النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
ذكر تزويج علي بفاطمة رضي الله عنهما
قال لها: تقدمي، فتقدمت، فنضح بين ثدييها وعلى رأسها وقال: اللهم إنى أعيذها
بك وذريتها من الشيطان الرجيم. ثم قال أدبري فأدبرت نصب بين كتفيها. ثم فعل
مثل ذلك بعلي رضي الله عنه. ثم قال له ادخل بأهلك بسم الله والبركة. خرجه
أبو حاتم، وأحمد في المناقب بنحوه.
وفي حديث أنس عند أبي الخير القزويني الحاكمي: خطبها علي بعد أن
خطيها أبو بكر ثم عمر
قال لها: تقدمي، فتقدمت، فنضح) بفتحات رش (بين ثدييها وعلى رأسها وقال: اللهم إني
أعيذها بك)،) أجيرها بحفظك (وذريتها من الشيطان الرجيم) المطرود.
وقد استجاب اللَّه تعالى دعاء أم مريم، فما بالك بدعاء سيد الخلق. (ثم قال: أدبري،)
بفتح الهمزة، (فأدبرت، فصب بين كتفيها، ثم فعل مثل ذلك بعلي رضي اللَّه عنه.) اختصر
الرواية فلفظ: من عزى له ثم قال لعلي: ائتني بماء، قال: فعلمت الذي يريده، فقمت فملأت
القعب ماء، فأتيته به، فأخذه فمجّ فيه، ثم صب على رأسي وبين ثديي، ثم قال لي: أدبر، نصب
بين كتفي، ثم قال: اللهم إني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم.
وفي حديث أسماء بنت عميس، عند الطبراني تقديم علي على فاطمة في ذلك، (ثم قال
له: إِدخل بأهلك باسم اللَّه والبركة، خرجه أبو حاتم) بن حبان التميمي البستي، (وأحمد في
المناقب،) وكذا خرجه أبو داود كلاهما (بنحوه،) من حديث أنس، وحكايته ليلة البناء من قوله:
وجاء رسول اللَّه .. إِلى آخر الحديث.
أما عن مشاهدة بأن يكون دخل مع النبي عَّ لأنه خادمه، وكان ذلك قبل بلوغه، وقبل
نزول الحجاب، وأما أن يكون حمله عن علي وهو ظاهر قوله، قال: فعلمت الذي يريد .. الخ،
وروى النسائي عن علي: توضأ عَّه في إناء ثم أفرغه على علي وفاطمة، ثم قال: ((اللهم بارك
فيهما، وبارك لهما في شملهما))، وهو بالتحريك الجماع.
في رواية: في شبليهما قال: في الصواعق، قيل: وهي تصحيف، فإِن صحت فالشبل ولد
الأسد، فيكون ذلك كشفًا وإطلاعًا منه عَّهِ، على أنها تلد الحسنين، فأطلق عليهما شبلين وهما
کذلك، انتھی.
يروى عن علي أنه عَّ حين زوجه دعا بماء فمجّه، ثم صبه، ثم رشّه في جبينه وبين
كتفيه، وعوّذه بقل هو الله أحد والمعوذتين.
(وفي حديث أنس عند أبي الخير القزويني الحاكمي،) وابن عساكر، وابن شاذان،
بنحوه قال: (خطبها علي،) طلب تزويجها، (بعد أن خطبها أبو بكر، ثم عمر،) وذكرهما ذلك

٣٦٢
ذكر تزويج علي بفاطمة رضي الله عنهما
فقال له عليه الصلاة والسلام: قد أمرني ربي بذلك.
قال أنس: ثم دعاني عليه الصلاة والسلام بعد أيام فقال: ادع
لي أبا بكر وعمر وعثمن وعبد الرحمن وعدة من الأنصار، فلما اجتمعوا وأخذوا
مجالسهم وكان علي غائبًا فقال عدِّ:
الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع المرهوب من عذابه
وسطوته، النافذ أمره في سمائه وأرضه، الذي خلق الخلق بقدرته، وميزهم
بأحكامه، وأعزهم بدينه، وأكرمهم بنبيه محمد عَّه.
لعلي كما في حديثه السابق فوقه، (فقال له عليه الصلاة والسلام: قد أمرني ربي بذلك،)
التزويج المفهوم من خطبها.
وقد روى الطبراني برجال ثقات مرفوعًا، أن اللَّه أمرني أن أزوج فاطمة من علي، ولا يقال
لم أخره حتى سأله علي لجواز أن الأمر ورد بعد سؤال علي، أو قبله، بأن يزوجه إِذا سأله. (قال
أنس: ثم دعاني عليه الصلاة والسلام بعد أيام، فقال: أدع لي أبا بكر وعمر وعثمن
وعبد الرحمن بن عوف رضي اللَّه عنهم، (وعدة من الأنصار،) جماعة بينهم له، لا أنه قال له:
أدع عدة، ففي رواية ابن عساكر، عن أنس: بينا أنا عند النبي عَِّ، إِذ غشيه الوحي، فلما سرى
عنه قال: ((إِن ربي أمرني أن أزوّج فاطمة من علي، فانطلق فادع لي أبا بكر وعمر)، وسمى
جماعة من المهاجرين وبعددهم من الأنصار، (فلما اجتمعوا وأخذوا مجالسهم،) أي: قعد كل
واحد في مجلسه اللائق به، (وكان علي غائبًا) عن هذا المجلس، وما رواه ابن عساكر أنه عليه
السلام أمر عليًا أن يخطب لنفسه، فخطب، وأوجب له عَّه في حضوره فقبل، واستشهد على
الصحابة الحاضرين على ذلك، فقال ابن كثير: هذا خبر منكر، (فقال عّلّ: الحمد لله
لمحمود،) من أسماء اللَّه تعالى، كما صرح به هذا الخبر، وعده بعض العلماء في أسمائه، وفي
معر حسان: فذو العرش محمود، لأنه تعالى حمد نفسه وحمده عباده (بنعمته) التي لا تتناهى ولا
يستطاع حصرها ولا تضاهى، (المعبود بقدرته،) إِذ لا قدرة على عبادته إِلا بأقداره، (المطاع،)
المتبع الذي ينقاد له فيما أراده، وفي التنزيل: ﴿أطيعوا اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٢٠]، (المرهوب) الذي
يخاف (من عذابه،) وفي التنزيل: ﴿وإياي فارهبون﴾ [البقرة: ٤٠]، (وسطوته) قهره وإذلاله،
(النافذ أمره في سمائه وأرضه) جنسهما، فالمراد جميع السموات والأرضين، (الذي خلق
الخلق) قدرهم وأوجدهم (بقدرته، وميزهم بأحكامه، وأعزهم بدينه وأكرمهم،) كلهم مؤمنهم
وكافرهم، إِنسهم وجنهم وملكهم، (بنبيه محمد عَّر). ودليل العموم قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك
إِلا رحمةً للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فإرساله إِكرام لجميع الخلائق.

٣٦٣
ذكر تزويج علي بفاطمة رضي الله عنهما
إن الله تبارك اسمه وتعالت عظمته جعل المصاهرة سببًا لاحقًا، أمرًا مفترضًا، أوشج
به الأرحام، وألزم به الأنام، فقال عز من قائل ﴿وهو الذي خلق من الماء بشرًا
فجعله نسبًا وصهرًا وكان ربك قديرًا﴾ [الفرقان/٥٤] فأمر الله يجري إلى قضائه،
وقضاؤه يجري إلى قدره، ولكل قضاء قدر، ولكل قدر أجل، ولكل أجل كتاب،
يمحو الله ما يشاء ويثبت
ويحتمل تخصيص الإكرام بالمؤمنين من الخلق، والأول أولى (إِن اللَّه تبارك اسمه،
وتعالت عظمته، جعل المصاهرة،) المناكحة، (سببًا،) أمرًا يتوصل به إلى اتصال بعض الأنساب
ببعض (لاحقًا،) لازمًا لا يستغنى عنه، ولا ينفك عن الناس. (وأمرًا مفترضًا) ثابتًا، وهو قريب في
المعنى مما قبله، فهو إطناب مستحسن في الخطب، (أوشج،) بشين وجيم، أوصل (به الأرحام)
القرابات، فإِن من تزوج من قوم حصل بينه وبينهم قرابة بالنسل، ولم يذكر المجد، تعديته
بالهمزة. وفي المغنى: النقل بالهمزة قيل: كله قياسي، وقيل: سماعي في القاصر، والمتعدى إِلى
واحد. والحق أنه قياسي في القاصر، سماعي في غيره، وهذا ظاهر مذهب سيبويه، (وألزم) بلام
وزاي، (به) بالتلبس بذلك السبب (الأنام،) وفي نسخة: بكاف وراء، من الإكرام، (فقال عز من
قائل: ﴿وهو الذي خلق من الماء بشرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]، من المني إِنسانًا (فجعله نسبًا،) أي:
ذا نسب، (وصهرًا) ذا صهر، بأن يتزوج ذكرًا أو أنثى طلبًا للتناسل.
قال الكيا الهراسي: وهو يدل على أن اللَّه جعل الماء سبب الاجتماع والتآلف والرضاع،
وفيه إِشارة إِلى المحرمات بالنسب والسبب، وأن كل ذلك تولد من الماء، (فأمر اللَّه يجري إِلى
قضائه،) هو إرادته إيجاد العالم على نظامه العجيب، كذا في شرح المشكاة للشهاب المكي،
وفي شرحه للأربعين، هو عند الأشعرية إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه، وفي
شرح المقاصد: هو عبارة عن وجود جميع الموجودات في العالم مجتمعة، ومجملة على سبيل
الإبداع.
(وقضاؤه يجري إلى قدره)) هو تعلق الإِرادة بالأشياء في أوقاتها، كما في شرح المشكاة،
وفي شرح الأربعين: إيجاده على ما يطابق العلم، وأنه يرحم من يشاء من خلقه فضلاً، ويعذب
من شاء عدلاً، وفي شرح المقاصد: هو عبارة عن وجود مواد الموجودات الخارجية مفصلة
واحدًا بعد واحد، فيما لا يزال بشهادة وإن من شىء إِلا عندنا خزائنه، وما ننزله إِلا بقدر معلوم،
(ولكل قضاء قدر، ولكل قدر أجل) مدة، (ولكل أجل كتاب،) لكل وقت وأمد حكم مكتوب
فيه تحديده، (يمحو الله) منه (ما يشاء ويثبت،) بالتخفيف والتشديد، فيه ما يشاء من الأحكام
وغيرها.

٣٦٤
ذكر تزويج علي بفاطمة رضي الله عنهما
وعنده أم الكتاب. ثم إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي بن أبي طالب،
فاشهدوا أني قد زوجته على أربعمائة مثقال فضة إن رضي بذلك علي.
ثم دعا عَّه بطبق من بسر ثم قال: انتهبوا، فانتهبنا.
ودخل علي فتبسم النبي عَّه في وجهه ثم قال: إن الله عز وجل أمرني أن
أزوجك فاطمة على أربعمائة مثقال فضة، أرضيت بذلك؟ فقال قد رضيت بذلك يا
رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام:
واستدل به الحنفية على تبدل السعادة والشقاوة، وأجاب الأشعرية: بأن ذلك التبديل في
غير الكتاب الأزلي لقوله: (وعنده أم الكتاب،) أي: أصله الذي لا يغير منه شىء، وهو ما كتبه في
الأزل. وقيل: أصل الكتب وهو اللوح المحفوظ، إِذ ما من كائن إِلا وهو مكتوب فيه، وذكر هذا
في هذا المقام للإِلماج إلى أن من سنن المرسلين النكاح، لأن صدر الآية: ﴿ولقد أرسلنا رسلاً من
قبلك وجعلنا لهم أزواجًا وذرية﴾، وقد أخرج ابن أبي حاتم عن سعد بن هشام، قال: قلت لعائشة:
إني أريد أن أتبتل، قالت: لا تفعل، أما سمعت اللَّه يقول: وتلت الآية. (ثم) أقول: (إِن اللَّه تعالى
أمرني أن أزوج فاطمة من علي بن أبي طالب، فاشهدوا أني قد زوجته) إِياها (على أربعمائة
مثقال فضة.
وفي الحديث السابق: أنه باع بدنه بأربعمائة وثمانين درهمًا، فيجوز أن الدراهم كانت
مقدرة بما تساوي المثاقيل وزنًا، أو أنه زاد على ما باع به الدرع، (إن رضي بذلك علي.) وفي
ذخائر العقبى: اختلف في صداقها كيف كان، فقيل: كان الدرع ولم يكن إِذ ذاك بيضاء ولا
صفراء، وقيل: كان أربعمائة وثمانين، وورد ما يدل لكلا القولين. ويشبه أن العقد وقع على
الدرع، وأنه عَّ أعطاها عليًا ليبيعها، فباعها، وأتاه بثمنها، فلا تضاد بين الحديثين، انتهى
ملخصًا. وهذا الجمع مدلول الحديث السابق، ثم إياك أن تفهم أن هذا الصداق يماثلها.
وقد ذكر السيوطي، أنه رأى في بعض المجاميع عن التكريتي: أن مهر المثل لا يتصور
في حق فاطمة، لأنه لا مثل لها، قال وهو قول حسن بالغ: (ثم دعا عَّهِ بطبق،) أي: طلب طبقًا،
على التوسع، أدخلت عليه الباء أو الباء سببية، والمفعول محذوف تقديره: دعا رجلاً بسبب
إحضار طبق (من بسر، ثم قال: انتهبوا،) أمر من الانتهاب، وهو أخذ الجماعة الشىء على غير
اعتدال، (فانتهبنا، ودخل علي) بعد ذلك، (فتبسم النبي عَّ في وجهه،) تبشيرًا له، بأن اللَّه
رضيها لمن خطبها قبل، كما أرشد له قوله، (ثم قال: إِن اللَّه عز وجل أمرني أن أزوجك
فاطمة،) فلا تنافي بين هذا وبين السابق، أن عليًا خطبها، وركن له المصطفى (على أربعمائة
مثقال فضة، أرضيت بذلك؟ فقال: قد رضيت بذلك يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام:

٣٦٥
"ذكر تزويج علي بفاطمة رضي الله عنهما
جمع الله شملكما وأعز جدكما، وبارك عليكما، وأخرج منكما كثيرًا طيبًا.
قال أنس: فوالله لقد أخرج الله منهما الكثير الطيب.
والعقد لعلي وهو غائب محمول على أنه كان له وكيل حاضر، أو على أنه
لم يرد به العقد، بل إظهار ذلك، ثم عقد معه لما حضر،
((جمع اللَّه شملكما وأعز جدكما))، بفتح الجيم، حظكما، (وبارك عليكما،) ودعا لهما أيضًا
بنحو ذلك ليلة البناء كما مر، (وأخرج منكما) نسلاً (كثيرًا طيبًا).
وفي رواية أبي الحسن بن شاذان: أنه لما زوجه وهو غائب قال: ((جمع اللَّه شملهما،
وأطاب نسلهما، وجعل نسلهما مفاتيح الرحمة، ومعادن الحكمة، وأمن الأمة)، فلما حضر علي
تبسم عَّ له وقال: ((إن الله أمرني أن أزوجك فاطمة، وإِن اللَّه أمرني أن أزوجكها على أربعمائة
مثقال فضة)، فقال: رضيتها يا رسول اللَّه، ثم خرّ علي ساجدًا للَّه شكرًا، فلما رفع رأسه قال عَّه.
(بارك اللَّه لكما، وبارك فيكما، وأعز جدكما، وأخرج منكما الكثير الطيب).
(قال أنس) بن ملك: راوي الحديث رضي اللَّه عنه مشيرًا إلى أن اللَّه تعالى أجاب
دعاءه عَّهِ، مؤكدًا ذلك بالقسم، (فوالله لقد أخرج) اللَّه (منهما الكثير الطيب) الطاهر، وجعل
فيهم علماء وأولياء وكرماء، وملأ بهم الأرض ولله الحمد، وهم نسل النبوة.
وقد روى الطبراني والخطيب، عن ابن عباس، قال عَّهِ: (إِن اللَّه لم يبعث نبيًا قط إِلا
جعل ذريته من صلبه غيري، فإِن اللَّه جعل ذريتي من صلب علي))، ثم حديث أنس هذا، قال
ابن عساكر: غريب فيه مجهول، وأقره الحافظ في اللسان، وإِشارة صاحب الميزان إِلى أنه كذب
مردوده، كيف وله شاهد عند النسائي بإسناد صحيح عن بريدة: أن نفرًا من الأنصار قالوا لعلي:
لو كانت عندك فاطمة، فدخل على النبي عَّ ليخطبها، فسلم عليه فقال: ((ما حاجة ابن أبي
طالب؟))، قال: فذكرت فاطمة، فقال عَّهِ: ((مرحبًا وأهلاً))، فخرج إلى الرهط من الأنصار
ينتظرونه، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما أدري غير أنه قال لي: مرحبًا وأهلاً، قالوا: يكفيك من
رسول اللَّه عٍَّ، أحدهما قد أعطاك الأهل، وأعطاك الرحب، فقلما كان بعدها زوجة، قال:
يا علي لا بد للعرس من وليمة، قال سعد: عندي كبش، وجمع له رهط من الأنصار آصعًا من
ذرة، فلما كان ليلة البناء، قال: ((يا علي لا تحدث شيئًا حتى تلقاني))، فدعا النبي عَ له بماء
فتوضأ، ثم أفرغه على علي وفاطمة، فقال: ((اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في
نسلهما))، (والعقد لعلي وهو غائب محمول، على أنه كان له وكيل حاضر) قبل العقد من
المصطفى فورًا، (أو على أنه لم يرد به العقد، بل إِظهار ذلك ثم عقد معه لما حضر،) وقد يرد
على هذا قوله: اشهدوا أني قد زوجته، ثم لم ينقل عقده له بعد حضوره، إلا أن يقال قوله له:

٣٦٦
ذكر تزويج علي بفاطمة رضي الله عنهما
أو على تخصيصه بذلك، جمعا بينه وبين ما ورد، مما يدل على شرط القبول
على الفور.
وأخرج الدولابي، عن أسماء قالت: لقد أولم علي على فاطمة، فما كان
وليمة في ذلك الزمان أفضل من وليمته، رهن ردعه عند يهودي بشطر من شعير،
وكانت وليمته آصعًا من شعير وتمر وحيس. والحيس: التمر والأقط.
((أمرني اللَّه أزوجك فاطمة))، وإِن كان إِخبارًا تضمن العقد لقوله: (أرضيت؟))، فقال علي: ((قد
رضيت))، (أو على تخصيصه بذلك،) لأن له عَّةٍ أن يزوج من شاء لمن شاء، (جمعا بينه وبين
ما ورد مما يدل على شرط القبول على الفور.
وقد ذهب الملكية إِلى أن التفريق اليسير لا يضر، فلعل غيبة علي كانت قريبة جداً، وقد
يفهم من ظاهر الحديث أنه أتى في المجلس وهم ينتهبون البسر أو بعده، وأجاز أبو حنيفة
التفريق مطلقًا، ومنعه الشافعي مطلقًا، هذا وأخذ بعضهم من هذا الخبر، أن نكاح القرابة القريبة
ليس خلاف الأولى، كما تقول الشافعية، وأجيب بأن عليًا قريب بعيد، إِذ المراد بالقرابة القريبة
من هي في أول درجات الخؤلة والعمومة، وفاطمة بنت ابن عم، فهي بعيدة، ونكاحها أولى من
الأجنبية؛ وأما الجواب بأن عليًا لم يكن كفؤ حينئذ لفاطمة سواه، فرد بأن أباه كافر، وأبوها سيد
الخلق، (وأخرج الدولابي،) بفتح الدال وضمها، الحافظ أبو بشر محمد بن أحمد الرازي، (عن
أسماء قالت: لقد أولم علي على فاطمة، فما كان) وجد (وليمة في ذلك الزمان أفضل من
وليمته،) لتقللهم حينئذ (رهن درعه عند يهودي) لا ينافي أنه باعها، لأن عثمن ردها له، كما مر
أو أنها غيرها لتخلل مدة بين العقد والبناء.
ولم أر تسمية اليهودي (بشطر من شعير،) قيل: أراد نصف مكوك، وقيل: نصف وسق،
قاله في النهاية، (وكانت وليمته آصعًا، ) بفتح الهمزة وضم الصاد ومد (من شعير وتمر وحيس)
وكبش من عند سعد، وأصع ذرة من عند جماعة من الأنصار.
كما في حديث بريدة (والحيس،) بفتح الحاء المهملة، وسكون التحتية وسين مهملة،
(التمر والأقط.) فعطفه على التمر من عطف الكل على الجزء، وهو بفتح الهمزة وكسر القاف.
قال عياض: هو جبن اللبن المستخرج زبده، وقيل: لبن مجفف مستحجر يطبخ به، وفي
القاموس: الحيس: تمر يخلط بسمن، وأقط يعجن شديدًا، ثم يندر منه نواه. قال الحافظ: وقد
يخلط مع هذه الثلاثة غيرها، كالسويق انتهى، ولا ينافي هذا قول الشاعر:
التمر والسمن جميعًا والأقط الحيس إلا أنه لم يختلط
لأنه أراد أنه لم يختلط فيما حضره، وأنها حيس بالقوة لوجود الأجزاء دون الخلط.

٣٦٧
قتل كعب بن الأشرف وهي سرية محمد بن مسلمة
وأخرج أحمد في المناقب عن علي: كان جهاز فاطمة رضي الله عنها
خميله وقربة ووسادة من أدم حشوها ليف.
[قتل كعب بن الأشرف وهي سرية محمد بن مسلمة]
(وأخرج) الإِمام (أحمد في المناقب عن علي،) قال: (كان جهاز فاطمة رضي الله عنها،
خميله،) باللام والهاء، بساط له خمل، أي: هدب رقيق، والجمع خميل بحذف الهاء، (وقربة
ووسادة،) بكسر الواو، مخدة (من أدم) جلد (حشوها ليف،) أي: وسريرًا مشروطًا، كما في
الرواية السابقة، ومر أن في رواية: أربع وسائد، وأنه يجمع بأن واحدة على السرير، وثلاثة في
البيت، ومر أن فرشهما ليلة عرسهما كان جلد كبش، وأنه كان لهما فراشان، ولا معارضة، لأن
الجهاز مجموع ذلك، فبعض الرواة ذكر ما لم يذكر الآخر.
وروي عن الحسن البصري قال: كان لعلي وفاطمة قطيفة، إِذا لبسوها بالطول انكشفت
ظهورهما، وإِذا لبسوها بالعرض انكشفت رؤوسهما، وجاء أنه عَّ مكث ثلاثة أيام لا يدخل
عليهما بعد البناء، ثم دخل في الرابع في غداة باردة وهما في لحاف واحد، فقال: ((كما أنتما»،
وجلس عند رأسهما، ثم أدخل قدميه وساقيه بينهما، فأخذ علي أحدهما فوضعها على صدره
وبطنه، ليدفيهما، وأخذت فاطمة الأخرى فوضعتها على صدرها وبطنها لتدفيهما، وطلبت خادمًا
فأمرها بالتسبيح والتحميد والتكبير.
وعن أنس قال: جاءت فاطمة إِلى النبي عَِّ فقالت: يا رسول اللَّهِ، إِني وابن عمي، ما لنا
فراش إلا جلد كبش ننام عليه بالليل، ونعلف عليه ناضحنا بالنهار، فقال: ((يا بنية، اصبري، فإِن
موسى بن عمران أقام مع امرأته عشر سنين ما لهما فراش إِلا عباءة قطوانية)، أي: بيضاء قصيرة
الخمل، كما في النهاية، وهو بفتحتين نسبة إلى موضع بالكوفة كما في القاموس، وفي
الصحيحين ومسند أحمد عن علي أن فاطمة شكت ما تلقى من أثر الرحى مما تطحن، فأتى
النبي ◌َّه سبي، فانطلقت فلم تجده، فأخبرت عائشة، فلما جاء عٍَّ، أخبرته عائشة بمجيء
فاطمة، فجاء عَ لَه إِلينا، وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبت لأقوم فقال: ((على مكانكما))، فقعد بيننا
حتى وجدت برد قدميه على صدري، وقال: ((ألا أعلمكما خيرًا مما سألتماني؟))، قلنا: بلى، قال:
((كلمات علمنيهن جبريل، إذا أخذتما مضاجعكما من الليل، فكبرا ثلاثًا وثلاثين، وسبحا ثلاثًا
وثلاثين، وأَحمدا ثلاثًا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم))، ويأتي إِن شاء اللَّه تعالى من مناقبهما
في الأولاد والكتب النبوية، والله تعالى أعلم.
قتل كعب بن الأشرف

٣٦٨
قتل كعب بن الأشرف وهي سرية محمد بن مسلمة
ثم سرية محمد بن مسلمة وأربعة معه إلى كعب بن الأشرف اليهودي، لأربع
عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، على رأس خمسة وعشرين شهرًا من الهجرة.
روى أبو داود والترمذي من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن
(ثم سرية محمد بن مسلمة،) بفتح الميم واللام، الأنصاري الأوسي، أبو عبد الرحمن،
وقيل: أبو عبد اللَّه شهد بدرًا والمشاهد كلها، وكان من فضلاء الصحابة، وهو أكبر من اسمه
محمد فيهم، ولد قبل البعثة باثنتين وعشرين سنة في قول الواقدي، وهو ممن سمى محمدًا في
الجاهلية ومات بالمدينة في صفر سنة ثلاث وأربعين. والإضافة بيانية، أي: السرية التي هي
محمد، (وأربعة معه،) سيأتي أسماؤهم، وخص بالذكرِ لأنه الأمير عليهم والملتزم لقتل كعب،
وإطلاق السرية عليهم، على قول ابن السكيت وغيره، أَن مبدأها خمسة، كما مر (إِلى كعب بن
الأشرف،) بفتح الهمزة، وسكون المعجمة، وفتح الراء وبالفاء، (اليهودي،) حلفا.
قال ابن إسحق وغيره: كان عربيًّا من بني نبهان، وكان أبوه أصاب دمًا في الجاهلية، فأتى
المدينة، فحالف بني النضير، فشرف فيهم، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق، فولدت له كعبًا،
وكان طويلاً جسيمًا ذا بطن وهامة، شاعرًا مجيدًا، ساد يهود الحجاز بكثرة ماله، فكان يعطي
أحبار يهود ويصلهم، فلما قدم النبي عَِّ المدينة، جاءه أحبار اليهود من بني قينقاع، وبني قريظة
لأخذ صلته على عادتهم، فقال لهم: ((ما عندكم من أمر هذا الرجل؟))، قالوا: هو الذي كنا ننتظر،
ما أنكرنا من نعوته شيئًا، فقال لهم: ((قد حرمتم كثيرًا من الخير، ارجعوا إِلى أهليكم، فإِن
الحقوق في مالي كثير)، فرجعوا عنه خائبين، ثم رجعوا إِليه وقالوا له: إِنا أعجلنا فيما أخبرناك به
أولاً، ولما استنبانا علمنا أنا غلطنا، وليس هو المنتظر، فرضي عنهم ووصلهم، وجعل لكل من
تابعهم من الأحبار شيئًا من ماله، وكانت كما قال ابن سعد: (لأربع عشرة ليلة،) أي: في الليلة
الرابعة عشر، لما يأتي أن قتله كان ليلاً (مضت من ربيع،) بالتنوين، (الأول) وصف تابع له في
الإِعراب، وتجوز الإِضافة من إضافة الشىء إِلى نفسه لاختلاف اللفظين، نحو: حب الحصيد،
واستعماله بدون شهر مخالف لقول الأزهري: العرب تذكر الشهور كلها مجردة من لفظ شهر إلا
شهري ربيع ورمضان، للفرق بين ربيع الشهور والزمان، لاشتراك ربيع بين الشهر والفصل. فالتزموا
لفظ شهر في الشهر، وحذفوه في الفصل للفصل، ولم يبال المصنف بذلك تبعًا للحافظ، لا من
اللبس هنا لا سيما مع قوله: (على رأس خمسة وعشرين شهرًا من الهجرة) النبوية، (روى أبو
داود والترمذي من طريق الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب، (عن عبد الرحمن بن عبد الله
بن كعب بن لملك) الأنصاري، أبي الخطاب المدني، الثقة العالم من رجال الصحيحين، مات في
إِمارة هشام، (عن أبيه) عبد اللَّه أحد الإخوة الأنصاري، الشاعر المدني الثقة، يقال له: رؤية،

٣٦٩
قتل كعب بن الأشرف وهي سرية محمد بن مسلمة
كعب بن ملك عن أبيه: أن كعب بن الأشرف كان شاعرًا، وكان يهجو
رسول الله عَّه ويحرض عليه كفار قريش. وكان النبي عَ لّ قدم المدينة وأهلها
أخلاط، فأراد استصلاحهم، وكان اليهود والمشركون يؤذون المسلمين أشد الأذى،
فأمر رسول الله عَ لّه بالصبر.
فلما أبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذاه، .
مات سنة سبع، أو ثمان وتسعين. (أن كعب بن الأشرف كان شاعرًا، وكان يهجو
رسول اللَّه عَِّ، ويحرض عليه كفار قريش،) واستأنف قوله: (وكان النبي عَلِّ قدم المدينة
وأهلها أخلاط،) جمع خلط كأحمال وحمل، أي: مجتمعون من قبائل شتى، (فأراد) لاختلاف
عقائدهم وأحوالهم (استصلاحهم،) بجمعهم على كلمة الإِسلام، (وكان اليهود والمشركون
يؤذون المسلمين أشد الأذى،) كما قال تعالى: ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم،
ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦]، (فأمر رسول اللَّه عَّهِ)) لفظ الرواية كما في
الفتح، فأمر الله رسوله والمسلمين، (بالصبر،) قال تعالى: ﴿وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم
الأمور﴾ [آل عمران: ١٨٦].
قال البيضاوي: من معزوماتها التي يجب العزم عليها، أو مما عزم اللَّه عليه، أي: أمر به
وبالغ فيه، (فلما أبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذاه،) وقد كان عاهد النبي عَِّ، قبل أن لا
يعين عليه أحدًا، فنقض كعب العهد، وسبه وسب أصحابه، وكان من عداوته، أنه لما قدم البشير
أن يقتل من قتل ببدر، وأسر من أسر، قال كعب: أحق هذا؟ أترون أن محمدًا قتل هؤلاء الذين
يسمى هذان الرجلان فهؤلاء أشراف العرب، وملوك الناس، واللَّه لئن كان محمد أصاب هؤلاء
القوم لبطن الأرض خير من ظهرها، فلما أيقن الخبر، ورأى الأسرى، مقرنين كبت وذل، وخرج
إلى قريش يبكي على قتلاهم ويحرضهم على قتاله عَه، فنزل بمكة على المطلب بن أبي وداعة
السهمي، وعنده زوجته عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص، فأنزلته وأكرمته، فجعل يحرض على
النبي، وينشد الأشعار، فبلغه ذلك، فدعا حسان فهجا المطلب وزوجته، وأسلما بعد رضي اللَّه
عنهما، فلما بلغ ذلك عاتكة ألقت رحله وقالت: ما لنا ولهذا اليهودي، فخرج من عندها وصار
يتحول من قوم إلى قوم، فيفعل مثل ما فعل عند عاتكة ويبلغ خبره النبي عَ لّه، فيذكره لحسان،
فيهجوه فيفعلون معه كما فعلت عاتكة، ثم رجع إلى المدينة فشبب بنساء المسلمين حتى
آذاهم. ذكر ابن إِسلحق وغيره قال في الإِملاء، أي: تغزل فيهن وذكرهن بسوء، قال السهيلي:
وكان قد شبب بمكة بأم المفضل زوج العباس فقال:
أراحل أنت لم ترحل بمنقبة وتارك أنت أم الفضل بالحرم

٣٧٠
قتل كعب بن الأشرف وهي سرية محمد بن مسلمة
أمر رسول الله عَّه سعد بن معاذ أن يبعث رهطًا ليقتلوه.
وفي رواية قال عَّه: من يتكفل لنا بابن الأشرف؟ - وفي أخرى: ((من لكعب بن
الأشرف)) أي من ينتدب لقتله - فقد استعلن بعداوتنا وهجانا، وقد خرج إلى قريش
فجمعهم على قتالنا. وقد أخبرني الله بذلك. ثم قرأ على المسلمين ﴿ألم تر إلى
الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا
هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً، أولئك الذين لعنهم الله﴾ [النساء/ ٥١، ٥٢].
في أبيات رواها يونس عن ابن إسحق. (أمر رسول اللَّه عَ لِّ سعد بن معاذ أن يبعث رهطًا
ليقتلوه،) ففعل كما يأتي، (وفي رواية:) عند ابن عائذ، من طريق أبي الأسود عن عروة، (قال
عليه الصلاة والسلام: ((من يتكفل لنا بابن)))) أي: بقتل ابن (الأشرف) كعب؟ (وفي الأخرى)
عند البخاري، عن جابر قال رسول اللَّه عَّ: ((من لكعب بن الأشرف)، فإِنه قد آذى اللَّه
ورسوله))، قال في الفتح: (أي: من) الذي (ينتدب لقتله،) أي: يتوجه له، وجمع شيخنا بين هذه
الروايات، بأنه سأل خصوص سعد مرة، ثم قال: من لنا بابن الأشرف مرة ثانية، وفي أخرى: من
لكعب بن الأشرف، وفي رواية ابن عائذ عن عروة، (فقد استعلن) الفاء تعليلية، والسين للتأكيد،
أي: أعلن (بعداوتنا،) أو للطلب، والياء زائدة، أي: طلب إظهار عداوتنا حتى من غيره، (وهجانا،
وقد خرج إِلى المشركين) بمكة (فجمعهم،) حملهم (على قتالنا،) بقوله الشعر لهم، وتذكيرهم
قتلى بدر. وعند ابن عائذ أيضًا عن الكلبي: أنه خالف قريشًا عند أستار الكعبة على قتال
المسلمين، ثم لفظ ابن عائذ عن عروة: فأجمعهم على قتالنا، وتوقف فيه الجمال ابن هشام
النحوي، بقول اللغويين أجمع في المعاني، خاصة نحو: فأجمعوا أمركم، وأما جمع، ففي
المعاني كجمع كيده، والإِجرام كجمع مالاً، قال: فإن صح لفظ الحديث وجب تأويله على
حذف مضاف، أي: فاجمع رأيهم، انتهى. (وقد أخبرني اللَّه بذلك).
حذف من الرواية ما لفظه: ثم قدم أخبث ما كان ينتظر قريشاً تقدم فيقاتلنا، (ثم قرأ على
المسلمين) ما أنزل اللَّه عليه فيه، ((ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت
والطاغوت﴾) [النساء: ٥١].
قال الجلال: صنمان لقريش، وقال البيضاوي: الجبت الصنم في الأصل، واستعمل في
كل ما يعبد من دون اللَّه، وقيل: أصله الجبس، وهو الذي لا خير فيه، فقلبت سينه تاء،
والطاغوت الباطل من معبود أو غيره. ﴿ويقولون للذين كفروا﴾ لأجلهم وفيهم ﴿هؤلاء أهدى من
الذين آمنوا سبيلاً﴾ أقوم دينًا، وأرشد طريقه، ﴿أولئك الذين لعنهم الله،﴾ طردهم،

٣٧١
قتل كعب بن الأشرف وهي سرية محمد بن مسلمة
ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا.
وفي الإكليل: فقد آذانا بشعره، وقوى المشركين.
﴿ومن يلعن اللَّه فلن تجد له نصيرًا﴾، مانعًا من عذابه، ذكر ابن عائذ في صدر هذه الرواية عن
أبي الأسود، عن عروة قال: أنبعث عدو اللَّه يهجو رسول اللَّه عَّةِ والمؤمنين ويمتدح عدوهم،
ويحرضهم عليهم، فلم يرض بذلك حتى ركب إلى قريش فاستقواهم على رسول اللَّه عَ له، فقال
له أبو سفين والمشركون: أديننا أحب إليك أم دين محمد وأصحابه، وأي دينينا أهدى في رأيك
وأقرب إِلى الحق؟، فقال: أنتم أهدى سبيلاً وأفضل، إلى أن قال: فأنزل اللَّه: (ألم تر إلى الذين
أوتوا نصيبًا من الكتاب﴾ [آل عمران: ٢٣] الآية، وخمس آيات فيه وفي قريش، فجزم عروة بأنها
نزلت في كعب، ونحوه ما روى أحمد وغيره، عن ابن عباس قال: لما قدم كعب مكة قالت
قريش: ألا ترى إِلى هذا المنبصر المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج، وأهل
السدانة، وأهل السقاية، قال: أنتم خير، فنزل فيهم: ﴿إِن شانئك هو الأبتر﴾ [الكوثر: ٣]، ونزلت:
﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب﴾، إِلى ﴿نصيرًا﴾ [آل عمران: ٢٣].
وأخرج ابن إسحق عن ابن عباس، كان الذين خربوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني
قريظة حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق، وأبو رافع، والربيع، وعمارة، وهوذة، فلما قدموا
على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود، وأهل العلم بالكتب الأولى، فسلوهم أدينكم خير أم دين
محمد؟ فسألوهم، فقالوا: دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه، فأنزل الله: ﴿ألم تر
إِلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب﴾ [آل عمران: ٢٣]، إِلى قوله: ﴿ملكًا عظيمًا﴾ [النساء: ٥٤]،
ولذا قال الجلال والبيضاوي: أنها نزلت في كعب، وفي جمع من اليهود خرجوا إلى مكة وساقا
نحو القصة، وزاد البيضاوي: إِنهم سجدوا لآلهة الكفار، ليطمئنوا إليهم.
وقوله في صدر عبارته نزلت في يهود، قالوا: عبادة الأصنام أرضى عند اللَّه مما يقول
محمد، وقيل: في حيي وكعب في جمع من اليهود .. الخ، ليس بخلاف محقق، لإِمكان حمل
الأَول المبهم على الثاني المبين، خصوص من نزلت فيه كما هو الواقع.
(وفي الإِكليل) لأبي عبد اللَّه الحاكم من حديث جابر: (فقد آذانا بشعره وقوى
المشركين) علينا، قال الحافظ: ووجدت لقتل كعب بن الأشرف سببًا آخر في فوائد عبد اللّه بن
إسحق الخراساني، بسند ضعيف من مرسل عكرمة، وهو أنه صنع طعامًا وواطأ جماعة من اليهود،
أنه يدعو النبي عَّ إِلى الوليمة، فإذا حضر فتكوا به، ثم دعاه فجاء ومعه بعض أصحابه، فأعلمه
جبريل بما أضمروه بعد أن جالسه، فقام يستره جبريل بجناحه، فلما فقدوه تفرقوا، فقال حينئذ:
(من ينتدب لقتل كعب؟))، ويمكن الجمع بتعدد الأسباب، انتھی.

٣٧٢
قتل كعب بن الأشرف وهي سرية محمد بن مسلمة
وفي رواية ابن إسحق: فقال محمد بن مسلمة، أخو بني عبد الأشهل: أنا
لك به يا رسول الله، أنا أقتله، قال: فافعل إن قدرت على ذلك. قال: يا رسول الله
إنه لا بد لنا أن نقول، قال: قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك.
(وفي رواية ابن إسحق) عن شيخه عبد الله بن أبي المغيث بن أبي بردة، (فقال
محمد بن مسلمة، أخو بني عبد الأشهل: أنا) أتكفل (لك به يا رسول اللَّه، أنا أقتله، قال: فافعل
إِن قدرت على ذلك، قال:) وفي البخاري عن جابر، فقال: أي محمد: يا رسول اللَّه أتحب أن
أقتله؟ قال: (نعم).
وعند الحاكم، عن جابر فقال عَّله: ((أنت له))، وفي رواية ابن عائذ، عن عروة، فسكت
عَّةٍ، فقال محمد بن مسلمة: أقر صامت ومثله في فوائد سمويه، قال الحافظ: فإِن ثبت احتمل
أنه سكت أولاً، ثم أذن له، فإِن في رواية عروة أيضًا أنه قال له: إِن كنت فاعلاً فلا تعجل حتى
تشاور سعد بن معاذ، قال: فشاوره، فقال له: توجه إِليه، وأشك إليه الحاجة، وسله أن يسلفكم
طعامًا، انتهى.
وعند ابن إسحق: فرجع محمد بن مسلمة ثلاثًا لا يأكل ولا يشرب إلا ما تعلق به نفسه،
فذكر ذلك له عَّله، فدعاه فقال: ((لم تركت الطعام والشراب؟))، قال: يا رسول اللَّه قلت لك قولاً
لا أدري هل أفين لك به أم لا؟، قال: ((إنما عليك الجهد)).
وعند ابن عبد البر: فمكث أيامًا مشغول النفس بما وعده من قتل ابن الأشرف، فأتى
أبا نائلة، وعباد بن بشر، والحرث بن أوس، وأبا عبس بن جبر فأخبرهم بما وعد به رسول اللَّه عَ لَّه
من قتله، فأجابوه وقالوا: كلنا نقتله، ثم أتوا رسول اللَّه عَّهِ فقالوا: (يا رسول اللَّه، لا بد لنا أن
نقول) قولاً غير مطابق للواقع، يسر كعبًا لنتوصل به إلى التمكن من قتله، وقال المبرد: حقه أن
تول نتقول، يريد نفتعل قولاً نحتال به، (قال: قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك،) فأباح
ـم الكذب، لأنه من خدع الحرب.
وفي البخاري: قال محمد: فأذن لي أن أقول شيئًا، قال: قل، فكأنه قال له ذلك، ثم قاله
للجماعة. قال الحافظ: وظهر من سياق ابن سعد للقصة أنهم استأذنوه في أن يشكوا منه وأن
یعیبوا دینه، انتھی ..
قال ابن المنير: هنا لطيفة هي أن النيل من عرضه كفر، ولا يباح إلا بإِكراه لمن قلبه
مطمئن بالإِيمان، وأين الإكراه هنا، وأجاب أن كعبًا كان يحرض على قتل المسلمين، وكان في
قتله خلاصهم، فكأنه أكره الناس على النطق بهذا الكلام، بتعريضه إياهم للقتل، فدفعوا عن
أنفسهم بألسنتهم، مع أن قلوبهم مطمئنة بالإِيمان، انتهى. وهو حسن نفيس.

٣٧٣
قتل كعب بن الأشرف وهي سرية محمد بن مسلمة
فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وأبو نائلة - بنون وبعد الألف تحتية -
وفي البخاري ومسلم: فأتاه محمد بن مسلمة، فقال: إِن هذا الرجل قد سألنا صدقة، زاد
الواقدي: ونحن ما نجد ما نأكل، وفي مرسل عكرمة: إِن نبينا أراد منا الصدقة، وليس مال
نصدقه، انتهى. وأنه قد عنانا، وإني قد أتيتك أستسلفك، قال كعب: وأيضًا واللّه لتملنه، قال: إِنا
قد اتبعناه فلا يجب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شىء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وسقًا أو
وسقین.
وفي رواية عروة: وأحب أن تسلفنا طعامًا، قال: وأين طعامكم؟ قالوا: أنفقناه على هذا
الرجل وعلى أصحابه، قال: ألم يأن لكم أن تعرفوا ما أنتم عليه من الباطل، انتهى. قال: نعم
ارهنوني، قالوا: أي شىء تريد؟، قال: ارهنوني نساءكم، قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل
العرب؟ زاد ابن سعد من مرسل عكرمة: ولأنا منك، وأي امرأة تمتنع منك لجمالك.
وفي رواية الخراساني: وأنت رجل حسان يعجب النساء، وحسان بضم الحاء، وشد السين
المهملتين، ولعلهم قالوا له: أنت أجمل العرب تهكمًا، وإِن كان هو في نفسه جميلاً كما قال
الحافظ، انتهى. قال: فارهنوني أبناءكم، قالوا: كيف نرهنك أبناءنا، فيسب أحدهم، فيقال رهن
بوسق أو وسقين، هذا عار علينا ولكنا نرهنك اللأمة، يعني السلاح. وفي مرسل عكرمة: ولكنا
نرهنك سلاحنا مع علمك بحاجتنا إِليه، قال: نعم.
وفي رواية الواقدي: وإنما قالوا له ذلك لئلا ينكر عليهم مجيئهم إليه بالسلاح، انتهى.
فواعده أن يأتيه هكذا في الصحيح: أن الذي خاطب كعبًا بذلك، هو محمد بن مسلمة،
وعند ابن إسحق وغيره من أهل المغازي: أنه أبو نائلة جاءه وقال له: ويحك يا ابن الأشرف،
إني قد جئتك لحاجة أريد أن أذكرها لك فاكتم عني، قال: افعل، قال: كان قدوم هذا
الرجل علينا بلاء من البلاء، عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة وقطعت عنا السبل حتى
جاع العيال، وجهدت الأنفس، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا، فقال كعب: أنا ابن
الأشرف، فأما واللَّه لقد كنت أخبرك يا ابن سلامة أن الأمر سيصير إِلى ما أقول، فقال: إني
أردت أن تبيعنا طعامًا لك، ونرهنك ونوثق لك، وتحسن في ذلك وإِن معي أصحابًا على
مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم، فتبيعهم وتحسن نرهنك من الحلقة ما فيه وفاء، فقال:
إِن في الحلقة لوفاء، وأومأ الدمياطي إلى ترجيحه، قال الحافظ: ويحتمل أن كلاً منهما
كلمه في ذلك، لأن أبا نائلة أخوه من الرضاعة، ومحمد بن مسلمة ابن أخيه، (فاجتمع في
قتله،) أي: الذهاب له، (محمد بن مسلمة وأبو نائلة، بنون وبعد الألف تحتية) وهذا لفظ
الفتح. وفي شرح المصنف: وبعد الألف همزة، ويمكن الجمع أنه يكتب بالياء، وينطق بالهمزة،

٣٧٤
قتل كعب بن الأشرف وهي سرية محمد بن مسلمة
سلكان بن سلامة - وكان أخا كعب من الرضاعة - وعباد بن بشر، والحرث بن
أوس بن معاذ، وأبو عبس بن جبر. وهؤلاء الخمسة من الأوس.
(سلكان، ) بكسر السين المهملة، وإِسكان اللام اسمه، وقيل: لقبه واسمه سعد، وقيل: سعد أخوه
(ابن سلامة) بن وقش، بسكون القاف وفتحها، الأوسي الأشهلي.
شهد أحدًا وغيرها، وكان شاعرًا ومن الرماة المذكورين كما في الإصابة، (وكان أخا
كعب من الرضاعة،) كما في البخاري.
وذكروا أنه كان نديمه في الجاهلية فكان يركن إليه. وعند الواقدي: أن محمد بن مسلمة
كان أيضًا أخاه، ووقع في جميع نسخ مسلم إنما هو محمد بن مسلمة ورضيعه، وأبو نائلة. ونقل
عياض عن شيخه القاضي الشهيد، يعني الحافظ أبا علي بن سكرة ، أن صوابه أبو نائلة بلا واو،
كما ذكر أهل السير: أن أبا نائلة كان رضيعًا لابن مسلمة، انتهى. فتحصل أن أبا نائلة رضيع
لمحمد وكعب (وعباد) بفتح العين وشد الموحدة.
(ابن بشره) بكسر الموحدة وإِسكان المعجمة، الأشهلي الأوسي البدري، من كبار
الصحابة، استشهد يوم اليمامة، وله خمس وأربعون سنة.
قال البرهان: ورأيت بخط ابن الجوزي في جامع الترمذي ابن بشير بزيادة ياء ولا أعلم
ذلك في الصحابة، (والحرث بن أوس بن معاذ) بن النعمان بن امرىء القيس، ابن أخي سعد بن
معاذ.
ووقع في رواية الحميدي الحرث بن معاذ، نسبه إلى جده ومن قال: الحرث بن أوس بن
النعمان، نسبه إلى جده الأعلى، وذكر ابن عائذ: أن عمه سعدًا بعثه مع ابن مسلمة، وقول ابن
الكلبي وتبعه أبو عمر، استشهد يوم أحد، وهو ابن ثمان وعشرين سنة. قال في الإصابة: وهم،
لأن أحدًا قبل الخندق بمدة.
وقد روى أحمد وصححه ابن حبان عن عائشة قالت: خرجت يوم الخندق، فسمعت
حسًا فالتفت فإذا أنا بسعد بن معاذ، ومعه ابن أخيه الحرث بن أوس، نعم ذكر ابن إسحق في
شهداء أحد الحرث بن أوس بن معاذ، لكن لم يقل إِنه ابن أخي سعد، فهو غيره، انتهى ملخصًا.
(وأبو عبس،) بمهملتين بينهما موحدة، عبد الرحمن على الصحيح كما قال النووي وغيره،
وقيل: عبد الله (بن جبر،) بفتح الجيم، وإِسکان الموحدة، وقیل: ابن جابر بن عمرو بن زيد
الأنصاري الأوسي الحارثي البادري، المتوفى سنة أربع وثلاثين عن سبعين سنة، وصلى عليه
! عثمن. له في الكتب الستة ومسند أحمد حديث واحد وهو قوله عَّله: ((من أَغبرت قدماه في
سبيل اللَّه حرَّمه اللَّه على النار)). (وهؤلاء الخمسة من الأوس) فتفردت الأوس بقتل كعب، كما

٣٧٥
قتل كعب بن الأشرف وهي سرية محمد بن مسلمة
تفردت الخزرج بقتل سلام بن أبي الحقيق، قاله عبد الغني الحافظ، وفي البخاري عن سفين بن
عيينة، عن عمرو بن دينار: أن ابن مسلمة جاء معه برجلين، قال سفين: وقال غير عمرو،
وأبو عبس بن جبر والحرث بن أوس، وعباد بن بشر.
قال الحافظ: فعلى هذا كانوا خمسة، وكذا سماهم في رواية ابن سعد، ويؤيده قول
عباد بن بشر، وكان اللَّه سادسنا، وهو أولى مما وقع في رواية الحاكم وغيره، إِنهم ثلاثة فقط،
ويمكن الجمع بأنهم كانوا مرة ثلاثة، وفي الأخرى خمسة، انتهى.
ووقع في الشامية عدهم ستة، فزاد الحرث بن عبس، وفيه نظر، فليس في الصحابة من
سمى بذلك إلا الحرث بن عيسى، وقيل: ابن عبس، بالموحدة العبدي أحد وفد عبد القيس،
كما في الإِصابة وقدوم عبد القيس سنة تسع ولهم قدمة قبل ذلك سنة خمس وأيامًا كان، فهذه
القصة سابقة على القدمتين، لأنها في الثالثة، وأيضًا فليس أوسيًا، والذاهبون لقتله أوسيون، باتفاق.
وأخرج ابن إسحق پإِسناد حسن.
عن ابن عباس قال: مشى معهم رسول اللَّه عَّهِ إِلى بقيع الغرقد، ثم وجههم وقال:
((إِنطلقوا على اسم اللَّه، اللهم أعنهم)، ثم رجع عَّهِ إِلى بيته وهو في ليلة مقمرة، وأقبلوا حتى
انتهوا إِلى حصنه، وكان حديث عهد بعرس، فهتف به أبو نائلة، فوثب في ملحفته فأخذته امرأته
بناحيتها وقالت: إنك امرؤ تحارب، وإِن أصحاب الحروب لا ينزلون في مثل هذه الساعة، قال:
إِنه أبو نائلة، لو وجدني نائمًا ما أيقظني، فقالت: والله إني لأعرف في صوته الشر، ولم تسم
امرأة كعب كما في مقدمة الفتح.
وقوله في الفتح: تقدم أن اسمها عقيلة سهو، وإِذ المتقدم أن عقيلة أمه، وفي البخاري
قالت: أسمع صوته كأنه يقطر منه الدم، قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة،
إِن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب، انتهى. فنزل فتحدث معهم ساعة، وتحدثوا معه وقالوا:
هل لك يا ابن الأشرف أن تمشي إلى شعب العجوز، فنتحدث به بقية ليلتنا، فقال: إن شئتم،
فخرجوا يتماشون، فمشوا ساعة، ثم إِن أبا نائلة شام يده، بمعجمة وميم مخففًا، أُدخلها في فود
رأسه، ثم شم يده، فقال: ما رأيت كالليلة طيبًا أعطر، ثم مشى ساعة، ثم عاد لمثلها حتى
اطمأن، ثم مشى ساعة، ثم عاد لمثلها، فأخذ بقود رأسه وقال: اضربوا عدو اللَّه.
وفي البخاري: أن ابن مسلمة قال لأصحابه: إِذا ما جاء كعب فإِني قائل بشعره، أي: آخذ
به من إطلاق القول على الفعل مجازًا وأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم
فاضربوه، فنزل إليهم متوشحًا وهو ينفح منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحًا، أي:
أطيب، فقال: عندي أعطر نساء العرب، وأكمل العرب، فقال ابن مسلمة: أتأذن لي أن أشم

٣٧٦
قتل كعب بن الأشرف وهي سرية محمد بن مسلمة
وفي رواية ابن سعد: فلما قتلوه وبلغوا بقيع الغرقد
رأسك؟ قال: نعم، فشمه، ثم أشم أصحابه، ثم قال: أتأذن لي؟ قال: نعم، فيحتمل أن كلا من
محمد بن مسلمة وأبي نائلة استأذنه في ذلك.
وفي رواية الواقدي: وكان كعب يدهن بالمسك المفتت والعنبر حتى يتلبد في صدغیه،
انتهى. فضربوه، فاختلفت عليه أسيافهم، فلم تغن شيئًا. قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولاً
في سيفي حين رأيت أسيافنا لا تغني شيئًا، فأخذته وقد صاح عدو اللَّه صيحة لم يبق حولنا
حصن إِلا أوقدت عليه نار، فوضعته في ثنته، ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته، فوقع عدو اللَّه.
إلى هنا رواية ابن إسحق، وميزت الزائد عليها بعزو، أوله وقول انتهى آخره، وثنته، بضم المثلثة
وشد النون المفتوحة، أي: سرته، كما هو رواية ابن سعد، والمغول، بكسر الميم وسكون الغين
المعجمة، وفتح الواو، شبه سيف قصير تغطيه الثياب، أو حديدة دقيقة لها حد ماض، وقفا أو
سوط دقيق يشده الفاتك على وسطه ليغتال به الناس، كما في النهاية.
وعند ابن عائذ عن الكلبي: فضربوه حتى برد وصاح عند أول ضربة، واجتمعت اليهود،
فأخذوا على غير طريق الصحابة ففاتوهم.
وعند ابن سعد: أنه صاح، وصاخت امرأته: يا آل قريظة والنضير مرتين، واستشكل قتله
على هذا الوجه. وأجاب المازري: بأنه إنما قتله كذلك، لأنه نقض عهد النبي عَِّ وهجاه وسبه،
وكان عاهده أن لا يعين عليه أحدًا، ثم جاءه مع أهل الحرب معينًا عليه، قال عياض: وقدر لأن
محمد بن مسلمة لم يصرح له بالأمان في شىء من كلامه، وإِنما كلمه في أمر البيع والشراء،
واشتكى إليه وليس في كلامه عهد ولا أمان، قال: ولا يحل لأحد أن يقول أن قتله كان غدرًا.
وقد قال ذلك إِنسان في مجلس علي بن أبي طالب، فأمر به فضربت عنقه، وإنما يكون الغدر بعد
أمان موجود، وكعب كان قد نقض عهده علّ. ولم يؤمنه محمد ورفقته، لكنه استأنس بهم،
فتمكنوا منه من غير عهد ولا أمان.
قال: وأما ترجمة البخاري على هذا الحديث، باب الفتك في الحرب فليس معناه الغدر،
بل الفتك هو القتل على غرة وغفلة، والغيلة نحوه، انتهى.
وأقره النووي وقال السهيلي في هذه القصة: قتل المعاهد إذا سب الشارع، خلافًا لأبي
حنيفة، ونظر فيه الحافظ بأن صنيع البخاري في الجهاد، يعطي أن كعبًا كان محاربًا حيث ترجم
الفتك بأهل الحرب، وترجم له أيضًا الكذب في الحرب، وفيه قتل المشرك بغير دعوة، إِذا كانت
الدعوة العامة قد بلغته، وجواز الكلام المحتاج إِليه في الحرب، ولو لم يقصد قائله إِلى حقيقته.
(وفي رواية ابن سعد: فلما قتلوه وبلغوا بقيع الغرقد،) قال عياض في المشارق
بالموحدة، بلا خلاف، سميت به مقبرة المدينة لشجرات غرقد وهو العوسج، كانت فيه، انتهى.

٣٧٧
قتل كعب بن الأشرف وهي سرية محمد بن مسلمة
كبروا، وقد قام عليه الصلاة والسلام تلك الليلة يصلي، فلما سمعوا تكبيرهم كبر
وعرف أن قد قتلوه، ثم انتهوا إليه فقال: أفلحت الوجوه. قالوا وجهك يا
رسول الله، ورموا برأسه بين يديه، فحمد الله تعالى على قتله.
وفي كتاب ((شرف المصطفى)) أن الذين قتلوا كعبًا حملوا رأسه في مخلاة
إلى المدينة، فقيل إنه أول رأس حمل في الإسلام.
وأصاب ذباب السيف الحرث بن أوس بن معاذ فجرح ونزف الدم فتفل عليه
وفي القاموس: الغرقد شجر عظام، أو العوسج إِذا عظم، وسمى به مقبرة المدينة لأنه كان منبتها،
وهذا صريح في قدم تسميته بذلك، وذكر الأصمعي أنه سمي لقطع غرقدات دفن فيها ابن
مظعون، ومران موته في السنة الثانية، (كبروا وقد قام عليه الصلاة والسلام تلك الليلة يصلي،
فلما سمعوا تكبيرهم كبر، وعرف أن،) أي: أنهم (قد قتلوه، ثم انتهوا إِليه).
وفي رواية ابن إسحق: ثم جئنا رسول اللَّه عَّهِ آخر الليل، وهو قائم يصلي، فسلمنا عليه،
فخرج إِلينا، فأخبرناه بمقتل عدو اللَّه، (فقال: أفلحت الوجوه، قالوا: وجهك،) وفي الفتح:
والسبل، قالوا: ووجهك (يا رسول اللَّه)) بواوين وحذفها أمس بالأدب، لأنها تثبت فلاح وجهه مع
وجوههم، إلا أن كلاً عزاه لابن سعد، (ورموا برأسه بين يديه، فحمد الله تعالى على قتله)، لعنه
اللَّه.
(وفي كتاب شرف المصطفى) لأبي سعد النيسابوري: (أن الذين قتلوا كعبًا، حملوا
رأسه في مخلاة إلى المدينة، فقيل: إنه أول رأس حمل في الإِسلام،) وقيل: بل رأس أبي عزة
الجمحي الذي قال له عُّه: ((لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين))، فقتل، واحتمل رأسه في رمح
إلى المدينة، قاله السهيلي في الروض.
قال البرهان في غزوة بدر: فإن صح ما قال، فمراده من بلدة إلى بلدة، أو من مكان بعيد
إلى المدينة فلا ينافي ما رواه ابن ماجه بسند جيد عن عبد الله بن أبي أوفى، لما قتل أبو جهل،
حمل رأسه إِلى رسول اللَّه عَُّلّه، لأنه عليه السلام كان قريبًا جدًا من مكان الوقعة، انتهى.
وفي مبهمات ابن بشكوال: أن عصماء جيء برأسها إِلى النبي عَّ، وقتلها قبل كعب.
(و) في حديث ابن عباس عند ابن إسحق: (أصاب ذباب السيف الحرث بن أوس بن
معاذ، فجرح) في رأسه، أو في رجله أصابه بعض أسيافنا، كذا فيه على الشك، (ونزف الدم،)
قال: فجرحنا حتى سلكنا عن بني أمية بن زيد، ثم على بني قريظة، ثم على بعاث، حتى استندنا
في حرة العريض، وقد أبطأ علينا صاحبنا، فوقفنا له ساعة، ثم أتانا يتبع آثارنا، فاحتملناه فجئنا به
إِلى رسول اللَّه عَِّ آخر الليل، (فتفل عليه الصلاة والسلام على جرحه،) زاد في رواية الواقدي:

٣٧٨
غزوة غطفان
الصلاة والسلام على جرحه فلم يؤذه بعد.
[غزوة غطفان]
غزوة غطفان، وهي غزوة ذي أمر - بفتح الهمزة والميم -
(فلم يؤذه بعد،) وبقية رواية ابن إسحق: ورجعنا إِلى أهلنا، وقد خافت يهود لوقعتنا بعدو اللَّه،
فليس بها يهودي إلا وهو یخاف على نفسه.
وفي رواية: فلما أُصبح عَّه قال: ((من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه))، فخافت اليهود،
فلم يطلع من عظمائهم أحد، ولم ينطقوا وخافوا أن يبيتوا كما بيت.
وفي مرسل عكرمة عند ابن سعد: فأصبحت يهود مذعورين، فأتوا النبي عَّهِ فقالوا: قتل
سيدنا غيلة، فذكرهم صنيعه وما كان يحرض عليه، ويؤذي المسلمين، فخافوا، فلم ينطقوا ثم
دعاهم إلى أن يكتبوا بينه وبينهم صلحًا، فكان ذلك الكتاب مع علي بعد، وروى الحاكم القصة
في المستدرك بنحو رواية ابن إِسلحق، وزاد: وقال عباد بن بشر في ذلك شعرًا:
صرخت به فلم يعرض لصوتي وأوفى طالعًا من رأس خدر
فقلت: أخوك عباد بن بشر
وهذي درعنا هنا فخذها
فعدت له فقال: من المنادي؟
لشهران وفي أو نصف شهر
وما عدموا الغني من غير فقر
وقال لنا: لقد جئتم الأمر
مجربة بها الكفار نفري
به الكفار كالليث الهزبر
فقطره أبو عبس بن جبر
بأنعم نعمة وأعز نصر
فقالوا: معاشر سغبوا وجاعوا
فأقبل نحونا يهوي سريعًا
وفي أيماننا بيض حداد
فعانقه ابن مسلمة المردي
وشد بسيفه صلتا عليه
وكان اللَّه سادسنا فأبنا
وجاء برأسه نفر كرام هم ناهيك من صدق وبر
غزوة غطفان
بفتح المعجمة، والطاء المهملة، قبيلة من مضر، أُضيفت لها الغزوة، لأن بني ثعلبة الذين
قصدهم من غطفان، (وهي) كما قال ابن إسحق: (غزوة ذي أمر،) أي: المسماة بهذا كالأول،
فدفع توهم الواقف على العبارتين أنهما غزوتان، (بفتح الهمزة والميم) وشد الراء، موضع من
ديار غطفان، قاله ابن الأثير وغيره.
وقال ابن سعد: بناحية النخيل، وأفاد قول البكري في معجمه: أفعل من المرارة أنه ممنوع

٣٧٩
غزوة غطفان
وسماها الحاكم غزوة أنمار. وهي بناحية نجد.
كانت لثنتي عشرة مضت من ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرًا
من الهجرة.
وسببها: أن جمعًا من بني ثعلبة ومحارب تجمعوا يريدون الإغارة، جمعهم دعثور .
ابن الحرث المحاربي - وسماه الخطيب: غورث،
الصرف، (وسماها الحاكم غزوة أنمار،) فلها ثلاثة أسماء، (وهي بناحية نجد) عند واسط الذي
بالبادية، كما في معجم البكري، (وكانت لثنتي عشرة مضت من) شهر (ربيع الأول على رأس
خمسة وعشرين شهرًا من الهجرة.
كذا قاله ابن سعد، ولا ينتظم مع قوله: إِن قتل كعب، كان لأربع عشرة ليلة مضت من
ربيع، وأنهم جاؤوا برأسه تلك الليلة للنبي عَّه بالمدينة، فإِن ما هنا يقتضي أنه لم يكن تلك
الليلة بالمدينة. نعم، قال ابن إسحق: أقام بنجد صفر كله، أو قريبًا من ذلك، وجزم أبو عمر بأنه
أقام صفر كله، وعليهما يصح كون السرية في التاريخ المذكور، إِذٍ من لازم إقامته صفر بنجد،
أن خروجه قبل ربيع، وعلى هذا يكون ابن سعد متبوع المصنف بنى كلامه هنا على قول غير
الذي مشى عليه في السرية، والعلماء إِذا مشوا في محل على قول، وعلى غيره في آخر، لا يعد
تناقضًا، (وسببها) كما عند ابن سعد، (أن جمعًا من بني ثعلبة) بن سعد بن قيس، بسكون العين،
ابن ذبيان، بمعجمة، فموحدة، فتحتية، فألف فنون، ابن بغيض، بفتح الموحدة، وكسر المعجمة،
وإسكان التحتية وضاد معجمة، ابن ريث، براء مفتوحة، وتحتية ساكنة ومثلثة، ابن غطفان ابن
سعد بن قيس عيلان، (و) من بني (محارب،) بضم الميم وحاء مهملة وراء، فموحدة، ابن
خصفة، بمعجمة، فمهملة، ففاء مفتوحات، ابن قيس عيلان، بفتح العين المهملة، وسكون
التحتية، فغطفان ومحارب ابنا عم، (تجمعوا، يريدون الإِغارة،) ولفظ ابن سعد: يريدون أن
يصيبوا من أطراف رسول اللَّه عَّله، (جمعهم دعثور،) بضم الدال وسكون العين المهملتين، وضم
المثلثة وإِسكان الواو فراء.
(ابن الحرث المحاربي،) نسبة لمحارب المذكور، هكذا سماه ابن سعد ونسبه،
(وسماه الخطيب غورث،) بفتح المعجمة، وعن المستملي والحموي: إِهمالها، لكن قال عياض
الصواب بمعجمة وإِسكان الواو وفتح الراء ومثلثة، وبعضهم ضمَّ أَوَّله.
قال القرطبي: والفتح أصح مأخوذ من الغرث وهو الجوع، وقال الخطابي: يقال له
غويرث، أي: بمعجمة، أو عويرث، أي: بمهملة على التصغير، والصحيح بالغين المعجمة، انتهى.

٣٨٠
غزوة غطفان
وغيره: عورك - وكان شجاعًا.
فندب رسول الله عَّلَّةِ المسلمين وخرج في أربعمائة وخمسين فارسًا،
واستخلف على المدينة عثمن بن عفان رضي الله عنه. فلما سمعوا بمهبطه معد له
هربوا في رؤوس الجبال، فأصابوا رجلاً منهم من بني ثعلبه يقال له: حبان، فأدخل
(وغيره عورك) بكاف آخره بدل المثلثة مع إِعجام أوَّله وإهماله، وظاهر كلام ابن بشكوال
أن دعثورًا غير غورث، وفي الإِصابة قصة دعثور، تشبه قصة غورث المخرجة في الصحيح من
حديث جابر، فيحتمل التعدد أو أحد الإِسمين، لقب أن ثبت الإتحاد، انتهى. بل يمكن كما قال
شيخنا: إِن دعثورًا يقال له غورث، وأحدهما اسم، والآخر لقب، غايته أنه شارك المذكور في
الصحيح، في التسمية بغورث، (وكان شجاعًا فندب،) أي: دعا (رسول اللَّه مَّ المسلمين)
للخروج، أو حثهم عليه، (وخرج في أربعمائة وخمسين فارسًا،) أي: شجاعًا، أو تناوبوا ما معهم
من الأفراس، فعدوا فرسانًا فلا ينافي قول ابن سعد في أربعمائة وخمسين رجلاً، ومعهم أفراس.
قال البرهان: ولا أعلم عدتها، (واستخلف على المدينة عثمن بن عفان رضي الله عنه،)
ذا النورين أمير المؤمنين، (فلما سمعوا بمهبطه عَّله) بلادهم، (هربوا في رؤوس الجبال،) فرقًا
ممن نصر بالرعب، (فأصابواء) أي: المسلمون، لما كانوا بذي القصة كما في الرواية، بفتح
القاف والصاد المهملة الثقيلة، وتاء تأنيث، موضع على أربعة وعشرين ميلاً من المدينة، (رجلاً
منهم من بني ثعلبة(،) زاد في نسخة: كالعيون، (يقال له حبان) بكسر الحاء وبالموحدة، بالقلم،
إلا أعلم له ترجمة في الصحابة، ولا التصريح بإسلامه، فينبغي أن يستدرك على من لم يذكره
لمتصريح، بأنه أسلم.
كذا قاله البرهان بناء على هذا التصحيف الواقع من النساخ، والصواب ما في الشامية أنه
جبار، بالجيم وشد الموحدة، وبعد الألف راء، فقد ذكره كذلك أبو بكر بن فتحون في ذيل
الاستيعاب، وصاحب الإصابة كلاهما في حرف الجيم، فقالا: جبار الثعلبي أسره الصحابة في
غزوة ذي أمر، فادخلوه على النبي عَ لآه، فدعاه إِلى الإِسلام فأسلم، ذكره الواقدي.
زاد في الإصابة، وذكر، أي الواقدي، في موضع آخر أنه كان دليل النبي ◌َّةٍ إِلى غطفان،
فهربوا، انتهى.
وغلط بعض المتأخرين لما رأى كلامي البرهان والشامي، فحكاهما قولين في اسمه، وما
درى أن الحافظ في التبصير استوفى حبان، بالمهملة والنون، وما ذكره فيهم، ولكن القوس في
يد غير باريها، (فأدخل،) أي: أدخله الصحابة بعد أن قالوا له: أين تريد؟، قال: يثرب لأرتاد