النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ باب غزوة بدر الكبرى وكان المشركون ألفًا ويقال: تسعمائة وخمسون رجلاً، معهم مائة فرس، وسبعمائة بعير. يركبوا، أو أن الثلاثة تركب مدة ثم يدفعونه إلى غيرهم ليركبه مدّة أخرى، والعقبة النوبة؛ كما في المصباح. فالمراد: أن كل واحد يركب مدّة وركوب أبي لبابة معهم كان قبل ردّه من الروحاء وبعده أعقب مرثدًا؛ كما عند ابن إسحق، أو زيدًا؛ كما عند غيره. وذكر ابن إسحق: أنه عَُّ دفع اللواء وكان أبيض إلى مصعب بن عمير، قال: وكان أمامه عليه السلام رايتان سوداوان إحداهما مع عليّ، والأخرى مع بعض الأنصار. وذكر ابن سعد: أن لواء المهاجرين مع مصعب بن عمير، ولواء الخزرج مع الحباب بن المنذر، ولواء الأُؤْس مع سعد بن معاذ. قال اليعمري: والمعروف أن سعد بن معاذ كان على حرس لرسول اللَّه عَّه في العريش، وأن لواء المهاجرين كان بيد عليّ، ثم روى بسنده عن ابن عباس: أن النبيّ معَّل أعطى عليًّا الراية يوم بدر، وهو ابن عشرين سنة. وأجيب عن الأوّل بأن هذا كان عند خروجهم وفي الطريق، فيحتمل أن سعد أدفعه لغيره بإذنه عَّةٍ ليحرسه في العريش، إذ هو ببدر. (وكان المشركون ألفًا) كما رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عباس عن عمر، ورواه ابن سعد عن ابن مسعود، (ويقال) هم (تسعمائة وخمسون رجلاً) مقاتلاً (معهم مائة فرس وسبعمائة بعير) قاله ابن عقبة وابن عائذ، والتقييد بمقاتلاً لفظهما، فيمكن الجمع بأن باقي الألف الخمسين غير مقاتلين. وعند ابن إسحق: أنه عَ لّهِ بعث عليًّا والزبير وسعد بن لملك في نفر إلى ماء بدر يلتمسون له الخبر، فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم غلام بني الحجاج وغريض أبو يسار غلام بني العاصي فأتوا بهما، والنبيّ عَّه يصلّي فلمَّا سلّم، قال: ((أخبراني عن قريش)، قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي تراه بالعدوة القصوى، قال: ((كم القوم))؟ قالا: كثير، قال: ((ما عدّتهم))؟ قالا: ما ندري، قال: ((كم ينحرون كل يوم)، قالا: يومًا تسعًا ويومًا عشرًا، قال عَله: ((القوم ما بين التسعمائة والألف))، ثم قال: ((فمن فيهم من أشرف قريش)، فسميا له خمسة عشر، فأقبل عدّ. على الناس، فقال: ((هذه مكّة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها))، أي: قطع كبدها، شبّه أشرافهم بفلذة الكبد بفاء ومعجمة المستور في الجوف وهو أفضل ما يشوى من البعير عند العرب، وأمرؤ. قال ابن عقبة: وزعموا أن أوّل من نحر لهم عشر جزائر حين خرجوا من مكّة أبو جهل، ثم صفوان تسعًا بسعفان، ثم سهيل عشرًا بقديد، ومالوا منه إلى نحو البحر فضلّوا، فأقاموا يومًا فنحر شيبة تسعًا، ثم أصبحوا بالأبواء فنحر مقيس الجمحي تسعًا، ونحر العباس عشرًا، والحرث تسعًا، وأبو البختري على ماء بدر عشرًا، ومقيس عليه تسعًا، ثم شغلهم الحرب فأكلوا من أزوادهم. ٢٦٢ باب غزوة بدر الكبرى وكان قتالهم يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان، وقيل يوم الإثنين وقيل غير ذلك. وكانت من غير قصد من المسلمين إليها ولا ميعاد، كما قال تعالى: ﴿ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرًا كان مفعولاً﴾ [الأنفال/ ٤٢]. وإنما قصد عَّه والمسلمون التعرض لعير قريش. وذلك أن أبا سفين كان بالشام في ثلاثين راكبًا منهم عمرو بن العاصي، (وكان قتالهم يوم الجمعة) عند الأكثرين، قال ابن عساكر: وهو المحفوظ، (لسبع عشرة خلت من رمضان) قاله ابن إسحق، وتبعه في الاستيعاب والعيون والإشارة، ولا يوافق ما مرّ أن خروجهم يوم السبت لثنتي عشرة خلت من رمضان، إلاّ أن يكون وقع خلاف في هلاله، فالقائل بخروجهم ثاني عشره بناء على أن أوّله الثلاثاء، والقائل بأن القتال في سابع عشره بناء على أنّ أوّله الأربعاء. (وقيل: يوم الاثنين) رواه ابن عساكر في تاريخه بإسناد ضعيف، قال أبو عمر: لا حجة فيه عند الجميع، (وقيل غير ذلك،) فقيل: لسبع عشرة بقيت من رمضان، وقيل: لثنتي عشرة خلت منه، ويقال: لثلاث خلون منه، حكاها كلّها مغلطاي. وعلى الأخير فخروجهم قبل رمضان. (وكانت من غير قصد من المسلمين إليها ولا ميعاد؛ كما قال تعالى: ﴿ولو تواعدتم﴾) أنتم وهم للقتال ثم علمتم حالهم وحالكم، (﴿لاختلفتم﴾)، أنتم وهم (﴿في الميعاد﴾) الآية، هيبة منه وبأسا من الظفر عليهم ليتحقّقوا أن ما اتّفق لهم من الفتح ليس إلا صنيعًا من الله خارقًا للعادة، فيزدادوا إيمانًا وشكرًا، (﴿ولكن﴾) جمعكم بغير ميعاد (﴿ليقضي الله أمرا كان مفعولاً﴾ [الأنفال: ٤٢])، حقيقًا بأن يفعل وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه، (وإنما قصد عَّه والمسلمون التعرّض لعير قريش) التي خرج عليه السّلام في طلبها وهي ذاهبة من مكّة إلى الشّام، حتى بلغ العشيرة فوجدها سبقته بأيام، فلم يزل مترقّبًا لرجوعها من الشام، (وذلك) كما أخرجه ابن إسحق: حدّثني يزيد بن رومان عن عروة: (أن أبا سفين) صخر بن حرب المسلم في الفتح رضي اللَّه عنه، (كان بالشام في ثلاثين راكبًا) كذا نقله الفتح عن ابن إسحق والذي في ابن هشام عن البكائي عنه في ثلاثين أو أربعين، وتبعه اليعمري وغيره، فإمّا أنه اقتصار على المحقق، أو رواية أُخری عنه. (منهم:) مخرمة بن نوفل و (عمرو بن العاصي) أسلما بعد ذلك وصحبا رضي اللَّه عنهما، ٢٦٣ باب غزوة بدر الکبری فأقبلوا في قافلة عظيمة، فيها أموال قريش، حتى إذا كانوا قريبًا من بدر، فبلغ النبي عَِّ ذلك، فندب أصحابه إليهم وأخبرهم بكثرة المال وقلة العدو، وقال: هذه عير لقريش فيها أموال فأخرجوا إليها، لعل الله أن ينفلكموها. فلما سمع أبو سفين بسيره عليه السلام، استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري أن يأتي قريشًا بمكة، فيستنفرهم ويخبرهم أن محمدًا قد عرض لغيرهم في أصحابه. فنهضوا في قريب من ألف مقنع ولم يتخلف أحد من أشراف قريش إلا أبا لهب، وبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة. وقال ابن عقبة: وابن عائذ في سبعين رجلاً وكانت عيرهم ألف بعير، ولم يكن لحويطب بن عبد العزى شىء فلم يخرج معهم، (فأقبلوا في قافلة عظيمة فيها أموال قريش) يقال: كان فيها خمسون ألف دينار، وكأن لم يبقَ قرشي ولا قرشية له مثقال إلا بعث به في العير، (حتى إذا كانوا قريبًا من بدر، فبلغ النبيّ عَِّ ذلك) حذف الغاء أَوْلِى؛ لأنّ ما بعدها جواب إذا وهو ماض متصرف، فلا تقترن به الفاء، (فندب أصحابه) أي: دعاهم (إليهم وأخبرهم بكثرة المال وقلّة العدو) إذ غاية ما قيل: أنهم سبعون، (وقال: ((هذه عير لقريش فيها أموال) كثيرة (فاخرجوا إليها لعلّ اللَّه أن ينفلكموها))،) مثله في العيون، وفي نسخة: ((يغنمكموها)، ومثله في السبل. وكلٌّ عزى لابن إسحق والخطب سهل، قال في الرواية: فانتدب الناس فخفّ بعضهم وثقل بعضهم؛ لأنهم ظنوا أنّهم لم يلقوا حربًا، وكان أبو سفين حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار ويسأل من لقى من الركبان، (فلمَّا سمع أبو سفين بسيره عليه السّلام) عن بعض الركبان أن محمّدًا قد استنفر لك ولعيرك، (استأجر ضمضم) بفتح المعجمة بعد كل ميم أولاهما ساكنة، (ابن عمرو الغفاري) بكسر المعجمة وتخفيف الفاء، قال في النور: الظاهر هلاكه على كفره، (أن يأتي قريشًا بمكّة) بعشرين مثقالاً وأمره أن يجدع بعيره، أي: يقطع أنفه ويحول رحله ويشقّ قميصه من قبله ومن دبره إذا دخل مكّة، (فيستنفرهم) يحثّهم على الخروج بسرعة، (ويخبرهم أن محمّدًا قد عرض) أي: ظهر (لغيرهم في) مع (أصحابه) فلمّا بلغ مكّة فعل ما أُمر به، وهو يقول: يا معشر قريش !! اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبي سفين قد عرض لها محمّد في أصحابه لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث، فقالوا: أيظنّ محمّد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي، كلاًّ واللَّه ليعلمنّ غير ذلك، (فنهضوا في قريب من ألف مقنع) وكانوا ما بين رجلين إمّا خارج وإما باعث مكثه رجلاً، (ولم يتخلّف أحد من أشراف قريش، إلاَّ أبا لهب) وفي نسخة: إلاَّ أبا لهب، وكلاهما صحيح. (وبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة) أخا أبي ٢٦٤ باب غزوة بدر الكبرى وخرج رسول الله عَّ أصحابه، حتى بلغ الروحاء، فأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عن غيرهم، فاستشار النبي عَّ الناس في طلب العير، وحرب النفير، وقال: إن الله وعدكم إحدى الطائفتين: إما العير وإما قريش. جهل كان له عليه أربعة آلاف درهم أفلس له بها فاستأجره بها على أن يجزىء عنه بعثه واشتدّ حذر أبي سفين، فأخذ طريق الساحل وجدّ في السير حتى فات المسلمين، فلمّا أمن أرسل إلى قريش يأمرهم بالرجوع، فامتنع أبو جهل، (وخرج رسول اللَّه عَلّ) قال ابن إسحق: وضرب عسكره ببئر أبي عنبة، كواحدة العنب المأكول على ميل من المدينة، فعرض (أصحابه) وردّ من استصغر وسار (حتى بلغ الروحاء) بفتح الراء وسكون الواو وحاء مهملة ممدودة: قرية على نحو أربعين ميلاً من المدينة. وفي مسلم: على ستّة وثلاثين. وفي كتاب ابن أبي شيبة: على ثلاثين، ونزل عَّ سجسجًا، يفتح السين المهملة وسكون الجيم بعدهما مثلهما، وهي بئر الروحاء سميت بذلك، قال السهيلي: لأنها بین جبلین، و کل شیء بین شیئین سجسج، انتهى. وهو تفسير مراد، ففي القاموس: السجسج: الأرض ليست بصلبة ولا سهلة، وما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، (فأتاه الخبر) بعد أن سار من الروحاء وقرب من الصفراء؛ كما عند ابن إسحق. (عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عن غيرهم) من رسوليه اللذين بعثهما يتجسسان الأخبار عن أبي سفين، أحدهما: بسبس، بموحدتين مفتوحتين ومهملتين أولاهما ساكنة، ووقع لجميع رواة مسلم وبعض رواة أبي داود: بسبسة بضمّ الموحدة وفتح المهملة وإسكان التحتية وفتح السين وتاء تأنيث والمعروف، قال الذهبي وغيره: وهو الأصح الأوّل، وكذلك ذكره ابن إسحق والدارقطني وابن عبد البرّ وابن ماكولا والسهيلي، قال في الإصابة: وهو الصواب، فقد قال ابن الكلبي: إنه الذي أراده الشاعر، بقوله: أقم لها صدورها يا بسبس إن مطايا القوم لا تجسّس وهو ابن عمرو الجهني؛ كما نسبه ابن إسحق. قال السهيلي: ونسبه غيره إلى ذبيان الأنصاري حليف الخزرج، والثاني: عديّ بن أبي الزغباء سنان الجهني حليف بني النجار، الزغباء بفتح الزاي وسكون المعجمة وموحدة ممدودة، فمضيا حتى نزلا بدرًا، فأناخا إلى تلّ قريب من الماء، وأخذا يستسقيان من الماء فسمعا جاريتين، تقول إحداهما لصاحبتها: إن أتاني العير غدًا أو بعد غد أعمل لهم ثم أقضيك الذي لك، فانطلقا حتى أتيا رسول اللَّه عَ لَّه فأخبراه بما سمعا، (فاستشار النبيّ ◌َِّ الناس) أصحابه رضي اللَّه عنهم (في طلب العير و) في (حرب النفير) القوم النافرين للحرب، يعني: خيّرهم بين أن يذهبوا للعير أو إلى محاربة النافرين لقتالهم، وأخبرهم عن قريش بمسيرهم، (وقال: ((إن الله وعدكم إحدى الطائفتين، إمّا العير وإمّا قريش))،) ٢٦٥ باب غزوة بدر الكبرى وكانت العير أحب إليهم. فقام أبو بكر فقال فأحسن: ثم قام عمر فقال فأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو، فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا برك. كما قال تعالى: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم﴾ [الأنفال: ٧]، (وكانت العير أحبّ إليهم) كما قال تعالى: ﴿وتودّون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾ [الأنفال: ٧]، والمراد بذات الشوكة: الطائفة التي فيها السلاح. قال أبو عبيدة في المجاز: يقال ما أشدّ شوكة بني فلان، أي: حدّهم، وكأنها استعارة من واحدة الشوك. وروى الطبري وأبو نعيم في الدلائل، عن ابن عباس: أقبلت عير لأهل مكّة من الشام، فخرج النبيّ عَّه يريدها، فبلغ ذلك أهل مكّة فأسرعوا إليها فسبقت العير المسلمين، وكان الله وعدهم إحدى الطائفتين، وكانوا أن يلقوا العير أحبّ إليهم وأيسر شوكة وأخصر مغنمًا من أن يلقوا النفير، (فقام أبو بكر) وفي الشامية: استشار الناس فتكلّم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم فقام أبو بكر (فقال فأحسن،) أي: جاء بكلام حسن، ولم أرَ من ذكره، (ثم قام عمر، فقال فأحسن) ذكر ابن عقبة وابن عائذ أنه قال: يا رسول اللَّه! إنها قريش وعزّها واللَّه ما ذلّت منذ عزّت، ولا آمنت منذ كفرت، واللَّه لتقاتلنك فتأهب لذلك أهبّته وأعدّ لذلك عدّته، وأعزّها بالنصب مفعول معه أو مبتدأ حذف خبره، أي: ثابت لم يتغيّر، (ثم قام المقداد بن عمرو) وعند النسائي: جاء المقداد يوم بدر على فرس، (فقال: يا رسول اللَّه! امضٍ لما أمرك اللَّه فنحن معك، واللَّه لا نقول) بنون الجمع، أي: معاشر المسلمين (لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى). وفي رواية البخاري: كما قال قوم موسى (﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا إنّا لههنا قاعدون﴾ [المائدة: ٢٤] الآية،) قالوه استهانة وعدم مبالاة بالله ورسوله، وقيل: تقدير اذهب أنت وربّك يعينك، فإنّا لا نستطيع قتال الجبابرة، وقال السمرقندي: أنت وسيّدك لهرون؛ لأنه أكبر من موسى بسنتين أو ثلاثة، (ولكن) نقول: (اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون) هذه رواية ابن إسحق. ورواية البخاري: ولكنّا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، زاد ابن إسحق: (فوالذي بعثك بالحقّ، لو سرت بنا برّك) بفتح الموحدة عند الأكثر. وفي رواية بكسرها، وصوّبه بعض اللغويّين لكن المشهور المعروف في الرواية الفتح والراء ساكنة، وحكى عياض عن الأصيلي فتحها، قال النووي: وهو غريب ضعيف آخره كاف. ٢٦٦ باب غزوة بدر الكبرى الغماد - يعني مدينة الحبشة - لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال له عية: خيرًا، ودعا له بخير. (الغماد) بكسر المعجمة وتخفيف الميم، قال الحازمي: موضع على خمس ليال من مكّة إلى جهة اليمن، وقال البكري: هي أقاصي هجر. وقال الهمداني: هو في أقصى اليمن. قال الحافظ: والأوّل أَولى. وحكى ابن فارس ضمّ الغين، والقزاز فتحها، وأفاد النووي أن المشهور في الرواية الكسر، وفي اللغة الضمّ. وفي فتح الباري: قال ابن خالويه: حضرت مجلس المحاملي وفيه زهاء ألف، فأملى عليهم حديثًا فيه: لو دعوتنا إلى برك الغماد، قالها بالكسر، فقلت للمستملي: هي بالضم، فذكر له ذلك، فقال لي: وما هو فقلت: سألت ابن دريد عنه، فقال: هو بقعة في جهنم، فقال المحاملي: وكذا في كتاب أبي على الغين ضمّت. قال ابن خالويه: وأنشد ابن درید: وإذا تنكرت البلا فأولها كف البعاد واجعل مقامك أو مـقـــرّك جانبي برك الغماد لست ابن أم القـاطـــن ولا ابن عم للبلاد وبعض المتأخّرين قال القول بأنه موضع باليمن لا يثبت؛ لأنه عٍَّ لا يدعوهم إلى جهنّم وخفي عليه أن ذلك بطريق المبالغة، فلا يراد به الحقيقة على أنه لا يتنافى بين القولين، فيحمل قوله جهنم على مجاز المجاورة بناء على القول أن برهوت مأوى أرواح الكفار، وهم أهل النار، انتهى ملخّصًا. وقد دلّت رواية ابن عائذ في قصّة سعد بن معاذ، بلفظ: لو سرت بنا حتى تبلغ البرك من غمد ذي يمن على أنها من جهة اليمن، وذكر السهيلي أنه رأى في بعض كتب التفسير أنه (يعني مدينة الحبشة) قال الحافظ: وكأنه أخذه من قصّة الصديق مع ابن الدغنة، فإن فيها: أنه لقيه ذاهبًا إلى الحبشة بيرك الغماد؛ كما مرّ ويجمع بأنها من جهة اليمن مقابل الحبشة وبينهما عرض البحر، انتهى. ونقل عياض عن إبراهيم الحربي: برك الغماد وشعفات هجر، يقال فيما تباعد، ولذا قال شيخنا: الأوّلى تفسيره هنا بأقصى معمور الأرض؛ كما هو أحد معانيه في القاموس؛ لأنه أتمّ في امتثال أمره واتّباعه. (لجالدنا) أي: لضاربنا (معك من دونه) أي: برك الغماد، يعني: لو طلبتنا له وعارضك قبله أحد جالدناه ومنعناه، (حتى تبلغه، فقال له عَّ له: ((خيرًا»، ودعا له بخير) هذا لفظ رواية ابن إسحق. وروى البخاري عن ابن مسعود: شهدت من المقداد مشهدًا لأن أكون صاحبه أحبّ إليّ مما عدل به، الحديث، وفي آخره: فرأيت النبيّ عَّةِ أشرق وجهه وسرّه، يعني قوله. ٢٦٧ باب غزوة بدر الکبری ثم قال عليه الصلاة والسلام: أيها الناس أشيروا علي، وإنما يريد الأنصار. لأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا، نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا. وكان عَِّ يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم. فلما قال ذلك عليه الصلاة والسلام: قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك وروى ابن مردويه وابن أبي حاتم، عن أبي أيوب، قال: قال لنا رسول اللَّه عَّه ونحن بالمدينة: ((إني أخبرت عن عير أبي سفين، فهل لكم أن تخرجوا إليها لعلّ اللَّه يغنمناها ويسلمنا))، قلنا: نعم، فخرجنا فلما سرنا يومًا أو يومين، قال: قد أخبروا خبرنا فاستعدّوا للقتال، فقلنا: لا والله ما لنا طاقة بقتال القوم، فأعاد فقال المقداد: لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى، ولكن نقول: إنا معكما مقاتلون. قال: فتمنّينا معشر الأنصار، لو أنّا قلنا كما قال المقداد، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿كما أخرجك ربّك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون﴾ [الأنفال: ٥]، (ثم قال عليه الصّلاة والسّلام) ثالث مرة، (أيّها الناس أشيروا عليّ وإنما يريد الأنصار) كما ذكره سعد جوابًا له، والمصنف تابع للفظ الرواية عند ابن إسحق، فلذا لم يذكر جواب سعد، ثم يعلّله بذلك وإن كان أولى على أنه قد يقال الأولى ما في الرواية للاهتمام بحكمة تكرير الاستشارة من سيّد الحكماء مع حصول الجواب الكافي من المقداد بحضورهم وسكوتهم عليه وتمنّيهم لو كانوا قالوا مثله؛ (لأنهم حين بايعوه بالعقبة، قالوا: يا رسول اللَّه! إنا برآء من ذمامك) بكسر الذال، فتره البرهان بالحرمة، ويطلق على الضمان أيضًا. قال شيخنا: ولعلّه المراد، أي: من ضمان مناصرتك، (حتى تصل إلى دارنا فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمعنك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا، وكان معَّ يتخوّف) يخشى (أن لا تكون الأنصار ترى) تعتقد (عليها نصرته إلاَّ ممن دهمه) بفتح الدال وكسر الهاء وفتحها؛ كما في المصباح. أي: نزل به وفحاه (بالمدينة من عدوّه) وذكر ابن القوطية: أن اللغتين في دهمتهم الخيل، وأن دهمه الأمر بالكسر فقط، (وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدوّ من بلادهم، فلما قال ذلك عليه الصّلاة والسّلام، قال له سعد بن معاذ) السيّد الذي هو في الأنصار بمنزلة الصديق في المهاجرين، صرّح به البرهان في غير هذا الموضع: (والله لكأنك ٢٦٨ باب غزوة بدر الكبرى تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل. قال: قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن نلقي عدونا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك، فسر على بركة الله تعالى. فسر عليه السلام بقول سعد، ونشطه ذلك، تريدنا يا رسول الله؟ قال: ((أجل))،) أي: نعم، (قال: قد آمنًا بك وصدّقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحقّ، وأعطيناك على ذلك عهودًا ومواثيقًا على السمع والطاعة، فامضٍ يا رسول اللَّه لما أردت). وفي رواية: لما أمرت به وعند ابن عائذ من مرسل عروة، وابن أبي شيبة من مرسل علقمة بن وقّاص عن سعد: ولعلّك تخشى أن تكون الأنصار ترى عليها أن لا ينصروك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم، ولعلّك يا رسول اللَّه خرجت لأمر فأحدث الله غيره، فامضٍ لما شئت وصِلْ حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وسالم من شئت، وعادٍ من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، واعطنا ما شئت، وما أخذت منّا كان أحبّ إلينا مما تركت، وما أمرت به من أمر فمرنا نتبع لأمرك، لئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن، لفظ علقمة؛ ولفظ عروة: ولو سرت بنا حتى تبلغ البرك من غمد ذي يمن، وغمد بضم المعجمة وسكون الميم ودال مهملة، لنسيرنّ معك. وفي رواية ابن إسحق: (فوالذي بعثك بالحقّ، لو استعرضت) أي: طلبت أن تقطع (بنا) عرض (هذا البحر) أي: الملح (فخضته لخضناه معك ما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن نلقى عدّونا أنا لصبر) بضمّ الصاد والموحدة (عند الحرب صدق) بضم الصاد والدّال، (عند اللقاء) هكذا ضبطه البرهان وتبعه الشامي، وهو جمع صبور وصديق بزنة فعيل وفعول بالفتح، بمعنى فاعل على فعل بضمّتين قياسًا مطّردًا، (ولعل الله إن يريك) منّا (ما تقر به عينك) وقد فعل، فأراه ذلك منهم في هذا اليوم وفي غيره رضي اللَّه عنهم، (فيز على بركة اللَّه تعالى، فسرّ عليه السّلام بقول سعد ونشطه) أي: صيّره (ذلك) مسرعًا في طلب العدوّ، ووقع عن ابن مردويه عن علقمة أن سعدًا قال: فنحن عن يمينك وشمالك وبين يديك وخلفك، ولا نكوننّ كالذين قالوا لموسى: ﴿فاذهب أنت وربّك﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما ٢٦٩ باب غزوة بدر الکبری ثم قال: سيروا على بركة الله تعالى وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر الآن إلى مصارع القوم. قال ثابت عن أنس قال عليه الصلاة والسلام: هذا مصرع فلان، ويضع يده على الأرض، ها هنا وها هنا ... قال فما ماط أحدهم - أي ما تنحى - عن موضع يده عليه السلام. تنبيه: قال ابن سيد الناس في ((عيون الأثر)): روينا من طريق مسلم أن الذي قال ذلك: سعد بن عبادة سيد الخزرج، وإنما يعرف ذلك عن سعد بن معاذة، كذا رواه متّبعون. قال الحافظ: والمحفوظ أن هذا الكلام للمقداد وإن سعدًا إنما قال ما ذكر عنه. (ثم قال: ((سيروا على بركة الله تعالى وأبشروا،) بفتح الهمزة وكسر الشين: أمر، (فإن اللَّه قد وعدني إحدى الطائفتين))،) إمّا العير وإما النفير، وقد فاتت العير فلا بدّ من الطائفة الأخرى؛ لأن وعد اللَّه لا يختلف وإلى هذا أرشد أيضًا بقوله: ((والله لكأني أنظر الآن إلى مصارع القوم))،) الذين سيقتلون ببدر وأقسامه على ذلك وهو الصادق المصدوق زيادة في تبشیرهم وطمأنینتهم. (قال ثابت) البناني فيما رواه مسلم من طريقه، (عن أنس) بن لملك عن عمر، كما في مسلم: ففيه من لطائف الإسناد عن صحابي، (قال) عمر: إن النبيّ عَّه ليرينا مصارع أهل بدر، بقول النبيّ (عليه الصّلاة والسّلام: ((هذا مصرع فلان،) غدًا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان))، (ويضع يده على الأرض لههنا ولههنا) يشير إلى مواضع قتلهم إشارة محسوسة، (قال: فما ماط أحدهم، أي: ما تنحّى) وفي شرح النووي: أي تباعد، (عن موضع يده عليه السّلام) فهو معجزة ظاهرة. قال الحافظ: وهذا وقع وهم ببدر في الليلة التي التقوا في صبيحتها، انتهى. فقد بيّ الحديث أنه سمّى وعيّن جماعة. وفي رواية: أنه أخبر بمصارعهم قبل الواقعة بيوم أو أكثر. وفي أخرى: أخبر بذلك يوم الواقعة، وجمع ابن كثير بأنه لا مانع من أنه بخبر به في الوقتين. تنبيه (قال ابن سيّد الناس) الحافظ أبو الفتح اليعمري (في عيون الأثر) في فنون المغازي والشمائل والسّير: (روينا من طريق مسلم أن الذي قال ذلك) المذكور عن سعد بن معاذ (سعد بن عبادة سيّد الخزرج) ولفظه عن أنس: أن رسول اللَّه عَ لَّه شاور حين بلغه إقبال أبي سفين، فتكلّم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلّم عمر فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة، فقال: إيّانا تريد يا رسول اللَّه، والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادنا إلى برك الغماد لفعلنا ... الحديث، (وإنما يعرف ذلك) القول (عن سعد بن معاذ؛ كذا رواه ٢٧٠ باب غزوة بدر الکبری ابن إسحق وغيره. واختلف في شهود سعد بن عبادة بدرا، ولم يذكره ابن عقبة ولا ابن إسحق في البدريين، وذكره الواقدي والمدائني وابن الكلبي منهم انتهى. ثم ارتحل ◌ّ قريبًا من بدر، نزل قريش بالعدوة القصوى من الوادي، ونزل المسلمون على كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام وحوافر الدواب، وسبقهم المشركون إلى ماء ابن إسحق وغيره) كابن أبي شيبة وابن عائذ وابن مردويه. قال الحافظ: ويمكن الجمع بأنه عَّه. استشارهم مرّتين، الأولى بالمدينة أوّل ما بلغه خبر العير، وذلك بيّ من لفظ مسلم: أنه شاور حين بلغه إقبال أبي سفين، والثانية كانت بعد أن خرج؛ كما في حديث الجماعة. ووقع عند الطبراني أن سعد بن عبادة قال ذلك بالحديبية، وهذا أولى بالصواب، انتهى. (واختلف في شهود سعد بن عبادة بدرًا، ولم يذكره) موسى (ابن عقبة ولا ابن إسحق في البدريّين، وذكره الواقدي) محمّد بن عمر بن واقد المدني أبو عبد الله الأسلمي الحافظ المتروك مع سعة علمه، (المدائني) أبو الحسن علي بن محمد بن عبد اللَّه الأخباري صاحب تصانيف، وثّقه ابن معين. وقال ابن عدي: ليس بالقويّ، مات سنة أربع وخمسين ومائتين عن ثلاث وتسعين سنة. (وابن الكلبي منهم، انتهى). كلام العيون. وفي فتح الباري إشارة إلى أنه ليس بخلاف حقيقي؛ لأنه قال: لم يشهد سعد بن عبادة بدرًا وإن عدّ منهم، لكونه ممن ضرب له بسهمه وأجره. وفي العيون بعد ما نقله المصنف عنه، وروينا عن ابن سعد أنه كان يتهيّأ للخروج إلى بدر، ويأتي دور الأنصار يحضّهم على الخروج، فنهش قبل أن يخرج فأقام، فقال عَّهِ: (لئن كان سعد لم يشهدها لقد كان عليها حريصًا)). قال وروى بعضهم أنه عليه السّلام ضرب بسهمه وأجره، انتهى. وهو أيضًا إيماء إلى أن الخلاف بالاعتبار لا حقيقي. (ثم ارتحل عَّ) من المكان الذي كان فيه وهو ذفران، بفتح المعجمة وكسر الفاء فراء فألف فنون: وادٍ قرب الصفراء، وسار حتى نزل (قريبًا من بدر ونزل قريش بالعدوة) بضمّ العين وكسرها وبهم قرىء في السبع، وقرىء شاذًّا بفتحها جانب الوادي وحافّته. وقال أبو عمرو: المكان المرتفع، (القصوى) البعدى من المدينة تأنيث الأقصى وكان قياسه قلب الواو كالدنيا والعليا تفرقة بين الاسم والصفة فجاء على الاسم؛ كالقعود، وهو أكثر استعمالاً من القصيا؛ كما في الأنوار. (من الوادي، ونزل المسلمون على كثيب) بمثلثة: رمل مجتمع، (أعفر) أحمر أو أبيض ليس بالشديد ولعلّه المراد، (تسوخ فيه الأقدام وحوافر الدواب وسبقهم المشركون إلى ماء ٢٧١ باب غزوة بدر الکبری بدر فأحرزوه، وحفروا القلب لأنفسهم. وأصبح المسلمون بعضهم محدث وبعضهم جنب، وأصابهم الظمأ، وهم لا يصلون إلى الماء، ووسوس الشيطان لبعضهم وقال: تزعمون أنكم على الحق، وفيكم نبي الله. وأنكم أولياء الله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم عطاش، وتصلون محدثني مجنبين، وما ينتظر أعداؤكم إلا أن يقطع العطش رقابكم ويذهب قواكم فيتحكموا فيكم كيف شاؤوا. فأرسل الله عليهم مطرًا سال منه الوادي، فشرب المسلمون واغتسلوا وتوضأوا وسقوا الركاب وملأوا الأسقية، وأطفأ الغبار ولبد الأرض حتى ثبتت عليها الأقدام. وزالت عنهم وسوسة الشيطان، وطابت أنفسهم، بدر، فأحرزوه وحفروا القلب) جمع قليب: البئر قبل أن تبنى بالحجارة ونحوها، (لأنفسهم) ليجعلوا فيها الماء من الآبار المعينة فيشربوا منها ويسقوا دوابهم، ومع ذلك ألقى اللَّه عليهم الخوف حتى ضربوا وجوه خيلهم إذا صهلوا من شدّة الخوف، وألقى الله الأمنة والنوم على المسلمين بحيث لم يقدروا على منعه، (وأصبح المسلمون بعضهم محدث وبعضهم جنب وأصابهم الظمأ) العطش، (وهم لا يصلون إلى الماء) لسبق المشركين له، ثم نهض المسلمون إلى أعدائهم فغلبوهم على الماء وعاروا القلب التي كانت تلي العدوّ فعطش الكفار وجاء النصر، قاله السهيلي ويأتي قريبًا في حديث الحباب. (ووسوس الشيطان لبعضهم، وقال: تزعمون أنكم على الحقّ وفيكم نبيّ اللَّه وأنكم أولياء اللَّه وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم عطاش وتصلّون محدثين) الحدث الأصغر، (مجنبين) محدثين الحدث الأكبر؛ لأنهم لما ناموا احتلم أكثرهم؛ كما في الأنوار، ولم تكن آية التيمم نزلت، فرأى إبليس لعنه اللَّه تلك الغرّة، (وما ينتظر أعداؤكم إلا أن يقطع العطش رقابكم) قطعًا مجازيًّا، فلذا عطف عليه عطف تفسير، (ويذهب قواكم) إذ لو كان حقيقة ما استقام قوله: (فيتحكموا فيكم كيف شاؤوا) من قتل من أرادوا وسبي من أرادوا، (فأرسل اللَّه عليهم مطرًا سال منه الوادي فشرب المسلمون) واتّخذوا الحياض على عدوة الوادي، (واغتسلوا وتوضّأوا وسقوا الركاب) الإبل التي يسار عليها، الواحدة راحلة لا واحد لها من لفظها؛ كما في المختار. (وملأوا الأسقية وأطفأ) المطر (الغبار ولّد الأرض) أيبسها (حتى ثبتت عليها الأقدام) والحوافر (وزالت عنهم وسوسة الشيطان) وردّ كيده في نحره، (وطابت أنفسهم) وضرّ ذلك ٢٧٢ باب غزوة بدر الکبری فذلك قوله تعالى: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ أي من الأحداث والجنابة ﴿ويذهب عنكم رجز الشيطان﴾أي وسوسته ﴿وليربط على قلوبكم﴾ بالصبر ﴿ويثبت به الأقدام﴾ [الأنفال/١١] حتى لا تسوخ في الرمل، بتلبيد الأرض. وبني لرسول الله معلّم. بالمشركين لكون أرضهم كانت سهلة لينة وأصابهم ما لم يقدروا معه على الارتحال، (فذلك قوله تعالى:) ﴿إذ يغشيكم النعاس أمنة منه (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ [الأنفال: ١١] الآية، أي: من الإحداث والجنابة) وهو طهارة الظاهر، (ويذهب عنكم رجز الشيطان، أي: وسوسته) وتخويفه إياهم من العطش، وقيل: الجنابة؛ لأنها من تخييله وهو تطهير الباطن، (وليربط على قلوبكم بالصبر) والإقدام على مجالدة العدوّ وهو شجاعة الباطن، وفي الأنوار: بالوثوق على لطف اللَّه بهم، (ويثبت به الأقدام) أي: بالمطر، (حتى لا تسوخ في الرمل بتلبيد الأرض) وهو شجاعة الظاهر، وفي الأساس تلبّد التراب والرمل ولبّده المطر، ثم قال: ومن المجاز كذا فأفاد أنه هنا حقيقة، وقيل: ضمير به للربط على القلوب حتى تثبت في المعرفة، قال ابن إسحق: فخرج عَِّ يبادرهم إلى الماء حتى جاء أدنى ماء من بدر فنزل به، فقال الحباب بن المنذر بن الجموع: يا رسول الله! هذا منزل أنزلكه اللَّه لا تتقدّمه ولا تتأخّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، قال: فإن هذا ليس بمنزله فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم، فننزل ثم نغور ما وراءه من القلب ثم نبني عليه حوضًا، فنماؤه ماء فنشرب ولا يشربون، فقال عَّ له: ((أشرت بالرأي))، وعند ابن سعد: فنزل جبريل فقال: الرأي ما أشار به الحباب، فنهض عَّةٍ ومن معه من الناس فنزل حتى أتى أدنى ماء من القوم فنزل عليه ثم أمر بالقلب فغورت وبنى حوضاً على القليب الذي نزل عليه، فمىء ماء ثم قذفوا فيه الآية، وقوله: نغور بالغين المعجمة وشدّ الواو، أي: ندفنها ونذهبها وبالعين المهملة بمعناه عند ابن الأثير، وقال أبو ذر: معنى المهملة نفسدها، انتهى. والسهيلي ضبطه بضم المهملة وسكون الواو على لغة من يقول قول القوع وبوع المتاع، انتهى. (وبني لرسول عَّه) بإشارة سعد كما رواه ابن إسحق: حدّثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث أن سعد بن معاد، قال: يا رسول اللَّه! ألا نبني لك عريشًا تكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقي عدونا، فإن أغزنا اللَّه وأظهرنا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا فقد تخلف عنك أقوام يا نبيّ اللَّه ما نجن بأشدّ لك حبًا منهم ولو ظنّوا أنّك ٢٧٣ باب غزوة بدر الكبرى عريش فكان فيه. ثم خرج عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة، ودعا إلى المبارزة، فخرج إليه فتية من الأنصار وهم: عوف ومعاذ ابنا الحرث - وأمهما عفراء - تلقي حرباً ما نخلفوا عنك يمنعك اللَّه بهم يناصحونك ويجاهدون معك، فأثنى عليه عَّهِ خيراً ودعا له بحير. (عريش) شبه الخيمة يستظلّ به، (فكان فيه) قال السمهودي: مكانه الآن عن مسجد بدر وهو معروف عند النخيل والعين قريبة منه، قال: وبقربه في جهة القبلة مسجد آخر يسميه أهل بدر مسجد النظر، ولم أقف فيه على شىء. (ثم) لما عدل عَ ◌ّه صفوف أصحابه وأقبلت قريش ورآها عليه السّلام، فقال: ((اللهمّ هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللَّهمّ فنصرك الذي وعدتني، اللَّهمّ احنهم الغداة))، كما رواه ابن إسحق. (خرج عتبة بن ربيعة) بن عبد شمس بن عبد مناف وقد رآه النبيّ مَّ في القوم على جمل أحمر، فقال: إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر أن يطيعوه ويرشدوا، وذكر ابن إسحق أنه قام خطيبًا، فقال: يا معشر قريش! واللَّه ما تصنعوا بأن تلقوا محمّدًا وأصحابه شيئًا، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه قتل ابن عمّه وابن خاله ورجلاً من عشيرته، فارجعوا وخلّوا بين محمّد وسائر العرب فإن أصابه غيركم فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألقاكم ولم تعدموا منه ما تريدون، وأرسل بذلك حكيم بن حزام إلى أبي جهل فأخبره، فقال: والله ما بعتبه ما قال، ولكنه رأى أن محمّدًا وأصحابه آكلة جزور وفيهم ابنه فتخوفكم عليه ثم أفسد على الناس رأي عتبة وبعث إلى عامر بن الحضرمي، فقال: هذا حليفك يريد الرجوع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك فقم فانشده مقتل أخيك، فقام عامر فصرخ: واعمراه! واعمراه! واعمراه! فحميت الحرب وتعبوا للقتال والشيطان معهم لا يفارقهم، فخرج الأسود المخزومي وكان شرساً سيىء الخلق، فقال: أعاهد اللَّه لأشربن من حوضهم أو لأهتد منه أو لأموتن دونه، فتبعه حمزة رضي الله عنه فضربه دون الحوض فوقع على ظهره تشخب رجله دمًا، ثم اقتحم الحوض زاعمًا أن تبر يمينه فقتله حمزة في الحوض، ثم خرج بعده عتبة (بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة) حتى فصل من الصف، (ودعا إلى المبارزة فخرج إليه فتية من الأنصار، وهم: عوف) بالفاء، قال ابن عبد البرّ: وسماه بعضهم عوذًا أي بالذال وعوف أصح (ومعاذ) كذا في النسخ والذي في الرواية: معوذ (ابنا الحرث) الأنصاريان النجاريان (وأمّهما عفراء) جملة استئنافية لشهرتهما بها لا أنها خرجت معهم وهي بنت ور بنت عبيد ابن ثعلبة الأنصاري الجارية الصحابية، قال في ٢٧٤ باب غزوة بدر الكبرى وعبد الله بن رواحة. فقالوا من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار، قالوا ما لنا بكم حاجة. ثم نادى منادیهم: یا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال علّ: قم يا عبيدة بن الحرث، قم يا حمزة، قم يا علي. فلما قاموا ودنوا منهم قالوا من أنتم؟ فتسموا لهم، قالوا: نعم أكفاء كرام، فبارز عبيدة - وكان أسن القوم - عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة، وبارز علي الوليد بن عتبة. فقتل علي الوليد. هكذا ذكره ابن إسحق. وعند موسى بن عقبة - كما نقله في فتح الباري - برز حمزة لعتبه، وعبيدة الشيبة وعلي للوليد. الإصابة: لها خصوصية لا توجد لغيرها وهي أنها تزوجت بعد الحرث البكير بن ياليل الليثي فولدت له إياسًا وعاقلاً وخالدًا وعامرًا وأربعتهم شهدوا بدراً، وكذلك أخوتهم لأمّهم بنو الحرث، يعني: عوفًا ومعوذًا ومعاذًا، فانتظم من هذا أنها صحابية لها سبعة أولاد شهدوا بدرًا معه عَِّ، (وعبد الله بن رواحة) النقيب البدري الأمير المستشهد بموتة، (فقالوا: من أنتم؟ قالوا: من الأنصار، قالوا: ما لنا بكم حاجة) وفي رواية لابن إسحق: فقال عتبة: أكفاء کرام إنما نريد قومنا، (ثم نادى مناديهم) قال في النور: لا أعرف اسمه، والظاهر أنه أحد الثلاثة: (يا محمّد أخرج) بقطع الهمزة (إلينا أكفاءنا من قومنا،) وعند ابن عقبة وابن عائذ: أنه عَِّ استحيا من خروج الأنصار؛ لأنه أول قتال التقى فيه المسلمون والمشركون وهو عليه السّلام شاهد معهم، فأحبّ أن تكون الشوكة ببني عمّه فنادهم أن ارجعوا إلى صافكم وليقم إليهم بنو عمّهم، (فقال عَّ: ((قم يا عبيدة بن الحرث، قم يا حمزة، قم يا علي))، فلما قاموا ودنوا منهم قالوا: من أنتم؟) لأنهم كانوا متلثمين لما خرجوا فلا يرد أنهم يعرفونهم لولادتهم بمكّة ونشأتهم بينهم، (فتسموا لهم) اختصار لقول ابن إسحق: فقال عبيدة عبيدة، وقال حمزة حمزة، وقال عليّ عليّ، (قالوا: نعم أكفاء كرام فبارز عبيدة وكان أسنّ القوم) المسلمين (عتبة بن ربيعة) وكان أسنّ الثلاثة المشركين، (وبارز حمزة شيبة بن ربيعة، وبارز عليّ الوليد بن عتبة فقتل عليّ الوليد،) وقتل حمزة شيبة واختلف عبيدة وعتبة بضربتين كلاهما أثبت صاحبه فكرّ حمزة وعليّ بأسيافهما على عتبة فذفّفا عليه واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه، (هكذا ذكره ابن إسحق) محمّد في السيرة. (وعند موسى بن عقبة كما في فتح الباري: برز حمزة لعتبة وعبيدة لشيبة وعليّ للوليد ثم ٢٧٥ باب غزوة بدر الکبری ثم اتفقا: فقتل علي الوليد، وقتل حمزة الذي بارزه، واختلف عبيدة ومن بارزه بضربتين، فوقعت الضربة في ركبة عبيدة ومال علي وحمزة على الذي بارزه عبيدة فأعاناه على قتله. وعند الحاكم، من طريق عبد خير عن علي: مثل قول موسى بن عقبة. وعند أبي الأسود عن عروة مثله. وأورد ابن سعد من طريق عبيدة السلماني: أن شيبة لحمزة، وعبيدة لعتبة، وعليا للوليد، قم قال: الثبت أن عتبة لحمزة، وشيبة لعبيدة. وأخرج أبو داود عن علي قال: تقدم عتبة وتبعه ابنه وأخوه، فنادى: من يبارزه فانتدب له شبان من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه، فقال: اتّفقا) معًا على قولهما (فقتل عليّ الوليد، وقتل حمزة الذي بارزه) وهو عتبة أو شيبة على الروايتين (بضربتين) بأن ضرب كل واحد منهما صاحبه ضربة أثخنه بها، (فوقعت الضربة في ركبة عبيدة،) فمات منها لما رجعوا بالصفراء كما في الفتح قبل قوله: (ومال حمزة وعليّ على الذي بارزه عبيدة فأعاناه على قتله،) فهو قاتله بإعانتهما، وعلى رواية ابن إسحق: هما اللذان قتلاه، أي: عجلا موته وإلا فعبيدة كان أثخنه. (وعند الحاكم من طريق عبد خير) بن يزيد الهمداني اللذان قتلاه أي قال في التقريب: مخضرم ثقة لم يصح له صحبة، (عن عليّ مثل قول موسى بن عقبة وعند أبي الأسود) محمّد يتيم عروة (عن عروة) بن الزبير (مثله) فقويت رواية ابن عقبة على ابن أسحق، (وأرود ابن سعد من من طريق عبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة ابن عمرو، وقيل: ابن قيس بن عمرو (السلماني) الكوفي التابعي الكبير أحد الأعلام أسلم قبل وفاته عَلَّة بسنتين ولم يلقه ومات سنة سبعين، وقيل: ثلاث وقيل أربع وسبعين (أن شيبة لحمزة وعبيدة لعتبة) مثل ما عند ابن إسحق (وعليًا للوليد، ثم قال) ابن سعد القول (الثبت) أي القويّ: (أن عتبة لحمزة وشيبة لعيبدة،) لوروده عن عليّ الذي هو أحد الثلاثة من طرق عدّة ومن وجوه الترجيح حضور الراوي للقصّة ثم اعتضد بمرسل عروة، وهو من كبار التابعين لا سيّما أن كان حمله عن أبيه وهو من البدريين، وجزم به موسى بن عقبة في مغازيه التي قال مالك والشافعي: إنها أصح المغازي. قال في فتح الباري: قال بعض من لقيناه: أتّفقت الروايات على أن عليًّا للوليد، وإنما اختلف في عتبة وشيبة أيّهما لعبيدة وحمزة والأكثر أن شيبة لعبيدة، قلت: (و) في دعوى الاتّفاق نظر، فقد (أخرج أبو داود) من طريق لحرث بن مضرب (عن عليّ، قال: تقدّم عتبة وتبعه ابنه وأخوه فنادى من يبارزه فانتدب له) أي: أجابه (شتّان من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه فقال: ٢٧٦ باب غزوة بدر الكبرى لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا، فقال عَّله: قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة، فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت إلى شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا على الوليد فقتلناه واحتملنا عبيدة. قال الحافظ ابن حجر: وهذا أصح الروايات، لكن الذي في السير من أن الذي بارزه علي هو الوليد هو المشهور وهو اللائق بالمقام، لأن عبيدة وشيبة كانا شيخين كعتبة وحمزة، بخلاف علي والوليد فكانا شابين. وقد روى الطبراني بإسناد حسن عن علي قال: أعنت أنا وحمزة عبيدة بن الحرث على الوليد بن عتبة، فلم يعب النبي ◌َّ﴾. علينا ذلك. وهذا موافق لرواية أبي داود. لا حاجة لنا فيكم إنما أردنا بني عمّنا، فقال عَّهِ: ((قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة)، فأقبل حمزة إلى عتبة) فهذا طريق ثان عن عليّ أنه له لا لشيبة، (وأقبلت إلى شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان فأثخن كل واحد منهما صاحبه،) فصرّح بأن الوليد لعبيدة وشيبة لعليّ بخلاف ما ادعى عليه ذلك البعض الاتّفاق مع صحته، (ثم ملنا على الوليد فقتلناه واحتملنا عبيدة) إلى رسول اللَّه عَ لَّه ومخ ساقه يسيل، فقال: أُشهيد أنا يا رسول اللَّه، قال: نعم، قال: وددت واللَّه أن أبا طالب كان حيًّا ليعلم إننا أحقّ منه، بقوله: ونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل ثم أنشأ يقول: فإن يقطعوا رجلي فإني مسلم أرجى به عيشًا من اللَّه عاليا وألبسني الرحمن من فضل منه لباسًا من الإسلام غطّى المساويا هذا بقية رواية أبي داود. (قال الحافظ ابن حجر: وهذا أصح الروايات) من جهة الإسناد؛ لأن إسناد أبي داود صحيح، (لكن الذي في السّير من أن الذي بارزه عليّ هو الوليد هو المشهور، وهو اللائق بالمقام؛ لأن عبيدة وشيبة) مبارزة عند الأكثرين، (كانا شيخين) فإن سنّ عبيدة يومئذ ثلاث وستون سنة، (كعتبة وحمزة) مبارزه على الأرجح، فإن سن حمزة حينئذ كان ثمانيًا وخمسين سنة، (بخلاف عليّ والوليد فكانا شابّين) إذ سنّ عليّ يومئذ عشرون سنة، (وقد روى الطبراني بإسناد حسن عن عليّ، قال: أعنت أنا وحمزة عبيدة بن الحرث على الوليد بن عتبة، فلم يعب النبيّ عَِّ علينا ذلك،) ففيه جواز الإعانة لمن فرغ من قرنه، (وهذا موافق لرواية أبي داود) في ٢٧٧ باب غزوة بدر الکبری والله أعلم. انتهى. قال ابن إسحق: ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض. ورسول الله عَّ في العريش أن الوليد لعبيدة فكيف يقول ذلك البعض. اتفقت الروايات على أن عليًا للوليد (واللّه أعلم) بما كان من ذلك، (انتهى) كلام الحافظ، وفيه جواز المبارزة خلافًا لمن أنكرها؛ كالحسن البصري وشرط الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحق للجواز إذن أمير الجيش وفضيلة ظاهرة لعبيدة وحمزة وعليّ رضي اللَّه عنهم، وقد أقسم أبو ذرّ أن ﴿هذان خصمان اختصموا في ربّهم﴾ [الحج: ١٩]، نزلت في الذين برزوا يوم بدر فذكر هؤلاء الستّة، وقال عليّ: أنا أوّل من يجثو بين يديّ الرحمن للخصومة يوم القيامة فينا نزلت هذه الآية ﴿هذان خصمان اختصموا في ربّهم﴾ [الحج: ١٩]، رواهما البخاري. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس: أنّها نزلت في أهل الكتاب، قالوا للمؤمنين نحن أولى باللّه منكم، وأقدم كتابًا، ونبيّنا قبل نبيّكم، فقال المؤمنون: نحن أحقّ باللَّه آمنًا بمحمّد وبنبيّكم وبما أنزل اللَّه من کتاب. وعن مجاهد: أنها مثل المؤمن والكافر اختصما في البعث، وهذا يشمل جميع الأقوال وينتظم فيه قصة بدر وغيرها، فالمؤمنون يريدون نصرة دين اللَّه، والكافرون إطفاء نور الإيمان وخذلان الحقّ وظهور الباطل، واختار ابن جرير هذا واستحسن، ولذا قال: فالذين كفروا قطّعت لهم ثیاب من نار. (قال ابن إسحق و)لمّا قتل المبارزون وخرج عَّه من العريش لتعديل الصفوف ثم عاد إليه (تزاحف الناس) أي: مشى كل فريق جهة الآخر، (ودنا) قرب (بعضهم من بعض) وعند ابن إسحق أيضًا: أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوضه عَّه، فقال: ((دعوهم فما شرب منه رجل يومئذ إلاَّ قتل))، إلا حكيم بن حزام ثم أسلم وحسن إسلامه، فكان إذا اجتهد في يمينه قال: لا والذي نّاني من يوم بدر، وأمر عَّ أصحابه أن لا يحملوا على المشركين حتى يأمرهم وإن أكثبوكم فانضحوهم عنكم بالنبل، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم واستبقوا نبلكم، فقال أبو بكر: يا رسول الله ! قد دنا القوم ونالوا منّا، فاستيقظ وقد أراه اللَّه إياهم في منامه قليلاً فأخبر أصحابه فكان تثبيتًا لهم. وفي الصحيح عن أبي أُسيد: قال لنا عَّه يوم بدر: ((إذا أكثبوكم فارموهم واستبقوا نبلكم))، قال ابن السكيت: أكثب الصيد إذا أمكن من نفسه، فالمعنى: إذا قربوا منكم فأمكنوكم فارموهم واستبقوا نبلكم في الحالة التي إذا رميتم لا تصيب غالبًا. (ورسول اللَّه عَّ في العريش ٢٧٨ باب غزوة بدر الكبرى ومعه أبو بكر، ليس معه فيه غيره، وهو عليه الصلاة والسلام يناشد ربه انجاز ما وعده من النصر ويقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإيمان اليوم فلا تعبد في الأرض أبدًا .. وأبو بكر يقول: يا رسول الله، خل بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك. وعند سعيد بن منصور من طريق عبيد الله ابن عبد الله ابن عتبة، ومعه أبو بكر ليس معه فيه غيره) وسعد بن معاذ متوشّحًا سيفه في نفر من الأنصار على باب العريش يحرسونه، (وهو عليه الصّلاة والسّلام يناشد) أي: يسأل (ربّه إنجاز ما وعده من النصر) قال تعالى: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين﴾ [الأنفال: ٧] ﴿وكان حقًّا علينا نصر المؤمنين﴾ [الروم: ٤٧] الآية، ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون﴾ [الصافات: ١٧١، ١٧٢، ١٧٣]، (ويقول) مع سؤال ذلك: («اللّهمّ إن تهلك هذه العصابة))). قال النووي: ضبطوه بفتح التاء وضمّها فعلى الفتح العصابة بالرفع فاعل، وعلى الضمّ بالنصب مفعول، والعصابة: الجماعة، انتهى. وجوّز نصبها مع فتح التاء على أنّه متعدّ والثلاثة مع كسر اللام، وفي لغة بني تميم بفتح اللام مع فتح التاء ورفع ما بعده، فهي أربعة لكن الرواية بالأوّليين فقط؛ كما أفاده النووي بقوله ضبطوه بل اقتصر الحافظ على فتح التاء وكسر اللام ورفع العصابة ففيه إشارة إلى أنه أشهر الروايتين. (من أهل الإيمان اليوم فلا تعبد في الأرض أبدًا) لفظ ابن إسحق الذي هو ناقل عنه: ((اللَّهمَّ إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد)). وفي حديث ابن عباس عند البخاري: ((اللهمّ إني أنشدك عهدك ووعدك، اللَّهمّ إن شئت لم تعبد). وفي حديث عمر عند مسلم: ((اللَّهمَّ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، لا تعبد في الأرض))، والاعتذار للمصنّف بأنه نقله بالمعنى إشارة إلى أن المراد من الإيمان والإسلام واحد، إنما يصح لو عزاه المصنّف لمسلم، وهو إنما نقله عن ابن إسحق، ولم يقع ذلك عنده، وفيه إشعار بأن من أسباب سؤاله ربّه إنجاز وعده بقاء عبادته في الأرض. (وأبو بكر يقول) شفقة عليه ومحبّة: (يا رسول اللَّه! خلّ) أترك (بعض مناشدتك) مصدر مضاف لفاعله و (ربّك) مفعوله، وعلّله بقوله: (فإن اللَّه منجز) قاض أو معجل (لك ما وعدك) من النصر والظفر عليهم وغير ذلك. (وعند سعيد بن منصور) بن شعبة، أبي عثمن الخراساني الحافظ الثقة أحد الأعلام صاحب السنن، أخذ عن ملك والليث وخلق، وعنه أحمد ومسلم وأبو داود وغيرهم، مات بمكّة سنة سبع وعشرين ومائتين، وهو في عشر التسعين، (من طريق عبيد اللَّه) بضمّ العين (ابن عبد اللَّه) بفتحها (ابن عتبة) بضمّ العين وإسكان الفوقية ابن مسعود الهذلي، أبي عبد اللَّه المدني ٢٧٩ باب غزوة بدر الكبرى قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله عَّل إلى المشركين تكاثرهم وإلى المسلمين فاستقلهم، فركع ركعتين وقام أبو بكر عن يمينه، فقال عليه السلام وهو في صلاته: اللهم لا تخذلني، اللهم إني أنشدك ما وعدتني. وروى النسائي والحاكم عن علي قال: قاتلت يوم بدر شيئًا من قتال، ثم جئت فإذا رسول الله عَ ◌ّه يقول في سجوده: يا حي، يا قيوم. فرجعت وقاتلت ثم جئت فوجدته كذلك. وفي الصحيح: أن رسول الله عَّ لما كان يوم بدر في العريش مع الصديق رضي الله عنه، أخذت رسول الله عَّله سنة من النوم التابعي الوسط الثقة الثبت الفقيه كثير العلم والحديث، أحد الفقهاء السبعة المتوفى سنة أربع أو ثمان أو خمس أو تسع وتسعين، (قال: لمَّا كان) تامّة، أي: حضر (يوم بدر نظر رسول اللَّه عَله. إلى المشركين) إلى (تكاثرهم) وفي نسخة: فتكاثرهم بفتح المثلثة والراء من التفاعل، وهي أنسب بقوله: (وإلى المسلين فاستقلهم) من القلّة (فركع ركعتين) أي: أحرم بهما لا فرغ منهما لما بعده، (وقام أبو بكر عن يمينه) يحرسه لا يصلّي معه، ويؤيّده قول عليّ: قام أبو بكر شاهر السيف على رأسه عٍَّ لا يهوى إليه أحد إلاَّ أهوى إليه، (فقال عليه السّلام، وهو في صلاته:) لعلّه في سجودها إذ هو الأليق بمقام الدعاء لخبر أقرب ما يكون العبد من ربّه، وهو ساجد: ((اللَّهمّ) أسقط من رواية من عزا له: ((لا تودع مني، اللَّهمّ)، (لا تخذلني) بفتح التاء وضمّ المعجمة، أي: لا تترك عوني ونصري، (اللّهمّ إني أنشدك) بفتح الهمزة وسكون النون وضمّ المعجمة والدال، أي: أطلب منك (ما وعدتني) وعند الطبراني بإسناد حسن عن ابن مسعود: ما سمعنا مناشدًا ينشد ضالّة أشدّ من مناشدة محمّد لربّه يوم بدر: ((اللَّهمّ أنشدك ما وعدّتني)). (وروى النسائي والحاكم عن عليّ، قال: قاتلت يوم بدر شيئًا من قتال، ثم جئت) لاستكشاف حاله عَّهِ، (فإذا رسول اللَّه عَلَّهُ يقول في سجوده: ((يا حيّ يا قيوم)») أي: لا يزيد على ذلك؛ كذا قاله الشامي ولا يعارضه الحديث قبله المحتمل أنه قال ما فيه من سجوده؛ لأنه قاله قبل إتيان عليّ، (فرجعت فقاتلت، ثم جئته فوجدته كذلك) فعل ذلك أربع مرّات، وقال في الرابعة: ففتح عليه. (وفي الصحيح: أن رسول اللَّه عٍَّ لمَّا كان يوم بدر في العريش مع الصدّيق رضي اللَّه عنه، أخذت رسول اللَّه عَّهِ سنة من النوم) فتور يتقدم النوم، يحتمل بعد فراغه من صلاته، ويحتمل فيها. وعند ابن إسحق: أنه عليه السّلام خفق في العريش خفقة، قال في النور: بفتح ٢٨٠ باب غزوة بدر الكبرى ثم استيقظ متبسمًا، فقال: أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثناياه النقع ثم خرج من باب العريش وهو يتلو ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾. المعجمة والقاف، أي: حرّك رأسه وهو ناعس، انتهى. ففيه أنه لم يستغرق على أنه لو استغرق ما ضرّ؛ لأن نومه ليس بناقض. (ثم استيقظ متبسّمًا، فقال: ((أبشر) بقطع الهمزة (يا أبا بكر،) زاد ابن إسحق: أتاك نصر اللَّه، (هذا جبريل على ثناياه النقع) بفتح النون وسكون القاف وعين مهملة: الغبار إشارة للاهتمام بمناصرته عَّةٍ ليدخل عليه وعلى أصحابه السرور. وفي البخاري عن ابن عباس: أن النبيّ عَّه قال يوم بدر: ((هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب)). قال الحافظ: وأخرج سعيد بن منصور تتمّة لهذا الحديث مفيدة من مرسل عطية بن قيس: أن جبريل أتى النبيّ عَّ بعدما فرغ من بدر على فرس حمراء معقودة الناصية قد عصب الغبار ثنيته عليه درعه، وقال: ((يا محمّد إن اللَّه بعثني إليك وأمرني أن لا أُفارقك حتى ترضى، أفرضيت؟ قال: نعم)). وروى البيهقي عن عليّ، قال: هبت ريح شديدة لم أَرَ مثلها، ثم هبّت ريح شديدة، وأظنه ذكر ثالثة؛ فكانت الأولى جبرائيل، والثانية ميكائيل، والثالثة إسرافيل؛ فكان ميكائيل عن يمين النبيّ عَّه، وفيها أبو بكر؛ وإسرافيل عن يساره، وأنا فيها، انتهى. ورواه ابن سعد وذكر الثلاثة جزمًا، وقال: فكانت الأولى جبريل في ألف من الملائكة مع النبيّ عَ له، والثانية ميكائيل في ألف عن يمينه، والثالثة إسرافيل في ألف عن يساره. وأخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم وصحّحه والبيهقي عن عليّ، قال: قيل لي ولأبي بكر يوم بدر: مع أحدكما جبريل ومع الآخر ميكائيل وإسرافيل، ملك عظيم يحضر الصف ويشهد القتال. قال الحافظ: والجمع بينه وبين هبّت ريح ... الخ، ممكن. (ثم خرج من باب العريش، وهو يتلو: ﴿سيهزم الجمع ويولّون الدبر﴾ [القمر: ٤٥]) الآية،) قال الزجاج: يعني الإدبار؛ لأن اسم الواحد يقع على الجمع، أي: سيفرق شملهم ويغلبون، وقيل: أفرد لأن كل واحد يولّي دبره. وقيل: إشارة إلى أنهم في التولية والهزيمة كنفس واحدة ولا يثبت أحد فيهم دبر أحد. وقيل: لأجل رؤوس الآي، وفي هذا علم من أعلام النبوّة؟ لأن هذه الآية نزلت بمكّة وأخبرهم بأنّهم سيهزمون في الحرب، فكان كما قال. وأخرج الطبري وابن مردويه عن ابن عباس: لمَّا نزلت ﴿سيهزم الجمع ويولّون الدّبر﴾ [القمر: ٤٥] الآية، قال عمر: أن جمع يهزم فلمَّا كان يوم بدر رأيت رسول اللَّه عَّةِ ثبت في الدرع، وهو يقول: ((سيهزم الجمع)). ولابن مردويه عن أبي هريرة عن عمر: لمّا نزلت هذه الآية، قلت: يا رسول اللَّه! أي جمع؟ فذكره. ولابن أبي حاتم: فعرفت تأويلها يوم بدر.