النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ باب غزوة بدر الکبری بالعدسة، وهي قرحة كانت العرب تتشاءم بها. وقيل إنها تعدي أشد العدوى، فتباعد عنه بنوه حتى قتله الله، وبقي بعد موته ثلاثًا لا تقرب جنازته ولا يحاول دفنه. فلما خافوا السبة في تركه حفروا له ثم دفعوه بعود في حفرته، وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه. (بالعدسة) بمهملات مفتوحات آخره تاء تأنيث، (وهي قرحة كانت العرب تتشاءم بها، وقيل: إنها) كذا جعله قولاً، والذي في تاريخ ابن جرير: كانت العرب تتشاءم بها ويرون أنها (تعدي) بضمّ أوّله (أشدّ العدوى) أي: تجاوز صاحبها إلى من قاربه، وفي النور: العدسة بثرة تشبه العدسة تخرج في مواضع من الجسد من جنس الطاعون تقتل صاحبها غالباً. وفي حواشي أبي ذرّ: قرحة قاتلة كالطاعون، (فتباعد عنه بنوه) عتبة ومعتب أسلما يوم الفتح وثبتا يوم حنين، وأختهما درة لها صحبة وهي من المهاجرات، وأمَّا عتيبة المصغر فقتله الأسد بالزرقاء من أرض الشام بدعوة النبيّ عَّله، رواه الحاكم وصححه وكان ذلك في حياة أبي لهب؛ كما رواه أبو نعيم، فتردّد البرهان في أنه هلك زمن أبيه أو بعده تقصير، (حتى قتله اللّه وبقي بخلاف ثأر بعد موته ثلاثًا لا تقرب) بالبناء للمفعول ونائبه (جنازته) بكسر الجيم أفصح من فتحها، وهو من إضافة الأعمّ إلى الأخص؛ كشجر أراك، أي: لا يقرب هو فإطلاق الجنازة تجوز من تسمية المطلق باسم المقيّد إذ هي الميت في النعش أو النعش وعليه الميت، وكلاهما لا يراد هنا؛ لأنه لم يكن على نعش (ولا يحاول دفنه) لا يفكّر فيه ولا يشرع في أسبابه من الحيلة، (فلمَّا خافوا السبة) بضمّ المهملة وشدّ الموحدة فتاء تأنيث، أي: العار الذي يلحقهم فيسبون به (في تركه) أي: بسببه، (حفروا له ثم دفعوه بعود في حفرته) وقيل: لم يحفروا له بل دفعوه إلى أن ألصقوه بالحائط، (وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه) قال اليعمري: ويروى أن عائشة كانت إذا مرت بموضعه ذلك غطّت وجهها، قال البرهان: الظاهر أن ذلك لنتنه، انتهى. فكأنه كان يظهر من قبره إهانة له أبدًا، ويحتمل أن فعلها ذلك لكونه محل عذاب؛ كما فعل عَِّ حين مرّ بالحجر فغطّى وجهه بثوبه واستحثّ راحلته إشارة إلى التباعد عنه، هذا والقبر الذي يرجم خارج باب شبيكة ليس بقبر أبي لهب؛ كما أفاده البرهان، وإنما هو قبر رجلين لطخا الكعبة بالعذرة في الدولة العباسية، فلمّا أصبح الناس ورأوها كمنوا لهما فأخذا ثم صلبا في هذا الموضع ودفنا واستمرا برجمان إلى الآن؛ كما قاله المحبّ الطبري، وأنه لا أصل لما اشتهر عند المكتين أنه قبر أبي لهب، وقيل: إنه قبر أبي الطاهر القرمطي بكسر القاف والميم، عدوّ اللَّه الذي قتل الحجيج في المسجد الحرام وطرح القتلى في زمزم واقتلع الحجر الأسود، فابتلي بالجدري فقطع جسده. ٣٤٢ قتل عمير عصماء وقال ابن عقبة: أقام النوح على قتلى قريش شهرًا. [قتل عمير عصماء] ثم سرية عمير بن عدي الخطمي، وكانت لخمس ليال بقين من رمضان، على رأس تسعة عشر شهرًا من الهجرة، إلى عصماء بنت مروان - زوج یزید بن زيد الخطمي - (قال ابن عقبة) موسى الإمام الحافظ: (أقام النوح) أي: دام من النائحات (على قتلى قريش شهرًا) واستعمال القيام بهذا المعنى مأخوذ من قامت السوق إذا نفقت، على حدّ ما ذكر البيضاوي في يقيمون الصّلاة. وروى ابن إسحق من مرسل عباد بن عبد اللَّه بن الزبير، قال: ناحت قريش على قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا فيبلغ محمّدًا وأصحابه فيشتموا بكم، وقد اقتصر المصنّف في هذه الغزوة العظيمة على ما ذكر قصدًا للاختصار، وإن كان بسطها يحتمل أضعاف ذلك، واللَّه يهدينا إلى الصواب بجاه النبيّ عَّله. قتل عمير عصماء (ثم سرية) إطلاقها على الواحد تجوز لأن فيه خلافًا، مرّ أقلّه خمسة (عمير بن عدي) بن حرشة الأنصاي، ثم (الخطمي) بفتح المعجمة وسكون الطاء المهملة وميم، نسبة إلى جدّه خطمة بن جشم بن ملك بن الأؤس الأعمى إمام بني خطمة، وقيل: أنَّه أوّل من أسلم منهم، و کان یدعی القارىء صحابي شهیر کان ټڭ يزوره، روى عنه ابنه عديّ وسمّاه ابن دريد غشمير بمعجمتين قبل الميم، وقال: إنه فعليل من الغشمرة وهي أخذ الشىء بالغلبة، قال الذهبي: وقيل غشمين بنون آخره. قال في الإصابة: صحفه ابن دريد ثم تكلّف توجيهه، وإنما هو عمير لا شكَّ فیه ولا ریب، انتھی. (وكانت لخمس ليال بقين من) شهر (رمضان على رأس تسعة عشر شهرًا من الهجرة) كذا قاله ابن سعد، وهو منابذ لما مر أن فراغه من بدر كان آخر يوم من رمضان وأوّل یوم من شوّال، نعم هو يأتي على ما مرّ عن الإمتاع، أنه دخل المدينة ثاني عشر رمضان، وقد ذكرها ابن إسحق بعد قتل أبي عفك وتبعه أبو الربيع، وبعضهم ذكرها بعد قرقرة الكدر، (إلى عصماء) بفتح العين وسكون الصاد المهملتين والمد (بنت مروان) اليهودية (زوج) بلا هاء أفصح من زوجة، أي: امرأة (يزيد بن زيد) بن حصن الأنصاري (الخطميّ) الصحابي شهد أُحدًا وهو والد عبد اللَّه الصحابي وجدّ عدي بن ثابت لأمّه، وقول الاستيعاب في ترجمة عمير بن عدي قتل أخته لشتمها رسول اللّه عبالتے ٣٤٣ قتل عمير عصماء وكانت تعيب الإسلام، وتؤذي رسول الله عَظُله، فجاءها ليلاً، وكان أعمى، فدخل عليها بيتها، وحولها نفر من ولدها نيام، منهم من ترضعه، فجسها بيده، ونحی الصبي عنها، ووضع سيفه على صدرها، حتى أنقذه من ظهرها. وصلى الصبح معه عَّله بالمدينة وأخبره بذلك، فقال: لا ينتطح فيها عنزان، أي لا يعارض فيها معارض ولا يسأل عنها فإنها هدر. قال في الإصابة: وهم وخلط قصة بقصّة، فإن قاتل أخته عمير بن أُميّة كما رواه الطبراني وغيره، ولم يقف البرهان على هذا فتوقّف في كلامٍ أبي عمر بأنها يهودية وعمير أنصاري، انتهى. ولا يعارض كونها يهودية نسبة من نسبها إلى بني أميّة بن زيد وهو في الأنصار لجواز أنها منهم بالحلف، أو لكون زوجها منهم، أو نحو ذلك. (و) سبب ذلك أنها (كانت تعيب الإسلام) بفتح فكسر من عاب يستعمل لازمًا ومتعدّيًا أو بضم ففتح وشدّ التحتية من عيبه إذا نسبه العيب أو أحدث فيه عيبًا، (وتؤذي رسول اللَّه عَلَّه) عطف لازم على ملزوم؛ لأن سب الإسلام يلزمه إيذاؤه أو أعمّ على أخص؛ لأن عيب الإسلام يكون بذكر خلل في الدين وإيذاء المصطفى يكون به وبغيره، وكانت تحرض عليه وتقول الشعر ونافقت لما قتل أبو عفك، وذكر ابن سعد أنه عَّ لما كان في بدر قالت في الإسلام وأهله أبياتًا، فسمعها عمير بن عدي فنذر إذا ردّ اللَّه رسوله من بدر سالمًا ليقتلنّها، (فجاءها) لما قدم عَِّ وسلّ سيفه ودخل عليها (ليلاً، وكان أعمى) وسمّاه المصطفى البصير (فدخل عليها بيتها وحولها نفر) بفتحتين، والمراد هنا جماعة (من ولدها نيام) لا بقيد كونهم رجالاً ولا ذكورًا؛ لقوله: (منهم من ترضعه) إذ الرضيع لا يتبادر من الرجل وإن أطلق عليه على أحد قولين في القاموس، (فجسّها بيده) تأكيد فالجسّ المس باليد؛ كما في القاموس، أو استعمله بمعنى اللمس لا بقيد كونه باليد فيكون تأسيسًا، (ونخّى) أبعد (الصبي) الذي ترضعه (عنها) مخافة أن يصيبه شىء فيهلك، (ووضع سيفه على صدرها حتى أنقذه) أي: أخرجه (من ظهرها، ثم) رجع فأتى المسجد و(صلّى الصبح معه ◌َّ بالمدينة وأخبره بذلك) لما قال له؛ كما رواه ابن سعد: (أقتلت ابنة مروان))؟ قال: نعم، فهل عليّ في ذلك من شىء؟ (فقال: ((لا ينتطح فيها عنزان))،) فكانت هذه الكلمة أوّل ما سمعت من النبيّ عَّله، (أي: لا يعارض فيها معارض) ليأخذ بثأرها (ولا يسأل عنها) يطلب بدمها (فإنها هدر) وفي النور: أي أن قتلها هيّ لا يكون فيه طلب ثأر ولا اختلاف، انتهى. وقد تحقّق ذلك، فذكر ابن إسحق وغيره: أن عميرًا رجع إلى قومه بعد قتلها فوجد بنيها ٣٤٤ غزوة بني سليم وهي قرقرة الكدر قالوا: وهذا من الكلام المفرد الموجز البليغ، الذي لم يسبق إليه عليه الصلاة والسلام، وسيأتي لذلك نظائر إن شاء الله تعالى. وفي أول شوال صلى صلاة الفطر. [غزوة بني سليم وهي قرقرة الكدر] وفي أول شوال أيضًا - وقيل بعد بدر بسبعة أيام، وهم خمسة رجال في جماعة يدفنونها، فقال: أنا قتلتها فكيدوني جميعًا ثم لا تنظرون، فوالذي نفسي بيده، لو قلتم بأجمعكم ما قالت لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم، فيومئذ ظهر الإسلام في بني خطمة وكان يستخفي بإسلامه فيهم من أسلم، وأسلم يومئذ رجال لما رأوا من عزّ الإسلام، ولكن يعارضه ما وقع في مصنف حماد بن سلمة أنها كانت يهوديّة وكانت تطرح المحايض في مسجد بني خطمة، فأهدر عَّ دمها ولم ينتطح فيها عنزان، فإن المسجد صريح في ظهور الإسلام قبل ذلك، إلاَّ أن يقال ظهر كل الظهور. وإن المعنى كان الضعيف الذي لم يقدر على الإسلام يستخفي بإسلامه، وأثنى عَِّ على عمير بعد قتله عصماء، فأقبل على الناس، وقال: ((من أحبّ أن ينظر إلى رجل كان في نصرة اللَّه ورسوله، فلينظر إلى عمير بن عدي))، فقال عمر بن الخطاب: انظروا إلى هذا الأعمى الذي يرى. وفي رواية: بات في طاعة اللَّهِ، فقال عَّهِ: (مه يا عمر، فإنه بصير)، وسمّاه البصير لما رأى من كمال إيمانه وقوّة قلبه في اللّه حتى قتلها وهدّد بنيها وقومها مواجهًا لهم مع عجزه الظاهر، وكونه قاتلها هو المشهور. وفي الروض: أن زوجها قتلها. وفي رواية أنه عليه السّلام، قال: ((ألا رجل يكفينا هذه)؟ فقال رجل من قومها: أنا، فأتاها وكانت تبيع التمر، قال: أعندك أجود من هذا التمر؟ قالت: نعم، فدخلت البيت وانكبت لتأخذ شيئًا فالتف يمينًا وشمالاً فلم يرّ أحدًا فضرب رأسها حتى قتلها. (قالوا) ليس للتبرّي بل للإشارة إلى شهرته حتى كأنه إجماع (وهذا من الكلام المفرد الموجز البليغ الذي لم يسبق إليه عليه الصّلاة والسّلام، وسيأتي لذلك نظائر إن شاء الله تعالى) في المقصد الثالث، وذكر صاحب النور هنا جملة منها: (وفي أوّل شوّال صلّى صلاة الفطر) وهذا مع ما مرّ يعطي أنه صلّها ببدر، وذكر ابن سعد بأسانيد الواقدي أنه عَّهِ خرج إلى المصلى وحملت العنزة بين يديه وغرزت في المصلى وصلّى إليها صلاة الفطر، والله أعلم. غزوة بني سليم وهي قرقرة الكدر (وفي أوّل شوّال أيضًا، وقيل: بعد بدر بسبعة أيّام) وبه جزم ابن إسحق ومن تبعه، وتقدم ٣٤٥ غزوة بني سليم وهي قرقرة الكدر وقيل في نصف المحرم سنة ثلاث ــ خرج عليه الصلاة والسلام يريد بني سليم. فبلغ ماء يقال له الكدر، وتعرف بغزوة قرقرة، وهي أرض ملساء. والكدر: طير في ألوانها كدرة عرف بها ذلك الموضع. فأقام بها عليه الصلاة والسلام ثلاثًا، وقيل عشرًا، فلم يلق أحدًا. قوله: فرغ من بدر في آخر رمضان وأوّل شوّال، ويمكن أن لا تنافي بين القولين، (وقيل: في نصف المحرم سنة ثلاث) وبه جزم ابن سعد وابن هشام (خرج عليه الصّلاة والسّلام) في مائتي رجل (يريد بني سليم) بضمّ المهملة وفتح اللام، (فبلغ ماء يقال له الكدر) بضمّ الكاف وسكون المهملة؛ لأنه كما ذكر ابن إسحق وابن سعد وابن عبد البرّ وابن حزم: بلغه عَّه أن بهذا الموضع جمعًا من بني سليم وغطفان، (وتعرف) غزوة بني سليم بالكدر (بغزوة ذي قرقرة) بفتح القافين. وحكى البكري ضمّهما، قال الدميري وغيره: والمعروف فتحهما بعد كل قاف راء أولاهما ساكنة، ثم تاء تأنيث. قال ابن سعد: ويقال قرارة الكدر، وفي الصحاح: قراقر على فعالل بضمّ القاف اسم ماء، ومنه غزاة قراقر ففيها ثلاثة أوجه: قرقرة قرارة قراقر، وإن عرف ما حكاه البكري يكون أربعة. (وهي أرض ملساء والكدر) كما قال السهيلي وابن الأثير وغيرهما (طير في ألوانها كدرة عرف بها ذلك الموضع) الذي هو قرقرة لاستقرار هذه الطيور به، فهما غزوة واحدة، وتبع المصنف على ذلك تلميذه الشامي، فقال: غزوة بني سليم بالكدر، ويقال لها: قرقرة الكدر، وجعلهما اليعمري غزوتين، وجعل شيخه الدمياطي غزوة بني سليم هي غزوة نجران الآتية، ويجيء قول المصنّف فيها وتسمّى غزوة بني سليم. (فأقام بها عليه الصّلاة والسّلام ثلاثًا) قاله ابن إسحق والجماعة (وقيل: عشرًا، فلم يلقّ أحدًا) من سليم وغطفان الذين خرج يريدهم في المحال، وذكر ابن إسحق والجماعة أنه أرسل نفرًا من أصحابه في أعلى الوادي، واستقبلهم عَّله في بطن الوادي فوجد رعاة، بالكسر جمع راع فيهم غلام يقال له يسار، بتحتية ومهملة، فسأله عن الناس، فقال: لا علم لي بهم، إنما أورد لخمس وهذا يوم ربعي والناس قد ارتفعوا في المياه، ونحن عزاب في النعم، فانصرف علٍّ. وقد ظفر بالنعم فانحدر بها إلى المدينة واقتسموا غنائمهم بصرار على ثلاثة أميال من المدينة، وكانت خمسمائة بعير، فأخرج خمسه وقسم أربعة أخماسه على المسلمين، فأصاب كل رجل منهم بكران، وكانوا مائتي رجل وصار يسار في سهمه عَ له فأعتقه لأنه رآه يصلّي، أي: لأنه أسلم بعد الأسر وتعلّم الصّلاة من المسلمين، واستشكل بأنه لمّا أسلم لم يقم به رقّ، فلا يكون غنيمة فكيف وقع في سهمه؟ وأجيب: بأن إسلامه إنما يعصم دمه ويخيّر الإمام فيه بين الرقّ والفداء ٣٤٦ غزوة بني سليم وهي قرقرة الكدر وكانت غيبته عليه السلام خمس عشرة ليلة، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة، وقيل ابن أم مكتوم. وحمل اللواء علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وذكرها ابن سعد بعد غزوة السويق. والمنّ بلا شىء، فيجوز أنه عَّلّ اختار رقّه بعد علمه بإسلامه أو قبله ثم صار في سهمه حين القسمة، فأعتقد لرؤيته يصلّي. وخمس بكسر المعجمة: من أظماء الإبل أن ترعى ثلاثة أيام وترد اليوم الرابع، وقد أخمس الرجل، أي: وردت إبله خمسًا. ومياه بالهاء، وغلط فيه بعض المدرسين فقاله بالتاء. وصرار بكسر المهملة وراء مهملة مخفّفة فألف فراء ثانية؛ كما قيّده الدراقطني وغيره للحموي والمستملي بضاد معجمة وهو وهم، كما في المطالع: موضع قريب من المدينة. وقيل: بثر قديمة على ثلاثة أميال منها من طريق العراق. (وكانت غيبته عليه السّلام) كما قال ابن إسحق والجماعة: (خمس عشرة ليلة) قال ابن إسحق وغيره: وأقام بالمدينة شوّالاً وذا القعدة، وأندى في إقامته تلك جلّ الأسارى من قريش (واستخلف على المدينة سباع) بمهملة مكسورة فموحدة فألف فمهملة (ابن عرفطة) بمهملة مضمومة فراء ساكنة ففاء مضمومة فطاء مهملة، الغفاري ويقال له الكناني، الصحابي الشهير، واستعمله عليها أيضًا عام خيبر، فجاء أبو هريرة وصلّى خلفه الصبح، (وقيل) وبه جزم ابن سعد وابن هشام: استخلف عليها (ابن أم مكتوم) عمرًا على الأكثر، وقيل: عبد الله بن قيس بن زائدة القرشي العامري، والصحيح الأوّل. ففي مسلم: أنه عَّهِ سمّاه عمرًا في حديث فاطمة بنت قيس وأُمّ سكتوم لم تسلم، واسمها عاتكة بنت عبد اللَّه، وجمع بينهما بأنه استخلف سباعًا للحكم، وابن أُمّ مكتوم للصلاة على عادته في استخلافه للصلاة. (وحمل اللواء) وكان أبيض؛ كما عند الجماعة (عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وذكرها ابن سعد بعد غزوة السويق) ضرورة جزمه بأنها في المحرم سنة ثلاث، وأن غزوة السويق في ذي الحجّة، وكأنه وجه جعل اليعمري لهما غزوتين؛ لأن الكدر بعد بدر وقرقرة بعدالسويق، فترجم هنا غزوة بني سليم، وذكر فيها ما حاصله: أنه بلغ ماء يقال له الكدر، فأقام عليه ثلاثًا، ثم رجع ولم يلقَ كيدًا، ثم بعد السويق ترجم غزوة قرقرة الكدر، وساق فيها القصّة بتمامها من طريق ابن سعد، فعليه يكون غزا بني سليم مرّتين، مرّة وصل فيها لذلك الماء فلم يجد شيئًا من النعم، ومرّة وصل فيها تلك الأرض ووجد فيها النعم، والله أعلم. ٣٤٧ قتل ابي عفك اليهودي [قتل أبي عفك اليهودي] ثم سرية سالم بن عمير إلى أبي عفك اليهودي - وكان شيخًا كبيرًا، قد بلغ عشرين ومائة سنة - وكان يحرض على النبي عَّه، ويقول فيه الشعر، فأقبل إليه سالم ووضع سيفه على كبده ثم اعتمد عليه حتى خش في الفراش، فصاح عدو الله أبو عفك، فثار إليه أناس ممن هم على قوله، فأدخلوه منزله فقتل. قتل أبي عفك اليهودي (ثم) في شوّال أيضًا (سرية سالم بن عمير) ويقال ابن عمرو، وقال ابن عقبة: سالم بن عبد الله بن ثابت الأنصاري الأوسي أحد بني عمرو بن عوف، العقبي شهد بدرًا والمشاهد، أحد البكّائين، مات في آخر خلافة مطوية رضي الله عنهما. (إلى أبي عفك) بفتح المهملة والفاء الخفيفة وكاف، يقال: رجل أعفك بيّ العفك، أي: أحمق، (اليهودي) من بني عمرو بن عوف (وكان شيخًا كبيرًا قد بلغ) من السنّ (عشرين ومائة سنة، وكان يحرّض) يحثّ ويحمل الناس (على) قتال (النبيّ عَّه ويقول فيه الشعر) يهجوه به، فقال ◌َ له؛ كما عند ابن سعد وغيره: ((من لي بهذا الخبيث))؟ فقال سالم: عليّ نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه، فأمهل يطلب له غرّة، بكسر المعجمة وشدّ الراء المفتوحة: غفلة، حتى كانت ليلة صائفة، أي: حارّة نام أبو عفك بفناء منزله وعلم سالم به، (فأقبل إليه سالم ووضع سيفه على كبده ثم اعتمد عليه حتى خشّ) دخل (في الفراش فصاح عدوّ اللَّه أبو عفك فثار) بمثلثة وراء؛ كذا في النسخ. والذي في العيون والسبل عن ابن سعد: فئاب بمثلثة وموحدة، أي: اجتمع وهو أَوْلى؛ لأن ثاب لغة اجتمع ورجع فأطلق على أحد استعماليه فإنه لازم لمعنى ثاب لا مدلوله، (إليه أناس ممن هم على قوله) في موافقته على الكفر والتحريض (فأدخلوه منزله فقتل) أي: مات، ولفظ ابن سعد: فأدخلوه منزله وقبروه، وعند غير ابن سعد: فقالت أمامة المريدية في ذلك: تكذب دين اللَّه والمرء أحمدًا لعمر والذي أمناك ان بئس ما يمنى حباك حنيف آخر الليل طعنة أبا عفك خذها على كبر السنّ أَمامة بضم أوله، ويقال: أسامة المريدية بضم الميم وكسر الراء؛ كما في التبصير كأصله الذهبي. وقال في الألقاب: بفتحها فتحتية ساكنة فدال مهملة فتحتية مشدّدة نسبة إلى مريد بطن من بلى صحابية رضي الله عنهما، ولعمر والذي أمناك، أي: وحياة الذي أنشأك. وحباك بموحدة: أعطاك. وحنيف: مسلم. ٣٤٨ غزوة بني قينقاع وكانت هذه السرية في شوال على رأس عشرين شهرًا من الهجرة. ثم غزوة بني قينقاع - بتثليث النون، والضم أشهر - بطن من يهود المدينة، لهم شجاعة وصبر. وكانت يوم السبت نصف شوال، على رأس عشرين شهرًا من الهجرة. وقد كانت الكفار بعد الهجرة مع النبي عَّله على ثلاثة أقسام: قسم وادعهم عَّ ◌ُلّه على أن لا يحاربوه ولا يؤلبوا عليه عدوه وهم طوائف اليهود الثلاثة: قريظة والنضير وبنو قينقاع. وقسم حاربوه ونصبوا له العدواة كقريش. (وكانت هذه السرية) فيه تجوز؛ كما مرّ، (في شوّال على رأس عشرين شهرًا من الهجرة) قاله ابن سعد. قال اليعمري: وكان أبو عفك ممن نجم، أي: ظهر نفاقه حين قتل عَّه الحرث بن سويد بن الصامت، وتوقف فيه البرهان بأنه قتل بعد أحد؛ كما قال ابن إسحق، قال: إلاَّ أن هذا ليس عن ابن إسحق، انتهى. والله أعلم. (ثم غزوة بني قينقاع) بفتح القافين وسكون التحتية و(بتثليث النون) كما حكاه ابن قرقول وغيره، (والضمّ أشهر) كما أفاده الحافظ وغيره (بطن من يهود المدينة) قال في الوفاء: منازلهم عند جسر بطحان مما يلي العالية، وفي الصحيح عن ابن عمر: وهم رهط عبد الله بن سلام، (لهم شجاعة وصبر) هو لازم للشجاعة، قيل: كانوا أشجع اليهود وأكثرهم مالاً وأشدّهم بغيّا، (وكانت) كما قال ابن سعد: (يوم السبت نصف شوّال على رأس عشرين شهرًا من الهجرة) النبويّة (وقد كانت الكفّار،) كما أفاده الحافظ في غزوة بني النضير (بعد الهجرة مع النبيّ عَّه على ثلاثة أقسام، قسم وادعهم) صالحهم (عليه الصّلاة والسلام على أن لا يحاربوه ولا يؤلبوا) يحرّضوا (عليه) على قتاله (عدوّه،) وقيل: على أن لا يكونوا معه ولا عليه، وقيل: على أن ينصروه ممن دهمه من عدوّه، (وهم طوائف اليهود الثلاثة: قريظة) بالظاء المعجمة المشالة، (والنضير، وبنو قينقاع،) فنقض الثلاثة العهد، فمكّن اللَّه رسوله منهم فقتل قريظة وأجلى الأخيرين. (وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة؛ كقريش) فنصره الله عليهم، فقتل سبعين وأسر سبعين ببدر، وقتل في أحد اثنين وعشرين منهم أهل الّواء بنو عبد الدار وأبي بن خلف، وفي الخندق ٣٤٩ غزوة بني قينقاع وقسم تركوه، وانتظروا ما يؤول إليه أمره، كطوائف من العرب. فمنهم من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة. وبالعكس كبني بكر. ومنهم من كان معه ظاهرًا ومع عدوه باطنًا، وهم المنافقون. وكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع، فحاربهم عليه الصلاة والسلام في شوال بعد وقعة بدر. قال الواقدي بشهر. وأغرب الحاكم، فزعم أن إجلاء بني قينقاع وإجلاء بني . عمرو بن عبدودّ وغيره، حتى فتح مكّة فصار أعظمهم عليه أحوجهم إليه، ثم في حجّة الوداع لم يبقّ قرشيّ إلا أسلم وصاروا كلّهم أتباعه، وللَّه الحمد. (وقسم تركوه وانتظروا ما يؤول إليه أمره) فإن آل إلى النصر والظفر بقريش تبعوه وإلا تبعوهم؛ (كطوائف من العرب) إلا أن هذا القسم ليسوا سواء بل (منهم من كان يحبّ ظهوره في الباطن؛ كخزاعة) ولذا دخلوا في عقده وعهده عام الهدنة ولما استنصروه عَّ ◌ٍ حين غارت عليهم بنو بكر، قال: ((لا نصرت إن لم أنصركم))، (وبالعكس؛ كبني بكر) ولذا دخلوا في عهد قريش وعقدهم سنة الحديبية، (ومنهم من كان معه ظاهرًا ومع عدوّه باطنًا، وهم المنافقون) فكانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، (وكان أوّل من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع،) ثم النضير، ثم قريظة، (فحاربهم عليه الصّلاة والسّلام في شوّال) أي: نصفه على ما مرّ (بعد وقعة بدر) وهذا كلّه لفظ الحافظ في الفتح في أوّل غزوة بني النضير، ثم قال فيه بعد قليل: (قال الواقدي:) أجلاهم في شوال سنة اثنتين، يعني بعد بدر (بشهر) ويؤيّده ما روى ابن إسحق بسند حسن عن ابن عباس، قال: لمَّا أصاب رسول اللَّه عَُّلِّ قريشًا يوم بدر جمع يهود في سوق قينقاع، فقال: ((يا معشر يهودا أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشًا))، فقالوا: إنهم كانوا لا يعرفون القتال، ولو قاتلناك لعرفت إنا الرجال، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون﴾ [آل عمران: ١٢] إلى قوله: ﴿لأولي الأبصار﴾ [آل عمران: ١٣] الآية، انتهى لفظ الفتح فأفاد أن المحاربة بعد بدر بنصف شهر، والإجلاء بعد بدر بشهر، وهو ظاهر؛ لأنه حاصرهم نصف شهر. وأمَّا عبارة المصنف ففيها قلاقة، لجزمه بأنها نصف شوّال وأن الفراغ من بدر أوّله فينا في نقله هنا عن الواقدي أن الحرب بعد بدر بشهر، وأيضًا فالواقدي لم يقل ذلك، إنما قال: أجلاهم في شوّال سنة اثنتين. فقال الحافظ: يعني بدر بعد بشهر، فاختلط على المصنّف رحمه الله الحرب بالإجلاء. (وأغرب الحاكم) جاء بقول غريب لا يعرف، (فزعم أن إجلاء بني قينقاع وإجلاء بني ٣٥٠ غزوة بني قينقاع النضير كانا في زمن واحد، ولم يوافق على ذلك، لأن إجلاء بني النضير كان بعد بدر بستة أشهر، على قول عروة، أو بعد ذلك بمدة طويلة على قول ابن إسحق. وكان من أمر بني قينقاع، أن امرأة من العرب جلست إلى صائغ یهودي، فراودها على كشف وجهها، فأبت فعمد إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا منها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، ووقع الشر بين المسلمين وبين بني قينقاع. فسار إليهم النبي عَ لِّ بعد أن استخلف أبا لبابة النضير كانا في زمن واحد،) حيث قال: هذه وغزوة بني النضير واحدة، وربما اشتبها على من لا يتأمّل، (ولم يوافق على ذلك؛ لأن إجلاء بني النضير كان بعد بدر بستّة أشهر على قول عروة) بن الزبير وعمل عليه البخاري، (أو بعد ذلك بمدّة طويلة على قول ابن إسحق) أنها بعد أحد، ونصره ابن كثير بأن الخمر حرّمت ليالي حصار بني النضير. وفي الصحيح: أنه اصطيح الخمر جماعة ممن قتل يوم أُحد شهيدًا، فدلّ على أنها كانت حلالاً حينئذ، وإنما حرّمت بعد ذلك، ويأتي مزيد لذلك في غزوتها، إن شاء اللَّه. (وكان) كما رواه ابن هشام (من أمر بني قينقاع أن امرأة) قال البرهان: لا أعرف اسمها، (من العرب) وفي الإمتاع أنها كانت زوجة لبعض الأنصار، أي: من العرب فلا ينافي أن الأنصار بالمدينة. وفي الرواية: أنها قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع، و(جلست إلى صائغ يهودي) لا أعرف اسمه، والظاهر أنه من قينقاع، قاله البرهان. (فراودها على كشف وجهها) أراد منها ذلك، ولفظ الرواية عند ابن هشام: فجعلوا يريدونها على كشف وجهها (فأبت فعمد) بفتح الميم وتكسر: الصائغ (إلى طرف) بفتح الراء (ثوبها) من ورائها (فعقده) ضمّه (إلى ظهرها) وخلّه بشوكة (فلمَّا قامت انكشفت سوأتها) هو لفظ رواية ابن هشام، أي: عورتها (فضحكوا منها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، فشدّت اليهود على المسلم فقتلوه) فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون (ووقع الشرّ بين المسلمين وبين بني قينقاع) وذكر ابن سعد أنهم لمّا كانت وقعة بدر أظهروا البغي والحسد ونبذوا العهد والمدّة، فأنزل الله تعالى: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن اللَّه لا يحبّ الخائنين﴾ [الأنفال: ٥٨] الآية، فقال عَـ (أنا أخاف من بني قينقاع)) !! (فسار إليهم النبيّ عَّه بعد أن استخلف) على المدينة (أبا لبابة) ٣٥١ غزوة بني قينقاع ابن عبد المنذر. فحاصرهم أشد الحصار، خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة، وكان اللواء بيد حمزة بن عبد المطلب، وكان أبيض، فقذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول الله عَّه، على أن له أموالهم، وأن لهم النساء والذرية. فأمر عليه الصلاة والسلام المنذر بن قدامة بتكتيفهم. وكلم عبد الله بن أبي بن سلول رسول الله عٍَّ فيهم، وألح عليه من أجلهم. بشير بفتح الموحدة وكسر المعجمة، أو رفاعة، أو مبشر، ووهم من سماه مروان (ابن عبد المنذر) الأنصاري الأوسي المدني أحد النقباء عاش إلى خلافة عليّ، فحاربوا وتحصّنوا في حصنهم (فحاصرهم أشدّ الحصار خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة،) بفتح القاف وكسرها (وكان اللّواء بيد حمزة بن عبد المطلب وكان أبيض،) قال ابن سعد: ولم تكن الرايات يومئذ، (فقذف اللَّه في قلوبهم الرعب) الخوف (فنزلوا على حكم رسول اللَّه عَّ على أن له أموالهم وأن لهم النساء والذريّة، فأمر عليه الصّلاة والسّلام المنذر بن قدامة) السلمي الأوسي البدري (بتكتيفهم) مصدر كتّفه بالتشديد للمبالغة، والأصل التخفيف، أي: بشدّ أيديهم خلف أكتافهم موثقًا بحبل ونحوه، قال ابن هشام: فكتّفوا وهو يريد قتلهم فمرّ بهم ابن أُبيّ فأراد أن يطلقهم، فقال له المنذر: أتطلق أقوامًا أمر النبيّ عَّه بربطهم، واللَّه لا يفعله أحد إلا ضربت عنقه. (وكلّم عبد اللَّه بن أبي بن سلّول) رأس المنافقين (رسول اللَّه عَّل فيهم) لما أراد قتلهم وهذا مشكل، إذ مقتضى نزولهم على أن لهم النساء والذريّة أنهم نزلوا بأمان، ولا يتصوّر من المصطفى غدر إلا أن يقال نزولهم على حكمه لا يقتضي موافقته لهم؛ كما نزل بنو قريظة على حكم سعد، فحكم فيهم بحكم اللَّه. (وألحّ عليه من أجلهم) فقال؛ كما ذكر ابن هشام وابن سعد وغيرهما: يا محمّد! أحسن في مواليّ، وكانوا حلفاء الخزرج فأبطأ عليه عَله، فقال: يا محمّد، أحسن في مواليَّ، فأعرض عنه فأدخل يده في جيب درع رسول اللَّه عٍَّ من خلفه، وكان يقال لها ذات الفضول، فقال عَ له: ((ويحك أرسلني))، وغضب عليه السّلام حتى رأوا وجهه ظللاً جمع ظلّة وهي السحابة استعيرت لتغيّر وجهه الكريم لما اشتدّ غضبه، ويروى ظلالاً جمع ظلّة أيضًا كبرمة وبرام ومهما بمعنى؛ كما في الروض، ثم قال: ((ويحك أرسلني)، قال: واللَّه لا أرسلك حتى تحسن في مواليّ أربعمائة حاسر بمهملتين، أي: لا درعٍ معه وثلاثمائة دارع وقد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة، إني واللَّه امرؤ أخشى الدوائر، ٣٥٢ غزوة بني قينقاع فأمر عليه الصلاة والسلام أن يحلوا من المدينة، وتركهم من القتل، وأمر أن يجلوا من المدينة، فلحقوا بأذرعات. فما كان أقل بقاءهم فيها. وأخذ من حصنهم سلاحًا وآلة كثيرة. وكانت بنو قينقاع حلفاء لعبد الله بن أبي، وعبادة بن الصامت، فتبرأ عبادة من حلفهم، فقال: يا رسول الله، أتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم. ففيه وفي عبد الله أنزل. ﴿یا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض﴾ إلى قوله: ﴿فإن حزب الله هم الغالبون﴾ [المائدة/٥٦]. فقال عَّلهُ: ((هم لك))، (فأمر عليه الصّلاة والسّلام أن يحلّوا) من كتافهم، فقال: ((حلّوهم لعنهم اللَّه ولعنه معهم))، (وتركهم من القتل، وأمر أن يجلوا) بالجيم مبني للمفعول، أي: يخرجوا (من المدينة) قال ابن سعد: وولّ إخراجهم عبادة بن الصامت، وقيل: محمّد بن مسلمة ولا مانع أنهما اشتركا في إخراجهم، (فلحقوا بأذرعات) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وكسر الراء فمهملة وبالصرف: بلدة بالشام (فما كان) زائدة (أقل بقاءهم فيها) قيل: لم يدر عليهم الحول (وأخذ من حصنهم سلاحًا وآلة كثيرة) وكان الذي ولي قبض أموالهم محمّد بن مسلمة، قاله ابن سعد، فأخذ عَّه خمسه وفضّ أربعة أخماسه على أصحابه، فكان أوّل ما خمّس بعد بدر، ووقع عند ابن سعد: أخذ صفية الخمس، وتوقف فيه اليعمري بأن المعروف الصفي غير الخمس، فعند أبي داود عن الشعبي: كان له عَّهِ سهم يدعى الصفى قبل الخمس. وعن عائشة: كانت صفية من الصفى، قال: فلا أدري أسقطت الواو أو كان هذا قبل حكم الصفى، انتهى. (و) أخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم والبيهقي عن عبادة بن الصامت، قال: (كانت بنو قينقاع حلفاء لعبد الله بن أبيّ وعبادة بن الصامت فتبرّأ عبادة رضي اللَّه عنه من حلفهم) بكسر المهملة وإسكان اللام، حين قال عَّ لما رأى من فعلهم القبيح: ((ما على هذا أقررناهم))، (فقال: يا رسول اللَّه أتبرأ إلى اللَّه وإلى رسوله من حلفهم، وأتولّى اللَّه ورسوله والمؤمنين وأبرأ من حلف) جميع (الكفّار وولايتهم) أو هو تأكيد لما قبله من إقامة الظاهر مقام المضمر، وفائدته التشنيع عليهم بالكفر، (ففيه وفي عبد اللَّه) بن أُبيّ (أنزل) اللَّه: (﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء﴾ [المائدة: ٥١] الآية، فلا تعتمدوا عليهم ولا تعاشروهم معاشرة الأحباب، ﴿بعضهم أولياء بعض﴾ [المائدة: ٥١]، إيماء إلى عّة النهي، أي: فإنهم متّفقون على خلافكم يولّي بعضهم بعضًا لاتحادهم في الدين واجتماعهم على مضادتكم من يتولّهم منكم فإنه منهم، تشديد في وجوب مجانبتهم (إلى قوله: ﴿فإن حزب الله هم الغالبون﴾) ٣٥٣ غزوة السويق ثم غزوة السويق في ذي الحجة، يوم الأحد لخمس خلون منها، على رأس اثنين وعشرين شهرًا من الهجرة، وقال ابن إسحق في صفر. وسميت: غزوة السويق، لأنه كان أكثر زاد المشركين، وغنمه المسلمون. واستخلف أبا لبابة على المدينة. وكان سبب هذه الغزوة أن أبا سفين حين رجع بالعير من بدر إلى مكة نذر [المائدة: ٥٦] الآية، أي: فإنهم هم الغالبون ولكن وضع الظاهر موضع المضمر تنبيهًا على البرهان عليه، وكأنه قيل: ومن يتولّ هؤلاء فهو حزب اللَّه وحزب اللَّه هم الغالبون وتنويهًا بذكرهم وتعظيمًا لشأنهم وتشريفًا لهم بهذا الاسم، وتعريضًا بمن يوالي غير هؤلاء بأنه حزب الشيطان، وأصل الحزب القوم يجتمعون لأمر حزبهم، قاله البيضاوي. ثم غزوة السويق هو قمح أو شعير يقلى ثم يطحن فيتزوّد به ملتوتًا بماء أو سمن أو عسل أو وحده بالسین، قال ابن دريد: وبنو العنبر يقولونه بالصاد، وفي الجمهرة بنو تميم، ولا خلف فالعنبر هو عمرو بن تميم، وكانت (في ذي الحجّة) بفتح الحاء وكسرها (يوم الأحد لخمس) من الليالي (خلون منها على رأس اثنين وعشرين شهرًا من الهجرة) قاله ابن سعد، (وقال ابن إسحق: في صفر) بمنع الصرف؛ لأنه أُريد من سنة بعينها ففيه العلمية والعدل عن الصفر، وانتقد صاحب الخميس المصنف بأن الذي في ابن هشام عن البكائي عن ابن إسحق أن خروجه إنما كان في ذي الحجّة، وهو كما قال؛ وكذا نقله عن اليعمري وغيره، يحتمل أنها رواية غير البكائي؛ لأن رواة سيرة ابن إسحق جماعة، وفيها اختلاف بالزيادة والنقص، وقد ذكر بعض أهل السير أن هذه الغزوة في سنة ثلاث، فيصحّ كونها في صفر. (وسمّيت غزوة السويق لأنه كان أكثر زاد المشركين) فكانوا يلقونه للتخفيف (وغنمه) بفتح الغين وكسر النون (المسلمون) أي: استفادوه وأخذوه بلا عوض، لكن فيه مجاز إذ الغنيمة؛ كما قال أبو عبيدة: ما نيل من أهل الشرك والحرب قائمة، والفيء ما نيل منهم بعد أن تضع الحرب أوزارها. (واستخلف أبا لبابة) بشير أو رفاعة أو مبشر بن عبد المنذر بن زنبر بفتح الزاي والموحدة بينهما نون ساكنة آخره راء، (على المدينة، وكان سبب هذه الغزوة) كما عند ابن إسحق وغيره: (أن أبا سفين) صخر بن حرب (حين رجع بالعير من بدر إلى مكّة) ورجع فلّ قريش من بدر بفتح الفاء وشدّ اللام، أي: منهزموهم (نذر) أن لا يمسّ رأسه ماء من جنابة، هكذا الرواية عند ابن إسحق. قال مغلطاي: كنى بحلفه عن أن لا يمسّ النساء والطيب، فاقتصر ٣٥٤ غزوة السويق أن لا يمس النساء والدهن حتى يغزو محمدًا - عليه الصلاة والسلام - فخرج في مائتي راكب من قريش ليبر يمينه، حتى أتوا العريض - ناحية من المدينة على ثلاثة أميال ۔ المصنف على تفسير الرواية، فقال: (أن لا يمسّ النساء والدهن) لأنه لم يتقيّد بها أو هي رواية أخرى وردت باللفظ أو بالمعنى، (حتى يغزو محمّدًا عليه الصّلاة والسّلام) ليأخذ بثأر المشر کین الذین قتلوا بیدر. واستدلّ به السهيلي على أن غسل الجنابة كان في الجاهلية لبقيّة من دين إبراهيم وإسماعيل كالحجّ والنكاح، ولذا سموها جنابة لمجانبتهم البيت الحرام وموضع حرماتهم، أطلق في ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦] بخلاف الوضوء فلم يعرف قبل الإسلام، فبيّ بقوله: اغسلوا وجوهكم ... الخ، (فخرج في مائتي راكب) وقيل: أربعين (من قريش ليبر) بضم التحتية وكسر الموحدة (يمينه) نصب على المفعولية، أي: يمضيها على الصدق. قال ابن إسحق: فسلك النجدية حتى نزل صدر قناة إلى جبل يقال له نيب على بريد من المدينة أو نحوه، ثم خرج حتى أتى بني النضير تحت الليل، فأتى حيي بن أخطب فضرب عليه بابه فأبى أن يفتح له وخافه، فانصرف إلى سلام بن مشكم وكان سيّد بني النضير في زمانه ذلك وصاحب كنزهم، فاستأذن عليه فأذن له وقراه وسقاه وبطن له من خبر الناس، ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه فبعث رجالاً من قريش، فساروا (حتى أتوا العريض) بضمّ المهملة وفتح الراء وإسكان التحتية وضاد معجمة: (ناحية من المدينة على ثلاثة أميال) وفي النور: إنه واد بالمدينة به أموال لأهلها، انتهى. ففي سياق ابن إسحق هذا الذي ذكرته أن أبا سفين لم يأتِ العريض معهم خلاف ما يفيده المصنف، وقناة بفتح القاف وخفّة النون: واد بالمدينة. ونيب بنون فتحتية فموحدة، قال البرهان: كذا في نسختي، أي: في العيون أصولها ولم أرّه فلعله تصحيف يتيب بفتح التحتية وكسر الفوقية وسكون التحتية فموحدة بوزن يغيب: جبل بالمدينة، ذكره القاموس، أو هو تيت بفوقيتين أولاهما مفتوحة بينهما تحتية ساكنة أو مشدّدة كميت وميت جبل قرب المدينة، ذكره في الذيل والقاموس، انتهى ملخّصاً. والذي يظهر أن ذا الأخير هو المراد لقوله على بريد أو نحوه من المدينة، أو لأن الرسم لا يخالفه يتيب الذي بزنة يغيب، وحیی بمهملة مصغر، واخطب بخاء معجمة، وسلام بالتشديد ويخفّف، ومشكم بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الكاف، وقراه: أضافه وسقاه، أي: الخمر؛ كما قال أبو سفين: ٣٥٥ غزوة السويق فحرقوا نخلاً وقتلوا رجلاً من الأنصار. فرأى أبو سفين أن قد انحلت يمينه، فانصرف بقومه راجعين. وخرج عليه الصلاة والسلام في طلبهم، في مائتين من المهاجرين والأنصار، وجعل أبو سفين وأصحابه يلقون جرب السويق - وهي عامة أزوادهم - يتخففون للهرب، فأخذها المسلمون، ولم يلحقهم عليه الصلاة والسلام، فرجع إلى المدينة. وكانت غيبته خمسة أيام. سقاني فرواني كمينًا مدامة على ظمأ مني سلام بن مشكم (فحرقوا) بخفّة الراء وشدّها مبالغة (نخلاً) صغارًا؛ كما دلّ عليه قوله في الرواية: فحرقوا في أصوار من نخل بها، بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وراء: نخل مجتمع صغار؛ كما في الصحاح. (وقتلوا رجلاً من الأنصار) زاد في رواية: وحليفًا لهم، قال البرهان: ولا أعرفهما وفيه تقصير فقد ذكر الواقدي أن الأنصاري معبد بن عمرو (فرأى أبو سفين أن قد انحلت يمينه) بقتل الرجلين وحرق الأصوار، (فانصرف بقومه راجعين) إلى مكة ونذر الناس، بفتح النون وكسر الذال المعجمة: علموا بهم (وخرج عليه الصّلاة والسّلام في طلبهم في مائتين من المهاجرين والأنصار) وعند مغلطاي: في ثمانين راكبًا، وجمع البرهان بأن الركبان ثمانون وكل الجيش مائتان، (وجعل أبو سفين وأصحابه يلقون جرب السويق) بضمّتين جمع جراب؛ ككتاب و کتب، ولا يفتح مفرده أو هو لغية، فيما حكاه عياض وغيره؛ كما في القاموس، ويجمع أيضًا على أجربة. (وهي عامّة أزوادهم) أي: أكثرها أو جميعها من عمّه بالعطاء إذا شمله، (يتخفّفون للهرب) خوفًا ممن نصر بالرعب (فيأخذها المسلمون) ولذا سمّيت غزوة السويق؛ كما مرّ (ولم يلحقهم عليه الصّلاة والسّلام، فرجع إلى المدينة وكانت غيبته خمسة أيّام) بيومي الخروج والرجوع فدخوله يوم التاسع بدليل صلاة العيد وأن خروجه لخمس خلون من الحجّة، أو دخل ليلاً أو أوّل يوم العيد، وأدركه قبل الزوال، وعند ابن إسحق: وقال المسلمون حين رجعوا: يا رسول اللَّه! أنطمع أن تكون لنا غزوة؟ قال: ((نعم)، وأورد ابن هشام وتبعه أبو الربيع في الاكتفاء: هذه الغزوة قبل بني قينقاع، وعند بعض أهل العلم والسّيّر أنها في سنة ثلاث. ٣٥٦ ذكر بعض وقائع ثانية الهجرة [ذكر بعض وقائع ثانية الهجرة] وفي ذي الحجة صلى رسول الله عَّه العيد وأمر بالأضحية. وفيه مات عثمن بن مظعون. وفي أول شوال ولد عبد الله بن الزبير. تم بعون الله الجزء الأول ويليه الجزء الثاني أوله ذكر تزويج علي بفاطمة رضي الله تعالى عنهما. ذكر بعض وقائع ثانية الهجرة (وفي ذي الحجّة صلّى رسول اللّه عَِّ العيد) بالمصلّى وضحّى بكبشين، (وأمر) الناس (بالأضحية) وهو أوّل عيد أضحى رآه المسلمون، (وفيه مات عثمن بن مظعون) بالظاء المعجمة ابن حبيب القرشي الجمحي البدري، وقبّله النبيّ عَّه بعد موته وعيناه تذرفان ودفنه بالبقيع، وهو أوّل ميّت من المهاجرين وأوّل من دفن به منهم، ولمَّا مات ولده إبراهيم، قال: ((الحق بسلفنا الصالح عثمن بن مظعون). وقد علم أن غرض المصنّف بيان بعض وقائع السنة الثاينة وإن لم تتعلّق بالمغازي، ولذا قال: (وفي أوّل شوّال) سنة اثنتين بعد عشرين شهرًا، فيما جزم به الواقدي وتبعه جمع، منهم: ابن الأثير والذهبي. (ولد عبد الله بن الزبير) قال الحافظ: والمعتمد أنه ولد في السنة الأولى؛ لأن هجرة أَمّه أسماء وعائشة وآل الصدّيق كانت بعد استقراره عَّ له بالمدينة، فالمسافة قريبة جدًا لا تحتمل تأخّر عشرين شهرًا؛ بل ولا عشرة أشهر، وقد ثبت في الصحيحين عن أسماء أنها هاجرت وهي حبلى به متمّ فولدته بقباء، ثم أتت به النبيّ عَّةٍ فوضعه في حجره ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه، فكان أوّل شىء دخل جوفه ريق رسول اللَّه عَّةِ ثم حذّكه بتمرة ثم دعا له وبرك عليه، وكان أول مولود ولد في الإسلام. وزاد الإسمعيلي: ففرح المسلمون فرحًا شديدًا؛ لأن اليهود كانوا يقولون: قد سحرناهم حتى لا يولد لهم. وللإسمعيلي أيضًا: أنها لم ترضعه حتى أتت به النبيّ عَّةِ، فذكر نحوه. وزاد: ثم صلّى عليه، أي: دعا له، ثم سمّاه عبد اللّه، وهو أول مولود للمهاجرين بالمدينة، وولد لهم بالحبشة عبد الله بن جعفر، وأوّل مولود للأنصار بعد الهجرة مسلمة بن مخلد، رواه ابن أبي شيبة. وقيل: النعمان بن بشير، انتھی ملخصًا. ٣٥٧ ذكر تزويج علي بفاطمة رضي الله عنهما [ذكر تزويج علي بفاطمة رضي الله عنهما] وفي هذه السنة تزوج علي رضي الله عنه، بفاطمة رضي الله عنها كما قاله .الحافظ مغلطاي وغيره. وقال الطبري في كتابه ((ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى)): تزوجها في صفر في السنة الثانية، وبنى بها في ذي الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرًا من التاريخ. وقال أبو عمر بعد وقعة أحد، وقال غيره: بعد بنائه عَّله بعائشة. ذكر تزويج علي بفاطمة رضي الله عنهما (وفي هذه السنة) الثانية من الهجرة، (تزوج علي رضي اللَّه عنه بفاطمة رضي الله عنها،) الزهراء البتول، أفضل نساء الدنيا، حتى مريم؛ كما اختاره المقريزي والزركشي والقطب الخيضري والسيوطي في كتابيه، شرح النقاية وشرح جمع الجوامع، بالأدلة الواضحة التي منها أن هذه الأمة أفضل من غيرها. والصحيح أن مريم ليست نبية، بل حكى الإِجماع على أنه لم تنبأ امرأة، وقد قال عَّ له: ((مريم خير نساء عالمها وفاطمة خير نساء عالمها))، رواه الحرث في مسنده والترمذي، بنحوه. وقال عَّله: ((يا بنية، ألا ترضين أنك سيدة نساء العالمين؟))، قالت: يا أبت، فأين مريم؟ قال: ((تلك سيدة نساء عالمها))، رواه ابن عبد البر، وبسط ذلك يأتي إن شاء الله تعالى في المقصد الثاني. وقد أخرج الطبراني بإسناد على شرط الشيخين. قالت عائشة: ما رأيت أحدًا قط أفضل من فاطمة غير أبيها. (قاله الحافظ مغلطاي وغيره،) وفيه إِجمال بينه بقوله: (وقال الطبري) أحمد بن عبد الله الحافظ محب الدين المكي، (في كتابه ذخائر العقبى) بالمعجمة، جمع ذخيرة، (في مناقب ذوي القربى) للنبي عَّله: (تزوجها)، أي: عقد عليها (في صفر.) وفي الإِصابة: في أوائل المحرّم، (في السنة الثانية،) وفي الخميس عقد عليها في رجب، على الأصح، وقيل: في رمضان. (وبنى بها في ذي الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرًا من التاريخ) للهجرة. (وقال أبو عمر) ابن عبد البر (بعد وقعة أحد:) ووقعتها في شوال سنة ثلاث، اتفاقًا ورده في الإِصابة، بأن حمزة استشهد بأحد. وقد ثبت في الصحيحين قصة الشارفين لما ذبحهما حمزة، وكان علي أراد أن يبني بفاطمة، انتهى. (وقال غيره:) عقد عليها (بعد بنائه عَّله بعائشة،) الواقع في شوال سنة اثنين أو بعد سبعة ٣٥٨ ذكر تزويج علي بفاطمة رضي الله عنهما بأربعة أشهر ونصف، وبنى بها بعد تزويجها بسبعة أشهر ونصف. وتزوجها وهي ابنة خمس عشرة سنة وخمسة أشهر - أو ستة أشهر ونصف - وسنة يومئذٍ إحدى وعشرون سنة وخمسة أشهر. ولم يتزوج عليها حتى ماتت. وعن أنس قال: جاء أبو بكر ثم عمر يخطبان فاطمة إلى النبي عَّه فسكت ولم يرجع إليهما شيئًا أشهر من الهجرة، وقولان ذكرهما المصنف في الزوجات (بأربعة أشهر ونصف) فيكون العقد في نصف صفر سنة اثنين، أن حسب شهر بنائه بعائشة من المدة، (وبنى بها بعد تزويجها بسبعة أشهر ونصف،) فيكون في شوال، فيوافق قول أبي عمر أنه بعد أحد، فهذا القول كما ترى غير قائل بأن البناء في الحجة، حتى يقال عليه العقد في أوائل جمادى الأولى كما وهم. (وتزوجها وهي ابنة خمس عشرة سنة وخمسة أشهر، أو ستة أشهر ونصف) شهر، والقولان مبنيان على نقل أبي عمر عن عبيد الله بن محمد بن جعفر الهاشمي، أنها ولدت سنة إحدى وأربعين من مولد أبيها عَ ◌ّه. أما على ما رواه الواقدي عن العباس، وجزم به المدائني وابن الجوزي، أنها ولدت قبل النبوة بخمس سنين، فتكون ابنة تسع عشر سنة وشهر ونصف (وسنة)، أي: علي (يومئذ إِحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر) بناء على قول عروة الذي ضعفه أبو عمر، أنه أسلم وهو ابن ثمان سنين، أما على قول ابن إسحق وهو الراجح، كما مر أنه أسلم وهو ابن عشر سنين، فيكون سنة یوم التزويج، أربعة وعشرين سنة وشهرًا ونصف شهر. ويقع في كثير من النسخ إِحدى وعشرين بالجرّ، فقوله: وسنه اسم كان مقدرة وهو أظهر من تقدير نحو إحدى وعشرين، لأن العبارة تصير محتملة للزيد والنقص، (ولم يتزوج عليها). ولما خطب إِبنة أبي جهل، واسمها جويرية، في أشهر الأقوال قام عَّه على المنبر وقال: (لا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن)، وقال: ((واللَّه لا تجتمع بنت رسول اللَّه عَّله وبنت عدو اللَّه عند رجل واحد أبدًا، فترك علي الخطبة))، رواه الشيخان وغيرهما. قال أبو داود: حرم الله على علي أن ينكح على فاطمة حياتها لقوله عز وجل: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾، [الحشر: ٧]، وألحق بعضهم أخواتها بها، ويحتمل إختصاصها ويأتي إن شاء اللَّه تعالى بسط ذلك في الخصائص، واستمر ذلك (حتى ماتت) فتزوج بعدها أمامة بنت أختها زينب بوصية من فاطمة بذلك، قاله الحافظ وغيره. (وعن أنس قال: جاء أبو بكر ثم عمر يخطبان فاطمة) كل لنفسه (إلى النبي) غاية لجاء (عَّةٍ، فسكت ولم يرجع إليهما شيئًا،) أي: لم يرد عليهما جوابًا بشىء. ٣٥٩ ذكر تزويج علي بفاطمة رضي الله عنهما فانطلقا إلى علي رضي الله عنه يأمرانه بطلب ذلك. قال علي: فنبهاني لأمر، فقمت أجر ردائي حتى أتيت النبي عَّم فقلت: تزوجني فاطمة؟ قال: وعندك شىء؟ فقلت: فرسي وبدني، قال: أما فرسك فلا بد لك منها وأما بدنك فبعها، فبعتها بأربعمائة وثمانين، فجئته بها، فوضعتها في حجره، فقبض منها قبضة فقال: أي بلال: ابتع بها لنا طيبًا. وفي رواية أبي داود: أن أبا بكر خطبها فأعرض عنه، ثم عمر فأعرض عنه، ويروى أنه قال لكل منهما: أنتظر بها القضاء وأنها بكت لما خطباها، فلم يرد عليهما بشىء. (فانطلقا إِلى علي رضي اللَّه عنه يأمرانه بطلب ذلك) لرؤيتهما أنه أصلح لها من غيره، لقربه وخلوه من النساء، أو بطلب ذلك لهما على عادة الاستشفاع بالأقارب، وفيه بعد. (قال علي: فنبهاني لأمر) بنون وموحدة ثقيلة، أوقفاني على أمر كنت عنه غافلاً، وهو خطبتها، فتنبهت (فقمت أجرّ ردائي) فرحًا بما تنبهت له وهو خطبة خير النساء، (حتى أتيت النبي عَة فقلت: تزوجني،) بحذف الهمزة المقدرة، أي: أتزوجني (فاطمة؟ قال:) ((أو (عندك) فهو على تقدير همزة الاستفهام أيضًا، (شىء) تصدقها به؟))، (فقلت: فرسي وبدني،) يفتح الباء والدال، درعي. وروى ابن إسحق في السيرة الكبرى، عن علي، أنه عَِّ قال: ((هل عندك شىء؟))، فلت: لا، قال: ((فما فعلت الدرع التي سلحتكه))، يعني من مغانم بدر. وروى أحمد عن علي، أردت أن أخطب إِلى رسول اللَّه عَّهِ ابنته فقلت: والله ما لي من شىء، ثم ذكرت صلته وعائدته، فخطبتها إِليه، فقال: ((وهل عندك شىء؟))، قلت: لا، قال: ((فأين درعك الحطيمة التي أعطيتك يوم كذا وكذا؟))، قلت: هي عندي، قال: ((فأعطها إياها)). وله شاهد عند أبي داود عن ابن عباس، ولا منافاة، لأنه فهم أولاً أن مراده النقد، فنفاه، فلما سأله عن درعة علم أنه لا يريد خصوص النقد، فقال: فرسي وبدني، وفي النهاية: الحطيمة التي تحطم السيوف، أي: تكسرها، أو العريضة الثقيلة، أو نسبة إِلى بطن من عبد القيس يقال لهم حطمة، كهمزة ابن محارب كانوا يعملون الدروع، وهذا أشبه الأقوال، انتهى. (قال: أما فرسك فلا بد لك منها) للحروب، (وأما بدنك فيعها،) أي: الدرع وهي مؤنثة وتذكر، (فبعتها) من عثمن بن عفان (بأربعمائة وثمانين) درهمًا، ثم أن عثمن رد الدرع إلى علي، فجاء بالدرع والدراهم إلى المصطفى، فدعا لعثمن بدعوات، كما في رواية، (فجئته بها، فوضعتها في حجره فقبض منها قبضة،) مفعول به بضم القاف أكثر من فتحها، ما قبضت عليه من شىء، كما في القاموس والصحاح، والمعنى أخذ بيده دراهم قبض عليها، (فقال - أي بلال -) بفتح الهمزة وسكون الياء حرف نداء: (ابتع،) إِشتر (بها لنا طيبًا). ٣٦٠ ذكر تزويج علي بفاطمة رضي الله عنهما وأمرهم أن يجهزوها، فجعل لها سرير مشروط، ووسادة من أدم حشوها ليف. وقال لعلي: إذا أتتك فلا تحدث شيئًا حتى آتيك. فجاءت مع أم أيمن حتى قعدت في جانب البيت وأنا في جانب، وجاء رسول الله عَّله فقال: أههنا أخي، قالت أم أيمن: أخوك وقد زوجته ابنتك؟ قال: نعم. ودخل عَّهِ فقال لفاطمة ائتني بماء، فقامت إلى قعب في البيت فأتت فيه بماء فأخذه ومج فيه ثم وفي رواية ابن أبي خيثمة، عن علي أمر عٍَّ أن يجعل ثلث الأربعمائة وثمانين في الطيب، وعلى هذا فهذه القبضة ثلثها، أو أقل، وكملها إلى الثلث. ووقع عند ابن سعد وأبي يعلى، بسند ضعيف عن على، فقال عَّةٍ: ((اجعلوا ثلثين في الطيب وثلثًا في الثياب))، (وأمرهم أن يجهزوها، فجعل لها سريرًا مشروطًا،) أي: مجعول فيه شرائط، أي: حبال. وفي القاموس: الشريط خوص مفتول يشرط به السرير ونحوه، (ووسادة من أدم حشوها لیف،) وعن جابر: كان فرشهما لیلة عرسهما إِهاب کبش، رواه ابن فارس. وفي رواية: كان لهما فراشان أحدهما محشو بليف، والآخر بحذاء الحذاءين وأربع وسائد، وسادتين من ليف وثنتين من صوف، ولا معارضة لجواز أن واحدة للنوم على السرير، والثلاثة في البيت. (وقال لعلي: إذا أتتك فلا تحدث شيئًا) من جماع ولا مقدماته (حتى آتيك.) زاد في رواية: فأرسل عَلّ أسماء بنت عميس، فهيأت البيت، فصلى العشاء، وأرسل فاطمة، (فجاءت مع أم أيمن) بركة الحبشية مولاته عليه السلام، (حتى قعدت) فاطمة مع أم أيمن (في جانب البيت وأنا،) أي: علي، كما في الرواية، (في جانب) آخر من البيت، (وجاء رسول اللَّه عَّ) بعدما صلى العشاء الآخرة، (فقال: أههنا أخي! قالت أم أيمن،) مباسطة له عليه السلام، لا مستفهمة إِذ لا يخفى حال علي عليها، (أخوك وقد زوجته ابنتك، قال: نعم،) هو كأخي في المنزلة والمواخاة، التي سلفت بيني وبينه في الدين لا في النسب والرضاع، فلا يمتنع عليَّ تزويجي إياه بنتي. صح أنه معَِّ قال له: ((أنت مني بمنزلة لهرون من موسى إِلاَّ أنه لا نبي بعدي)). (ودخل عٌَّ) البيت (فقال لفاطمة: ائتني بماء، فقامت) امتثالاً لأمره، زاد في رواية: تعثر في ثوبها، وربما قال: في مرطها من الحياء، (إِلى قعب) بقاف مفتوحة، فعين ساكنة فموحدة، قدح كبير، أو صغير، أو يروي الرجل، كما في القاموس، وفي مقدمة الفتح: هو إِناء من خشب (في البيت فأتت فيه بماء، فأخذه وميجّ فيه،) أي: أخذ منه ماء ووضعه في فمه، ثم رمى به في القعب، (ثم