النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
باب غزوة بدر الکبری
فأعرض عنه عليه السلام، ثم عاد عَِّ فقال: يا أيها الناس، إن الله قد أُمكنكم
منهم. فقال عمر: يا رسول الله، اضرب أعناقهم، فأعرض عنه عليه السلام، فعل
ذلك ثلاثًا، فقام أبو بكر فقال يا رسول الله، أرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم
الفداء، فذهب من وجه رسول الله عَّةٍ ما كان فيه من الغم، فعفا وقبل منهم
الفداء.
هؤلاء أئمّة الكفر وصناديد قريش وأئمتهم وقادتهم، فاضرب أعناقهم، ما أرى أن يكون لك أسرى
فإنما نحن راعون مؤلّفون، (فأعرض عنه عليه الصّلاة والسّلام) لما جبل عليه من الرأفة والرحمة
في حالة إيذائهم له، فكيف في حال قدرته عليهم؟
(ثم عاد عَُّ فقال: ((يا أيّها الناس! إن اللَّه قد أمكنكم منهم))،) فيه ترقيقهم عليهم
واستعطافهم؛ لأن العفو بعد القدرة من شيم الكرام، (فقال عمر: يا رسول اللّه، اضرب أعناقهم،
فأعرض عنه عليه الصّلاة والسّلام، ففعل ذلك ثلاثًا) وما تغيّر عمر عن رأيه، (فقام أبو بكر
الصدّيق) رضي اللّه عنه (فقال: يا رسول اللَّه، أرى أن تعفو عنهم) بفتح الهمزة والواو، أي: فلا
تقتلهم؛ هكذا في نسخ صحيحة، (وأن تقبل منهم الفداء) بالفتح أيضًا، أي: أرى عدم القتل
استبقاء للقرابة ورجاء الإسلامهم مع أخذ الفداء مراعاة للجيش ليقووا على الكفار، وفي نسخة:
أن تعف بحذف الواو فالهمزة فيهما مكسورة والجواب محذوف، أي: إن تعف مجانًا فلا بأس
إذ هم بنو العمّ والعشيرة، وإن تقبل منهم الفداء فلا بأس لأنا نستعين به؛ ودعوى أنها أليق بأدب
الصديق مع المصطفى، فلا، ينسب لنفسه أمرًا مردودة بأنه لكل مقام مقال؛ والمقام هنا بيان
الرأي الذي طلبه المصطفى خصوصًا مع مخالفة عمر وإعراضه عنه، وأيضًا فالكسر يقتضي أنه
خيّره في العفو مجانًا والأحاديث تأباه، كيف وقد صرّح الصديق في رواية مسلم، بقوله: أرى أن
تأخذ منهم الفدية. وفي رواية الترمذي وغيره: استبقهم وإني أرى أن تأخذ الفداء منهم.
(فذهب من وجه رسول اللَّه عَّهِ ما كان) ظهر (فيه من) التغيّر الدال على (الغمّ) من قول
عمر وهوى ما قال أبو بكر (فعفا عنهم) فلم يقتلهم (وقبل منهم الفداء) فلم يسترقهم ولم يضرب
عليهم جزية هذا، ولم يذكر عن عليّ جواب مع أنه أحد الثلاثة المستشارين؛ كما في مسلم،
لأنه لمّا رأى تغيّر المصطفى حين اختلف الشيخان عليه لم يجب، أو لم تظهر له مصلحة حتى
يذكرها، ولهذا لما ظهر لعبد الله بن رواحة الجواب، وأن النبيّ عَّله لم يرد تخصيص الثلاثة،
قال - كما رواه الترمذي والجماعة -: يا رسول اللَّه! أنظر واديًا كثير الحطب فأضرمه عليهم نارًا،
فقال العباس وهو يسمع ما يقول: قطعت رحمك.
وفي رواية: ثكلتك أُمّك، فدخل ◌َّه بيته فقال أناس: يأخذ بقول عمر، وأناس بقول أبو

٣٢٢
باب غزوة بدر الكبرى
قال: وأنزل الله تعالى ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب
عظيم، فكلوا مما غنتم حلالاً طيبًا﴾ الآية.
بكر، وأناس بقول ابن رواحة، ثم خرج فقال: ((إن اللَّه تعالى ليلين قلوب أقوام فيه حتى تكون
ألين من اللبن، وإن اللَّه ليشدد قلوب أقوام فيه حتى تكون أشدّ من الحجارة، مثلك يا أبا بكر في
الملائكة كمثل ميكائيل ينزل بالرحمة ومثلك في الأنبياء مثل إبراهيم، قال: ﴿فمن تبعني فإنه منّي
ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ [إبراهيم: ٣٦] الآية. ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى بن مريم، قال:
﴿إِن تعذّبهم فإنهم عبادك﴾ [المائدة: ١١٨] الآية. ومثلك يا عمر في الملائكة مثل جبريل ينزل
بالشدّة والبأس والنقمة على أعداء اللَّه، ومثلك في الأنبياء مثل نوح، إذ قال: ﴿ربّ لا تذر على
الأرض من الكافرين ديارًا﴾ [نوح: ٢٦] الآية، ومثلك في الأنبياء مثل موسى، إذ قال: ﴿ربّنا
اطمس على أموالهم﴾ [يونس: ٨٨] ... الآية، لو اتّفقتما ما خالفتكما أنتم عالة فلا يفلتن أحد
منهم إلا بفداء أو ضرب عنق، فقال عبد الله بن مسعود: يا رسول اللَّه! إلا سهيل بن بيضاء فإني
سمعته يذكر الإسلام، فسكت عَّه فما رأيتني في يوم أخاف أن تقع عليّ الحجارة من السماء
مني في ذلك اليوم حتى قال عَّهِ: ((إلا سهيل بن بيضاء))، (قال: وأنزل اللَّه تعالى ﴿لولا كتاب
من اللّه سبق) بإحلال الغنائم والأسرى لكم (لمسكم فيما أخذتم) من الفداء، (عذاب عظيم
فكلوا مما غنمتم حلالاً طيّبًا﴾) [الأنفال: ٦٨، ٦٩] (الآية،) يريد: واتّقوا اللَّه إن الله غفور رحيم،
وهذه رواية أحمد عن أنس، وفي روايته هو والترمذي والحاكم عن ابن مسعود، فنزل القرءان
بقول عمر: ﴿ما كان النبيّ أن يكون له أسرى﴾ [الأنفال: ٦٧] إلى آخر الآيات.
وفي رواية مسلم عن عمر فهوى رسول اللَّه عَّ ما هوى أبو بكر ولم يهو، ما قلت: فلمًا
كان من الغد غدوت إلى رسول اللَّه عَِّ، فإذا هو وأبو بكر يبكيان، فقلت: يا رسول اللَّه! أخبرني
ماذا يبكيك أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت لبكائكما، فقال عَّ له: ((أبكي
للذي عرض على أصحابك من الفداء، لقد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة)) لشجرة
قريبة منه عَّه، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿ما كان النبيّ أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾
[الأنفال: ٦٧] إلى قوله: ﴿عظيم﴾ [الأنفال: ٦٨] الآية. وفي رواية: إن كاد ليمسّنا في خلاف
ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل العذاب ما أفلت منه إلا ابن الخطاب، زاد في رواية:
وسعد بن معاذ، أي: لأنه كره يوم الوقعة والأسر وأحب الإثخان، كما مرّ. ولم يقل وابن رواحة؟
لأنه أشار بإضرام النار وليس بشرع، وهذه من جملة موافقات عمر المنتهية إلى نحو الثلاثين،
وتحدث عمر ببعضها من باب وأما بنعمة ربّك فحدّث، فقال كما في الصحيح: وافقت ربّي في
ثلاث: في الحجاب، ومقام إبراهيم، وفي أسارى بدر، واستشكل هذا كلّه بأنه وافق رأي

٣٢٣
باب غزوة بدر الکبری
ويأتي الكلام عليها في النوع العاشر في إزالة الشبهات من الآيات المشكلات من
المقصد السادس إن شاء الله تعالى.
وأخرج ابن إسحق من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه عَ لِّ قال: يا
عباس، افد نفسك وابني أخيك، عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث، وحليفك
عتبة بن عمرو. قال إني كنت مسلمًا ولكن القوم استكرهوني. قال: الله أعلم بما
تقول، إن يكن ما تقول حقًا فإن الله يجزيك، ولكن ظاهر أمرك أنك كنت علينا.
وذكر موسى بن عقبة أن فداءهم
المصطفى ولا أجل منه ولا أسد من رأيه.
(ويأتي الكلام عليها في النوع العاشر في إزالة الشبهات عن الآيات المشكلات من
المقصد السادس إن شاء اللَّه تعالى) في نحو ورقة بما يشفي ويكفي. وفي فتح الباري هنا
اختلف السلف، في أي الرأيين كان أصوب، فقال بعضهم: كان رأي أبي بكر؛ لأنه وافق ما قدر
اللَّه في نفس الأمر ولدخول كثير منهم في الإسلام، إما بنفسه وإما بذريته التي ولدت له بعد
الواقعة، ولأنه وافق غلبة الرحمة على الغضب؛ كما ثبت ذلك عن اللَّه تعالى في حق من كتب
له، الرحمة، وأمَّا من رجّح الرأي الآخر فتمسّك بما وقع من العتاب على أخذ الفداء وهو ظاهر،
لكن الجواب عنه أنه لا يدفع حجّة الرجحان عن الأوّل بل ورد للإشارة إلى ذمّ من آثر شيئًا من
الدنيا على الآخرة، ولو قل قال.
وروى الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم بإسناد صحيح عن عليّ، قال: جاء جبريل
إلى النبيّ عَّه يوم بدر، فقال: خير أصحابك في الأسرى إن شاؤوا القتل، وإن شاؤوا الفداء على
أن يقتل منهم عامًا مقبلاً مثلهم، قالوا: الفداء ويقتل منّا، انتهى. ورواه ابن سعد من مرسل عبيدة،
وفيه فقالوا: بل نفاديهم فنقوى به عليهم ويدخل قابلاً منّا الجنَّة سبعون ففادوهم.
(وأخرج ابن إسحق من حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه عَّ، قال) هذا من مراسيل
الصحابة؛ لأن ابن عباس لم يشهد ذلك بل كان صغيرًا مع أَمّه بمكّة فكأنّه حمله عن أبيه أو
غيره، (يا عباس افدٍ) بفتح الهمزة وكسرها (نفسك وابني أخيك عقيل) بفتح العين وكسر القاف
(ابن أبي طالب ونوفل بن الحرث) أكبر ولد عبد المطّلب، (وحليفك عتبة بن عمر، وقال: إني
كنت مسلمًا ولكن القوم استكرهوني) بسين للتأكيد أو زائدة، (قال اللَّه اعلم بما تقول إن يكن
ما تقول حقًّا فإن اللَّه يجزيك) الثواب الأخروي والدنيوي، (ولكن ظاهر أمرك أنك كنت علينا)
وشريعتنا العمل بالظاهر لا بما في نفس الأمر، وفيه ردّ على من قال: لو كان مسلمًا ما أسروه ولا
أخذوا منه الفداء، (وذكر موسى بن عقبة أن فداءهم) أي: الأسرى لا العباس ومن ذكر معه، فلا

٣٢٤
باب غزوة بدر الكبرى
كان أربعين أوقية ذهبًا.
وعند أبي نعيم في الدلائل بإسناد حسن من حديث ابن عباس أنه جعل
على العباس مائة أوقية وعلى عقيل ثمانين، فقال له العباس: أللقرابة صنعت هذا؟
فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم﴾
[الأنفال/٧٠] الآية. فقال العباس: وددت لو كنت أخذت مني أضعافها لقوله
تعالى: ﴿يؤتكم خيرًا مما أخذ منكم﴾ [الأنفال: ٧٠].
ينافي ما بعده، أي: كل واحد منهم (كان أربعين أوقية ذهبًا) وقال قتادة: كان فداء كل أسير
أربعة آلاف. وفي العيون: كان الفداء من أربعة آلاف إلى ثلاثة آلاف إلى ألفين إلى ألف درهم،
وعارضه في النور بما في أبي داود والنسائي عن ابن عباس: أنه عَّةٍ جعل فداءهم يوم بدر
أربعمائة، قال: فبينهما تفاوت کبیر، انتهى.
وروى ابن سعد من مرسل الشعبي، قال: كان عَِّ يفاديهم على قدر أموالهم، وكان أهل
مكّة يكتبون وأهل المدينة لا يكتبون، فمن لم يكن عنده فداء دفع إليه عشرة غلمان من غلمان
المدينة يعلّمهم فإذا حذقوا فهو فداؤه، وهذا يمكن أن يجمع به بين الأقوال، ومن ثم قال في
الشاميّة: ومنهم من عليه؛ لأنه لا مال له.
(وعند أبي نعيم في الدلائل بإسناد حسن من حديث ابن عباس، أنّه) قال: كان فداء
الرجل أربعين أوقية، هذا أسقطه المصنّف من الدلائل. والأوقيّة أربعون درهمًا فمجموع ذلك ألف
وستمائة درهم، قال: و(جعل على العباس مائة أوقية، وعلى عقيل ثمانين أوقية) وبما أسقطه من
الدلائل، أو كأنه اكتفى بما قبله عن موسى وإن كان لا يليق لأنه دليله، أو عمَّ يتّضح قوله: (فقال
له) عَِّ (العباس: أللقرابة صنعت هذا؟) يعاتبه، إذ مقضتى القرابة التخفيف، وقد شدّدت
وأخذت منا أزيد مما أخذ من غيرنا، وإنما فعل النبيّ عَّهِ ذلك لثروة العباس حتى لا يكون في
الدين محاباة، وقد كان يفاديهم على قدر أموالهم. وقيل: جعل عليه أربعمائة أوقية. وقيل: أربعين
أوقية من ذهب، (فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يا أيّها النبيّ قل لمن في أيديكم من الأسرى﴾)
[الأنفال: ٧٠] (الآية،) هذا يفيد أن سبب النزول خاص واللفظ عام، لكن في الشامية: قال جماعة
له عَِّ منهم العباس: إنّا كنا مسلمين وإنما خرجنا كرهًا، فعلام يؤخذ منّا الفداء، فأنزل الله: ﴿يا
أيها النبيّ﴾ [الأنفال: ٧٠] الآية، (فقال العباس: وددت لو كنت أخذت مني أضعافها؛ لقوله
تعالى:) ﴿إِن يعلم الله في قلوبكم خيرًا﴾ [الأنفال: ٧٠]، أي: إيمانًا وإخلاصًا (﴿يؤتكم خيرًا
مما أُخذ منكم)) [الأنفال: ٧٠] من الفداء بأن يضعفه لكم في الدنيا ويثيبكم في الآخرة، زاد
في رواية: فقد آتاني اللَّه خيرًا منها مائة عبد. وفي لفظ: أربعين عبدًا كل عبد في يده مال يضرب

٣٢٥
باب غزوة بدر الکبری
وكان قد استشهد يوم بدر من المسلمين أربعة عشر رجلاً: ستة من
المهاجرین،
به، أي: يتّجر فيه، وإني لأرجو من اللَّه المغفرة، أي: لقوله تعالى: ﴿ويغفر لكم واللَّه غفور
رحيم﴾ [الأنفال: ٧٠] الآية. وروى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس، قال: قال العباس: فيّ
واللَّه نزلت حين أخبرت رسول اللَّه عَّه بإسلامي وسألته أن يحاسبني بالعشرين أُوقية التي وجدت
معي، فأعطاني اللَّه بها عشرين عبدًا كلّهم تاجر بمالي في يده مع ما أرجو من مغفرة اللَّه.
وفي الصحيح عن أنس: أتى النبيّ عَّه بال من البحرين، فقال: ((أنثروه في المسجد)،
وكان أكثر مال أتى به، فخرج إلى الصلاة ولم يتلفت إليه، فلما قضى الصلاة جلس إليه فما
كان يرى أحدًا إلا أعطاه إذ جاءه العباس، فقال: أعطني فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلاً، فقال
له: ((خذ)، فحثا في ثوبه ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال: يا رسول اللَّه، مر بعضهم يرفعه إليْ،
قال: ((لا))، قال: فارفعه أنت عليَّ، قال: ((لا))، فنثر منه ثم احتمله فألقاه على كاهله ثم انطلق وهو
يقول: إنما أخذت ما وعد الله فقد أنجز، فما زال عَ لٍ يتبعه بصره حتى خفى علينا عجبًا من
حرصه، فما قام عَِّ وثمّ منها درهم.
وعند ابن أبي شيبة: أن المال كان مائة ألف، وهذا كله صريح في أنه لم يفدٍ إلا نفسه
وعقيلاً، قيل وفدى نوفلاً لقوله عَّهِ: ((فادِ نفسك وابني أخيك نوفلاً وعقيلاً))، ولما أسلم نوفل
آخى بينه وبين العباس، ذكره ابن إسحق. وقيل: بل فدى نوفل نفسه، فقد روى ابن سعد أنه معد له
قال لنوفل: (أفد نفسك))، قال: ليس لي مال أفتدي به، فقال: ((أفد نفسك بأرماحك التي بجدّة)،
قال: والله ما علم أحد أن لي بجدّة رماحًا غير اللَّه، أشهد أنّك رسول اللَّه، وفدى نفسه بها
وكانت ألف رمح. ويمكن الجمع بأنه أمر العباس قبل أن يعلم أن لنوفل مالاً فلما أعلمه اللَّه
بذلك أمر نوفلا بفداء نفسه ويؤيد ذلك قول العباس في الصحيح: فاديت نفسي وعقيلاً ولم
يذكر نوفلاً، وصدر السهيلي بأن نوفلاً أسلم عام الخندق، وهاجر ومات بالمدينة سنة خمس
عشرة وصلّى عليه عمر.
(وكان قد استشهد يوم بدر من المسلمين أربعة عشر رجلاً،) قيل: وأسهم لهم عَ لِ (ستّة
من المهاجرين) عبيدة بن الحرث المطلبي قطعت رجله في المبارزة، فمات بالصفراء فدفنه عَـ
بها، وقيل: مات بالروحاء. ومهجع بكسر الميم وإسكان الهاء وفتح الجيم وعين مهملة، مولى
عمر. قال ابن إسحق: وابن سعد كان أوّل قتيل من المسلمين وأوّل من جرح، قتله عامر بن
الحضرمي بسهم أرسله إليه، وقال عَّةٍ يومئذ: ((مهجع سيّد الشهداء)). وروى الحاكم عن واثله
رفعه: ((خير السودان لقمان وبلال ومهجع))، قاله البرهان. ونقل بعض مشايخي أنه أوّل من يدعى

٣٢٦
باب غزوة بدر الکبری
وثمانية من الأنصار، ستة من الخزرج،
من شهداء هذه الأُمّة. وعمير بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص الزهدي ذكر الواقدي أنه
عَّهِ رده لأنه استصغره فبكى عمير، فلما رأى بكائه أذن له في الخروج فقتل وهو ابن ستّ
عشرة سنة، قتله العاصي بن سعيد، قاله السهيلي.
وفي الإصابة: يقال قتله عمرو بن عبدود العامري، وعاقل - بعين وقاف - ابن البكير
بالتصغير الليثيي. وصفوان بن بيضاء الفهري قتله طعيمة بن عدي، ذكره ابن إسحق وابن عقبة
وابن سعد وأبو حاتم، وجزم ابن حبان بأنه مات سنة ثلاثين، والواقدي وتبعه أبو أحمد والحاكم
بأنه مات سنة ثمان وثلاثين، وقيل: مات في طاعون عمواس، ذكره في الإصابة.
وذو الشمالين عمير، وقيل: الحرث، ويقال: عمرو بن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي وكان
أعسر، وقيل: اسمه خلف بن أمية وهو غير ذي اليدين، فإن اسمه الخرباق؛ كما في مسلم ابن
عمرو السلمي. قال العلماء: وهم الإمام ابن شهاب على جلالته، وتبعه ابن السمعاني، فقال:
إنهما واحد، وخالفه غيره وجعلوهما اثنين، فإن ذا اليدين عاش بعد النبيّ عَ ◌ّة، وقد روى أبو
هريرة أنه الذي نبّه على السهو، وأبو هريرة إنما أسلم عام خيبر وذو الشمالين استشهد ببدر، نعم
ذكر البرهان عن بعض الحفاظ أن ذا اليدين كان يقال له أيضًا ذو الشمالين، وأنه ليس هذا
المستشهد ببدر.
(وثمانية من الأنصار، ستّة من الخزرج) عوف بن عفراء، ذكر ابن إسحق أنه قال:
يا رسول اللَّه! ما يضحك الربّ من عبده؟ قال: ((غمسه يده في القوم حاسرًا فنزع درعًا عليه
فقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل)). وشقيقه معوّذ، قال في الفتح: بشدّ الواو وبفتحها
على الأشهر، وجزم الوقشي بالكسر، انتهى. قال ابن الأثير: وزعم ابن الكلبي أن شقيقهما معاذًا
استشهد ببدر أيضًا لم يوافق عليه.
وحارثة بن سراقة بحاء مهملة ومثلثة وكان في النظارة، أي: الذين لم يخرجوا لقتال فجاءه
سهم غرب فوقع في نحره فقتله، فجاءت أَمُّه الربيع - بضمّ الراء وفتح الموحدة وشدّ التحتية -
فقالت: يا رسول اللَّه! قد علمت مكان لحرثة مني، فإن يكن في الجنَّة أصبر وأحتسب، وإلا
فسترى ما أصنع !! فقال: ((إنها ليست بجنّة واحدة، ولكنّها جنان كثيرة وإنه في جنة الفردوس»؛
كما في الصحيح، وقتله - كما في العيون -: حبان بكسر المهملة وشدّ الموحدة، ابن العرقة
بفتح المهملة وكسر الراء. ونقل الواقدي فتحها وفتح القاف فتاء تأنيث وهي أُمّه، وأبوه قيس.
قال ابن إسحق: وهو أول قتيل بعد مهجع، والروايات الصحيحة في البخاري وأحمد والترمذي
والنسائي وغيرهم أن لحرثة هذا قتل في بدر، ولم يختلف في ذلك أهل المغازي، وما في بعض

٣٢٧
باب غزوة بدر الکبری
واثنان من الأوس.
الروايات أنه قتل في أحد وإن اعتمده ابن منده أنكره أبو نعيم؛ كما أوضح ذلك في الإصابة.
ويزيد بن الحرث بن قيس بن ملك، ورافع بن المعلّی قتله عكرمة بن أبي جهل. وعمير بن
الحمام، بضم المهملة وخفة الميم، ابن الجموح، ذكر ابن إسحق أنه عَّهُ خرج على الناس
فحرّضهم، فقال: ((والذي نفس محمّد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلاً غير
مدبر إلا أدخله اللَّه الجنَّة)، فقالَ عمير بن الحمام، وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ، أنما بيني
وبين أن أدخل الجنَّة إلا أن يقتلني هؤلاء، ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى
قتل، وهو يقول:
ركضًا إلى اللَّه بغير زاد إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في اللَّه على الجهاد وكل زاد عرضة النفاد
غير التقى والبرّ والرّشاد
وقتله خالد بن الأعلم العلقمي. وروى مسلم عن أنس: أنه عَّه قال: ((قوموا إلى الجنَّة
عرضها السموات والأرض))، فقال عمير بن الحمام: يا رسول اللَّه! جنة عرضها السموات والأرض؟
قال: ((نعم)، قال: بخ بخ، فقال عَّه: (ما يحملك على قولك بخ بخ))؟ قال: لا والله يا رسول الله
إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: ((فإنك من أهلها))، فأخرج تمرات فجعل يأكل منهن، ثم قال:
لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى
قتل. قال ابن عقبة وهو أول قتيل قتل يومئذ، ومرّ قول ابن إسحق وابن سعد: أوّلهم مهجع،
وجمع في النور بأنه أوّل قتيل بسهم وعمير بغيره، أو من المهاجرين وعمير من الأنصار، ولا
يعارضه ما حكاه ابن سعد: أوّل قتيل من الأنصار حارثة بن سراقة؛ لأنه أوّل قتيل من الفتيان،
انتهى. وهو ظاهر لكن لا يعلم منه أوّل قتيل على الإطلاق.
(واثنان من الأوس) سعد بن خيثمة أحد النقباء بالعقبة الصحابي ابن الصحابي، الشهيد ابن
الشهيد، قيل: قتله طعمية بن عدي، وقيل: عمرو بن عبدود، واستشهد أبوه يوم أحد، ومبشر بن
عبد المنذر، وقيل: إنما قتل بأحد. قال السمهودي في الوفاء: يظهر من كلام أهل السيّر أنهم دفنوا
ببدر ما عدا عبيدة لتأخّر وفاته، فدفن بالصفراء أو الروحاء، انتهى. وروى الطبراني برجال ثقات
عن ابن مسعود، قال: إن الذين قتلوا من أصحاب رسول اللَّه عَظله يوم بدر جعل الله أرواحهم في
الجنَّة في طير خضر تسرح في الجنَّة، فبينما هم كذلك إذ اطلع عليهم ربّهم اطلاعة، فقال:
يا عبادي ماذا تشتهون؟ فقالوا: يا ربّنا هل فوق هذا من شىء؟ قال: فيقول: ماذا تشتهون؟ فيقولون
في الرابعة: تردّ أرواحنا في أجسادنا فنقتل كما قتلنا، موقوف لفظًا مرفوع حكمًا؛ لأنه لا مدخل

٣٢٨
باب غزوة بدر الكبرى
تنبيه: لا يقدح في وعد الله تعالى أن استشهد هؤلاء الصحابة رضي الله
عنهم، وإنما هذا الوعد كقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ إلى قوله:
﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة/٢٩]، فقد نجز الموعود
وغلبوا كما وعدوا، فكان وعد الله مفعولاً ونصره للمؤمنين ناجزًا والحمد لله.
وقتل من المشركين سبعون، وأسر سبعون،
للرأي فيه، والله أعلم.
تنبيه
(لا يقدح في وعد الله تعالى) للمسلمين بالظفر بقوله سبحانه: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى
الطائفتين﴾ [الأنفال: ٧] الآية، (إن استشهد هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم) لأنه وعدهم بالظفر
بقريش وقد فعل ولم يعدهم أنه لا يقتل أحد منهم، فلا ينافي قتل هؤلاء، (إنما هذا الوعد؛ كقوله
تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ [التوبة ٢٩]) الآية، إلى قوله ﴿حتى
يعطوا الجزية عن يد﴾ [التوبة: ٢٩]») حال، أي: منقادين أو بأيديهم لا يوكلون بها ﴿هم
صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩] الآية، أذلاء منقدون لحكم الإسلام، ووجه التشبيه أن هذه الآية دلّت
على أمرهم بالقتال حتى يتمكنوا من عدوّهم بإذلالهم وأخذ الجزية إن لم يؤمنوا، وآية ﴿وإذ
يعدكم اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧] الآية، تدلّ على الظفر بالأعداء من غير دلالة على عدم قتل أحد منهم،
(فقد نجز الموعود) به (وغلبوا) بالبناء للفاعل (كما وعدوا) بالبناء للمفعول (فكان وعد الله
مفعولاً،) أي: موعوده، (ونصره للمؤمنين ناجزًا والحمد للَّه وقتل من المشركين سبعون وأسر
سبعون) كما في حديث البراء عند البخاري وابن عباس، وعمر عند مسلم ووافقهم آخرون وبه
جزم ابن هشام ونقله عن أبي عمر، وقال ابن كثير: وهو المشهور.
قال الحافظ: وهو الحق وأن أطبق أهل السير على إن القتلى خمسون قتيلاً يريدون قليلاً
أو ينقصون وأطلق كثير من أهل المغازي أنهم بضعة وأربعون، وسرد ابن إسحق أسماءهم فبلغوا
خمسين.
وزاد الواقدي ثلاثة أو أربعة، وسردهم ابن هشام فزادوا على الستين لكن لا يلزم من معرفة
أسماء من قتل على التعيين أن يكونوا جميع من قتل، وقد قال الله تعالى: ﴿أو لما أصابتكم
مصيبة قد أصبتم مثليها﴾ [آل عمران: ١٦٥] الآية. اتّفق علماء التفسير على أن المخاطب بذلك
أهل أُحد، وإن المراد بإصابتهم مثليها يوم بدر، وبذلك جزم ابن هشام واستدلّ له بقول كعب بن
ملك من قصيدة:

٣٢٩
باب غزوة بدر الکبری
وكان من أفضلهم العباس بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب،
فأقام بالعطن المعطن منهم سبعون عتبة منهم والأسود
يعني عتبة بن ربيعة ومرّ من قتله، والأسود بن عبد الأسد المخزومي قتله
حمزة، انتھی.
وفي البخاري عن جبير بن مطعم: أنه عَّ قال في أسارى بدر: ((لو كان المطعم بن عدي
حيًّا ثم كلّمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له))، والنتنى بنون وفوقية كزمنى جمع نتن سمّاهم بذلك
لكفرهم؛ كما في النهاية وغيرها، وبه جزم الحافظ. وقول المصنّف: المراد قتلى بدر الذي
صاروا جيفًا يردّه قول الحديث في أسارى بدر، قال الحافظ: أي لتركتهم له بغير فداء. وبيّ ابن
شاهين من وجه آخر أن سبب ذلك اليد التي كانت له عند النبيّ عَ له حين رجع من الطائف
ودخل في جواره، وقيل: اليد انه كان من أشدّ القائمين في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش
على بني هاشم والمسلمين لما حصروهم في الشعب.
وروى الطبراني عن جبير بن مطعم، قال: قال المطعم بن عدي لقريش: إنكم قد فعلتم
بمحمّد ما فعلتم فكونوا أكفّ الناس عنه، وذلك بعد الهجرة؛ ثم مات المطعم قبل وقعة بدر وله
بضع وتسعون سنة. وذكر الفاكهي بإسناد مرسل أن حسان بن ثابت رثاه لما مات مجازاة له على
ما صنع مع النبيّ ◌َة، انتهى. ونقل ابن إسحق رثاء حسّان، وهو:
عيني ألا أبكي سيّد الناس واسفحي بدمع وإن أنزفته فاسكبي الدّما
على الناس معروفًا له ما تكلّما
من الناس أبقى مجده اليوم مطعما
عبيدك ما لبّى مهل وأحرما
وقحطان أو باقي بقية جرهما
وذمّته يومًا إذا ما تذمّما
وبكى عظيم المشعرين كليهما
فلو كان مجد يخلد الدهر واحدًا
أجرت رسول اللَّه منهم فأصبحوا
لو سئلت عنه معد بأسرها
لقالوا هو الموفي بخفرة جاره
فما تطلع الشمس المنيرة فوقهم على مثله فيهم أعزّ وأعظما
وأنأى إذا يأبى وألين شيمة
وأنوم عن جار إذا الليل أظلما
ورثاء حسان رضي اللّه عنه له وهو كافر لأنه تعداد المحاسن بعد الموت، ولا ريب في
أن فعله مع المصطفى من أقوى المحاسن، فلا ضير في ذكره به، وقد كفن المصطفى
عبد الله بن أبي المنافق بثوبه مجازاة له على إلباس العباس قميصه يوم بدر، لمَّا كان في
الأسارى.
(وكان من أفضلهم العباس بن عبد المطّلب، وعقيل بن أبي طالب) أسره عبيد بن أوس

٣٣٠
باب غزوة بدر الكبرى
ونوفل بن الحرث بن عبد المطلب، وكل أسلم.
وكان العباس - فيما قاله أهل العلم بالتاريخ - قد أسلم قديمًا، وكان يكتم
إسلامة، وخرج مع المشركين يوم بدر فقال النبي ◌َّله: من لقي العباس فلا يقتله،
فإنه خرج مستكرهًا،
الذي يقال له مقرن؛ لأنه قرن أربعة أسرى يوم بدر، قاله ابن هشام. وأسلم قبل الحديبية، ويقال:
عام الحديبية، (ونوفل بن الحرث بن عبد المطلب) أسلم عام الخندق وهاجر، ويقال: بل أسلم
حين أسر، قاله السهيلي. (وكل أسلم) رضي اللَّه عنهم وهؤلاء من بني هاشم، وممن أسلم من
الأسرى من سائر قريش: أبو العاصي بن الربيع زوج السيدة زينب ابنة النبيّ معَّه، أسلم قبيل الفتح
وأثنى عليه المصطفى في مصاهرته وردّ عليه زينب. وأبو عزيز بفتح العين وكسر الزاي الأولى
وإسكان التحتية، واسمه زرارة بن عمير أخو مصعب أسلم يوم بدر وله صحبة وسماع من
النبيّ عَّه، وقول الزبير بن بكّار: قتل كافرًا يوم أحد، ردّه ابن عبد البرّ بأن ابن إسحق عدّ من قتل
من الكفّار من بني عبد الدار أحد عشر رجلاً ليس فيهم أبو عزيز، وإنما فيهم يزيد بن عمير.
وقال السهيلي: غلط الزپير فلا يصح هذا عند أحد من أهل الأخبار. وقد روى عنه نبيه بن
وهب وغيره، ولعلّ المقتول بأحد كافرًا أخ لهم غيره، انتهى. وقد علم من كلام أبي عمر أنه
يزيد بن عمير فتوهم الزبير أنه اسم أبي عزيز فغلط، وإنما اسمه زرارة.
وقد روى الطبراني في الكبير عنه، قال: كنت في الأسارى يوم بدر، فقال عَّهِ: ((استوصوا
بالأسارى خيرًا)). قال الحافظ الهيثمي: إسناده حسن، والسائب بن عبيد أسلم يوم بدر بعد أن
أسرى وفدى نفسه، نقله الذهبي عن أبي الطيّب الطبري. وعدي بن الخيار، والسائب بن أبي
حبيش، وأبو وداعة السهمي، وسهيل بن عمرو العامري أسلموا في فتح مكّة، وخالد بن هشام
المخزومي، وعبد اللَّه بن السائب، والمطّلب بن حنطب، وعبد الله بن أبي بن خلف أسلم يوم
الفتح وقتل يوم الجمل، قاله أبو عمر. وعبد بنٍ زمعة أخو سودة، ووهيب بن عمير الجمحي،
وقيس بن السائب المخزومي، ونسطائس مولى أميّة بن خلف، ذكره السهيلي وقال: أسلم بعد
أحد، والوليد بن الوليد أسره عبد الله بن جحش فافتكوه وذهبوا به مكّة فأسلم فحبسوه بها،
فكان عَّ يدعو له في القنوت فنجا وهاجر إلى المدينة فمات بها في الحياة النبويّة.
(وكان العباس فيما قاله أهل العلم بالتاريخ قد أسلم قديمًا، وكان يكتم إسلامه) قال ابن
عبدالبرّ: وذلك بيّ في حديث الحجاج بن علاط، أن العباس كان مسلمًا يسرّه ما يفتح اللَّه على
المسلمين، ثم أظهر إسلامه يوم الفتح. (وخرج مع المشركين يوم بدر، فقال النبيّ عَّة: ((من
لقى العباس فلا يقتله فإنه خرج مستكرهًا))،) ولا ينافيه قوله عليه السلام له: ((ظاهر أمرك أنك كنت

٣٣١
باب غزوة بدر الكبرى
ففادى نفسه ورجع إلى مكة.
وقيل أنه أسلم يوم بدر، فاستقبل النبي عَّه يوم فتح مكة بالأبواء، وكان
معه حين فتح مكة، وبه ختمت الهجرة.
وقيل أسلم يوم فتح خيبر.
وقيل كان يكتم إسلامه وأظهره يوم فتح مكة، وكان إسلامه قبل بدر، وكان
يكتب بأخبار المشركين إلى النبي عَّه، وكان يحب القدوم على رسول الله عليه،
فكتب إليه عليه الصلاة والسلام: إن مقامك بمكة خير لك.
وقيل إن سبب إسلامه، أنه خرج لبدر بعشرين أوقية من ذهب ليطعم بها
المشركين، فأخذت منه في الحرب، فكلم النبي عَِّ أن يحسب العشرين أوقية
من فدائه، فأبى وقال: أما شيء خرجت تستعين به.
علينا)؛ لأن كونه عليهم في الظاهر لا ينافي أنه مكره في الباطن. (ففادى نفسه ورجع إلى مكّة)
فأقام بها علی سقایته والمصطفی عنه راضٍ، (وقيل: أنه أسلم يوم بدر) ولکنه کتمه حتى تمكّن
من إظهاره، (فاستقبل النبيّ عَظُّه يوم فتح مكّة بالأبواء) وأظهر إسلامه (وكان معه حين فتح مكّة)
فشهده وحنينا والطائف وثبت يوم حنين، (وبه ختمت الهجرة) كما قال عليه السّلام. (وقيل:
أسلم يوم خيبر) قبل فتحها؛ كما حكاه أبو عمر. (وقيل: كان يكتم إسلامه وأظهره يوم فتح
مكّة وكان إسلامه قبل بدر) وهذا حاصل القول الأوّل.
(وكان يكتب بأخبار المشركين إلى رسول اللَّه عَ لَه، وكان يحبّ القدوم على
رسول الله ێے) يؤدّه لإسلامه باطنًا وعدم تمگّنه من إظهاره، قال مولاه أبو رافع: لأنه كان يهاب
قومه ويكره خلافهم، وكان ذا مال، رواه ابن إسحق. (فكتب إليه عليه الصّلاة والسّلام: ((إن
مقامك بمكّة خير لك)،) لما علمه من ضياع عياله وأمواله لو تركهم وهاجر، ولأنه كان عونًا
للمسلمين المستضعفين بمكّة. (وقيل: إن سبب إسلامه أنه خرج لبدر بعشرين أوقية من ذهب
ليطعم بها المشركين؛) لأنه كان من الأغنياء المشهورين بالكرم، وكانوا يذبحون لهم الجزائر فلو
لم يفعل لعيب عليه ونسب للبخل، ولذا نحر لهم؛ كما مرّ، فلا ينافي هذا أن خروجه مكرهًا ولا
يصح هنا أن يقال لا ينافي ذلك إسلامه باطنًا؛ لأن صاحب هذا القول لا يقول به إذ هو قائل بأنه
إنما أسلم يوم بدر، وأن ذلك سبب إسلامه. (فأخذت منه في الحرب فكلّم النبيّ عَّ أن
يحسب) بضمّ السين: يعدّ (العشرين أُوقية من فدائه فأبى، وقال: ((أما شىء خرجت تستعين به

٣٣٢
باب غزوة بدر الکبری
علينا فلا نتركه لك، فقال العباس تركتني أتكفف قريشًا، فقال له عليه السلام:
فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة، فقال العباس: وما
يدريك؟ قال: أخبرني ربي، فقال: أشهد أنك صادق، فإن هذا لم يطلع عليه إلا
الله، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله.
ولما فرغ عَّلِّ من بدر في آخر رمضان وأول يوم من شوال، بعث زيد بن
حارثة بشيرًا فوصل المدينة ضحى، وقد نفضوا أيديهم من تراب رقية بنت
النبي عليه، وهذا هو
علينا) ظاهرًا وإن كرهته باطنًا، (فلا نتركه لك، فقال العباس: تتركني أتكفّف قريشًا) أمد كفّي
إليهم بالمسألة أو آخذ الشىء منهم بكفي؛ كما في المصباح.
وفي رواية: تتركني فقير قريش ما بقيت، (فقال له عليه السّلام: ((فأين الذهب) استفهام
إنكاري (الذي دفعته إلى أُمّ الفضل) لبابة الكبرى زوجه رضي اللَّه عنهما، (وقت خروجك من
مكّة)؟ فقال العباس: وما يدريك؟ قال: ((أخبرني ربّي))، فقال: أشهد أنك صادق، فإن هذا لم
يطّلع عليه إلا اللَّه، وأنا أشهد أن لا إله إلاَّ اللَّه وأنك عبده ورسوله)،) وهذا القول كالشرح للقول
الثاني في كلامه.
وفي رواية: فنزل في العباس: ﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم﴾ [الأنفال: ٧٠] الآية،
قال العباس: فأبدلني اللَّه عشرين عبدًا كلّهم تاجر يضرب بمال كثير أدناهم يضرب بعشرين ألف
درهم مكان العشرين أوقية، وأعطاني زمزم وما أحبّ أن لي بها، أي: بدلها جميع أموال أهل
مكّة، وأنا أنتظر المغفرة من ربّي.
(ولمَّا فرغ ◌ٍَّ من) جميع أمر (بدر في آخر) يوم من (رمضان، وأوّل يوم من شوّال) قاله
ابن إسحق: وقد كان القتال يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان على أرجح الأقوال
المتقدّمة، وقول المقريزي في إمتاع الأسماع: أنه عَّهِ دخل المدينة يوم الأربعاء الثاني والعشرين
من رمضان مبنيّ على أن الخروج منها كان لثلاث مضين من رمضان، (بعث زيد بن حارثة) حبّه
ومولاه (بشيرًا) بما فتح اللَّه عليه إلى أهل المسافلة وبعث عيد اللّه بن رواحة بشيرًا إلى أهل
العالية، قاله ابن إسحق وغيره. (فوصل المدينة) يوم الأحد (ضحى وقد نفضوا أيديهم من تراب
رقية) بضم الراء وفتح القاف وشدّ التحتية (بنت النبيّ عَد) بعد دفنها بالبقيع، وهي ابنة عشرين
سنة. وروى ابن المبارك عن يونس عن الزهري: أنها كانت قد أصابها الحصبة، قال ابن إسحق:
ويقال أن ابنها عبد اللَّه بن عثمن مات بعدها سنة أربع من الهجرة وله ستّ سنين، (وهذا هو

٣٣٣
باب غزوة بدر الكبرى
الصحيح في وفاة رقية.
وقد روي أنه عَّلٍ شهد دفن بنته رقية، فقعد على قبرها ودمعت عيناه،
وقال: أيكم لم يقارف الليلة فقال أبو طلحة أنا، فأمره أن ينزلها قبرها.
وأنكر البخاري هذه الرواية، وخرج الحديث في الصحيح فقال فيه: عن
أنس: شهدنا دفن بنت النبي عَّ. وذكر الحديث ولم يسم رقية ولا غيرها.
وذكر الطبري أنها أم كلثوم فحصل في حديث الطبري التبيين. ومن قال:
كانت رقية فقد وهم.
الصحيح في وفاة رقية) كما قاله السهيلي وغيره.
(وقد روي) عند البخاري في التاريخ الأوسط، والحاكم في المستدرك من طريق حماد بن
سلمة عن ثابت عن أنس (أنه عَِّ شهد دفن بنته رقية فقعد على قبرها ودمعت عيناه، وقال:
(أيكم لم يقارف))) بقاف وفاء، يجامع (الليلة) أهله))؟؛ كما صرح به في رواية وقول فليح بن
سليمن يعني الذنب خطأ؛ لأن النبي عَّ كان أولى بهذا، قاله السهيلي (فقال أبو طلحة؟
زيد بن سهل الأنصاري (أنا فأمره أن ينزلها قبرها) زاد في رواية: فقبرها، ففيه إيثار بعيد العهد
بالملاذ بمواراة الميّت ولو امرأة على الزوج، وعلّل بأنه حينئذ يأمن أن يذكره الشيطان ما كان منه
تلك الليلة، (وأنكر البخاري هذه الرواية) في تاريخه، فقال: ما أدري ما هذا فإن رقية ماتت
والنبيّ عَلِّ ببدر لم يشهدها، وهو وهم. قال الحافظ بن حماد في تسميتها فقط، (وخرج
الحديث في الصحيح فقال فيه عن أنس: شهدنا دفن بنت النبيّ عَّةٍ ... وذكر الحديث،)
وهو: وجلس رسول اللَّه عَ له على القبر وعيناه تدمعان، وقال: ((هل فيكم من أحد لم يقارف
الليلة)؟ فقال أبو طلحة: أنا، فقال: ((أنزل قبرها)) فنزل (ولم يسمّ رقية ولا غيرها. وذكر) أي:
روى محمّد بن جرير (الطبري) والطحاوي والواقدي وابن سعد والدولابي (أنها) أي: البنت التي
شهد ◌َّ دفنها (أمّ كلثوم فحصل في حديث الطبري) والجماعة (التبيين و) إن (من قال كانت
رقية فقد وهم،) بكسر الهاء غلط بلا شكّ، ووقع في مقدمة الفتح أن ابن بشكوال صحح أنها
زینب، انتهى. لكنه لا يعادل رواية الجماعة.
وفي التاريخ والمستدرك: أنه عَّهِ قال: ((لا يدخل القبر أحد قارف أهله البارحة))، فتنحّى
عثمن. حكى ابن حبيب أنه جامع بعض جواريه تلك الليلة، قال ابن بطال: أحرم عَّةِ عثمن
إنزالها في قبرها وكان أحق الناس لأنه بعلها لأنه لم يشغله الحزن بالمصيبة التي فقد فيها ما لا
عوض لها منه وانقطاع صهره من النبيّ عَّه عن المقورفة، ولم يقل له شيئًا؛ لأنه فعل حلالاً، غير

٣٣٤
باب غزوة بدر الکبری
وكان عثلمن رضي الله عنه قد تخلف لأجل رقية زوجته فضرب له
رسول الله عَّه بسهمه وأجره.
وأمر عَّلِّ عند انصرافه عاصم بن ثابت - وهو جد عاصم بن عمر بن
الخطاب - بقتل عقبة ابن أبي معيط، فقتله
أن المصيبة مع عظمها لم تبلغ عنده مبلغًا يشغله، فحرم ما حرم بتعريض دون تصريح ولعلّه عليه
السلام كان قد علم ذلك بالوحي، انتهى. وقال الحافظ: لعلّ مرض المرأة طال واحتاج عثمن
إلى الوقاع ولم يظنّ موتها تلك الليلة وليس في الحديث ما يقتضي أنه واقع بعد موتها ولا حين
احتضارها، انتھی.
(وكان عثمن رضي اللَّه عنه قد تخلّف) عن بدر (لأجل) مرض (رقية زوجته) بأمره عَ له،
ففي المستدرك: خلف النبيّ عَّهِ عثمن وأسامة بن زيد على رقيةٍ في مرضها لما خرج إلى بدر،
فماتت حين وصل زيد بالبشارة، (فضرب له) لعثمن (رسول اللَّه عَّ بسهمه وأجره) مع أحد
عشر رجلاً؛ كما مرّ، وجزم الخطابي وتبعه السيوطي بأن ذلك خاص بعثمن لما رواه أبو داود
بإسناد صالح عن ابن عمر أنه عَّله ضرب لعثمن يوم بدر بسهم ولم يضرب لغائب غيره،
والجواب: أن المراد غائب تخلّف لأمرٍ لا تعلّق له بمصالح المسلمين ولم يمنعه العذر فلا يردّ
أولئك الذين ضرب لهم؛ لأن منهم من تخلّف للعذر ومنهم للمصالح، كما مرّ بسطه.
(وأمر عَّ عند انصرافه) من بدر (عاصم بن ثابت) بن أبي الأقلح بفتح الهمزة واللام
بينهما قاف ساكنة وحاء مهملة آخره، واسمه قيس بن عصمة بن النعمن من السابقين الأولين من
الأنصار، وأصحاب العقبة وبدر والعلماء بالحرب، كما أنزلت بالنص النبويّ (وهو جدّ عاصم بن
عمر بن الخطاب) لأَمّه، قال في الفتح: هذا وهم من بعض رواية عاصم بن ثابت حال عاصم بن
عمر لأن أُمّ عاصم جميلة بنت ثابت أخت عاصم كان اسمها عاصية فغيّرها النبيّ عَّه جميلة،
انتھی.
وعاصم بن عمر هذا، قال ابن عبد البرّ: مات النبيّ عَّلَه وله سنتان، وكان طوالاً جسيمًا
جميلاً شاعرًا، قال أخوه عبد الله: أنا وأخي عاصم لا نغتاب الناس، زوّجه أبوه في حياته وأنفق
عليه شهرًا، ثم قال: حسبك، ومات سنة سبعين أو ثلاث وسبعين، ثم هذا قول ابن إسحق. وقال
ابن هشام: أمر عليّ بن أبي طالب (بقتل عقبة بن أبي معيط) أسير عبد اللَّه بن سلمة بكسر اللام
العجلاني، قال ابن إسحق: فقال عقبة: يا محمّد من للصبية؟ قال: النار، (فقتله) بعرق الظبية
بكسر العين وسكون الراء المهملتين وقاف وبضم الظاء المعجمة وسكون الموحدة وفتح التحتية

٣٣٥
باب غزوة بدر الكبرى
صبرًا.
ثم أقبل عليه الصلاة والسلام قافلاً إلى المدينة ومع الأساري من المشركين،
واحتمل النفل، وجعل عليه عبد الله بن كعب من بني مازن. فلما خرج من مضيق
الصفراء قسم النفل بين المسلمين
فتاء تأنيث، مكان على ثلاثة أميال من الروحاء مما يلي المدينة، وثَمَّ مسجد للنبيّ عَّه، ذكره
الصّغاني. وقال السهيلي: الظبية شجرة يستظلّ بها (صبرًا) هو كل ذي روح يوثق حتى يقتل؛
كما في المصباح. ويروى أنه قال: يا معشر قريش، ما لي أقتل من بينكم صبرًا؟ فقال عليه
السّلام: ((بكفرك وافترائك على اللَّه)، وإنه قال له: ((لست من قريش، هل أنت إلا يهودي من أهل
صفورية))، وذلك لأن أُميّة جد أبيه خرج إلى الشام فوقع على يهودية لها زوج من صفورية فولدت
ذكوان المكنى أبا عمرو وهو والد أبي معيط على فراشٍ اليهودي، فاستلحقه بحكم الجاهلية،
قال الإسمعيلي: وهذ الطعن خاص بنسب عقبة من بني أميّة، وفي نسب أَميّة نفسه مقالة أخرى،
وهي أن أُمّ أُمية يقال لها الزرقاء، واسمها أرنب كانت في الجاهلية من ذوات الرايات لكن قد
عفا اللَّه عن أمر الجاهلية ونهى عن الطعن في الأنساب، ولو لم يجب الكفّ عن نسب أُميّة إلا
لموضع عثمن لكفى، انتهى. وفي معجم البكري: صفورية بفتح أوّله وثم ثانيه المشدّد وكسر
الراء المهملة وخفة الياء: موضع من ثغور الشام، وفي الميزان روى أبو الهيثم عن إبراهيم التيمي
مرسلاً أنه عليه السلام صلب عقبة الى شجرة وأبو الهيثم لا يدرى من هو.
(ثم أقبل عليه الصّلاة والسّلام قافلاً) بقاف وفاء: راجعًا (إلى المدينة ومع الأساري من
المشركين، واحتمل النفل) بفتح النون والفاء: الغنيمة والجمع الأنفال، (وجعل عليه عبد الله بن
كعب) بن زيد بن عاصم (من بني مازن) بن النجار؛ كما قال ابن إسحق. قال الواقدي: مات
زمن عثمن سنة ثلاث وثلاثين وكنيته أبو الحرث وتبع الواقدي المدائني وابن أبي خيثمة
والعسكري وغيرهم، وأسقط ابن الكلبي وابن سعد زيدًا من نسبه وتبعهما البغوي وغيره، فجعلوا
الكنية والوظيفة، أي: كونه على النفل والوفاة لعبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف من بني
مازن بن النجّار أيضًا؛ كما في الإصابة والمصنف محتمل لهما؛ لأنه لم يسمّ جدّه فيحتمل أنه
زيد وأنه عمرو.
(فلما خرج من مضيق الصفراء قسم النفل بين المسلمين) وقد كانوا اختلفوا فيه؛ كما
رواه ابن إسحق وغيره عن عبادة بن الصامت، فقال من جمعه: هو لنا، وقال الذين كانوا يقاتلون
العدوّ ويطلبونه: لولا نحن ما أصبتموه نحن شغلنا عنكم العدوّ فهو لنا، وقال الذين كانوا
يحرسونه عَّ ◌ُله: لقد رأينا أن نقتل العدوّ حين منحنا اللَّه أكتافهم، ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين

٣٣٦
باب غزوة بدر الكبرى
على السواء.
وأمر عليًا رضي الله عنه بالصفراء بقتل النضر بن الحرث.
لم يكن له من يمنعه ولكن خفنا على رسول اللَّه عَّهِ كرة العدوّ، فما أنتم بأحق به منّا، فنزعه اللَّه
تعالى من أيديهم فجعله إلى رسوله وأنزل عليه: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ [الأنفال: ١] الآية،
فقسمه بينهم (على السواء) لفظ الرواية عن بواء بفتح الموحدة وخفّة والواو وبالمدّ، أي: على
السواء، فأتى المصنف بمعناها؛ لأنه لم يتقيّد بها، ورواه أبو عبيد عن فواق، وقال: معناه جعل
بعضهم فوق بعض في القسم ممن رأى تفضيله أو يعني سرعة القسم من فواق الناقة. قال
السهيلي: ورواية ابن إسحق أشهر وأثبت عند أهل الحديث، انتهى.
ويردّ على تفسيره الأوّل للفواق ما جاء أن سعد بن معاذ، قال: يا رسول اللَّه! أتعطي فارس
القوم الذي يحميهم مثل ما تعطي الضعيف؟ فقال عَّة: ((ثكلتك أُمّك وهل تنصرون إلا
بضعفائكم)، (وأمر) عَّه (عليًّا رضي اللَّه عنه بالصفراء) كما ذكره ابن إسحق ومن لا يحصى،
وغلط من قال بعرق الظبية؛ لأن ذلك إنما هو عقبة (بقتل النصر) بضاد معجمة (ابن الحرث) بن
علقمة بن كلدة بفتحتين بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ هذا هو الصواب في نسبه، كما
ذكره ابن الكلبي والزبير بن بكّار وخلق لا يحصون، وغلط ابن منده وأبو نعيم فيه غلطين
فاحشين، فقالا: كلدة بن علقمة، وأن النضر شهد حنينًا، وأعطاه عَّ له مائة من الإبل وكان مسلمًا
من المؤلّفة قلوبهم وعزيا ذلك لابن إسحق، وهو غلط؛ فالذي قاله ابن إسحق وأجمع عليه أهل
المغازي والسير، أنه قتل كافرًا بعد بدر صبرًا، وقد أطنب الحافظ العزّ بن الأثير وغيره من الحفاظ
في تغليظهما والردّ عليهما، لكن تعقّب كما في الإصابة باحتمال أن يكون له أخ سمي باسمه،
فهو الذي ذكرها لا هذا المقتول كافرًا، انتهى.
لكن إنما ينهض هذا الاحتمال لو وجد ما نسباه لابن إسحق فيه، أمَّا حيث لم يوجد
فالمتبادر أنه غلط؛ كما قال الجماعة. نعم قال ابن عبد البرّ في كتاب المغازي: قد ذكر في
المؤلفة النضر بن الحرث بن علقمة بن كلدة أخو النضر بن الحرث المقتول ببدر صبرا وذكر
آخرون النضر بن الحرث فيمن هاجرا إلى الحبشة، فإن كان منهم فمحال أن يكون من المؤلّفة؛
لأنه ممن رسخ الإيمان في قلبه وقاتل دونه، لا ممّن يؤلف عليه.
وفي قتله تقول قتيلة بضم القاف وفتح الفوقية وسكون التحتية وهي أخته في قول ابن
هشام، وتبعه جمع منهم النووي واليعمري وبنته في قول الزبير بن بكّار، وتبعه ابن عبد البرّ
والجوهري والذهبي وغيرهم، قال السهيلي: وهو الصحيح وهو كذلك في الدلائل، وذكر أبو

٣٣٧
باب غزوة بدر الكبرى
ثم مضى عَّه حتى دخل المدينة قبل الأساري بيوم.
عمر أنها أسلمت يوم الفتح وكانت شاعرة محسنة:
يا راكبًا إن الأثيل مظنّة من صبغ خامسة وأنت موفق
أبلغ بها ميتًا بأن تحيّة ما أن تزال بها النجائب تخفق
مني إليك وعبرة مسفوحة جادت بواكفها وأخرى تحنق
أم كيف يسمع ميت لا ينطق
هل يسمعني النضر إن ناديته
في قومها والفحل فحل معرق
من الفتى وهو المغيظ المحنق
بأعزّ ما يغلوبه ما ينفق
وأحقّهم إن كان عتق يعتق
للَّه أرحام هناك تشقّق
أمحمد يا خير ضن كريمة
ما كان ضرّك لو مننت وربما
أو كنت قابل فدية فلينفقن
فالنضر أقرب من أسرت قرابة
ظلّت سيوف بني أبيه تنوشه
صبرًا يقاد إلى المنيّة متعبًا رسف المقيد وهو عان موثق
فيقال أنه عَّه بكى حتى اخضلّت لحيته، وقال: ((لو بلغني هذا الشعر قبل قتله لمننتْ
عليه). وفي رواية الزبير بن بكار: فرقّ عَُّلِ حتى دمعت عيناه، وقال: ((يا أبا بكر، لو سمعت
شعرها ما قتلت أباها))، قال الزبير: سمعت بعض أهل العلم يغمز هذه الأبيات، ويقول: أنها
مصنوعة. قال ابن المنير: وليس معنى كلامه ◌َِّ الندم؛ لأنه لا يقول ولا يفعل إلا حقًّا والحق
لا يندم على فعله، ولكن معناه: لو شفعت عندي بهذا القول لقبلت شفاعتها، ففيه تنبيه على حقّ
الشفاعة والضراعة ولا سيّما الاستعطاف بالشعر، فإن مكارم الأخلاق تقتضي إجازة الشاعر وتبليغه
قصده، انتھی.
والأثيل: بمثلثة مصغر أثل موضع. مظنّة بفتح الميم وكسر المعجمة وفتح النون المشدّدة:
تخفق تسرع. الواكف: السائل. تحنق بضم النون. والضّ: الولد، معرى بفتح الراء وكسرها:
العريق المغيظ بفتح الميم وكسر المعجمة وإسكان التحتية وظاء معجمة. وأقرب من أسرت،
أي: من أقرب، وإلا فالعباس وغيره أقرب منه.
(ثم مضى عَّ حتى دخل المدينة قبل الأسارى بيوم) فدخلها من ثنية الوداع، مؤيّدًا
منصورًا قد خافه كل عدوّ له بها وحولها، فأسلم بشر كثير من أهل المدينة، ودخل عبد الله بن
أُبِيّ في الإسلام ظاهرًا، وقالت اليهود تيقّنًا: إنه النبيّ الذي نجد نعته في التوراة، ولكن من يضلل
اللَّه فلا هادي له.

٣٣٨
باب غزوة بدر الكبرى
فلما قدموا فرقهم بين أصحابه وقال: استوصوا بهم خيرًا.
وقد استقر الحكم في الأساري عند الجمهور أن الإمام مخير فيهم، إن شاء
قتل إياهم كما فَعَل عَّه ببني قريظة، وإن شاء فادى بمال كما فعل بأساري بدر، وإن
شاء استرق من أسر. هذا مذهب الشافعي وطائفة من العلماء، وفي المسألة خلاف
مقرر في كتب الفقه والله أعلم.
.
و
(فلمَّا قدموا فرّقهم بين أصحابه، وقال: ((استوصوا بهم خيرًا))،) ذكره ابن إسحق، وزاد:
فكان أبو عزيز بن عمير شقيق مصعب بن عمير في الأسارى، فقال: مرّ بي أخي ورجل من
الأنصار يأسرني، فقال له: شد يديك به، فإن أقّه ذات متاع لعلّها تفديه منك، قال: فكنت في
رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصّوني بالخبز
وأكلوا التمر، لوصية رسول اللَّه عَّ إياهم بنا.
(وقد استقرّ الحكم في الأسارى عند الجمهور أن الإمام مخيّر فيهم إن شاء قتل إياهم؛
كما فعل عَّةٍ ببني قريظة، وإن شاء فادى بمال كما فعل بأسارى بدر) أي: بأكثرهم، (وإن شاء
استرق من أسر) وإن شاء من بلا شىء كما فعل ببعض أسرى بدر؛ كأبي العاصي بن الربيع زوج
بنته زينب بعثت بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها عليه حين بنى بها فلمَّا رَآها عَّهِ رقّ لها
رقّة شديدة، وقال: ((إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردّوا عليها فافعلوا))، قالوا: نعم يا رسول اللَّه،
فأطلقوه وردّوا عليها الذي لها، رواه أبو داود وغيره من حديث عائشة، وكذا منّ على
المطلب بن حنطب وقد أسلم كأبي العاصي رضي اللَّه عنهما، وصيفي بن أبي رفاعة، وأبي عزّة
الجمحي وأخذ عليه أن لا يظاهر عليه أحدًا أبدًا، فلم يفعل فقتله عٌَّ يوم أحد صبرًا، (هذا
مذهب الشافعي وطائفة من العلماء، وفي المسألة خلاف مقرّر في كتب الفقه، والله أعلم)
بالحقّ.
وذكر أبو عبيد أنه معَ ◌ٍّ لم يفد بعد بدر بمال إنما كان يمنّ أو يفادي أسيرًا بأسير، قال
السهيلي: وذلك واللَّه أعلم؛ لقوله تعالى: ﴿تريدون عرض الدنيا﴾ [الأنفال: ٦٧] الآية، يعني
الفداء بالمال، وإن كان قد أحلّ ذلك وطيّبه؛ ولكن ما فعله الرسول بعد ذلك أفضل من المنّ أو
المفاداة بالرجال، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فإمَّا منَّا بعد وإما فداء﴾ [محمد: ٤] الآية، كيف
قدّم المنّ على الفداء، فلذلك اختاره رسول اللَّه وقدّمه، انتهى.
وممّا يتّصل بغزوة بدر هلاك أبي لهب فذكره المصنف كغيره، فقال: (و)روى ابن إسحق

٣٣٩
باب غزوة بدر الکبری
لما قدم أبو سفين بن الحرث، سأله أبو لهب عن خبر قريش. فقال: والله ما هو إلا
أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاؤوا، ويأسروننا كيف شاؤوا، وأيم
الله - مع ذلك - ما لمت الناس. لقينا رجالٌ بيض على خيل بلق بين السماء
والأرض، والله لا يقوم لها شىء.
قال أبو رافع - مولى رسول الله عَ ليه
من حديث عكرمة عن أبي رافع، قال: (لمَّا قدم أبو سفين بن الحرث) بن عبد المطّلب أخو
المصطفى من رضاع حليمة، لقى النبيّ عَّه وهو سائر إلى غزوة الفتح بالأبواء أو غيرها، فأسلم
وشهدها معه وحنينًا، وثبت يوم حنين اسمه وكنيته وذكر إبراهيم بن المنذر والزبير بن بكّار
وجماعة أن اسمه المغيرة، لكن جزم ابن قتيبة وابن عبد البرّ والسهيلي بأن المغيرة أخوه مات سنة
عشرین.
(سأله أبو لهب) عبد العزّى (عن خبر قريش) فقال: هلمّ إليّ فعندك الخبر، (قال: والله
ما هو) شىء فهو مبتدأ وشىء خبره وما بعد إلا بدل منه، لكن لمّا حذف الخبر أعطى ما بعد إلا
حكمه فصار هو الخير لفظًا، وإن كان بدلاً في الأصل، وكذا كل ما حذف فيه المستثنى منه
وسبق بما يخرجه عن الإيجاب من نفي نحو: وما محمّد إلا رسول، أو نهي نحو: لا تقولوا على
اللَّه إلا الحق، أو استفهام إنكاري نحو: فهل يهلك إلا القوم الفاسقون، ولا فرق بين الجملة
الاسميّة كهذه الأمثلة والفعلية، نحو: ما قام إلا زيد أصله ما قام أحد، حذف الفاعل وأعرب
ما بعد إلا باعرابه.
(إلا أن لقينا) بإسكان الياء (القوم) نصب مفعول ويجوز فتح الياء ورفع القوم، قال
البرهان: الأوّل أحسن؛ لقوله: (فمنحناهم أكتافنا) لينتسق الكلام، يقتلوننا كيف شاؤوا ويأسروننا)
بكسر السين (كيف شاؤوا، وأيم الله) بهمزة وصل أو قطع، أي: قسمي (مع ذلك ما لمت
الناس، لقينا رجال بيض) هكذا رواية ابن إسحق كما في العيون، وأوردها الشامي: رجالاً بيضًا،
(على خيل بلق بين السماء والأرض، واللَّه لا يقوم لها شىء) والمصنف تصرّف في الرواية
وحذف منها كثيرًا؛ لأنه لم يتقيّد بها ولفظها هنا: والله لا تليق شيئًا ولا يقوم لها شىء، بضمّ
الفوقية وكسر اللام وسكون التحتية وقاف، أي: ما تبقي؛ كما قال أبو ذرّ في الإملاء. (قال أبو
رافع:) أسلم أو إبراهيم، أو صالح، أو هرمز، أو ثابت، أو سنان، أو يسار، أو عبد الرحمن، أو
قزمان، أو يزيد، فتلك عشرة كاملة أشهرها الأول؛ كما قال أبو عمر (مولى رسول اللَّه عَلَه)
أسلم قبل بدر وشهد أُحدًا وما بعدها، وفتح مصر وزوّجه المصطفى مولاته سلمى فولدت له،
ومات بالمدينة في أوّل خلافة عليّ؛ كما قال ابن حبان.

٣٤٠
باب غزوة بدر الكبرى
وكان غلامًا للعباس بن عبد المطلب قال: وكان الإسلام قد دخلنا - فقلت له: والله
تلك الملائكة. فرفع أبو لهب يده فضربني في وجهي ضربة، فقامت أم الفضل إلى
عمود فضربت به في رأس أبي لهب وقالت: استضعفته أن غاب عنه سيده.
قال: فوالله ما عاش إلا سبع ليال، حتی رماه الله
قال في التقريب: وهو صحيح، وقال الواقدي: مات قبل عثمن أو بعده بيسير. (وكان
غلامًا) مملوكًا (للعباس بن عبد المطلب) فوهبه للنبيّ عَيْ فأعتقه لما بشّره بإسلام العباس، ومن
الموالي النبويّة آخر يقال له أبو رافع والد البهي، قيل: اسمه رافع كان عبد السعيد بن العاصي فلمّا
مات أعتق كل بنيه العشرة نصيبه منه إلا خالد بن سعيد، فوهب حصّته للنبيّ عَّله فأعتقه، فزعم
جماعة أنه هو الأوّل. قال في الإصابة: وهو غلط بيّ، فالأوّل كان للعباس، فالصواب أنهما اثنان.
(قال: وكان الإسلام قد دخلنا) أهل البيت فأسلم العباس وأسلمت أَمّ الفضل وأسلمت أنا، وكان
العباس يهاب قومه ويكره خلافهم فكان يكتم إسلامه وكان ذا مال، هذا كله قول أبي رافع عند ابن
إسحق.
(فقلت له) وقد سرّنا ما جاءنا من الخبر: (واللَّه تلك الملائكة، فرفع أبو لهب يده
فضربني في وجهي ضربة) شديدة، قال: وثاورته فاحتملني فضرب بي الأرض ثمٍ برك عليّ
يضربني، (فقامت أَمّ الفضل) لبابة الكبرى بنت الحرث بن حزن الهلاليّة أُخت ميمونة أمّ المؤمنين
قديمة الإسلام، حتى قال ابن سعد: إنها أوّل امرأة أسلمت بعد خديجة، لكن ردّه في الفتح بأنها
وإن كانت قديمة الإسلام لكنها لا تذكر في السابقين، فقد سبقتهما سمية أمّ عمار وأُمّ أيمن،
انتهى. وجزم غيره بأنّ أوّل من أسلم بعد خديجة فاطمة بنت الخطاب أخت عمر؛ كما مرٍ،
أنجبت للعباسٍ بنيه الستّة النجباء: الفضل، وعبيد اللّه، وعبد الرحمن، وقثم، ومعبدًا، وأختهم أمّ
حبيب ويقال أم حبيبة بالهاء. ذكر ابن أسحق في رواية يونس: أنه عَّةٍ رآها وهي طفلة تدبّ بين
يديه، فقال: ((إن بلغت وأنا حيّ تزوّجتها))، فقبض قبل أن تبلغ فتزوّجها سفين بن الأسود
المخزومي.
(إلى عمود) من عمد الخيمة وكانت جالسة عند أبي رافع بحجرة زمزم (فضربت به في
رأس أبي لهب) لفظ الرواية: فضربته به ضربة فلغت في رأسه شجّة منكرة، وفلغت بفتح الفاء
واللام والغين المعجمة: شدخت، (وقالت: استضعفته أن) بفتح الهمزة، أي: لأن (غاب عنه
سيّده) وفي نسخة: إذ وهي للتعليل بلا تقدير، (قال) أبو رافع: فقام موليًا ذليلاً (فوالله ما عاش)
صحيحًا سليمًا (إلا سبع ليال) واستمرّ على ما هو عليه (حتى) إلى أن (رماه اللَّه) ابتلاه