النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة لسهل وسهيل ابني رافع بن عمرو، وهما يتيمان في حجر معاذ بن عفراء - وقال أسعد بن زرارة وهو الراجح - ثم ثارت، وهو عَّ عليها حتى بركت على باب أبي أيوب الأنصاري، ثم ثارت منه وبرکت في مبرکها الأول، (لسهل) مكبّرًا ذكره اليعمري في البدريّين، وقال أبو عمر: لم يشهدها. وقال ابن منده: يقال: شهد أحدًا ومات في خلافة عمر، (وسهيل) مصغرًا شهد بدرًا وما بعدها، وتوفى في خلافة عمر، قاله ابن عبد البرّ. قال في الإصابة: وزعم ابن الكلبي أنه قتل مع عليّ بصفّين. (ابني رافع بن عمرو) كما عند ابن الكلبي، وتبعه الزبير بن بكار وابن عبد البرّ والذهبي وغيرهم، وقال الزهري وابن إسحق: هما ابنا عمرو. وقال اليعمري: وهو الأشهر. والحافظ في الإصابة: هو الأرجح. وحاول السهيلي التوفيق، فقال: هما ابنا رافع بن عمرو، يعني كما صرّح به الجماعة فنسبهما الزهري وابن إسحق إلى جدّهما، وهذا حسن. وابن عقبة في الإصابة بأن أرجح قول الزهري وتلميذه؛ لأنه ذكر في الفتح ما جمع به السهيلي عن نصّ الزبير بن بكار وهو ابن الكلبي إمامًا أهل النسب، فتعيّ جمع السهيلي. (وهما يتيمان في حجر معاذ بن عفراء) كما عند ابن إسحق وأبي عبيد في التقريب، (وقال: أسعد) بالألف (ابن زرارة) أبو أمامة من سباق الأنصار إلى الإسلام، ذكر ابن سعد أن أسعد كان يصلّي فيه قبل أن يقدم النبيّ عَّه، (وهو الراجح) إذ هو الثابت في البخاري وغيره. قال في الإصابة: ويمكن الجمع بأنهما كانا تحت حجرهما معًا، ولذا وقع في الصحيح قوله عَّه: ((يا بني النجار، ثامنوني)). ووقع في رواية أبي ذرّ وحده للبخاري سعد بلا ألف، والصواب كما في الفتح والنور: أسعد، بالألف وهو الذي في رواية الباقين. قال الحافظ: وسعد تأخّر إسلامه، انتهى. وذكره غير واحد في الصحابة، قال عياض: لم يذكره كثيرون؛ لأنه ذكر في المنافقين. وحكى الزبير أنهما كانا في حجر أبو أيوب. قال في فتح الباري: وأسعد أثبت وقد يجمع باشتراكهم أو بانتقال ذلك بعد أسعد إلى من ذكروا واحدًا بعد واحدًا. (ثم ثارت وهو يَّ عليها) ومشت (حتى بركت على باب أبي أێوب) خالد بن زید بن کلیب (الأنصاري) من بني لملك بن النجار من كبار الصحابة، شهد بدرًا والمشاهد ومات غازيًا الروم سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى، وقيل: اثنتين وخمسين، وهو الأكثر. (ثم ثارت) بمثلثة وفوقية: قامت (منه وبركت في مبركها الأوّل) عند المسجد إشارة إلى أن بروكها في الأوّل بطريق القصد لا الاتّفاق، قاله الحافظ. أو إلى أنه منزله حيَّ وميًّا، وقد يكون مشيها قليلاً ثم رجوعها إشارة إلى الاختلاف اليسير الذي وقع في دفنه، ثم الموافقة لرأي أبي بكر في أنه يخط له تحت الفرش الذي توفي عليه، قاله البرهان البقاعي. ١٦٢ خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة وألقت جرانها بالأرض - يعني باطن عنقها أو مقدمه من المذبح - وأرزمت - يعني صوتت من غير أن تفتح فاها - ونزل عنها عية، وقال: وهذا المنزل إن شاء الله. واحتمل أبو أيوب رحله وأدخله في بيته، ومعه زيد بن حارثة، وكانت دار بني النجار أوسط دور الأنصار وأفضلها، وهم أخوال عبد المطلب، جده عليه السلام. وفي حديث أبي أيوب الأنصاري، عند أبي يوسف يعقوب (وألقت جرانها) بكسر الجيم (بالأرض، يعني باطن عنقها) كما قاله السهيلي (أو مقدمه من المذبح) إلى المنحر، وبه جزم المجد، وذكر السهيلي عن بعض السير: أنها لما ألقت جرانها في دار بني النجار جعل جبار بن صخر السلمي ينخسها بحديدة رجاء أن تقوم فتنزل في دار بني سلمة، فلم تفعل. (وأرزمت) بهمزة فراء ساكنة فزاي مفتوحة (يعني: صوّتت من غير أن تفتح فاهًا) قاله أبو زيد، قال: وذلك على ولدها حين ترأمه، وقال صاحب العين: أرزمت بالألف معناه رغت ورجعت في رغائها، ويقال منه أرزم الرعد وأرزمت الريح، انتهى. ويروى: رزمت بلا ألف، أي: نامت من الإعياء والهزال ولم تتحرّك. (ونزل عنها ◌َّه، وقال: ((وهذا المنزل إن شاء اللّه)، واحتمل أبو أيّوب رحله) بإذنه عَّ (وأدخله بيته ومعه زيد بن لحرثة، وكانت دار بني النجّار أوسط دور الأنصار وأفضلها،) عطف تفسير الأوسط، كما في الصحيح مرفوعًا: ((خير دور الأنصار بنو النجار))، (وهم أخوال عبد المطّلب جدّه عليه السّلام) ولذا أكرمهم بنزوله عليهم، كما مرّ. وروى ابن عائذ وسعيد بن منصور عن عطاف بن خالد: أنها استناخت به أوّلاً فجاءه ناس، فقالوا: المنزل يا رسول اللَّه؟ فقال: ((دعوها))، فانبعثت حتى أناخت عند موضع المنبر من المسجد، ثم تحلحت فنزل عنها فأتاه أبو أيوب، فقال: إن منزلي أقرب المنازل، فآئذن لي أن أنقل رحلك، قال: ((نعم))، فنقله وأناخ الناقة في منزله. وذكر ابن سعد أن أبا أيّوب لما نقل رحله، قال عَّةِ: ((المرء مع رحله))، وأن أسعد بن زرارة جاء فأخذ ناقته فكانت عنده، قال: وهذا أثبت. (وفي حديث أبي أيوب الأنصاري) النجاري (عند أبي يوسف يعقوب) ابن إبراهيم الأنصاري الإمام العلاَّمة الحافظ فقيه العراق الكوفي، صاحب أبي حنيفة، وروى عن هشام بن عروة وأبي إسحق الشيباني وعطاء ابن السائب وطبقتهم، وعنه محمد بن الحسن وابن حنبل وابن معين وخلق: نشأ في طلب العلم وكان أبوه فقيرًا، فكان أبو حنيفة يتعاهد أبو يوسف بمائة بعد مائة، قال ابن معين: ليس في أصحاب الرأي أكثر حديثًا ولا أثبت من أبي يوسف وهو ٠١٦٣ خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة في كتاب الذكر والدعاء له قال: لما نزل عليه رسول الله عَ له حين قدم المدينة فكنت في العلو، فلما خلوت إلى أم أيوب قلت لها: رسول الله عَ لّه أحق بالعلو منا، تنزل عليه الملائكة وينزل عليه الوحي، فما بت تلك الليلة لا أنا ولا أم أيوب، فلما أصبحت، قلت: يا رسول الله، ما بت الليلة أنا ولا أم أيوب، قال: لم يا أبا أيوب؟ قال: قلت: كنت أحق بالعلو منا تنزل عليك الملائكة وينزل عليك الوحي، لا والذي بعثك بالحق لا أعلو سقيفة أنت تحتها أبدًا. الحديث. صاحب حديث وسنّة، مات في ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين ومائة عن تسع وستّين سنة. (في كتاب الذكر والدعاء له، قال) أبو أيوب: (لما نزل على رسول اللَّه عَ لّه حين قدم المدينة فكنت في العلّ) وفي رواية ابن إسحق: لما نزل عَّ في بيتي نزل في السفل وكنت أنا وأُمّ أيوب في العلو، فقلت: يا نبيّ اللَّه! بأبي أنت وأُمّي، إني أكره وأعظّم أن أكون فوقك وتكون تحتي، فأظهر أنت فكن في العلوّ وننزل نحن ونكون في السفل، فقال: ((يا أبا أيوب، إن الأرفق بنا ومن يغشانا أن نكون في سفل البيت))، قال: فكان النبيّ عَّه في سفله وكنا فوقه في المسكن. (فلما خلوت إلى أَمّ أيّوب) زوجته بنت خالة قيس بن سعد الأنصارية النجارية الصحابيّة، لم يذكر لها اسمًا في الإصابة. (قلت لها: رسول اللَّه عَّ أحقّ بالعلوّ منا، تنزل عليه الملائكة وينزل عليه الوحي، فما بتّ تلك الليلة لا أنا ولا أُمّ أيّوب،) بحالة هنيّة بل بشرّ ليلة لتلك الفكرة، أو استعمل المبيت في النوم، كأنه قال: ما نمنا من اشتغال الفكر بذلك. وفي رواية: أن أبا أيّوب انتبه ليلاً فقال: نمشي فوق رسول اللَّه عَُّلَّه فتحوّل، فباتوا في جانب. وفي رواية ابن إسحق: فلقد انكسر لنا حبّ فيه ماء، فقمت أنا وأُمّ أيّوب لقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها، ننشف بها تخوّفًا أن يقطر على رأس رسول اللَّه عَ لَّه منه شىء، فيؤذيه. (فلما أصبحت، قلت: يا رسول اللَّه! ما بتّ الليلة أنا ولا أُمّ ◌َتِوب، قال: ((لِمَ يا أبا أيّوب))؟، قال: قلت: كنت) أنت (أُحقّ بالعلوّ منّا، تنزل عليك الملائكة وينزل عليك الوحي،) زاد في رواية: فقال ◌َّ اله: ((الأسفل أرفق بنا))، فقلت: (لا،) يكون ذلك فهي داخلة على محذوف، فقوله: (والذي بعثك بالحق لا أعلو سقيفة أنت تحتها أبدًا،) تأكيد لاشتماله على القسم. زاد في رواية: فلم يزل أبو أيّوب يتضرّع إليه حتى تحوّل إلى العلوّ وأبو أيّوب في السفل ... (الحديث) تمامه: وكنا نصنع له العشاء ثم نبعث به إليه، فإذا ردّ علينا فضلة تيممت أنا وأُمّ أيّوب موضع يده نبتغي بذلك البركة حتى بعثنا إليه بعشائه، وقد جلنا فيه بصلاً أو ثومًا، فردّه ولم أرَ ليده فيه أثرًا، فجئته فزعًا، قال: ((إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أناجي فأمّا أنتم فكلوه)، فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة بعد، أخرجه بتمامه ابن إسحق في السيرة. ١٦٤ خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة رواه الحاكم أيضًا. وقد ذكر أن هذا البيت الذي لأبي أيوب، بناه له عليه الصلاة والسلام تبع الأول لما مر بالمدينة وترك فيها أربعمائة عالم، وكتب كتابًا للنبي عَّه ودفعه إلى كبيرهم، وسألهم أن يدفعه للنبي عَّه، فتداول الدار الملاك إلى أن صارت لأبي أيوب، وهو من ولد ذلك العالم. (ورواه الحاكم أيضًا) وغيرهم (وقد ذكر) في المبتدأ لابن إسحق وقصص الأنبياء: (إن هذا البيت لأبي أيّوب بناه له عليه الصّلاة والسّلام، تبع الأوّل) ابن حسان الحميري، الذي قال ◌ٍَّ فيه: ((لا تسبّوا تبعًا، فإنه قد أسلم))، أخرجه الطبراني. وذكر ابن إسحق في السيرة: أن اسمه تباب، بضم الفوقية وخفّة الموحدة فألف فموحدة: ابن سعد، وفي مغاص الجوهري في أنساب حمیر أنه کان تدین بالزبور. (لمَّا مرّ بالمدينة) في رجوعه من مكّة، (وترك فيها أربعمائة عالم) روى ابن عساكر في ترجمته: أنه قدم مكّة وكسا الكعبة وخرج إلى يثرب، وكان في مائة ألف وثلاثين ألفًا من الفرسان ومائة ألف وثلاثة عشر ألفًا من الرجالة، ولما نزلها أجمع أربعمائة رجل من الحكماء والعلماء وتبايعوا أن لا يخرجوا منها، فسألهم عن الحكمة في مقامهم، فقالوا: إن شرف البيت وشرف هذه البلدة بهذا الرجل الذي يخرج يقال له محمّد عَةٍ، فأراد تبع أن يقيم وأمر ببناء أربعمائة دار لكلّ رجل دار، واشترى لكل منهم جارية وأعتقها وزوّجها منه وأعطاهم عطاء جزيلاً وأمرهم بالإقامة إلى وقت خروجه، (وكتب كتابًا للنبيّ ێ) فیه إسلامه، ومنه: شهدت على أحمد أنّه رسول من اللَّه باري النسم فلومدّ عمري إلى عمره لكنت وزيرًا له وابن عم وختمه بالذهب، (ودفعه إلى كبيرهم وسألهم أن يدفعه للنبيّ عَّة) وعند ابن عساكر: ودفع الكتاب إلى عالم عظيم فصيح كان معه يدبره، وأمره أن يدفع الكتاب لمحمّد عَّ إِن أدركه، وإلا من أدركه من ولده وولد ولده أبدًا إلى حين خروجه، وكان في الكتاب: أنه آمن به وعلى دينه. وخرج تبع من يثرب، فمات بالهند، ومن موته إلى مولده عَّهِ ألف سنة سواء. (فتداول الدار) التي بناها تبع للنبيّ عَّله لينزلها إذا قدم المدينة كما في المبتدأ والقصص: (الملاك إلى أن صارت لأبي أيّوب وهو من ولد ذلك العالم،) الذي دفع إليه الكتاب، ولما خرج عليه أرسلوا إليه كتاب تبع مع أبي ليلى، فلمَّا رَآه عَُِّّ، قال له: ((أنت أبو ليلى ومعه كتاب تبع الأوّل))، فبقي أبو ليلى متفكّرًا ولم يعرف رسول اللَّه عَّهِ، فقال: من أنت؟ فإني لم أرَ في وجهك أثر السحر، وتوهم أنه ساحر، فقال: ((أنا محمّد، هات الكتاب))، فلمّا قرأه قال: «مرحبًا ١٦٥ خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة قال: وأهل المدينة الذين نصروه عليه الصلاة والسلام من ولد أولئك العلماء. فعلى هذا: إنما نزل في منزل نفسه، لا في منزل غيره، كذا حكاه في تحقيق النصرة. وفرح أهل المدينة بقدومه معَ ◌ّه، وأشرقت المدينة بحلوله فيها، وسرى السرور إلى القلوب. قال أنس بن لملك: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله عَّهِ المدينة أضاء منها كل شىء، وصعدت ذوات الخدور على الأجاجير عند قدومه يقلن: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع يتبع الآخ الصالح»، ثلاث مرات. (قال: وأهل المدينة الذين نصروه عليه الصّلاة والسّلام من ولد أولئك العلماء) الأربعمائة، وفي رواية: أنهم كانوا الأوس والخزرج، (فعلى هذا) المذكور من أن تبعًا بنى للمصطفى دارًا (إنما نزل في منزل نفسه لا في منزل غيره، كذا حكاه في تحقيق النصرة،) في تاريخ دار الهجرة لقاضيها الشيخ زين الدين بن الحسين المراغي من مراغة الصعيد من فضلاء طلبة الجمال الإسنوى، (وفرح أهل المدينة بقدومه عَّ له.) روى البخاري عن البراء بن عازب: فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشىء فرحهم برسول اللَّه عَ لَّه. وروى أبو داود عن أنس: لما قدم النبيّ عَ له المدينة لعبت الحبشة بحرابهم فرحًا بقدومه، (وأشرقت المدينة بحلوله فيها، وسرى السرور إلى القلوب. قال أنس بن مالك: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول اللَّه عَّه: أضاء منها كل شىء) فلمّا كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شىء، وما نفضنا عن النبيّ عَّ الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا، أخرجه الترمذي في المناقب، وقال: صحيح غريب، وابن ماجه في الجنائز، واقتصر المصنّف على حاجته منه هنا. وروى ابن أبي خيثمة والدارمي عن أنس أيضًا: شهدت يوم دخول النبيّ عَّ المدينة فلم أرَ يومًا أحسن منه ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه عَِّ المدينة، (وصعدت ذوات الخدور على الأجاجير) بجيمين جمع أجار، وفي لغة: الأناجير بالنون، أي: الأسطحة، (عند قدومه يقلن) تهنئة له حال دخوله: (طلع البدر علينا من ثنيات الوداع) (وجب الشكر علينا ما دعا لله داع) زاد رزین: ١٦٦ خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة قلت: إنشاد هذا الشعر عند قدومه عليه السلام المدينة رواه البيهقي في الدلائل، وأبو بكر المقرىء في كتاب الشمائل له عن ابن عائشة، وذكره الطبري في الرياض عن ابن الفضل الجمحي قال: سمعت ابن عائشة يقول: أراه عن أبيه - فذكره. وقال خرجه الحلواني على شرط الشيخين. انتهى. وسميت ثنية الوداع لأنه عليه السلام ودعه بها بعض المقيمين بالمدينة في بعض أسفاره. وقيل: لأنه عليه السلام شيع إليها بعض سراياه، فودعه عندها. وقيل: لأن المسافر من المدينة كان يشيع إليها ويودع عندها قديمًا. أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع (قلت: إنشاد هذا الشعر عند قدومه عليه السّلام المدينة، رواه البيهقي في الدلائل) النبويّة (وأبو بكر المقرىء) بضمّ الميم وسكون القاف الحافظ محمّد بن إبراهيم بن علي بن عاصم الأصبهاني، صاحب المعجم الكبير وغيره، سمع أبا يعلى وعبدان، وعنه ابن مردويه وأبو نعيم وأبو الشيخ، مات سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، (في كتاب الشمائل له، عن ابن عائشة) عبيد اللَّه بضمّ العين، ابن محمّد بن حفص بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر التيمي، ثقة مات سنة ثمان وعشرين ومائتين، روى له أبو داود والترمذي والنسائي، قال الحافظ: ورمي بالقدر ولا يثبت، ويقال له: ابن عائشة، والعائشي والعيشي نسبة إلى عائشة بنت طلحة؛ لأنه من ذرّيتها. وذكر ابن أبي شيبة أنه أنفق على إخوانه أربعمائة ألف دينار، حتى التجأ إلى أن باع سقف بيته. (وذكره الطبري في الرياض) النضرة (عن ابن الفضل الجمحي، قال: سمعت ابن عائشة يقول: أراه) أظنّه (عن أبيه) محمّد بن حفص التيمي (فذكره، وقال) المحب الطبري: (خرّجه الحلواني) بضمّ المهملة وسكون اللام نسبة إلى حلوان آخر العراق، الحسن بن علي بن محمد الهذلي، أبو علي الخلال نسبة إلى الخل نزيل مكّة، ثقة حافظ له تصانيف شيخ الجماعة، خلا النسائي مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين، (على شرط الشيخين، انتهى) كلام الطبري. وفيه معمر، فالشيخان لم يخرجا لابن عائشة، فلا يكون على شرطهما ولو صح الإسناد إليه ، (وسمّيت ثنية الوداع؛ لأنه عليه السلام ودعه بها بعض المقيمين بالمدينة في بعض أسفاره) هو غزوة تبوك، (وقيل: لأنه عليه السلام شيّع إليها بعض سراياه،) هي سرية مؤتة (فودعه عندها) وهذان يعطيان أن التسمية حادثة، (وقيل: لأن المسافر من المدينة كان يشيع إليها ويودع عندها قديمًا، ١٦٧ خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة وصحح القاضي عياض الأخير، واستدل عليه بقول نساء الأنصار حين قدومه عليه السلام: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع فدل على أنه اسم قديم. وقال ابن بطال: إنما سميت ثنية الوداع لأنهم كانوا يشيعون الحاج والغزاة إليها، ويودعونهم عندها، وإليها كانوا يخرجون عند التلقي. انتهى. قال شيخ الإسلام الولي بن العراقي: وهذا كله مردود، ففي صحيح البخاري وسنن أبي داود والترمذي عن السائب بن يزيد قال: لما قدم رسول الله عَّ ◌ُله من تبوك خرج الناس يتلقونه من ثنية الوداع. قال: وهذا صريح في أنها من جهة الشام، ولهذا لما نقل والدي رحمه الله في شرح الترمذي كلام ابن وصحّح القاضي عياض الأخير: واستدلّ عليه بقول نساء الأنصار حين قدومه عليه السّلام: (طلع البدر علينا من ثنيـات الوداع) (فدلّ على أنه اسم قديم)، وهي في الأصل: ما ارتفع من الأرض، وقيل: الطريق في الجبل، (وقال ابن بطال: إنما سمّيت بثنية الوداع، لأنهم كانوا يشيّعون الحاجّ والغزاة إليها، ويودعونهم عندها، وإليها كانوا يخرجون عند التلقي، انتهى. (قال شيخ الإسلام الولي بن العراقي: وهذا كله مردود، ففي صحيح البخاري) في الجهاد والمغازي (وسنن أبي داود والترمذي عن السائب بن يزيد) بن سعيد بن ثمامة الكندي، وقيل في نسبه غير ذلك، صحابي صغير له أحاديث قليلة ولاّه عمر سوق المدينة، وهو آخر من مات بها سنة إحدى وتسعين أو قبلها، (قال: لما قدم رسول اللَّه عَّ من تبوك خرج الناس) كلّهم رجالاً ونساءً وصبيانًا وولائد فرحًا به وسرورًا بضدّ ما أرجف به المنافقون إذا كانوا يخبرون عنه أخبار السوء في غيبته، ولأنهن ألفنه عَّ بخلاف الهجرة، صعدت المخدرات على الأسطحة، لأنهنّ لم يكنّ رأينه وإن فشا فيهم الإسلام، (يتلقّونه من ثنية الوداع، قال) ابن العراقي: (وهذا صريح في أنها من جهة الشام) لا مكة، فظهر منه ردّ كلام ابن بطال، وأثر ابن عائشة ولم يظهر منه ردّ كلام عياض؛ لأنه لم يقل حين قدومه من مكّة، فيحمل على أنه حين قدومه من تبوك، وكذا القولان قبله في سبب التسمية؛ لأن بعض أسفاره وسراياه مبهم، فيحمل على تبوك ومؤتة، ففي قوله: وهذا كلّه مردود، نظر بل بعضه. (ولهذا لما نقل والدي) الحافظ عبد الرحيم (رحمه الله في شرح الترمذي كلام ابن ١٦٨ خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة بطال قال: إنه وهم، قال: وكلام ابن عائشة معضل لا تقوم به حجة. انتهى. وسبقه إلى ذلك ابن القيم في الهدي النبوي فقال: هذا وهم من بعض الرواة، لأن ثنية الوداع إنما هي من ناحية الشام، لا يراها القادم من مكة ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام، وإنما وقع ذلك عند قدومه من تبوك. لكن قال ابن العراقي أيضًا: ويحتمل أن تكون الثنية التي من كل جهة يصل إليها المشيعون يسمونها بثنية الوداع. بطال، قال: إنه وهم) بفتحتين: غلط، (قال: وكلام ابن عائشة، معضل لا تقوم به حجّة، انتهى.) ونحوه قول الفتح هنا بعد نقل أثر ابن عائشة، وعزوه لتخريج أبي سعد في الشرف، والخلعي في فوائد هذا سنده معضل، ولعلّ ذلك كان في قدومه من غزوة تبوك، انتهى. وأمّا قوله في الفتح: في تبوك، في شرح حديث السائب أنكر الداودي هذا، وتبعه ابن القيّم وقال: ثنيّة الوداع من جهة مكّة لا من جهة تبوك، بل هي مقابلها كالمشرق والمغرب، قال إلاّ أن يكون هناك ثنية أخرى في تلك الجهة. قلت: لا يمنع كونها من جهة الحجاز أن يكون خروج المسافر من جهتها وهذا واضح؛ كما في دخول مكة من ثنيّة والخروج منها من أخرى، وينتهي كلاهما إلى طريق واحدة، وقد روينا بسند منقطع في الخلعيات قول النسوة لما قدم المدينة: طلع البدر علينا من ثنيـات الوداع فقيل ذلك عند قدومه من غزوة تبوك، انتهى. فهو مع ما فيه من المخالفة لكلام شيخه العراقي وابنه، وكلامه نفسه هنا آخره مخالف لأوّله، ونقله عن ابن القيّم مخالف لقول المصنف. (وسبقه إلى ذلك ابن القيم في الهدي النبويّ،) أي: کتابه زاد المعاد في هدى خير العباد، (فقال: هذا وهم من بعض الرواة؛ لأن ثنية الوداع إنما هي من ناحية الشام لا يراها القادم من مكّة ولا يمرّ بها إلا إذا توجّه إلى الشام، وإنما وقع ذلك عند قدومه من تبوك) وأجاب الشريف السمهودي: بأن كونها شامي المدينة لا يمنع كون هذه الأبيات أنشدت عند الهجرة؛ لأنه عٍَّ ركب ناقته وأرخى زمامها، وقال: ((دعوها فإنها مأمورة))، ومّر بدورِ الأنصار من بني ساعدة، ودارهم شامي المدينة وقرب ثنية الوداع، فلم يدخل باطن المدينة إلاّ من تلك الناحية، فلا وهم وهو جواب حسن، وإن كان شيخنا البابلي رحمه اللَّه يستبعده بأنه يلزم عليه أن يرجع ويمرّ على قباء ثانيًا، فلا بعد فيه ولو لزم ذلك لإرخائه زمام الناقة، وكونها مأمورة. (لكن قال ابن العراقي أيضًا: ويحتمل) في دفع الوهم (أن تكون الثنية التي من كل جهة يصل إليها المشيّعون يسمّونها بثنية الوداع) قال الخميس: يشبه أن هذا هو الحقّ ويؤيّده جمع ١٦٩ خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة وفي ((شرف المصطفى)) وأخرجه البيهقي عن أنس: لما بركت الناقة على باب أبي أيوب خرج جوار من بني النجار بالدفوف ويقلن: نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار فقال عَّ ◌ُلّهِ: أتحبينني، قلن: نعم يا رسول الله. وفي رواية الطبراني في الصغير فقال عليه السلام: الله يعلم ان قلبي يحبكم. وقال الطبري: وتفرق الغلمان والخدم في الطرق ينادون جاء محمد، جاء رسول الله. ووعك أبو بكر وبلال، الثنيات، إذ لو كان المراد التي من جهة الشام لم تجمع، قال: ولا مانع من تعدّد وقوع هذا الشعر مرة عند الهجرة، ومرّة عند قدومه من تبوك، فلا ينافي ما في البخاري وغيره، ولا ما قاله ابن القيّم، انتهى. (وفي شرف المصطفى) لأبي سعد النيسابوري، (وأخرجه البيهقي) وشيخه الحاكم (عن أنس: لما بركت الناقة على باب أبي أيّوب خرج جوار) في الطرقات (من بني النجّار) زاد الحاكم: يضربن (بالدفوف) جمع دفّ بضم الدال وفتحها: لغة، (ويقلن) عطف على يضربن، (نحن جوار) جمع جارية وهي الشابة أمة أو حرّة، وهو المراد: لقولهن (من بني النجّار) دون لبني النجار (يا) قومنا (حبذا) فدخل حرف النداء على مقدّر؛ لأنه لا يدخل على الأفعال، وحب فعل ماض (محمّد من جار) تمييز، (فقال عَلّة: ((أتحببيني))؟) بضم التاء من أحب، وبفتحها وكسر الموحدة من حب، (قلنَ: نعم يا رسول اللَّه. وفي رواية الطبراني في الصغير) زيادة (فقال عليه السلام: (اللَّه يعلم إن قلبي يحبكم)))) بالميم: يا معشر الأنصار الذين أنتنّ منهم أو الميم للتعظيم؛ كقوله: وإن شئت حرمت النساء سواكم وفي رواية: فقال: ((واللَّه وأنا أحبكن))، قالها ثلاث مرات، فلعلّه قال الجميع، أو ذا لبعض وذا لبعض. (وقال الطبري: وتفرّق الغلمان) جمع غلام وهو الابن الصغير، (والخدم) جمع خادم ذكرًا أو أَثنى، صغيرًا أو كبيرًا، (في الطرق ينادون) فرحًا (جاء محمّد جاء رسول اللَّه) وهذا أخرجه الحاكم في الإكليل عن البراء، ولفظه: فخرج الناس حين قدم المدينة في الطرق والغلمان والخدم، يقولون: جاء محمّد رسول اللَّه، الله أكبر جاء محمد رسول الله، (و)لما قدم رسول اللَّه عَِّ المدينة (وعك) بضمّ الواو وكسر العين، أي: حمّ (أبو بكر وبلال) قالت عائشة: ١٧٠ خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول: كل امرىء مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل وهل. فدخلت عليهما، فقلت: يا أبتِ، كيف تجدك؟ ويا بلال، كيف تجدك؟ كما في رواية للبخاري. وأخرج ابن إسحق والنسائي عنهما: لما قدم عَِّ المدينة وهي أوبأ أرض اللّه، أصاب أصحابه منها بلاء وسقم وصرف اللَّه ذلك عن نبيّه، وأصابت أبا بكر وبلالاً وعامر بن فهيرة، فاستأذنت رسول اللَّه عَّ في عيادتهم، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، فأذن لي فدخلت عليهم وهم في بيت واحد، قالت: (وكان أبو بكر إذا أخذته الحمّى، يقول:) وفي رواية ابن إسحق والنسائي: فقلت: كيف تجدك يا أبت؟ فقال: (كل امرىء مصبح) بضمّ الميم وفتح المهملة والموحّدة الثقيلة، أي: مصاب بالموت صباحًا، وقيل: يقال له: صبحك الله بالخير وهو منعم (في أهله والموت أدنى) أقرب إليه (من شراك) بكسر المعجمة وخفّة الراء: سير، (نعله) الذي على ظهر القدم، والمعنى: أن الموت أقرب إلى الشخص من قرب شراك نعله إلى رجله، وذكر عمر بن شيبة في أخبار المدينة: أن هذا الرجز لحنظلة بن سيار قاله يوم ذي قار، وتمثّل به الصدّيق رضي الله عنه. وفي رواية ابن إسحق والنسائي: فقلت: إنا للَّه، إن أبي ليهذي وما يدري ما يقول، ثم دنوت إلى عامر، فقلت: كيف تجدك يا عامر؟ فقال: لقد وجدت الموت قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه كل امرىء مجاهد بطوقه كالثور يحمي أنفه بروقه فقلت: هذا والله ما يدري ما يقول، أي: لأنها سألتهم عن حالهم فأجابوها بما لا يتعلّق به. والطوق: الطاقة. والروق: القرن يضرب مثلاً في الحثّ على حفظ الحريم، قال السهيلي: ويذكر أن هذا الشعر لعمرو بن مامة. (وكان بلال إذا أقلعت) بفتح الهمزة واللام، ولأبي ذرّ بضمّ الهمزة وكسر اللام، (عنه الحمّى) أي: تركته؛ كما في رواية ابن إسحق والنسائي، وزادا: اضطجع بفناء البيت، ثم (يرفع عقيرته) بفتح المهملة وكسر القاف وسكون التحتية وفتح الراء وفوقية، أي: صوته بالبكاء، (ويقول: ألا) بخفّة اللام أداة استفتاح (ليت شعري) أي: مشعوري، أي: ليتني علمت بجواب ما تضمنه قولي (هل أبيتن ليلة بواد) هو وادي مكة، (وحولي إذخر) بكسر الهمزة وسكون الذال وكسر الخاء المعجمتين: حشيش مكّة ذو الرائحة الطيبة، (وجليل) بجيم: نبت ضعيف، (وهل ١٧١ خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة أردن يومًا مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل اللَّهم العن شيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء. ثم قال رسول الله عَّهِ: اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وصححها لنا أردن) بنون التوكيد الخفيفة (يومًا مياه) بالهاء (مجنّة) بفتح الميم والجيم والنون المشدّدة وتكسر الميم: موضع على أميال من مكة كان به سوق في الجاهلية، (وهل يبدون) بنون التأكيد الخفيفة: يظهرن، (لي شامة) بمعجمة وميم خفيفة على المعروف، (وطفيل) بفتح المهملة وكسر الفاء وسكون التحتية، قيل: وهذان البيتان ليسا لبلال بل لبكر بن غالب الجرهمي أنشدهما لما بعثهم خزاعة من مكّة، فتمثّل بهما بلال (اللَّهمّ العن) عتبة بن ربيعة و (شيبة بن ربيعة وأُميّة بن خلف،) هكذا ثبت لعنه للثلاثة في البخاري، آخر كتاب الحج وسقط الأول من قلم المصنّف سهوًا، وبه يستقيم الجمع في (كما أخرجونا) فلا حاجة للاعتذار بأن المراد: ومن كان على طريقهما في الإيذاء، ولذا جمع والكاف للتعليل وما مصدرية، أي: أخرجهم من رحمتك لإخراجهم إيّانا (من أرضنا) التي توطّناها، ولا يشكل بأن لعن المعين لا يجوز لإمكان أنه علم من النبيّ عَّله أنهم لا يؤمنون، وقد قيل في آية ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم﴾ [البقرة: ٦]، أنها نزلت في معينين؛ كأبي جهل وأضرابه (إلى أرض الوباء) بالقصر والمدّ: المرض العام، وهو أعمّ من الطاعون. وقال المصنّف في مقصد الطب: الدليل على مغايرة الطاعون للوباء أن الطاعون لم يدخل المدينة. وقد قالت عائشة: دخلنا المدينة وهي أوبأ أرض اللَّه، وقال بلال: أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء، انتهى. فلا يعارض قدومه إليها وهي وبئة نهيه عن القدوم على الطاعون؛ لاختصاص النهي به وبنحوه من الموت السريع لا المرض، ولو عمّ (ثم قال رسول اللَّه عَ لَّه) بعد أن أخبرته عائشة بشأنهما. ففي رواية البخاري هنا: قالت عائشة: فجئت رسول اللَّه عَِّ فأخبرته. وفي رواية ابن إسحق والنسائي: فذكرت ذلك لرسول اللّه، فقلت: يا رسول الله! إنّهم ليهذون وما يعقلون من شدّة الحمّى، فنظر إلى السماء، وقال: ((اللَّهم حبب إلينا المدينة كحبّا مكّة أو أشدّ،) فاستجاب الله له وكانت أحبّ إليه من مكّة؛ كما جزم به السيوطي. (اللّهم بارك لنا في صاعنا ومدّنا، وصححها لنا))،) فاستجاب الله له فطيّب هواءها وترابها وساكنها والعيش بها، قال ابن بطال وغيره: من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة لا تكاد توجد في غيرها. قال العلاّمة الشامي: وقد تكرّر دعاؤه عليه الصّلاة والسّلام بتحبيب ١٧٢ خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة وانقل حماها إلى الجحفة. قالت - يعني عائشة -: وقدمنا المدينة وهي أوباً أرض الله، المدينة والبركة في ثمارها، والظاهر أن الإجابة حصلت بالأوّل، والتكرير لطلب المزيد فيها من الدين والدنيا، وقد ظهر ذلك في نفس الكيل بحيث يكفي المدّ بها ما لا يكفيه بغيرها، وهذا أمر محسوس لمن سكنها. (وأنقل حماها إلى الجحفة) بضمّ الجيم وسكون المهملة وفتح الفاء: قرية جامعة على اثنين وثمانين ميلاً من مكّة نحو خمس مراحل وثمانية من المدينة، وكانت تسمّى مهيعة، وبه عبّر هنا في رواية ابن إسحق والنسائي بفتح الميم والتحتية بينهما هاء ساكنة فعين مهملة فهاء، على المشهور. وحكى عياض كسر الهاء وسكون الياء على وزن جميلة، وكانت يومئذ مسكن اليهود، وهي الآن ميقات مصر والشام والمغرب، ففيه جواز الدعاء على الكفار بالأمراض والهلاك وللمسلمين بالصحة وإظهار معجزة عجيبة فإنها من يومئذ وبئة لا يشرب أحد من مائها إلا حمّ، ولا يمرّ بها طائر إلا حمّ وسقط. وروى البخاري والترمذي وابن ماجه عن ابن عمر رفعه: ((رأيت في المنام، كأن امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة، فتأولتها أن وباء المدينة نقل إليها)). وفي رواية: قدم إنسان من طريق مكّة، فقال له النبيّ مَِّ: ((هل لقيت أحدًا))؟ قال: يا رسول اللَّه، إلاّ امرأة سوداء عريانة ثائرة الرأس، فقال عَ له: ((تلك الحمّى، ولن تعود بعد اليوم))، ولا مانع من تجسّم الأعراض خرقًا للعادة، لتحصل الطمأنينة لهم بإخراجها. قال السمهودي: والموجود الآن من الحقى بالمدينة ليس من حمى الوباء بل رحمة ربّنا، ودعوة نبيّنا للتكفير، قال: وفي الحديث: ((أصحّ المدينة ما بين حرّة بني قريظة والعريض))، وهو يؤذن ببقاء شىء منها بها، وأن الذي نقل عنها أصلاً ورأسًا سلطانها وشدّتها ووباؤها وكثرتها بحيث لا يعدّ الباقي بالنسبة إليها شيئًا، قال: ويحتمل أنها رفعت بالكلية ثم أعيدت خفيفة لئلا يفوت ثوابها؛ كما أشار إليه الحافظ ابن حجر، ويدلّ له ما رواه أحمد وأبو يعلى وابن حبان والطبراني عن جابر: استأذنت الحمّى على رسول اللّه تَّهِ، فقال: ((من هذه)؟ فقالت: أَمّ ملدم، فأمرِ بها إلى أهل قباء، فبلغوا ما لا يعلمه إلا اللَّه فشكوا ذلك إليه، فقال: ((ما شئتم، إن شئتم دعوت اللَّه ليكشفها عنكم، وإن شئتم تكون لكم طهورًا))؟ قالوا: أو تفعل؟ قال: ((نعم))، قالوا: فدعها، انتهى. (قالت، يعني عائشة: وقدمنا المدينة) بعد ذلك والمسجد يبنى، كما يأتي (وهي أوبأ أرض الله) أي: أكثر وباء وأشدّ من غيرها، زاد ابن إسحق: قال هشام بن عروة: وكان وباؤها معروفًا في الجاهلية، وكان الإنسان إذا دخلها وأراد أن يسلم من وبائها، قيل: انهق، فينهق كما ١٧٣ خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة فكان بطحان يجري نجلا. تعني: ماء آجنا. وقال عمر: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك. رواه البخاري. ينهق الحمار؛ وفي ذلك يقول الشاعر: لعمري لئن غنيت من خيفة الردى نهيق حمار إنني المروع وفي حديث البراء عند البخاري: أن عائشة وعكت أيضًا وكان أبو بكر يدخل عليها. وأخرج ابن إسحق عن الزهري، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، قال: أصابت الحمّى الصحابة حتى جهدوا مرضًا، وصرف اللّه تعالى ذلك عن نبيّه حتى ما كانوا يصلّون إلاّ وهم قعود، فخرج عَّةٍ وهم يصلّون كذلك، فقال: ((اعلموا أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، فتجشّموا القيام))، أي: تكلّفوه على ما بهم من الضعف والسقم التماس الفضل، (فكان بطحان) بضمّ الموحدة وحكى فتحها وسكون الطاء المهملة: معهما، وقيل: بفتح أوّله وكسر الطاء، وعزا عياض الأول للمحدثين، والثالث للغويين وبين واد بالمدينة. روى البزار وابن أبي شيبة عن عائشة مرفوعًا: ((بطحان على ترعة من الجنَّة))، بضمّ الفوقية، أي: باب أو درجة (يجري نجلاً) بفتح النون وسكون الجيم، أي: ينزنز، أي: ماء قليلاً، وقيل: هو الماء حين يسيل، وقيل: الغدير الذي لا يزال فيه الماء. وقال البخاري: (تعني) عائشة (ماء آجنًا) أي: متغيّر الطعم واللون، وخطّأه عياض وردّه الحافظ، بأنها قالته كالتعليل لكون المدينة وبئة، ولا شكَّ أن النجل إذا فسّر بالماء الحاصل من النزّ فهو بصدد أن يتغيّر، وإذا تغيّر كان استعماله مما يحدث الوباء في العادة، انتهى. (و)استجاب اللَّه لرسوله فسكن محبّة المدينة في قلوب صحبه، حتى (قال عمر: اللّهمّ ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك،) لما في كل منهما من الفضل العظيم، فقد روى أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان عن ابن عمر عن النبيّ عَُّله: ((من استطاع أن يموت بالمدية فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها))، أي: أخصّه بشفاعة غير العامّة زيادة في إكرامه. قال السمهودي: فيه بشرى لساكنها بالموت على الإسلام، لاختصاص الشفاعة بالمسلمين وكفى به مزية، فكل من مات بها مبشّر بذلك، وقال ابن الحاجّ: فيه دليل على فضلها على مكّة لإفراده إياها بالذكر، انتهى. واستجاب اللَّه دعاء الفاروق فرزقه الشهادة بها على يد فيروز النصراني عبد المغيرة ودفن عند حبيبه. (رواه) أي: هذا الحديث الذي أوّله: ووعك أبو بكر (البخاري) عن عائشة في كتاب ١٧٤ خاتمة في وقائع متفرقة حصلت في الهجرة وقوله: يرفع عقيرته: أي صوته، لأن العقيرة الساق، وكان الذي قطعت رجله رفعها وصاح، ثم قيل لكل من صاح ذلك، حكاه الجوهري. وشامة وطفيل: عينان بقرب مكة، والمراد بالوادي وادي مكة. وجليل: نبت ضعيف. الحج وغيره، ورواه أيضًا مسلم وأحمد ابن إسحق والنسائي، (وقوله: يرفع عقيرته، أي: صوته؛ لأن العقيرة الساق) المقطوعة كما في القاموس فغيرها لا يسمّى به. (وكان) فعل ماض (الذي قطعت رجله رفعها) كما قال الأصمعي، أصله أن رجلاً انعقرت رجله فرفعها (وصاح، ثم قيل لكل من صاح ذلك) وإن لم يرفع رجله، (حكاه الجوهري) قال ثعلب: وهذا من الأسماء التي استعملت على غير أصلها، انتهى. فجعله مأخوذًا من العقيرة بمعنى الساق، إشارة إلى أنه الأصل لا أنه لا يمكن غيره، فإنه يمكن تفسيره بالصوت الكائن من ألم الحمّى التي أصابته. ففي القاموس إطلاق العقيرة على صوت الباكي، (وشامة وطفيل عينان بقرب مكة) كما ارتضاه الخطابي، فقال: كنت أحسبهما جبلين حتى مررت بهما، ووقفت عليهما فإذا هما عينان من ماء، وقوّاه السهيلي بقول کثیر: وما أنس مشيًا ولا أنس موقفًا لنا ولها بالخبّ خب طفيل والخبّ: منخفض الأرض، انتهى. وقيل: هما جبلان على نحو ثلاثين ميّلا من مكّة. وقال البكري: مشرفان على مجنّة على بريد من مكّة، وجمع باحتمال أن العينين بقرب الجبلين أو فيهما، إلاّ أن كلام الخطابي يبعد الثاني. وزعم القاموس أن شامة بالميم تصحيف من المتقدمين، والصواب: شابة، بالباء، قال: وبالميم وقع في كتب الحديث جميعها، كذا قال وأشار الحافظ لردّه، فقال: زعم بعضهم أن الصواب بالموحّدة بدل الميم، والمعروف بالميم، انتهى. (والمراد بالوادي) في قول بلال: بواد (وادي مكّة) وقد رواه النسائي وغيره بفجّ، وهو أيضًا وادٍ خارج مكّة، يقول فيه الشاعر: ماذا بفتح من الأسواق والطيّب ومن جوار نقيات عرابيب (وجليل: نبت ضعيف) له خوص أو شىء يشبه الخوص يحشى به البيوت وغيرها، وهو الثمام بضمّ المثلثة. قال السهيلي رحمه اللَّه: وفي هذا الخبر وما ذكر فيهم من حنينهم إلى مكّة ما جبلت عليه النفوس من حبّ الوطن والحنين إليه، وقد جاء في حديث أصيل الغفاري، ويقال فيه الهذلي: أنه قدم من مكّة فسألته عائشة: كيف تركت مكّة يا أصيل؟ فقال: تركتها حين ابيضت أباطحها، وأحجن ثمامها، وأغدق إذخرها، وأبشر سلمها، فاغرورقت عينا رسول اللَّه عَّهِ، وقال: ((تشوقنا يا أصيل)). ويروى أنه قال له: ((دع القلوب تقرّ)، وقد قال الأوّل: ١٧٥ ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر وأقام عَّلِ عند أبي أيوب سبعة أشهر. وقيل: إلى صفر من السنة الثانية وقال الدولابي: شهرًا. [ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر] وكان يصلي حيث أدركته الصلاة، ولما أراد عليه السلام بناء المسجد الشريف، قال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم، قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فأبى ذلك عێ. ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بوادي الخزامى حيث ربتني أهلي بلاد بها نيطت على تمائمي وقطعن عني حين أدركني عقلي انتهى. وأصيل بالتصغير؛ كما في الإصابة. (وأقام عَِّ عند أبي أيّوب سبعة أشهر) قاله ابن سعد، وجزم به في الفتح. (وقيل: إلى صفر من السنة الثانية، وقال الدولابي:) أقام عنده (شهرًا) حكى الأقوال الثلاثة مغلطاي، والله أعلم. ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر (وكان) عليه الصّلاة والسّلام (يصلّي حيث أدركته الصّلاة) فأراد بناء مسجد جامع للمصلّين معه، (ولمَّا أراد عليه السّلام بناء المسجد الشريف، قال) الأظهر: فلما، بالفاء كما عبّر بها أنس. أخرج الشيخان وغيرهما عنه: كان عَّهِ يحبّ أن يصلّي حيث أدركته الصّلاة، ويصلّي في مرابض الغنم، فأرسل إلى ملأ من بني النجّار، فقال: ((يا بني النجّار، ثامنوني) بالمثلثة، أي: اذكروا لي ثمنه لأشتريه منكم، قاله الحافظ في كتاب الصلاة. وقال هنا، أي: قرروا معي ثمنه أو ساوموني بثمنه، تقول: ثامنت الرجل إذا ساومته، واقتصر المصنف على الثاني، ونحوه قول الشامي، أي: بايعوني وقاولوني، انتهى. وهو بالنظر إلى الصيغة فقط إذ ليس ثم مفاعلة، فالأوّل أولى وخاطب البعض بخطاب الكل؛ لأن المخاطبين أشرافهم (بحائطكم) أي: بستانكم، وتقدم أنه كان مربدًا، فلعلّه كان أولاً حائطًا ثم خرب فصار مربدًا، ويؤيّده قوله، أي أنس: أنه كان فيه نخل وحرث، وقيل: كان بعضه بستانًا وبعضه مربدًا، قاله الحافظ. ويؤيّده أيضًا حديث عائشة فساومهما بالمربد ليتّخذه مسجدًا، ولا ينافيه حديث أنس؛ لأنّه لا مانع من وجود النخل والحرث في المربد وسمّاه حائطًا باعتبار ما كان. وفي رواية ابن عيينة: فكلّم عمهما، أي: الذي كانا في حجره أن يبتاعه منهما. (قالوا: لا نطلب ثمنه إلاَّ إلى اللَّه) قال الحافظ: تقديره من أحد لكن الأمر فيه إلى اللَّه، أو إلى بمعنى من؛ كما في رواية الإسماعيلي، وزاد ابن ماجه: أبدًا. (فأبى) أي: كره (ذلك ◌َ لَّه) ١٧٦ ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر وابتاعها بعشرة دنانير أداها من مال أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان قد خرج من مكة بماله كله. قال أنس: وكان في موضع المسجد نخل وخرب وامتنع من قبوله إلا بالثمن، (وابتاعها بعشرة دنانير أداها من مال أبي بكر الصدّيق رضي اللَّه عنه) كما رواه الواقدي عن الزهري، أي: ابتاعهما من اليتيم أو من وليّهما، إن كانا بالغين، ولا ينافيه وصفهما باليتم؛ لأنه باعتبار ما كان أو كانا يتيمين وقت المساومة، وبلغا قبل التبايع. وفي حديث عائشة عند البخاري: ثم دعا الغلامين فساومهما بالمربد ليتّخذه مسجدًا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول اللّه، فأبى أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدًا. قال الحافظ: ولا منافاة بينه وبين حديث أنس: فيجمع بأنهم لما قالوا: لا نطلب ثمنه إلاَّ إلى الله، سأل عمّن يختصّ بملكه منهم، فعينوا له الغلامين فابتاعه منهما، وحينئذ يحتمل أن القائلين: لا نطلب ثمنه إلا إلى اللّه، تحمّلوا عنه للغلامين بالثمن. وعند الزبير أن أبا يّوب أرضاهما عن ثمنه، انتهى. وكذا عند أبي معشر. وفي رواية: أن أسعد بن زرارة عوّضهما نخلاً في بني بياضة، وفي أخرى: أن معاذ بن عفراء، قال: أنا أرضيهما. قال الشامي: ويجمع بأن كلاً منهم أرضى اليتيمين بشىء فنسب ذلك لكل منهم، ورغب أبو بكر في الخير فدفع العشرة زيادة على ما دفعه أولئك، أو أنه عَّ أخذ أوّلاً بعض المربد في بنائه الأوّل سنة قدومه، ثم أخذ بعضًا آخر؛ لأنه بناه مرّتين. وزاد فيه: فكان الثمن من مال أبي بكر في إحداهما، ومن الآخرين في الأخرى، انتهى. وذكر البلاذري أن العشرة التي دفعها من مال أبي بكر كانت ثمن أرض متّصلة بالمسجد لسهل وسهيل وعرض عليه أسعد أن يأخذها ويغرم عنه لهما ثمنهما، فأبى. وجمع البرهان بأنهما قضيتان وأرضان كلتاهما لليتيمين، فاشترى كل واحدة بعشرة إحداهما المسجد والأخرى زيادة فيه، وأدّى ثمنهما معًا أبو بكر والواحدة عاقده عليها أسعد، والأخرى معاذ، قال: وما ذكر من شراء أبي أيوب منهما فيحمل على المجاز أنه كان متكلّمًا بينهما أو عقد معهما بطريق الوكالة أو الوصية، أو أنها أرض ثالثة وفيه بعد، انتهى. (وكان قد خرج من مكّة بماله كلّه) وهو أربعة آلاف أو خمسة، فأمره عَِّ أن يعطيهما ثمنه عشرة دنانير، كره ابن سعد عن الواقدي عن معمر وغيره عن الزهري وقبله لعموم نفع المسجد له ولغيره على عادته من قبول ماله في المصالح بخلاف الهجرة، فأحبّ كونها من ماله عليه السّلام؛ كما مرّ. (قال أنس) بن لملك فيما رواه الشيخان وغيرهما: (وكان في موضع المسجد نخل وخرب) بفتح المعجمة وكسر الراء فموحّدة جمع خربة ككلم وكلمة هكذا ضبط في سنن أبي داود، قال الخطابي: وهي رواية الأكثر. قال ابن الجوزي: وهو المعروف، وحكى ١٧٧ ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر ومقابر مشركين، فأمر بالقبور فنبشت وبالخرب فسويت وبالنخل فقطعت، ثم أمر باتخاذ اللبن فاتخذ، وبني المسجد وسقف بالجريد، وجعلت عمده خشب النخل، الخطابي: كسر أوّله وفتح ثانيه جمع خربة كعنب وعنبة. وللكشميهني بفتح المهملة وسكون الراء ومثلثة وهو وهم؛ لأن البخاري أخرجه من طريق عبد الوارث. وبيّ أبو داود أن رواية عبد الوارث بمعجمة وموحّدة، ورواية حماد بن سلمة بمهملة ومثلثة، ذكره الحافظ؛ فالوهم إنما هو في روايته في البخاري وإن ثبتت في رواية غيره فهي ثلاث روايات. وجوّز الخطابي أنه حرب بضم المهملة وسكون الراء وموحدة وهي الخروق المستديرة في الأرض، أو حدب بمهملتين، أي: مرتفع من الأرض، أو جرب بكسر الجيم وفتح الراء: ما تجرِ فيه السيول وتأكله الأرض. قال: وهذا لائق بقوله: فسويت؛ لأنه إنما يسوّى المكان المحدودب أو الذي جرفته الأرض. أمّا الخراب فيبنى ويعمّر دون أن يصلح ويسوّى. وردّه الحافظ، فقال: ما المانع من تسوية الخراب بأن يزال ما بقي منه وتسوّى أرضه، ولا ينبغي الإلتفات إلى هذه الاحتمالات مع توجيه الرواية الصحیحة، انتھی. (ومقابر مشركين) زاد في رواية: من الجاهلية، (فأمر بالقبور فنبشت) زاد في رواية وبالعظام فغيبت، (وبالخرب فسوّيت) بإزالة ما كان فيها، (وبالنخل فقطعت،) وجعلت عمدًا للمسجد فيه جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع ونبش القبور الدارسة إذا لم تكن محترمة، قال ابن بطال: لم أجد في نبش قبور المشركين لتتخذ مسجدًا نصًّا عن أحد من العلماء، نعم اختلفوا هل تنبش لطلب المال، فأجازه الجمهور، ومنعه الأوزاعي. وهذا الحديث حجّة للجواز؛ لأن المشرك لا حرمة حيا ولا ميتا وفيه جواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها وإخراج ما فيها وجواز بناء المساجد في أماكنها. قيل: وفيه جواز قطع الأشجار المثمرة للحاجة وفيه نظر؛ لاحتمال أن تكون مما لا يثمر. واحتجّ من أجاز بيع غير المالك بهذه القصة؛ لأن المساومة وقعت مع غير الغلامين، وأجيب باحتمال أنهما كانا من بني النجار فساومهما واشترك معهما في المساومة عمّهما الذي كانا في حجره، كما تقدّم ذكره في فتح الباري في موضعين. (ثم أمر باتّخاذ اللبن) بفتح اللام وكسر الموحدة: الطوب النيء، (فاتّخذ، وبني المسجد وسقف بالجريد، وجعلت عمده) بفتح أوّله وثانيه، ويجوز ضمّهما (خشب) بفتحتين وبضم فسكون، (النخل) الذي كان في الحائط. وفي حديث أنس: قصفوا النخل قبلة المسجد. وظاهر هذا الحديث الصحيح أن بناءه باللبن وتسقيفه بالجريد من يومئذ. وروى الزبير بن بكّار في أخبار المدينة عن أنس، قال: بنى عَّهِ مسجده أوّل ما بناه بالجريد، وإنما بناه باللبن بعد ١٧٨ ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر وعمل فيه المسلمون، وكان عمار بن ياسر ينقل لبنتين، لبنة عنه ولبنة عن النبي عَّهِ فقال له عليه السلام: للناس أجر ولك أجران، الهجرة بأربع سنين، فإن صحّ أمكن أن معنى أوّل ما بناه، سقفه وإنما بناه، أي: طينه ويؤيّده ما أخرجه رزين عن جعفر بن محمد أنه بنى ولم يلطخ وجعلوا خشبه وسواريه جذوعًا وظلّلوا بالجريد، فشكوا الحر فطيتوه بالطين، فإن ساغ هذا وإلا فما في الصحيح أصحّ، ولا سيما وقد اتّفق عليه أنس وابن عمر وعائشة وأبو سعيد وأحاديثهم في الصحيح. وروى محمد بن الحسن المخزومي وغيره عن شهر بن حوشب: لما أراد عَِّ أن يبنى المسجد، قال: ابنوا لي عريشًا كعريش موسى ثمامات وخشبات وظّة كظلة موسى، والأمر أعجل من ذلك. قيل: وما ظلّة موسى؟ قال: كان إذا قام أصاب رأسه السقف، فلم يزال المسجد كذلك حتى قبض عليه. وثمامات بضم المثلث جمع ثمام واحده ثمامة نبت ضعيف، وذكر في الأوج أن قامة موسى وعصاه ووثبته سبعة أذرع، فهو تشبيه تام؛ لأنّه جعل ارتفاع سقف المسجد سبعة. وعلى ما ذكر ابن كثير: إن قامة موسى وعصاه ووثبته عشرة، فالتشبيه في أن السقف يصيب رأسه لا يقيد الطول ثم مرسل ابن حوشب هذا، لا معارضة فيه الخبر الصحيح أصلاً؛ لأن ذلك لا يمنع أن جدرانه باللبن، كما هو ظاهر. ووقع عند ابن عائذ عن عطاف بن خالد أنه عليه السّلام صلّى فيه وهو عريش اثني عشر يومًا، ثم بناه وسقفه. (وعمل فيه المسلمون) روى أبو يعلى برجال الصحيح عن عائشة والبيهقي عن سفينة مولى رسول اللَّه عَ له، قالا: لما بنى عَّه مسجد المدينة وضع حجرًا، ثم قال: ليضع أبو بكر حجره إلى جنب حجري، ثم ليضع عمر حجره إلى جنب حجر أبي بكر، ثم ليضع عثمان حجره إلى جنب حجر عمر، ثم ليضع عليّ فسئل عن ذلك، فقال: ((هؤلاء الخلفاء من بعدي)). وأخرج أحمد عن طلق بن علي، قال: بنيت المسجد مع رسول اللَّه عَّهِ، فكان يقول: ((قرّبوا اليمامى من الطين، فإنه أحسنكم له مسيسًا)). وروى أحمد عنه أيضًا: جئت إلى النبيّ عَّه وأصحابه يبنون المسجد، وكأنه لم يعجبه عملهم فأخذت المسحاة فخلطت الطين، فكأنه أُعجبه فقال: ((دعوا الحنفي والطين، فإنه أضبطكم للطين)). وعند ابن حبان، فقلت: يا رسول اللّه أأنقل كما ينقلون؟ قال: ((لا، ولكن أخلط لهم الطين، فأنت أعلم به)). (وكان) المسلمون يحملون لبنة لبنة، وكان (عمّار بن ياسر ينقل لبنتين) كما في البخاري عن أبي سعيد وزاد معمر في جامعه عنه: (لبنة عنه ولبنة عن النبيّ عَّله) وفي رواية الإسمعيلي وأبي نعيم، فقال عَّهِ: ((يا عمّار، ألا تحمل كما يحمل أصحابك))؟، قال: إني أريد من الله الأجر. (فقال له عليه السّلام:) بعد مسح ظهره ونفض التراب عنه: (للناس أجر، ولك أجران))،) ١٧٩ ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر وآخر زادك من الدنيا شربة لبن، وتقتلك الفئة الباغية. وروينا أنه عَّهِ كان ينقل معهم اللبن في بنائه ويقول وهو ينقل اللبن: هذا الحمال لاحمال ... .. فيه جواز ارتكاب المشقّة في عمل البرّ، وتوقير الرئيس والقيام عنه بما يتعاطاه من المصالح. (وآخر زادك من الدنيا شربة لبن،) فكان كذلك، أخرج الطبراني في الكبير بإسناد حسن عن أبي سنان الدؤلي الصحابي، قال: رأيت عمار بن ياسر دعا غلامًا له بشراب فأتاه بقدح من لبن فشرب منه، ثم قال: صدق اللّه ورسوله، اليوم ألقى الأحبّة محمّد، أو حزبه؛ إن رسول اللَّه عَ لّه، قال: (إن آخر شىء تزوّده من الدنيا صبحة لبن))، ثم قال: ((والله لو هزمونا حتى بلغونا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق، وأنهم على الباطل))، يعني لقوله عَّهِ: ((وتقتلك الفئة الباغية)،) فقتل مع عليّ بصفين ودفن بها سنة سبع وثلاثين عن ثلاث أو أربع وتسعين سنة، والباغية هم أهل الشام أصحاب معوية. وروى البخاري في بعض نسخه ومسلم والترمذي وغيرهم مرفوعًا: ((ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنَّة ويدعونه إلى النار)، أي: إلى سبب فيهما. واستشكل بأن معوية كان معه جماعة من الصحابة، فكيف يجوز عليهم الدعاء إلى النار. وأجاب الحافظ، بما حاصله: إنهم ظّوا أنهم يدعونه إلى الجنَّة وهم مجتهدون لا لوم عليهم، وإن كان في نفس الأمر بخلاف ذلك فإن الإمام الواجب الطاعة إذ ذاك هو علي الذي كان عمار يدعوهم إليه، كما أرشد له بقوله: (يدعوهم إلى الجنَّة)، وبجعله قتلة عمار بغاة وقول ابن بطال تبعًا للمهلب: إنما يصح هذا في الخوارج الذين بعث إليهم علي عمارًا يدعوهم إلى الجماعة وهم إذ الخوارج إنما خرجوا على علي بعد عمار اتّفاقًا. وأمّا الذين بعثه إليهم فإنما هم أهل الكوفة يستفزهم على قتال عائشة ومن معها قبل وقعة الجمل، وكان فيهم من الصحابة جماعة كمن كان مع معوية وأفضل فما فرّ منه المهلب، وقع في مثل مع زيادة إطلاقه عليهم الخوارج وحاشاهم من ذلك. وفي الحديث فضيلة ظاهرة لعليّ وعمّار وردّ على النواصب الزاعمين أن عليًّا لم يكن مصيبًا في حروبه، انتهى ملخصًا. (وروينا) في صحيح البخاري في حديث عائشة الطويل (أنه عَّه كان ينقل معهم اللبن) بفتح اللام وكسر الموحّدة الطوب النيء (في بنائه) ولا يعارضه أن عمّارًا كان يحمل عنه؛ لأنه عليه السلام ابتدأ في النقل ترغيبًا لهم في العمل، (ويقول: وهو ينقل اللبن) هذا هو الصواب المروي عند البخاري، فما في بعض النسخ السقيمة الأحمال تصحيف، (هذا الحمال لإحمال) ١٨٠ ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر خيبر هذا أبر ربنا وأطهر اللهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أنه عَّه تمثل ببيت شعر تام غير هذا. انتهى. وقد قيل: إن الممتنع عليه عَّ إنشاء الشعر لا إنشاده، ولا دليل على منع إنشاده متمثلاً. بالرفع ولا وجه لنصبه، قاله في النور. (خيبر هذا أبر) بموحدة وشدّ الراء يا (ربّنا وأطهر) بمهملة، أي: أشدّ طهارة وهذا البيت لعبد الله بن رواحة، يقول: (اللَّهمّ إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة) بكسر الجيم وهذا البيت لابن رواحة أيضًا؛ كما قال ابن بطال، وتبعه في الفتح وغيره. وبعضهم نسبه لامرأة من الأنصار. وفي حديث أنس عند الشيخين: اللَّهمّ لا خير إلا خير الآخرة فانصر الأنصار والمهاجرة وزعم الكرماني في كتاب الصّلاة: أنه كان يقف على الآخرة والمهاجرة بالتاء ليخرجه عن الوزن، قال الحافظ: ولم يذكر مستنده والكلام الذي بعد هذا، يعني كلام الزهري، يردّه، انتهى. بل فيه الوقف على متحرّك وليس عربيًّا، فكيف ينسب إلى سيّد الفصحاء، وزعم الداودي أن ابن رواحة: إنما قال لا همّ ... الخ، فأتى به بعض الرواة على المعنى، وإنما يتزن هكذا؛ وردّه الدماميني بأنه توهيم للرواة بلا داعية فلا يمتنع أنه قاله بألف ولام على جهة الخزم بمعجمتين، وهو الزيادة على أوّل البيت حرفًا فصاعدًا إلى أربعة، وكذا على أوّل النّصف الثاني حرفًا أو اثنين على الصحيح، هذا لا نزاع فيه بين العروضيين ولم يقل أحد بامتناعه وإن لم يستحسنوه، وما قال أحد أن الخزم يقتضي إلغاء ما هو فيه على أن يعد شعرًا، نعم الزيادة، لا يعتدّ بها في الوزن، ويكون ابتداء النظم ما بعدها فكذا ما نحن فيه، انتهى. (قال ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (ولم يبلغنا أنه عَّر تمثل بشعر تام غير هذا) البيت، كما هو بقيّة قوله في البخاري ولأبي ذرّ غير هذه الأبيات، أي: البيتين المذكورين. وزاد ابن عائذ عن الزهري التي كان يرتجز بهن، وهو ينقل اللبن لبنيان المسجد، (انتهى) قول الزهري. قال الحافظ: ولا اعتراض عليه ولو ثبت أنه عَِّ أنشد غير ما نقله؛ لأنه نفى أن يكون بلغه ولم يطلق النفي، واستشكل هذا بقوله تعالى: ﴿وما علّمناه الشعر وما ينبغي له﴾ [يس: ٦٩]، ولذا قال ابن التين: أنكر هذا على الزهري؛ لأن العلماء اختلفوا هل أنشد عَّله شعرًا أم لا، وعلى الجواز هل ينشد بيتًا واحدًا أو يزيد، وقيل: البيت الواحد ليس بشعر، وفيه نظر. (و)أجاب الحافظ وتبعه المصنف، بأنه (قد قيل: إن الممتنع عليه عَّه إنشاء الشعر لا إنشاده، ولا دليل على منع إنشاده متمثّلاً) فالمفهوم من الآية الكريمة منع إنشائه لا إنشاده،