النسائي والبيهقي بسند جيد عن جابر: أَدرك المشركون رسول اللَّه عَ لَّه فقال: ((من للقوم؟»، فقال طلحة: أنا، فذكر قتل الذين كانوا معهما من الأنصار، قال: ثم قاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى ضربت يده، فقطعت أصابعه، فقال: حس، فقال عَّ ◌ُله: ((لو قلت بسم اللّه لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك حتى تلج بك في جوّ السماء ثم رد الله المشركين (ونشبت) بكسر الشين المعجمة، أي: علقت، والمراد دخلت، (حلقتان) تثنية حلقة بسكون اللام، (من المغفر في وجهه الشريف، ) أي: في وجنته بسبب جرح ابن قمئة وجنته؛ كما بينه في رواية ابن هشام التي قبل هذه الرواية، (فانتزعهما أبو عبيدة،) عامر بن عبد الله (بن الجراح،) أحد العشرة، أمين هذه الأمة، (وعض عليهما حتى سقطت ثنيتاه) في مرتينٍ، (من شدة غوصهما في وجهه الشريف،) كما روى ابن إسحق عن أبي بكر بسند صحيح: أَن أبا عبيدة نزع إِحدى الحلقتين من وجه رسول اللَّه عَّ له، فسقطت ثنيته، ثم نزع الاخرى فسقطت ثنيته الأخرى، فكان ساقط الثنيتين. وفي الاستيعاب قيل: إِن عقبة بن وهب بن كلدة هو الذي نزع الحلقتين، وقيل: أبو عبيدة. قال الواقدي: قال عبد الرحمن بن أبي الزياد: نرى أنهما جميعًا عالجاهما وأخرجاهما من وجنتي النبي علّ انتهى. وفي الرياض النضرة قيل: إِن المنتزع أبو بكر، انتهى. فيجوز أن الثلاثة عالجوهما، وقول النور قوله يعني اليعمري في العيون: أَن طلحة بن عبيد الله نزع إِحدى الحلقتين وهم، فلم يقع ذلك في العيون ولا في غيرها. وروى أبو حاتم عن الصديق: رمي عَّ في جبهته ووجنته، فأَهويت إِلى السهم لأَنزعه، فقال أبو عبيدة: نشدتك باللَّه يا أَبا بكر أَلاَّ تركتني، فتركته، فأَخذ أبو عبيدة السهم بشفته، فجعل يحركه ويكره أَن يؤذيه ◌َّه، ثم استله بفيه. قال في الرياض النضرة: يجوز أن السهمين أمبتا حلقتي الدرع، فانتزع الجميع فسقطتا لذلك انتھی. ٤٢٦ غزوة أحد وامتص لملك بن سنان - والد أبي سعيد الخدري رضي الله عنه - الدم من وجنته ثم ازدرده، فقال عليه الصلاة والسلام: من مس دمي لم تصبه النار، وسيأتي إن شاء الله تعالى حكم دمه عليه الصلاة والسلام. وفي الطبراني من حديث أبي أمامة قال: رمى عبد الله بن قمئة رسول الله عَّه يوم أحد فشج وجهه وكسر رباعيته فقال: خذها وأنا ابن قمئة، فقال رسول الله عَّه وهو يمسح الدم عن وجهه: أقمأك الله، فسلط الله عليه تيس جبل فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة قطعة. وعند الواقدي عن أبي سعيد: أَن الحلقتين لما نزعتا جعل الدم يسرب كما يسرب الشن بسين مهملة وضم الراء، أي: يجري، (وامتص) أي: مص، وبه عبر ابن هشام، (ملك بن سنان، والد أبي سعيد،) سعد، (الخدري رضي اللَّه عنهما الدم من وجنته، ثم ازدرده) كله على ظاهر رواية ابن هشام هذه، لكن في رواية: أنه جعل يأخذ الدم بفیه، ویمجه ویزدرد منه، فقال له: ((أتشرب الدم؟))، فقال: نعم يا رسول اللَّه، (فقال عليه الصلاة والسلام: من مس دمي لم تصبه) وفي رواية: لم تمسه (النار، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى حكم دمه عليه الصلاة والسلام) وهو الطهارة على الراجح، ومجموع من قيل: إنه شرب دمه لا في خصوص هذا اليوم لملك بن سنان هذا، وعلي، وابن الزبير، وأبو طيبة الحجام، وسالم بن أبي الحجاج وسفينة مولى المصطفى. (وفي الطبراني من حديث أبي أمامة)، صدى بصاد ودال مفتوحة مهملتين، ابن عجلان الباهلي، (قال: رمى عبد اللّه بن قمئة رسول اللَّه عَلّم يوم أحد، فشج وجهه وكسر رباعيته،) مر إِن الذي كسرها عتبة بن أبي وقاص، وجعلهما صاحب المنتقى قولين، وجمع شيخنا بأن عتبة كسرها أوّلاً، فلما شجه ابن قمئة، أثرت ضربته في رباعيته، فنسب كسرها له، (فقال: خذها وأَنا ابن قمئة، فقال رسول اللّه عَِّ، وهو يمسح الدم عن وجهه: أَقمأك اللّه). قال البرهان: بهمزة مفتوحة في أَوَّله، وأخرى في آخره، أي: صغرك وذللك، (فسلط اللَّه عليه تيس جبل،) وهو ذكر الظباء؛ فإن لم يضف للجبل فذكر المعز، (فلم يزل،) أي: استمر، (ينطحه حتى قطعه،) فعل، وفاعل ومفعول، (قطعة قطعة،) أي: قطعة بعد قطعة. وروى ابن عائذ عن عبد الرحمن بن زيد ابن جابر، قال: انصرف ابن قمئة عن ذلك اليوم إِلى أهله، فخرج إلى غنمه، فوافاها على ذروة جبل، فأخذ فيها يعترضها، ويشد عليه تيسها، فنطحه نطحة أرداه من شاهق الجبل، فتقطع وهو منقطع، كما قال الحافظ: فإِن أَردِت الترجيح، فرواية الطبراني موصولة، فتقدم على المنقطع، ولذا اقتصر عليها المصنف، وإِن أَردت الجمع ٤٢٧ غزوة أحد وروى ابن إسحق عن حميد الطويل عن أنس قال: کسرت رباعيته عَّ يوم أحد وشج وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه الشريف، وجعل يمسحه ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم، فأنزل الله: ﴿لیس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ [آل عمران/ فيمكن أَنه لما نطحه تيس غنمه، وقع من هاشق الجبل إِلى أَسفل، فسلط الله عليه تيس الجبل، فنطحه حتى قطعه قطعًا زيادة في نكاله وخزيه ووباله. (وروى ابن إسحق) محمد في السيرة، (عن حميد الطويل،) الخزاعي البصري، ثقة تابعي صغير حافظ، توفي وهو قائم يصلي سنة أربعين ومائة، وقيل: سنة ثلاث، وقيل: اثنتين، وله خمس وسبعون سنة، واختلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال، قيل: كان طويل اليدين، فلقب بذلك. وقال الأصمعي: رأَيته ولم يكن طويلاً، لكن كان له جار يعرف بحميد القصير، فقيل له: الطويل، ليعرف من الآخر. ولفظ ابن إسحق: حدثني حميد، وكان الأولى للمصنف أَن يأتي به، لأَن ابن إسحق وإِن كان ثقة حافظًا؛ لكنه يدلس فلا يقبل منه إلا ما صرح فيه بالتحديث؛ كما هو الواقع هنا، ثم حميد يدلس أيضًا، ولذا علقه البخاري، وقرنه بثابت، فقال: قال حميد وثابت، (عن أنس قال: كسرت رباعيته عَّةٍ يوم أحد، وشج وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه الشريف، وجعل يمسحه، ويقول: كيف،) استفهام تعجب، (يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم،) وذلك مقتضٍ لمزيد إِكرامه، وإِنزالهم إياه منزلة الروح من الجسد لا إيذائه، (فأنزل اللَّه: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ [آل عمران: ١٢٨]٤) إنما أنت عند مأمور بإنذارهم، وجهادهم وٍشىء اسم ليس ولك خبر، ومن الأمر حال من شىء لأنها صفة مقدمة، ﴿أو يتوب عليهم﴾ إِن أسلموا فنسر به، ﴿أو يعذبهم،﴾ إِن أَصروا فتشتفي منهم، وأو بمعنى إلا أن كما قطع به الجلال، وزاد البيضاوي: أو عطف على الأمر، أو شىء بإِضمار أَن، أي: أليس لك شىء من أمرهم، أو التوبة عليهم، أو تعذيبهم، ﴿فإِنهم ظالمون﴾ [آل عمران: ١٢٨]،) بالكفر، وأما جعله عطفًا على قوله: ليقطع طرفًا من الذين كفروا، كما جزم به المصنف في شرح الصحيح، أو على قوله: أو يكبتهم وليس لك من الأمر اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، والمعنى أن اللَّه لملك أمرهم فإِما أَن يهلكهم، أو يكبتهم، أو يتوب عليهم؛ كما هو أحد الوجوه في البيضاوي، ففيه وقفة، لأَنّ عامل يكبتهم هو قوله: ليقطع، وهو متعلق بقوله: نصركم، فكيف يكون سببًا لنزول قوله: ﴿ليس لك من الأمر﴾ الآية، المسوق لغير ما سيق له ما قبله، ثم قوله فأنزل اللَّه: ﴿ليس لك من الأمر ٤٢٨ غزوة أحد ١٢٨]. ورواه أحمد والترمذي والنسائي من طرق حميد به. وعند ابن عائذ من طريق الأوزاعي: بلغنا أنه لما جرح مَّهِ يوم أحد، أخذ شيئًا فجعل ينشف دمه ويقول: لو وقع منه شىء على الأرض لنزل عليهم العذاب من السماء، شىء﴾ الآية، ليس قول المصنف، بل قول أنس، وحكمه الرفع فإنه في ابن إسحق، كما ذكر المصنف حرفًا بحرف لم يتصرف عليه إلا في إبدال، حدثني حميد بقوله عن حميد، وقد رواه مسلم من حديث ثابت عن أنس بلفظ: فأنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيءٍ﴾ الآية. (ورواه أحمد والترمذي والنسائي من طرق، عن حميد،) عن أنس، (به) إِشارة إِلى أَن ابن إسحق لم ينفرد به عن حميد، والحديث صحيح. وروى البخاري أيضًا، وأحمد، والنسائي والترمذي في سبب نزول الآية، عن ابن عمر؛ أَنه سمع رسول اللَّه عَّ يقول: ((إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر، اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا، بعدما يقول سمع الله لمن حمده وربنا ولك الحمد)) فأَنزلِ اللَّه: ﴿ليس لك من الأمر شىء﴾ إلى قوله: ﴿فإنهم ظالمون﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وجمع الحافظ بأنه دعا على المذكورين في صلاته، بعدما وقع له يوم أحد، فنزلت الآية فيما وقع له وفيما نشأ عنه من الدعاء عليهم. قال: لكن يشكل ذلك بما في مسلم عن أبي هريرة أَنْه عَّ كان يقول في الفجر: ((اللهم العن لحيان ورعلاً، وذكوان وعصية))، حتى أنزل اللَّه: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ [آل عمران: ١٢٨]، ووجهِ الإِشكال أَن الآية نزلت في قصة أحد، وقصة رعل وذكوان بعدها، ثم ظهرت لي علة الخبر، وأن فيه إِدراجًا؛ فإِن قوله: حتى أنزل الله منقطع من رواية الزهري عمن بلغه بين ذلك مسلم، وهذا البلاغ لا يصح لما ذكرته، ويحتمل أن قصتهم كانت عقب ذلك، وتأخر نزول الآية عن سببها قليلاً، ثم نزلت في جميع ذلك، وقال في محل آخر فيه بعد: والصواب أنها نزلت بسبب قصة أُحد، انتهى. (وعند) الحافظ محمد (بن عائذ،) بتحتية وال معجمة الدمشقي الكاتب، صاحب المغازي وغيرها، وثقه ابن معين وغيره، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، (من طريق الأوزاعي،) عبدالرحمن بن عمرو، إِمام أهل زمانه. قال ابن سعد: ثقة مأمون صدوق، فاضل خير، كثير الحديث والعلم والفقه، ولد سنة ثمان وثمانين، ومات في الحمام سنة سبع وخمسين ومائة. قال: (بلغنا أنه لما جرح عَ لِّ يوم أحد أَخذِ شيئًا، فجعل ينشف دمه) فيه ليمنعه من النزول على الأرض، (ويقول: لو وقع منه شىء على الأرض، لنزل عليهم العذاب من السماء،) لعل ٤٢٩ غزوة أحد ثم قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: ضرب وجه النبي عَّ يومئذٍ بالسيف سبعين ضربة، ووقاه الله شرها كلها. قال في فتح الباري: وهذا مرسل قوي، ويحتمل أن يكون أراد بالسبعين حقيقتها أو المبالغة في الكثرة. انتهى. وقاتلت أم عمارة نسيبة حكمته أن نزوله يحقق مرادهم من أَذاه، ويدومٍ فيما أصابه من الأرض، وهي محل الامتهان بخلاف إزالته بالمسح، فلم يبق له أثر ظاهر؛ فكأنه لم ينزل، فلا امتهان، وهذا من كمال شفقته، وحلمه، وعظيم عفوه وكرمه، (ثم) لم يكتف بإزالة ما ينزل العذاب عليهم حتى (قال: اللهم اغفر لقومي،) فأظهر سبب الشفقة بإضافتهم إليه، فإن الطبع البشري يقتضي الحنو على القرابة بأي حال، وليبلغهم ذلك فتنشرح صدورهم للإِيمان، ثم اعتذر عنهم، فقال: (فإنهم لا يعلمون،) فاعتذر عنهم بالجهل الحكمي، لعدمٍ جريهم على مقتضى علمهم، وإِن لم يكن بعد مشاهدة الآيات البينات عذرًا تضرعًا إِلى اللَّه أن يمهلهم حتى يكون منهم، أو من ذريتهم مؤمن، وقد حقق اللَّه رجاءه، ولم يقل يجهلون تحسينًا للعبارة، ليجذبهم بزمام لطفه إلى الإِيمان، ويدخلهم بعظيم حلمه حرم الأمان، ثم استشكل هذا بنحو قوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أَن يستغفروا للمشركين﴾، وإِن كان سببها خاصًا فهي عامة في حق كل مشرك، وأجيب كما قال السهيلي في الروض: بأن مراده الدعاء لهم بالتوبة من الشرك حتى يغفر لهم، بدليل رواية من روِى: اللهم اهد قومي، وهي رواية عن ابن إسحق، ذكرها بعض رواة سيرته عنه بهذا اللفظ، وبأنه أراد مغفرة تصرف عنهم عقوبة الدنیا من نحو خسف ومسخ، انتهى. وفي الينابيع كان عَّة يأخذ قطرات الدم، ويرمي بها إلى السماء، ويقول: ((لو وقع منها شىء على الأرض لم ينبت عليها نبات)). (وروى عبد الرزاق) بن همام الحافظ الصنعاني، (عن معمر) بن راشد الأزدي البصري، نزيل اليمني، الحافظ المتقن، الفقيه الورع، المتوفى في رمضان سنة اثنتين، أو ثلاث وخمسين ومائة، (عن الزهري قال: ضرب وجه النبي عَّ يومئذٍ) أي: يوم أحد، (بالسيف سبعين ضربة، ووقاه اللَّه شرها كلها،) فلم يحصل مرادهم بالضرب، وللَّه المنة. (قال في فتح الباري: وهذا مرسل قوي) إِسناده، لأن رجاله من رواه الصحيح، (ويحتمل يكون أراد بالسبعين حقيقتها) على أصل مدلول اللفظ، (أو المبالغة في الكثرة) على عادة العرب في ذلك، (وقاتلت أم عمارة،) بضم العين وتخفيف الميم، (نسيبة،) بفتح النون، وكسر السين المهملة، فمهملة مفتوحة، فهاء كما ضبطها في الإِكمال، والتبصير، والإِصابة، والنور وغيرهم، ٤٣٠ غزوة أحد بنت كعب المازنية يوم أحد - فيما قاله ابن هشام - فخرجت أول النهار حتى انتهت إلى رسول الله عَّه قالت: فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمي عن القوس حتى خلصت الجراحة إلي، أصابني ابن قمئة - أقمأه الله تعالى - لما ولى الناس عن رسول الله عَّ أقبل يقول: دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا، قالت فاعترضت له، فضربني هذه الضربة، ولكن ضربته ثلاث ضربات على ذلك، ولكن عدو الله علیه درعان. قالت أم سعد بنت سعد بن الربيع: فرأيت على عاتقها جرحًا أجوف له غور. وقول الشامي بالتصغير على المشهور، عن ابن معين والفربري ككريمة وهم إنما هذا في نسيبة أم عطية؛ كما في فتح الباري في الجنائز، فنقله في أم عمارة غلط، (بنت كعب المازنية،) من بني مازن بن النجار الأنصارية النجارية. قال أبو عمر: شهدت العقبة وأحدًا مع زوجها زيد بن عاصم، وولديها حبيب، بحاء مهملة، وكسر الموحدة، وعبد الله، وشهدت بيعة الرضوان، وخرجت يوم اليمامة اثنتي عشرة جراحة، وقطعت يدها، وقتل ولدها حبيب. روت عن المصطفى، وعنها عكرمة وغيره، (يوم أحد فيما قاله) عبد الملك (بن هشام،) عن سعيد بن أبي يزيد الأنصاري، عن أم سعد، بنت سعد بن الربيع، عنها قالت: (فخرجت أوّل النهار حتى انتهيت إلى رسول اللَّه عَّ قالت: فقمت أباشر القتال وأذب عنه) عَّ (بالسيف وأرمي عن القوس حتى خلصت، ) أي: وصلت، (الجراحة،) هذا فاللام للحضور، (إليّ) بالتشديد، من أجل أن (أصابني ابن قمئة أقمأه اللَّه) بهمزتين مفتوحتين أوّله وآخره، (لما ولى الناس عن رسول اللَّه عَّه، أقبلٍ يقول: دلوني على محمد، فلا نجوت إِن نجا، قالت: فاعترضت،) أي: تعرضت (له) لأمنعه عنه عَُّلِّ أنا، ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت معه عَّهِ؛ كما قالته عند ابن هشام، (فضربني هذه الضربة، ولكن ضربته على ذلك ثلاث ضربات،) وثبت لفظ ثلاث عند ابن هشام، وسقط من أكثر نسخ المصنف، (ولكن عدوّ اللَّه عليه درعان،) فلم تؤثر فيه ضرباتي. (قالت) رواية هذا الحديث عنها (أم سعد،) واسمها جميلة؛ كما قال ابن سعد، (بنت سعد بن الربيع) الصحابية بنت الصحابي، قتل أبوها يوم أحد وكانت يتيمة في حجر الصديق، وقيل: إِنها زوجة زيد بن ثابت، أخرج لها أبو داود، (فرأيت على عاتقها جرحًا أجوف له غور،) فبينت صفة الجراحة ومحلها، وأخرج الواقدي عن عمارة ابن غزية: أن أم عمارة قتلت يومئذ فارسًا من المشركين، وبسند آخر عن عمر، سمعت رسول اللَّه عَ لَّه يقول: ((ما التفت يوم أحد ٤٣١ غزوة أحد وتترس دون رسول الله عَّه - فيما قاله ابن إسحق - أبو دجانة بنفسه، يقع النبل في ظهره وهو ينحني عليه حتى كثر فيه النبل وهو لا يتحرك. ورمى سعد بن أبي وقاص دون رسول الله عَّالِ. قال سعد: فلقد رأيته يناولني النبل ويقول: ارم فداك أبي وأمي، يمينًا، ولا شمالاً إِلا وأراها تقاتل دوني، (وتترس دون رسول اللَّه عٌَّ))) أي: جعل نفسه كالترس المانع من وصول سهام العدو إِليه، (فيما قاله ابن إسحق، أبو دجانة بنفسه يقع النبل في ظهره، وهو ينحني عليه حتى كثر فيه النبل، وهو لا يتحرك، ورمى سعد بن أبي وقاص) لملك الزهري، أحد العشرة، (دون رسول اللَّه عَّ) بألف سهم، كما رواه الحاكم، وبعضها من سهام المصطفی حین فرغت سهام سعد. (قال سعد: فلقد رأيته يناولني النبل، ويقول: ارم فداك أبي وأمي،) بكسر الفاء وتفتح، أي: لو كان لي إلى الفداء سبيل؛ لفديتك بأبوي اللذين هما عزيزان عندي، والمراد من التفدية لازمها، أي: ارم مرضيًا، قاله المصنف. وقال النووي: والمراد بالتفدية الإِجلال والتعظيم، لأن الإِنسان لا يفدي إِلا من يعظمه، وكأن مراده بذلت نفسي، أو من يعز عليّ في مرضاتك وطاعتك انتهى. وروى البخاري عن سعد نثل إلى النبي عَّة كنانته يوم أحد فقال: ((ارم فداك أبي وأمي)). وروى الشيخان، والترمذي، والنسائي وابن ماجه عن علي: ما سمعت النبي مَّه جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن ملك، فإِني سمعته يقول يوم أحد: ((يا سعد، ارم فداك أبي وأمي)). وفي رواية أخرى عن علي: ما جمع عَّه أبويه إِلاَّ لسِعد. قال السهيلي: والرواية الأولى أصح، والله أعلم، لأنه أخبر فيها أنه لم يسمع. وقد قال الزبير بن العوام أنه جمع له أبويه، وقال له كما قال لسعد، رواه الزبير بن بكار انتهى، أي في هذا اليوم كما هو صريحه، وبه صرح في رواية أخرى. وروى الشيخان عن الزبير قال: جمع لي رسول اللَّهِ عَّه أبويه يوم بني قريظة. قال البرهان: ويحتمل أن عليًا أراد تفدية خاصة، لأَن الحاكم روى أن سعدًا رمى يوم أحد بألف سهم، وفي شرف المصطفى ما منها سهم إِلاَّ والنبي عٍَّ يقول له: ((ارم فداك أبي وأمي))، فلم يفد أحدًا ألف مرة على هذا إِلاَّ سعد بن أبي وقاص، انتهى. قال القاضي عياض: ذهب جمهور العلماء إلى جواز ذلك سواء كان المفدى به مسلمًا أو کافرًا. قال النووي: وجاء من الأحاديث الصحيحة ما لا يحصى. ٤٣٢ غزوة أحد حتى إنه ليناولني السهم ماله نصل فيقول: ارم به. وأصيبت يومئذٍ عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته، فأتى بها إلى رسول الله عَ لَّه فأخذها رسول الله عَّه بيده وردها إلى موضعها وقال: اللهم اكسه جمالاً، فكانت أحسن عينيه وأحدهما نظرًا. ورواه الدارقطني بنحوه، ويأتي إن شاء الله تعالى لفظه وقالِ السهيلي عن شيخه ابن العربي: فقه هذا الحديث جوازه إِن كان أبواه غير مؤمنين وإِلاَّ فلا، لأَنه كالعقوق. قال البرهان: وقِد فدى الصديق النبي عَّ بأبويه حين كانا مسلمين، وقد لا يمنع ابن العربي هذه المسألة؛ لأنه يجب على الخلق تفديته بالآباء والأمهات والأنفس انتهى. وصار عَّ يناول سعد السهام كيفما اتفق، (حتى إنه ليناولني السهم ماله نصل فيقول: ارم به،) كما عند ابن إِسحق، (وِأُصيبت) بسهم، ويقال: برمح، (يومئذ،) أي: يوم أحد، وقيل: يوم بدر، وقيل: يوم الخندق. والأوّل أصح قاله في الاستيعاب. (عين قتادة بن النعمان) بن زيد الأوسي المدني، شهد جميع المشاهد معه عَّ له، سمعه عليه السلام يقرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١]، يرددها، فقال: ((وجبت))، وحديثه في الموطأ: توفي سنة ثلاث وعشرين عن خمس وستين سنة، وصلى عليه عمر (حتى وقعت على وجنته،) وقيل: صارت في يده، (فأتى بها إِلى رسول اللَّه. زاد في الصفوة، فقال له: ((إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت رددتها، ودعوت اللَّه لك فلم تفقد منها شيئًا)، فقال: يا رسول اللَّه، إِن الجنة لجزاء جميل وعطاء جليل، ولكني رجل مبتلي بحب النساء، وأخاف أن يقلن أعور فلا يردنني، ولكن تردها وتسأل اللَّه لي الجنة، فقال: ((أفعل يا قتادة)). وفي الروض: وإِن لي امرأة أحبها، وأخشى إِن رأتني تقذرني، (فأخذها رسول اللَّه عَلّ. بيده وردها إلى موضعها، وقال: اللهم اكسه جمالاً). وعند الطبراني وأبي نعيم، عن قتادة: كنت أتقي السهام بوجهي دون وجهه عَّةٍ، فكان آخرها سهمًا ندرت منه حدقتي، فأخذتها بيدي وسعيت إِلى رسول اللَّه عَّهِ، فلما رآها في كفي دمعت عيناه فقال: ((اللهم قي قتادة؛ كما وقى وجه نبيك فاجعلها أحسن عينيه وأحدهما نظرًا))، (فكانت أحسن عينيه وأحدهما،) أقواهما (نظرًا). زاد في رواية: وكانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى، وفي رواية: أنها صارت لا تعرف، ولا يدري أيتهما التي سالت على خده، (ورواه الدارقطني بنحوه، ويأتي إِن شاء اللَّه تعالى لفظه،) ٤٣٣ غزوة أحد في مقصد المعجزات. ورمي أبو رهم الغفاري كلثوم بن الحصين بسهم فوقع في نحره فبصق عليه ێ﴾ فبرىء. ...... وانقطع سيف عبد الله بن جحش، فأعطاه عَةٍ عرجونًا فعاد في وهو: أصيبت عيناي يوم أحد، فسقطتا على وجنتي، فأتيت بهما النبي عَّةٍ، فأعادهما مكانهما، وبصق فيهما، فعادتا تبرقان. قال الدارقطني: تفرد به عن لملك، عمار بن نصر، وهو ثقة هكذا ساق لفظه (في مقصد المعجزات،) وهو الرابع، فلا يصح الجمع بأن إحداهما وقعت على وجنته، والأخرى أصیبت، لكنها لم تصل إِلى مثل ما وصلت إليه الأخرى، لأنه صرح في رواية العينين؛ كما ترى بأنهما معا فأسطقتا على وجنتيه. وقد قال النووي: وقال أبو نعيم: سالت عيناه، وغلطوه. قال البرهان في النور، وروى الأصمعي، عن أبي معشر قال: قدم على عمر بن عبد العزيز رجل من ولد قتادة بن النعمان، فقال: ممن الرجل؟، فقال: أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أحسن الرد فعادت كما كانت لأول أمرها فيا حسن ما عين ويا حسن ما خد فقال عمر: تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبًا بماء فعادا بعد أبوالا انتھی. وفي رواية: فقال عمر: بمثل هذا فليتوسل المتوسلون، ووصله وأحسن جائزته، وقوله: ويا حسن ما خد، هكذا رواية الأصمعي، وبها استدرك البرهان إِنشاده اليعمري، ويا حسن ما رد وعلى صحتها فلا إيطاء فيه، لأن الأول معرف، والثاني منكر، هذا ووقع في مسند أبي يعلى الموصلي: أن أبا ذر أصيبت عينه يوم أحد، وفيه عبد العزيز بن عمران متروك، وأبو ذر لم يحضر بدرًا، ولا أحدًا ولا الخندق، قاله في الاستيعاب. (ورمى) بالبناء للمفعول ونائبه، (أبو رهم الغفاري، كلثوم بن الحصين) بن خالد، أحد من بايع تحت الشجرة، واستخلفه عليه السلام على المدينة في عمرة القضاء، وعام الفتح. وروى الزهري عن ابن أخيه عنه: (بسهم، فوقع في نحره.) قال في النور: فسمي المنحور، (فبصق عليه عَ﴾ فبرىء) في هذا كسابقه معجزة باهرة، (وانقطع،) كما ذكر الزبير بن بكار، (سيف عبد اللَّه بن جحش، فأعطاه عَلِّ عرجونًا،) لفظ الزبير: عرجون: نخلة، (فعاد في ٤٣٤ غزوة أحد يده سيفًا، فقاتل به وكان ذلك السيف يسمى العرجون، ولم يزل يتوارث حتى بيع من بغا التركي من أمراء المعتصم بالله في بغداد بمائتي دينار. وهذا نحو حديث عكاشة السابق في غزوة بدر إلا أن سيف عكاشة كان يسمى العون، وهذا يسمى العرجون. واشتغل المشركون بقتلى المسلمين يمثلون بهم، يقطعون الآذان والأنوف والفروج ويبقرون البطون وهم يظنون أنهم أصابوا رسول الله عَ له وأشراف أصحابه. يده سيفًا، فقاتل به) حتى قتل رضي اللَّه عنه، قتله أبو الحكم بن الأخنس ابن شريق الثقفي، ثم قتله علي بعده، ودفن هو وخاله حمزة في قبر واحد كما يأتي. (وكان ذلك السيف يسمى العرجون،) باسم أصله قبل الآية الباهرة، (ولم يزل يتوارث،) هذا لفظ السِهيلي عن الزبير. ولفظ أبي عمر عنه: يتناول، واليعمري عنه يتناقل، والمعنى قريب، وإِنما ذكرته لأن البرهان استدرك على اليعمري بأبي عمر، (حتى بيع من بغا التركي من أمراء المعتصم بالله))) الخليفة العباسي، إبراهيم بن لهرون الرشيد، (في بغداد بمائتي دينار، وهذا) كما قال السهيلي، (نحو حديث عكاشة،) بضم العين، وشد الكاف وتخفف ابن محصن (السابق في غزوة بدر، إلاّ أن سيف عكاشة كان يسمى العون) بفتح العين، وٍسكون الواو بعدها نون، (وهذا يسمى العرجون،) بضم العين، وسكون الراء، وجيم، فواو فنون؛ لأنه عرجون نخلة، فافترقا، (واشتغل المشركون) ذكورًا وإناثًا، فهو تغليب. وذكر النساء بعد من عطف الخاص على العام، لمبالغتهن وإظهارهن الفرح (بقتلى المسلمين يمثلون بهم) ، بفتح الياء، وضم المثلثة مخففة، وبضم الياء، وفتح الميم، وكسر المثلثة مشددة، أي: بجميعهم. قال في العيون: إلا حنظلة بن أبي عامر، فإن أباه كان معهم فلم يمثلوا به، ذكره ابن عقبة انتهى، لكنه مختلف، فبالغوا في بعضهم دون بعض. (يقطعون الآذان) بدل من يمثلون، (والأنوف،) جمع أنف، ويجمع أيضًا على آناف وآنف كما في القاموس، حتى اتخذت هند منهما خلاخل، وقلائد (والفروج ويبقرون) بفتح الياء، وضم القافق يشقون (البطون وهم يظنون أنهم أصابوا رسول اللَّه عَّهِ، و) أصابوا (أشراف أصحابه))) اعتمادًا على قول ابن قمئة وما وقع بهامش: إن التمثيل إنما وقع من النساء فقط لا يصح، فعند الواقدي، وتبعه الحافظ أبو الربيع بن سالم في مغازيه: أن وحشيًا بعدما رمى حمزة تركه حتى مات، ثم أتاه وأخذ حربته، وأخرج كبده، وذهب بها إلى هند وقال لها: هذه كبد حمزة قاتل أبيك، فأخذتها ومضغتها، فلم تقدر ٤٣٥ غزوة أحد وكان أول من عرف رسول الله عَ لّهبن كعب بن لملك، قال عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين، هذا رسول الله عَّله، فلما عرفوه نهضوا ونهض معهم نحو الشعب، معه أبو بكر وعمر وعلي ورهط من المسلمين، فلما أسند أن تسيغها، فلفظتها وأعطته ثوبها وحليها ووعدته عشرة دنانير بمكة، انتهى. وعند ابن إسحق: أن سيد الأحابيش الحليس، مر بأبي سفين، وهو يضرب بزج الرمح في شدق حمزة ويقول: ذق عقق، فقال الحليس: يا بني كنانة هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحمًا، فقال: ويحك اكتمها عني، فإنها كانت زلة. وفي العيون كان خارجة بن زيد بن أبي زهير أخذته الرماح يوم أحد، فجرح بضعة عشر جرحًا، فمر به صفوان بن أمية فعرفه، فأجهز عليه، ومثل به وقال: هذا ممن أغرى بأبي يوم بدر. (وكان أول) بالفتح خبر مقدم، والضم اسم، وهو أولى لأن المبتدأ والخبر إِذا عرفا قدم المبتدأ، ولأَن الذي يقصد بيانه وتعيينه هو الخبر، قرره شيخنا (من عرف رسول اللَّه عَّ) بعد التحدث بقتله وخفائه عن أعينهم، (كعب بن ملك) بن عمرو، الخزرجي السلمي العقبي، أحد الثلاثة الذين تيب عليهم في تخلفهم عن تبوك. روى له الستة، وأحمد في المسند، (قال: عرفت عينيه تزهران،) أي تضيآن، ومن رواه تزران، فمعناه تتوقدان، قاله أبو ذر في الإِملاء. وفي الصحاح: زرت عينه تزر بالكسر زريرًا، وعيناه تزران، إذا توقدتا، (من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين،) أبشروا، كما في رواية ابن إسحق، (هذا رسول اللَّه عَّة)) زاد في رواية ابن إسحق: فأشار لي عَّةٍ أن أنصت. وروى الطبراني برجال ثقات عن كعب: كان يوم أحد، وصرنا إلى الشعب، كنت أول من عرف رسول اللَّه عَّهِ، فقلت: هذا رسول اللَّه، فأشار إليّ بيده أن اسكت، ثم ألبسني لامته ولبس لامتي، فلقد ضربت حتى جرحت عشرين جراحة، أو قال بضعًا وعشرين، كل من يضربني يحسبني رسول اللَّه عَّهِ، (فلما) سمعوا ذلك، وأقبلوا عليه، و(عرفوه نهضوا،) أي: أسرعوا إِليه، حتى أتوه، (ونهض معهم نحو الشعب) لينظر حال الناس (معه أبو بكر، وعمر وعلي ورهط من المسلمين). قال ابن عقبة: بايعوه على الموت، انتهى منهم طلحة، والزبير، والحرث بن الصمة؛ كما في ابن إسحق وغيره. قال شيخنا: وظاهره أنهم لم يكونوا ممن نهض إليه، ولا مانع منه لجواز أن كعبًا حين نادى سمعه طائفة لم يكونوا عنده فأقبلوا وكان عنده أبو بكر ومن معه فساروا معه، (فلما أسند،) ٤٣٦ غزوة أحد رسول الله عَّ في الشعب أدركه أبي بن خلف وهو يقول: أين محمد، لا نجوت إن نجا، فقالوا: يا رسول الله، يعطف عليه رجل منا؟ فقال معَ له: دعوه، فلما دنا تناول عليه الصلاة والسلام الحربة من الحرث بن الصمة، فلما أخذها منه عليه الصلاة والسلام انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله عليه الصلاة والسلام، فطعنه رسول الله علي له طعنة قال في النور: أي صعد (رسول اللَّه عَّ في الشعب،) وكأن معناه أنهم لما دخلوا به في الشعب صعدوا به في الصخرة، فاستندوا إلى جانب من الجبل، بدليل رواية ابن إسحق: نهض عَّ إِلى صخرة من الجبل ليعلوها، وكان قد بدن وظاهر بين درعين، فلما ذهب لينهض لم يستطع، فجلس تحته طلحة بن عبيد اللَّه، فنهض به، حتى استوى عليها، فقال: كما حدثني يحيى بن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير، عن أبيه، عن جده، عن الزبير بن العوام، سمعت رسول اللَّه عَ لَّه يقول يومئذ: ((أوجب طلحة حين صنع برسول الله ما صنع)). قال ابن هشام: وبلغني عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أنه عَّه لم يبلغ الدرجة المبنية في الشعب. قال البرهان: بدن، بفتح الدال المهملة المشددة أي: أسن، أو ثقل من السن، وأوجب طلحة. قال اليعمري: يعني أحدث شيئًا يستوجب به الجنة. (أدركه أبي بن خلف وهو يقول: أين محمد لا نجوت إِن نجا، فقالوا: يا رسول اللَّه) أ (يعطف،) فهو استفهام بتقدير الهمزة، وكأنها سقطت من قلم المصنف، إذ هي ثابتة في ابن إسحق، (عليه رجل منا، فقال عَّ ◌ُله: دعوه،) وعند ابن عقبة: عن سعيد بن المسيب، فاعترضه رجال من المؤمنين، فأمرهم عّلّ فخلوا طريقه، واستقبله مصعب بن عمير، يقي رسول اللَّه بنفسه، فقتل مصعب، (فلما دنا تناول عليه الصلاة والسلام الحربة من الحرث بن الصمة،) ويقال من الزبير، ويقال من طلحة، ويقال من سهل بن حنيف، (فلما أخذها عليه الصلاة والسلام منه انتفض بها انتفاضة تطايرنا،) وفي نسخة: تطايروا، أي: بعدنا، (عنه تطاير الشعراء) بشين معجمة، فعين مهملة ساكنة، فراء، فألف تأنيث. قال ابن هشام: ذباب صغير له لذع، (عن ظهر البعير إِذا انتفض) البعير. قال السهيلي: ورواه العتيبي: تطاير الشعر، أي: بضم الشين وسكون العين، وقال: هي جمع شعراء. (ثم استقبله عليه الصلاة والسلام، فطعنه رسول اللَّه عَ امٍ طعنة) في عنقه، وفي لفظ: في ٤٣٧ غزوة أحد وقع بها عن فرسه ولم يخرج له دم فكسر ضلعًا من أضلاعه. فلما رجع إلى قريش قال: قتلنى والله محمد، أليس قد كان قال لى بمكة: أنا أقتلك، فوالله لو بصق علي لقتلني. فمات عدو الله بسرف ترقوته من فرجة، في سابغة البيضة والدرع. وفي لفظ: فخدشه في عنقه خدشًا غير كبير، والترقوة في أصل العنق فلا خلف، (وقع بها عن فرسه،) مرارًا، وجعل يخور كما يخور الثور، (ولم يخرج له دم،) بل احتبس، (فكسر ضلعًا) بكسر الضاد وفتح اللام، وتسكن (من أضلاعه،) ففيه آية باهرة، سواء كان كسره من الطعنة، أو من سقوطه عن فرسه، لأن سقوطه من الطعنة، (فلما رجع إلى قريش) يركض فرسه حتى بلغهم وهو يخور كالثور، (قال: قتلني واللَّه محمد،) فقالوا: ليس عليك بأس ما أجزعك، إنما هو خدش لو كان بعين أحدنا ما ضره، فقال: واللات لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز، وفي رواية: بربيعة ومضر لماتوا أجمعين، وفي رواية: بجميع الناس لقتلهم، (أليس قد كان قال لي بمكة: أنا أقتلك). وروى ابن إسحق عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: أن أبيًّا كان يلقي رسول اللَّه عَِّ بمكة فيقول: يا محمد إِن عندي فرسًا أعلفه كل يوم فرقًا من ذرة أقتلك عليه، فيقول عَُّله: ((بل أنا أقتلك عليه إِن شاء اللّه تعالى))، فلما رجع إلى قريش، وقد خدشه في عنقه خدشًا غير كبير، فاحتقن الدم قال: قتلني واللَّه محمد، قالوا: ذهب واللَّه فؤادك، واللَّه ما بك بأس، قال: إِنه قد كان قال لي بمكة: أنا أقتلك. (فوالله لو بصق عليَّ لقتلني). وفي رواية: قال له أبو سفين: ويلك ما بك إِلاّ خدشة، قال: ويلك يا ابن حرب ما تعلم من ضربها، أما ضربها محمد، وإنه قال لي: سأقتلك، فعلمت أنه قاتلي، ولا أنجو منه ولو بزق عليَّ بعد هذه المقالة لقتلني، وأنا أجد من هذه الطعنة ألمًا لو قسم على جميع أهل الحجاز لهلكوا، وكان يصرخ ويخور حتى مات، وإِنما اقتصر أبي على قوله قال لي بمكة مع أنِه عَلِّ قال ذلك بالمدينة أيضًا بعد بدر لما بلغه قول أبي إنه يقتله على فرسه كما في رواية، لأنه لم يبلغ أبيًّا، أو بلغه، واقتصر على ما شافهه به هذا. وفي النور ما نصه: ذكر الذهبي ما لفظه، وأخبر، أي النبي عَّة؛ أنه يقتل أبي بن خلف الجمحي، فخدشه يوم بدر، أو أحد خدشًا فمات منه، وهو غريب، والمعروف أنه يوم أحد، انتهى. فلم يذكر أن الذهبي روى حديثًا يدل على ذلك كما زعم، (فمات عدو اللَّه بسرف،) بفتح السين المهملة، وكسر الراء وبالفاء، على ستة أميال من مكة، وقيل: سبعة، وتسعة واثني ٤٣٨ غزوة أحد وهم قافلون إلى مكة. رواه أبو نعيم والبيهقي ولم يذكر: فكسر ضلعًا من أضلاعه. قال الواقدي: وكان ابن عمر يقول: مات أبي بن خلف ببطن رابغ، فإني لأسير ببطن رابغ بعد هوي من الليل إذا نار تأجج فهبتها، وإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يصيح العطش، وإذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله عَّهِ، هذا أُبي بن خلف، ورواه البيهقي. عشر، ووجه هلاكه بها أنه مسرف قاله البرهان، (وهم قافلون،) أي: راجعون (إلى مكة، رواه أبو نعيم و) كذا (البيهقي، و) لكنه (لم يذكر فكسر ضلعًا من أضلاعه،) وهي ثابتة عند ابن عقبة وغيره. وقد روى الحاكم، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه قال: أقبل أبي بن خلف يوم أحد إِلى النبي ◌َّه، فاعترضه رجال من المؤمنين، فأمرهم عَِّ، فخلوا سبيله، ورأى عَّه ترقوة أبي من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة، فطعنه بحربته، فسقط عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، فكسر ضلعًا من أضلاعه، فأتاه أصحابه وهو يخور خور الثور، فقالوا له: ما أعجزك إنما هي خدش، فذكر لهم قوله عَّله: ((بل أنا أقتل أبيًّا))، ثم قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين، فمات أبي قبل أن يقدم مكة، فأنزل اللَّه: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن اللَّه رمى﴾ [الأنفال: ١٧]. قال في اللباب: صحيح الإِسناد لكنه غريب، والمشهور أنها نزلت في رميه يوم بدر بالقبضة من الحصباء انتهى. (قال الواقدي) محمد بن عمر بن واقد، أبو عبد اللَّه، المدني، (وكان ابن عمر) عبد اللَّه (يقول: مات أبي بن خلف، ببطن رابغ) بكسر الموحدة وغين معجمة، بطن واد عند الجحفة، (فإني لأَسير ببطن رابغ بعد هوى) بفتح الهاء، وكسر الواو وشد التحتية، الحين الطويل من الزمان، وقيل: هو مختص بالليل؛ كما في الشامية، فقوله: (من الليل،) صفة مقيدة على الأول، ولازمة على الثاني، (إذا نار تأجج) بحذف إحدى التاءين، تتوقد، (فهبتها، وإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها) بذال معجمة يسحبها: (يصيح) بفتح الياء من صاح، (العطش) بالرفع والنصب، (وإذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول اللَّه عَّةٍ، هذا أبي بن خلف، ورواه البيهقي). وقد روى البخاري وغيره عن النبي عّلّه: اشتد غضب اللَّه على رجل قتله رسول اللَّه في سبيل الله. ٤٣٩ غزوة أحد ولما انتهى عَّه إلى فم الشعب ملأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه درقته من المهراس - وهو صخرة منقورة تسع كثيرًا من الماء، وقيل هو اسم ماء بأحد - وروى البرقاني عن ابن مسعود قال: قال عَُّله: ((إن أشد الناس عذابًا من قتله نبي أو مصور)). قال المحب الطبري: وجه ذلك، والله أعلم، أن المصور ضاهى فعل اللَّه عز وجل، ومن قتله نبي محمول على أنه قتله دفعًا عن نفسه، أو بارز لعناده، فإن الأنبياء مأمورون باللطف والشفقة على عباد اللَّه، والرأفة فما يحمله على قتله إِلاَّ أمر عظيم، انتهى. قال ابن إسحق: وقال حسان بن ثابت في ذلك هذه الأبيات: لقد ورث الضلالة عن أبيه أبي حين بارزه الرسول وتوعده وأنت به جهول أتيت إليه تحمل رم عظم أمية إذ يغوث يا عقيل وقد قتلت بنو النجار منكم أبا جهل وأمهما الهيول وتب ابنا ربيعة إذا أطاعا وأفلت لحرث لما اشتغلنا بأسر القوم أسرته قليل وقال حسان أيضًا: ألا من مبلغ عني أبيًا فقد ألقيت في سحق السعير وتقسم إن قدرت مع النذور تمنى بالضلالة من بعيد تمنيك الأماني من بعيد وقول الكفر يرجع في غرور كريم البيت ليس بذي فجور فقد لاقتك طعنة ذي حفاظ له فضل على الأحياء طرًا إذا نابت ملمات الأمور (ولما انتهى عَّةٍ إلى فم الشعب، ملأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه درقته من المهراس) بكسر الميم، وسكون الهاء، وبالراء وسين مهملة آخره، (وهي صخرة منقورة تسع كثيرًا من الماء،) تجعل إلى جانب البئر، ويصب فيها الماء لينتفع به الناس، (وقيل: هو اسم ماء بأحد). قال الشاعر: وقتيلاً بجانب المهراس، قاله المبرد، وحكاه عنه أبو ذر الهروي، وتبعه ابن الأَثير، لكن غلط السهيلي المبرد، فقال: المهراس حجر منقور يمسك الماء، فيتوضأ منه شبه بالمهراس الذي هو الهاون، ووهم المبرد، فجعل المهراس اسمًا علمًا للمهراس الذي بأحد خاصة، وإنما هو اسم لكل حجر نقر، فأمسك الماء. وروى ابن عبدوس عن ملك؛ أنه سئل عن رجل مر بمهراس في أرض فلاة، كيف يغتسل ٤٤٠ غزوة أحد فجاء به إلى رسول الله عَّةٍ وغسل عن وجهه الدم، وصب على رأسه وهو يقول: اشتد غصب الله على من دمی وجه نبيه. وصلى النبي عَّهِ الظهر يومئذٍ قاعدًا من الجراح التي أصابته، وصلى المسلمون خلفه قعودًا. قال ابن إسحق: ووقعت هند بنت عتبة والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى منه، فقال لملك: هلاَّ قلت بغدير، ومن يجعل له مهراسًا في أرض فلاة، وبهذا يتبين لك أن المهراس ليس مخصوصًا بالذي كان بأحد، ولذا وقع في غريب الحديث، أنه عَّهِ مر بقوم یتحارون مهراسًا أن يرفعوه انتهى. (فجاء به،) أي: بالماء الذي ملأُ به درقته، وفي الشامية: فجاء بها، أي: بالدرقة، لكن الذي في ابن إسحق، وتبعه اليعمري به، (إلى رسول اللَّه عَلَّه). قال ابن إسحق: ليشرب منه، فوجد له ريحًا، فعافه فلم يشرب منه، (وغسل عن وجهه الدم، وصب على رأسه،) وهذا وقع قبل انصراف الكفار من على وحده، ثم لما انصرفوا؛ كما في رواية الطبراني: أتت فاطمة في النسوة، فجعلت تغسل وعلي يسكب كما يأتي، فلا يورد على هذا كما زعم، (وهو) عَّه (يقول:) كما ذكره ابن إسحق بلا إسناد، (اشتد غضب اللَّه على من دمي). قال البرهان: بفتح الميم المشددة، وهذا ظاهر، انتهى. أي: جرح (وجه نبيه،) وأسنده البخاري وغيره عن ابن عباس بلفظ: اشتد غضب اللَّه على قوم دموا وجه نبي اللَّه. قال المصنف: بفتح الدال المهملة، والميم المشددة، أي: جرحوا انتهى. (وصلى النبي عَّله)) فيما ذكره ابن هشام مرسلاً، (الظهر يومئذ قاعدًا من الجراح التي أصابته، وصلى المسلمون خلفه قعودًا) من الجراح التي أصابتهم، أو لأن موافقة الإِمام كانت واجبة، ثم نسخت. (قال ابن إسحق: ووقعت هند بنت عتبة) بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، أسلمت في الفتح بعد إِسلام زوجها أبي سفين بليلة، وشهدت معه اليرموك. روى الأزرقي وغيره: أَنها لما أسلمت جعلت تضرب صنمها في بيتها بالقدوم فلذة فلذة وتقول: کفائي غرورًا. روى عنها ابنها معاوية وعائشة، ماتت سنة أربع عشرة. (والنسوة اللاتي معها) تقدمت عدتهن، (يمثلن بالقتلى،) يقال: مثل به، بفتح الميم والثاء المخففة، يمثل، بضم الثاء، مثلاً، بفتح