النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
غزوة غطفان
على رسول الله عَّه فدعاه إلى الإسلام فأسلم، وضمه إلى بلال.
وأصاب النبي عَِّ مطر فنزع ثوبيه ونشرهما على شجرة ليجفا، واضطجع
تحتهما، وهم ينظرون، فقالوا لدعثور: قد انفرد محمد فعليك به، فأقبل ومعه سيف
حتى قام على رأسه عليه الصلاة والسلام فقال: من يمنعك مني اليوم؟ فقال له
النبي: الله. فدفع جبريل في صدره، فوقع السيف من يده، فأخذه النبي عَ ◌ّه فقال:
من يمنعك مني؟ قال: لا أحد يمنعني منك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك
رسول الله. ثم أتى قومه فدعاهم إلى الإسلام وأنزل الله ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا
نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم﴾ الآية. [المائدة/ ١١].
النفسي وأنظر (على رسول اللَّه عَلى) فأخبره من خبرهم، وقال: لن يلاقوك، سمعوا بمسيرك هربوا
في رؤوس الجبال، وأنا سائر معك، (فدعاه إِلى الإِسلام، فأسلم) رضي اللَّه عنه، (وضمه)
النبي عَّةِ (إلى بلال) ليعلمه الشرائع، (وأصاب النبي عَّهُ) وأصحابه (مطر، فنزع ثوبيه،
ونشرهما على شجرة ليجفا، واضطجع تحتهما وهم،) أي: المشركون (ينظرون) إِليه صلوات
اللَّه وسلامه عليه، لأنهم كانوا بمرأى منه، وقد اشتغل المسلمون في شؤونهم، (فقالوا لدعثور:)
لشجاعته (قد انفرد محمد فعليك به).
وفي رواية: لما رآه قال: قتلني اللَّه إِن لم أقتل محمدًا. (فأقبل ومعه سيف، حتى قام على
رأسه عليه الصلاة والسلام، فقال: (من يمنعك مني اليوم؟».) وفي رواية: الآن، (فقال له
النبي ◌َّ ل: اللَّه) يمنعني منك)، (فدفع جبريل في صدره، فوقع السيف من يده) بعد وقوعه
على ظهره، (فأخذه النبي معَّهِ، فقال: من يمنعك مني؟ قال: لا أحد يمنعني منك، وأنا أشهد أن
لا إِلَّه إِلاَّ اللَّه وأَنك))) وفي العيون: وأن محمدًا (رسول اللَّه).
زاد ابن فتحون في الذيل: فأعطاه عَّه سيفه، ثم أقبل بوجهه فقال: أما والله لأنت خير
مني، فقال عَّله: ((أنا أحق بذلك منك))، (ثم أتى قومه،) فقالوا له: ما لك، ويلك، فقال: نظرت
إلى رجل طويلٍ أبيض، قد دفع في صدري، فوقعت لظهري، فعرفت أنه ملك، وشهدت بأن
محمدًا رسول اللَّه لا أكثر عليه جمعًا، (فدعاهم إِلى الإِسلام).
قال في رواية الواقدي: فاهتدى به خلق كثير، (وأنزل اللَّه تعالى) على ما ذكر الواقدي،
وابن سعد في طائفة (﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إِذ هم قوم أن يبسطوا إِليكم
أيديهم﴾) [المائدة: ١١]، بالقتل والإهلاك، يقال: بسط إليه يده، إِذا بطش، (الآية.) وقال قتادة
ومجاهد وغيرهما: نزلت في بني النضير، وقيل: والمصطفى بعسفان، لما أراد المشركون الفتك
بالمسلمين وهم في الصلاة، فأنزل اللَّه صلاة الخوف.

٣٨٢
غزوة بحران
ويقال كان ذلك في ذات الرقاع.
ثم رجع رسول الله عَّه ولم يلق كيدًا، وكانت غيبته إحدى عشرة ليلة.
[غزوة بحران]
وتسمى غزوة بني سليم، من ناحية الفرع - بفتح الفاء والراء- كما قيده
السهيلي،
قال القشيري: وقد تنزل الآية في قصة، ثم تنزل في أخرى، لإِذكار ما سبق، (ويقال كان
ذلك،) أي: قصة السيف ونزول الآية، (في) غزوة (ذات الرقاع،) واستظهره اليعمري إِذ قال:
هناك الظاهر أن الخبرين واحد، لكن قال غيره من المحققين: الصواب أنهما قصتان في غزوتين،
نقله المصنف ثمة، وقال ابن كثير: إِن كانت هذه القصة التي هنا محفوظة، فهي غيرها قطعًا،
لأن ذلك الرجل اسمه غورث، ولم يسلم، بل استمر على دينه، لكن عاهد النبي عَّ أن لا
یقاتله، انتھی.
نعم، ذكر الذهبي أن غورث صاحب ذات الرقاع أسلم، وعزاه للبخاري وانتقده في
الإصابة، بأنه ليس في البخاري تصريح بإسلامه، وباقتضائه الجزم، باتحاد القصتين مع احتمال
التعدد، (ثم رجع رسول اللَّه عَّ، ولم يلق كيدًا،) أي: حربًا، (وكانت غيبته إِحدى عشرة ليلة،)
كما قال ابن سعد، وقيل: خمس عشرة ليلة، ومر قولان آخران، واللَّه أعلم.
غزوة بحران
بضم الموحدة، وسكون المهملة، فراء فألف فنون، وبعضهم فتح الباء. قال المنذري:
والمشهور الضم، انتهى. لكن قدم الصغاني والمجد الفتح، وسوى بينهما في النهاية والدرر،
ويحتمل أنه أكثر لغة، والضم المشهور بين المحدثين، (وتسمى غزوة بني سليم،) بضم السين
وفتح اللام، لأن الذين اجتمعوا وبلغ خبرهم النبي عَّله منهم.
وبحران موضع (من ناحية الفرع، بفتح الفاء والراء، كما قيده السهيلي،) تبع اليعمري،
وقد اعترضه محشيه البرهان، بأن الذي في الروض الفرع، بضمتين، من ناحية المدينة يقال هي
أوّل قرية مارت إسماعيل وأمه التمر بمكة، وفيها عينان يقال لهما: الربض والنخف، يسقيان عشرين
ألف نخلة.
كانت لحمزة بن عبد الله بن الزبير، والربض منابت الإِراك في الرمل، والفرع، بفتحتين،
موضع بين الكوفة والبصرة، فانتقل نظر المصنف، أو سقط بعض الكلام من نسخته بالروض، أو
سقط من ميرته، أي: من الكتبة، انتهى.

٣٨٣
غزوة بحران
وقال في القاموس: وبحران موضع بناحية الفرع، كذا رأيته بخطه بضم الفاء لا
غیر.
وسببها: أنه بلغه عليه الصلاة والسلام أنه بها جمعًا كبيرًا من بني سليم،
فخرج في ثلاثمائة رجل من أصحابه، فوجدهم قد تفرقوا في مياههم، فرجع ولم
یلق کیدًا.
وكان قد استعمل على المدينة ابن أم مكتوم، قاله ابن هشام، وكانت غيبته
عشر ليال.
(وقال في القاموس،) في باب الراء: (وبحران))) ويضم، (موضع بناحية الفرع، كذا رأيته
بخطه بضم الفاء لا غير).
وبذلك صرح في باب العين، فقال: الفرع، بالضم، موضع من أضخم أعراض المدينة، أي:
والراء ساكنة كما هو عادته، والذي قال السهيلي كما ترى ضم الراء، وبه جزم عياض في
المشارق، وقال في كتابه التنبيهات: هكذا قيده الناس، وكذا رويناه، وحكى عبد الحق عن
الأحول: إِسکان الراء، ولم یذ کر غيره، انتهى.
ونقل مغلطاي في الزهر، أن الحازمي وافق الأحول، وبه صرح في النهاية، والنووي في
تهذيبه لكنه مرجوح كما علم، (وسببها أنه بلغه عليه الصلاة والسلام أن بها جمعًا كثيرًا من بني
سليم، ) لم نر سبب اجتماعهم، (فخرج) لست خلون من جمادى الأولى.
قاله ابن سعد: (في ثلاثمائة رجل من أصحابه،) ولم يظهر وجهًا للسير، حتى إذا كان
دون بحران بليلة، لقي رجلاً من بني سليم، فأخبره أن القوم افترقوا فحبسه مع رجل، وسار حتى
ورد بحران، (فوجدهم قد تفرقوا في مياههم، فرجع، ولم يلق كيدًا،) أي: حربًا، ولا وجد به
أحدًا. (وكان قد استعمل على المدينة) عمرًا، أو عبد اللَّه (بن أم مكتوم قاله ابن هشام)،
وظاهره للقضاء الأحكام، ويحتمل للصلاة فقط (وكانت غيبته عشر ليال،) عند ابن سعد، ومر
عنه وقت خروجه، فيكون رجوعه لستة عشر من جمادى الأولى.
وقال ابن إسحق: فخرج معَّه يريد قريشًا حتى بلغ بحران معدنًا بالحجاز من ناحية الفرع،
فأقام به شهر ربيع الآخر وجمادى الأولى، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدًا، انتهى. فلم
يوافقه في سبب الغزوة ولا مقدار الغيبة، والله أعلم.

٣٨٤
سرية زيد إلى القردة
[سرية زيد إلى القردة]
سرية زيد بن حارثة إلى القردة - بالقاف المفتوحة وسكون الراء، وقيل بالفاء
وكسر الراء، كما ضبطه ابن الفرات - اسم ماء من مياه نجد.
وسببها : - كما قال ابن إسحق - أن قريشًا خافوا من طريقهم التي يسلكون
إلى الشام، حين كان من وقعة بدر ما كان، فسلكوا طريق العراق، فخرج منهم
تجار فیھم أبو سفین بن حرب،
سرية زيد إلى القرد
(سرية زيد) حب رسول اللَّه عَّله، والد حبه (ابن حارثة) الطبراني، أحد السابقين الأولين،
ابن الصحابي، ووالد الصحابي، وأخو الصحابي، الخليق هو وابنه للإمارة بالنص النبوي
المختص، بأن اللَّه لم يصرح في كتابه العزيز باسم أحد من الصحب سوى زيد البدري، ثم
السجل أن ثبت (إِلى القردة، بالقاف المفتوحة وسكون الراء،) كما ضبطه أبو نعيم، (وقيل:
بالفاء) المفتوحة (وكسر الراء، كما ضبطه) الحافظ البارع أبو الحسن محمد بن العباس بن
محمد (بن الفرات،) بضم الفاء ومد التاء في الخط وصلاً ووقفًا البغدادي سمع ابن مخلد
وطبقته، وجمع فأوعى.
قال الخطيب: كان غاية في ضبطه حجة في نقله، مات سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وهذا
نقله عنه الحموي، وقال أيضًا: أنه رآه بخط ابن الفرات في غير موضع، بفتح القاف وفتح الراء،
وصدر اليعمري، بأنه بفتح الفاء وسكون الراء، فهي أربعة، (اسم ماء من مياه نجد،) قاله
ابن إِسحق وغيره.
زاد ابن سعد: بين الربذة والغمزة ناحية ذات عرق، (وسببها، كما قال ابن إسحق) محمد
المشهور: (أن قريشًا خافوا من طريقهم التي يسلكون إلى الشام حين كان من وقعة بدر ما كان،
فسلكوا طريق العراق، فخرج منهم تجار،) بكسر الفوقية وخفة الجيم، وبضم الفوقية وشد
الجيم، كما ضبطه الشامي كالبرهان، (فيهم أبو سفين) صخر (بن حرب) بن أمية بن عبد شمس
ابن عبد مناف، المسلم في الفتح رضي اللَّه عنه.
روى ابن أبي حاتم، عن السدي قال: مر النبي ◌َِّ على أبي جهل وأبي سفين، وهما
يتحدثان، فلما رآه أبو جهل ضحك، وقال لأبي سفين: هذا نبي بني عبد مناف، فغضب أبو
سفين، وقال: ما تنكرون أن يكون لبني عبد مناف نبي، فسمعها النبي عَّه، فرجع إلى أبي
جهل، فوقع به وخوفه، فنزلت: ﴿وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إِلا هزواً﴾ [الأنبياء: ٣٦]،

٣٨٥
سرية زيد إلى القردة
ومعهم فضة كثيرة.
وعند ابن سعد: بعثه عَّ لهلال جمادى الآخرة على رأس ثمانية وعشرين
شهرًا من الهجرة، في مائة راكب يعترض عيرًا لقريش فيها صفوان بن أمية
وحويطب بن عبد العزى، ومعهم مال كثير وآنية فضة. فأصابوها وقدموا بالعير على
رسول الله عَّة، وخمسها وبلغ الخمس قيمة عشرين ألف درهم.
(ومعهم فضة كثيرة،) بقية كلام ابن إسحق، وهي عظم، بضم فسكون، أي: أكثر تجاراتهم
واستأجروا فرات بن حيان دليلاً، وبعث عَِّ زيدًا، فلقيهم على ذلك الماء، فأصاب العير وما
فيها، وأعجزه الرجال فقدم بها، فقال حسان في غزوة بدر الأخيرة: يؤنب قريشًا في أخذها تلك
الطريق:
دعوا فلجات الشام قد حال دونها جلاد كأفواه المخاض الأوارك
بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم وأنصاره حقًّا وأيدي الملائك
إذا سلكت للغور من بطن عالج فقولا لها ليس الطريق هنالك
(وعند ابن سعد،) أنها أول سرية خرج فيها زيد أميرًا، وأنه (بعثه عَّةٍ، لهلال جمادى
الآخرة، على رأس ثمانية وعشرين شهراً من الهجرة في مائة راكب يعترض عيرًا،) بكسر العين،
الإِبل التي تحمل الميرة، بكسر الميم، ثم غلب على كل قافلة كما مر، (لقريش فيها صفوان
ابن أمية) بن خلف القرشي الجمحي، أسلم بعد حنين، وصحب رضي اللَّه عنه.
(وحويطب،) بضم المهملة وفتح الواو، وسكون التحتية، وكسر الطاء المهملة، وموحدة،
(ابن عبد العزى) القرشي العامري، أسلم في الفتح، وكان من المؤلفة، وشهد حنيناً، وحسن
إِسلامه، وصحب رضي الله عنه، وعاش مائة وعشرين سنة، ومات سنة أربع وخمسين.
وأسقط المصنف من كلام ابن سعد، وعبد اللَّه ابن أبي ربيعة، وقد أسلم بعد رضي اللَّه
عنه، (ومعهم مال كثير وآنية فضة،) عطف خاص على عام.
قال ابن سعد: وزنها ثلاثون ألف درهم، (فأصابوها، وقدموا بالعير على رسول اللَّهُ عَّه،
وخمسها وبلغ الخمس قيمة عشرين ألف درهم، ) إضافة بيانية، أي: قيمة، هي عشرون ألف
درهم، والأولى أن يقول بلغ قيمة الخمس عشرين ألف درهم، لكنه أتى بلفظ ابن سعد؛ لأنه ناقل
عنه، والخطب سهل.
(وعند مغلطاي خمسة وعشرين ألف درهم،) فزاد خمسة آلاف، لكن بالأول جزم الحافظ
في سيرته حيث قال: فحصلوا مائة ألف غنيمة، وذكر في ديباجتها؛ أنه اقتصر على الأصح، مما
اختلف فيه، انتهى. وبقية كلام ابن سعد: وأسر الدليل فرات بن حيان، فأتى به النبي عَّهِ، فقيل

٣٨٦
غزوة أحد
وعند مغلطاي: خمسة وعشرين ألف درهم.
وذكرها محمد بن إسحق قبل قتل كعب بن الأشرف.
[غزوة أحد]
ثم غزوة أحد وهو جبل مشهور بالمدينة على أقل من فرسخ منها.
له: (إن تسلم تترك))، فأسلم، فتركه النبي عَّه من القتل وحسن إسلامه، وفيه قال عَّةٍ: ((إِن
منکم رجالاً نکلهم إِلى إِسلامهم منهم فرات بن حيان)، انتهى.
وهذا الحديث رواه أبو داود في الجهاد منفردًا به من حديث فرات المذكور، وهو بضم
الفاء، وأبوه بفتح المهملة وشد التحتية، ابن ثعلبة بن عبد العزى الربعي البكري، حليف بني
سهم. روى له أبو داود، وأحمد في المسند، وروى عنه حارثة بن مضرب، وقيس بن زهير،
والحسن البصري؛ وعند الواقدي: وأسروا رجلين، أو ثلاثة فيهم فرات بن حيان، وكان أُسر يوم
بدر فأفلت على قدميه، فكان الناس عليه أحنق شىء، وكان الذي بينه وبين أبي بكر حسنًا، فقال
له: أما آن لك أن تقصر، أي بضم الفوقية، وكسر الصاد، من أقصر عن الشىء إذا أمسك عنه مع
القدرة عليه، قال: إِن أفلت من محمد هذه المرة لم أفلت أبدًا، فقال له أبو بكر: فأسلم، فأتى به
رسول اللَّه عَّه، فأسلم، فتركه. قال في الروض: وأرسله النبي عَّه إِلى ثمامة بن أثال في شأن
مسيلمة وردته ومر به عليه السلام وهو مع أبي هريرة والرحال بن عنفوة، فقال: ((ضرس أحدكم
في النار مثل أحد»، فما زال فرات وأبو هريرة خائفين حتى بلغهما ردة الرحال وإيمانه بمسيلمة،
فخرا ساجدین والرحال لقبه واسمه نهار، انتهى.
(وذكرها،) أي: هذه السرية (محمد بن إِسحق) في السيرة، (قبل قتل كعب بن الأشرف،)
ومر أن قتله لأربع عشرة ليلة من ربيع الأول، فهذه السرية قبل ذلك فيخالف قول ابن سعد؛ أنها
الهلال جمادى الآخرة، لكنه تبع شيخه الواقدي، وجزم به الحافظ في سيرته، وقد التزم الإِقتصار
على الأصح، والله أعلم.
ثم غزوة أحد
بضم الهمزة والحاء وبالدال المهملتين. قال المصباح: مذكر مصروف، وقيل: يجوز تأنيثه
على توهم البقعة فيمنع، وليس بالقوي، (وهو جبل مشهور بالمدينة على أقل من فرسخ منها،)
لأَن بين أوَّله وبين بابها المعروف بباب البقيع ميلين وأربعة أسباع ميل تزيد يسيرًا.
كما حرره الشريف السمهودي قائلاً: تسمح النووي في قوله: على نحو ميلين، قلت:
لكن عادتهم في مثل ذلك عدم الجزم بالتحديد للإِختلاف في قدر الميل، فيقولون: على نحو،

٣٨٧
غزوة أحد
وسمي بذلك لتوحده وانقطاعه عن جبال أخر هناك، ويقال له: ذو عينين،
قال في القاموس: بكسر العين وفتحها مثنى، جبل بأحد. انتهى.
. . .....
وهو الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام: ((أحد جبل يحبنا ونحبه)
وشبهه (وسمي بذلك لتوحده وانقطاعه،) تفسيري، (عن جبال أخر هناك،) كما قاله السهيلي.
قال: أو لما وقع من أهله من نصر التوحيد، وقال ياقوت في معجم البلدان: هو اسم
مرتجل لهذا الجبل، وهو أحمر، (ويقال له: ذو) أي: صاحب (عينين))) لمجاورته لجبل يسمى
عینین.
(قال في القاموس) ما نصه: وعينين، (بكسر العين) المهملة (وفتحها مثنى،) على كل
منهما لا بفتح العين، وسكون الياء، وكسر النون الأولى، كما قال المطرزي وعليه فليس مثنی
(جبل بأحد،) وقف عليه إِبليس، فنادى: أن محمدًا قد قتل، (انتهى).
نص القاموس بقوله وقف إلى آخره، وفي البخاري ومسلم: وعينين، جبل بجبال أحد بينه
وبينه واد. قال في الفتح: حيال بحاء مهملة مكسورة بعدها تحتية خفيفة، أي: مقابله، وهو
تفسير من بعض الرواة، لقول وحشي خرج الناس عام عينين، والسبب في نسبه وحشي العام إِليه
دون أحد، أن قريشًا نزلوا عنده.
قال ابن إسحق: فنزلوا بعينين جبل ببطن السبخة على شفير الوادي، مقابل المدينة، انتهى.
(وهو،) أي: أحد، كما قال في الفتح والعيون والنور وغيرها لا عينين، كما زعم من وهم؛ (الذي
قال فيه عليه الصلاة والسلام،) كما أخرجه الشيخان عن أنس والبخاري عن سهل بن سعد،
(أحد).
وفي رواية لهما أيضًا عن أنس: أن أحدًا، (جبل) خبر موطىء لقوله: (يحبنا،) حقيقة كما
رجحه النووي وغيره، وقد خاطبه عَّ مخاطبة من يعقل، فقال: لما اضطرب أسكن أحد ..
الحديث، فوضع اللَّه الحب فيه، كما وضع التسبيح في الجبال مع داود، وكما وضع الخشية
في الحجارة التي قال فيها: ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ وكما حن الجذع لمفارقته
عَّةٌ، حتى سمع الناس جنينه فلا ينكر وصف الجماد بحب الأنبياء، وقد سلم عليه الحجر
والشجر، وسبحت الحصاة في يده، وكلمه الذراع، وأمنت حوائط البيت وأسكفة الباب على
دعائه، إِشارة إِلى حب اللَّه إِياه عَّةِ، حتى أسكن حبه في الجماد، وغرس محبته في الحجر مع
فضل يبسه وقوة صلابته، (ونحبه) حقيقة، لأن جزاء من يحب أن يحب، ولكونه كما قال
الحافظ: من جبال الجنة، كما في حديث أبي عبس بن جبر مرفوعًا: أحد جبل يحبنا ونحبه،
وهو من جبال الجنة، أخرجه أحمد، انتهى.

٣٨٨
غزوة أحد
تنبيه.
وقيل: وفيه قبر لهرون، أخي موسى، عليهما السلام.
وروى البزار والطبراني: أحد هذا جبل يحبنا ونحبه، على باب من أبواب الجنة، أي: من
داخلها، كما في الروض، فلا ينافي رواية الطبراني أيضًا: أحد ركن من أركان الجنة، لأنه ركن
بجانب داخل الباب، بدليل رواية ابن سلام في تفسيره: أنه ركن باب الجنة، وقيل: هو على
حذف مضاف، أي: أهل أحد، والمراد الأنصار لأنهم جيرانه، وقيل: لأنه كان يبشره بلسان
الحال، إذا قدم من سفر بقربه من أهله ولقائهم، وذلك فعل المحب بمن يحب، وضعف بما
للطبراني عن أنس، فإذا جئتموه فكلوا من شجره ولو من عضأَهه، بكسر المهملة وبالضاد
معجمة، كل شجرة عظيمة ذات شوك، فحث على عدم إِهمال الأكل حتى لو فرض أنه لا يوجد
إِلاَّ ما لا يؤكل، كالعضاة يمضغ منه تبركًا ولو بلا ابتلاع.
قال في الروض: ويقوى على الأول قوله عَّله: ((المرء مع من أحب))، مع أحاديث أنه في
الجنة، فتناسبت هذه الآثار وشد بعضها بعضًا، وقد كان عليه السلام يحب الإِسم الحسن، ولا
أحسن من اسم مشتق من الأحدية، وقد سماه اللَّه تعالى بهذا الاسم تقدمة لما أراده مشاكلة
اسمه لمعناه، إِذا هله وهم الأنصار نصروا التوحيد، والمبعوث بدين التوحيد، واستقر عنده حيًّا
وميتًا، وكان من عادته عَّلِ أن يستعمل الوتر، ويحبه في شأنه كله استشعاراً للأحدية، فقد وافق
اسمه أغراضه ومقاصده عليه السلام قال: ومع أنه مشتق من الأحدية، فحركات حروفه الرفع،
وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد وعلوه، فتعلق الحب به منه عَ﴾ اسمًا ومسمى، فخص من بين
الجبال؛ بأن يكون معه في الجنة إِذا بست الجبال بسا انتهى. وأخذ من هذا أنه أفضل الجبال،
وقيل: عرفة، وقيل: أبو قبيس، وقيل: الذي كلم اللّه عليه موسى، وقيل: قاف.
(تنبيه:) علقٍ الشارح بجيد المؤلف، ما لم يقله أحد، فرجع ضمير قوله وهو الذي قال فيه
لعينين لا لأحد، لأنه لو كان كذلك لم يحتج للبيان، لأن أحدًا نص فيه وهو عجب كيف يتوهم
ذلك الصادق المصدوق، يقول أحد والمتعلق بالضمائر يقول عينين، مع أنه جبل آخر مقابل له،
كما علمت، ولذا لم يبالِ المصنف تبعًا لمغلطاي بإِيهام ذلك، لأنه غير متوهم؛ بل قصد كغيره
من أصحاب المغازي وغيرهم، تشريف الجبل الذي أضيفت إليه هذه الغزوة بالحديث الصحيح.
(قيل: وفيه قبر هارون،) بفتح القاف وسكون الباء اسمًا لا بضمها، وكسر الباء لقوله:
(أخي موسى عليهما السلام،) وفيه: قبض، وقد كانا مرا حاجين أو معتمرين. روي هذا المعنى
في حديث أسنده الزبير بن بكار في كتاب فضل المدينة عن رسول اللَّه عَّه، كذا في الروض.
قال في الفتح: وسند الزبير في ذلك ضعيف جدًا ومنقطع، وليس بمرفوع انتهى. بل في

٣٨٩
غزوة أحد
وكانت عنده الوقعة المشهورة، في شوال سنة ثلاث بالاتفاق، يوم السبت
لإحدى عشرة ليلة خلت منه- وقيل لسبع ليال خلون منه، وقيل وفي نصفه ..
وعن لملك: بعد بدر بسنة، وعنه أيضًا: كانت على أحد وثلاثين شهرًا من
الهجرة.
وكان سببها، كما ذكره ابن إسحق عن شيوخه، وموسى بن عقبة عن ابن
شهاب، وأبو الأسود
النور عن ابن دحية أنه باطل بيقين، إنما مات بنص التوراة في موضع على ساعة من مدينة جبلة
من مدن الشام، انتهى. وبه تعلم أنه لا يصح الجمع، بأنه يقول للمدينة شامية، وقيل: قبره بجبل
مشرف قبلي بيت المقدس، يقال له: طور هارون، حكاه ياقوت في المشترك، وفي الأنوار الأكثر
أن موسى وهارون ماتا في التيه، وأن موسى مات بعد هارون بسنة، انتهى. وفي النور: بنحو
خمسة أشهر. وقال المصنف وغيره: مات هارون قبل موسى بنحو أربعين سنة، (وكانت عنده
الوقعة المشهورة في شوال سنة ثلاث بالإتفاق، ) أي: باتفاق الجمهور، كما عبر به في الفتح
قائلاً، وشذ من قال سنة أربع، ولعله لشذوذه لم يعتد به فحكى الاتفاق (يوم السبت لإِحدى
عشرة ليلة خلت منه،) عند ابن عائذ، كما في العيون وابن إسحق، كما في الفتح، (وقيل: لسبع
لیال خلون منه،) قاله ابن سعد.
زاد في الفتح، وقيل: لثمان، (وقيل): لتسع، (وفي نصفه)، جزم به إسحق في رواية
ابن هشام، عن زياد عنه قال: وكان يوم السبت.
(وعن ملك) الإِمام كانت (بعد بدر بسنة.) قال الحافظ: وفيه تجوز، لأن بدرًا كانت في
رمضان باتفاق، فهي بعدها بسنة وشهر، ولم يكمل، (و) لذا روى (عنه أيضًا: كانت على أحد
وثلاثين شهرًا من الهجرة،) لكن قال شيخنا: قد مر أن انصرافه من بدر كان أول شوال، فمن
لازمه أن أحدًا بعدها بسنة، كما قال لملك في شوال، وكذا قوله الآخر لا يخالف أن أحدًا في
شوال؛ لأن دخول المدينة كان في ربيع الأول، الأحد وثلاثون، إذا كان ابتداؤها من دخوله
عليه السلام المدينة، كان نهايتها آخر رمضان من السنة الثالثة، إِذا ألغى كسر ربيع الأول، وإلا
فنهايتها في أثناء شوال، فاتفقت الأقوال على أن أحدًا في شوال، (وكان سببها كما ذكره
ابن إِسحق عن شيوخه) الذین عين منهم أربعة، فقال: حدثني الزهري ومحمد بن یحیی بن حبان،
وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن معاذ وغيرهم، (وموسى
بن عقبة) بالقاف، (عن ابن شهاب) الزهري، (وأبو الأسود) المدني، يتيم عروة، ومحمد بن عبد
الرحمن بن نوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزى، الأسدي الثقة، المتوفى سنة بضع وثلاثين

٣٩٠
غزوة أحد
عن عروة، وابن سعد، قالوا - أو من قال منهم - ما حاصله:
إن قريشًا لما رجعوا من بدر إلى مكة، وقد أصيب أصحاب القليب، ورجع
أبو سفين بعيره، قال عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة ابن أبي جهل، في جماعة
ممن أصيب آباؤهم وإخوانهم وأبناؤهم يوم بدر: يا معشر قريش، إن محمدًا قد
وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه - يعنون عير أبي سفين، ومن
كانت له في تلك العير تجارة - لعلنا أن ندرك به ثأرنا.
ومائة، (عن عروة) بن الزبير، (و) كما ذكره (ابن سعد، قالوا:) أرسله الجميع، (أو من قال
منهم:) هذا لفظ ابن إسحق، وهو بمعنى قول المحدثين: دخل حديث بعضهم في بعض، ومعناه:
أن اللفظ لجميعهم، فعند كل ما ليس عند الآخر، وهو جائز، إن كان الجميع ثقات كما هنا،
وقد فعله الزهري في حديث الإِفك، (ما حاصله) من كلام المصنف، إِشارة إِلى أنه لم يتقيد
بلفظ واحد من الأربعة، (أن قريشًا لما رجعوا من بدر إلى مكة، وقد أصيب أصحاب القليب،)
خصهم لكونهم أشرافهم، وهم أربعة وعشرون، وجملة قتلى بدر سبعون، (ورجع أبو سفين)
المسلم في الفتح (بعيره).
(قال عبد الله بن أبي ربيعة) عمرو أو يقال حذيفة ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن
مخزوم القرشي المخزومي، أسلم في فتح مكة، وصحب، (وعكرمة ابن أبي جهل،) أسلم بعد
الفتح، وصحب، (في،) أي: مع (جماعة) منهم: الحرث بن هشام، وحويطب بن عبد العزى،
وصفوان بن أمية، وأسلموا كلهم بعد ذلك رضي اللَّه عنهم، (ممن أصيب آباؤهم، ) كعكرمة،
وصفوان، (وإِخوانهم) كالحرث، وأبي جهل، (وأبناؤهم،) كأبي سفين، أصيب ابنه حنظلة (يوم
بدر).
والمراد من القوم الذين أصيبوا بمن ذكر سواء كانت بالبعض أو الكل، (يا معشر قريش،)
إضافة حقيقية، أي: يا هؤلاء الجماعة المنسوبون إِلى قريش أو بيانية، أطلق على الحاضرين
لأنهم أشرافهم، فلا يخالفهم غيرهم ثم القول من الجميع أو بعضهم، ونسب لهم لسكوتهم عليه،
(أن محمدًا قد وتركم،) بفتح الواو والفوقية، قال أبو ذر: قد ظلمكم، والموتور الذي قتل له قتيل
فلم يدرك دمه.
قال الشامي كالبرهان، ويطلق عل النقص كقوله تعالى: ﴿ولن يتركم أعمالكم﴾
[محمد: ٣٥]، وتصح إرادته، أي: نقصكم بقتل أشرافكم، (وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال،)
أي: بربحه، (على حربه، يعنون عير أبي سفين، ومن كانت له في تلك العير تجارة،) وكانت
موقوفة بدار الندوة، كما عند ابن سعد، (لعلنا أن ندرك منه ثأرنا) بمثلثة وهمزة، وتسهل الحقد،

٣٩١
غزوة أحد
فأجابوا لذلك، فباعوها وكانت ألف بعير، والمال خمسين ألف دينار.
وفيهم - كما قال ابن إسحق وغيره - أنزل الله ﴿إن الذين كفروا ينفقون
أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فيسنفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون﴾
[الأنفال/٣٦].
واجتمعت قريش لحرب رسول الله عَّه. وكتب العباس بن عبد المطلب
کتابًا یخبر
أي: ما يذهب حقدنا على من قتل منا بأخذ جماعة في مقابلتهم، (فأجابوا لذلك).
وعند ابن سعد: مشت أشراف قريش إلى أبي سفين، فقالوا: نحن طيبو أنفس إِن تجهزوا
بربح هذه العير جيشًا إِلى محمد، فقال أبو سفين: فأنا أول من أجاب إِلى ذلك، وبنو عبد مناف.
قال البلاذري: ويقال بل مشى أبو سفين إِلى هؤلاء الذين سمعوا (فباعوها،) قال ابن سعد:
فصارت ذهبًا، قال: (وكانت،) أي: الإِبل الحاملة للتجارة، (ألف بعير والمال خمسين ألف
دينار،) فسلموا إِلى أهل العير رؤوس أموالهم، وأخرجوا أرباحهم، وكانوا يربحون في تجاراتهم
لكل دينار دينارًا، قاله ابن سعد، وهو ظاهر في أن الربح خمسون ألفًا، لكن حمله النور وتبعه
الشامي، على أنهم أخرجوا خمسة وعشرين ألفًا لمسيرهم لحربه عَِّ، وعليه ففي قوله: وأخرجوا
أرباحهم، تجوز، أي: نصف أرباحهم، وقوله: وكانوا .. الخ، مجرد أخبار.
(وفيهم كما قال ابن إسحق) عن بعض أهل العلم: قال في النور: لا أعرفه، ووقع في لباب
النقول، عن ابن إسحق، ففيهم كما ذكر عن ابن عباس، ولعله في رواية غير البكائي عنه (وغيره
أنزل الله: ﴿إِن الذين كفروا ينفقون أموالهم﴾ [الأنفال: ٣٦]،) أي: يريدون إنفاقها في حرب
النبي عَّة، ﴿ليصدوا عن سبيل اللَّه فسينفقونها،﴾ بالفعل، ﴿ثم تكون﴾ في عاقبة الأمر
﴿عليهم حسرة،﴾ ندامة أو غمًا، لفواتها وفوات ما قصدوه، جعل ذاتها حسرة وهي عاقبة إنفاقها
مبالغة، ﴿ثم يغلبون﴾ في الدنيا آخر الأمر، وإِن كان الحرب بينهم سجالاً قبل ذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحكم بن عتيبة، تصغير عتبة الباب، قال: نزلت في أبي سفين:
أنفق على المشركين أربعين أوقية من ذهب، وأخرج ابن جرير عن ابن أبزى، وسعيد بن
جبير، قالا: نزلت في أبي سفين: استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش، ليقاتل بهم
رسول اللَّه عَّة، وقيل: نزلت في المطمعين يوم بدر، وهم اثنا عشر رجلاً من قريش، أطعم كل
واحد منهم كل يوم عشرة جزر. (واجتمعت قريش لحرب رسول اللَّه عَظله).
قال ابن إسحق: بأحابيشها، ومن أطاعها من قبائل كنانة، وأهل تهامة، وكان خروجهم من
مكة لخمس مضين من شوال، (وكتب) كما قال ابن سعد (العباس بن عبد المطلب كتابًا يخبر

٣٩٢
غزوة أحد
رسول الله عَّ بخبرهم، وسار بهم أبو سفين حتى نزلوا ببطن الوادي من قبل أحد
مقابل المدينة.
وكان رجال من المسلمين أسفوا على ما فاتهم من مشهد بدر.
ورأى عَِّ ليلة الجمعة رؤيا، فلما أصبح قال: والله إنى قد رأيت خيرًا،
رأيت بقرًا تذبح، ورأيت في ذباب سيفي ثلمًا، ورأيت أني أدخلت يدي في درع
رسول اللَّه عَّ بخبرهم،) وبعثه مع رجل من بني غفار، وشرط عليه أن يأتي المدينة في ثلاثة
أيام بلياليها، فقدم عليه وهو بقباء، فقرأه عليه أبي بن كعب، واستكتم أبيّا، ونزل عَِّ على سعد
بن الربيع، فأخبره بكتاب العباس، فقال: والله إني لأرجو أن يكون خيرًا، فاستكتمه، (وسار بهم
أبو سفين حتى نزلوا ببطن الوادي من قبل أحد مقابل المدينة.
قال ابن إسحق: حتى نزلوا بعينين جبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي، مقابله
المدينة. وقال المطرزي: فنزلوا بدومة من وادي العقيق، يوم الجمعة، وقال ابن إِسحق والسدي:
يوم الأربعاء ثاني عشر شوال، فأقاموا بها الأربعاء والخميس والجمعة، فخرج إليهم عَ لّه فأصبح
بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال، هكذا نقله البغوي عنهما، ولعله في رواية غير
البكائي، عن ابن إسحق أو هو مما انفرد به السدي عنه، (وكان رجال من المسلمين أسفوا على
ما فاتهم من مشهد بدر) لما سمعوه من أخباره عَّهِ، بفضل من شهدها وعظيم ثوابه، فودوا غزوة
ينالون بها مثل ما ناله البدريون، وإِن استشهدوا.
(ورأى،) وفي نسخة: وأرى بالبناء للمفعول (عَّ ليلة الجمعة،) كما عند ابن عقبة وابن
عائذ، (رؤيا،) بلا تنوين، (فلما أصبح، قال: واللَّه إِني قد رأيت خيرًا).
وفي الصحيح: ورأيت فيها بقرًا، واللَّه خير. قال الحافظ: مبتدأ وخبر، بتقدير وصنع الله
خير، وقال السهيلي: معناه واللَّه عنده خير، وهو من جملة الرؤيا، كما جزم به عياض وغيره،
انتهى. ولذا فسره عَّه، فقال: ((وإِذا الخير ما جاء اللَّه به من الخير))، كما رواه البخاري.
وفي رواية ابن إسحق: إِني رأيت واللَّه خيرًا، (رأيت بقرًا،) بفتح الموحدة والقاف، جمع
بقرة، استئناف بياني، كأنه قيل: ماذا رأيت؟، فقال: رأيت بقرًا (تذبح ورأيت في ذباب،) بمعجمة
فموحدة، طرف (سيفي) الذي يضرب به، وفي مغازي أبي الأسود، عن عروة: رأيت سيفي
ذا الفقار قد انفصم صدره، وكذا عند ابن سعد، وأخرجه البيهقي في الدلائل من حديث أنس قاله
في الفتح، (ثلمًا،) بمثلثة مفتوحة فلام ساكنة، أي: كسرًا، (ورأيت أني أدخلت يدي في درع
حصينة) أنث الصفة، لأن الدرع مؤنثة، وبقي من الرؤيا شىء لم يذكر هنا، وهو ما رواه أحمد عن
أنس رفعه: رأيت فيما يرى النائم كأني مردف كبشًا، وكان ضبطة سيفي انكسرت، فأولت بأني

٣٩٣
غزوة أحد
حصينة، فأما البقر فناس من أصحابي يقتلون، وأما الثلم الذي رأيت في سيفي فهو
رجل من أهل بيتي يقتل.
وقال موسى بن عقبة، ويقول رجال: كان الذي بسيفه ما أصاب وجهه، فإن
العدو أصابوا وجهه الشريف عَ ◌ّ يومئذٍ، وكسروا رباعيته، وجرحوا شفته.
أقتل صاحب الكتيبة، وكبش القوم سيدهم، فصدق اللَّه رسوله الرؤيا، فقتل علي رضي الله عنه
طلحة بن عثمن، صاحب لواء المشركين يومئذ، (فأما البقر) جواب لقولهم، كما في رواية قالوا:
ما أولتها؟، قال: البقر، (فناس من أصحابي يقتلون).
وفي الصحيح: ورأيت فيها بقرًّا، واللَّه خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد. قال السهيلي:
البقر في التعبير بمعنى رجال متسلحين يتناطحون. قال الحافظ: وفيه نظر، فقد رأى الملك بمصر
البقر، وأولها يوسف بالسنين. وفي حديث ابن عباس ومرسل عروة: فأولت البقر الذي رأيت بقرًا
يكون فينا، قال: فكان أول من أصيب من المسلمين، وقوله: بقرّا، بسكون القاف، وهو شق
البطن، وهذا أحد وجوه التعبير أن يشتق من الاسم معنى يناسب، ويمكن أن يكون ذلك لوجه آخر
من وجوه التأويل، وهو التصحيف، فإِن لفظ: بقر، مثل لفظ: نفر، بالنون والفاء خطأ.
وعند أحمد والنسائي، وابن سعد من حديث جابر بسند صحيح في هذا الحديث، ورأيت
بقرًا منحورة، وقال فيه: فأولت الدرع المدينة والبقر نفر، هكذا فيه بنون وفاء، وهو يؤيد
الاحتمال المذكور، انتهى. وخالفه المصنف، فضبط بقرا الثاني، بسكون القاف، فلا أدري لم
خالفه، ثم لا تعارض بين الأحاديث في التأويل بالقتل أو البقر كما هو ظاهر.
(وأما الثلم،» الكسر، (الذي رأيت في) ذباب (سيفي فهو رجل من أهل بيتي يقتل،)
فكان حمزة سيد الشهداء رضي الله عنه، هكذا قال ابن هشام عن بعض أهل العلم مرفوعًا
معضلاً. (وقال موسى بن عقبة: ويقول رجال) منهم عروة، (كان الذي بسيفه ما أصاب وجهه
الشريف، فإِن العدو أصابوا وجهه الشريف عَّهُ يومئذ وكسروا رباعيته،) بتخفيف الياء، أي:
تثنيته اليمنى، (وجرحوا شفته) السفلى، ولعل هذا تفسير للكسر الذي أصاب صدر سيفه،
وتفسيره عَّ للثلم الذي بطرفه فيكون في سيفه خلل في موضعين، فسر عليه السلام واحداً
منهما، وهؤلاء الرجال فسروا الموضع الآخر.
وفي الصحيح: رأيت في رؤياي أني هززت سيفًا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من
المؤمنين يوم أحد. قال المهلب: لما كان عَِّ يصول بأصحابه، عبر عن السيف بهم وبهزه عن
أمره لهم بالحرب، وعن القطع فيه بالقتل فيهم.

٣٩٤
غزوة أحد
وفي رواية قال عليه الصلاة والسلام: وأولت الدرع الحصينة المدينة
فامكثوا، فإن دخل القوم المدينة قاتلناهم، ورموا من فوق البيوت.
فقال أولئك القوم: يا رسول الله، كنا نتمنى هذا اليوم، اخرج بنا إلى أعدائنا
لا يرون أنا جبنا عنهم.
(وفي رواية) عند أحمد والنسائي وابن سعد بسند صحيح، عن جابر قال: (قال عليه
الصلاة والسلام:) ((رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت بقرًا تنحر)) (وأولت الدرع الحصينة
المدينة)، نصب بنزع الخافض، أي: بالمدينة، ووجه التأويل أنهم كانوا شبكوا المدينة بالبنيان
من كل ناحية، وجعلوا فيها الآطام والحصون، فهي حصن، ولذا قال: (فامكثوا فإِن دخل القوم
المدينة).
وفي نسخة: الأزقة، أي: أزقة المدينة، (قاتلناهم ورموا،) بالبناء للمفعول، (من فوق
البيوت.) وعند ابن إسحق: فإن رأيت أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإِن أقاموا أقاموا
بشر مقام، وإِن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها، وكان رأي عبد الله بن أبي بن سلول مع رأيه عَ لّه،
وكان عليه السلام يكره الخروج إليهم، (فقال أولئك القوم،) أي: الرجال الذين أسفوا على
ما فاتهم من مشهد بدر، وغالبهم أحداث، لم يشهدوا بدرًا وأحبوا لقاء العدو، وطلبوا الشهادة،
فأكرمهم اللَّه بها يومئذ، (يا رسول اللَّه، إِنا كنا نتمنى هذا اليوم، أخرج بنا إِلى أعدائنا لا يرون
أنا جبنًا،) بفتح الجيم وضم الموحدة وشد النون، فعل ماض وفاعله (عنهم).
زاد ابن إسحق: وضعفنا، فقال ابن أبي: يا رسول اللّه، أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله
ما خرجنا منها إِلى عدو لنا قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إِلا أصبنا منهم، فدعهم يا
رسول اللَّه، فإِن أقاموا بشر مجلس، وإِن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء
والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإِن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا، فلم يزل أولئك القوم
به عَّه وعند غيره، فقال حمزة وسعد بن عبادة، والنعمان بن ملك، وطائفة من الأنصار: إِنا
نخشى يا رسول اللَّه أن يظن عدونا أنا كرهنا الخروج جبنًا عن لقائهم، فيكون هذا جراءة منهم
علینا.
زاد حمزة: والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم اليوم طعامًا حتى أجالدهم بسيفي خارج
المدينة، وقال النعمان: يا رسول اللَّه، لا تحرمنا الجنة، فوالذي نفسي بيده لأدخلنها، فقال عّه
(لمه)؟ فقال: لأني أحب اللَّه ورسوله، وفي لفظ: أشهد أن لا إله إلاّ اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه،
ولا أفرّ يوم الزحف، فقال عَّهِ: ((صدقت))، فاستشهد يومئذ فإن قيل لم عدل عَِّ عن رأيه الذي

٣٩٥
غزوة أحد
فصلى عليه الصلاة والسلام بالناس الجمعة، ثم وعظهم وأمرهم بالجد
والاجتهاد، وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا، وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم، ففرح الناس
بذلك.
ثم صلى بالناس العصر وقد حشدوا، وحضر أهل العوالي، ثم دخل عليه
الصلاة والسلام بيته ومعه صاحباه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فعمماه وألبساه.
وصف الناس ينتظرون خروجه عليه الصلاة والسلام، فقال لهم سعد بن معاذ
لا أسد منه، وقد وافقه عليه أكابر المهاجرين والأنصار وابن أبي، وإِن كان منافقًا، لكنه من الكبار
المجربين للأمور، ولذا أحضره عليه السلام واستشاره إِلى رأي هؤلاء الأحداث، قلت: لأنه عد اله
مأمور بالجهاد خصوصًا، وقد فاجأهم العدو، فلما رأى تصميم أولئك على الخروج، لا سيما وقد
وافقهم بعض الأكابر من المهاجرين، كحمزة والأنصار، كابن عبادة، ترجح عنده موافقة رأيهم،
وإِن كرهه ابتداء ليقضي اللَّه أمرًا كان مفعولاً، وهذا ظهر لي ولم أره لأحد. (فصلى عليه
الصلاة والسلام بالناس الجمعة، ثم وعظهم وأمرهم بالجد،) بكسر الجيم، وشد الدال، ضد
الهزل (والإِجتهاد) في التأهب للقتال وإعداد الجيش، (وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا،) مدةٍ
صيرهم على أمره، بأن لا يبرحوا من مكانهم، فلما تأولوا وفارقوه، استشهدوا ليتخذ اللَّه منهم
شهداء، (وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم، ففرح الناس بذلك؛) لأنهم لا غرض لهم في الدنيا وزهرتها لما
وقر في قلوبهم، وارتاحت له نفوسهم من حب لقاء اللَّه، والمسارعة إِلى جنات النعيم.
وعند ابن إسحق: وقد مات ذلك اليوم لملك بن عمرو النجاري، فصلى عليه عَّة، ويقال:
بل هو محرر بمهملات، قال الأمير: بوزن محمد، وقال الدارقطني: آخره زاي معجمة، بوزن مقبل
ابن عامر النجاري، (ثم صلى بالناس العصر وقد حشدوا،) بفتح المعجمة، ومضارعه بكسرها،
أي: اجتمعوا، (وحضر أهل العوالي،) جمع عالية، وهي القرى التي حول المدينة من جهة نجد
على أربعة أميال، وقيل: ثلاثة، وذلك أدناها وأبعدها ثمانية، وما دون ذلك من جهة تهامة،
فالسافلة كما في النور، (ثم دخل عليه الصلاة والسلام بيته) الذي فيه عائشة، كما عند الواقدي
وغيره، (ومعه صاحباه،) دنيا وبرزخًا وموقفًا وحوضًا وجنة، (أبو بكر وعمر رضي اللَّه عنهما،
فعمماه وألبساه).
قال شيخنا: الظاهر أن المراد عاوناه في لبس عمامته وثيابه، والتقليد بسيفه، وغير ذلك
مما تعاطاه عند إِرادة الخروج، (وصف) لازم بمعنى اصطف (الناس،) مرفوع فاعل، كما في النور
ما بين حجرته إِلى منبره، (ينتظرون خروجه عليه الصلاة والسلام، فقال لهم سعد بن معاذ،) سيد

٣٩٦
غزوة أحد
وأسيد بن حضير: استكرهتم رسول الله عَّ على الخروج، فردوا الأمر إليه،
فخرج عَّ وقد لبس لأمته - وهي بالهمز وقد يترك تخفيفًا: الدرع - وتقلد سيفه،
فندموا جميعًا على ما صنعوا،
الأوس وهو في الأنصار بمنزلة الصديق في المهاجرين، فهو أفضل الأنصار، قاله البرهان (وأسيد،)
بضم الهمزة وفتح السين المهملة، (ابن حضير،) بضم الحاء المهملة، وفتح الضاد المعجمة،
ويقال: الحضير باللام.
روى البخاري في تاريخه، وأبو يعلى، وصححه الحاكم، عن عائشة قالت: ثلاثة من
الأنصار لم يكن أحد يعقد عليهم فضلاً، كلهم من بني عبد الأشهل، سعد بن معاذ، وأسيد بن
حضير، وعباد بن بشر، (استكرهتم) بسين التأكيد، لا الطلب، أي: أكرهتم (رسول اللَّه عَ له على
الخروج).
زاد في رواية: وقلتم له ما قلتم، والوحي ينزل عليه من السماء، (فردوا الأمر إليه،) لأنه
أعلم منكم بما فيه المصلحة ولا ينطق عن الهوى، ولا يفعل إلا بأمر الله، (فخرج،) عطف على
مقدر، أي: وانتظروه فخرج (عَّة، وقد لبس لامته وهي بالهمز، وقد يترك تخفيفًا، ) وجمعها
لام، كتمرة وتمر، ويجمع أيضًا على لؤم بوزن نغر، على غير قياس، لأنه جمع لؤمة، قاله
الجوهري، أي: بضم اللام. (الدرع) وقيل: السلاح ولامة الحرب أداته، كما في الصحاح.
وروى أبو يعلى والبزار بسند حسن، عن سعد وطلحة: أنه ظاهر بين درعين يوم أحد، قال
البرهان: بالظاء المعجمة، أي: لبس درعًا فوق درع، وقيل: طارق بينهما، أي: جعل ظهر
إِحداهما لظهر الأخرى، وقيل: عاون والظهيرِ العوين، أي: قوّى إِحدى الدرعين بالأخرى في
التوقي، ومنه تظاهرون ولم يظاهر بين درعين إِلاَّ في أحد وفي حنين. ذكر مغلطاي أنه ظاهر فيها
بین درعین.
وفي سيرة عبد الغني روى عن محمد بن مسلمة، رأيت على رسول اللَّه عَّ له يوم أحد
درعين درعه ذات الفضول، ودرعه فضة، ورأيت عليه يوم حنين درعين، درعه ذات الفضول،
والسعدية، وكان سيفه ذو الفقار، تقلده يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد، انتهى.
(وتقلد سيفه،) أي: جعل علاقته على كتفه الأيمن وهو تحت إبطه الأيسر.
وعند ابن سعد: أظهر الدرع وخرم وسطها بمنطقة من أدم، من حمائل سيفه، وتقلد السيف
وألقى الترس في ظهره. وقول ابن تيمية: لم يبلغنا أنه عَّهِ شد على وسطه منطقة، يرد برواية ابن
سعد فإِنه ثقة حافظ، وقد أثبته وأقره عليه اليعمري، فهو حجة على من نفاه، لا سيما وإنما نفى أنه
بلغه ولم يطلق النفي، (فندموا جميعًا على ما صنعوا،) الطالبون للخروج على فعله، ومن لم

٣٩٧
غزوة أحد
فقالوا: ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما شئت. فقال: ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته
أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه.
وفي حديث ابن عباس عند أحمد والنسائي والطبراني، وصححه الحاكم:
نحو حديث ابن إسحق، وفيه إشارة النبي عَّةٍ إليهم أن لا يبرحوا من المدينة،
وإيثارهم الخروج طلبا للشهادة، ولبسه لأمته، وندامتهم على ذلك وقوله عَّهِ: لا
ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل، وفيه: أني رأيت أني في درع
حصينة. الحديث.
وعقد عليه الصلاة والسلام ثلاثة ألوية:
يطلب على الموافقة، أو هو قاصر على الطالبين، (فقالوا: ما كان) ينبغي (لنا أن نخالفك، فاصنع
ما شئت،) ولابن سعد: ما بدا لك، وعند ابن إسحق: فإِن شئت فاقعد، (فقال: ما ينبغي.) قال
الشامي: أي: ما يحسن، أو ما يستقيم (لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم اللَّه بينه وبين
عدوه).
وعند ابن إِسحق حتى يقاتل، زاد في رواية: أو يحكم اللَّه بينه وبين أعدائه، وروى البيهقي
عن ابن عباس، والإِمام أحمد عن جابر رفعاه: لا ينبغي لنبي إذا أخذ لامة الحرب، وأذن في الناس
بالخروج إلى العدو أن يرجع حتى يقاتل، وعلقه البخاري. قال البرهان: وظاهره أن ذلك حكم
جميع الأنبياء عليهم السلام، ولم أر فيه نقلاً، قال: وفيه دليل على حرمة ذلك، وهو المشهور
خلافًا لمن قال بكراهته.
(وفي حديث ابن عباس عند أحمد) بن حنبل، (والنسائي ) أحمد بن شعيب، (والطبراني)
سليمان بن أحمد بن أيوب، (وصححه الحاكم) محمد بن عبد اللَّه، (نحو حديث ابن إسحق،)
هذا الذي سقناه مع من ذكرناه معه أولاً.
ولما كان قوله نحو: قد يقتضي خروج بعض ما ذكره من غير تعيين نص على أن فيه
ما ذكره بقوله، (وفيه إِشارة النبي عَّة إليهم أن لا يبرحوا،) لا يخرجوا (من المدينة، وإيثارهم
الخروج طلبًا للشهادة، ولبسه لأمته وندامتهم على ذلك، وقوله عَّ: لا ينبغي لنبي إِذا لبس
لأمته أن يضعها حتى يقاتل)، إِن وجد من يقاتله، (وفيه: أني رأيت أني في درع حصينة،
الحديث.) وغرضه من هذا تقوية رواية ابن إسحق، ومن ذكر معه؛ لأنها مرسلة بالحديث
الموصل حكمًا، لأن ابن عباس، ما شاهد ذلك، فهو مرسل صحابي، وحكمه الموصل إلى
الصواب، وقد أخرج حديث الرؤيا بنحوه الشيخان وغيرهما. (وعقد عليه الصلاة والسلام
ثلاثة ألوية، لواء) للأوس، (بيد أسيد بن الحضير،) باللام، للمح الأصل المنقول عنه، (ولواء

٣٩٨
غزوة أحد
- لواء بيد أسيد بن حضير.
ـ ولواء للمهاجرين بيد علي بن أبي طالب وقيل بيد مصعب بن عمير.
- ولواء الخزرج بيد الحباب بن المنذر وقيل بيد سعد بن عبادة.
وفي المسلمين مائة دارع. وخرج السعدان أمامه يعدوان: سعد بن معاذ
وسعد بن عبادة، دارعين.
واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وعلى الحرس تلك الليلة محمد بن
مسلمة.
للمهاجرين بيد علي بن أبي طالبٍ، وقيل: بيد مصعب بن عمير،) وليس بخلاف حقيقي؛ فإنه
كان بيد علي، ثم بيد مصعب، لأنه عَِّ قال: ((من يحمل لواء المشركين؟)، فقيل: طلحة بن أبي
طلحة، فقال: ((نحن أحق بالوفاء منهم))، فأخذه من علي، ودفعه إلى مصعب بن عمير، أي: لأنه
من بني عبد الدار بن قصي، وكان بكر قصي، فجعل إِليه اللواء، والحجابة، والسقاية، والرفادة،
وكان قصي مطاعًا في قومه، لا يرد عليه شىء صنعه، فجرى ذلك في عبد الدار وبنيه حتى قام
الإِسلام. كما أسنده ابن إسحق، عن علي فيما مر فإِلى هذا أشار عليه السلام، أي: بوفاء عهد
قصي، لأنه لم يخالف شرعه، (ولواء الخزرج بيد الحباب،) بضم الحاء المهملة، وتخفيف
الموحدة، فألف فموحدة، (ابن المنذر، وقيل: بيد سعد بن عبادة،) سيدهم، (وفي المسلمين
مائة دارع)، أي: لابس الدرع، وهو الزردية، وركب عَّله فرسه السكب على إحدى الروايتين،
والأخرى أنه خرج من منزل عائشة على رجليه إلى أحد، (وخرج السعدان) القائل فيهما الهاتف
بمكة، فإِن يسلم السعد أن يصبح محمد بمكة، لا يخشى خلاف المخالف (أمامه يعدوان،) بعين
مهملة، أي: يمشيان مشيًا مقارب الهرولة ودون الجري، (سعد بن معاذ وسعد بن عبادة) رضي
اللَّه عنهما، حال كونهما (دارعين)) مثنى دارع بوزن فاعل، والناس عن يمينه وشماله، (واستعمل
على المدينة ابن أم مكتوم،) أي: على الصلاة بالناس، كما قاله هشام وتبعه جمع، ومقتضاه أنه
لم يول أحدًا للقضاء بين الناس، وكأنه لقرب المسافة، أو لأنه لم يبق فيها إلا القليل، الذين لا
يتخاصمون، (وعلى الحرس تلك الليلة) التي باتها بالشيخين، تثنية شيخ موضع بين المدينة
وأحد على الطريق الشرقي إلى أحد مع الحرة، (محمد بن مسلمة) الأنصاري، أكبر من اسمه
محمد في الصحابة، في خمسين رجلاً يطوفون بالعسكر، وعين المشركون لحراستهم.
عكرمة ابن أبي جهل في جماعة، وروى أنه عليه السلام بعدما صلى العشاء قال: ((من
يحرسنا الليلة؟)، فقال ذكوان بن عبد قيس: أنا، قال: ((اجلس))، ثم قال: ((من يحرسنا؟))، فقال

٣٩٩
غزوة أحد
وأدلج عليه الصلاة والسلام في السحر، وقد كان عَّ لما عسكر رد
جماعة من المسلمين لصغرهم، منهم: أسامة، وابن عمر،
رجل: أنا، ثم قال: ((من يحرسنا؟))، فقال رجل: أنا، قال: ((اجلس)، فأمر بقيام الثلاثة، فقام ذكوان
وحده، فسأله عن صاحبيه، فقال: يا رسول اللَّه، أنا كنت المجيب في كل مرة، قال: ((اذهب
حفظك اللَّه))، فلبس لامته، وأخذ قوسه، وحمل سلاحه وترسه، فكان يطوف بالعسكر ويحرس
خيمته عليّ
(وأدلج عليه الصلاة والسلام.) قال البرهان: اختلف اللغويون في أن أدلج مخففًا ومثقلاً
لغتان، في سير الليل كله أو بينهما فرق، وهو قول الأكثر فأدلج بالتشديد، سار آخر الليل،
وأدلج، بسكون الدال، سار الليل كله، وسار دلجة من الليل، أي: في ساعة، انتهى.
فإِن قرىء المصنف بالتشديد، فقوله (في السحر،) وهو قبيل الفجر، بيان للمراد من آخر
الليل، وإِن خفف كان بيانًا لوقت السير، ويؤخذ من كلام ابن إسحق؛ أنهم خرجوا من ثنية
الوداع شامي المدينة.
وقد روى الطبراني في الكبير والأوسط، برجال ثقات، عن أبي حميد الساعدي، أن
النبي عَّه خرج يوم أحد، حتى إذا جاوز ثنية الوداع، فإذا هو بكتيبة خشناء، فقال: ((من
هؤلاء؟))، قالوا: عبد الله بن أبي في ستمائة من مواليه من اليهود، فقال: ((وقد أسلموا؟))، قالوا: لا
يا رسول اللَّه، قال: ((مروهم فليرجعوا، فإِنا لا نستعين بالمشركين على المشركين)). قال
ابن إسحق: وكان دليله عَّ أبو خيثمة الحارثي، بخاء معجمة، وياء ومثلثة، ووهمه اليعمري
ومغلطاي بأن الذي ذكره الواقدي، وابن سعد؛ أنه أبو حتمة، والد سهل بن أبي حتمة، يعني بحاء
مهملة ففوقية، زاد مغلطاي: وقول ابن أبي حاتم، كان الدليل سهل بن أبي حتمة غير صحيح،
لصغر سنه عن ذلك، انتهى. (وقد كان عٍَّ لما عسكر) بالشيخين، قال السمهودي: بلفظ تثنية
شيخ اطمأن بجهة الوالج، سميا بشيخ وشيخة، كانا هناك هيأ مسجدًا له عَّه صلى به في مسيره
لأحد وعسكر هناك، (رد جماعة من المسلمين لصغرهم).
قال الإِمام الشافعي: رد عَّمِ سبعة عشر صحابيًا، عرضوا عليه وهم أبناء أربع عشرة سنة،
لأنه لم يرهم بلغوا، وعرضوا عليه وهم أبناء خمس عشرة، فأجازهم. قال البرهان: يحتمل أن يريد
ردهم في أحد، ويحتمل مجموع من رده في هذا السن في غزواته وكل منهما فائدة. وظاهر
الشامي احتمال الأول فإِنه عد من رده في أحد سبعة عشر، ثم أجاز اثنين منهم، (منهم: أسامة)
ابن زيد، (و) عبد اللَّه (ابن عمر) بن الخطاب، وما وقع في نسخة سقيمة من الشامية عمر،
وبزيادة واو خطأ، لا يعول عليه؛ فإِن ابن عمرو بن العاصي لم يكن أسلم حينئذ، وكان مع أبيه.

٤٠٠
غزوة أحد
وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري. والنعمان بن بشير. قال مغلطاي: وفيه نظر.
وكان المسلمون الخارجون ألف رجل، ويقال: تسعمائة، والمشركون ثلاثة
آلاف رجل
والحديث عند أحمد، والبخاري، وأبي داود، والنسائي، لابن عمر بن الخطاب، (وزيد بن
ثابت) الأنصاري، (وأبو سعيد الخدري، والنعمان بن بشير. قال مغلطاي: وفيه نظر) لأنه ولد
في السنة الثانية قبل أحد بسنة، زاد اليعمري وغيره، وأسيد بن ظهير، وعرابة بن أوس، والبراء بن
عازب، وزيد بن أرقم، وسعد بن عقيب، وسعد بن حبتة، وزيد بن جارية، بجيم وراء، الأنصاري،
وجابر بن عبد اللّه: وليس بالذي يروي الحديث.
قال البرهان: وهو إِما الراسبي البصري، وإِما العبدي، وعمرو بن حزم ذكره مغلطاي، ورافع
بن خديج ذكره الواقدي، وأوس بن ثابت الأنصاري؛ كذا رواه ابن فتحون، عن ابن عمر بن
الخطاب، وسمرة بن جندب، ثم أجاز رافع بن خديج لما قيل له: إنه رام، فقال سمرة لزوج أمه:
أجاز رافعًا وردني وأنا أصرعه، فأعلمه عَّةٍ فقال: تصارعا، فصرع سمرة رافعًا فأجازه، وعقيب،
بضم المهملة، وفتح القاف، وسكون التحتية، والموحدة، وحبتة، بفتح المهملة، وسكون
الموحدة، وفتح الفوقية، فتاء تأنيث، هي أمه، واسم أبيه بجير، بضم الموحدة، وفتح الجيم عند
ابن سعد، وبفتحها، وكسر الحاء المهملة عند الدارقطني.
(وكان المسلمون الخارجون) معه حقيقة وظاهرًا (ألف رجل،) كما عند ابن إِسحق
وغيره. (ويقال: تسعمائة،) حكاه مغلطاي وغيره، فلما انخذل ابن أبي بالمنافقين الثلاثمائة صاروا
سبعمائة على الأول، وستمائة على الثاني، كما في النور، فغلط من زعم أن تسعمائة مصحف
عن سبعمائة، إِذ الكلام في الخارجين أولاً هل ألف أو إِلاَّ مائة. قال ابنٍ عقبة: وليس في
المسلمين إِلاَّ فرس واحد، وقال الواقدي: لم يكن معهم من الخيل إِلاّ فرسه عَّ، وفرس
أبي بردة.
وفي الاستيعاب، في ترجمة عباد بن الحرث بن عدي: أنه شهد أحدًا، والمشاهد كلها
معه عليه السلام على فرسه ذي الحزق. قال الحافظ في الفتح: وقع في الهدى، أَنه كان معهم
خمسون فرسًا، وهو غلط بيّن، وقد جزم موسى ابن عقبة؛ بأنه لم يكن معهم في أحد شىء من
الخيل، ووقع عند الواقدي، كان معهم فرس له عليه السلام، وفرس لأبي بردة، انتهى بلفظه.
(والمشركون ثلاثة آلاف رجل،) كما جزم ابن إسحق، وتبعه اليعمري. قال البرهان: وقال بعض
الحفاظ: فجمع أبو سفين قريبًا من ثلاثة آلاف من قريش، والحلفاء والأحابيش، انتهى.
وعطف الأحابيش على الحلفاء مساو هنا، لأَن المراد بهم، كما في العيون وغيرها بنو