النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
كتاب المغازي
وقاتل في تسع منها بنفسه: بدر، وأحد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، وخيبر،
وفتح مكة، وحنين، والطائف. وهذا على قول من قال: فتحت مكة عنوة.
وكانت سراياه التي بعث فيها سبعًا وأربعين سرية. وقيل: إنه قاتل في بني
النضير.
والعسيرة هي الثالثة، انتهى.
(وقاتل في تسع منها) قال ابن تيمية: لا يعلم أنه قاتل في غزاة إلا في أُحُد ولم يقتل أحد
إلا أُبيّ بن خلف فيها، فلا يفهم من قولهم: قاتل في كذا أنه بنفسه كما فهمه بعض الطلبة ممن
لا اطّلاع له على أحواله عليه السلام، انتهى. ففي قوله: (بنفسه) شىء، وأجيب بأن المراد قتال
أصحابه بحضوره فنسب إليه لكونه سببًا في قتالهم، ولم يقع في باقي الغزوات قتال منه ولا
منهم، قال في النور: قد يرد على ابن تيمية حديث: كنّا إذا لقينا كتيبة أو جيشًا أوّل من يضرب
النبيّ عێـ، ويمكن تأويله.
(بدر وأحد والمريسيع والخندق وقريظة وخيبر وفتح مكّة وحنين والطائف) وقال ابن
عقبة: قاتل في ثمان وأهمل عدّ قريظة؛ لأنه ضمها للخندق لكونها أثرها وأفردها غيره لوقوعها
مفردة بعد هزيمة الأحزاب، وكذا وقع لغيره وعدّ الطائف وحنين واحدة لكونها كانت في أثرها؛
هكذا في فتح الباري وأيما كان لا ينفي أنه قاتل في جميعها، غايته أنه على عد الإثنتين واحدة
بالاعتبار المذكور يكون قاتل في موضعين منها.
(وهذا على قول من قال:) وهم الجمهور (فتحت مكّة عنوة) أي: بالقهر والغلبة. وأمّا
على قول الأقل: فتحت صلحًا، فيكون القتال في ثمان. (وكانت سراياه) أراد بها ما يشمل
البعوث، لقوله الآتي: وكان أوّل بعوثه، ولقوله: (التي بعث فيها سبعًا وأربعين سرية) كما رواه
ابن سعد عمّن ذكر في عدّ المغازي، وبه جزم أوّل الاستيعاب فيما قال الشامي، والذي في
النور: قال ابن عبد البرّ في ديباجة الاستيعاب: كانت بعوثه وسراياه خمسًا وثلاثين من بعث
وسرية، انتهى. وقال ابن إسحق: رواية البكائي ثمانيًا وثلاثين. وفي الفتح عن ابن إسحق: سنًّا
وثلاثين، والواقدي: ثمانيًا وأربعين. وابن الجوزي: سنًّا وخمسين. والمسعودي: ستّين ومحمد بن
نصر المروزي سبعين. والحاكم في الإكليل: إنها فوق المائة. قال العراقي: ولم أجده لغيره،
وقال الحافظ: لعلّه أراد بضم المغازي إليها وقرأت بخطّ مغلطاي أن مجموع الغزوات والسرايا
مائة؛ وهو كما قال، انتهى.
(وقيل:) وحكاه اليعمري بلفظ: وفي بعض رواياتهم (إنه قاتل في بني النضير) ولكن الله
جعلها له نفلاً خاصة وقاتل في غزوة وادي القرى، وقاتل في الغابة، انتهى. ولم يقدم هذا على

٢٢٢
كتاب المغازي
وأفاد في فتح الباري: أن السرية - بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد
التحتانية - هي التي تخرج بالليل، والسارية: التي تخرج بالنهار.
قال: وقيل سميت بذلك - يعني السرية - لأنها تخفي ذهابها. وهذا يقتضي
أنها أخذت من السر، ولا يصح، لاختلاف المادة.
وهي قطعة من الجيش تخرج منه وتعود إليه، وهي من مائة إلى خمسمائة،
وما زاد على الخمسمائة يقال له: منسر - بالنون ثم المهملة
عدّ السرايا؛ لأنه أراد حكاية المروي عن الجماعة على حدّة ثم تذكر ما في بعض رواياتهم، وأفاد عَّ
حكمة بعوثه وسراياه، فقال: ((والذي نفسي بيده، لولا أن أشقّ على المسلمين ما قعدت خلاف سرية
تغزو في سبيل اللَّه أبدًا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة فيتبعوني، ويشقّ أن يقعدوا
بعدي، والذي نفسي بيده، لوددت أني أغزو في سبيل اللَّه فأُقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم
أحيا ثم أقتل))، رواه لملك وأحمد والشيخان عن أبي هريرة بتكرير ثم ستّ مرات.
(وأفاد في فتح الباري أن السرية بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد التحتانية، هي: التي
تخرج بالليل) وجمعها سرايا وسرايات، مثل: عطيّة وعطايا وعطايات. (والسارية) بالتحتية أيضًا
وقراءته بموحدة غلط، (التي تخرج بالنهار) سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم
من الشىء النفيس؛ كما في النهاية.
(قال) في الفتح: (وقيل سمّيت بذلك لأنها تخفي ذهابها) فتسري في خفية (وهذا
يقتضي أنها أخذت من السر ولا يصح لاختلاف المادّة؛) لأن لام السرراء وهذه ياء، قاله ابن
الأثير. وأجاب شيخنا: بأن اختلاف المادّة إنما يمنع الاشتقاق الصغير وهو ردّ فرع إلى أصل
لمناسبة بينهما في المعنى والحروف الأصلية، ويجوز أنه أراد بالأخذ مجرّد الرد للمناسبة
والاشتراك في أكثر الحروف. (وهي قطعة من الجيش تخرج منه) فتغير (وتعود إليه) وكأنه أُريد
بالجيش عسكر الأمام، فيشمل ما إذا بعث طائفة مستقلّة كسريّة حمزة، (وهي من مائة إلى
خمسمائة) قضيته أن ما دونها لا يسمّى سرية وهو مخالف لقوله نفسه في مقدّمة الفتح، قال ابن
السكيت: السرية ما بين الخمسة إلى الثلاثمائة، وقال الخليل: نحو أربعمائة، انتهى.
ونحوه في القاموس، بل في النهاية: يبلغ أقصاها أربعمائة، (وما زاد على الخمسمائة،
يقال له: منسر بالنون ثم المهملة) بوزن مجلس ومنبر؛ كما في القاموس.
وهذا لا يوافق المصباح ولا القاموس، فإنه حكى أقوالاً أكثرها أن المنسر من المائة إلى
المائتين، وصدر به المصباح وقابله بقول الفارابي جماعة من الخيل، ويقال: هو الجيش لا يمرّ

٢٢٣
كتاب المغازي
فإن زاد على الثمانمائة سمي جيشًا، فإن زاد على أربعة آلاف سمي جحفلاً،
والخميس: الجيش العظيم، وما افترق من السرية يسمى بعثًا، والكتيبة ما اجتمع
ولم ينتشر، انتهى ملخصًا.
بشىء إلا اقتلعه. (فإن زاد على الثمانمائة) الأولى حذف أل لقولهم: إنها لا تدخل على أوّل
المتضايفين مع تجرّد الثاني بإجماع كالثلاثة أثواب، قاله في الهمع إلا أن يقرأ مائة بالنصب
بإجراء أل في تصحيح المميز مجرى التنوين؛ والنون كما في التصريح في نحوه. (سمّي جيشًا)
وقال ابن خالويه: الجيش من ألف إلى أربعة آلاف، وأسقط المصنّف من الفتح قوله: وما بين
المنسر والجيش يسمّى هبطة؛ لأنه فشر الجيش بما زاد على ثمانمائة فلم يكن بين المنسر
والجيش واسطة ثم حرّر ضبط هبطة، (فإن زاد على أربعة آلاف سمّي جحفلاً بفتح الجيم
والفاء بينهما مهملة ساكنة، وأسقط من الفتح قوله: فإن زاد فجيش جرار بفتح الجيم وراء
مهملتين الأولى مشددة.
(والخميس) بلفظ اليوم (الجيش العظيم) الكثير، وكذا المجير والمدهم والعرمرم؛ كما
في سامي الأسامي. وقال ابن خالويه: الخميس من أربعة آلاف إلى اثني عشر ألفًا، (وما افترق
من السرية يسمّى بعثًا) وقدم أن مبدأها مائة، فظاهره: أن ما دون المائة يسمّى بعثًا لكن بقية كلام
الفتح وهو فالعشرة فما بعدها تسمّى حفيرة، والأربعون عصبة وإلى ثلاثمائة مقنب بقاف ونون
وموحدة، أي: بكسر الميم وسكون القاف وفتح النون فإن زاد سمّي جمرة بجيم مفتوحة وسكون
الميم، انتهى. يفيد تخصيص البعث بما دون العشرة.
(والكتيبة) بفتح الكاف وكسر الفوقية وإسكان التحتية فموحدة فتاء تأنيث: (ما اجتمع
ولم ينتشر) وفي القاموس: الكتيبة الجيش أو الجماعة المتحيزة من الخيل أو جماعة الخيل إذا
أغارت من المائة إلى الألف، (انتهى) كلام فتح الباري في قول البخاري في أواخر المغازي باب
السرية التي قبل نجد (ملخّصًا.) بمعنى أنه أسقط منه ما ذكرته عنه لا التلخيص المتعارف،
ومقتضاه: أن ما أرسله الإمام مستقلاً وهو دون مائة لا يسمّى بعثًا ولا سريّة. وفي القاموس:
البعث، ويحرّك الجيش جمعه بعوث.
وقال ابن خالويه: أقلّ العساكر الجريدة، وهي قطعة جردت من سائرها لوجه ما، ثم السرية
أكثرها وهي من خمسين إلى أربعمائة، ثم الكتيبة من أربعمائة إلى ألف، ثم الجيش من ألف إلى
أربعة آلاف، وكذلك الفيلق والجحفل، ثم الخميس من أربعة آلاف إلى اثني عشر ألفًا، والعسكر
یجمعها انتھی.
روى أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي، وحسّنه عن صخر بن وداعة مرفوعًا: ((اللَّهمّ بارك

٢٢٤
بعث حمزة رضي الله عنه
بعث حمزة رضي الله عنه
وكان أول بعوثه عَِّ على رأس سبعة أشهر، في رمضان، وقيل في ربيع
الأول سنة اثنتين. بعث عمه حمزة، وأمره على ثلاثين رجلاً من المهاجرين.
وقيل من الأنصار، وفيه نظر، لأنه لم يبعث أحدًا من الأنصار حتى غزا بهم
بدرًا، لأنهم شرطوا له أن يمنعوه في دارهم.
فخرجوا يعترضون عیرًا لقریش،
لأُمتي في بكورها)). قال صخر: وكان عَّه إذا بعث سريّة بعثها أوّل النهار، وكان صخر تاجرًا
وكان لا يبعث غلمانه إلاّ من أوّل النهار فكثر ماله حتى كان لا يدري أين يضعه. وروى الطبراني
عن عمران: كان عَّه إذا بعث سرية أغزاها أوّل النّهار، وقال: ((اللَّهمّ بارك لأمّتي في بكورها)).
بعث حمزة رضي الله عنه
(وكان أوّل بعوثه عَّله) حال كونه (على رأس سبعة أشهر في رمضان) قال ابن سعد،
أي: تقريبًا أو اعتبرت السبعة من أوّل تهيئه للخروج من مكّة، فلا ينافي ما مرّ أن قدومه كان
لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأوّل أو ثلاثة عشرة أو اثنتين وعشرين أو لليلتين، (وقيل: في
ربيع الأول سنة اثنتين) قاله المدائني، وقال أبو عمر: بعد ربيع الآخر، (بعث عمّه حمزة) كما
رواه ابن عائذ عن عروة، وجزم به ابن عقبة والواقدي وأبو معشر وابن سعد في آخرين، وقيل:
أوّلها بعث عبيدة، وقيل: عبد اللَّه بن جحش، قال ابن عبد البرّ: والأوّل أصح. (وأمّره على ثلاثين
رجلاً من المهاجرين) قاله ابن سعد وغيره، (وقيل: من الأنصار) كذا في النسخ، وصوابه: ومن
الأنصار، بالواو إذ لم يقل أحد بخلوّهم من المهاجرين.
وقد حكى مغلطاي وغيره القولين على ما صوّب، وذكر بعضهم: أنهم كانوا شطرين من
المهاجرين والأنصار، (وفيه نظر؛ لأنه) كما قال ابن سعد: (لم يبعث أحدًا من الأنصار حتى غزا
بهم بدرًا؛ لأنهم شرطوا له) ليلة العقبة (أن يمنعوه في دارهم) ولذا لما أراد بدرًا صار يقول:
أشيروا عليّ، حتى قال الأنصاري: كأنك تريدنا يا رسول اللَّه؟ قال في النور: وذكر ابن سعد في
غزوة بواط أن سعد بن معاذ حمل اللواء وكان أبيض، فهذا تناقض منه. ويحتمل أن خروج سعد
فيها من غير أن يندبه عليه السّلام، إلاّ أن حمل اللواء يعكر على ذلك. والظاهر أن ابن سعد أراد
أنه لم يبعث أحدًا منهم، وتخلّف عليه السلام إلى غزوة بدر، وبعدها جهّزهم وقعد، لكن آخر
الكلام یعکر علی ھذا التأويل، انتهى.
(فخرجوا يعترضون عيرًا لقريش) جاءت من الشام تريد مكّة، أي: يتعرّضون لها ليمنعوها

٢٢٥
بعث حمزة رضي الله عنه
فيها أبو جهل اللعين، فلقيه في ثلاثمائة راكب فبلغوا سيف البحر من ناحية العيص،
فلما تصافوا حجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني، وكان عليه الصلاة والسلام قد
عقد له لواء أبيض.
((واللواء هو العلم الذي يحمل في الحرب، يعرف به موضع صاحب
الجيش، وقد يحمله أمير الجيش، وقد يدفعه لمقدم العسكر.
وقد صرح جماعة من أهل اللغة بترادف اللواء والراية، لكن روى أحمد
والترمذي عن ابن عباس: كانت راية رسول الله عَّ سوداء، ولواؤه أبيض، ومثله
عند الطبراني عن بريدة،.
من مقصدها باستيلائهم عليها، (فيها أبو جهل اللعين فلقيه في ثلاثمائة راكب،) قاله ابن إسحق
وابن سعد. وقال ابن عقبة: في ثلاثين ومائة راكب من المشركين، (فبلغوا سيف) بكسر المهملة
وسكون التحتية وبالفاء: ساحل (البحر من ناحية العيص) بكسر العين وسكون التحتية وصاد
مهملتين، (فلما تصافوا) للقتال (حجز) بفتح الحاء والجيم وبالزاي: فصل (بينهم مجدي) بفتح
الميم وسكون الجيم وكسر الدال المهملة وياء كياء النسب (ابن عمرو الجهني) وكان موادعًا
للفريقين، أي: مصالحًا مسالمًا. قال في النور: ولا أعلم له إسلامًا، فانصرف بعض القوم عن
بعض ولم يكن بينهم قتال، وأفاد الواقدي أن رهط مجدي قدموا عليه عَّه فكساهم، وقال في
مجدي: إنه ما علمت ميمون النقيبة مبارك الأمر، أو قال: رشيد الأمر، (وكان عليه الصّلاة
والسّلام قد عقد له) أي: لحمزة، (لواء) بكسر اللام والمد.
روي أبو يعلى عن أنس رفعه: ((إن اللَّه أكرم أُمّتي بالألوية)، وسنده ضعيف. (أبيض) زاد
ابن سعد: وكان الذي حمله أبو مرثد البدري، أي: بفتح الميم وإسكان الراء وفتح المثلثة ودال
مهملة: كناز بفتح الكاف وشدّ النون فألف فزاي، ابن الحصين بمهملتين مصغر الغنوي بفتح
المعجمة والنون نسبة إلى غني بن يعصر حليف حمزة. (واللواء) كما قال الحافظ في غزاة خيبر
(هو العلم الذي يحمل في الحرب يعرف به موضع صاحب) أي: أمير (الجيش، وقد يحمله
أمير الجيش وقد يدفعه لمقدّم العسكر) وفي الفتح أيضًا في الجهاد: اللواء الراية، ويسمّى أيضًا
العلم وكان الأصل أن يمسكها رئيس الجيش ثم صارت تحمل على رأسه، (وقد صرّح جماعة
من أهل اللغة بترادف اللواء والراية) فقالوا: في كل منها علم الجيش، ويقال: أصل الراية الهمز
وآثرت العرب تركه تخفيفًا ومنهم من ينكر هذا القول، ويقول: لم يسمع الهمز.
(لكن روى أحمد والترمذي عن ابن عباس،) قال: (كانت راية رسول اللّه ◌َ له سوداء
ولواؤه أبيض، ومثله عند الطبراني عن بريدة) بن الحصيب بمهملتين: مصغر الأسلمي، (و)مثله

٢٢٦
سرية عبيدة المطلبي
وعند ابن عدي عن أبي هريرة وزاد: مكتوب فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وهو ظاهر في التغاير، فلعل التفرقة فيه عرفية.
وذكر ابن إسحق، وكذا أبو الأسود عن عروة: أن أول ما حدثت الرايات يوم
خيبر، وما كانوا يعرفون قبل ذلك إلا الألوية)) انتهى.
[سرية عبيدة المطلبي]
ثم سرية عبيدة بن الحرث إلى بطن رابغ، في شوال، على رأس ثمانية
◌ُشھر،
(عند ابن عدي) الحافظ عبد اللَّه أبي أحمد الجرجاني أحد الأعلام، مات سنة خمس وستّين
وثلاثمائة، (عن أبي هريرة، وزاد: مكتوب فيه: لا إله إلاَّ اللَّه محمّد رسول اللَّه))) وروى أبو داود
عن رجل: رأيت راية رسول اللَّه عَل ◌ُله صفراء، وجمع الحافظ بينهما باختلاف الأوقات، قال:
وقيل: كانت له راية تسمّى العقاب سوداء مربّعة وراية تسمّى الربية بيضاء، وربما جعل فيها شىء
أسود. (وهو ظاهر في التغاير) بين اللواء والراية، وبه جزم ابن العربي، فقال: اللواء غير الراية،
فاللّواء: ما يعقد في طرف الرمح ويلوى عليه.
والراية: ما يعقد فيه ويترك حتى تصفقه الرياح. وقيل: اللواء دون الرؤية، وقيل: اللّواء العلم
الضخم والعلم علامة لمحل الأمير يدور معه حيث دار، والراية: يتولاها صاحب الحرب. (فلعلّ
التفرقة فيه عرفية) فلا يخالف ما صرّح به الجماعة من الترادف، وقد جنح الترمذي إلى التفرقة
فترجم الألوية، وأورد حديث البراء: أنه معَِّ دخل مكّة ولواؤه أبيض، ثم ترجم الرايات. وأورد
حديث البراء: كانت راية رسول اللَّه عَّه سوداء مربعة، وحديث ابن عباس المذكور أوّلاً.
(وذكر ابن إسحق) محمّد إمام المغازي (وكذا أبو الأسود) محمد بن عبد الرحمن بن
نوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي النوفلي المدني يتيم عروة، وثّقه
أبو حاتم والنسائي وأخرج له الجميع، (عن عروة) بن الزبير أحد الفقهاء: (إنّ أوّل ما حدثت
الرايات) جمع راية (يوم خيبر، وما كانوا يعرفون قبل ذلك إلا الألوية) وهذا أيضًا ظاهر في التغاير
بينهما، (انتهى) لفظ فتح الباري في خيبر.
سرية عبيدة المطلبي
(ثم سرية عبيدة) بضمّ العين وفتح الموحدة وإسكان التحتيّة فدال فهاء، (ابن الحرث) بن
المطّلب بن عبد مناف المستشهد بيدر، (إلى بطن رابغ) بموحدة مكسورة وغين معجمة، (في
شوّال على رأس ثمانية أشهر) من الهجرة تقريبًا أو تحقيقًا على ما مرّ، وأوردها ابن هشام وأبو

٢٢٧
سرية عبيدة المطلبي
في ستين رجلاً، وعقد له لواء أبيض، حمله مسطح بن أثاثة، يلقى أبا سفين بن
حرب. وكان على المشركين- وقيل مكرز بن حفص، وقيل عكرمة بن أبي جهل -
في مائتين، ولم يكن بينهم قتال، إلا أن سعد بن أبي وقاص رمى بسهم، فكان أول
سهم رمي به في الإسلام.
الربيع في الاكتفاء بعد غزوة الأبواء في السنة الثانية في ربيع الأول، ورواه ابن عائذ عن ابن
عباس، وبه صرّح بعض أهل السير، لكن ذكر غير واحد أن الراجح الأوّل، فلذا اقتصر عليه
المصنّف.
( في ستّين رجلاً) أو ثمانين كذا عند ابن إسحق، فيحتمل أنه شكّ أو إشارة إلى قولين،
ولفظه: في ستين أو ثمانين راكبًا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، (وعقد) عليه
السّلام (له) لعبيدة (لواء أبيض حمله مسطح) بميم مكسورة وسين ساكنة وطاء مفتوحة وحاء
مهملات، (ابن أثاثة) بضمّ الهمزة وخفّة المثلثتين ابن عباد بن المطّلب بن عبد مناف بن قصي
المطلبي اسمه عوف ومسطح لقبه، أسلم قديمًا ومات سنة أربع وثلاثين في خلافة عثمن، ويقال:
عاش إلى خلافة عليّ وشهد معه صفّين، ومات تلك السنة سنة سبع وثلاثين. (يلقى أبا سفين)
صخر (بن حرب) أسلم في الفتح رضي اللَّه عنه، (وكان على المشركين) كما قال الواقدي: إنه
الثبت عندنا، وصدر به مغلطاي.
(وقيل:) أي: قال ابن هشام عن أبي عمرو بن العلاء المدني: يلقى (مكرز) بكسر الميم
وإسكان الكاف وفتح الراء والزاي، كما ضبطه الغساني وغيره. قال السهيلي: وهكذا الرواية
حيث وقع، قال ابن ماكولا: ووجدته بخط ابن عبدة النسابة بفتح الميم، قال الحافظ: وبخط
يوسف بن خليل بضم الميم وكسر الراء والمعتمد الأوّل، (ابن حفص) بن الأخيف بفتح الهمزة
وسكون المعجمة وفتح التحتية وبالفاء ابن علقمة العامري، وهو الذي جاء في فداء سهيل بن
عمرو بعد بدر، وجاء أيضًا في قصّة الحديبية، قال في الإصابة والنور: ولم أُرّ من ذكره في
الصحابة إلاَّ ابن حبان، فقال في ثقاته: يقال له صحبة.
(وقيل) أي: قال ابن إسحق: يلقى (عكرمة بن أبي جهل) أسلم في الفتح (في مائتين
ولم يكن بينهم قتال إلاَّ أنَّ سعد بن أبي وقّاص) لملك (رمى) يومئذ (بسهم، فكان أوّل سهم
ژُمي به في الإسلام) کذا عند ابن إسحق، والمراد: جنس سهم، فلا ینافي قول الواقدي: إنه نثر
كنانته وٍتقدّم أمام أصحابه وقد تترسوا عنه فرمى بما في كنانته، وكان فيها عشرون سهمًا ما منها
سهم إلاَّ ويجرح إنسانًا أو دابّة. قال ابن إسحق: ثم انصرف القوم عن القوم وللمسلمين حامية وفرّ
من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو وعتبة بن غزوان، وكانا مسلمين ولكنهما خرجا

٢٢٨
سرية سعد بن ملك
قال ابن إسحق: وكانت راية عبيدة ــ فيما بلغنا - أوّل راية عقدت في
الإسلام، وبعض الناس يقول: راية حمزة. قال: وإنما أشكل أمرهما لأنه عليه السلام
بعثهما معًا، فاشتبه ذلك على الناس. انتهى.
وهذا يشكل بقولهم: إن بعث حمزة كان على رأس سبعة أشهر، لكن
يحتمل أن يكون عَّ له عقد رايتيهما معًا، ثم تأخر خروج عبيدة إلى رأس الثمانية،
لأمر اقتضاه، والله أعلم.
[سرية سعد بن ملك]
ثم سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرار- بخاء معجمة وراءين مهملتين،
وهو واد يصب في الجحفة
لیتوصّلا بالكفار.
(قال ابن إسحق: وكانت راية عبيدة فيما بلغنا أوّل راية عقدت في الإسلام) قال: وبعض
العلماء يزعم أنه عَِّ بعثه حين أقبل من غزوة الأبواء قبل أن يصل إلى المدينة، قال: (وبعض
الناس يقول:) كانت (راية حمزة) أوّل راية (قال: وإنما أشكل أمرهما؛ لأنه عليه السّلام بعثهما
معًا، فاشتبه ذلك على الناس) فكلّ من قال ذلك في واحد منهما فهو صادق، (انتهى) قول ابن
إسحق بما زدته من سيرته.
(وهذا يشكل بقولهم إن بعث حمزة كان على رأس سبعة أشهر) في رمضان، وبعث
عبيدة على رأس ثمانية في شوال، فكيف يشتبه مع هذا؟ (لكن يحتمل أن يكون عدّ عقد
رايتيهما معًا، ثم تأخّر خروج عبيدة إلى رأس الثمانية لأمر اقتضاه) فيلتثم القولان، (واللَّه أعلم)
بحقيقة الحال.
سرية سعد بن ملك
(ثم سرية سعد بن أبي وقاص) واسمه لملك الزهري آخر العشرة موتًا من السابقين الأوّلين
المختصّ بكثرة جمع المصطفى له أبويه يوم أحد حيث كرّر له: ((ارم فداك أبي وأُمّي))، رضي
اللَّه عنه. (إلى الخرار بخاء معجمة) مفتوحة (وراءين مهملتين) الأولى ثقيلة؛ كما ذكره الصغاني
في خرر والمجد في فصل الخاء من باب الراء وهو الذي في النور في نسخة صحيحة مقروءة
على ابن مصنفها، فما في نسخة محرفة منه ومن سيرة الشامي وتشديد الزاي الأولى لايلتفت
إليه، ولعلّها كانت همزة عقب الألف فصحفت ياء فظنت زايًا من تحريف النسّاخ. (وهو) كما
في سيرة مغلطاي (واد في الحجاز يصبّ في الجحفة) وفي ذيل الصغاني: موضع قريب الجحفة.

٢٢٩
اول المغازي ودان
- وكان ذلك في القعدة، على رأس تسعة أشهر، وعقد له لواء أبيض، حمله
المقداد بن عمرو، في عشرين رجلاً، يعترض عيرًا لقريش، فخرجوا على أقدامهم،
فصبحوها صبح خامسة فوجدوا العير قد مرت بالأمس.
[أول المغازي: ودان]
ثم غزوة ودان، وهي الأبواء، وهي أول مغازيه، كما ذكره ابن إسحق وغيره.
وفي القاموس: عين قرب الجحفة. (وكان ذلك في القعدة) بكسر القاف وفتحها، (على
رأس تسعة أشهر) عند ابن سعد وشيخه الواقدي، وجعلها ابن إسحق في السنة الثانية، وتبعه أبو
عمر، فقال: بعد بدر. (وعقد له لواء أبيض حمله المقداد) بكسر الميم وسكون القاف ودالين
مهملتين، (ابن عمرو) بن ثعلبة الكندي البدري المعروف بابن الأسود؛ لأنه تبنّاه، (في عشرين
رجلاً من المهاجرين، وقيل: ثمانية، (يعترض عيرًا) إبلاً تحمل الطعام وغيره من التجارات، ولا
تسمّى عيرًا إلاّ إذا كانت كذلك؛ كما في النور. وكانت (لقريش فخرجوا على أقدامهم
فصبحوها) أي: الخزّار، وأنّث لأنها اسم عين وهي مؤنثة، (صبح خامسة فوجدوا العير قد مرّت
بالأمس،) فرجعوا ولم يلقوا كيدًا، واللَّه أعلم.
أوّل المغازي ودان
قال الزهري: في علم المغازي خير الدنيا والآخرة. وقال زين العابدين عليّ بن
الحسين بن عليّ: كنّا نعلم مغازي رسول اللَّه عَ ليهِ كما نعلم السّور من القرءان، رواهما الخطيب
وابن عساكر. وعن إسمعيل بن محمّد بن سعد بن أبي وقاص: كان أبي يعلّمنا المغازي والسرايا،
ويقول: يا بنيّ هذه شرف آبائكم فلا تضيعوا ذكرها.
(ثم غزوة ودّان) بفتح الواو وشدّ المهملة فألف فنون قرية جامعة من أمهات القرى من
عمل الفرع، وقيل: واد في الطريق يقطعه المصعدون من حجاج المدينة. (وهي) أي: غزوة
ودّان، (الأبواء) بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمدّ: قرية من عمل الفرع بينها وبين الجحفة من
جهة المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً. قيل: سميت بذلك لما فيها من الوباء، وهو على القلب وإلا
لقيل الأوباء، والصحيح كما قال قُسم بن ثابت: إنها سمّيت بذلك لتبوّء السيول بها، ومراد
المصنّف أن منهم من أضافها لودّان وبعضهم للأبواء لتقاربهما، فليس ضمير هي راجعة لودّان؛
لاقتضائه أنه مكان واحد له اسمان، وهو خلاف الواقع كما يأتي. (وهي) أي: غزوة ودّان، (أوّل
مغازيه) عَّهِ (كما ذكره ابن إسحق وغيره)) وآخرها تبوك، ولا يرجع ضمير هي للأبواء وإن كان

٢٣٠
اول المغازي ودان
وفي صحيح البخاري عنه: أولها الأبواء.
خرج عّ لّ في صفر على رأس اثني عشر شهرًا من مقدمه المدينة، يريد
قريشًا، في ستين رجلاً، وحمل اللواء حمزة بن عبد المطلب. فكانت الموادعة - أي
المصالحة - على أن بنى ضمرة لا يغزونه ولا يكثرون عليه جمعًا، ولا يعينون عليه
عدوًا.
واستعمل على المدينة سعد بن عبادة.
وليس بين ما وقع في سيرة ابن إسحق وبين ما نقله عنه البخاري اختلاف،
لأن الأبواء وودان مكانان متقاربان بينهما ستة أميال أو ثمانية.
أقرب مذكور؛ لأنه لا يتخيّل تناف حتى يحتاج للجواب الآتي.
(وفي صحيح البخاري عنه) أي: ابن إسحق تعليقًا: (أوّلها) أي: المغازي (الأبواء) ثم
بواط ثم العشيرة، ولا تنافي كما يأتي، (خرج ◌َّل في صفر) لاثنتي عشرة مضت منه؛ كما عند
بعض الرواة عن ابن إسحق، (على رأس) أي: عند أوّل (اثني عشر شهرًا) ففي المصباح: رأس
الشهر: أوّله، (من مقدمه المدينة يريد قريشًا) زاد ابن إسحق: وبني ضمرة، فكأنّه قصره على
قريش؛ لأنهم المقصودون بالذات والمراد غيرهم، (في ستّين رجلاً) من المهاجرين ليس فيهم
أنصاري، (وحمل الّواء) قال أبو عمر: كان أبيض، (حمزة بن عبد المطّلب) سيّد الشهداء
(فكانت الموادعة) أي: فكان الأثر المترتّب على خروجه الموادعة (أي: المصالحة،) مع بني
ضمرة ولم يدرك العير التي أراد (على أن بني ضمرة) بفتح المعجمة وإسكان الميم: ابن بكر بن
عبد مناة بن كنانة بن خزيمة (لا يغزونه ولا يكثرون عليه جمعًا، ولا يعينون عليه عدوًّا) وإنه إذا
دعاهم لنصر أجابوه، قال ابن إسحق وابن سعد وأبو عمر: عقد ذلك معه سيّدهم مخشيّ ابن عمرو
الضمري.
وقال ابن الكلبي وابن حزم: عمارة بن مخشيّ بن خويلد، ومخشيّ بفتح الميم وسكون
الخاء وكسر الشين المعجمتين ثم ياء مشدّدة كياء النسبة، قال البرهان: لا أعلم له إِسلامًا. وقال
الشامي: لم أرَ من ذكرٍ له إسلامًا، وكتب بينهم بذلك كتابًا؛ كما قال السهيلي، وسيذكره
المصنّف بعد بواط، والأولى تقديمه هنا. (واستعمل على المدينة سعد بن عبادة) كما ذكره ابن
هشام وابن سعد وابن عبد البرّ: وغاب عنها خمسة عشر يومًا ثم رجع ولم يلقّ كيدًا. (و) أفاد في
فتح الباري أنه (ليس بين ما وقع في سيرة ابن إسحق) من أن أوّل غزواته ودّان (وبين ما نقله
عنه البخاري) أن أوّلها الأبواء (اختلاف؛ لأن الأبواء وودّان مكانان متقاربان بينهما ستّة أميال)
وبه جزم اليعمري، (أو ثمانية) كما قال غيره، زاد في الفتح: ولهذا وقع في حديث الصعب بن

٢٣١
غزوة بواط
ثم غزوة بواط ـ بفتح الموحدة وقد تضم وتخفيف الواو وآخره مهملة -
غزاها مَّه في شهر ربيع الأول، على رأس ثلاثة عشر شهرًا من الهجرة، حتى
بلغها من ناحية رضوى - بفتح الراء وسكون المعجمة، مقصور- في مائتين من
أصحابه،
جثامة وهو بالأبواء أو بودّان؛ كما مرّ في الحجّ. وفي مغازي الأمويّ: حدّثني أبي عن ابن
إسحق، قال: ثم خرج النبيّ ◌َّه غازيًا بنفسه حتى انتهى إلى ودّان وهي الأبواء. وعند ابن
عائذ عن ابن عباس أن النبيّ عَ لّه وصل إلى الأبواء، انتهى. فكما وقع في العيون أنه سار حتى
بلغ ودّان وقع في غيره أنه سار حتى بلغ الأبواء.
وروى البخاري في التاريخ الصغير والطبراني عن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن
جدّه، قال: أوّل غزوة غزوناها مع النبيّ عَّله الأبواء.
ثم غزوة بواط
(بفتح الموحدة) عند الأصيلي والمستملي من رواة البخاري والعذري من رواة مسلم،
وصدر به في الفتح فتبعه السيوطي والمصنّف هنا، قائلين: (وقد تضمّ) صريح في قلته مع أنه
الأعرف؛ كما قاله في المطالع، واقتصر عليه في المقدمة، والمصنف في الشرح، وصاحب
القاموس. (وتخفيف الواو) فألف (وآخره) طاء (مهملة) جبل من جبال جهينة بقرب ينبع على أربعة
برد من المدينة. وقال السهيلي: بواط جبلان فرعان لأصل واحد، أحدهما جلسي والآخر غوري.
وفي الجلسي بنو دينار ينسبون إلى دينار مولى عبد الملك بن مروان (غزاها عَا في شهر
ربيع الأول،) قاله ابن إسحق، وقال أبو عمر وتلميذه ابن حزم في ربيع الآخر(على رأس ثلاثة
عشر شهرًا من الهجرة، حتى بلغها من ناحية رضوى بفتح الراء وسكون) الضاد (المعجمة
مقصور) جبل بالمدينة والنسبة إليه رضوي، قاله الجوهري. وفي السبل: على أربعة برد من
المدينة وبه يفسر قول المجد على أبراد. وفي خلاصة الوفاء: رضوى كسكرى جبل على يوم
من ينبغ وأربعة أيام من المدينة ذو شعاب وأودية وبه مياه وأشجار، هذا هو المعروف ومنه يقطع
أحجار المنارة، قيل: هو أول تهامة، انتهى. وهو مباين لكلام أولئك بكثير، ويذكر أن رضوى من
الجبال التي بني منها البيت، أنه من جبال الجنَّة.
وفي حديث رضوي رضي الله عنه: وقدس وتزعم الكيسانية أن محمدًا بن الحنفية مقيم
به حيّ يرزق. (في مائتين من أصحابه) المهاجرين وحمل لواءه وكان أبيض سعد بن أبي وقاص؛
كما في الشاميّة وغيرها. وفي العيون: سعد بن معاذ، فيما ذكر ابن سعد. وتقدم مناقضة البرهان

٢٣٢
غزوة بواط
يعترض عيًا لقريش فيهم أمية بن خلف الجمحي.
واستعمل على المدينة السائب بن عثمن بن مظعون.
فرجع ولم يلقَ كيدًا، أي حربًا، قال ابن الأثير: والكيد الاحتيال والاجتهاد،
وبه سمیت الحرب کیدًا.
ثم غزوة العشيرة - بالشين المعجمة، والتصغير، آخره هاء. لم يختلف أهل
المغازي في ذلك، وفي البخاري:
له وتأويله ولكن الأقرب أنه ابن أبي وقّاص؛ للتصريح بأن الذين خرجوا من المهاجرين، نعم قيل
أنه استخلف ابن معاذ على المدينة، قال شيخنا: فلعلّه التباس للاستخلاف بالحمل.
(يعترض عيرًا) لتجار قريش عدّتها ألفان وخمسمائة بعير، قاله ابن سعد وشيخه الواقدي.
(فيهم أُميّة بن خلف الجمحي) ومائة رجل من قريش، (واستعمل على المدينة) فيما قال ابن
هشام وابن عبد البرّ ومغلطاي، (السائب بن عثمن بن مظعون) الجمحي أسلم قديمًا وهاجر إلى
الحبشة وشهدا بدرًا في قول الجميع إلاَّ ابن الكلبي، فقال: الذي شهدها عمّه، ووهّمه ابن سعد
لمخالفته جميع أهل السِّيّر، واستشهد يوم اليمامة. وفي نسخة من سيرة ابن هشام، كما في
الفتح: استخلف السائب بن مظعون وجرى عليه السهيلي، انتهى. وهو أخو عثمن شهدا بدرًا عند
ابن إسحق ولم يذكره موسى بن عقبة فيهم، وبما علم من أنهما نسختان عن ابن هشام سقط
انتقاد البرهان وتبعه الشامي على السهيلي بأن الذي في الهشامية السائب ابن الأخ لا عمّه.
وقال الواقدي: استخلف عليها سعد بن معاذ. (فرجع) عليه السّلام (ولم يلقَ كيدًا، أي:
حربًا، قال ابن الأثير) في النهاية أبو السعادات المبارك بن أبي الكرم بن محمّد الشيباني الجزري
العالم النبيل أحد الفضلاء صاحب التصانيف الشهيرة، ولد في سنة أربع وأربعين وخمسمائة
ومات بالموصل يوم الخميس سلخ ذي الحجة سنة ستّ وستمائة، (والكيد الاحتيال والاجتهاد
وبه سمّيت الحرب كيدًا) مجازًا لاقترانها بالاشتهار فيه. وذكر القاموس من معاني الکید
الحرب، فمقتضاه اشتراكه فيه وفي غيره وضعًا. وجمع شيخنا بأن القاموس أراد التنبيه على
المعاني التي يصدق عليها الكيد أعمّ من أن يكون حقيقة أو مجازًا، والله أعلم.
ثم غزوة العشيرة
بالعين المهملة المضمومة (بالشين المعجمة والتصغير آخره هاء) قال السهيلي: واحدة
العشيرة مصغّر، (لم يختلف أهل المغازي في ذلك) الضبط، قال في المشارق: وهو المعروف.
قال الحافظ: وهو الصواب، ووقع في الصحيحين خلافه، فنتّه عليه فقال: (وفي البخاري) ومسلم

٢٣٣
غزوة بواط
العشير، أو العسيرة بالتصغير، والأولى بالمعجمة بلا هاء، والثانية: بالمهملة وبالهاء-
وأما غزوة العسرة - بالمهملة بغيرة تصغير - فهي غزوة تبوك، وستأتي إن شاء الله
تعالى.
ونسبت هذه إلى المكان الذي وصلوا إليه، وهو موضع لبني مدلج بينبع.
وخرج إليها معَّهِ في جمادى الأولى
والترمذي من طريق أبي إسحق: سألت زيد بن أرقم ... الحديث، وفيه: فأتّهم كانت أوّل؟ قال:
(العشيرة أو العسيرة) هكذا ثبت في أصل الحافظ من البخاري، فقال في الفتح: (بالتصغير)
فيهما (والأولى بالمعجمة بلا هاء والثانية بالمهملة وبالهاء) وفي أصل المصنف من البخاري:
العسيرة أو العشير؟ فقال: بالتصغير فيهما وبالمهملة مع الهاء في الأولى والمعجمة بلا هاء في
الثانية، ولأبي ذرّ: العسير بالمهملة بلا هاء أو العشير بالمعجمة بلا هاء.
وللأصيلي: العشير أو العسير بالمعجمة في الأوّل والمهملة في الثاني مع حذف الهاء
والتصغير في الكل. وفي نسخة عن الأصيلي: العشير بفتح العين وكسر الشين المعجمة بغير هاء؛
كذا رأيته في الفرع کأصله، انتهى.
وفي مسلم: العسير أو العشير، قال النووي: هكذا في جميع نسخ صحيح مسلم بضمّ
العين، والأوّل بالسين المهملة والثاني بالمعجمة، انتهى. ورواية الترمذي كرواية مسلم كما أفاده
الحافظ، وبهذا كلّه بأن خطأ من زعم أنه بالهمز ومنشؤه قراءته العشيراء بالمدّ، والعسيرة بالواو.
(وأمَّا غزوة العسرة بالمهملة بغير تصغير، فهي غزوة تبوك) قال اللّه تعالى: ﴿الذين اتبعوه
في ساعة العسرة﴾ [التوبة: ١١٧]، (وستأتي إن شاء الله تعالى.) سميت بذلك لما كان فيها
من المشقّة، كما يأتي بيانه. ولمّا كان يتوهم في هذه على ضبطه الثاني أنها سمّيت بذلك لما
سميت به تبوك، وصغرت دفع هذا الوهم وخصّها دون السابقتين، فقال: (ونسبت هذه إلى
المكان الذي وصلوا إليه، وهو موضع لبني مدلج بينبع) ليس بينها وبين البلد إلا الطريق
السالك؛ كما في النور وغيره.
وفي القاموس: موضع ناحية ينبع وفيه ينبع كينصر حصن له عيون ونخيل وزرع بطريق
حاج مصر، فهو غير مصروف كيشكر. وفي الفتح: يذكّر ويؤنّث. قال ابن إسحق: موضع ببطن
ینبع.
وفي الروض: معنى العسير أو العسيرة أنه اسم مصغر من العسرى والعسر، إذا صغرت
تصغير ترخيم، قيل: عسير وهي بقلة تكون أذنة، أي: عصيفة، ثم تكون سحاء، ثم يقال لها:
العسرى. (وخرج إليها عَّ في جمادى الأولى) قاله ابن إسحق وتبعه ابن حزم وغيره.

٢٣٤
غزوة بواط
- وقيل: الآخرة - على رأس ستة عشرة شهرًا من الهجرة، في خمسين ومائة رجل -
وقيل في مائتي رجلاً - ومعهم ثلاثون بعيرًا يعتقبونها، وحمل اللواء - وكان أبيض -
حمزة، يريد عير قريش التي صدرت من مكة إلى الشام بالتجارة. فخرج إليها
ليغنمها فوجدها قد مضت.
ووادع بني مدلج من كنانة. تتميم.
(وقيل: الآخرة) قاله ابن سعد، أي: المتأخرة. وفي نسخة الأخرى: وعبر به لمقابلتها
بالأولى، فاندفع الليس بالواحدة المتناولة للمتقدمة والمتأخّرة. وقد ذكر السيوطي في الشماريخ
ما حاصله: أنه إذا دلّت قرينة على المراد ساغ التعبير بالآخر والأخرى، وفي نسخة: الأوّل. وقيل:
الآخر بتذكيرهما ذهابًا إلى معنى الشهر، وإن كان المصباح إنما نقل تأويله إذا وقع في شعره، وإلا
فحمادان مؤنثان دون الشهور، ويخرج تذكير الآخر أيضًا على مفاد الشماريخ.
(على رأس ستّة عشر شهرًا من الهجرة في خمسين ومائة رجل، وقيل:) في (مائتين)
حكاهما ابن سعد، وزاد: من قريش من المهاجرين ممن انتدب ولم يكره أحدًا على الخروج،
(رجلاً) تمييز مائتين وهو شاذ؛ كقوله:
إذا عاش الفتى مائتين عامًا فقد ذهب المسرة والغناء
ولا يقاس عليه عند الجمهور، والقياس في مائتي رجل بالإضافة.
(ومعهم ثلاثون بعيرًا يعتقبونها) يركبها بعضهم ثم ينزل فيركب غيره، (وحمل اللواء، وكان
أبيض حمزة) أسد اللَّه وأسد رسوله، (يريد عير قريش التي صدرت من مكة إلى الشام بالتجارة)
وكانت قريش جمعت أموالها في تلك العير، ويقال: إن فيها خمسين ألف دينار وألف بعير، ولا
يردّ على هذا أن العير الإبل التي تحمل الميرة؛ لقول المصباح: إنها غلبت على كل قافلة.
(فخرج إليها ليغنمها فوجدها قد مضت) قبل ذلك بأيّام، وهي العير التي خرج إليها حين رجعت
من الشام فكان بسببها وقعة بدر الكبرى؛ كما في العيون وغيرها.
قال أبو عمر: فأقام هناك بقيّة جمادى الأولى وليالي من جمادى الآخرة وبه يعلم أن في
قول اليعمري: فأقام بها جمادى الأولى ... الخ، تجوّزًا بدليل قوله: أوّلاً خرج في أثناء جمادى
الأولى. (ووادع) في هذه السفرة (بني مدلج) زاد ابن إسحق: وحلفاءهم من بني ضمرة، وتقدّم
في ودان إنه وادع بني ضمرة فلعلّها تأكيد للأولى، أو أن حلفاء بني مدلج كانوا خارجين عن
بني ضمرة لأمر ما، وبسببه حالفوا بني مدلج فكان ابتداء صلح لبني مدلج (من كنانة) هي تجمع
بني مدلج وبني ضمرة؛ لأن كلاً قبيلة من كنانة. وذكر الواقدي أن هذه السفرات الثلاث
كان عَُّ يخرج فيها لتلقي تجّارقريش حين يمرّون إلى الشام ذهابًا وإيابًا، وبسبب ذلك كانت

٢٣٥
غزوة بواط
وكانت نسخة الموادعة
وقعة بدر وكذلك السرايا التي بعثها قبل بدر.
تتميم
روى ابن إسحق وأحمد من طريقه، عن عمّار: أن النبيّ عَّ ◌ُلّهِ كنى عليًّا أبا تراب حين نام
هو وعمّار في نخل لبني مدلج مجتمع، ولصق بهما التراب، قال: فجاء النبيّ عٍَّ فحرّكنا برجله
وقد تتربنا، فيومئذ قال لعليّ بن أبي طالب: ((ما لك يا أبا تراب))؟، ويعارضه ما أخرجه الشيخان
وغيرهما عن سهل بن سعد، قال: جاء رسول اللَّه عَُّ بيت فاطمة فلم يجد عليًّا، فقال لها: ((أين
ابن عمك»؟ قالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم يَقِل عندي، فقال عَّه الإنسان:
((أنظر أين هو))، فجاء فقال: يا رسول اللَّه، هو في المسجد راقد، فجاء عَّه وهو مضطجع قد
سقط رداؤه عن شقّه وأصابه تراب، فجعل عَ لِّ يمسحه عنه ويقول: ((قم أبا تراب)). وفي رواية:
((اجلس أبا تراب)) مرّتين، قال سهل: وما كان له اسم أحبّ إليه منه. وغلّط ابن القيّم رواية
السيرة، وقال: إنما كناه بذلك بعد بدر، وهو أول يوم كناه فيه. وقال السهيلي: ما في الصحيح
أصح، إلاَّ أن يكون كناه بها مرّة في هذه الغزوة ومرّة بعدها في المسجد، ومال الحافظ
وصاحب النور إلى ذا الجمع، لكنهما قالا: فإن صحّ فيكون كناه ... الخ، إشارة للتوقّف فيه، فإن
إسناده لا يخلو من مقال.
قيل: ولهذا اختصّ عليّ بقولهم كرّم الله وجهه دون غيره من الصحابة والآل، وقيل: لأنه
لم يسجد لصنم قطّ، وقيل غير ذلك.
وروى الطبراني عن ابن عباس، وابن عساكر عن جابر: أنه عَّ لمَّا آخى بين أصحابه ولم
يؤاخٍ بين عليّ وبين أحد غضب فذهب إلى المسجد، فذكر نحو حديث الصحيح. قال الحافظ:
ويمتنع الجمع بينهما؛ لأن المؤاخاة كانت أوّل ما قدم المدينة ودخول عليّ على فاطمة بعد
ذلك بمدّة. وما في الصحيح أصحّ، انتهى. ولم يظهر من تعليله امتناع الجمع، فإنّه ممكن بمثل
ما جمعوا به بين الحديثين قبله، فيكون كناه ثلاث مرّات، أوّلها: يوم المؤاخاة في المسجد.
وثانيها: في هذه الغزوة في نخل بني مدلج. وثالثها: بعد بدر في المسجد لمَّا غاضب الزهراء،
وإنما يمتنع لو قال في رواية الصحيح: إنّه أوّل يوم كناه فيه؛ كما ادّعى ابن القيّم.
(وكانت نسخة الموادعة) بينه عَّه وبين بني ضمرة الواقعة في غزوة ودّان، وذكر ها هنا
وإن كان الأولى تقديمها، ثم كما فعل السهيلي وأتباعه لأنّه أراد ذكر الغزوات الثلاث على حدة
ولم يخشّ لبس أنها لبني مدلج لتصريح الكتاب أنها لبني ضمرة، ولذا أسقط أوّلاً قول ابن إسحق

٢٣٦
غزوة بدر الاولى
فيما ذكره غير ابن إسحق:
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله لبني ضمرة،
بأنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وأن لهم النصر على من رامهم أن لا يحاربوا
في دين الله ما بل بحر صوفة، وأن النبي إذا دعاهم لنصر أجابوه، عليهم بذلك
ذمة الله ورسوله.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد.
[ثم غزوة بدر الأولى]
قال ابن إسحق: ولما رجع عليه الصلاة والسلام - أي: من غزوة العشيرة -
لم يقم إلا ليالي، وقال ابن حزم: بعد العشيرة بعشرة أيام،
وحلفاؤهم من بني ضمرة، (فيما ذكر غير ابن إسحق) كما أفاده السهيلي في الروض:
(بسم الله الرحمن الرحيم) فيه ندب افتتاح الكتب بالبسملة فقط، وقد جمعت كتبه عَّه
إلى الملوك وغيرهم فوجدت مفتتحة بها دون حمدلة وغيرها، (هذا كتاب من محمّد رسول اللَّه
لبني ضمرة بأنهم) بالباء الموحدة؛ كما هو المنقول في الروض وغيره، ويقع في نسخ: فإنهم،
بالفاء وفي توجيهها عسر.
(آمنون على أموالهم وأنفسهم، وأنّ لهم النصر على من رامهم) أي: قصدهم بسوء بشرط
(أن لا يحابوا) أي: يخالفوا (في دين اللَّه) بإرادتهم إبطال ما جاء به الشرع أو المعنى على من
قصدهم، يريد منهم: أن لا يحاربوا في نصرة دين اللَّه (ما بلّ بحر صوفة) كناية عن تأييد
مناصرتهم، إذ معلوم أن ماء البحر لا ينقطع، (وأن النبيّ) عَّةِ (إذا دعاهم لنصر أجابوه، عليهم
بذلك ذمّة اللَّه) بكسر الذال المعجمة، أي: عهده (و)عهد (رسوله) وفشرها الشامي بأمانه،
والأوّل أولى، وفي مقدمة الفتح: ذمة اللَّه، أي: ضمانه، وقيل: الذمام الأمان، زاد في الروض:
ولهم النصر على من برّ منهم واتّقى، وعلى بمعنى اللام، أي: لمن برّ منهم واتّقى النصر منّا على
عدوهم.
(قال ابن هشام) عبد الملك، (واستعمل) عٍَّ (على المدينة) في خروجه للعشيرة (أبا
سلمة) عبد اللَّه (بن عبد الأسد) بسين ودال مهملتين المخزومي البدري أحد السابقين.
ثم غزوة بدر الأولى
(قال ابن إسحق: ولمَّا رجع عليه الصّلاة والسّلام، أي: من غزوة العشيرة لم يقم إلاّ
B
ليالي) قلائل لا تبلغ العشر؛ كما هو نصّ ابن إسحق. (وقال ابن حزم: بعد العشيرة بعشرة أيّام،)

٢٣٧
سرية أمير المؤمنین عبد الله بن جحش
حتى أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة فخرج ◌َّله في طلبه حتى بلغ سفوان -
بفتح المهملة والفاء - موضع من ناحية بدر، فقاته كرز بن جابر. وتسمى بدرًا الأولى.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة زيد بن حارثة، وحمل اللواء علي بن
أبي طالب رضي الله عنه.
ثم سرية أمير المؤمنين عبد الله بن جحش
نقله عنه مغلطاي، ونقل الشامي عنه أنّه عليه السّلام خرج في ربيع الأوّل على رأس ثلاثة عشر
شهرًا، وهو مبني على أن هذه قبل العشيرة؛ كما ذهب إليه ابن سعد ورزين وغيرهما، وابن
إسحق إلى أنها بعدها، (حتى) غاية للإثبات المستفاد من نقض النفي بألا، فكأنّه قال: استمرّت
إقامته إلى أن (أغار كرز) بضمّ الكاف وسكون الراء وبالزاي، (ابن جابر الفهري) نسبة إلى جدّه
الأعلى فهر بن لملك بن النضر كان من رؤساء المشركين، ثم أسلم وصحب وأُمّر على سريّة
واستشهد في غزوة فتح مكّة، (على سرح المدينة) بفتح السين وسكون الراء وبالحاء
المهملات: الإبل والمواشي التي تسرح للرعي بالغداة؛ كما في النور والسبل، ولعلّ المراد
بالمواشي المال السائم؛ كما في المختار في الشرح، وإن كانت المواشي، كما في القاموس:
الإبل والغنم.
وفي العيون: السرح ما رعوا من نعمهم، ويروى: أنه أغار عليهم من سعر، وفي خلاصة
الوفاء: سعر كزفر جمع سعير الواردي جبل بأصل حمى أمّ خالد يهبط منه إلى بطن العتيق، كان
يرعى بها السرح.
(فخرج عَِّ حتى بلغ سفوان بفتح المهملة و) فتح (الفاء) وبالنون (موضع من ناحية
بدر) ذكره في النهاية وتبعه السمهودي، فقال: سفوان بفتحات وادٍ من ناحية بدر، وقيل: الفاء
ساكنة (ففاته كرز بن جابر، وتسمّى بدرًا الأولى، قال ابن هشام واستعمل على المدينة زيد بن
لحرثة وحمل اللواء) وكان أبيض؛ كما في الشامية (عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه،) فرجع
ولم يلقَ كيدًا.
ثم سرية أمير المؤمنين عبد الله بن جحش
ابن رياب براء مكسورة فتحتية فموحدة ابن معمر الأسدي أحد السابقين البدري، وهاجر
إلى الحبشة واستشهد بأحد. وروى أبو القسم البغوي عن سعد بن أبي وقاص: بعثنا عَّه في
سرية، وقال: ((لأبعثن عليكم رجلاً أصبركم على الجوع والعطش))، فبعث علينا عبد الله بن
جحش فكان أوّل أمير في الإسلام. قال اليعمري: سمّي في هذه السرية أمير المؤمنين، وقال

٢٣٨
سرية أمير المؤمنين عبد الله بن جحش
في رجب على رأس سبعة عشر شهرًا، وكان معه ثمانية - وقيل اثنا عشر - من
المهاجرين، إلى نخلة على ليلة من مكة، يترصد قريشًا، فمرت به عيرهم تحمل
زبيبًا وأدمًا، فيها عمرو بن الحضرمي،
غيره: سمّاه عَِّ أمير المؤمنين فهو أوّل من تسمّى به في الإسلام، ولا ينافيه القول بأن أوّل من
تسمّى به عمر؛ لأن المراد من الخلفاء أو على العموم وهذا على من معه.
(في رجب) عند الأكثر، وقطع به الحافظ في سيرته وفي الفتح، وقيل: في جمادى
الآخرة، (على رأس سبعة عشر شهرًا، وكان معه ثمانية) كما رواه ابن إسحق وسمّاهم، فقال:
أبو حذيفة بن عتبة العبشمي، وعكاشة بن محصن الأسدي، وعتبة بن غزوان، وسعد بن أبي
وقاص، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله، وخالد بن البكير، وسهيل بن بيضاء.
(وقيل: اثنا عشر) فزيد: عامر بن إياس، والمقداد بن عمرو، وصفوان بن بيضاء؛ فلعلّ
القائل بالثاني عدّ الأمير منهم، وهو ظاهر قول الحافظ في كتاب العلم: وكانوا اثني عشر رجلاً،
انتهى. وزيادة بعضهم وجابر السلمي خطأ؛ لأنه أنصاري، وقد قال المؤلف كغيره (من
المهاجرين) زاد ابن سعد: ليس فيهم من الأنصار أحد يعتقب كل اثنين منهم بعيرًا، (إلى نخلة
على ليلة من مكّة) بين مكّة والطائف، وفي المعجم: نخلة على يوم وليلة من مكّة وهي التي
ينسب إليها بطن نخلة التي استمعه الجنّ فيها.
روى ابن إسحق عن عروة مرسلاً ووصله الطبراني بإسناد حسن من حديث جندب
البجلي: أنه عێ بعث عبد الله بن جحش و کتب له كتابًا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين
ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ولا يستكره من أصحابه أحدًا، فلمَّا سار يومين فتح الكتاب، فإذا
فيه: ((إذا نظرت في كتابي هذا، فامضٍ حتى تنزل نخلة بين مكّة والطائف فترصد بها قريشاً
وتعلم لنا من أخبارهم))، فقال: سمعًا وطاعة، وأخبر أصحابه أنه نهاه أن يستكره أحدًا منهم، فلم
يتخلّف منهم أحد وسلك على الحجاز حتى إذا كان ببحران بفتح الموحدة وضعها أضلّ سعد
وعتبة بعيرهما الذي كانا يعتقبان عليه، فتخلّفا في طلبه ومضى عبد اللَّه وأصحابه حتى نزل
بنخلة، (يرتصد قريشًا فمرّت به عيرهم تحمل زبيبًا وأُدمًا) بفتح الهمزة والدال، أي: جلود. زاد
ابن القيّم وغيره: وتجارة من تجارة قريش، أي: مالاً من أموالهم. وفي الفتح: لقوا أُناسًا من
قريش راجعين بتجارة من الشام، (فيها عمرو بن الحضرمي) بمهملة ومعجمة ساكنة، واسمه
عبد اللَّه بن عباد أو ابن عمّار له عمر، وهذا وعامر والعلاء وأختهم الصعبة أسلم، والعلاء كان من
أفاضل الصحابة، وكذا الصعبة وهي أُمّ طلحة بن عبيد اللَّه وفيها أيضًا عثمن ونوفل ابنا عبد الله
المخزوميّان والحكم بن كيسان فنزلوا قربهم فهابوهم فأرشدهم عبد اللَّه إلى ما يزيل فزعهم،

٢٣٩
سرية أمير المؤمنین عبد الله بن جحش
فتشاور المسلمون وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب، فإن قتلناهم هتكنا حرمة
الشهر، وإن تركناهم الليلة دخلوا حرم مكة، فأجمعوا على قتلهم فقتلوا عمرًا
واستأسروا عثمن بن عبد الله والحكم بن كيسان، وهرب من هرب، واستاقوا العير،
فكانت أول غنيمة في الإسلام، فقسمها ابن جحش، وعزل الخمس من ذلك قبل
أن يفرض، ويقال: بل قدموا بالغنيمة كلها.
فحلق عكاشة رأسه، وقيل: واقد وأشرف عليهم فلما رأوهم أمنوا، وقالوا: عمار، بضم العين وشدّ
الميم، أي: معتمرون، لا بأس عليكم منه، فقدوا ركابهم وسرحوها وصنعوا طعامًا.
(فتشاور المسلمون، وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب) ويقال: أوّل يوم من شعبان،
وقيل: في آخر يوم من جمادى الآخرة. وفي الاستيعاب: الأكثر أن سرية عبد اللَّه في غرّة رجب
إلى نخلة وفيها قتل ابن الحضرمي لليلة بقيت من جمادى الآخرة. قال البرهان: وهو تباين ولعلّه
غلط من الناسخ، صوابه: لليلة بقيت من رجب فيتفق الكلامان مع تأويل، أي: قوله في غرّة
رجب، وقوله: بقيت من رجب على ما صوّب مع تأويل اليوم بالليلة لقربها منه أو الليلة باليوم،
وقد يقال: لا تباين ولا غلط، بل هو إشارة للشكّ الذي وقع لهم، ففي حديث جندب عند
الطبراني وغيره: ولم يدروا أذلك اليوم من رجب أو من جمادى، وحاصله: أنهم شكّوا في اليوم
أهو من الشهر الحرام أم لا؟ (فإن قتلناهم هتكنا حرمة الشهر) الحرام (وإن تركناهم الليلة دخلوا
حرم مكّة،) فامتنعوا به منا ثم شجعوا أنفسهم عليهم، (فأجمعوا على قتلهم) أي: قتل من قدروا
عليه منهم؛ كما في الرواية.
(فقتلوا عمرًا) الحضرمي وفيه تجوّز؛ لأنه لما كان برضاهم نسب إليهم، وإلا فالقاتل له؛
كما في الرواية: واقد بن عبد اللّه رماه بسهم فقتله، (واستأسروا) أي: أسروا (عثمن بن عبد اللَّه)
بن المغيرة المخزومي (والحكم بن كيسان) بفتح الكاف وسكون التحتيّة وسين مهملة ونون.
روى الواقدي عن المقداد قال: أنا الذي أسرت الحكم، فأرادوا قتله فأسلم عند رسول اللَّه عَّه
(وهرب من هرب) وسمّى في الرواية منهم: نوفل بن عبد الله، (واستاقوا العير) أي: ساقوها
فالمجرد والمزيد بمعنى؛ كما في القاموس، أي: أخذوها، (فكانت أول غنيمة في الإسلام) قال
في الفتح: وأوّل قتل وقع في الإسلام، (فقسمها ابن جحش) بين أصحابه، (وعزل الخمس من
ذلك) باجتهاد منه لرسول اللَّه عَلّهِ، (قبل أن يفرض) الخمس؛ كما رواه ابن إسحق عن بعض آل
عبد اللَّه. قال ابن سعد: فكان أوّل خمس خُمّس في الإسلام.
(ويقال: بل قدموا بالغنيمة كلّها) المدينة فقسمها معَُّ بعد بدر، ويقال: تسلّمها منهم
وخمّسها ثم قسمها عليهم، ولم يحكه لمنابذته للمروي عند ابن إسحق والطبراني، بلفظ: فقدموا

٢٤٠
سرية أمير المؤمنين عبد الله بن جحش
فقال النبي عَُّله: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، فأخر الأسيرين والغنيمة
حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائمها.
وتكلمت قريش: إن محمدًا سفك الدماء، وأخذ المال في الشهر الحرام،
فأنزل الله تعالى: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه .. ﴾ الآية [البقرة/٢١٧].
وفي ذلك يقول عبد الله بن جحش.
على رسول اللَّه عَ لَّهِ. (فقال النبيّ عَّلهُ: ((ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام))، فأخّر الأسيرين
والغنيمة) لتوقفه في حل ذلك، وأبى أن يأخذ شيئًا من ذلك، وفيه أن شرع من قبلنا شرع لنا
حتى يرد ناسخ. قال في الرواية: فلمَّا قال عَّه ذلك سقط في أيدي القوم وظنوا أنهم هلكوا
وعنفهم إخوانهم فيما صنعوا، (حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائمها) على غانميها فقط، لا إنه
خلطها مع غنائم بدر وعمّ بها الجميع.
وذكر ابن وهب: أنه عَّهُ ردّ الغنيمة، وودى القتيل. قال ابن القيّم: والمعروف في السير
خلافه، (وتكلّمت قريش أن محمّدًا سفك الدماء وأخذ المال،) أي: أمر بهما (في الشهر
الحرام) أو هو حقيقة بأن علموا أو ظنّوا أخذه عليه السلام الغنيمة من أصحابه، زاد ابن إسحق
في روايته: وأسر فيه الرجال، فقال: من يردّ عليهم من المسلمين ممن كانوا بمكّة إنما أصابوا
ما أصابوا في شعبان، وقالت يهود: تفاءل بذلك عليه عَّ عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن
عبد الله عمر وعمرت الحرب، والحضرمي حضرت الحرب، وواقد وقدت الحرب، فجعل الله
ذلك علیھم، لا لهم.
(فأنزل اللَّه تعالى) بعد أن أكثر الناس القول: (﴿يسألونك﴾ [البقرة: ٢١٧]،) قال
البيضاوي: أي الكفار بعثوا يعيرون، وقيل: أصحاب السرية، (﴿عن الشهر الحرام قتال فيه﴾
[البقرة: ٢١٧]،) بدل اشتمال (الآية.) قال في الرواية: ففرّج اللَّه عن المسلمين وأهل السرية
ما كانوا فيه، ولكنهم ظنّوا أنه إنما نفى عنهم الإثم فلا أجر لهم فطمعوا فيه، فقالوا: يا رسول اللَّه!
أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين. وفي رواية: إن لم يكونوا أصابوا وزرًا فلا
أجر لهم، فأنزل اللَّه: ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل اللَّه أولئك يرجون رحمة
اللّه والله غفور رحيم﴾ [البقرة: ٢١٨]، فوضعهم الله تعالى من ذلك على أعظم الرجاء.
(وفي ذلك يقول عبد اللّه بن جحش) كما قال ابن هشام. وقال ابن إسحق: الصدّيق،
ورجّح البرهان الأول بما في الاستيعاب عن الزهري: أن أبا بكر لم يقل شعرًا في الإسلام حتى
مات، فإن صح فلا يعارضه كل امرىء مصبح في أهله ... البيت؛ لأنه تمثل به وإنما هو لحنظلة بن
سيار؛ كما قاله عمر بن شبة، وقد ذكرها ابن إسحق ستّة أبيات اقتصر المصنف كاليعمري على