النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
وروي أيضًا أن أبا بكر دخل الغار قبل رسول الله عّ لّه ليقيه بنفسه، وأنه رأى
جحرًا فيه، فألقمه عقبه لئلا يخرج منه ما يؤذي رسول الله عَ لِ فجعلت الحيات
والأفاعي تضربنه وتلسعنه، فجعلت دموعه تتحدر. وفي رواية: فدخل
رسول الله عَّه ووضع رأسه في حجر أبي بكر ونام، فلدغ أبو بكر في رجله من
الجحر ولم يتحرك فسقطت دموعه على وجه رسول الله عَّ ◌ُله، فقال: مالك يا أبا
بكر؟ قال لدغت فداك أبي وأمي، فتفل عليه رسول الله عَّ فذهب ما يجده. رواه
ابن رزین.
وأذكر الرصد فأمشي أمامك، فقال: ((لو كان شىء أحببت أن تقتل دوني))، قال: أي والذي بعثك
بالحقّ، فلما انتهيا إلى الغار، قال: مكانك يا رسول اللَّه حتى استبرىء لك الغار، فاستبرأه.
(وروي أيضاً أن أبا بكر دخل الغار قبل رسول اللَّه عَّ ليقيه بنفسه، وإنه رأى جحرًّا)
بضم الجيم وإسكان المهملة، (فيه فألقمه عقبه) بعد أن سدّ غيره بثوبه، فيروى أنه قال: والذي
بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه شىء نزل بي قبلك فدخله فجعل يلتمس
بيده فكلما رأى جحرًا قطع من ثوبه وألقمه الجحر حتى فعل ذلك بثوبه أجمع فبقي جحر فوضع
عقبه عليه. وروى ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي بكر: أنّهما لمَّا انتهيا إلى الغار إذا جحر
فألقمه أبو بكر رجليه، وقال: يا رسول اللَّه! إن كانت لدغة أو لسعة كانت بي، وهو صريح في
إلقامه رجليه جميعًا فتحمل رواية عقبة على الجنس فتصدق بهما، وهي مبينة للمراد من رجليه؛
(لئلاّ يخرج منه ما يؤذي رسول اللَّه عَّه) لاشتهاره بكونه مسكن الهوام، فدخل فرأى غارًا مظلمًا
فجلس وجعل يلتمس بيده كلما وجد جحرًا أدخل فيه أصبعه حتى انتهى إلى جحر كبير فأدخل
رجله إلى فخذه، كذا في البغوي. (فجعلت الحيّات والأفاعي تضربنه وتلسعنه) عطف تفسير
(فجعلت دموعه تتحدر) من ألم لسعها.
(وفي رواية) عن عمر بن الخطاب، ثم قال - أي بعد استبرائه الغار لرسول اللَّه عَل ـ:
ادخل، فإني سوّيت لك مكانًا، (فدخل رسول اللَّه عَِّ ووضع رأسه في حجر أبي بكر) بكسر
الحاء وسكون الجيم، (ونام فلدغ) بمهملة فمعجمة لذوات السموم وعكسه للذع النار (أبو بكر
في رجله من الجحر ولم يتحرّك) لئلاّ يوقظ المصطفى (فسقطت دموعه على وجه
رسول اللَّه عَّه، فقال: ((ما لك يا أبا بكر))؟ قال: لدغت، فداك أبي وأُمّي، فتفل) بالفوقية (عليه
رسول اللَّه عَّ فذهب ما يجده، رواه ابن رزين) بفتح الراء وكسر الزاي ابن معوية أبو الحسن
العبدري السرقسطي الأندلسي المالكي مؤلف تجريد الصحاح جمع فيه الموطأ والصحيحين

١٢٢
باب هجرة المصطفى واصحابه إلى المدينة
وروي أيضًا: أن أبا بكر لما رأى القافة اشتد حزنه على رسول الله عَ له وقال
إن قتلت أنا رجل
وسنن أبي داود والترمذي والنسائي، قال ابن بشكوال: كان صالحًا فاضلاً عالمًا بالحديث وغيره،
جاور بمكّة أعوامًا وبها مات سنة خمس وعشرين، وقيل: خمس وثلاثين وخمسمائة.
وفي الرياض النضرة: فلمّا أصبحا رأى على أبي بكر أثر الورم فسأله، فقال: من لدغة
الحيّة، فقال: ((هلّ أخبرتني))، قال: كرهت أن أوقظك، فمسحه فذهب ما به من الورم. ولأبي
نعيم عن أنس: فلمَّا أصبح قال لأبي بكر: ((أين ثوبك))، فأخبره بالذي صنع فرفع عَ ◌ّ يديه،
وقال: (اللَّهمّ اجعل أبا بكر معي في درجتي في الجنَّة))، فأوحى الله إليه قد استجبنا لك. وعن
ابن عباس، فقاله عَّهِ: ((رحمك اللَّه صدّقتني حين كذّبني الناس، ونصرتني حين خذلني الناس،
وآمنت بي حين كفر بي الناس، وآنستني في وحشتي))، والظاهر كما قال شيخنا أنه كان عليه
غير ثوبه مما يستر جميع البدن إذ لم ينقل طلبه لغيره ممن كان يأتي لهما بالغار كابنه وابن
فهيرة. وروى ابن مردويه عن جندب بن سفين، قال: لما انطلق أبو بكر مع رسول اللَّه عَلَّه إلى
الغار، قال: يا رسول اللَّه! لا تدخل الغار حتى أستبرئه لقطع الشبهة عني، فدخل أبو بكر الغار
فأصاب يده شیء فجعل يمسح الدم عن أصبعیه، ويقول:
هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل اللَّه ما لقيت
وذكر الواقدي وابن هشام: إن ذا البيت للوليد بن الوليد بن المغيرة الصحابي لما رجع في
صلح الحديبية إلى المدينة وعثر بحرتها، فانقطعت أصبعه. وروى ابن أبي الدنيا: إن جعفرًا لما
قتل بمؤتة دعا الناس بعبد الله بن رواحة فأقبل فأصيب أصبعه، فارتجز يقول:
هل أنت إلاَّ أصبع دميت وفي سبيل اللَّه ما لقيت
يا نفس ألا تقلتي تموتي هذا حياض الموت قد صليت
وما تمنّبه فقد لقيت أن تفعلي فعلهما هديت
وروى الشيخان وغيرهما عن جندب: بينما نحن مع النبيّ عَّه إذا أصابه حجر فدميت
أصبعه، فقال: هل أنت ... البيت والذي يظهر أنه من إنشاء الصديق وأن كلاً من المصطفى
والوليد تمثل به والممتنع على النبيّ عليه السلام إنشاء الشعر لا إنشاده وضمنه ابن رواحة شعره
المذكور.
(وروي أيضًا أن أبا بكر لما رأى القافة) أتوا على ثور وطلعوا فوقه، كما في رواية (اشتدّ
حزنه) وبكى وأقبل عليه الهمّ والخوف والحزن، (على رسول اللَّه عَّه، وقال: إن قتلت أنا رجل

١٢٣
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
واحد، وإن قتلت أنت هلكت الأمة، فعندها قال له رسول الله عَظله: لا تحزن إن
الله معنا، يعني بالمعونة والنصر، فأنزل الله سكينته - وهي أمنة تكن عندها
القلوب- على أبي بكر لأنه كان منزعجًا، وأيده - يعني النبي عَّهِ - بجنود لم
تروها يعني الملائكة ليحرسوه في الغار، وليصرفوا وجوه الكفار وأبصارهم عن
رؤيته.
انظر، لما رأى الرسول حزن الصديق قد اشتد لكن لا على نفسه، قوي قلبه
ببشارة ((لا تحزن إن الله معنا)) وكانت تحفة ((ثاني اثنين)) مدخرة له دون الجميع، فهو
واحد) لا تهلك الأُمّة بقتلي فلا يفوتهم نفع ولا يلحقهم ضرر، (وإن قتلت أنت هلكت الأُمّة)
بهلاك الدين (فعندها) وبعد فراغه من الصّلاة (قال له رسول اللَّه عَله: ((لا تحزن إن الله معنا))،)
فروى عن الحسن البصري: جاءت قريش يطلبون النبيّ عَّه وهو قائم يصلّي وأبو بكر يرتقب،
فقال: هؤلاء قومك يطلبونك، أما والله ما على نفسي أبكي ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره،
فقال: ((لا تحزن إن اللَّه معنا)).
(يعني بالمعونة والنصر) فالمراد المعنوية لاستحالة الحسية في حقّه تعالى لا بالعلم فقط،
إذ لا يختصّ بهما وهو معكم أينما كنتم، (فأنزل الله سكينته) عليه (وهي) أي السكينة، (أمنة)
بفتحتين، أي: حالة للنفس، (تكن عندها القلوب) لا منها مما تكرهه (على أبي بكر) فالضمير
في الآية عائد على صاحبه في قول الأكثر، قال البيضاوي: وهو الأظهر (لأنّه كان منزعجًا)
لا على النبيّ عَُّلِّ لأنّه لم تزل السكينة معه، قال ابن عباس كما رواه ابن مردويه والبيهقي
وغيرهما. (وأيّده - يعني النبيّ عَّله ــ بجنود لم تروها - يعني الملائكة - ليحرسوه في
الغار، وليصرفوا وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته) عطف سبب على مسبب، أي: ليحرسوه
بصرف وجوههم عنه. وفي نسخ بأو يعني أن القصد أحد الأمرين وإن لزم أوّلهما للثاني، وقيل:
معناه لقوا الرعب في قلوب الكفّار حتى رجعوا، حكاهما البغوي مصدرًا بما اقتصر عليه
المصنّف.
(أنظر) تأمل بعين البصيرة في أمر المصطفى وشفقته على الصديق (لمّا رأى) علم
(الرسول حزن الصديق) مفعول رأى الأوّل والثاني، (قد اشتدّ) ويجوز أنها بصرية مجازًا؛ لأنّه لما
رأى ما علاه من الكآبة نزل الحزن القائم به منزلة المبصر حتى جعله مرئيًّا عليه، فالجملة حال.
(لكن لا على نفسه قوي) الرسول عليه السلام (قلبه ببشارة لا تحزن إن الله معنا، وكانت
تحفة) بفتح الحاء وتسكن، ما أتحفت به غيرك؛ كما في المصباح بمعنى الإتحاف، أي: كان

١٢٤
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
الثاني في الإسلام والثاني في بذل النفس والعمر وسبب الموت لما وقى الرسول عَّ اه.
بماله ونفسه جوزي بمواراته معه في رمسه، وقام مؤذن التشريف ينادي على منائر
الأمصار ((ثاني اثنين إذ هما في الغار)) ولقد أحسن حسان حيث قال:
وثاني اثنين في الغار المنيف وقد طاف العدو به إذ صاعد الجبلا
وكان حب رسول الله قد علموا من الخلائق لم يعدل به بدلا
وتأمل قول موسى لبني إسرائيل: ﴿كلا إن معي ربي سيهدين﴾ [الشعراء/
٦٢] وقول نبينا عَ لّه للصديق: ((إن الله معنا))
إتحاف المصطفى لأبي بكر بكونه (ثاني اثنين مدخرة له دون الجميع) أي: جميع الصحابة،
(فهو الثاني) من الرجال (في الإسلام والثاني في بذل النفس والعمر وسبب الموت) عطف
تفسير، والمراد أنه لما جعل نفسه وقاية له كأنه بذل نفسه وعمره حفظًا عليه السّلام، (لما وقى
الرسول عَّله بماله ونفسه) مستأنف استئنافًا بيانيًّا كأنه قيل: ما كان جزاؤه فيما فعل؟ فقيل:
(جوزي بمواراته معه في رمسه وقام مؤذن التشريف ينادي على مناثر الأمصار) جمع منارة بفتح
الميم، والقياس كسرها لأنها آلة، (ثاني اثنين إذ هما في الغار، ولقد أحسن حسّان، حيث قال:)
يمدحه (وثاني اثنين في الغار المنيف) الزائد في الشرف على غيره بدخول أفضل الخلق فيه
وإقامته به هو وصاحبه، (وقد طاف العدوّ به إذ) لمجرّد الوقت (صاعد) بالألف لعلّه بمعنى صعّد
بالتشديد، لكن لم يذكر الجوهري والمجد ولا المصباح صاعد (الجبلا) نصب بنزع الخافض
والألف للإطاق، والمعنى: إذ ارتقى العدوّ على الجبل، (وكان) الصدّيق (حبّ) بكسر الحاء
محبوب (رسول اللَّه قد علموا) أي عامّة الناس العارفين بحال المصطفى والصديق مسلماً أو
غيره، (من الخلائق) متعلّق بيعدل من قوله: (لم يعدل به بدلا) وأنشد الشامي رجلاً، والتقدير:
علم كل أحد أنه عليه السلام لم يعدل بأبي بكر أحد، أي: لم ينزل أحدًا منزلته بحيث يجعله قائمًا مقامه.
وروى ابن عدي وابن عساكر عن أنس: أنه عَِّ قال لحسان: ((هل قلت في أبي بكر
شيئًا)؟ قال: نعم، قال: ((قل، وأنا أسمع))، فقال: وثاني اثنين ... الخ، فضحك عَّله حتى بدت
نواجذه، ثم قال: ((صدقت يا حسّان، هو كما قلت)). فصريح هذا أنه قالهما في حياته. وفي ينبوع
الحياة الذي أعرف أنهما من أبيات رثى بها حسان أبا بكر، فهذا يخالف ذاك إذ الرثاء تعداد
المحاسن بعد الموت وجمع باحتمال أنه مدحه بهما في حياته، ثم أدخلهما في مرثيته بعد وفاته.
(وتأمّل) عطف على أنظر (قول موسى لبني إسرائيل: ﴿كلاّ إن معي ربّي سيهدين﴾
[الشعراء: ٦٢]، وقول نبيّا عَّ للصدّيق: ((إن الله معنا))،) قدم المسند إليه للإشارة إلى أنه

١٢٥
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
فموسى خص بشهود المعية ولم يتعد إلى أتباعه، ونبينا تعدى منه إلى الصديق، ولم
يقل ((معي)) لأنه أمد أبا بكر بنوره فشهد سر المعية، ومن ثم سرى سر السكينة إلى أبي
بكر، وإلا لم يثبت تحت أعباء هذا التجلي والشهود، وأين معية الربوبية في قصة موسى
عليه السلام من معية الإلهية في قصة نبينا عَ ليه. قاله العارف شمس الدين بن اللبان.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عطاء بن ميسرة، قال: نسجت العنكوت
مرتين، مرة على داود حين كان طالوت يطلبه،
لا يزول عن الخاطر لشدّة التعلق به أو لأنّه يستلذّ به لكونه محبوباً للعباد إذ لا انفكاك لأحد عن
الاحتياج إليه أو لتعظيمه بوصفه بالألوهوية لأن سائر صفات الكمال تتفرع عليه، (فموسى خصّ)
من ربّه (بشهود المعية) له وحده (ولم يتعدّ) ذلك الشهود (إلى أتباعه ونبينا تعدّى منه)
شهوده (إلى الصديق و)لهذا (لم يقل معي لأنّه أمدّ أبا بكر بنوره فشهد سرّ المعية، ومن ثم سرّي
سر السكينة إلى أبي بكر، وإلا لم يثبت تحت أعباء هذا التجلّي والشهود) إذ ليس في طوق
البشر إلا بذلك الإمداد (وأين) استفهام تعجب وتعظيم للفرق بين المقامين، (معيّة الربوبية في
فصّة موسى عليه السّلام) حيث قال: إن معي ربّي والربّ من التربية وهي التنمية والإصلاح،
(من معيّة الإلهية في قصّة نبيّا عَّه) حيث عبّر بالاسم الجامع لصفات الكمال، (قاله العارف
شمس الدين بن اللتان) محمّد بن أحمد الدمشقي، ثم المصري الشافعي الفقيه الأصولي النحوي
الأديب الشاعر قدم مصر من دمشق، فأكرمه ابن الرفعة إكرامًا كثيرًا، اختصر الروضة ورتّب الأمّ،
مات بالطاعون في شوال سنة تسع وأربعين وسبعمائة، هذا وما نقله الشارح عن شرح الهمزية هو
معنی ما نقله المصنّف عن ابن اللبان.
(وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عطاء بن ميسرة) الخراساني صدوق يهم ويرسل كثيرًا
روى له مسلم والأربعة ولم يصحّ أن البخاري أخرج له كما زعم المزي، مات سنة خمس
وثلاثين ومائة. (قال: نسجت العنكبوت مرّتين مرّة على داود) عليه السّلام (حين كان طالوت)
بن قيس من ذرّية بنيامين شقيق يوسف عليه السّلام، يقال إنه كان سقاء، ويقال: كان دبّاغًا،
(يطلبه) لأن داود لمّا قتل جالوت رأس الجبارين وكان طالوت وعد من قتله أن يزوّجه ابنته
ويقاسمه الملك، فوفى طالوت لداود قتله، وعظم قدر داود في بني إسرائيل حتى استقلّ بالمملكة
فتغيّرت نية طالوت لداود وهم بقتله، فلم يتّفق له ذلك، ثم رآه في برية، فقال: اليوم أقتله، ففرّ
منه ووجد مغارة فتوارى بها، فنسجت العنكبوت عليه فمرّ به طالوت فلم يره فتاب وانخلع من
الملك وخرج مجاهدًا هو ومن معه من ولده حتى ماتوا كلهم شهداء، وكانت مدّة ملك طالوت
أربعين سنة، وانتقل ملكه إلى داود واجتمعت عليه بنو إسرائيل ولم تجتمع على ملك واحد إلاّ

١٢٦
باب هجرة المصطفى واصحابه إلى المدينة
ومرة على النبي عَّه في الغار.
وكذا نسجت على الغار الذي دخله عبد الله بن أنيس لما بعثه عَةٍ لقتل
خالد بن نبيح الهذلي بعرنة، فقتله ثم حمل رأسه ودخل في غار فنسجت عليه
العنكبوت، فجاء الطلب فلم يجدوا شيئًا فانصرفوا راجعين.
وفي تاريخ ابن عساكر: أن العنكبوت نسجت أيضًا على عورة زيد بن
علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لما صلب عريانًا في سنة إحدى وعشرين ومائة.
عليه ومدّة ملكه سبع سنين في قصّة طويلة مذكورة في المبتدأ لابن إسحق، كما في فتح الباري.
(ومرة على النبيّ عَّ في الغار) لأن كل كرامة ومعجزة أوتيها نبيّ لا بدّ وأن يكون
للمصطفى مثلها أو نظيرها أو أجلّ، فنسج عليه العنكبوت كداود وتعدّى إلى بعض أصحابه
وذرّيته، كما قال: (وكذا نسجت على الغار الذي دخله عبد الله بن أنيس) بن أسعد الجهني
الأنصاري السلمي (لما بعثه عَّ لقتل خالد) بن سفين (بن نبيح) بضمّ النون وفتح الموحدة
وإسكان التحتية وحاء مهملة، (الهذلي) فنسبه المصنف لجده بناء على قول ابن إسحق: أن
البعث لخالد بن سفين بن نبيح، وذكر ابن سعد أنه سفين بن خالد بن نبيح، وتبعه المصنّف فيما
يأتي والبعمري وغيرهما؛ لأنّه كان يجمع الجموع للنبيّ عَ ليه.
(بعرنة) بالنون وادي عرفة (فقتله ثم حمل رأسه ودخل في غار، فنسجت عليه العنكبوت
فجاء الطلب فلم يجدوا شيئًا فانصرفوا راجعين))) ثم سار بالرأس فلمَّا رَآه عَِّ قال: أفلح الوجه،
قال: وجهك يا رسول الله، ووضع الرأس بين يديه وأخبره الخبر فدفع عَّه إليه عصًا كانت بيده،
وقال: تحضر بهذه في الجنَّة، فلما حضره الموت أوصى أهله أن يجعلوها في كفنه، ففعلوا
(وفي تاريخ ابن عساكر أن العنكبوت نسجت أيضًا على عورة زيد بن علي بن الحسين بن
عليّ بن أبي طالب) رضي اللَّه عنهم أبي الخسين المدني الثقة، ولد سنة ثمانين وروى عن أبيه
وجماعة، وأخرج له أصحاب السنن.
(لما صلب عرياناً) أربع سنين كما في تاريخ ابن عساكر وبه جزم غير واحد، وقيل:
خمس سنين، وكان قد بايعه خلق كثير من أهل الكوفة، وقالوا: تتبرأ من أبي بكر وعمر فأبى،
فقالوا: نرفضك فسموا الرافضة، وقالت طائفة: نتولاهما ونتبرّاً ممن تبرّأ منهما فسموا الزيدية
فخرجوا معه وحارب متولّي العراق لهشام بن عبد الملك وهو يوسف بن عمر ابن عم الحجاج
الثقفي فظفر به يوسف فقتله وصلبه ووجهوه لغير القبلة، فاستدارت خشبته إلى القبلة، ثم أحرقوا
جسده وخشبته وذرّي رماده في الرياح على شاطىء الفرات وكان قتله وصلبه (في) صفر (سنة
إحدى وعشرين ومائة) فيما قاله سعيد بن عفير وأبو بكر بن أبي شيبة وخليفة وآخرون قائلين:

١٢٧
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
وكان مكثه عَ لّه وأبو بكر في الغار ثلاث ليال، وقيل بضعة عشر يومًا.
والأول هو المشهور.
وكان يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب ثقف - أي ثابت
المعرفة بما يحتاج إليه لقن- فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة
کبائت معهم، فلا يسمع بأمر يكادان به
وبقي مصلوباً إلى سنة ستّ وعشرين، وقال ابن سعد: ومصعب في ثاني صفر سنة عشرين، وقال
الليث بن سعد وهشام الكلبي والهيثم بن عدي والزبير بن بكار وآخرون، قتل يوم الاثنين ليومين
مضيا من صفر سنة اثنتين وعشرين ومائة، وقال ابن عساكر: صلب في سنة ستّ وعشرين، قال
البرهان: وعليه يكون في خلافة الوليد بن يزيد؛ لأن هشاماً مات سنة خمس وعشرين ومائة.
(وكان مكثه عَّ. وأبو بكر في الغار ثلاث ليال) كما في الصحيح: فكمنا فيه ثلاث
ليال، (وقيل: بضعة عشر يومًا) رواه أحمد والحاكم عن طلحة البصري مرسلا، قال: قال عَّ
:2
(لبثت مع صاحبي في الغار بضعة عشر يوماً، ما لنا طعام إلا طعام البرير)). (والأول هو المشهور)
كما قال ابن عبد البر وغيره، وجمع الحاكم بأنهما كمنا في الغار وفي الطريق بضعة عشر يومًا،
لكن قال الحافظ: لم يقع في رواية أحمد ذكر الغار وهي زيادة في الخبر من بعض رواته، ولا
يصحّ حمله على حال الهجرة لما في الصحيح كما تراه من أن عامر بن فهيرة كان يروح عليهما
في الغار باللبن، ولما وقع لهما في الطريق من لقى الراعي ومن النزول بخيمة أَمّ معبد وغير ذلك،
فالذي يظهر أنها قصّة أخرى، انتهى.
(وكان يبيت عندهما) في الغار (عبد الله بن أبي بكر) الصديق أصابه سهم في غزوة
الطائف فاندمل جرحه ثم نقض بعد ذلك فمات في خلافة أبيه، قال الحافظ: وفي نسخة من
البخاري عبد الرحمن وهو وهم. (وهو غلام شابّ ثقف) بفتح المثلثة وكسر القاف ويجوز
إسكانها وفتحها، كما قال الحافظ، وتبعه المصنّف وجوّز البرهان ضمّها وأسقطه الفتح، وبعدها
فاء (أي) حاذق (ثابت المعرفة بما يحتاج إليه) تفسير من المصنّف زائد على الحديث وهو من
الفتح، وما ألطف قوله في مقدّمته، أي: فطن وزنًا ومعنى (لقن) بفتح اللام وكسر القاف وتسكن؛
كما في النور: فنون، أي: سريع الفهم، (فيدلج) بضم الياء وسكون الدال، ولأبي ذرّ بشدّ الدال
بعدها جيم؛ كما قال المصنّف، واقتصر الحافظ وتبعه الشامي على رواية أبي ذرّ، أي: يخرج
(من عندهما بسخر) إلى مكّة (فيصبح مع قريش بمكّة كبائت) لشدّة رجوعه بغلس يظنّه من
لا يعرف حقيقة أمره مثل البائت، (فلا يسمع بأمر يكادان به) بضمّ التحتية فكاف فألف، رواية

١٢٨
باب هجرة المصطفى واصحابه إلى المدينة
إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك اليوم حين يختلط الظلام.
ويرعى عليهما عامر بن فهيرة - مولى أبي بكر - منحة من غنم، فيريحها
عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل، وهو لبن منحتهما، يفعل
ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.
واستأجر رسول الله عَ ليه وأبو بكر، عبد الله بن أريقط
الكشميهني ولغيره: يكتاد أنه بفتح أوّله وفوقية بعد الكاف، أي: يطلب لهما فيه المكروه وهو
من الكيد، (إلاَّ وعاه) حفظه (حتى يأتيهما بخبر ذلك اليوم حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما
عامر بن فهيرة) بضم الفاء مصغر (مولى أبي بكر) من السابقين الأولين، ذكر ابن عقبة عن ابن
شهاب: أن أبا بكر اشتراه من الطفيل بن سخبرة فأسلم فأعتقه وهو مخالف لما رواه الطبراني عن
عروة أنه كان ممن يعذّب في اللَّه فاشتراه أبو بكر فأعتقه، استشهد ببئر معونة.
(منحة) بكسر الميم وسكون النون وفتح المهملة: شاة تحلب إناء بالغداة وإناء بالعشي،
قال الحافظ: وتطلق أيضًا على كل شاة، (من غنم) ذكر ابن عقبة عن الزهري أنها كانت لأبي
بكر فكان يروّح عليهما الغنم كل ليلة فيحلبان ثم يسرح بكرة، فيصبح في رعيان الناس فلا
يفطن له. (فيريحها) بضم أوله، أي: يردّها. قال المصنّف: أي الشاة أو الغنم، (عليهما حين
تذهب ساعة من العشاء) فيحلبان ويشربان (فيبيتان في رسل) بكسر الراء وسكون المهملة: لبن
طريّ، (وهو لبن منحتهما) أسقط من الرواية: ورضيفهما حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس.
رضيف بفتح الراء وكسر المعجمة بزنة رغيف لبن فيه حجارة محماة بالشمس أو النار،
لينعقد وتزول رخاوته وهو بالرفع ويجوز الجر. وينعق بكسر المهملة يصيح بغنمه ويزجرها. وفي
رواية بهما بالتثنية، أي: يسمع المصطفى والصديق صوته إذا زجر غنمه. (يفعل ذلك في كل
ليلة من تلك الليالي الثلاث) ولابن عقبة عن ابن شهاب: وكان عامر أمينًا مؤتمنًا حسن الإسلام.
وفي رواية: وكانت أسماء تأتيهما من مكّة إذا أمست بما يصلحهما من الطعام. وعند ابن إسحق:
فإذا أمسى عامر أراح عليهما غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا، فإذا غدا عبد الله بن أبي بكر من
عندهما تبع عامر أثره بالغنم حتى يعفي أثره وخرج معهما حتى قدم المدينة، ولا ينافي بيات ابن
الصدّيق عندهما وتردّد عامر وأسماء نسج العنكبوت على فمّ الغار؛ لأنّه خارق فيجوز عدم نسج
العنكبوت أو تكرّر النسج كل يوم أو غير ذلك.
(واستأجر رسول اللَّه مَّلِ وأبو بكر) قبل خروجهما من مكة، بدليل: وغداة الغار، قال في
الصحيح: رجلاً من بني الدبل وبينه ابن عقبة وابن سعد، فقالا: استأجر (عبد اللَّه بن أريقط)

١٢٩
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
دليلاً - وهو على دين كفار فريش، ولم يعرف له إسلام - فدفعا إليه راحلتيهما
ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال.
فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ
بهم طريق السواحل،
بالقاف والطاء مصغر وسماه ابن إسحق في رواية ابن هشام: عبد اللّه بن أَرقد، وفي رواية الأموي
عنه: أريقد، بالدال بدل الطاء وبالطاء أشهر، وقال لملك في العيبة: اسمه رقيط، والديل بكسر
الدال وسكون التحتية، وقيل: بضمّ أوّله وكسر ثانيه مهموز، ذكره في الفتح.
(دليلاً) حال منتظرة أو ليكون دليلاً (وهو) أي: الرجل الذي استأجراه، (على دين كفّار
قريش) من عبدة الأوثان لا من أهل الكتاب ومع ذلك سخّره اللَّه ليقضي أمره، وهذا من جملة
الرواية. (ولم يعرف له إسلام) هكذا جزم به الحافظ عبد الغني المقدسي في سيرته وتبعه
النووي، وقال السهيلي: لم يكن إذ ذاك مسلمًا ولا وجدنا من طريق صحيح أنه أسلم بعد ولا
يعترض بأن الواقدي ذكر أنه أسلم؛ لأنه قيد بصحيح. وضعّف الواقدي معلوم خصوصًا مع
الانفراد وكأنه سلف الذهبي في عدّه صحابيًّا، وقد قال في الإصابة: لم أرَ من ذكره في الصحابة
إلا الذهبي في التجريد ووصفه في الرواية بأنه كان هاديًا ضريتًا، أي: ساديًا للطريق، قال:
والخريت، أي: بكسر الخاء المعجمة والراء الثقيلة وتحتية ساكنة ففوقية: الماهر بالهداية، أي:
هداية الطريق، وهذا التفسير مدرج من كلام الزهري، كما بيّنه ابن سعد. قال الأصمعي: سمّي
خريبًا لأنه يهتدي بمثل خرت الإبرة، أي: ثقبها. وقال غيره: لاهتدائه لآخرات المفازة وهي طرقها
الخفية، قال في الرواية: فأمناه، بفتح الهمزة مقصورة وكسر الميم، أي: ائتمناه، (فدفعا إليه
راحلتيهما ووعداه) بمعنى التواعد، وهو الذي في البخاري بلفظ: ووعداه، (غار ثور بعد ثلاث
ليال، فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث) وفي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب: حتى إذا هدأت
عنهما الأصوات جاء صاحبهما ببعيريهما، (وانطلق معهما عامر بن فهيرة) زاد ابن عقبة: يخدمهما
ويعينهما يردفه أبو بكر ويعقبه ليس معهما غيره، (والدليل: فأخذ بهم طريق السواحل) بسين وحاء
مهملتين، أسفل عسفان.
وفي رواية ابن عقبة: فأجازهما أسفل مكّة ثم مضى بهما حتى جاء بهما الساحل أسفل من
عسفان، ثم أجارهما حتى عارض الطريق، وقد بيّ الزبير بن بكار من حديث عائشة، وابن عائذ من
حديث ابن عباس سيرهما منزلة منزلة إلى قبا، ثم فصل المصنّف حديث الصحيح بذكره قصة أُمّ
معبد، وسنذكر منه بقية في خبر سراقة، وقد مروا قبل ذلك كما في الصحيح بصخرة فنام
المصطفى في ظلها، ورأى أبو بكر راعيًا معه غنم فاستحلبه فحلب له منها فبرده أبو بكر حتى

١٣٠
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
فمروا بقديد على أم معبد- عاتكة بنت خالد الخزاعية - وكانت برزة جلدة، تحتبي
بفناء القبة، ثم تسقي وتطعم.
وكان القوم مرملين مسنتين، فطلبوا لبنًا أو لحمًا يشترونه منها، فلم يجدوا
عندها شيئًا، فنظر عَّهِ إلى شاة في كسر الخيمة، خلفها الجهد عن الغنم،
فسألها رسول الله عَ ◌ِّ هل بها من لبن؟ فقال: هي أجهد من ذلك،
قام عَّهِ فسقاه ثم ارتحلوا، (فمرّوا) كما رواه الحاكم وصححه البيهقي وصاحب الغيلانيات ومن
طريقه اليعمري عن أبي سليط الأنصاري البدري، وابن عبد البرّ وابن شاهين وابن السكن والطبراني
وغيرهم، عن أخي أُمّ معبد حبيش صاحب رسول اللَّه عَ لَّهِ، قالا: لما خرج عَّ في الهجرة ومعه
أبو بكر وابن فهيرة وابن أريقط يدلّهم على الطريق مرّوا (بقديد) بضمّ القاف وفتح الدال الأولى
إسكان التحتية: موضع معروف، (على أَمّ معبد) بفتح الميم وسكون المهملة وفتح الموحدة
ودال مهملة (عاتكة) بكسر الفوقية وبالكاف (بنت خالد) ابن خلید مصغّر آخره دال مهملة كما
صدر به ابن الأثير في الجامع، وقيل: ابن خليف، بفاء بدل الدال مصغر، وقيل: ابن منقذ بضم الميم
وسكون النون وكسر القاف وذال معجمة، وقال الطبراني: عاتكة بنت خليف، ويقال: بنت خالد بن
منقذ. وفي ثقات ابن حبان: أُمّ معبد بنت خالد بن خليف بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس.
وفي الإكمال: عاتكة بنت خليفة بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس بن حزام بن
حبشية، زاد السهيلي: ابن كعب بن عمرو الكعبية.
(الخزاعية) بضمّ الخاء والزاي المنقوطتين ومهملة، صحابية خرج لها أبو يعلى الموصلي.
وروى ابن السكن حديث نزول النبيّ عَّل عليها من حديثها نفسها من رواية أخيها حبيش عنها.
(وكانت برزة) كضخمة عفيفة جليلة مسنّة أو غيرها، وقيل: هي المسنّة التي برزت فلم تنخدر
لسنّها وخرجت عن حدّ المحجوبات، حكاهما ابن المنير وغيره.
(جلدة) قويّة أو عانية (تحتبي) تجلس (بفناء القبّة) الخيمة والفناء سعة أمام البيت أو
ما امتدّ من جوانبه، (ثم تسقي وتطعم) من يمرّ بها (وكان القوم مرملين مسنتين) بكسر النون
والمثناة الفوقية، أي: أصابتهم السنة، (فطلبوا لبنًا أو لحمًا) وعند أبي عمر: سألوها لحمًا وتمرًا
فكأنهم طلبوا ما تيسّر من الثلاثة، (يشترونه منها فلم يجدوا عندها شيئًا) وقالت: واللَّه لو كان
عندنا شىء ما أعوزناكم القرى؛ كما في الرواية، أي: أحوجناكم، (فنظر عٍَّ إلى شاة في كسر
الخيمة خلفها) بشدّ اللام (الجهد) بفتح الجيم وضمّها، أي: الهزال، (عن الغنم فسألها عَ لَّه:
((هل بها من لبن))؟ فقالت: هي أجهد من ذلك) تريد أنها لضعفها وعدم طروق الفحل لها دون من

١٣١
باب هجرة المصطفى واصحابه إلى المدينة
فقال: أتأذنين لي أن حلبها؟ فقالت: نعم بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبًا
فاحلبها، فدعا بالشاة فاعتقلها ومسح ضرعها، وسمى الله، فتفاجت ودرت، ودعا
بإناء يربض الرهط - أي يشبع الجماعة حتى يربضوا - فحلب فيه ثجا وسقى القوم
حتى رووا، ثم شرب آخرهم، ثم حلب فيه مرة أخرى علا بعد نهل، ثم غادره
عندها وذهبوا.
فلما لبث أن جاء أبو معبد زوجها
لها لبن، فكأنّها قالت: هي على صفة دون المسؤول عنه، (فقال: ((أتأذنين لي أن أحلبها))؟) بضمّ
اللام وكسرها؛ كما في القاموس.
(فقالت: نعم، بأبي أنت وأُمّي إن رأيت بها حلبًا) بفتح اللام وسكونها، أي: لبنًا في
الضّرع، (فاحلبها، فدعا بالشاة) طلبها أن تأتي إليه، فالباء زائدة فيكون معجزة، لكن في رواية:
فبعث معبدًا وكان صغيرًا، فقال: ((ادع هذه الشاة)، ثم قال: ((يا غلام هات)) فأحضرها إليه
(فاعتقلها) أي: وضع رجلها بين ساقه وفخذه ليحلبها، (ومسح ضرعها) زاد في رواية: وظهرها
(وسمّى اللَّه) زاد في رواية: ودعا لها في شاتها، (فتفاجت ودرّت ودعا بإناء يربض الرهط) أي:
طلب إناء موصوفًا بذلك، كما يفيده العيون، لا أنه طلب مطلق إناء فأحضر بتلك الصفة، وفسره
فقال: (أي: يشبع الجماعة حتى يربضوا) بكسر الموحدة (فحلب فيه ثجًّا) بمثلثة وجيم حلبًا
قويًّا (وسقى القوم) بعد أن سقى أمّ معبد حتى رويت؛ كما في رواية.
(حتى رووا ثم شرب آخرهم) وقال: ((ساقي القوم آخرهم شربًا)، (ثم حلب فيه مرّة
أُخرى) فشربو (علا) بفتح المهملة واللام والأولى (بعد نهل) بفتح النون والهاء وتسكن ولام،
أي: شربًا ثانيًا بعد الأوّل، (ثم) حلب فيه آخر و(غادره) بغين معجمة: تركه، (عندها) زاد في
رواية: قال لها: (ارفعي هذا لأبي معبد إذا جاءك)، ثم ركبوا (وذهبوا، فلمَّا لبث) أي: ما لبث إلا
قليلاً (أن جاء أبو معبد زوجها) وهذا كله صريح في أنها لم تذبح لهم. ووقع في بعضٍ الروايات
عن أم معبد، قالت: طلع علينا أربعة على راحلتين فنزلوا بي، فجئت رسول اللَّه بشاة أُريد ذبحها
فإذا هي ذات درّ، فأدنيتها منه فلمس ضرعها، وقال: ((لا تذبحيها))، وجئت بأخرى وذبحتها
وطبختها فأكل هو وأصحابه وملأت سفرتهم منها، ما وسعت، وبقي عندنا لحمها أو أكثر،
وبقيت الشاة التي مسّ ضرعها إلى زمن عمر، فإن صحت مع أنه لم يكن عندها إلا شاة واحدة،
فيحتمل أنها لما أتته بها وشاهدت فيها الآية البيّنة تسلفت من جيرانها التي ذبحت إكرامًا

١٣٢
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
- قال السهيلي: ولا يعرف اسمه، وقال العسكري: اسمه أكثر ابن أبي الجون،
ويقال: ابن الجون - يسوق أعنزًا عجافًا، يتساوكن هزلاً، مخهن قليل.
فلما رأى أبو معبد اللبن عجب وقال: ما هذا يا أم معبد؟ أنى لك هذا
والشاة عازب حيال، ولا حلوب بالبيت؟ فقالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك
من حاله كذا وكذا. فقال: صفيه يا أم معبد.
فقالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة. مبلج الوجه حسن الخلق،
......
للمعجزة الظاهرة فشاهدت فيها آية أخرى، والله أعلم.
(قال السهيلي: ولا يعرف اسمه، وقال العسكري:) الحافظ الإمام أبو الحسن علي بن
سعيد بن عبد الله نزيل الري صنف وجمع، ومات سنة خمس وثلاثمائة، (اسمه أكثر) بفتح الهمزة
والمثلثة (ابن أبي الجون) بفتح الجيم وبالنون، قال السهيلي: له رواية عن النبيّ عَّةٍ وتوفي في
حياته، وقال الذهبي: قيل اسمه حبيش. وقيل: أكثم، قديم الوفاة. (ويقال: ابن الجون) بإسقاط
أبي حبيش بضمّ المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية وبالمعجمة على الأصح.
وقيل: بمعجمة مضمومة ونون مفتوحة وسين مهملة، وفي الإصابة أبو معبد الخزاعي ذكره
ابن الأثير، وقال: تقدّم في حبيش، والمتقدم إنما وصف بأنه أخو أمّ معبد، وأما زوجها فلم يسمّ
وترجم ابن منده لمعبد بن أبي معبد ولم يسمّ أباه، وأخرج البخاري في التاريخ وابن خزيمة
والبغوي قصّة أُمّ معبد من طريق الحرّ بن الصباح النخعي عن أبي معبد الخزاعي، قال: خرج
رسول اللَّه عَلَّم لها هاجر وأبو بكر وعامر بن فهيرة ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي، فمرّوا
بخيمة أُمّ معبد ... الحديث، وفي آخره عند البغوي، قال عبد الملك: بلغني أن أُمّ معبد هاجرت
وأسلمت. قال البخاري: هذا مرسل، فأبو معبد مات قبل النبيّ عَّهِ.
(يسوق أعنزًا عجافًا) بكسر المهملة جمع عجفاء، وهي المهزولة. (يتساوكن هزلاً) بضمّ
الهاء وسكون الزاي (مخهن قليل) بخاء معجمة، أي: الودك الذي في العظم. وسقط في نسخ
لأنه مساوٍ لعجاف، (فلمَّا رأى اللبن أبو معبد عجب، وقال: ما هذا يا أم معبد؟ أنّى لك هذا
والشاة عازب) بمهملة فألف فزاي فموحدة (حيال) بكسر المهملة وتحتيّة (ولا حلوب بالبيت)
أي: ليس فيه ذات لبن تحلب؛ كما في المصباح.
فليس للمبالغة، (فقالت: لا والله، إلا أنّه مرّ بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا) أي: رأى
الشاة ودعا لها، فحكت له القصة، فهي مركّبة من كاف التشبيه وذا الأشاربة كنى بها عن غير
عدد على أحد أوجهها، (فقال: صفيّة) يا أُمّ معبد! فقالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة) بفتح الواو
وضاد معجمة ومدّ: الحسن والبهجة، (مبلج الوجه) مشرقة (حسن الخلق) بضمّ الخاء واللام

١٣٣
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف،
وفي صوته صحل، أحور أكحل، أزج أقرن، شديد سواد الشعر، في عنقه سطع،
وفي لحيته كثاثة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، وكأن
منطقه خرزات نظم طوال يتحدرن، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، أجهر
الناس وأجمله من بعيد،
عرفت ذلك من حاله مع رفقته، أو بفتح فسكون تأكيدًا لما علم من أوصافها، والظاهر الأوّل.
(لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة) لعدم وجودهما فيه، وهو (وسيم قسيم) عطف مرادف إذ
معناهما الحسن كما يجيء، (في عينيه دعج) بفتح الدال والعين المهملتين وجيم، (وفي أشفاره
وطف) بفتح الواو والطاء المهملة وبالفاء، ويروى غطف بغين معجمة بدل الواو، ورجّحها الحافظ
عبد الغني المقدسي والقطب الحلبي ومعناهما طول، ويروى بعين مهملة، ويأتي بيانه.
(وفي صوته صحل) بفتح المهملتين ولام (أحور، أكحل، أزجٌ،) بفتح الهمزة والزاي وشدّ
الجيم يوصف به الرجل والحاجب في المدح، (أقرن) مثله في حديث عليّ، وهو مخالف لما
في حديث هند بن أبي هالة: أزجّ الحواجب سوابغ من غير قرن. قال ابن الأثير: وهو الصحيح،
وقال غيره: إنه المشهور وإن قول راويه وكان هند وصافًّا ردّ لما خالفه، وأُجيب بأن بينهما شعرًا
خفيفًا جدًّا يظهر إذا وقع عليه الغبار في نحو سفر، وحديث أُمّ معبد سفري، وبغير ذلك.
(شديد سواد الشعر، في عنقه سطع) طول (وفي لحيته كثاثة) بمثلثتين، (إذا صمت)
بفتح الميم (فعليه الوقار) بفتح الواو: الحلم والرزانة، (وإذا تكلّم سما وعلاه البهاء وكأن منطقه
خرزات نظم طوال يتحدّرن) لعل وجه التشبيه التناسق بين كلماته وشدّة اتّصال بعضها ببعض،
فأشبهت في تناسقها الكلمات، وفي تواليها الخرزات إذا تتابعت، (حلو المنطق) الحلو في
المطعوم مستلذٌ، فاستعير لما يعجب السامع ويستلذّ بسماعه، (فصل) بفاء فصاد ساكنة بين الحقّ
والباطلِ أو بين قاطع للشكّ لا لبس فيه، أو ذو فصل بين أجزائه؛ كقول عائشة: ما كان
رسول اللَّه عَ له يسرد سردكم هذا.
(لا نزر ولا هذر، أجهر الناس) أرفعهم صوتًا إذا تكلّم من بعد (وأجمله) أحسنه، (من بعيد)
يعني: أن علوّ صوته لا ينقصه بل يزيد معه حسنًا وكمالاً، وهذا على ما في نسخ المصنف،
والذي في الشفاء: أجمل الناس من بعيد، ولغيره: أجمل الناس وأبهاه من الجمال الذي هو
الحسن وجعل الجمال من بعيد؛ لأنه يحقّق للناظر النظر فيه لمهابته بحيث لا يطيل القريب منه
النظر له إلا الصغير أو المحرم أو الأعراب، فإذا فعل ذلك أدرك فوق الجمال مرتبة أخرى؛ كما
قیل:

١٣٤
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
وأحلاه وأحسنه من قريب، ربعة لا تشنؤه من طول، ولا تقتحمه عين من قصر،
غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرًا وأحسنهم قدرًا، له رفقاء يحفون به، إذا
قال استمعوا لقوله، وإذ أمر تبادروا لأمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند.
فقال: هذا والله صاحب قريش، لو رأيته لاتبعته.
قالت أسماء بنت أبي بكر: لما خفي علينا أمر رسول الله عَظله، أتانا نفر من
قريش فيهم أبو جهل بن هشام، فخرجت إليهم، فقال: أين أبوك؟ فقلت: والله لا
أدري أين
يزيدك وجهه حسنًا إذا مازدته نظرا
وإليه أشار قولها: (وأحلاه) من حلا بعينه وقلبه إذا أعجبه واستحسنه، فالعطف تفسيري في
قولها: (وأحسنه من قريب) بإفراد الضمير فيها حملاً على لفظ الناس، أو على الجنس، كأنها
قالت: أحلى وأحسن هذا الجنس أو لسدّ واحد مسدهم، كما في التسهيل. ومثله في شرحه
بقوله تعالى: ﴿وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها﴾ [المؤمنون: ٢١]؛ لأنّ النعم
تسدّ مسد الأنعام. (ربعة لا تشنؤه) بمعجمة ونون وهمزة مضمومة فهاء الضمير، (من طول، ولا
تقتحمه عين من قصر، غصن) أي: كغصن (بين غصنين) تعني الصديق ومولاه؛ لأنهما
المقصودان له بالصحبة، والدليل كان على دينه فلم تعنه، (فهو أنضر) بضاد معجمة (الثلاثة
منظرًا، وأحسنهم قدرًا، له رفقاء يحفون) بضمّ الحاء: يطوفون (به) ويستديرون حوله (إذا قال
استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا لأمره، محفود) أي: مخدوم، (محشود) أي: عنده قوم، (لاعابس
ولا مفند) بكسر النون: کثیر اللوم، كما يأتي.
(فقال) أبو معبد: (هذا والله صاحب قريش، لو رأيته لاتّبعته) ولأجتهدنّ أن أفعل. وفي
رواية: ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلاً. وفي الوفاء: فهاجرت هي
وزوجها وأسلما. وفي خلاصة الوفاء: فخرج أبو معبد في أثرهم ليسلم، فيقال: أدركهم ببطن ريم
فبايعه وانصرف. وفي شرح السنّة للبغوي: هاجرت هي وزوجها وأسلم أخوها حبيش واستشهد
يوم الفتح، وكان أهلها يؤرخّون بيوم نزول الرجل المبارك.
(قالت أسماء بنت أبي بكر) فيما رواه في الغيلانيّات من طريق ابن إسحق، قال: حدثت
عن أسماء فهو منقطع، لكن رواه الحافظ أبو الفتح اليعمري متّصلاً، من طريق هشام بن عروة عن
أبيه عن أسماء، قالت: (لما خفي علينا أمر رسول اللَّه عَّ أتانا نفر من قريش فيهم أبو
جهل بن هشام، فخرجت إليهم فقال: أين أبوك؟) يا ابنة أبي بكر (فقلت: واللَّه لا أدري أين

١٣٥
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
أبي، قالت: فرفع أبو جهل يده - وكان فاحشًا خبيثًا - فلطم خدي لطمة خرج منها
قرطي، ثم انصرفوا.
ولما لم ندر أين توجه رسول الله عَّله، أتى رجل من الجن يسمعون صوته
ولا يرونه، وهو ينشد هذه الأبيات:
جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر ثم ترحلا فأفلح من أمسى رفيق محمد
فيما لقصي ما زوى
أبي قالت: فرفع أبو جهل يده وكان فاحشًا خبيثًا فلطم خدّي لطمة) واحدة (خرج منها) أي:
بسبب اللطمة. وفي رواية: خرم. وفي أخرى: طرح منها (قرطي) بضم القاف وسكون الراء
وبالطاء المهملة: نوع من حلي الأذن معروف، (ثم انصرفوا) قالت: (ولما لم ندرٍ أين توجّه
رسول اللَّه عَ ل أتى رجل) بعد ثلاث ليال، كما في رواية الغيلانيّات. وفي رواية اليعمري: فلبثنا
أيّامًا ثلاثة أو أربعة أو خمس ليال لا ندري أين وجه، ولا يأتينا عنه خبر، حتى أقبل رجل (من
الجنّ) من مؤمنيهم ولا أعرف اسمه، قال في النور. وفي رواية عن أسماء: إذ أقبل رجل من
الجنّ من أسفل مكّة تغنّى بأبيات غنى بها العرب، وإن الناس يتّبعونه (يسمعون صوته ولا يرونه)
وفي رواية الغيلانيّات عن أبي سليط: حتى سمعوا هاتفًا على أبي قبيس. واليعمري ذكر
الروايتين. وعذر شيخنا أنه لم يقرأ له الرواية الأولى التي عن أبي سليط. (وهو ينشد هذه
الأبيات: جزى اللّه ربّ الناس خير جزائه) هكذا رواية أسماء.
ورواية أبي سليط: جزى اللَّه خيراً والجزاء بكفّه، (رفيقين) مفعول جزى، (حلا) من
الحلول، كما في نسخة صحيحة من الاستيعاب بالهامش. ورواه اليعمري، قالا: من القيلولة،
وضبّب عليها في الاستيعاب كما في النور. (خيمتي أُمّ معبد) تثنية خيمة بيت تبنيه العرب من
عيدان الشجر، قال ابن الأنباري: لا تكون عندهم من ثياب بل من أربعة أعواد ثم تسقف بالثمام.
وفي معجم: ما استعجم من قديد إلى المشلل ثلاثة أميال بينهما خيمتا أُمّ معبد، (هما نزلاً بالبر)
ضد الإثم، (ثم ترحلا) وفي رواية: هما نزلا بالهدى واغتدوا به، (فأفلح) وفي رواية: هما رحلا
بالحقّ وانتزلا به.
وفي أخرى: هما نزلاها بالهدى فاهتدت به فقد فاز (من أمسى رفيق محمّد) فعيلٍ
يستوي فيه الواحد والمثنى والجمع، فيدخل في قوله: رفيقين عامر بن فهيرة، وقد ينافيه حلاًّ إلاّ
أن يكون ثنى نظرًا للفظ. (فيالقصي) بضمّ القاف وفتح المهملة وشدّ التحتية، (ما زوى) بفتح

١٣٦
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
اللَّه عنكم به من فعال لا تجارى وسؤدد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم ومقعدهما للمؤمنين بمرصد
فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها
له بصريح ضرة الشاة مزيد
دعاها بشاة حائل فتحلبت
فغادرها رهنًا لديها لحالب يرددها في مصدر ثم مورد
فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه عَّهِ.
الزاي والواو، أي: جمع وقبض، (اللَّه عنكم به من فعال) قال البرهان وتبعه الشامي: الظاهر أنه
بفتح الفاء وخفّة العين وهو الكرم، ويجوز أن يكون بكسر الفاء جمعًا، (لا تجاري) بالراء، وفي
رواية: بالزاي، (وسؤدد) بضمّ السين وإسكان الواو مصدر ساد (ليهنا) بفتح الياء وتثليث النون،
أي: ليسرّ (بني كعب) هو ابن عمر وأبو خزاعة، (مكان) فاعل يهنأ. وفي نسخة: مقام بفتح
الميم، (فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد) بفتح الميم والصاد، أي: مقعدها بمكان ترصد،
أي: ترقب المؤمنين فيه لتواسيهم (سلو أختكم) أَمّ معبد (عن) المعجزة التي شاهدتها في (شاتها)
التي حلبها المصطفى ولم يطرقها فحل ولم تستطع الرعي من الهزال، (وإنائها) الذي حلب فيها
منها مرارًا، فإنها معجزة باهرة لا تنكر، (فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل) لاحمل
بها (فتحلبت له) مطاوع احتلبها وضمنه معنى سمحت، فعداه بالياء في (بصريح) بصاد وحاء
مهملتين: لبن خالص لم يخلط (ضرّة) بفتح الضاد وشدّ الراء الفوقية: أصل الضرع؛ كما في
النهاية مرفوع فاعل تحلبت، (الشاة مزبد) بضمّ الميم وإسكان الزاي وكسر الموحدة فدال
مهملة: علاه الزبد، (فغادرها) تركها (رهنًا لديها لحالب يرددها) الحالب (في مصدر ثم مورد)
أي: يحلبها مرّة ثم أخرى، والمعنى: ترك الشاة عندها ذات لبن مستمر، (يردّد الحالب الحلب)
عليها مرّة بعد مرة لكثرة لبنها، (فلمَّا سمعنا قوله عرفنا حيث توجّه عَّه) وفي الرواية: فلمَّا سمع
حسّان الأبيات، قال يجاوب الهاتف، قال في النور: والظاهر أنه إنما قاله بعد إسلامه:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيّهم وقدس من يسري إليه ويغتدي
وحل على قوم بنور مجدّد
وأرشدهم من يتبع الحق يرشد
عمى وهداة يهتدون بمهتدي
ركاب هدى حلّت عليهم بأسعد
ويتلو كتاب اللَّه في كل مشهد
ترحل عن قوم فضلت عقولهم
هداهم به بعد الضلالة ربّهم
وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا
وقد نزلت منه على أهل يثرب
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله
وإن قال في يوم مقالة غائب فتصديقها في اليوم أو في ضحى غد

١٣٧
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
وقوله: مرملين: أي نفدت أزوادهم.
ومسنتين: أي مجدبين، ويروى: مشتين: أي دخلوا الشتاء.
وكسر الخيمة : - بكسر الكاف وفتحها، وسكون السين - جانبها.
وتفاجت : - بتشديد الجيم - فتحت ما بين رجليها.
ويربض الرهط : - بضم المثناة التحتية، وكسر الموحدة - أي يرويهم ويثقلهم
حتى يناموا ويمتدوا على الأرض. من ربض بالمكان يربض: إذا لصق به وأقام.
والثج: السيلان. وفي رواية: فحلب ثجا حتى علاه الثمال - بضم المثلثة -
الرغوة واحده: ثمالة.
ليهنا أبا بكر سعادة جدّه بصحبته من يسعد الله يسعد
(وقوله: مرملين، أي: نفدت) بالمهملة (أزوادهم ومسنتين، أي: مجدبين) بالمهملة، أي:
أصابتهم سنة جدبة، (ويروى مشتين) بشين معجمة اسم فاعل من أشتى القوم، (أي: دخلوا في
الشتاء) وحينئذ يقل طعامهم، (وكسر الخيمة بكسر الكاف وفتحها وسكون السين) المهملة
(جانبها) وهذه رواية ابن عبد البر والحاكم والبيهقي، وفسّرها ابن المنير وغيره بما ذكر. ورواه
اليعمري بلفظ، قال: ما هذه الشاة التي أرى لشاة رآها في كفاء البيت. قال البرهان: بكسر
الكاف وبالفاء المخفّفة ممدود. قال المؤلف، يعني اليعمري، في الفوائد: كفاء البيت ستره من
أعلاه إلى أسفله، من مؤخّره، وقيل الكفاء: الشقة التي تكون في مؤخّر الخباء، وقيل: كساء
يلقى على الخبار كالأزرار حتى يبلغ الأرض، وقد أكفأ البيت، ذكره ابن سيّده، انتهى. والجمع
بين الروايتين سهل بأن تكون الشاة في جانب الخيمة تحت كفائها، فالمعبّر بهذا أو ذاك صادق.
(وتفاجت بتشديد الجيم: فتحت ما بين رجليها، ويربض الرهط بضم المثناة التحتية
وكسر الموحدة، أي: يرويهم ويثقلهم حتى يناموا ويمتدوا على الأرض من ربض بالمكان يربض
إذا لصق به وأقام) ملازماً له يقال: أربضت الشمس إذا اشتدّ حرّها حتى تربض الوحوش في
كياسها، أي: تجعلها تربض. ويروى بتحتية بدل الموحدة، أي: يرويهم بعض الري من أراض
الحوض إذا صبّ فيه من الماء ما يواري أرضه، والمشهور الرواية الأولى بالموحدة، كما في
النور، ولذا اقتصر عليها المصنّف.
(والثج) بمثلثة وجيم (السيلان، وفي رواية: فحلب ثجًا حتى علاه الثمال بضمّ المثلثة
الرغوة) مثلث الراء: لبن الزبد (واحده ثمالة) لكن في تفسيره الجمع بالمفرد نظر، والأظهر لو
قال: الثمال واحده ثمالة وهي الرغوة إلا أن يراد جنس الرغوة وإن كل جزء مما على وجه اللبن

١٣٨
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
والبهاء أي بهاء اللبن: وهو وبيص رغوته.
وتساوكن هزالاً: أي تمايلن، ويروي: تشاركن من المشاركة، أي في
الهزال.
وغادره : - بالغين المعجمة - أي: أبقاه والشاة عازب، أي بعيدة المرعى.
والأبلج : - بالجيم - المشرق الوجه المضيئة
والثجلة : - بفتح المثلثة، وسكون الجيم - عظم البطن، ويروى بالنون والحاء:
أي نحول ودقة.
والصعلة : - بفتح الصاد - صغر الرأس، وهي أيضًا الدقة والنحول في البدن.
رغوة، (والبهاء بهاء اللبن وهو وبيص) بمهملة، أي: لمعان، (رغوته وتساوكن هزلاً، أي: تمايلين)
من الهزال (ويروى: تشاركن) بمعجمة بدل المهملة والراء بدل الواو، (من المشاركة، أي: في
الهزال، وغادره بالغين المعجمة، (أي: أبقاه) تفسير باللازم إذ هو الترك (والشاة عازب، أي:
بعيدة المرعى) والحيال بكسر الحاء المهملة جمع حائل، وهي التي ليس بها حمل (والأبلج)
بالموحدة و(الجيم المشرق الوجه المضيئة) وفي النور: مبلج الوجه مشرقه مسفره، ومنه تبلج
الصبح وابتلج، فأمّا الأبلج فهو الذي وضح ما بين حاجبيه فلم يقترنا، والاسم البلج بفتح اللام
ولم ترده أم معبد؛ لأنها وصفته بالقرن. (والثجلة بفتح المثلثة،) : كذا في النسخ، والذي في
النور: والسبل بضم المثلثة، (وسكون الجيم) وفتح اللام آخره تاء، (عظم البطن) وسعته، يقال:
رجل أنجل بين الشجل وامرأة ثجلاء، قال أبو ذرّ في حواشيه: فالثجلة عظم البطن، يقال: بطن
أثجل، إذا كان عظيمًا. (ويروى بالنون والحاء) المهملة، (أي: نحول ودقّة) من الجسم الناحل
وهو القليل اللحم، قاله أبو ذرّ. (والصعلة بفتح الصاد) وإسكان العين المهملتين، (صغر الرأس
وهي أيضًا الدقّة والنحول في البدن،) كما قال ابن الأثير.
وفي رواية: سقلة بقاف وبسين معها على الإبدال من الصاد، وذكره ابن الأثير بالصاد
والسين مع القاف وبالعين المهملة، وكذا الهروي في الغريبين، لكن لم يذكر السين ومعناه نحول
ودقّة، قال شمر: من صقلت الناقة ضمرتها وصقلها السير أضمرها، والسقل الخاصرة. وقال غيره:
أرادت أنه لم يكن منتفخ الخاصرة جدًّا ولا ناحلاً جدًّا، انتهى. وفي حواشي أبي ذرّ: لم تزر،
أي: لم تقصر، والصقل والصقلة جلدة الخاصرة، تريد: أنه ناعم الخاصرة، وهذا من الأوصاف
الحسنة، انتهى. وعلا كلام غيره وهو نفي للأوصاف الغير الحسنة. وقال ابن المنير: الصعلة
انتفاخ الأضلاع، وقيل: الرقّة، وقيل: صغر الرأس واختير في هذه الكلمة فتح العين، ذكر الهروي.

١٣٩
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
والوسيم: الحسن، وكذلك: القسيم.
وفي عينيه دعج: أي سواد.
والوطف: قال في القاموس: محركة، كثرة شعر الحاجبين والعينين.
وفي صوته صحل : - بالتحريك - هو كالبحة - بضم الموحدة وأن لا يكون
حاد الصوت.
وأحور: قال في القاموس: الحور - بالتحريك - أن يشتد بياض بياض العين،
وسواد سوادها.
والكحل : - بفتحتين - سواد في أجفان العين خلقة، والرجل: أكحل وكحيل.
والأزج: الدقيق طرف الحاجبين وفي القاموس: والزجج - محركة
انتهى. ولم أرّ ذلك في الغريبين.
(والوسيم الحسن وكذلك القسيم وفي عينيه دعج، أي: سواد) شديد (والوطف، قال
في القاموس: محركة) أي: مفتوح الطاء، (كثرة شعر الحاجبين والعينين) وفي الغريبين: في
أشفاره وطف، أي: طول قدّ ووطف يوطف، انتهى. وفي حواشي أبي ذرّ: في أشفاره غطف أو
عطف، ويروى وطف الوطف طول أشفار العين، وفي كتاب العين: الغطف بالغين المعجمة مثل
الوطف، وإمّا بالمهملة فلا معنى له هنا، وفتّره بعضهم بأن تطول أشفار العين حتى تنعطف،
انتهى. واقتصر ابن المنير على المعجمة، وقال: لم يعرفه الرياشيّ بغيرها. (وفي صوته صحل)
بالتحريك، أي: فتح الحاء وكذا الصاد المهملتين فلام، (هو كالبحة بضمّ الموحدة وأن لا يكون
حادّ الصوت) يقال: منه صحل الرجل، بالكسر يصحل صحلاً بفتحها إذا صار أبح فهو صحل
وصاحل، (وأحور، قال في القاموس: الحور بالتحريك) أي: فتح الواو، (أن يشتدّ بياض بياض
العين وسواد سوادها،) وهو المحمود المحبوب، ولذا كان أغزل ما قالت العرب، قول جرير:
إن العيون التي في طرفها حور قتلتنا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق اللَّه إنسانا
(والكحل بفتحتين سواد في أجفان العين خلقة، والرجل أكحل وكحيل) والمرأة كحلاء
و كثر تغزل المولدين بذلك؛ كقول ابن النبيه:
كحلاء نجلاء لها ناظر منزّه عن لوثة المرود
(والأزجّ الدقيق طرف الحاجبين، وفي القاموس: والزجج محرّكة) أي: مفتوحة الجيم

١٤٠
باب هجرة المصطفى واصحابه الى المدينة
- دقة الحاجبين في طول.
والأقرن: المقرون الحاجبين.
وفي عنقه سطع : - بفتحتين - أي ارتفاع وطول.
وفي لحيته كثاثة: بمثلثتين الكثائة في اللحية أن تكون غير دقيقة ولا طويلة،
وفيها كثائة، يقال: رجل كث اللحية - بالفتح - وقوم كث - بالضم -.
وإذا تكلم سما وعلاه البهاء: أي ارتفع وعلا على جلسائه.
وفصل - بالصاد المهملة - لا نزر - بسكون المعجمة - ولا هذر- بفتحها:
أي: بين ظاهر، يفصل بين الحق والباطل.
ولا تشنؤه من طول: كذا جاء في رواية، أي لا يبغض لفرط طوله، ويروى:
لا يشنى من طول: أبدل من الهمزة ياء، يقال: شنئته أشنؤه، شنا
الأولى، (دقّة الحاجبين في طول) أي: امتداد إلى مؤخّر العين، والزجج خلقة والتزجيج ما كان
يصنع كما قال: وزججن الحواجب والعيونا، أي: صنعن ذلك وهو ما تسمّيه العوام تخفيفًا
بمهملة، (والأقرن المقرون الحاجبين) قال ثابت في كتاب خلق الإنسان: رجل أقرن وامرأة قرناء
فإذا نسب إلى الحاجبين، قالوا: مقرون الحاجبين ولا يقال: أقرن الحاجبين، انتهى.
(وفي عنقه سطح بفتحتين، أي: ارتفاع وطول) كما قال الهروي، وزاد: يقال عنق سطعاء
وهي المنتصبة الطويلة، ورجل أسطع، ومن هذا قيل للصبح أوّل ما ينشقّ مستطيلاً قد سطع
يسطع. (وفي لحيته كثاثة بمثلثتين الكثائة في اللحية أن تكون غير دقيقة ولا طويلة وفيها
كثاثة، يقال: رجل كثّ اللحية بالفتح،) للكاف (وقوم كثّ بالضم،) لها (وإذا تكلّم سما وعلاه
البهاء، أي: ارتفع وعلا على جلسائه، وفصل بالصاد المهملة، لا نزر بسكون المعجمة) التي هي
الزاي، أي: قليل، (ولا هذر بفتحها) أي المعجمة التي هي الذال، أي: كثير بل وسط، هكذا
ضبطه الحافظ العلائي وغيره بالفتح، وضبطه بعض شراح الشفاء بسكون الذال مصدر قال بفتحها
الاسم وفي غريبي الهروي في وصف كلامه عليه السلام لا نزر ولا هذر، أي: لا قليل ولا كثير
ورجل هذر وهذار مهذار وهذريان كثير الكلام، وقوله: (أي: بيّ ظاهر يفصل بين الحقّ
والباطل،) تفسير لقولها فصل، وقال العلائي: يفسّره قولها: لا نزر ولا هذر، (ولا تشنؤه من طول،
كذا جاء في رواية، أي: لا يبغض لفرط طوله، ويروى: لا يشنى من طول أبدل من الهمزة ياء) ثم
قلبت ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، (يقال: شنئته أشنؤه شنًّا) بوزن فلس، كما في المصباح.